مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
تأملات
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تأملات
стр. 3
مالك بن نبي
تأملات
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر المعاصر-بيروت-لبنان
دار الفكر-دمشق-سورية
стр. 4
جميع الحقوق محفوظة
١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م
ط١: ١٩٧٩م.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١ ترك أستاذنا مالك بن نبي ﵀ في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٦٧/ ٢٧٥ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١
الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لارجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم.
فقد حمّلني، ﵀، مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان في:
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
كتاب (تأملات) كان قد صدر قسم منه عام ١٩٦٠م تحت عنوان (حديث في البناء الجديد)، وقسمه الآخر صدر عام ١٩٦١م تحت عنوان (تأملات في المجتمع العربي).
وحينما همَّ الاستاذ مالك ﵀ بطبع كتبه من جديد، شاء أن يعطي لتأملاته شمولاً يتلاءم مع نطاقها. فهو إذا تحدث عن المجتمع العربي فإنما يعالج الظواهر المرضية التي انتظمت العالم المتخلف من أقصاه إلى أقصاه. وإذا تحدث عن بناء جديد فإنما يبرز الحاجة إلى حضارة تنقل البلاد المتخلفة إلى مستوى المشاركة في مسيرة العالم.
لذا ... سميناه (تأملات)، يدخل في نطاقها المجتمع العربي، كما يدخل العالم الإسلامي والعالم المتخلف في عمومه.
والتأملات هذه تجربة.
إنها حصيلة ما أحاط بالمؤلف من أحداث في الخمسينات وبداية الستينات.
فقد جاء مالك بن نبي إلى القاهرة عام ١٩٥٦ يحمل أصول كتابه باللغة الفرنسية (الفكرة الافريقية الآسيوية. l'Afro-Asiatism) ، وعرفنا الاستاذ مالك في القاهرة، وعرفه القارئ العربي من خلال ما أصدر في العربيّة. حتى إذا كان عام ١٩٥٩م زار دمشق في طريقه إلى لبنان، فوجد فيها رجال الجامعة والمثقفين والطلاب، يسبق إليهم فكر بن نبي فيحفزهم إلى مزيد منه.
стр. 7
فالمحاضرات التي نشرت تحت عنوان (حديث في البناء الجديد)، جاءت حصيلة تلك الزيارة عام ١٩٥٩م، وقد اشتملت على أسلوب يوضح فكره المبثوث في مختلف الكتب.
وقد خلفت هذه الزيارة صلات بين المؤلف وأهل الفكر في دمشق، فما عاد إلى القاهرة حتى دعته وزارة الثقافة والإرشاد في ذلك العهد إلى إلقاء محاضرتين في سورية، وتتابعت المحاضرات بعد ذلك، فإذا هي يكمل بعضها بعضاً، وإذا هي تأملات جديدة اتسع لها كتاب جديد صدر بعد فترة من مجموعة المحاضرات الأولى.
وعلى الرغم من زمن طويل يفصلنا عن أفكار هذه المحاضرات، فإنها ما تزال تخاطبنا في مسيرتنا نحو المستقبل. وما تزال تأملات مالك بن نبي في صميم المشكلة، تحفزنا في السياسة كما تحفزنا في الإقتصاد والإجتماع، إلى تأصيل المنهج وبناء الثقافة القائمة على توظيف الطاقات الإنمائية في خدمة المجتمع.
ولقد نرى مالكاً كاتباً إسلامياً، يختار الإسلام صيغة تعبير عن نهضتنا وثقافتنا المرتقبة، ولكنه أبعد ما يكون عن أولئك الذين يزينون الإسلام بزينة الحضارة المعاصرة.
فقد انعكس على الفكر الإسلامي الحديث موقعنا من الحضارة الغربية وصلتنا بها بصفتنا مستسلمين لمعطياتها غير مشاركين فيها. وقد أسهم هذا اللبس في شائعة الشعور بأزمة الإسلام في العصر الحديث.
وإذا كانت الشائعة هذه ظاهرة في كتابات الذين اختاروا العقائد الغربية المتصارعة، فإنها تبدو في العمق النفسي لكثير من أولئك الذين يطرحون الإسلام دينا ورسالة. فالمسلم في إطار الحضارة المعاصرة إما متهِم لها أو متهَم منها.
стр. 8
لذا اهتم بن نبي بدراسة التاريخ يرقب سير الحضارات ويستخلص القواعد الثابتة والسنن التي لا تبديل لها. وقد أضاف بمؤلمفاته ومخاضراته إلى فكرنا آفاقاً صافية، لا يشوبها ضباب الثقافة الغربية ونماذجها المستوردة.
فالمؤلف بما أوسع لمحاضراته من تحليل، وبما أكثر من أمثال، قد شاء أن يحدد لتجارب الحضارة المعاصرة حجمها الطبيعي، نتيجة للعمل المشترك في مرحلة من مراحل تطور الإنسان.
فالاستاذ مالك يطرح القواعد الأساسية لفعالية الإرادة الإنسانية وقوتها في صنع الحضارة.
وإذا كنا ما نزال نراوح مكاننا في كل صعيد، وإذا كانت إرادتنا الاجتماعية قاصرة عن بناء مستقبلنا الإقتصادي والاجتماعي، فذلك لأن انحرافاً فكرياً أخرجنا عن الطريق. ولقد جاءت محاضرات بن نبي تؤازر مؤلفاته العديدة، في تحديد المنهج القادر على إخراجنا من أزمتنا الراهنة.
فدراسات بن نبي تضيء لجهود التنمية الاجتماعية والإقتصادية في العالم المتخلف، زاوية الفعالية حين تتناول بناء الإنسان في إطار ثقافة، تستجيب لمعطياته وأصالته.
تلك سمات نشهدها جلية في (تأملات) كما نلمسها في سائر ما كتب بن نبي.
ولقد أعدنا طبع المحاضرات هذه بعد ما راجعنا أسلوبها العربي فصححنا بعض العبارات وجلونا بيان بعضها.
والكتاب هذا هو الثاني نصدره بعد (ميلاد مجتمع)، ولسوف يتبعه ثالث إن شاء الله، حتى نعيد طبع كتب المؤلف جميعاً إن شاء الله.
طرابلس- لبنان ١٩٧٦/ ٨/٨ عمر مسقاوي
стр. 9
مقدمة
كنا نشرنا في كتاب سابق (حديث في البناء الجديد) (١) خمس محاضرات، ولعله كان من المناسب أن نجمع المحاضرات، التي ننشرها اليوم، تحت العنوان نفسه، مع الترقيم اللازم، باعتبار هذا الكتاب جزءاً ثانياً للذي سبقه.
ولكن مهما تكن الصلة بين الكتابين واضحة، بمقتضى وحدة الموضوع، لا من الناحية الشكلية ولكن من حيث النسيج المعقد، الذي تنسجه الأيام في حياة الشعوب، التي تواجه في القرن العشرين مشكلات خاصة بكيانها، ومشكلات مشتركة، تعبر عن امتداد كيانها في عالم الآخرين، فالنظرة إلى هذا الازدواج الحيوي، هي التي أوحت بجمع المحاضرات التي ننشرها هنا تحت عنوان مستقل (تأملات في بعض مشكلاتنا)، حتى يشعر القارئ أن هذا الكتاب يمثل حلقة جديدة في سلسلة (مشكلات الحضارة)، الحلقة التي تتضمن، بالإضافة إلى بعض ضرورات البناء في الداخل، ضرورات ناتجة عن التطورات الخاصة التي حدثت في حياة الشعوب تحت تأثير عوامل مختلفة مثل الإستعمار الذي ربط، بصورة غير مباشرة، حياة الشعوب الإفريقية الآسيوية، وتأثير العامل الفني الذي صاغ بالنسبة لكل شعب ضرورات من نوع خاص، تفرض على حياته
إلتزامات ومسؤوليات جديدة في نطاق أوسع من نطاقه التاريخي الجغرافي المعتاد.
стр. 10
فهذا الكتاب يحاول مواجهة هذا الازدواج بالنسبة إلى المجتمع العربي، والمؤلف قد تناوله في نطاق هذه المحاضرات التي يتصل بعضها بكيان المجتمع العربي في حدوده التاريخية الخاصة، وبعضها الآخر يتصل بارتباطه بالعالم الإسلامي والمفاهيم الإسلامية، وبارتباطه بالبلاد التي ربطه بها الطوق الإستعماري في القرن التاسع عشر، أي الشعوب التي تعيش على محور طنجة- جاكرتا.
فالمؤلف خصص هذه المحاضرات لهذه الجوانب المختلفة، التي يرتبط بها كيان المجتمع الذي نعيش فيه، وامتداد كيانه في عالم الآخرين.
فالمحاضرة الأولى تواجه عقدة نفسية، قد أشرنا إليها في دراسة أخرى (١)، وهي في وجه من الوجوه صعوبة تعترض، في المجال النفسي، حركة النمو أو النهضة في مجتمعنا. ومن وجه آخر، هي في المجال الاجتماعي، علأمة هذا النمو وهذه الحركة.
فالمحاضرة الأولى تناولت الموضوع من هذا الوجه، فهي محاولة لتوضيح الصعوبات التي يعانيها مجتمعنا اليوم في مواجهة ضرورات البناء الداخلي، وقد هدف فيها المؤلف إلى الإسهام في تخليص القارئ من مركب النقص، الذي يعتريه عندما يمنطق عن وعي الصعوبات التي تحيط بحياته الاجتماعية اليوم، إذ هو غالباً يعزو هذه الصعوبات إلى طبيعة المشكلات عوضاً عن أن يعزوها أولاً إلى نفسه من الناحية العقلية في إدراكه هذه المشكلات، ومن الناحية الأخلاقية في سلوكه إزاءها.
فإسهام المحاضرة يكون قد تحقق في تصفية العقدة التي نشير إليها، بقدر ما يتمكن القارئ من فهم الخطأ الذي نقع فيه، عندما نقدر الصعوبات والمسؤوليات في ضرورات البناء.
стр. 11
ويتبقى بعد ذلك أن ندرس كيف ولماذا تنشأ هذه الصعوبات في عالم نفوسنا أكثر مما تنشأ في عالم الأشياء؟
فهذا السؤال هو بالضبط موضوع المحاضرتين الثانية والثالثة، في أي ترتيب شئنا نتناولهما، سواء تناولنا موضوع (المسوّغات في المجتمع) أم لا، كما فعلنا أو تناولنا قبله موضوع (المفاهيم الإقتصادية والقيم الإنسانية).
ولكن يبدو لنا أن موضوع (المسوّغات)، الذي خصصنا له المحاضرة الثانية، يسبق بحكم الطبيعة موضوع المحاضرة الثالثة، لأن الأول يدرس الأسباب العأمة التي تطلق الطاقات الاجتماعية وتوجهها نحو مشكلات البناء، بينما تدرس المحاضرة الأخرى- المفاهيم الإقتصادية والقيم الإنسانية- مصدر الطاقات الخاصة الي يتطلبها البناء الإقتصادي، في مجتمع لم يزوده بعد التطور بالجهاز العادي، الذي نجده في حوزة مجتمع بلغ درجة معينة من النمو وكون رصيده الإقتصادي من مصانع ومصارف.
فالمحاضرة الثانية تكون إذن، بالنسبة للثالثة، كالمقدمة العأمة بالنسبة للنتيجة الخاصة في علم المنطق.
أما المحاضرة الرابعة (الديمقراطية في الإسلام) فإنها تعالج مشكلة ذات طابع مزدوج: فهي تتناول موضوع بناء وموضوع اتصال أو اتجاه في وقت واحد، لأننا حاولنا أن نبين فيها للقارئ أن كل مشروع ديمقراطي: قبل أن يصبح بناء المؤسسات والمنظمات السياسية ذات الطابع الديمقراطي، فهو بناء الإنسان بناء خاصاً، حتى يكون شعوره نحو الـ (أنا) (١) ونحو الآخرين، الشعور الذي تنبعث منه كل المسوّغات الكفيلة بتحقيق هذه المؤسسات والمنظمات، والكفيلة بحايتها خلال التطورات التي يأتي بها التاريخ.
стр. 12
ومن ناحية أخرى فالموضوع الذي تطرقه هذه المحاضرات يتصل بجانب من مشكلات الاتصال، أي المشكلات المشتركة بين الشعوب الإسلامية التي خصصنا لها دراسة سابقة (١).
فالجانب الذي نعنيه هنا يخص صياغة الشخصية الإسلامية حتى تفي بصورة موحدة بمسؤوليات المسلم في العالم، وهذا يعني توحيد النماذج التي تمثل المسلم اليوم، النماذج التي يمثل بعضها الرجل الذي لم تكيفه حضارة ولا زال على فطرته، مثل الملايين من المسلمين الذين يعيشون في إفريقيا السوداء، ويمثل بعضها الرجل الذي مرّ بدور حضارة وتبقت في نفسه رواسب انحلال حضارة، أي الفريقين اللذين يعيشأن على طرفي التطور الاجتماعي التاريخي، لأن الواحد يعيش في عهد ما قبل الحضارة والآخر في عهد ما بعد الحضارة.
فإذا لاحظنا البعد النفسي بين هذين الرجلين، أدركنا الصعوبات التي لا تجعل من اليسير توحيدهما في مشروع حضاري واحد، أي أن نحدد لهما مسؤوليات موحدة في العالم.
فهذه الصعوبات هي التي يجب أن يتغلب عليها مشروع ديمقراطي إسلامي جديد، يقوّم المسلم تقويما جديداً، فيضع في ضميره من جديد الشعور بالتكريم الذي أودعه فيه الله يوم خلق آدم، ويضعه هكذا في الطريق نحو الحضارة.
أما المحاضرة الخامسة فإنها تتناول موضوع (التضامن الإفريقي الآسيوي)، فبأي شيء تدخل هذه المحاضرة في نطاق المحاضرات السابقة وبأي شيء ترتبط بها؟
إننا قدمنا في دراسة سابقة (٢) أن للمسلم مسؤوليات في هذا العالم، وأن حضوره في الأحداث الكبرى التي تطرؤ فيه من الضرورات الملازمة لمسؤولياته.
стр. 13
فأي دراسة تستهدف توضيح الشروط التي يقتضيها بناء المسلم وتحديد دوره، لابد أن تهتم بالمجالات المختلفة التي يجري فيها هذا الدور، سواء في ميدان السياسة أم الإقتصاد أم الأخلاق.
فالمجال الذي حددته فكرة باندونج هو أحد هذه المجالات التي يرتبط بها حضور المسلم، أي أنه مجال لإلقاء القيم الإسلامية في معركة القرن العشرين، ولإقحام رسالة المسلم في هذه المعركة الكبرى التي ستحدد مصير الإنسانية ومستقبلها.
ولكن لهذا المجال معطياته الخاصة، لا يمكن للمسلم أن يقوم بدوره فيه دون معرفة هذه المعطيات، التي تتضمن بالنسبة إلى مئات ملايين البشر، التي تمشي اليوم تحت لواء (التضامن الإفريقي الآسيوي)، معوقات رجل الفطرة الذي لم يدخل بعد في دورة حضارة، ورواسب الإنسان الذي خرج منها وسلبته الأيام، في الهند أو في الصين أو في البلاد العربية، مقومات حضارة اندثرت.
وبما أن لهذه المعوقات ولهذه الرواسب أثراً سلبياً في صورة مركبات، تتعارض مع مقتضيات حضارة جديدة، لذلك يجب أن تدرس هذه المعطيات دراسة واقعية، وقد حاولنا أن ندرسها في هذه المحاضرة كي يعلم الشاب المسلم نصيبه من هذه المعوقات وهذه الرواسب، ونصيبه في مسؤولية التخلص منها، ضمن القوى التي تجمع جهودها في العالم للتخلص من الإستعمار، ولمناصرة الإنسانية في معركة السلام والحضارة.
فالمحاضرة الخامسة هي محاولة لإجلاء حقيقة (التضامن الإفريقي الآسيوي) بوصفه مجالاً جديداً لإلقاء القيم الإسلامية ولامتداد رسالة المسلم فيه.
القاهرة في١٩٦١/ ٤/٢٤ مالك بن نبي
стр. 14
الصعوبات بوصفها علأمة نمو في المجتمع العربي
محاضرة ألقيت في الاتحاد القومي في دمشق يوم الاثنين ٢٩ أب (أغسطس) سنة ١٩٦٠
стр. 15
سيداتي سادتي:
اسمحوا لي أولاً أن أوجه شكري إلى وزارة الثقافة التي أتاحت لي فرصة الحديث معكم، فأشكرها في شخص الاخ الكريم الدكتور يوسف شقرا الذي تفضل عليّ إذ جعلني بينكم متحدثاً وإذ هو قدمني إليكم.
وإني لاخشى أن يكون الدكتور قد قدمني في صورة ربما سوف يمحو لساني بعض معالمها. فقد وضعني أمامكم كمن يتناول الحديث العربي بكل سهولة، والواقع على خلاف هذه الصورة.
ثم إني أشكر إخواني المشرفين على هذا المركز الذين حققوا هذه الفرصة للحديث، وإني أشكركم أيضاً أنتم الذين شرفتموني بحضوركم تشجيعاً لإنسان لا يتكلم العربية بسهولة.
إنه حينما بلغتكم الدعوة التي شرفتموني بتلبيتها، بلغتكم بعنوان (من قضايانا العربية). ولا شك أنكم قد أدركتم بأن الموضوع- تحت عنوان كهذا- يتناول في مضمونه جوانب شتى من القضايا العربية. وهذا يجعلنا مضطرين إلى توضيح حدود الحديث تحت هذا العنوان العام، ولعلنا لا نخطئ إذا ما حددنا هذا الإطار الخاص حول نقطتين قد يتناولهما رجل الدولة في مناسبة الحديث إلى المثقفين فيقول: إننا نضع عليكم اليوم عبء المسؤولية، كما قد يقول في مناسبة أخرى حين يتوجه إلى الذين يهتمون بالصناعة: إنه يمكننا أن نستورد المصانع ولكن لا يمكننا أن نستورد البشر، فإذا أخذنا هذين الاعتبارين بالتحليل النفسي إذا سمح لي هذا التعبير، فإننا نقول إن رجل الدولة الذي يواجه ويوجه الاعمال من مرحلة إلى مرحلة من حضيض إلى عل، يعبر عن شعوره بثقل المسؤولية، وبصعوبات السير في الطريق الذي يخططه التاريخ، فإذن لابأس في
стр. 16
أن نضع أمامنا موضوعاً لهذا الحديث الصعوبات والشعور بالصعوبات، فعن أي شيء تعبر الصعوبات عندما تواجهنا أو نواجهها نحن؟
لو أننا راجعنا ذكرياتنا، أو أتيح لمن كان في سني أنا أن يراجع ذكريات طفولته، وعلى تقدير أنه قد اتصل بحياة جده وحياة أبيه، ليتذكر بعد خمسين سنة أن الحالة النفسية التي كان يعيش فيها مع جده ومع أبيه ومع جيله هو قد تغيرت حسب مراحل ثلاث.
إنني أتذكر حياة جدي وقد كان شيخاً، وديعاً كريماً شأنه شأن العرب والمسلمين، الذين كانوا يعيشون في زمانه، غير أني أشعر الآن أن جدي كان يعيش في طمأنينة واستقرار لا يشعر بأية مشكلة، سواء كان ذلك من الناحية المادية التي لم يكن معها يريد من العيش إلا الكفاف، أومن الناحية النفسية لأنه لم يكن يواجه المشكلات ولا يشعر بوجودها. ثم مرت هذه المرحلة وجاء الجيل الذي منه نبت والدي، فإذا بي أراه قد دخل في جو جديد خاصة إبان الحرب العالمية الأولى، فقد بدأ يشعر بوجود مشكلات، ويرى أمامه أموراً لا يستطيع إلا أن يضع عليها نقط استفهام، ولقد أذكر في هذه الفترة التي تميزت بالشعور بهذا القلق، أن والدي كان يعيش في جيل فقد الطمانينة من نفسه، غير أنه لم يكتسب بعد روح الكفاح والبروز إلى المشكلات وجهاً لوجه. وغالب الظن أنه لم يكن يحاول تصنيف المشكلات حتى يستطيع مواجهتها بصورة واضحة.
وهكذا ولّى هذا الجيل لا يعرف الاستقرار، ولكنه أيضاً لا يعرف الحركة والأندفاع، ثم أتى الجيل الذي نحن منه، الذي تفضل الاخ الدكتور يوسف شقرا فقدمني على أنني ممن واجهوا قضاياه، والحق أنني لم أكن في هذا الطريق وحدي بل كان جمع من الشباب كثير، والذي ذكره الدكتور من الحادثة التي جعلتني في قريتنا في مطلع الشباب، أقوم بتأييد ثورة الريف لم أكن فيها وحيداً، بل كنا
стр. 17
ثلة من الشباب أثارنا أن يستخدم الإستعمار مساجدنا وأئمتنا للدعاية ضد الثورة الريفية، فقمنا لصد هذه الدعاية بصورة صبيانية، وربما فيها كثير من المخاطر، بل لعلها لم تكن هي الطريقة المثلى التي كان علينا أن نتبعها، غير أنه مع ذلك فقد شعرنا بوجود مشكلة، وإن هذا الشعور ليعبر دون شك عن حالة نفسية جديدة، وهو القيام بالواجب، أعني الخروج من الركود أو الحيرة: ذلك الركود الذي كان فيه جدي وتلك الحيرة التي عاشها والدي.
إذن فإنه يمكن لنا أن نعد الصعوبات (من ناحية نفسية) أوضح دليل على النهضة واليقظة للأمة العربية في هذا الجيل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فليس علينا من بأس في أن نستفيد من دراسة من سبقنا في هذا المضمار لنقول مع توينبي ((إن الصعوبات هي تحدّ خلاق لأنه يستحث الرد عليه)). ولا شك أن الرد لا يمكن أن يكون بغير الكد والتفكير.
ثم إنه بصفة عأمة يمكننا عَدّ هذه الصعوبات أزمة نمو تعيشها الأمة العربية، وطبيعي أنه ككل نمو لابد له من تعب وقلق وألم، ذلك أنه يقع في المجتمع وفي الفرد نفسه أيضاً شيء من التطاحن، بين قوات سلبية تدعوه إلى السكون، وهي دعوة تجد في طبيعة الإنسان عأمة قبولاً بسبب ميله الفطري إلى السهولة، وبين قوات إيجابية تدعوه إلى الكد والعمل، تحثه صعداً إلى الرقي، الذي هو رسالة الأمة، وإلى الدفاع عن كيان المجتمع؛ وبصورة عأمة إنها تدعوه إلى القيام بالواجبات .. وهكذا نرى أن الصعوبات هي أكبر مبشر بالحياة الاجتماعية الصحيحة.
لذلك كان طبيعياً أن رجل الدولة الاستاذ والوزير والنائب الذي يمثل الأمة العربية، في الاتحاد القومي يشعرون جميعاً بالصعوبات لأنها علأمة دخولهم ودخول أمتهم حلبة الكفاح.
ولكن هل تقنعنا هذه النظرة الوصفية للصعوبات؟.
стр. 18
إنه إذا كان مفيداً أن ننظر إلى الصعوبات بوصفها علامات تشير إلى مشكلاتنا، فإن هذه الفائدة لن تكتمل ما لم نجعل من هذه العلامات دليلا أيضا على أمراضنا الاجتماعية، التي لا مناص من مواجهتها. وليس من شك في أن سيادة الرئيس حينما توجه إلى الطلبة مرة وإلى حشود العمال مرة أخرى، شعر ببعض نقاط الضعف، فعبر عنها في المناسبتين كلتيهما بما ينبغي أن يعبر عنه رجل الدولة.
فإذا ما قدرنا أن هذه الصعوبات تعبر عن أزمة نمو، أي عن حالات شبيهة بالحالات المرضية، أو هي مرضية فعلاً، فإنه ينبغي علينا أن نسلك إزاءها مسلك الطبيب أمام الأمراض، إذ يحدد مكان المرض أو مصدره.
فما هو مصدر الصعوبات عأمة؟!
إننا إذا أجبنا على هذا السؤال إجابة عأمة مجردة، بمعنى أنها تكون صالحة لجميع أنواع المجتمعات الراقية، سواء فيها الاتحاد السوفيتي أو الأمريكي أو الاوربي فإننا نجدها تنشأ من جهات أربع:
فإما أنها تنشأ من خلل في عالم الأشخاص، وإما أنها تنشأ من خلل في عالم الأفكار، وإما أنها تنشأ من خلل في عالم الأشياء، وإما أنها تنشأ من خلل في علاقات هذه العوالم بعضها ببعض.
ولكن كيف ينشأ الخلل في عالم الأشخاص فينتج عنه صعوبات في مستوى السياسة أو في مستوى الثقافة؟
إنه من الطبيعي أننا نتصور الخلل في عالم الأشخاص بكل سهولة، إذا
ما كان في عشيرة فئة تدعو إلى الشر بمعنى أنهم مخربون. إذا كان جانب من الأمة يبني وآخر منها يخرب فهذا خلل كبير في عالم الأشخاص؛ فالسارق وشارب الخمر والذي يستغل إخوانه هو حجر عثرة في طريق المجتمع بل هو ذاته مرض متجسم.
стр. 19
أما الخلل في عالم الأفكار فنراه مثلاً في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث وجدنا كثيراً من الصعوبات بسبب الخلل في عالم الأفكار، فلو أمكن- وأظن ذلك صعباً- أن نقوم بإحصائية للافكار التي أدت إلى الكوارث الاجتماعية فإن العد لا يحصيها.
وليس التاريخ إلا نسيجاً من عمل الأشخاص وأفكارهم ومن عالم الأشياء. والخلل في عالم الأفكار، إما أنه ينشأ من الخطأ في تحديد المفاهيم أو في عدم ربط الأفكار بالطرق الصحيحة. فإذا ما اختلت المناهج المنطقية لدينا فأصبحنا نقول ٢+ ٢= ٤٥، فإن هذا يعني أن ثمة خللا قد طرأ على عالم أفكارنا، وهذا ما حدث في تاريخنا. فمثلاً نعلم أن البوصلة هي التي أتاحت لكريستوف كولومبس اكتشاف أميركا، مع أنها لم تتح للعرب أن يقوموا بمثل هذا الاكتشاف، على الرغم من أنهم هم الذين اخترعوا ذلك الجهاز، لأن بعض المفسرين في ذلك الحين كانوا يؤمنون بأن الأرض قائمة على رأس ثور؛ فمثل هذه الأفكار تكبل المبادرات والجهود، وهي ليست خاصة بمجتمع، وكم كان بعض الأفكار المميتة مستولياً على كثير من المجتمعات حتى عاقها عن كثير من التقدم. ولنا أن نذكر منها في المستوى العلمي فكرة من الأفكار سادت مرحلة من التطور العلمي تلك هي: أن الطبيعة تأبى الفراغ، فقد كان علماء الفيزياء يقولون بها ويدينون، مع أنها فكرة مزيفة غير صحيحة، لأنها تؤدي إلى القول: إنه كلما وجد فراغ امتصته الطبيعة حتى يمتلئ. وهذا يعني بالتالي لو سرنا على قواعدهم المفاهيمية، أنه يمكننا نحن هنا في الأرض أن نتصل بالمريخ عن طريق الفراغ. ذلك أنه بفرض صحة هذه الفكرة، فإن الفراغ الكوني يمتلئ أولاً على حسابنا نحن إذ يمتص الهواء الذي حول الأرض. وهذا خطأ وقع فيه ضعف تصور الإنسان في مرحلة معينة. ولم ينقذه غير (ماريوت) حينما حقق الفكرة على قاعدة جديدة، فقال: إذا صعد الماء في فراغ قناة مفرغة، فذلك لا يعني أن الطبيعة تأبى الفراغ، وإنما شيء آخر هو التعادل بين ضغط الماء من ناحية وضغط الهواء في العلو المناسب من ناحية أخرى، لأن الضغط على سطح الماء ٧٦ سنتيمتر من الزئبق.
стр. 20
أو يكون الخلل في عالم الأشياء فتنشأ ثَمَّ صعوبات أخرى. وهذه نراها ببساطة حينها تفقد الأشياء التجانس فيما بينها، فلا تؤدي أغراضها، وربما أحدثت الكوارث. فلو أننا أردنا تنوير مدينة بجهاز مولد للكهرباء تحت ضغط ٢٢٠ فولت، ثم أخذنا مصابيح لهذا الغرض ذات ١٢٠ فولت فربما أحدث هذا التباين كارثة؛ وقس على هذا كثيراً من الامثلة التي نصادفها في حياتنا اليومية.
فالصعوبات إذن في عمومها تنشأ من هذه النواحي الثلاث: من عالم الأشخاص ومن عالم الأفكار ومن عالم الأشياء، فإذا أدركنا هذه الحقيقة علمنا أن الصعوبات التي يشعر بها الرئيس، أو نشعر بها نحن، لابد وأن تكون صادرة من هذه الجهات الثلاث. غير أننا بعد هذا التحديد العام للصعوبات ينبغي لنا أن نحددها تحديداً خاصاً بتكويننا الاجتماعي، وبفطرتنا الاجتماعية.
فلو أننا رجعنا على ضوء هذه الاعتبارات في حديثنا هذا، في المناسبتين اللتين افترضناهما آنفاً، لرأينا أن هذه الصعوبات التي نشعر بها، مردها إلى الفرد الذي له صلة خاصة بعالم الأفكار، وذلك حينما نتحدث إلى المثقفين؛ ومن ناحية أخرى ننسبه إلى الفرد الذي له صلة خاصة بعالم الأشياء، وذلك في حديثنا إلى العمال ورجال المصانع، وهكذا نجد أن صعوبتنا على ضوء التجربة التي نباشرها في مجتمعنا تنتج من عالم الأشخاص. ولكن على أنواع مختلفة: فمنهم الفرد الذي يتصل بعالم الأفكار، والآخر الذي يتصل بعالم الأشياء سواء كان صانعها أو مستهلكها. فإذا ما تساءلنا عما نستنتجه من هذا كله بوصفه نتيجة مؤقتة، فإننا لا نخطئ التقدير إذا قلنا في فقرة أولى: إن القضية منوطة أولاً بالثقافة التي تكون عالم الأفكار وتحدد علاقتنا به، وبالسياسة التي تكون عالم الأشياء وتحدد علاقتنا به.
غير أننا حينما نقف عند هذه النتيجة المستعجلة، فسوف نجد أنفسنا أمام مناقضة صورية. ذلك أننا نحمل جميعا في أذهاننا صورة تربط الثقافة بأهداف
стр. 21
السياسة ارتباطاً تحدد معه الثقافة أهداف السياسة، وترتبط السياسة بالثقافة لأنها هي التي تمد الثقافة بالوسائل؛ فنتساءل: ترى أين الثور وأين المحراث؟
هل الثقافة هي المحراث أو الثور! .. وهنا نقف أمام هذا اللغز في حيرة ولكنها صعوبة شكلية فقط.
إنه ينبغي لنا أولاً أن نحدد كلا من المفهومين (الثقافة والسياسة) تحديداً علمياً مستقلاً في ذاته وليس بنسبة أحدهما للآخر. وأن يكون هذا التحديد، فوق ما نريد له من الضبط العلمي والتدقيق، تحديداً تطبيقياً Pédagogique حتى يصبح صورة ذهنية واضحة في أفهامنا، وتستطيع أن تدركه أيدينا.
ولابد لي هنا أن أدعو شبابنا المثقف لأن تكون كل محاولة في أذهانهم تهدف إلى تطبيق عملي.
الأمر إذن هو أن نحدد الثقافة تحديداً كالذي أشرت إليه، وعلى هذا فلا بد
لنا من أن نعرف الثقافة على أنها توجيه الطاقات الفردية، لتحقيق بناء الفرد في الداخل بالنسبة إلى مصلحته، ولتحقيق مكانه في المجتمع بانسجام تلك المصلحة مع مصلحة المجتمع. والتحديد هذا فيه ما يدخل في نطاق الأخلاق، وفيه ما يخرج من هذا النطاق ليدخل في نطاق العلم. والذي يدخل من تحديدنا في هذا النطاق الاخير قولنا: إن الثقافة هي توجيه الطاقات الفردية، وليست الثقافة في غنى عن هذا الشطر من التحديد مطلقاً.
أما السياسة، فإننا نحددها على أنها توجيه الطاقات الاجتماعية، لتحقيق
بناء المجتمع في الداخل وتحقيق مكانه في الخارج. على أننا حينما نحلل الطاقات الاجتماعية عأمة، نرى أنها تتضمن أولاً وقبل كل شيء الفرد أداةً وهدفاً، فالطاقات الاجتماعية تنبع من الفرد وتعود إليه. فالفرد الصالح حينما يشارك في بناء المجتمع، فإن عمله هنا يعود إليه في صورة ضمانات اجتماعية تكفل له توجيه طاقاته الفردية. إذن هناك تضامن بين الثقافة والسياسة وليس ترتيب وأسبقية.
стр. 22
فالبناء هنا كالبناء الطبيعي للكائن الحي. فالطبيعة لا تبني في الإنسان إصبعه أولاً ثم شعره ثانياً.
فالقضية إذن في صورتها النهائية ليست في ترتيب القيم الاجتماعية، ولكن
في بنائها متضامنة متكاملة كبناء الكائن الحي، الذي ينمو في جميع جوانبه في وقت واحد، حتى لا يكون له مثلاً رأس رجل وأعضاء جني.
والتوفيق هذا بين الثقافة والسياسة يتحقق عن طريق الفرد، لأنه هو العنصر الواعي الموجه للطاقات الاجتماعية.
وبهذا فإننا نرى أن مصدر الصعوبات كلها في تكوين الفرد أعني في عالم الأشخاص. فإذا ما أردنا دراسة هذا العالم لنستقصي أهم الصعوبات في مجتمع ما، فإن علينا أن نسلك مسلك المحلل الكيمائي الذي يأخذ عينة من المادة التي ينبغي دراستها، لأن ثمة استحالة في تحليل المادة كلها. وهكذا فإننا حينما نتحدث عن عالم الأشخاص في مجتمع ما، فإننا نتحدث عن فرد منه. فإذا ما أدركنا حقيقة هذا الفرد ومشاكله والصعوبات التي تنتج منه، أدركنا المشاكل التي تنتج من عالم الأشخاص، والصعوبات التي تقوم فيه.
ونحن في بناء الفرد ينبغي أن نلاحظ أمراً لعله من تحصيل الحاصل، فإن الإنسان لا يتغير بوصفه كائناً حياً في حدود التاريخ؛ وإنما يتغير بوصفه كائناً اجتماعياً تغيره الظروف، فإن التاريخ يعجز عن أن يغير شعرة واحدة في الإنسان، ولكنه يستطيع أن يزيد أو ينقص من ميزاته الاجتماعية. وفعاليته من ناحية المنطق العملي. وفي رأيى أنه ينبغي للقرن العشرين أن ينظر إلى الأشياء هذه النظرة، ينبغي أن ينظر إلى المشاكل الاجتماعية من زاوية (الفعالية)؛ وليس معنى هذا أننا نغفل في الإنسان جوانبه الأخرى، بدعوى أنه قبل كل شيء آلة إنتاج وجهاز إنتاج. فإن معنى كلمة فعالية تجنح إلى التضييق
стр. 23
من معنى إنسانية الإنسان إلى حدٍ ما. وكثيراً ما نرى في منطق الغربيين حينما يتوجهون إلى خصومهم بالنقد مثل هذه الملاحظات، إذ نجدهم يقولون لهم إنكم تريدون أن تجعلوا من الفرد آلة إنتاج.
إننا لا نعني بالطبع هذا المعنى ما دام لنا نحن العرب والمسلمين من أرصدتنا الروحية، ما يحول دون نزوعنا إلى هذه المبالغة. خاصةً أننا نجد القرآن الكريم يعلي من شأن الإنسان حينما يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠/ ١٧] فالإنسان فوق كل هذا في تحديد مهمته في المجتمع، لأنه أولاً وقبل كل شيء الكائن المكرم من الله.
إذن فنحن إذا ما توجهنا للفرد كي نعالجه على أنه هو مصدر الصعوبات ومصدر المشكلات، التي تنشأ في المجتمع ويعود تأثيرها عليه وعلى أسرته وأولاده، فإنه ينبغي لنا أن نلاحظ أن قيمته تتضمن معادلتين: معادلته بصفته إنساناً، أي معادلته كائناً طبيعياً خلقه الله ووضع فيه تكريمه، وهذه المعادلة لا تمسها يد التاريخ بتغيير، ومعادلته كائناً اجتماعياً، وهي هي التي تكون ميزة الفعالية فيه وتعلي من قيمته الاجتماعية في ظروف معينة. وهذه المعادلة الاخيرة تعترضها طوارئ التاريخ ونوائب الزمن: فلو أنه أتيح للفرد أن يعيش حياة سيدنا نوح أي ألف سنة إلا خمسين عاماً، لشاهد الاطوار التي تمر على معادلة الفرد بوصفه كائناً اجتماعياً كلها ولرآها تتغير تبعاً لمراحل مختلفة.
فما هي هذه المراحل التي تغير من قيمة الإنسان الاجتماعي، فترفعه أحياناً إلى
أعلى أو تلقي به في الحضيض أحياناً أخرى؟
لابد لي قبل الجواب على هذا السؤال أن أقص عليكم حادثة شاهدتها منذ زمن بعيد. ولعلها كانت سبباً في اتجاهي الفكري. فقد كان لي صديق جزائري أعرف فيه الصدق والإستقأمة والأخلاق النبيلة، وأعرف فيه العلم الواسع فقد كان من علماء الجزائر التقليديين، وكان إلى جانب هذا رقيق الحال لا يكاد كسبه يفي
стр. 24
بمطلوباته أباً. وحتى أعطيكم صورة عن مدى إخلاصه وقوة خلقه، فإني أذكر أنني زرته يوماً في مستشفى كان يعالج مرضاً ألم به، فوجدته متألماً ويبدو عليه التجهم، فلما سألته عما به قال لي: واحسرتاه إنني لم أعد أصلح للجهاد.
وذات يوم كنت جالساً مع أخي الجزائري على سطح مقهى في مرسيليا، يحدثني عن نوائب الزمان التي ألمت به، والضيق المادي الذي هو محدق برزقه، فلما انتهى من حديثه ودعني وانصرف لبعض أعماله، وبقيت وحدي على سطح المقهى أفكر في أمر أخي، وبينما أنا كذلك إذا بامرأة عجوز شمطاء دخلت المقهى، وعلى وجهها أمارات حياة قذرة، قد يخيل من ملامح وجهها أن رائحة الخمر تنبعث من فمها، فوقفت وسط المقهى وغنت بأقبح الصوت وهي ترقص على رجل واحدة، فما إن انتهت من الذي هي فيه حتى مدت يدها إلى الجالسين، فجمعت من طيبة الفرنسيين ما يكفي أخي الذي كان معي وأهله أسبوعاً.
وهكذا دار في ذهني هذا السؤال: لماذا هذا الرجل الفاضل المخلص يحرم من سعة العيش، وهذه المرأة المحرومة من كل ميزة خلقية يأتيها رزقها رغداً؟ ففهمت حينئذٍ أن حياة الفرد قبل أن تكون منوطة بذاته الخاصة وبموهبته الشخصية، هي منوطة أولاً وقبل كل شيء بصلته بمجتمع معين، فإذا كان المجتمع يقدم الضمانات للفرد، فإن كل فرد ولو كانت هذه المرأة الشمطاء لا يُحرم من الحياة، ولقد رأينا فعلاً نماذج كثيرة من هذا النوع في أوربا، تتمتع بالحياة ولا تحرم منها، بينما الرجل الفاضل الجزائري يُحرم من وسائل الحياة ولا يقدر على شيء منها.
إن القضية قضية مجتمع وليست قضية فرد، وحتى يكون كلامنا أكثر وضوحاً، فإنني أرى أن المتاعب التي تهاجم الفرد والمصاعب التي تعترضه في الطريق، ليس مصدرها تكوينه الخاص ولكن صلته بمجتمع معين، فالمجتمع
стр. 25
المتحضر يكفل الضمانات للفرد مهما كانت قيمته، والمجتمع المتأخر لا يقدم الضمانات ولا يمكنه تقديمها، لأن الحياة تتكامل بوصفها كُلاًّ ولا يمكن للمجتمع أن يتحمل مسؤولية هنا ووسائله في مجال آخر قصيرة.
إذن فحينما نقول إن كيان الفرد مرتبط بصلته بالحضارة، فإنه ينبغي لنا
أن نلاحظ بأن صلة الفرد بالحضارة أو مكانه منها هي في ثلاث مراحل: فالإنسان إما أن يكون قبل الحضارة، وإما أن يكون في نعيم الحضارة، وإما أن يكون قد خرج من الحضارة. والمراحل الثلاث هذه تختلف تمام الاختلاف. فمن المفهوم أن الإنسان المتحضر يختلف إذا اقتصرنا على هذا التحديد عن الإنسان غير المتحضر. ولكن ينبغي أيضاً أن نقيم نسبة أخرى بين الذي خرج من الحضارة والذي لم يدخلها بعد، فالإنسان الخارج من الحضارة يحتوي على بعض الرواسب، ويكون أكثر مصدراً للمصاعب في المجتمع من ذلك الذي لم يدخل بعد إلى هذه الحضارة.
إننا حينما ندرس قضية الفرد على هذه الطريقة، فإننا نرى أنه مهما تكن مرحلتنا نحن الأمة العربية من الحضارة اليوم، سواء كنا قبل الحضارة أم بعدها، لا بد لنا من تشييد حضارة، لأن التخطيطات التي دخلت فيها الأمة هي في نهاية التحليل تهدف إلى شيء واحد، سواء عبرنا عنه أو لم نعبر، هو تكوين حضارة، فحينما نقول إننا نريد أن نكون مجتمعاً يقدم الضمانات الاجتماعية للفرد ويؤيد الامن في العالم، أو أننا نريد أن ندرس قضايا مجتمعنا، إقتصادية كانت أم اجتماعية فإن شروط وصولنا إلى تحقيق هذا كله هي شروط الحضارة. بل إنه لا يمكن أن تنبع هذه الشروط إلا من الحضارة، ولا يمكن أن تتحقق إلا في إطارها. فحينما نفكر في مشكلة المصاعب التي تصدر عن الفرد وتواجهه فلا بد لنا أن نفكر في عودة الفرد إلى الحضارة أو دخوله إليها. وهنا نعلم لماذا نحن الآن نواجه صعوبات خاصة. ذلك لأننا في نقطة انتقال الفرد إلى الحضارة أو رجوعه
стр. 26
إليها. ولا شك فإن هذا الإنسان بين قوتين: قوى سلبية تريد إرجاعه إلى الوراء باستغلالها طبيعة الاستقرار في الإنسان، وقوى إيجابية تدفعه إلى الامام وإلى تحقيق مستقبله، فينبغي ألا تضعف القوى الإيجابية فينا عن الوصول إلى الحضارة.
ولكن ما هي الطرق التي ندخل بها إلى الحضارة؟ أو نعود بها إليها؟
إن أول الابواب إلى الحضارة أن نواجه المشكلات مستبشرين لا متشائمين،
فإذا ما واجهنا الامور متشائمين فقد أصبحت في حكم استحالة، ومن العبث أن نفكر بأننا نستطيع التغلب على المستحيل. وهذا ذهان مَرّ بنا نحن، فقد أصبحنا نقول مسبقاً إذا ما سئلنا لماذا لا تفعلون هذا الأمر؟ إنه مستحيل.
ويقابل هذا في الخطورة نفسية التساهل، إذا ما نظرنا إلى الأشياء على أنها
أمر تافه لا قيمة له. فقد نظرنا إلى اليهود ونحن في الجزائر نظرة احتقار، فلم نقدر قوتهم بينما هي واضحة وخاصة في المجال السياسي والإقتصادي، فقد نعلم أن دول أميركا وإنجلترا وفرنسا تؤيد اليهود. ومع ذلك فقد قلنا حثالة حقيرة، حينما ننفخ عليهم نفخة واحدة يطيرون، ولكنهم للاسف لم يطيروا.
فينبغي علينا أن نتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل، فليس هناك شيء سهل وليس هناك شيء مستحيل.
ثم إن الباب الثاني الذي ينبغي أن نعود منه للحضارة هو باب الواجب،
وأن نركز منطقنا الاجتماعي والسياسي والثقافي على القيام بالواجب، أكثر من تركيزنا على الرغبة في نيل الحقوق، لأن كل فرد بطبيعته توّاق إلى نيل الحق، ونفور من القيام بالواجب، إذن لسنا نريد من الفرد أن يطالب بحقوقه، فالطبيعة بحقوقه كفيل. بل ينبغي على متثقفينا وسياسيينا ومن يمثل كل سلطة أن يوجهوا الهمم إلى الواجب ..
стр. 27
فالمجتمع الذي يرتفع وينمو فإن ذلك يعني أن لديه رصيداً من الواجب فائضاً
على الحقوق. وحتى تشعروا بقيمة هذا الفائض يجب أن نتصور قضية قائمة اليوم: فالهند مثلاً لديها فائض من الإنتاج تستطيع أن تمول به المشاريع الجديدة بنسبة ٢% من دخلها السنوي، بينما الصين تمول مشاريعها بنسبة ١٦%، مع أن غاندي هو الذي دعا للواجب قبل أن يدعو إليه شخص آخر. والقرآن الكريم قد دعا العباد من قبل إلى الطريق الواجب إذ أن الحقوق ستأتي هي بطبيعتها.
هذه هي الملاحظات التي أردت أن أقدمها لكم عن مشكلة الصعوبات والسلام عليكم
***
стр. 28
المسوّغات في المجتمع
محاضرة ألقيت ببيت الطلبة العرب يوم ٨/ ٤/ ١٩٦١
стр. 29
يجب أن نحدد أولاً الموضوع بطريقة منطقية واضحة، مستمدة من ملاحظاتنا البسيطة:
إننا عندما نلقي نظرة فاحصة على المجتمعات المعاصرة في القرن العشرين،
نجد أنها تختلف في نواح عدة وتتشابه في نواح أخرى، والإختلاف الذي يلفت نظرنا يتمثل في جانب أصيل من جوانبا المجتمع، ألا وهو ما يطبع نشاطه من فاعلية تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر. هذا العنصر أصبح أساساً في فلسفة العصر، التي تعنى بتقدير الكم فتجعله فوق القيم الأخرى، وهو يختلف باختلاف المجتمعات حتى يمكن أن نتخذه مقياساً خاصاً لقياس المستوى التاريخي لهذه المجتمعات. فهناك مجتمعات أكثر فاعلية من مجتمعات أخرى، وإذا تقرر هذا في ذهننا، وقد يتقرر بمجرد النظرة إلى قائمة الإنتاج في العالم، فيجدر بنا أن نتساءل: ما السبب في هذا الاختلاف في درجة الفاعلية؟ والجواب يقتضي احتمالين في نطاق المنطق العام: فقد نقول: إن المشكلة تتصل بناحية عنصرية، كما ذهبت الفلسفة التي تمذهبت بالآراء التي كانت سائدة في سياسة (هتلر)، أو نقول إنها تتصل بناحية إقتصادية كما تفسرها مدرسة (ماركس).
على أننا نجد أنفسنا هنا أمام لغز والتباس، ولا نستطيع الخروج منهما إلا عن طريق ملاحظات أخرى، فمن ناحية نلاحظ أن المجتمعات المعاصرة تختلف في كمية الإنتاج، وحين ندرس من ناحية أخرى مجتمعاً واحداً في عصور مختلفة، نرى أن إنتاجه الإجتماعي يختلف من فترة إلى أخرى، وإذن فالنظرية العنصرية تفقد مسوغاتها، ولابد لها من البحث عن مسوغات أخرى؛ على أنه مهما تكن الأسباب الكائنة وراء ظاهرة النشاط الاجتماعي فإنه يمكن حصرها في سبب عام نصطلح عليه بالفاعلية، وهذا لا يؤدي قطعاً إلى تفسير واضح، إنما يحدد نظرتنا لا في
стр. 30
منطوق الكلمة اللفظي بل في حقيقتها الاجتماعية ومضونها، أي تشخيص حقيقة اجتماعية نصطلح عليها هكذا ...
ماذا نعني بالفاعلية: بوصفها قياساً لإنتاج المجتمعات؟
فلنبدأ بأبسط مجتمع: إن حياة الحيوان تتضمن صوراً مختلفة، فهناك حيوان يعيش بمفرده بعيداً عن نظام الاسرة، ونشاطه يسد فقط حاجات بيولوجية بسيطة، كالقط مثلاً فهو يسد حاجات فردية ولا نرى لنشاطه أثراً بعد سد تلك الحاجات، فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حيوان أعلى مستوى، يعيش في جو أسري فإن نشاطه يأخذ صورة جديدة.
فالعش البسيط الذي يبنيه الطير يعطي صورة للنشاط الاجتماعي في مستوى أرقى، ولكنه دون مستوى الحيوان الذي يعيش في نظام أوسع نطاقاً من الاسرة كالنحل، نجد إنتاجه الاجتماعي يختلف عن إنتاج الحيوان الذي يعيش في نطاق الاسرة فحسب، فإنتاجه يتسم بالفاعلية في صورتين: مادية ومعنوية.
فمن الناحية الأولى: نرى أن نشاط النحل ينتج أكثر من حاجات سربه البسيطة، حتى إننا نستغل العسل الذي ينتجه كل سنة.
ومن الناحية المعنوية: نرى أن هذا الإنتاج يفرض على خليته حياة منظمة خاضعة لقوانين معينة، فنجد في هذا المجتمع البسيط ظاهرة تقسيم العمل، وقد اتسمت بها حياة هذه الفرق من النحل، فتزيد مهامها عن عشرة أنواع من العمل، كل مهمة منها لها رصيدها من الطاقات الاجتماعية ومن عدد معين من النحل، وإذا جعلنا هذه المجتمعات الصغيرة موضع درس نظري لنعرف كيف يرتقي الإنتاج الاجتماعي فيها، نجد أن هذه الظاهرة تخضع لقانون هو: ((أن الفاعلية تنمو تدريجياً مع تعقد المصلحة))، أي أن الإنتاج الاجتماعي يرتقي بقدر ما يكون النشاط الفردي موجهاً لسد حاجات غير فردية، أو بعبارة أخرى،
стр. 31
بقدر ما يكون موجهاً لمصلحة عأمة. فإذا كانت المصلحة هي التي تفسر لنا الفاعلية، فما هي المؤثرات التي تختلف باختلاف المصلحة في عصور مختلفة أو في مجتمعات مختلفة؟
يمكن أن نصنف المجتمعات المعاصرة في فصيلتين: المجتمع المصنع الذي يمكن أن
نعبر عن حدوده الجغرافية بخط (واشنطن- موسكو)، والمجتمع المتخلف الذي يعيش على خط (طنجة- جاكرتا)، فالمجتمع الأول تعرف المصلحة العأمة فيه، بأنها تلك التي تمد الفرد بالضمانات الاجتماعية في حدود معينة، بمعنى أن طاقة كل فرد يعيش في ذلك المجتمع مسخرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لمصلحة عأمة، وهذا يؤدي إلى أن يتكفل المجتمع للفرد بضمانات اجتماعية في مختلف مراحل حياته، منذ أن يكون صغيراً في المدرسة إلى أن يكون رجلاً في المصنع أو في المكتب ثم شيخاً في التقاعد، أي في حضانة المجتمع من جميع الوجوه. أما المجتمع الثاني المتخلف فإنه لا يقدم للفرد ولا يستطيع أن يقدم إليه أي ضمانات لأن إنتاجه الاجتماعي غير كاف لذلك. فإذا عبرنا على هذا بمصطلحنا نقول: إن الفاعلية في المجتمع الأول أكبر منها في المجتمع الثاني.
فكيف يفسر المجتمع الأول ظاهرة الفاعلية أو صورة الحياة التي تمكنه من تقديم هذه الضمانات؟
إن هذا المجتمع يتمثل في مستويين أو أسرتين: رأسمالي واشتراكي، وكل طرف يفسر الضمانات الاجتماعية بطريقة معينة، فأحدهما يفسر هذه الضمانات بمصدرها فيعد (التنافس والصراع الفردي) هو المحرك للطاقات الاجتماعية، كما يرى عالم الاجتماع (آدم سميث)، والآخر يفسر تقديم الضمانات الاجتماعية بهدفها أي بالصالح العام، وهنا نجد تناقضاً واضحاً بين النظريتين، يلزمنا بأن نخرج بنظرية جديدة تفسر بوضوح أكثر الفعالية الاجتماعية، وتناسب أكثر واقع مجتمعنا.
стр. 32
فالقضية ليست منوطة بالناحية السياسية بقدر ما هي منوطة بالناحية النفسية، التي توجه هذا النشاط والطاقات الاجتماعية. فالحقيقة واحدة في المعسكرين على الرغم من التفسير السياسي الذي يختلف، إذ الأسباب والدوافع النفسية لا تختلف في المعسكرين، فالنتيجة الاجتماعية واحدة فيهما ما داما يكفلأن للفرد الضمانات الاجتماعية، إنما المنطق السياسي قد سيطر على العقول، حتى إن الناس يعطون لنتيجة اجتماعية واحدة تفسيرين، لأن كل حزب يفسر ذلك حسب نظرته السياسية.
إذن علينا نحن بالخروج من هذا المأزق، بإعادة النظر في القضية، قضية الطاقات الاجتماعية، فنتساءل عن مفهومها في حقيقة الواقع الاجتماعي.
إننا إذا حللناها إلى عناصرها الأولية البسيطة نجدها تنحصر في عناصر ثلاثة: اليد، القلب، العقل. لأن كل الطاقات الاجتماعية تنطلق منها، والعملية الاجتماعية نفسها لا تخرج عن هذه العناصر الثلاثة: فكل طاقة اجتماعية تصدر حتما من دوافع القلب ومن مسوغات وتوجيهات العقل ومن حركات الاعضاء، فكل نشاط اجتماعي مركب من هذه العناصر، والفاعلية تكون أقوى في الوسط الذي ينتج أقوى الدوافع وأقوم التوجيهات وأنشط الحركات.
بعد أن أوضحنا معنى الفاعلية يمكن أن ننتقل إلى مرحلة جديدة من البحث.
فعندما ننظر إلى اليد والقلب والعقل على أنها أساس الفعالية، يجب أن نحدد معنى هذا بالنسبة إلى مجتمعات متخلفة. وهنا يمكن لنا أن نقف على عنصر جديد وعلى مصطلح نتفق عليه، وهو أن نرد المسوغات والدوافع والأسباب القريبة والبعيدة، التي تدفع إلى خلق نشاط فعال إلى حالة خاصة هي التوتر. فالقلب والعقل واليد لا يؤدي كل منها إلى نتيجة واحدة في العمل، في كل
стр. 33
الظروف: فاليد تأخذ ببطش وعنف في حالة التوتر، وهي الحالة التي يشير إليها القرآن في قوله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢/ ١٩]. فلو لاحظنا نشاط العقل والقلب في ظروف مختلفة، لوجدنا أن فعالية كل
منهما مع حركة اليد تخلق المعجزات في ظروف معينة تعبر عن حالة توتر.
فهذه واقعة بسيطة في الجزائر حدثت سنة ١٩٣٦ تقريباً. لقد حاول أحد المجرمين المدفوعين من قبل الإستعمار، وكان ذا غلظة وفظاظة وضخأمة جسم، أن يغتال بخنجر فضيلة الشيخ عبد الحميد بن باديس المصلح الاجتماعي في ذلك الحين، فأمسك هذا الشيخ بيده- النحيلة التي هي أضعف من إصبعي- الخنجر حتى أتته النجدة ومنعت المجرم من تنفيذ خطته الإجرامية، فهذا عمل من أعمال اليد في الحالة النفسية التي تكمن وراءها قوة الفعالية.
ولا بد أن نأخذ في الاعتبار أن لها الفضل في الحركة التاريخية، إذ التاريخ
قائمة إحصائية لحركات القدم والعقل واليد والقلب، إنه إحصائية لنبضات القلب وحركات اليد ومواهب العقل.
لكن هذا التوتر يختلف من مجتمع إلى آخر، فنرى أن صورة الحياة لا تسير
على نموذج واحد، فحركة اليد والقدم تختلف في عصر واحد من مجتمع إلى آخر، كما تختلف في مجتمع واحد من عصر إلى آخر.
فالعجوز في بريطانيا تسير خمسة كيلو مترات في ساعة، والقاضي في مدن شمال إفريقيا يسير الكيلو متر الواحد في خمس ساعات، وهذا ما تعبر عنه فلسفة الشارع هنا ((فلأن يمشي مشي القضاة))، ومن هنا نفهم مدى بعد النظر في القرآن الذي ربما بدا لنظرتنا البسيطة شيئاً بسيطاً غير ذي أهمية عندما يقول ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧/ ١٧].
فنماذج المجتمع تعطينا مفهوم التوتر في صور مختلفة، فالمجتمع الماركسي الذي
стр. 34
أبدع منتجاته تبعاً لقواعد اجتماعية معينة- ينبغي علينا أن ندرسها ضمن القواعد العأمة بعد أن نخلصها من القيود السياسية- توضح فكرة التوتر في تجربة قريبة منا يمكن أن نتتبع تفاصيلها. ففي سنوات التخطيط الأول، سنة ١٩٢٧ خلقت فكرة التصنيع الموجه، ووضعت له مقايس أساسية لتوزيع العمل، فقدر إنتاج الفحم بمقدار ٥ أطنان من الفحم الحجري للعامل الواحد في اليوم، وهذا التقدير خاضع لعلم حركات اليد، كما رسمه (تيلر) وداخل في توزيع العمل اليومي، إذ التخطيط لا يترك للمصادفة والمجازفة، لكننا نجد (ستاخانوف) يكذب هذا التقدير فينتج يومياً عشرة أطنان، لأنه يعمل بأحشائه ذات الشحنة النفسية القوية والاستعدادات المتوترة، فخلق بذلك نظاماً إقتصادياً جديداً يعرف باسمه، وإذا قورن بأبيه في الجيل الذي سبقه فإنا نجد أباه لا ينتج شيئاً لفراغه النفسي وضعف توتره، فالتوتر في يد يختلف عنه في يد أخرى، ولذلك يجب إذا ما درسنا مجتمعاً أن ندرس حالة هذا المجتمع في ظروف معينة، فالمجتمع العربي قبل العهد القرآني يختلف اختلافاً كبيراً عنه بعد العهد القرآني، فإذا بحثنا عن إنتاجه قبل ذلك مثلا في الفترة التي تقدر بأربعة آلاف سنة من عهد إسماعيل إلى النبي محمد ﷺ ، نجده ينحصر في عشر معلقات، وهذا معناه أن الطاقات الاجتماعية، طاقات القلب والعقل واليد، في حالة غير حالة التوتر الاجتماعي الذي يدفع إلى الإنتاج بقوة وحرارة، وحينما جاء الإسلام استطاع أن يخلق حضارة خلال نصف قرن، ومعنى ذلك أن الإسلام أتى بالمسوّغات الدافعة لليد والعقل والقلب لكي تحقق متساندة حضارة ذات إشعاع.
ما هي مظاهر التوتر في هذا المجتمع الذي بزغ من جديد؟ هناك مظهر في السلوك تعبر عنه تلك المرأة ذات الضمير الممتلئ توتراً، حينما تأتي إلى محمد ﷺ وتطالب بإقأمة حد الزنا عليها على الرغم من الخفاء الذي أحاط بعملها، فأبى توترها إلا أن يلح في المطالبة بالحد بإصرار عجيب، فصدها النبي ﷺ لأنها
стр. 35
كانت حاملا وقال لها: حتى تضعي حملك، ولما وضعت حملها عادت إليه مطالبة بإقأمة الحد لاتصال اليقظة في الضمير والتوتر في القلب بعمق أصيل، حتى أقيم عليها الحد وخلدت هكذا ذكرى امرأة أعطت في مجتمع ناشئ صورة توتر الضمير. والمجتمع العربي نفسه لم يكن يفهم معنى هذا التوتر بكل وضوح، ويبدو هذا
فيما أبداه الأفراد إزاء صلاة النبي ﷺ على جثمان تلك المرأة بعد حدّها، حتى أجابهم الرسول بما معناه «لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم».
لقد كان هذا التوتر مظهراً من مظاهر الحياة الناشئة مع الإسلام، نشاهد
أثره في سلوك الحاكم، حين مطالبته الشعب بأن يقوِّم اعوجاجه ويعدل انحرافه، وفي ذلك اعتراف ضمني بإمكان صدور الاعوجاج عنه، كما نشاهده في سلوك الرعية في شخص ذلك الاعرابي البسيط، الذي يرد على هذا الحاكم بقوله: ((لو شاهدنا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا)).
وهناك توتر في الناحية الإقتصادية يتمثل فيما قدم أبو بكر وعثمان من أموال طائلة في سبيل الدعوة، وفي موقف عمر ﵁ حينما أمر برد ما اقتصدته زوجته إلى بيت المال، ويبدو أيضاً في حرمان الذات وقطع الشهوات، في موقف هذين الرجلين اللذين اعتزم أحدهما أن يصوم الدهر وقرر الآخر أن يقوم الليل، فشكتهما زوجتاهما للرسول ﷺ فنهاهما عن ذلك. كما يبدو في الجهد والعمل في موقف (عمار بن ياسر) الصحابي الجليل، في حمله حملين بدل حمل واحد، كما كان يحمل كل صحابي في مشروع بناء المسجد، الذي هو نموذج لبناء مجتمع جديد ورمز لكيان اجتماعي حديث؛ وفي الناحية العلمية أيضاً نرى توتراً آخر، فالمذاهب الاربعة التشريعية التي لا تخفى قيمتها الاجتماعية تعبر عن إنتاج العقل الإنساني في قمته في عصر التابعين، أو في العصر الذي تسود فيه الحاجة إلى تنظيم المجتمع الذي نشأ مع الدعوة والجهاد أيضاً، فكان صورة من صور بناء المجتمع الناشئ، وهو في حالة توتر ونشاط اجتماعي للدفاع عن النفس وعن هذا البناء
стр. 36
الداخلي، الذي أخذت معالمه ترسو قواعدها، فالخنساء التي ظلت في الجاهلية تسكب عبراتها على أخيها (صخر) سنين، أصبحت في صورة جديدة فريدة تحمد الله على أن شرفها باستشهاد أبنائها الاربعة في سبيل الدعوة، وهذا يعني انتقال مجتمع كامل من حالة (فتور إلى توتر وحركة)، وهذه الحركة حركة رقي في جميع النواحي: فظاهرة البطولة كانت في الجاهلية تهدف إلى الغزو والفخر، أي تدور على محور الـ (أنا)، فبدت في صورة جديدة هي الاستشهاد في سبيل مثل عليا، لأن الإسلام رفع المصلحة أو مسوّغات النشاط إلى أعلى مستوى، فجعلها في عالم الآخرين. فالبطولة في الجاهلية كانت تهدف إلى إعلاء شأن الـ (أنا)، لكن الإسلام حول محور البطولة لتجد مسوّغاتها في عالم الآخرين، أي أصبحت تعبر عن اهتمام اسمي، يرتبط بغريزة الـ (نحن) أكثر منه بالـ (أنا)، حتى إنهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩/ ٥٩] فهذا تعبير كامل لمسوّغات البطولة.
فإذا اتفقنا على أن المسوغات هي التي تحرك الطاقات الاجتماعية وتوجهها
إلى مستوى أعلى من مستوى الحيوان، الذي يحيا حياة فردية، وهي التي تدفعها إلى مستوى مصلحة الآخرين، فإن فكرة الفاعلية أو التوتر تمس الواقع الاجتماعي في كل الظروف، مَسًّا يضعها معه كل مجتمع أو لا يضعها وراء أعماله وسلوكه.
فالتوتر حالة نفسية اجتماعية دلّ التاريخ على أنها تنشأ في ظروف معينة ثم تزول في ظروف أخرى، وأن المسوّغات هي التي تكوّن الدوافع الإنسانية التي تدفع النشاط إلى أعلى قمة.
إنما لهذا الواقع الاجتماعي صورته السلبية أيضاً، إذ يحدث أن مجتمعاً ما يفقد مسوّغاته، فاذا يحدث له في مثل هذه الحالة؟
يجب أن نتصور هذا السؤال بالنسبة إلى الفرد وإلى المجتمع، فالفرد في ظروف
نفسية أو إقتصادية معينة، يشعر أحياناً أنه فقد مسوّغات وجوده، وقد تبدو
стр. 37
هذه الحالة في نواح شتى، حتى في الفن المسرحي، إذ يقع أحياناً هذا الفرد في حالة خاصة، هي التوتر المرضي الذي هو عكس التوتر الحيوي الدافع إلى مهام الحياة بقوة. فالتوتر المرضي يدفع الفرد الذي فقد مسوّغات وجوده إلى الأنتحار أحياناً. ولقد يبدو هذا مثلاً في الحالات الغرامية التي يتناولها الفن المسرحي أو القصصي، ولكن إذا أردنا أن نفهم التوتر السلبي هذا بصورة واقعية، فإننا نراها في حالة فرد ينتحر فعلاً، لأنه لا يستطيع أن يحتمل حياة فقدت مسوّغاتها، وقد نراها في سياق ظروف خاصة تحيط بأسرة أو فرد أو في سياق أحداث عأمة تغير مجرى حياة مجتمع. وهكذا يكون تأثيرها في بعض الأفراد أشد عمقاً لأنهم يشعرون خلال هذه الأحداث أنهم فقدوا مسوّغات الحياة.
لقد خلقت الحرب العالمية الثانية في أوربا أحداثاً مماثلة، وانتحار وزير الدعاية جورنج مع كل أسرته يعبر بصورة مؤثرة عن هذا المظهر.
وفي سنة ألف ميلادية أيضاً سادت أوربا حالة (فقدان المسوّغات)، لأن الناس اعتقدوا أنها سنة الفناء والقيأمة فحدثت بسبب هذه التوقعات حوادث انتحار كثيرة.
هذه صورة القضية بالنسبة إلى الأفراد، أما بالنسبة إلى المجتمعات، فإن فقدان المسوّغات يؤدي إلى تغيرات تاريخية عميقة، نجد نموذجها في صورتين.
إن العالم الإسلامي عندما قدم للإنسانية الحديثة نتاجه العقلي من علوم وتشريع يمثل خطوة جديدة في تطور القانون، الخطوة التي وضعت علم الاصول. وعندما قام بالدور الحضاري الذي وصل بين الحضارات العتيقة وحضارة عصرنا، إنما كان مندفعاً بالمسوغات التي أتى بها الإسلام ووضعها في حياته، وكانت في حالة توتر خلاق، التوتر الذي يصنع المعجزات؛ إنما الدوافع السلبية التي خلفتها (صِفّين) في المجتمع الإسلامي، تنمو فيه يوماً فيوماً، إلى أن
стр. 38
أتى القرن الثامن الهجري، فأخذت الحضارة الإسلامية في الافول وبدأت الظلمات تغمرها في الأندلس، لأنها فقدت مسوّغاتها فلم تستطع أن تدفع من جديد طاقاتها الاجتماعية، وانطفأت تدريجياً جذوتها الدافعة للضمير واليد والعقل، وأصبحت دوافع الحياة فاترة، وفقدت المصلحة سموها تدريجياً، وهي التي تهدف إليها الطاقات الاجتماعية، حتى أصبحت مسوّغات المجتمع الإسلامي حيوانية عليها غلاف من إنسانية بسيط، تعبر عنه فلسفة ساذجة أفرغت حكمتها الميتة في العبارة التي ترددها الجماهير بالشمال الإفريقي، حيث يقول الفرد عندما يسأل عن مهمة حياته ((نأكل القوت وننتظر الموت))، ولا يوجد تعبير أكثر وضوحاً من هذا التعبير عن مجتمع فقد تماماً مسوّغات الوجود.
ولا شك أننا لو درسنا التاريخ الإسلامي في ضوء هذه الاعتبارات، لوجدنا
أن المجتمع الإسلامي واجه أزمة فقدان المسوّغات منذ زمن مبكر، وأن الحركات الإصلاحية، التي نشأت فيه في مختلف صورها، تعبر عن هذه الازمة بما فيها الحركة الصوفية التي تمثل إلى حد ما الدوافع السلبية، التي تدفع إلى انتحار الفرد الذي فقد مسوّغات حياته، فالصوفي يخرج أيضاً عن النظام الطبيعي للحياة، ويتخلص من مسؤولياتها عن طريق الاوراد والسبحة، كما يتخلص المنتحر العادي عن مسؤولياته بوسيلة الخنجر، فالصوفي ينتحر بوسائل الروح.
فهذه الازمة التي عاناها المجتمع الإسلامي منذ عهد مبكر، هي التي أوحت
إلى الغزالي بمحاولته عندما كتب (إحياء علوم الدين). إن حجة الإسلام كان يشعر ولا شك أن المجتمع الإسلامي قد فقد مسوّغاته، وأراد هو أن يقدم له أو يعيد له المسوّغات الضرورية عن طريق كتابه.
ولقد ندرك مقدار نجاحه أو فشله في محاولته هذه على ضوء التاريخ،
إدراكاً لم نر معه العالم الإسلامي قد استعاد مسوّغاته المفقودة عن طريق التصوف أو عن طريق كتاب (إحياء علوم الدين).
стр. 39
وها نحن أولاء في القرن العشرين أمام مأساة أخرى، مأساة المجتمع الغربي،
الذي يمر بدوره بأزمة فتور، لأنه فقد مسوّغاته التقليدية، المسوّغات التي أعطت للشخصية الاوربية في القرن التاسع عشر أقصى توترها، عندما كانت أوربا تؤمن بالتقدم العلمي وبالحضارة وبالإستعمار رسالة حضارية، فكانت هذه المسوّغات تحرك وتوجه كل الطاقات الاجتماعية: اليد والقلب والعقل في أوربا، وتوحد صفوفها في العالم، إذ كان الاوربي ينظر إلى التقدم العلمي ميزة يمتاز بها عقله، وإلى الحضارة على أنها فطرته، وإلى الإستعمار على أنه امتداد حضارته خارج حدود أوروبا.
وقد كانت هذه الأشياء وعلى الاقل الشيئان الأولأن منها، تحقق الإجماع في الداخل في حدود أوربا والإعجاب في الخارج خارج حدودها.
وحينما جاءت الحرب العالمية الأولى بدأت أوربا تفقد ثقتها في مسوّغاتها، وبدأت هذه المسوّغات تفقد قداستها، لأن التقدم العلمي لم يبق شيئاً مسلماً به، شيئاً فوق المناقشة، بل أصبح غير كاف بوصفه مسوّغاً يحقق الإجماع في الداخل والإعجاب في الخارج.
ثم أتت الحرب العالمية الثانية فحطمت نهائياً وحدة أوربا المعنوية وقداسة مسوّغاتها، وكان من أعمق آثارها في الحالة النفسية الاوربية، أن الإستعمار قد فقد قيمته بوصفه مسوّغا لا من الناحية الأخلاقية الخاصة ببعض الضمائر الاوربية الممتازة فحسب، بل فقد حتى قيمته الواقعية، إذ لم يصبح في استطاعة الشاب الاوربي أن ينظر إلى خريطة الأرض كما كان ينظر لها في القرن التاسع عشر، عندما كان ينظر إلى كل بقعة بيضاء على الخريطة، على أنها من مجاهل الأرض التي تنتظر اكتشافه، أي على أنها البلاد المعدة لامتداد شخصيته في هذا الكون.
فالاوربي أصبح يرى اليوم تلك البقاع البيضاء ملونة، وأهلها ثائرون على سلطته، ساخطون على حضارته، في الوقت الذي ينشر فيه كتاب لغاندي
стр. 40
بعنوان (حضارتهم وخلاصنا)، وهذا يعني أن الحضارة الغربية بعد أن فقدت الإجماع في الداخل خلال الحرب العالمية الأولى قد فقدت الإعجاب في الخارج بعد الحرب العالمية الثانية، التي قضت نهائيا على المسوّغات التقليدية التي صاغت التاريخ الاوربي في القرن الماضي، والآن فأوربا تعاني بدورها أزمة فتور لأن مسوّغاتها التقليدية أصبحت كلمات جوفاء وعملة مزيفة، وأصبح الاوربي يشعر شعوراً خفياً واضحاً أنه يتعامل بعملة مفلسة فقدت قيمتها.
ولكن يجب أن نترجم هذه الصورة الرمزية المعبرة عن فقدان المسوّغات في المجتمع الغربي في واقع هذا المجتمع، وفي صميم نشاطه كي ندرك المعوقات التي يشعر بها الشاب الاوربي اليوم، وشعور الحرمان الذي بدأ يتفشى فيه، فهو يواجه أزمة الحيرة التي تنذر بتغير جذري، فهو في ساعة الخطر التي مر بها المجتمع الإسلامي، عندما كان الغزالي يبحث له عن مسوّغات جديدة، يجدد بها نشاطه الحضاري، وقد علمنا أن كتاب (الإحياء) لم يف بتلك الغاية، لأن المجتمع الإسلامي استمر في طريقه نحو الفتور، نحو الإفلاس سواء في الصورة الصوفية أو في الصورة الفوضوية.
فالمجتمع الغربي يمر اليوم بهذه الساعة، وقد نجد أثر هذه الازمة حتى في الادب الغربي المنتشر اليوم أي الادب الوجودي، فهو في الواقع، وربما لا يشعر من يمثله، أنه في الواقع محاولة تدارك لفقدان المسوّغات، أو على الاقل تعبير عن هذا الفقدان.
وهذه النزعة نجدها في كتب (ج ب سارتر) أكثر من غيره من الادباء، الذين يمثلون الوجودية اليوم، فسارتر يعبر بألسنة أبطاله وبصفة ملحة، عن هذه الحيرة، كما يبدو هذا في كتاب (الغثيان) حيث يقول أحد أبطاله: ((تأخذني الرغبة في السفر إلى مكان أجد فيه مكاني ... ولكنني لم أجد مكاناً في العالم)).