الداخلي، الذي أخذت معالمه ترسو قواعدها، فالخنساء التي ظلت في الجاهلية تسكب عبراتها على أخيها (صخر) سنين، أصبحت في صورة جديدة فريدة تحمد الله على أن شرفها باستشهاد أبنائها الاربعة في سبيل الدعوة، وهذا يعني انتقال مجتمع كامل من حالة (فتور إلى توتر وحركة)، وهذه الحركة حركة رقي في جميع النواحي: فظاهرة البطولة كانت في الجاهلية تهدف إلى الغزو والفخر، أي تدور على محور الـ (أنا)، فبدت في صورة جديدة هي الاستشهاد في سبيل مثل عليا، لأن الإسلام رفع المصلحة أو مسوّغات النشاط إلى أعلى مستوى، فجعلها في عالم الآخرين. فالبطولة في الجاهلية كانت تهدف إلى إعلاء شأن الـ (أنا)، لكن الإسلام حول محور البطولة لتجد مسوّغاتها في عالم الآخرين، أي أصبحت تعبر عن اهتمام اسمي، يرتبط بغريزة الـ (نحن) أكثر منه بالـ (أنا)، حتى إنهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩/ ٥٩] فهذا تعبير كامل لمسوّغات البطولة.
فإذا اتفقنا على أن المسوغات هي التي تحرك الطاقات الاجتماعية وتوجهها
إلى مستوى أعلى من مستوى الحيوان، الذي يحيا حياة فردية، وهي التي تدفعها إلى مستوى مصلحة الآخرين، فإن فكرة الفاعلية أو التوتر تمس الواقع الاجتماعي في كل الظروف، مَسًّا يضعها معه كل مجتمع أو لا يضعها وراء أعماله وسلوكه.
فالتوتر حالة نفسية اجتماعية دلّ التاريخ على أنها تنشأ في ظروف معينة ثم تزول في ظروف أخرى، وأن المسوّغات هي التي تكوّن الدوافع الإنسانية التي تدفع النشاط إلى أعلى قمة.
إنما لهذا الواقع الاجتماعي صورته السلبية أيضاً، إذ يحدث أن مجتمعاً ما يفقد مسوّغاته، فاذا يحدث له في مثل هذه الحالة؟
يجب أن نتصور هذا السؤال بالنسبة إلى الفرد وإلى المجتمع، فالفرد في ظروف
نفسية أو إقتصادية معينة، يشعر أحياناً أنه فقد مسوّغات وجوده، وقد تبدو
стр. 37
هذه الحالة في نواح شتى، حتى في الفن المسرحي، إذ يقع أحياناً هذا الفرد في حالة خاصة، هي التوتر المرضي الذي هو عكس التوتر الحيوي الدافع إلى مهام الحياة بقوة. فالتوتر المرضي يدفع الفرد الذي فقد مسوّغات وجوده إلى الأنتحار أحياناً. ولقد يبدو هذا مثلاً في الحالات الغرامية التي يتناولها الفن المسرحي أو القصصي، ولكن إذا أردنا أن نفهم التوتر السلبي هذا بصورة واقعية، فإننا نراها في حالة فرد ينتحر فعلاً، لأنه لا يستطيع أن يحتمل حياة فقدت مسوّغاتها، وقد نراها في سياق ظروف خاصة تحيط بأسرة أو فرد أو في سياق أحداث عأمة تغير مجرى حياة مجتمع. وهكذا يكون تأثيرها في بعض الأفراد أشد عمقاً لأنهم يشعرون خلال هذه الأحداث أنهم فقدوا مسوّغات الحياة.
لقد خلقت الحرب العالمية الثانية في أوربا أحداثاً مماثلة، وانتحار وزير الدعاية جورنج مع كل أسرته يعبر بصورة مؤثرة عن هذا المظهر.
وفي سنة ألف ميلادية أيضاً سادت أوربا حالة (فقدان المسوّغات)، لأن الناس اعتقدوا أنها سنة الفناء والقيأمة فحدثت بسبب هذه التوقعات حوادث انتحار كثيرة.
هذه صورة القضية بالنسبة إلى الأفراد، أما بالنسبة إلى المجتمعات، فإن فقدان المسوّغات يؤدي إلى تغيرات تاريخية عميقة، نجد نموذجها في صورتين.
إن العالم الإسلامي عندما قدم للإنسانية الحديثة نتاجه العقلي من علوم وتشريع يمثل خطوة جديدة في تطور القانون، الخطوة التي وضعت علم الاصول. وعندما قام بالدور الحضاري الذي وصل بين الحضارات العتيقة وحضارة عصرنا، إنما كان مندفعاً بالمسوغات التي أتى بها الإسلام ووضعها في حياته، وكانت في حالة توتر خلاق، التوتر الذي يصنع المعجزات؛ إنما الدوافع السلبية التي خلفتها (صِفّين) في المجتمع الإسلامي، تنمو فيه يوماً فيوماً، إلى أن
стр. 38
أتى القرن الثامن الهجري، فأخذت الحضارة الإسلامية في الافول وبدأت الظلمات تغمرها في الأندلس، لأنها فقدت مسوّغاتها فلم تستطع أن تدفع من جديد طاقاتها الاجتماعية، وانطفأت تدريجياً جذوتها الدافعة للضمير واليد والعقل، وأصبحت دوافع الحياة فاترة، وفقدت المصلحة سموها تدريجياً، وهي التي تهدف إليها الطاقات الاجتماعية، حتى أصبحت مسوّغات المجتمع الإسلامي حيوانية عليها غلاف من إنسانية بسيط، تعبر عنه فلسفة ساذجة أفرغت حكمتها الميتة في العبارة التي ترددها الجماهير بالشمال الإفريقي، حيث يقول الفرد عندما يسأل عن مهمة حياته ((نأكل القوت وننتظر الموت))، ولا يوجد تعبير أكثر وضوحاً من هذا التعبير عن مجتمع فقد تماماً مسوّغات الوجود.
ولا شك أننا لو درسنا التاريخ الإسلامي في ضوء هذه الاعتبارات، لوجدنا
أن المجتمع الإسلامي واجه أزمة فقدان المسوّغات منذ زمن مبكر، وأن الحركات الإصلاحية، التي نشأت فيه في مختلف صورها، تعبر عن هذه الازمة بما فيها الحركة الصوفية التي تمثل إلى حد ما الدوافع السلبية، التي تدفع إلى انتحار الفرد الذي فقد مسوّغات حياته، فالصوفي يخرج أيضاً عن النظام الطبيعي للحياة، ويتخلص من مسؤولياتها عن طريق الاوراد والسبحة، كما يتخلص المنتحر العادي عن مسؤولياته بوسيلة الخنجر، فالصوفي ينتحر بوسائل الروح.
فهذه الازمة التي عاناها المجتمع الإسلامي منذ عهد مبكر، هي التي أوحت
إلى الغزالي بمحاولته عندما كتب (إحياء علوم الدين). إن حجة الإسلام كان يشعر ولا شك أن المجتمع الإسلامي قد فقد مسوّغاته، وأراد هو أن يقدم له أو يعيد له المسوّغات الضرورية عن طريق كتابه.
ولقد ندرك مقدار نجاحه أو فشله في محاولته هذه على ضوء التاريخ،
إدراكاً لم نر معه العالم الإسلامي قد استعاد مسوّغاته المفقودة عن طريق التصوف أو عن طريق كتاب (إحياء علوم الدين).
стр. 39
وها نحن أولاء في القرن العشرين أمام مأساة أخرى، مأساة المجتمع الغربي،
الذي يمر بدوره بأزمة فتور، لأنه فقد مسوّغاته التقليدية، المسوّغات التي أعطت للشخصية الاوربية في القرن التاسع عشر أقصى توترها، عندما كانت أوربا تؤمن بالتقدم العلمي وبالحضارة وبالإستعمار رسالة حضارية، فكانت هذه المسوّغات تحرك وتوجه كل الطاقات الاجتماعية: اليد والقلب والعقل في أوربا، وتوحد صفوفها في العالم، إذ كان الاوربي ينظر إلى التقدم العلمي ميزة يمتاز بها عقله، وإلى الحضارة على أنها فطرته، وإلى الإستعمار على أنه امتداد حضارته خارج حدود أوروبا.
وقد كانت هذه الأشياء وعلى الاقل الشيئان الأولأن منها، تحقق الإجماع في الداخل في حدود أوربا والإعجاب في الخارج خارج حدودها.
وحينما جاءت الحرب العالمية الأولى بدأت أوربا تفقد ثقتها في مسوّغاتها، وبدأت هذه المسوّغات تفقد قداستها، لأن التقدم العلمي لم يبق شيئاً مسلماً به، شيئاً فوق المناقشة، بل أصبح غير كاف بوصفه مسوّغاً يحقق الإجماع في الداخل والإعجاب في الخارج.
ثم أتت الحرب العالمية الثانية فحطمت نهائياً وحدة أوربا المعنوية وقداسة مسوّغاتها، وكان من أعمق آثارها في الحالة النفسية الاوربية، أن الإستعمار قد فقد قيمته بوصفه مسوّغا لا من الناحية الأخلاقية الخاصة ببعض الضمائر الاوربية الممتازة فحسب، بل فقد حتى قيمته الواقعية، إذ لم يصبح في استطاعة الشاب الاوربي أن ينظر إلى خريطة الأرض كما كان ينظر لها في القرن التاسع عشر، عندما كان ينظر إلى كل بقعة بيضاء على الخريطة، على أنها من مجاهل الأرض التي تنتظر اكتشافه، أي على أنها البلاد المعدة لامتداد شخصيته في هذا الكون.
فالاوربي أصبح يرى اليوم تلك البقاع البيضاء ملونة، وأهلها ثائرون على سلطته، ساخطون على حضارته، في الوقت الذي ينشر فيه كتاب لغاندي
стр. 40
بعنوان (حضارتهم وخلاصنا)، وهذا يعني أن الحضارة الغربية بعد أن فقدت الإجماع في الداخل خلال الحرب العالمية الأولى قد فقدت الإعجاب في الخارج بعد الحرب العالمية الثانية، التي قضت نهائيا على المسوّغات التقليدية التي صاغت التاريخ الاوربي في القرن الماضي، والآن فأوربا تعاني بدورها أزمة فتور لأن مسوّغاتها التقليدية أصبحت كلمات جوفاء وعملة مزيفة، وأصبح الاوربي يشعر شعوراً خفياً واضحاً أنه يتعامل بعملة مفلسة فقدت قيمتها.
ولكن يجب أن نترجم هذه الصورة الرمزية المعبرة عن فقدان المسوّغات في المجتمع الغربي في واقع هذا المجتمع، وفي صميم نشاطه كي ندرك المعوقات التي يشعر بها الشاب الاوربي اليوم، وشعور الحرمان الذي بدأ يتفشى فيه، فهو يواجه أزمة الحيرة التي تنذر بتغير جذري، فهو في ساعة الخطر التي مر بها المجتمع الإسلامي، عندما كان الغزالي يبحث له عن مسوّغات جديدة، يجدد بها نشاطه الحضاري، وقد علمنا أن كتاب (الإحياء) لم يف بتلك الغاية، لأن المجتمع الإسلامي استمر في طريقه نحو الفتور، نحو الإفلاس سواء في الصورة الصوفية أو في الصورة الفوضوية.
فالمجتمع الغربي يمر اليوم بهذه الساعة، وقد نجد أثر هذه الازمة حتى في الادب الغربي المنتشر اليوم أي الادب الوجودي، فهو في الواقع، وربما لا يشعر من يمثله، أنه في الواقع محاولة تدارك لفقدان المسوّغات، أو على الاقل تعبير عن هذا الفقدان.
وهذه النزعة نجدها في كتب (ج ب سارتر) أكثر من غيره من الادباء، الذين يمثلون الوجودية اليوم، فسارتر يعبر بألسنة أبطاله وبصفة ملحة، عن هذه الحيرة، كما يبدو هذا في كتاب (الغثيان) حيث يقول أحد أبطاله: ((تأخذني الرغبة في السفر إلى مكان أجد فيه مكاني ... ولكنني لم أجد مكاناً في العالم)).
стр. 41
ويقول في قصة أخرى له على لسان بطله: ((إنني خرجت من هذا العالم فبقي ممتلئاً مثل البيضة، كأن كياني لم يكن له ضرورة)).
ويقول أيضاً في موضوع آخر ((إنك في هذا العالم- يا مسكين- دخيل وزائد مثل شظية خشب تحت الجلد)).
وليست العبارات الوجودية هذه إلا تعبيراً عن أزمة مجتمع لم يصبح فيه للأفراد مسوّغات لكيانهم.
فالقضية إذن ليست خاصة بالمجتمع الإسلامي، فهي في كل مجتمع تنحصر في فقدان الشروط التي تحقق التوتر في نشاطه وبعثه إلى أسمى الغايات.
والمجتمع الإسلامي يمرّ اليوم بحالة إرهاص، قد عبرت عنها أقلام الادباء بكلمة النهضة، فالعالم الإسلامي يجمع قواه للدخول من جديد في معارك الحياة وخضم التاريخ.
وعلى هذا فهو في لحظة من لحظات التيه والحيرة، لأن ساعة الخطر تدق مرتين: فهي تدق في اللحظة التي يفقد فيها المجتمع مسوّغاته التقليدية، المسوّغات التي أطلقت طاقاته ووحدت جهوده، وتدق في اللحظة التي يبدأ يستعيد فيها مسوّغاته المفقودة أو يبحث عن مسوّغات جديدة.
فالعالم الإسلامي اليوم في ساعة الخطر، لأنه يشعر بفقدان المسوّغات التي رفعت شأنه في القرون الأولى وحققت رسالته في التاريخ.
وينبغي على كل مسلم أن يدرك هذه الأشياء، وأن يفكر جدياً في القضية،
كي يدلي بالنصيحة الواقعية والإرشاد السليم، بالنسبة إلى اختيار المسوّغات الكفيلة بخلق توتر جديد في النشاط الإسلامي.
ولا ننسى في مثل هذه الساعة الحاسمة أن أسمى المسوّغات هي التي تهبط من
стр. 42
السماء في قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦/ ٥١] شريطة أن نفهم هذا المسوّغ السامي السماوي بمعناه التاريخي، الذي أنار آفاق الإنسانية بنور الحضارة الإسلامية، لأن الإسلام أتى بالمسوّغات الكفيلة بتحقيق أقصى ما يمكن من التوتر في الطاقات الاجتماعية، وأسمى ما يمكن من المصلحة التي تخدمها تلك الطاقات.
***
стр. 43
قيم إنسانية وقيم إقتصادية
محاضرة ألقيت بنادي الطلبة الفلسطينيين سنة ١٩٦٠
стр. 44
سادتي:
إن لكل جيل مراكز تفكير معينة، تحددها ضرورات الحياة وروح العصر،
أي الفلسفة العأمة التي تسيطر على الأفكار، لا في مستوى النخبات المثقفة فحسب، بل في مستوى المجاهير، فتتكون هكذا نقط تقاطع والتقاء، تتقاطع أو تلتقي فيها التيارات الفكرية التي تعبر عن روح العصر.
فالجيل الذي عاش في القرن التاسع عشر اكتشف مع آدم سمث ومع كارل ماركس، قيمة الواقع الإقتصادي في تحديد الظاهرة الاجتماعية، فأصبح الإقتصاد أحد مراكز التفكير، المركز الذي تلتقي فيه الأفكار بحدة، إما لأنها أفكار عملية تبحث عن سبل جديدة لتيسير الحياة المادية، أو أنها أفكار نظرية تحاول فهم الظاهرة الاجتماعية في ضوء الإقتصاد، أو أحياناً لأنها هذا وذاك. ولقد نما هذا الروح في القرن العشرين، فتأكدت فيه مراكز التفكير الإقتصادي، حتى إنه يمكن تعريف هذا القرن بأنه يخضع لقانون التوسع الإقتصادي، كما كان القرن السابق يخضع لقانون التوسع الإستعماري، وحتى أصبح الإقتصاد ميزة ومقياساً تقاس به الأشياء، في داخل بلد معين، فنقول عنه إنه في حالة نمو إذا كان إقتصاده نامياً، أو بالقياس مع بلد آخر فنقول عن أحدهما إنه متخلف إذا كان إقتصاده كاسداً.
ثم أتت الحرب العالمية الثانية فكان من بين المحصول الطائل الذي خلفته،
من العلوم النظرية والتطبيقية ومن بين المفاهيم الجديدة التي أضافتها إلى عالم الأفكار، أنها خلفت بالنسبة إلى الشعوب الإفريقية الآسيوية مفهوم التخلف، الذي يعبر عن وضع اجتماعي خاص بهذه الشعوب ويمكن تصويره ببعض الأرقام.
стр. 45
فلو استعرنا من أحد المصادر المختصة (١) إحصائية متوسط الدخل السنوي
للفرد في العالم، وقدرنا هذه الأرقام بالقيمة الاجتماعية لا بالقيمة المالية، أي لو قدرناها بما تكفل من ضمانات اجتماعية في وطن معين، ثم لو وزعنا هذه الأرقام على الخريطة، فإننا سنجد أنها تحدد قارتين: قارة تتمتع بمتوسط دخل سنوي للفرد يتراوح بين ١٨٥٠ دولاراً و ٢٠٠ دولار، والأخرى يتراوح متوسط الدخل السنوي فيها بين ٢٠٠ و ٣٨ دولاراً.
فإذا قدرنا (٢) أن الحد الادنى الذي يكفل الضمانات الاجتماعية لا يمكن أن
يكون دون ٢٠٠ دولار، أي متوسط الدخل في اليابان، فإننا نرى أن توزيع الأرقام على الخريطة يصور فعلا قارتين: قارة يُسْر تمتد من واشنطن إلى موسكو وطوكيو، وقارةُ عُسْر تمتد من طنجة إلى جاكرتا.
فكلمة (عسر) ليست هنا إلا التعبير الادبي عن الواقع الاجتماعي الذي يعبر
عنه مصطلح (تخلف)، وليست هذه الكلمة هي المهمة في حد ذاتها، وإنما الواقع الذي تعبر عنه. ولقد أخذ هذا الواقع مكانه في الدراسات الإقتصادية التي تخصصت فيها مؤسسات ومعاهد علمية، كما أخذ مكانه أيضاً في بعض الدراسات السياسية التي تهتم بمصير البلاد الإفريقية الآسيوية، مثل الكتاب الذي ألفه بهذا الشأن السفير الهندي (بانيكار) تحت عنوان (مشكلات الدول الجديدة).
فمشكلات التخلف تهم إلى حد بعيد البلاد الإسلامية، سواء في الصورة السياسية أم في الصورة الإقتصادية، ويبدو الأمر أكثر أهمية في الصورة الثانية، لأن هذه البلاد تواجه الازمة الإقتصادية، لا من الناحية المادية التي تسد الحاجات الضرورية فحسب، ولكن من الناحية المعنوية أيضاً لأنها ترتبط روحاً وفكراً بالعصر الذي يجعل القيم الإقتصادية في الدرجة الأولى من سلم القيم.
стр. 46
والبلاد الإسلامية تواجه مشكلة البناء الإقتصادي، وهي في هذه الحالة
لا تدرس فقط الموضوع، بل أصبحت هي ذاتها موضوع الدراسة، كما تدل على هذا بعض العناوين التي ظهرت أخيراً في المكتبات الاجنبية مثل كتاب (الإسلام أمام التطور الإقتصادي) للكاتب الفرنيسي (جاك اوستري). فالمشكلة إذن مشكلتنا نحن معشر الشعوب التي تعيش حول محور طنجة جاكرتا عأمة، والشعوب الإسلامية خاصة.
ولا يمكن حل هذه المشكلة إلا على أساس التفكير الاجتماعي الجاد، لأنها مشكلة اجتماعية في صميمها.
ويجب أن نلاحظ، أن تيار التفكير الاجتماعي الحديث له مدارس متعددة، ومناهج أحياناً متباعدة، ولكن لا يخلو في هذه الظروف كلها من أن يكون مركز هذا التفكير الإقتصاد، ولابن خلدون قصب السبق في الموضوع فقد فطن إلى هذه الظاهرة، فكان أول من رأى أهمية العامل الإقتصادي في الواقع الاجتماعي، وكأنه بذلك يحدد مركز تفكير جديد. أي المركز الذي سيأخذ في المدرسة الماركسية قيمة نادرة تستقطب الأفكار حول فكرة الإقتصاد. فالعالم الإسلامي يكتشف اليوم قيمة العامل الإقتصادي في ضروراته الحيوية، ليس فحسب فيما يتعلق بحياته المادية في المستوى القومي، بل فيما يتعلق بمقتضيات السياسة في المستوى الدولي أيضاً، لأن الإقتصاد أصبح يشارك الديبلوماسية في تحديد مكانة بلد ما في العالم.
على أن العالم الإسلامي لا يملك نظرة أو نظرية خاصة في الإقتصاد تتواءم
مع ضروراته ومع إمكانياته في وقت معاً. فتراه يندفع في مشروع إقتصادي يخططه إقتصاد أجنبي، على أسس أتقنتها تجربة في بلد مصنع، أي بلد لا يخضع فيه النشاط لعوامل التخلف، وهكذا يخفق المشروع في النهاية. ونحن نستحي أن نذكر عدد المشاريع الإقتصادية التي أخفقت في البلاد الإسلامية.
стр. 47
وأسباب الإخفاق هذا يعود لامرين: فقد يقدر الاختصاصي المشروع بصورة تتجاوز إمكانيات البلد المادية، وقد تكون شروط التنفيذ التي وضعها ذلك الاختصاصي، أي الاسس التي بنى عليها تتناقض مع بعض عوامل التخلف النفسية (١). وبعبارة أخرى فإن الاختصاصي يضع المشروع بعيداً عن عدة البلد أو فوق استعداداتها أو فوق الأمرين معاً.
والخطأ من جانب الاختصاصي الاجنبي الذي يخطط المشروع، يعود إلى أنه
يدلي بآراء تكون صحيحة في نطاق تجربته الشخصية كما حددتها ظروف بلاده، غير أنها تصبح نسبية أو دون جدوى في بلد تمر تجاربه في ظروف أخرى.
أما الخطأ من جانب البلد الإسلامي الذي يلجأ إلى مثل هذا الاختصاصي الاجنبي، كما لجأت جمهورية إندونيسيا إلى الدكتور (شاخت) في السنوات الأولى بعد التحرير، فلأنه ككل مجتمع ناشئ يمر بمرحلة طفولة تفرض عليه سيطرة الأشياء أو عقلية الشيئية، لأن الاطفال يمرون بثلاث مراحل في طفولتهم، فهم يرتبطون أولاً بعالم الأشياء، قبل أن يدخلوا عالم الأشخاص وقبل أن يصلوا إلى عالم الأفكار الذي يمثل بالنسبة إليهم سن الرشد، فالمجتمع الإسلامي عأمة في سن الأشياء، تسيطر عليه العقلية الشيئية، حتى إن الأفكار التي يدلي إليه بها الاختصاصي الاجنبي، تفقد قيمتها بصفتها أفكاراً ترتبط بأصولها في نطاق نظرية تتيح تطويرها في سياق ظروف جديدة، بل تصبح أشياء تفقد المرونة مع الظروف، أو إذا شئت قلت إنها تصبح أفكاراً متحجرة فقدت إشعاعها، وبفقدها لإشعاعها تفقد إمكان مسايرة الحياة في حدود المبادئ وفي نطاق الاصول التي تمت إليها.
فالبلد الإسلامي الذي يطلب ويقبل نصيحة من عالم إقتصاد أجني، يحجر
стр. 48
هذه النصيحة دون أن يشعر بذلك، فتفقد في متناوله كل ميزاتها لمسايرة ظروف الحياة المتغيرة، فالأفكار التي يدلي لنا بها هذا الاختصاصي لا تصبح في متناولنا حقائق يعطينا معناها الحياة، بما تكشف لنا ما وراء تلك الحقائق من أسباب أو أصول، بل تصبح كلمات نبحث عن معناها في القاموس.
وهكذا لا نستطيع تطبيق الأفكار المستعارة في سياق حياتنا، وإنما نقلدها
في الصورة التي يطبقها فيها غيرنا في حياته، وهذا يجعلنا نزهد في استخدام كل إمكانياتنا في بناء إقتصادنا، لأننا نريد أن نقلد إقتصاد الآخرين كما يضعونه بوسائلهم الخاصة المتطورة التي ليست في متناولنا في مرحلة تطورنا، وهكذا يضيع علينا بعض إمكانياتنا حين لا ندرك قيمتها وراء الكلمات التي أدلى بها الاختصاصي الذي خطط لنا، وهكذا يضيع الوقت أيضاً.
إن الاختصاصي تكلم لنا عن مقومات الإقتصاد، فذكر وسائل الإنتاج، وسعة الإنتاج، وعن الإطارات الفنية، وعن تركيز رؤوس الأموال.
فأخذنا بهذه المصطلحات بالحرف، وفق معناها في القاموس، وانزلقنا
هكذا في التقليد الإقتصادي، كما انزلقنا وننزلق في التقليد في الادب وفي اللباس وفي الذوق، وأصبحنا نعمل في الحقل الإقتصادي بوسائل دون وسائل غيرنا لأننا لا نملك وسائلهم، ودون وسائلنا لأننا لا نعرف قيمتها الواقعية، في مشروع جرى تقديره بأفكار تحجرت حين تناولناها، وأصبحت لا تسير مع ظروف حياتنا الخاصة.
يجب إذن أن نعيد النظر في القضية على أساس أن وسائلنا ليست في رصيد ثروة صناعية مجهزة بكل الطاقات الميكانيكية، وإنما في رصيد ثروتنا الطبيعية المجهزة بالطاقات البشرية.
ولا بد أن نلاحظ من ناحية أخرى أن العوامل الإقتصادية كلها، مهما كانت
стр. 49
درجة تعقدها، هي في مرحلة أولى، نتيجة الإنسانية الأولية، وأنه من الممكن إذن لبناء الإقتصاد في بلد في مثل هذه المرحلة، أن نقدر القيم الإقتصادية بالقيم الإنسانية، أي أن نحدد المصدر الأول في الثروة الطبيعية التي تحت تصرفنا.
يمكننا أن نضع على هذا المنوال القائمة التالية:
الإنسان .......... الإقتصاد
(١) اليد والوقت .......... وسائل إنتاج
(٢) عقول .......... إطارات فنية
(٣) تركيز العمل .......... تركيز رؤوس أموال
فبالنظر إلى هذا الجدول البسيط يتبين من اللحظة الأولى، أن القيم الإقتصادية المذكورة في العمود الثاني صادرة كلها عن الأسباب المذكورة في العمود الأول، حتى بالنسبة إلى تركيز رؤوس الأموال، إذا لاحظنا أن المال ما هو إلا العمل المخزن في صورة متنقلة.
بالإضافة إلى هذا، فالجدول يكشف لنا عرضاً، لأي سبب يعود الضعف،
إلى درجة معينة، في المشروعات الإقتصادية المخططة على أساس الاعتبارات الفنية فقط، أي الاعتبارات الإقتصادية المجردة، التي لا تأخذ في حسابها العامل الإنساني مع جميع الظروف التي تحتويه.
فمن الواضح أن الإنتاج الميكانيكي نفسه والإطارات الفنية، وفعالية رؤوس الأموال، وبكلمة أخيرة جميع القيم الإقتصادية، ترتبط من حيث التأثير والفعالية، بحالات خاصة تتصل بالعوامل الإنسانية، حتى إن الآلة الميكانيكية ذاتها يزيد أو ينقص إنتاجها حسب ما يعتري الوسط الإنساني، الذي تعمل فيه من حالات توتر أو فتور، أو بعبارة أخرى حسب قيمة المسوّغات الموجودة وراء نشاطه.
стр. 50
ولو حللنا بعض المشروعات الإقتصادية التي نفذت أو في حيز التنفيذ في البلاد التي تمر بمرحلة البناء لأدركنا قيمة العامل الإنساني في هذه المشروعات، كما ندرك هذا من خلال السياسة الديمغرافية التي اتبعتها الصين الشعبية في السنوات الأخيرة، نرى هذا البلد يحدد النسل أولاً ثم يتراجع فوراً عن هذه الخطة، لأن القيادة أدركت، في ضوء معلومات جديدة، قيمة العامل الإنساني في البناء الإقتصادي، الذي قام بالدور الأساسي في التخطيطات السابقة وفي التخطيط الذي يجري الآن.
كما أنه بإمكاننا أن نستزيد من التوضيح بهذا الصدد لو عقدنا موازنة بين تجربتين: جرت الواحدة منهما ببلاد مصنعة، فقدت في ظروف معينة كل المقومات الإقتصادية المذكورة في العمود الثاني من جدولنا السابق، ثم استعادتها باستخدام المقومات الإنسانية الأساسية الموجودة في الثروة الطبيعية، التي هي في رصيد كل شعب، وجرت التجربة الأخرى في بلاد تقع في قارة التخلف، وشاء أن يتصنع بالطرق الفنية التي ينصح بها عالم في الإقتصاد كالدكتور شاخت.
فهذه الموازنة بين محاولة جرت بأندونيسيا، ومشروع في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، تجعلنا نتساءل: لماذا أخفق تحقيق الدكتور (شاخت) في إندونيسيا، مع أنه صادر من عالم إقتصاد أجدر من غيره لتقديم النصيحة في هذا الصدد. فقد نجح تماماً المشروع الألماني تحت إشراف الدكتور (أهرارد)، بعد الحرب العالمية الثانية، أي في السنوات نفسها، مع اختلاف الظروف الأخرى من وجوه عديدة اختلافاً يؤيد وجهة نظرنا:
١ - فألمانيا لم تفقد على أثر الحرب العالمية الثانية المقومات الإقتصادية الخاصة بدولة مصنعة فحسب، بل فقدت معها المقومات السياسية، أي سيادتها حتى لم يبق بيدها إلا الوسائل البدائية الطبيعية الموجودة في ثروة كل شعب.
٢ - ثم إن هذه الثروة الطبيعية ذاتها في ألمانيا التي تعد بلاداً ذات طبيعة
стр. 51
فقيرة، لا تساوي ثروة إندونيسيا التي تعد من حيث الطبيعة، أغنى بلاد الله في الأرض.
فعندما نعقد الموازنة بين التجربتين، مع مراعاة الظروف التي أحاطت بكل واحدة، وفي ضوء ما قدمنا عن التجربة الصينية، فإن دور القيم الإقتصادية يتضاءل أمام القيم الإنسانية.
فالتجربة الألمانية نجحت لا لأنها تصرفت في عدد أكبر من الوسائل الفنية،
مما كان في رصيد التجربة الإندونيسية، ولكن لأنها تصرفت في وسائل وقيم إنسانية تتسم بفعالية أكثر.
وإذا أردنا أكثر تفصيلاً عن سبب النجاح من ناحية والفشل من الناحية الأخرى نرى:
أن مشروع الدكتور (شاخت) في إندونيسيا أخفق، لأن هذا الإختصاصي أغفل جانباً هاماً في العملية الإقتصادية، وعاملاً أساسياً فيها، ألا وهو الإنسان، فقد خطط مشروعه المذكور في ضوء معلوماته عن الإنسان الألماني، الذي يحمل في معادلته الشخصية معطيات تجربة اجتماعية سابقة، بينما لا يجد إنسان إندونيسيا في طوره الحاضر هذه المعطيات في معادلته الشخصية.
إن عنصر الحركة الدافعة في الإنسان أو ما نطلق عليه اسم الفعالية، يدخل
في بناء الشخصية عن طريق التمثل النفساني لعناصر ثقافية معينة، يمتصها الفرد في الجو الاجتماعي الذي يعيش فيه. كما يمتص الحيوان العناصر الحيوية عن طريق التنفس في الجو الطبيعي.
ولا شك أن الفعالية تتركب في بناء الشخصية بكل بساطة، عن طريق تنسيق حركي تأليفي للمقومات الأولية: الفكر، اليد، المال بمعناه الصحيح أي باعتباره العمل المخزون.
стр. 52
فعندما نرى تجربة نجحت في بناء إقتصاد، فمعنى ذلك أن شخصية معينة نجحت، كالشخصية الألمانية في بناء الإقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، وعندما نرى الإقتصاد الروسي ينجح بعد ثورة ١٩١٧، وبعد الكساد الذي عرفته روسيا القيصرية، فهذا لا يعني أن آلات جديدة بدأت تنتج في روسيا، بقدر ما يعني أن شخصية جديدة بدأت تنتج، أي تنسيقاً جديداً لحركات العقل واليد والمال بدأت تظهر آثاره المحسوسة، فنجاح العامل السوفييتي (استاخانوف) في إنتاج الفحم الحجري يعني أولاً وقبل كل شيء ظهور شخصية جديدة تمتاز بفعالية أكثر من الإنسان الرويسي Moujik الذي كان قبله.
ولا يقنع أن نقول عن (استاخانوف) إنه عبقري، فهذه الكلمة تصف فرداً ولكنها لا تفسر ظاهرة على جانب من الأهمية العملية، إذ أصبح نجاح هذا العامل السوفييتي قاعدة لمذهب يعطي للعامل الإنساني القيمة الرئيسية في الإنتاج.
فالتفسير للظاهرة التي نشاهدها في عمل فرد مثل (استاخانوف)، أوسع
من قضية هذا الفرد سواء كان عبقرياً أوغير عبقري.
ويمكننا هنا أن نلاحظ ملاحظة عأمة عن تأثير الثورة في بلد ما، على المعادلة الاجتماعية التي تمثل القيمة التي يجب أن نقدر بها الإنسان من الناحية الاجتماعية.
فالثورة الفرنسية مثلا وضعت الإنسان أمام ضرورات سياسية، تتطلب تغيير النظم والمؤسسات البالية بنظم ومؤسسات جديدة، في نطاق دستور جديد.
أما ثورة مثل الثورة الروسية فإنها وضعت الإنسان أمام ضرورات نفسية، تتطلب تغييراً أساسياً في الإنسان ذاته.
стр. 53
وهذا الاختلاف يعود إلى أن المستوى الثقافي أو الحضاري الذي كان عليه الإنسان الروسي، لم يكن يدعو إلى تغيير كبير في نفسه، وإنما في محيطه الاجتماعي، بينما كان مستوى الإنسان الروسي قبل الثورة يدعو إلى تغيير عميق في معادلته الشخصية قبل كل تغيير خارجي.
وهذه الملاحظة لها قيمتها بالنسبة إلى تشخيص المشكلات وكيفية مواجهتها، فالطفل لا يشعر بها، وإن واجهها فإنه يواجهها بمنطق الأشياء لا بمنطق الأفكار.
فعمر الإنسان الروسي كان عمر الطفل من الناحية النفسية، فكان على الثورة أن تغير منطقه الاجتماعي، بتغيير معادلته الشخصية.
فالمشكلة التي تواجه الإنسان المسلم هي هذه نفسها، فهي مشكلة الإنسان الذي يعيش في عهد ما قبل الحضارة، أي الإنسان الذي يحب وضعه أمام ضرورات نفسية قبل كل شيء، تلك الضرورات التي تتطلب تغيير المعادلة الشخصية. المعادلة التي تفرض عليه في حالته الراهنة منطق الأشياء: فالمسلم اليوم يضع مشكلاته في حدود الأشياء، أي الحدود التي لا تتسع لظروف الحياة المتغيرة، بينما الأفكار وحدها تستطيع مسايرة ظروف كالظروف القاسية التي أحاطت ببناء الإقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية.
يجب أن نوضح هذا الضيق في نطاق الأشياء بمثل محسوس، فلو افترضنا أن
فرداً طلب منا العمل، لتصورنا الجواب على سؤال كهذا في صورتين:
١ - يمكن أن نلقي نظرة على قائمة تشغيل في مصنع معين، أو على أرقام ميزانية معينة، أي أن نستجوب (الأشياء) كي نصوغ جوابنا على سؤال الرجل، ويحتمل أن نقول له إنه لا يمكننا تشغيله لأننا وضعنا قضيته في حدود الأشياء - مصنع وميزانية- التي لا تتسع لتشغيله في ظروف معينة.
стр. 54
٢ - ويمكن أن توضع القضية المعروضة في حدود الأفكار مباشرة، فنصوغ جوابنا لا حسب التقديرات الشيئية التي تقدر في نطاق المصنع والميزانية، وإنما حسب مقتضيات المبدأ الذي يقرر بصورة عأمة: هذا الرجل يجب أن يعمل.
هكذا نرى بكل وضوح أن الجواب في الصورة الأولى قد ضيق نطاق الإمكانيات منذ اللحظة الأولى، لأننا وضعنا القضية في حدود ضيقة بطبيعتها، لأنها حدود الأشياء التي لا تتسع لمجرى الحياة المتنوعة في كل حين.
أما الجواب في الصورة الثانية فإنه يفتح آفاقاً متسعة، تتسع لكل الاحتمالات، لأنها تشمل جميع الطاقات الاجتماعية التي يمكن توظيفها في بناء إقتصاد، إذ توظف مثلاً العوامل الإنسانية البسيطة- اليد، الفكر، المال- دون انتظار الشروط الفنية. أي الوسائل الميكانيكية، والإطارات الفنية بمعناها الضيق الذي نجده في قاموس إقتصادي عادي.
ومما يجدر ذكره بهذا الصدد، أن النهضة الإقتصادية في اليابان سارت ونمت بوسائل بدائية، وضعها اليابان على نطاق متسع في الإنتاج المنزلي، الذي قام بدور رئيسي في بناء الإقتصاد الياباني الضخم.
ولكن نعلم مما تقدم أن فعالية العوامل الإنسانية البسيطة ليست مضمونة في سائر الظروف. فهي مشروطة بظروف تاريخية نفسية معينة، يمكن أن نحددها سلبياً فنقول: إن هذه الشروط لا تتحقق في مجتمع لا زال في عمر الطفولة، أي لا زال مرتبطاً بمنطق الأشياء يعيش في المرحلة التي نطلق عليها ما قبل الحضارة.
وهكذا يمكننا أن نحدد التخلف بعد أن حددناه بأرقام متوسط الدخل السنوي، على أنه الحالة الاجتماعية التي يكون عليها إنسان ما قبل الحضارة، الإنسان الذي يضع مشكلاته في حدود الأشياء.
стр. 55
ويترتب على هذا أن العلاج الجذري لمشكلات التخلف، ليس في مواجهة هذه المشكلات بوسائل جاهزة، أنتجتها حضارة شقت طريقها، وخرجت من المرحلة البدائية المتسمة بمنطق الأشياء ونفسية الشيئية، بل لابد من مواجهتها بإنشاء حضارة، توظف الطاقات الاجتماعية الموجودة، مهما كانت الظروف ((وتنشئ تدريجياً وسائلها الفنية بقدر ما تتخلص من رواسب ومعوقات ما قبل الحضارة)).
***
стр. 56
الديمقراطية في الإسلام
محاضرة ألقيت بنادي الطلبة المغاربة سنة ١٩٦٠
стр. 57
سادتي:
ورثنا نحن معشر الشعوب الإسلامية، كما ورثت معنا وفي الظروف نفسها الشعوب الإفريقية الآسيوية، التي خضعت مثلنا للدول الإستعمارية، واحتكت بثقافتها وحضارتها في إطار الإستعمار، ورثنا من هذا الاتصال بحم القانون الذي يفرض على المغلوب عادات وتقاليد الغالب، ورثنا المقاييس المرتبطة بحياة العالم الغربي. وبتجربته التاريخية، وتقبلنا بعضها لنقشى بها الواقع الاجتماعي لدينا، ونوازن على ضوئها ماضينا بما يسحر أبصارنا في حاضر هذه الامم الغربية. هذه الامم التي فرصا علينا عاداتها ومفاهيهها ومصطلحا! اوأسلوب حياتها، وهكذا رأينا هذه الأشياء مس! ات يقتدي بها فكرنا ويهتدي بها اجتهادنا، ويستدل بها منطقنا، دون أن نحقق في درجتها من الصحة واتفاقها مع جوهر شخصيتنا، وفلسفة حياتنا. وكان أثرها في تفكيرنا أن أصبحنا نتناول! ني كتابتنا وفي حديثنا موضوعات جديدة، مثل موضوع هذا الحديث أي الديمقراطية في ال! سلام.
إننا حينها نقدم عنواناً كهذا لا نشعر عادة بأنه يتميهن فسَلَّمة! يسلم بها أحد تسليم القتنع، وإنما نسلِّم بها خضوعاً لمسايرة العرف الذي فرضته علينا الحضارة الغربية، حتى أصبحنا نفم إلى الإسلام كل ما نعتقد أنه ذو قيمة حضارية، دون أي تمحيص ف! يربطه أو يحدد درجة ارتباطه بالإسلام أو يتره عنه الإسلام. فالديمقراطية من تلك العناصر التي نتقبلها لنضيفها إلى التراث الإسلامي، مقتنعين بما يسوّغ هذه الإضافة، ولو بصورة شكلية، حق يصبح الموضوع لا يفتح بابه على نقطة استفهام: " هل توجد ديمقراطية في الإسلام؟ " بل ندخل فيه مباشرة من باب الس! ات، فنقول: " صفوا لنا الديمقراطية الموجودة في الإسلام ".
стр. 58
إن مشكلة الربط بين هذين المصمطلحين هي في نظري المشكلة الأساسية في الموضوع: يجب أولاً أن نميز بينهما وأن نعطي لكليهما ما تستحق شخصيته من التعريف، حتى يتبين في ضوء هذا التعريف أي قرابة توجد بين الصطلحين. وعليه يجب في خطوتنا الأولى أن نوضمح وأن نرف مصطلحاتنا: ما هو الإسلام؟ وما هي الد يمقراطية؟
ولا بد هنا من ملاحظة: أن كل مصطلح كان في زمن ما كمة محدثة، وإننا نعرف بالضبط متى حدثت ك! ة (إسلام) في اللغة العربية وبمعناها الدارج، إنها لا شك من ابت! ر القرآن الكريم.
ولكننا على جانبا أقل من العرفة ف! يخص مصطلح (ديمقراطية)، فنحن
لا نرف متى درجت في اللغة الربية بو! مفها مفردة مستوردة، ولا نعرف حتى تاريخ حدوثه في لغته الاصملية، إنما نعرف أنه صيغ في اللغة اليونانية قبل ع! ر (بريكلاس)، إذ أن الؤرخ (توسديد) يذكره على لسان هذا القيصر في إحدى خطبه الوجهة إلى شعب أثينة، أي منذ خسة قرون قبل اليلاد.
هكذا نرى المملة مفقودة بين الصطلحين بالنسبة إلى الزمان وإلى ال! ن، وربما أمكن القول مجازفة، نظراً لهذا التباعد من حيث التاريخ ومن حيثا الجغرافية، بأن لشى هناك " ديمقراطية في الإسلام ".
ومن جهة أخرى فبقدرما يكون اللفظ مشحوناً بالتاريخ، أي بقدر
ما تكون له من جذورفي واقع وتاريخ البشر، كما هو شأن الكمتين اللتين نحللهما، يكون شيء من التباس في هذا اللفظ التباساً يلبسه أحياناً معاني متعددة.
يجب إذن أن نرفع هذا الالتباس باختيارأي هذه المعاني نقصد بالضبط: إن
стр. 59
كلمة إسلام وكمة ديمقراطية تحتوي كلا! اعلى مضون ثري، يجب من الناحية العملية تبسيطسه إلى أقم! ما يمكن حتى تتشر الوازنة بينهما.
ما هي الديمقراطية في أبسط معانيها؟
إن أي قاموس اشتقاق في اللغة الفرنسية يدلنا على أن الكمة مركبة من مفردتين يونانيتين، وتعني (سلطة الشعب) أو سلطة الهاهير، كما تعودنا أن نقول اليوم، أي بتعبير تحليلي موجز (سلطة الإنسان).
ومن جهة أخرى ما هو (الإسلام)؟ في أبسط معاني الك! ة لعلنا لا نجد جواباً أفضل على هذا السؤال، من أن نستعيره من جواب الني! ذاته على سؤال ورد في حديث مشهور رواه مسلم والترمذي، والإمام أحمد والبخاري عن أل! هريرة، في روايات هتقاربة قال أبو هريرة: كان الني ى! ٢ بارزاً يومأ للناس فأفتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ ... الخ .. إلى أن قال ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصملاة وتؤدي الز؟ ة وتصوم رمضان. فإذا قصرنا الأمر على ما يتصل بموضوعنا، ووضعنا أمام أعيننا في هذا النص الجواب، الذي يستحق ثقة أكثر جواباً للسؤال المطروح: نرى أن الإسلام هو الإيمان بالله وحده، والقيام بالصلاة وأداء الز؟ ة والصيام.
وقد يقولط من يشرح هذا الحديث إنه! يذ! ر الحج لأنه ورد قبل أن يحدد فر! ط الحج.
ومهما يكن في الأمر، فها نحن وضعنا للكمتين التحديد المتفق مع أبسط معانيهما.
فهل يوجد وجه موازنة بينهما بعد هذا التبسيط؟ أي وجه موازنة بين مفهوم سياسي يفيد جمله تقرير (سلطة الإنسان) في نظام اجتماعي معين، وبين
стр. 60
مفهوم ميتافيزيقي يفيد جمله تقرير (خضوع الإنسان) إلى سلطة الله في هذا النظام أو في غيره؟
هكذا ينتهي الأمر فيما يبدو إلى مناقضة أوما يشبه مناقضة، كما لتي ظهرت
بكل وضوح في الشعارات التي نادت بها الثورة الفرنسية في نضالها ضد الكنيسة الا نريد ربأ ولا سيداً)، فهذه الناقضة الصورية تزيد طبعاً في تباعد الصطلحين، وفي صعوبة الوازنة التي نريد عقدها بينهما.
ولكن الصعوبة هذه ليست نتيجة الواقع الذي يدل عليه الصطلحان كلا! ا، بل!! اتنتج من كيفية تعبيرنا عن هذا الواقع:
إننا قد اخترنا مثلاللتعبير عن الديمقراطية العق اللغوي؟ يعرفه لنا أي قاموس اشتقاق، وهو مرتبط بمَقاليد الثورة الفرنسية التي يعد هذا الصطلح من إنتاجها اللغوي في هذا العصر.
ولكن ينبغي علينا في الواقع أن نعيد الكرة في تحديد الديمقراطية، ونحددها دون ربطها مسبقاً باي مفهوم آخر؟ لإسلام، فننظر إليها على أم وجوهها، أي في إطارممومياتها قبل أن نربط الموضوع باي مقياس مسبق.
ففي مثل هذا الإطار، الذي ستتضح مسوّغاته ف! بعد، يجب أن ننظر إلى الديمقراطية من ثلاثة وجوه:
١ - الديمقراطية بوصفها شعورأ نحو الى (أنا).
٢ - الديمقراطية بوصفها شعورأ نحو الآخرين.
٣ - الديمقراطية بوصفها جموعة الشرووو الاجتماعية السياسية الضرورية لتكوين وتنهية هذا الشعورفي الفرد.
فهذه الوجوه الثلاثة تتفمن بالفعل مقتضيات الديمقراطية الذاتية والموضوعية، أي كل الاستعدادات النفسية ال! يقوم عليها الشعور الديمقراطي
стр. 61
والعدة التي يستند عليها النظام الديمقراطي في المجتمع، فلا يمكن أن تتحقق الديمقراطية واقعاً سياسياً إن اتكن شروطها متوافرة في بناء الشخصية وفي العادات والتقاليد القائمة في البلد.
فهذه الاعتبارات تكوِّن العموميات التي تتحدد في نطاقها المشكلة بما تقتضيه
من الوضوح، فهي تدلط خاصة على أن الشعور بالديمقرا! ية مقيد بشروط معينة لا يتحقق بدونها، وهذه الشروط ليست من وضع الطبيعة ولا من مقتضيات النظام الطبيعي، على خلاف ما؟ فت تتصوره الفلسفة الرومنطيقية في عهد جان جاك روسو، بل هي خلاصة ثقافة معينة وتتويج لحركة الإنسانيات وتقدير جديد لقيمة الإنسان: تقديره لنفسه وتقديره للآخرين.
فالشعور الديمقراطي هو نتيجة لهذه الحركة عبر القرون، ولهذا التقدير الزدوج لقيمة الإنسان.
إن الؤرخ الفرنسي (جيزو) يمّيح لنا في كتابه (تاريخ أوربا من نهاية الإمبراطورية الرومانية إلى الثورة الفرنسية) تتبع هذه الحركة، أي التطور الذي أدى إلى ظهور الد يمقراطية في أوربا. ونمو الشعور الد يمقراطي في البلاد الاور بية.
فالؤرخ الكبير يبين أكانت أصول الديمقراطية الغربية بعيدة وبسيطة، وكيف تكون الشعور الديمقراطي ببطء، قبل أن يتفجر بالتالي في التصريح بحقوق الإنسان والواطن، ذلك التصر يح الذي يعبر عن التقو يم الجديد للإنسان، وعن التتو يج الاسطوري والسياسي للثورة الفرنسية.
فالشعور الديمقراطي الغربي، قد بدأ يعبر عن نفسه، وهو ايتخلص بعد
من الغموض اللازم لكل ما هو في حالة تخلق ونشوء، خلال الحركتين التاريخيتين الكبيرتين: حر! ة الإصلاح وحركة النهضة، بل إن هاتين الحركتين
стр. 62
هما أول تصريح بقيمة الإنسان الاوربي في مجال الروح وفي مجال العقل.
فن الواضح أن هذا الدرس عن تاريخ أوربا الذي نقرؤه في! تاب (جيزو)، نجد الواقع الاجتماعي مطبوعا ومغلفا بخصالًص المجتمع الغربي، مثل حركة الإصلاح والنهضة.
ولكن الحقيقة العأمة بالنسبة إلى الشعور الديمقراطي، مهما يغشاها من قلة وضوح تلبس معها هنا ظواهر التاريخ الغربي وخصائصه، التي لا يمكن أن تتكرر في تاريخ الاجناس والشعوب الأخرى، فإنها تبرز على الرغم من ذلك تحت هذا الغلاف الخاص، أي عندما نخلص الموضوع من قيود التاريخ والسياسة ونعبر عن الأشياء بمصطلح علم النفس وعلم الاجتماع.
إن الشعور الديمقراطي في أوربا كان النتيجة والاَل الطبيعي لحركة الإصلاح والنهضة. فهذا هو معناه التاريخي الصحيح، ولكن هذا العنى لا يفصل عن تاريخ أوربا ليطبق على أمم أخرى.
ولكن القانون العام بالنسبة إلى طبيعة الشعور الديمقراطي، سواء في أوربا
أو في بلد آخر، هو أن هذا الشعور نتيجة لاطراد اجماعي معين: فهو بالصطلح النفسي الحد الوسط بين طرفين، كل واحد منهما يمثل نقيضاً بالنسبة للآخر، النقيض العبر عن نفسية وشعورالعبد السكين من ناحية، والنقيض الذي يعبر عن نفسية وشعورالستعبد الستبد، من ناحية أخرى.
فالإنسان (الحر) أي الإنسان الجديد الذي تكثل فيه قيم الديمقراطية والتزاهاتها، هو الحد الإيجابي بين نافيتين تنفي كل واحدة منهما هذه القيم وتلك الالتزامات: نافية العبودية، ونافية الاستعباد.
ولهذا التطورناحية شكلية لها دلالتها عندما يضفى على هذا الإنسان (الحر) لقب يعبر عن قيمته الجديدة، فبعد أن كان يعد، ءؤدا ٣ أي التابع إلى الملك
стр. 63
أو مولاه، تسميه الثورة الفرنسية! ح لا ٤٥ أح المواطن، وتحا أالملك لو يس السادس عشر فتسميه (الواطنكأنيه) أثناء المحاكة، وبعد أن كان الفلاح الروسي يسس (موجيك) في العهد القيصري، أصبح (الرفيق) بعد ثورة أكتوبر سنة ١٩١٧. التي علقت على باب العهد الجديد صورة (الرفيق) ستالين.
ومن أثر هذه الشكليات أن يكون من بين أكبر الاسماء التي حلقت في سماء الثورة الفرنسية ايمم (روبسبييرح ٣! س! أ"٣ س!؟ هـ ")، حفيد أولئك الذين كانوا من قطيع ٣،!! ٣ أي الخدم. و (ميرابو ول! س!؟! ٣ أ ٧) حفيد أولئك الإقطاعيين ٣ م داس! + "أس! ٣ الذين مثلوا العهد البائد جمما فرنسا قبل الثورة.
فهذه هي الحقيقة العأمة، الخالصة من ظروف البيئة، والطابقة لكل وسط إنساني مهما كانت ظروفه التاريخية الخاصمة.
وهذا هو القياس العام الذي تقاس به الأشياء بالنسبة إلى أي تطور ديمقراطي. سواء بوصفه واقعاًا ندثر في طيات التاريخ، أو مشروعاً نريدى تحقيقه في واقع مجغ.
فكل تطورمن هذا النوع هو في جوهره مملية تصفية تصفي الإنسان، حتى يصبح الإنسان الجديد في صورة (الواطن) أو صورة (الرفيق)، أي الإنسان الذي تخلص من رواسب العبودية ومن نزعاقما الاستعباد، التي تكون الصورة السلبية للشعور الد يمقراطي.
والتاريخ يعطينا نماذج كثيرة من هذه الصور السلبية أي الصور العبرة عن نفسية العبد ونفسية الستعبد.
إنه لا يخلو من الفائدة أن نذكر بعض هذه النماذج توضيحاً ل! موضوع وربما وجدنا بعضها تهما في الادب:
стр. 64
-٧١ -
فالإرشاداتا التي يعطيها شخص أو رسول إلى شخص (جوينبلين) في قصمة فيكتورهوجو (الرجل الذي يفمحك)، هي في الواقع إرشادالا تنطق فيها روح العبد. حيث يقول أرسوس لزميله: " هناك سنة يتهسك بها الكبار، فإضهم لا يعملون شيئاً، وسنة يكسك بها الصغار، فإضهم لا يقولون شيئاً: إن الفقير ليس له صديق إلا صديق واحد: الصت، إنه لا يجوزله أن يتفوه إلا بكمة واحدة: نعم، فالاعتراف والرضا هو كل حقه: نعم إلى القاضي، نعم إلى اللك ". فالكبار ينهالون عليه ضربا بالعصا، إذا ما حدثتهم نفوسهم .. " إن هذا
من حقهم، وإنهم لا يخسرون شيئا من عز ٣٣ إذا ما دكوا عظامنا ضربا .. ". فن البين أن فيكتورهوجو وصف في هذا اطوار بكل دقة نفسية العبد، الذي يقول " نعم،) في كل الظروف، ونشر أفي هذه الك! ة الإيجابية في لفظها من سلبية في معناها، إذ إن (نعم) هنا تساوي نافية، تلغي قيمة الى (أنا)، أي أنها تنفي القاعدة الأساسية التي تبنى عليها الديمقراطية في نفس الفرد.
ولا يخلو الادلب العرد! من هذه الاذج العبرة عن نفسية العبد، إننا نجدها خاصة في كتاب (ألف ليلة وليلة)، حيث نرى جما كل صفحة الامير يأمرأو يهدد بصرب عنق، والجلاد يقول: (نعم) السمع والطاعة يا مولأنا.
وإننا لنجد صورة أخرى للنافية التي تنفي الشعور الديمقراطي، في صورة الستعبد الستبد، كما يصفه القرآن الكريم لنا في الحوار الشهور الذي دار بين فرعون وموسى حيثا يسأل الأول:
- (فَمَنْ رَبكما يَا مُوسَى؟! أطه: ٤٩/ ٢٠)
فيرد الثاني:
- (رَئنا الذي أعْطى كلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى! أطه: ٥٠/ ٢٠)
стр. 65
- ٧٢ -
إننا نرى أيعبر هذا السؤال عن نفسية الجبارالستبد، الذي يريد استعباد الخلق، وكان ينتظر من موسى الاعتراف بمزاممه في الربوبية، حتى أقى جواب الرسول فأثار غضبه لأنه كان رفضاً لزاعه.
ولكن المشهد يسكر فيزيد وضوحا في تصوير المستبد، فنراه يندفع في كبريائه، ويرجئ الرسول إلى يوم الزينة ليكون موعداً له وللسحرة، فيتزايد غضب الطاغية الستبد عندما رأى! يد الشيطان مهزومأ والسحرة سجداً: (قالوا آمنّا بِرَباِّ هرونَ ومويى! أطه: ٧٠/ ٢٠). فغضب الطاغية: (قال آمَنْتمْ لَة قبل أنْ آذَنَ لم، إئهُ لكبيرآُ الذي علَّمكُم السِحر، فلاقطّعَنّ أيديَم وأرجلَم من خِلاف، ولاصلبنَّمُ في جذوعِ النخْلِ، ولتعلَمُنَّ أيُّنا أشدّ عذاباً وأبقى! أطه: ١٧١/ ٢٠.
لشى من الضروري أن نتابع الشهد إلى آخره، فقد أعطانا صورة؟ فية للاستبداد في شخص فرعون، بقدرما يزداد غضبه على الرسول وعلى السحرة، فالوقف لا يعبر هنا عن (نافية) إزاء ال (أنا)، بل عن نافية إزاء الآخرين أي أنه ينفي جانباً من الشعور الديمقراطي.
ولكن قد نجد أحيانآَ موقفاً يعبر عن النافيتين معاً.
إن تاريخ روسيا القيصرية ترك لنا قصة ذات دلالة في الموضوع، إذ نرى
أحد القياصرة، وهو ف! أعتقد القيصر إسكندر الاكبر، وقد كان في ضيافته أمير من الغرب، فأراد القيصر أن يبرهن لضيفه عن مقدارسلطانه على رعيته، فأشار بأصبعه إلى جندي كان يقوم بدور حراسة بأحد ممرات الدوريات الشرفة على هاوية سحيقة، فبهجرد الإشارة ألقى الجندي بنفسه من ذلك العلو، كانه آلة تحركت بالضغط على زر ...
فهذا الشهد يتفحن بكل وضوح موقف العبد وموقف الرجل الستبد، أي نافيتي الشعور الد يمقراطي.
стр. 66
- ٧٣ -
ويمكن جمع الكثير من هذه الكاذج، مثل رئيس الحشاشين، حسن السفاح، أو شيخ الجبل؟ كان يلقب، فإنه كان أيضاً يتصرف في حياة أتباعه فيقوم أحد! لمجرد الإشارة ليلقي بنفسه في هاوية معنوية، يلقى فيها كيره. وعلى كلِ فإن ما ذكرنا يكفي لتكو ين إطار العموميات التي تحيط بالموضوع، وتكون مرجعاً يرجع إليه في هذا السياق.
فالقضية إذن عندما نتحدث عن الديمقراطية في الإسلام منوطة بهذه العموميات وهذا الرجع، أي بالعناصر الثلاثة التي قدمناها على أنها الشروط العأمة لوجود الشعور الديمقراطي في أي بيئة.
وبالتالي فالسؤال هو: هل الإسلام يتضن ويتكفل هذه الشروط الذاتية والموضوعية، أي هل يكون نحو (الأنا) ونحو (الآخرين) ال! عور الذي يطابق الروح الديمقراطي؟ بينا، وهل يخلق الظروف الاجماعية الناسبة لتكية هذا الشعور؟
وعلينا من وجهة علية، وقبل الجواب على السؤال " هل يخلق الإسلام الشعور الديمقراطي؟ ا) أن نتساءل: هل يخفف الإسلام حقيقة من كلية ومن وحدة الدوافع السلبية، والنزعات النافية للشعور الديمقراطي، التي تطبع سلوك العبد وسلوك الستعبد؟
لابد إذن في البداية خاصة أن نقدر كل مشروع يهدف إلى تأسيس ديمقراطية، على أنه مشروع تثقيف في نطاق أمة ب! ملها، وعلى منهج شامل، يشمل الجانب النفسي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي.
فالديمقراطية ليست إذن، كانفهمها فهما سطحياً عندما نتناول معناها الدارج أي في حدود اشتقاق الفردة، ليست مجرد علية سياسية، علية تسليم سلطات إلى الجاهير، إلى شعب يصرح بسيادته نص خاص في الدستور.
стр. 67
وقد يكون هذا النص نفسه غير موجود في بلد معين، إما لآن هذا البلد ايوضع في دستوره نظام دستوري، وإما لأن جباراً مستبداً جاء يلغيه، مثل نابليون في فىنسا؟ ومع ذلك لا تفقد الديمقراطية معناها في هاتين الحالتين، لآ! معناها مرتبط بشعور وبعادات وتقاليد لا يكونها نص ولا يلغيها جبار. فإنجلترا تكتع بحياة ديمقراطية ممتازة، دون أن يكون في آساسها نص دستوري خاص، يحمي الحقوق والحريات التي يكتع بها فعلاًا ل! عب الإنجليزي، وإنما تحميها تقاليد الشعب ذاته وعاداته وآوضاعه النفسية وعرفه الاجماعي. آي في نهاية التحليل يحميها ما يمكن أن نسكيه الروح الإنجليزي بالذات.
فليست الديمقراطية إذن في أساسها علية تسليم سلطات تقع بين طرفين معينين، بين ملك وشعب مثلا، بل هي تكوين شعور وانفعالات، ومقايش! ذاتية واجتماعية تشكل جموعها الاسس التي تقوم عليها الديمقراطية في كير شعب. قبل أن ينص عليها أي دستور. والدستور ما هو غالباً إلا النتيجة الثكلية لمشروع الديمقراطي عندما يصبح واقعاً سياسياً، يدل عليه نص توحي به عادات وتقاليد، ويمليه شعور في ظروف معينة، ولا يكون أي معنى لهذا النص إن! تسبقه التقاليد والعادات التي أوحت به، أو بعبارة أخرى السوّغات التاريخية التي دلت على ضرورف.
ومن هنا تبدو بكل وضوح تفاهة تلك الاستعارات الدستورية التي تستعيرها اليوم بعض الدول الإفريقية الآسيوية الناشئة، التي تريد إنشاء الوضع الجديد في بلادها،! القياس على النوال الذي تستعيره من بعض البلاد ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، إن هذه الاستعارة تكون تارةً ضرورية ولكنها لن تكون بكل تأكيد وحدها؟ فية، إن اتصحبها الإجراءات الناسبة لبث ما يستعار في نفسية ال! عب الذي يستعيره.
ومهما يكن في الأمر، فقد تبين من الآن، أن الجواب على السؤال العروض
стр. 68
-٧٥ -
في هذا البحث- هل توجد ديمقراطية في الإسلام- لا يتعلق ضرورة بنص فقهي مستنبط من السنة والقرآن الكريم، بل يتعلق بجوهر الإسلام عأمة، وخاصة من الوجهة التي تهمنا هنا، فإنه لا يسوّغ لنا أن نعد الإسلام دستوراً يعلن سيادة شعب معين، ويصرح بحقوق وحريات هذا الشعب، بل ينبغي أن نعده في سياق حديثنا صثروعاً ديمقراطياً تفرزه المارسة، وترى من خلاله موقع الإنسان السلم من المجتمع، الذي يكون محيطه وهو في الطريق نحو تحقيق القيم والثل الديمقراطية، تحقيقاً ترتبط معه حركته التاريخية بالبادئ العأمة التي أقرها الإسلام، في صورة بذور غرست في الوعي الإسلامي، وفي صورة شعور عام ودوافع تكون العادلة الإسلامية في كل فرد من المجتمع.
ويجب أن نعد هذه الحركة الناشئة والنشئة في لحظة بدايتها، أي في اللحظة التي تبتدئ تتحقق شروط الشروع الد يمقراطي الأولية، لأنها الشروط التي تتحقق بمقتضاها كل النتائج الاجماعية القبلة لهذا الشروع.
غيرأننا أوضحنا فما سبق أن مرحلة التخلق والنشوء ترتبط بصورة شكلية، بتعبير جديد نطلقه على الإنسان، أي بتقو يمه تقو يماً جديدأ ليصبح (الواطن) في الثورة الفرنسية، أو (الرفيق) في الثورة الروسية، وتظهر طبقاً لهذا التقو يم، الاختلافات الأولى بين النماذج الديمقراطية العروفة في التاريخ، حتى في الصطلح السياسي حيث نصبح نتكلم اليوم على (الديمقراطية الغربية) بأوربا (والديمقراطية الشعبية) في الشرق (والديمقراطية الجديدة) في الصين.
فبصورة تزيد أو تنقص وضوحأ، نجد أنفسنا أمام نماذج ديمقراطية يختلف بعضها عن بعض، بمقدارتقويمها الجديد للإنسان بالقيمة التي تعطى له في صورة شكلية، تعبر بصورة رمزية عن بداية أو تدشين المشروع الديمقراطي في البلد ووضعه في الطريق نحو القيم والثل الديمقراطية.
وهذا التقويم الجديد للإنسان يطبع من البداية فعالية الشروع وأثره في
стр. 69
المجال النفسي، بالنسبة إلى الدوافع السلبية التي تقاوم القومات الديمقراطية في نفس العبد ونفس الستعبد، فهو يكون إذن مقياساً تقاس به الأشياء في هذا السياق، وتميز به الماذج العروفة في التاريخ، من النموذج الذي حققته أثينة منذ ثلاثة آلاف سنة، إلى النموذج الذي تحققه الصين اليوم.
ولكننا عندما نرصد هذه الماذج، عدا النموذج الإسلامي بالنسبة إليه، نجد
أنها تستهدف في أساسها إما منح الإنسان بعض الحقوق السياسية التي يتهتع بها (الواطن) في البلاد الغربية، وإما الفمانات الاجماعية التي يكتع بها (الرفيق) في البلاد الشرقية.
أما الإسلام فإنه يمنح الإنسان قيمة تفوق كل قيمة سياسية أو اجتماعية، لأنها القيمة التي يمنحها له الله في القرآن في قوله: (ولَقدْ كرَّمنا بَني آدَم! أالإساء: ١٧/ ١٧٠ فهذا التكريم يكون- أ! ثر من الحقوق أو الفمانات- الشرط الاساسي للتعبير اللازم في نفس الفرد، طبقاً للشعور الديمقراطي سواء بالنسبة للأنا أم بالنسبة للآخرين، والآية التي تنص على هذا التكريم تبدو وكأنها نزلت لتصدير دستور ديمقراطي يمتاز عن كل الماذج الديمقراطية الأخرى، دون أن تعبر عنه نصوص قانونية محددة، فنظرة النموذج الإسلامي إلى الإنسان، هي نظرة إلى التكريم الذي وضعه الله فيه، أي نظرة إلى الجانب اللاهوتي فيه، بينها الاذج الأخرى! تمنحه النظرة إلى الجانب الناسوتي والجانب الاجتماعي، فالتقو يم الإسلامي يضفي على الإنسان شيئاً من القداسة، ترفع قيمته فوق كل قيمة تعطيها له النماذج الدنية.
والفرق لش! في الفردات ولكن في معناها، في واقع الأشياء بالنسبة إلى شعور الإنسان نحو نفسه ونحو الاَخرين.
فالإنسان الذي يحمل بين جانبيه الشعور بتكريم الله له، يشر بوزن هذا
стр. 70
التكريم في تقديره لنفسه وفي تقديره للآخرين، لأن الدوافع والنزعات السلبية المنافية للشعور الديمقراطي تبددت في نفسه.
ثم إن الإسلام الذي وضع في نفسية السلم هذا التوجيه العام، قد وضع عن طريقه- يمينا وشمالاً- حاجزين،! يلا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد.
وهذان الحاجزان مذكوران بالإشارة إلى آيتين تذكر الواحدة الهاوية ذات
اليهين والأخرى تذكر الهاوية ذات الشمال، فيقولط : (تلكَ الدارُ الآخرةُ نجعفها للذينَ لا يريدونَ علُوّاً في الأرضِ ولافَساداً والعاقبةُ ل! تَّقين! أالقصص ٨٣/ ٢٨)
فهذا الحاجز وضع بكل وضوح على حافة الاستعباد حتى لايقع فيه السم،
أما الحاجز الآخر الذي يحفظه من هاوية العبودية فهو مذكور في قوله : (إن الذينَ توّفا! الملائكةُ ظالي أنفسهم قالوا: فيمَ كنتُم؟ قالوا: كنّا مستضعَفين في الأرضِ، قالوا ألم تكنْ أرض اللهَ واسعةً فتهاجروا فيها، فأولئكَ مأواهم جهنم وساءت مَصيراً، إلا الستضع! نَ من الرجال والنساء والوالدان، لايستطيعونَ حيلةَ ولايهدون سبيلاً، فاولئك عسى الله أَن يعفوَ عنفم وكان الله عَفوّأ غَفورأ! أالنساء٩٦/ ٤ - ٩٨).
وجمل القول إن المسلم محفوظ من النزعات النافية للشعور الديمقراطي، الوجودة أو الدسوسة في طينة البشر، بما وضع الله في نفسه من تكريم مقدس، وما جعل عن يمينه وشماله من معا ا، ترشد طريقه حق لايقع في وحل العبودية أو وحل الاستعباد.
ومع ما يدم شعوره بهذا التكريم العام الذي ئنِحَه بوصفه إنسانا، فإنه يشر بتكريم خاص قد منحه بوصفه مؤمنا في قوله : (ولئهِ العزةُ ولرسولِهِ ول! ؤمنين! أالمنافقون ٨/ ٦٣)
стр. 71
- ٧٨ -
وهذه العزة الوهو بة ل! ؤمن لاتعرضه للكبر ياء، لآنها لاتعني المجد التالف التصل بالأشياء الادية، بل هي العزة في عو الآخلاق، وعلو الهمة.
وهكذا نرى آن الدوافع السلبية التي من شآنها أن تدفع السلم إلى الهاوية،
من ناحية آو من آخرلى، يسيطر عليها ال! عور أالإيجابي الذي وضعت في نفسه بذوره بصفته مسماَ.
وعليه فإن (الديمقرأطية) مغروسة أولآَ في كير السلم، مع التقو يم الجديد
الذي حدد في نظره قيمته وقيمة الآخرين.
ولا شك أن عبارة (الديمقراطية الجديدة) في الصين الشعبية، تعني أولاً
هذا التقو يم الجديد للإنسان، قبل آن تعني قوانين جديدة ومصانع جديدة وطرقاً جديدة ... فهي! م ((أولاً عا االآشخاص قبل أن تهم عا أالأشياء)).
وإذا أردنا أن نعرف شيئاً هو الديمقراطية الإسلامية، فإن هذأ الشيء يعني
أولاً (تطعيم) الإنسان، وتحصينه ضد النزعات المنافية للشعور الد يمقراطي، وتصفية هذه النزعات في نفسه.
أما الديمقراطية العمانية أو (اللاييكية)، فإنها تمنح الإنسان أولاًا لحقوق والضانات الاجتماعية، ولكنها تتركه عرضة لامرين: فهو إما أن يكون ضحية مؤامرات لنافع معينة، ولتكتلات مصالح خاصة ضخمة، وإما لأن يجعل الآخرين تحت ثقل دكتاتورية طبقية، لأنها! تصفّ في نفسه دوافع العبودية والاستعباد، لأن كل تغيير حقيقي في المجتمع لا يتصوردون تغيير ملائم في النفوس. طبقاً للقانون الاعلى: (إن اللهَ لا يغيّر مابقوم حتّى بُغَيّروا مابِأنفسِهم،! أالرعد ١٢/ ١٣).
وهكذا تظهر بوضوح أكثر العلاقة العفمو ية بين الإسلام والديمقراط! ية، العلاقة التي ايكن من الس! ل توضيحها في صدرهذا الحديث، عندما كنا نحاول
стр. 72
تحديد وجه التشبيه والوازنة بكمة ديمقراطية مأخوذة في معناها الاشتقاتما، أي باعتبار الشروع الديمقراطي على أنه مجرد مشروع تسليم سلطات إلى الشعب بمقتفى نصوص دستورية معينة.
وهكذا يظهرأيضاً بوضوح أكثر، الخطأ الذي نقع فيه عندما نستعير من
بلاد معينة دستوراً ديمقراطياً جاهزاً، لأننا في مثل هذه الحالة لأننقل مع النصوص الدستورية الستعارة كل الاسس النفسية والتجربة التاريخية، التي أملت هذه النصوص في بلاد مولدها، كانما نقوم بمتنروع ديمقراطي على غير أساس في صيم الواقع. إن هذه الملاحظات تتيح لنا، منذ الآن، التقرير بشرعية الحديث عن (الديمقراطية في الإسلام)؟ وردت عبارتها في عنوان هذا الحديث.
ولكن يجب أن نتساءل، كيف تتحقق هذه الديمقراطية الؤسسة بالصورة
التي بيناها في عالم النفس التصل بالضير والشعور؟ كيف تتحقق في عا! الواقع المحسوس، في الاعالط الخاصة والعأمة، في نطاق الأفراد والحكومات، وفي حياة النظم والنظمات؟
وعلى وجه الخصوص يجب أن نتساءل هل تكفل هذه الديمقراطية، ماتكفله الديمقراطية (اللاييكية) للفرد من حقوق وحريات سياسية ومن ضمانات اجماعية؟.
هذا هو الجانب الآخر الجانب الموضوعي، وقد يلاحظ أن مسوغات هذا الفصل، يحب أن تكون مستقاة من واقع السمين اليوم، لا من نصوص دينهم. ولكن ليس لهذه الملاحظة إلا قيمة شكلية، لأننا عندما ندرس ديمقراطية أثينا، على وجه الثال، فإننا لأنبحث عن مسوغاتها في واقع الشعب اليوناني اليوم، دون أن يعني هذا أن الجيل اليوناني العاصر قد فقد القيم التي تميزت بها الديمقراطية في عصر أفلاطون.
стр. 73
-٨٠ -
فلا حرج إذن في اعتبار الديمقراطية في الإسلام، لا في الزمن الذي تحجرت
فيه التقاليد الإسلامية وفقدت فيه إشعاعها، كما هو شأنها اليوم بصورة عأمة، ولكن في زمن تخلقها ونموهافي المجتمع.
فما يتعارف عليه الناس ويؤكده التاريخ، أن التقاليد الإسلامية نشأت في
زمن الرسول عكه وفي عهد الخلفاء الراشدين.
فإذا اتفقنا على وجهة النظر هذه، وهي وجهة نظر فقهاء الإسلام، فالشروع الديمقراطي الذي وضعه الإسلام، قد أخذ طريقه للتحقيق نحو أربعين سنة تقريبأ.
ففي هذه الدة وضعت الاصول النفسية كلها التي تقدم ذ! رها، تكلها وتدعها مقدمات جديدة، لتكون الا! ساس العنوي للديمقراطية الإسلامية.
فإحدى هذه القدمات يجب ذكرها خاصة، لأنها تكل تقويم الإنسان في نقطة رئيسية تتصل بالعبد في المجتمع الإسلامي.
إننا نعلم أن ديمقراطية أثينة اتعط أي أ! ية لهذه القضية قضية الرقيق إلا
من الوجهة الأنتفاعية، فقد كان الرقيق من مقومات النظام الإقتصادي، حتى إن أحدأ أيفكر في إطار هذا النظام في وضع مبدأ لتحرير الرقيق فيكتل بذلك تقو يم الإنسان فيه. بيكا يأتي الإسلام فيقرر هذا البدأ بكل وضوح: فيشمل بذلك تقويمه الإنسان الذي وقع في قيد الرق، بمقدمات أوأصول فقهية نجدها في القرآن وفي السنة، وتكون في الواقع تشريعأ لعتق الرقيق بصورة تدريجية.
ومن بين هذه القدمات التي يمكن ذكرها، قوله : (وهديناه النَّجدَين، فلا اقتحَمَ العقَبَة، وما أدراكَ ما العقَبَة، فَك رقَبة ... ! االبلد ١٣ - ١٠/ ٩٠).
стр. 74
فهذا التقريع للإنسان اطركأنما يهدف إلى وضع قضية الرقيق في كيره،! تأخذ هكذا طريقها إلى الحل، أي طريق التحرير التدريجي.
وهذا التوجيه العام يظهر في آيات أخرى، كما لآية التي تحدد موضوع الصدقات حيث يقول : (إنّما الصدقاث للفقراء والسا! ين والعاملين عليها والؤلَّفة قلوبُهم، وفي الرقابِ والغارِمين وفي سبيلِ الله ... ! أالتوبة ٦١/ ٩).
؟ يظهر أيضاً في الاحاديث مثل قولهء!: ((من أعتق رقبة أعتق الله
بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار ".
وفي قوله ﵊: " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه ".
وفي حديث آخرأوءك! عكهشند بشأن الرقيق: " إضهم إخوانم وضعهم الله تحت أيديم، فأطعمو! مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسودما ".
وفي حديث يقول فيه رسول الله!: ((أوصافي حبيي جبريل بالرفق بالرقيق، حتى ظننت أن الناس لاتُستعبد ولا تستخدم ". فهذه النصوص كلها تكل، من نواح مختلفة، التقويم الاساسي للإنسان، التقو يم الذي يقوم عليه-؟ قدمنا- الشروع الديمقراطي، تكيلاً يجعل هذا المشروع يفم في خطوطه العأمة مصير الرقيق إلى مصير الإنسان الحر، ضأ يضيف معه الرقيق إلى عا! الآخرين أي عا االأشخاص، بعد أن كان من عالم الأشياء وذلك لاول مرة في التاريخ.
ثم يذ! ر الني ﵊، هذه التوجيهات كلها في حجة الوداع،
في خطبته بهذه الناسبة. وهي الخطبة التي وضعت فيها ظروف هذه الحجة وملابسات التاريخ معنى الوصية الروحية، التي خلفها الرسول لن ياتي بعده من أجيال الس! ين. ومعنى التصريح بحقوق الإنسان فيقول ﵊:
стр. 75
" يا أيها الناس إن ربم واحد. وإن أبا أواحد.! لمم لآدم وآدم من تراب.
إن أكرمم عند الله أتقا أ. ليس لعرل! على عجمي، ولا لعجمي على عرل!، ولا لاحمر على أبيض، ولا لابيض على أحمر فضل إلا بالتقوى ... "
فهذا الحديث يكل في مناسبة يملؤها الجلال والتأثير، فلسفة ومنهج الإنسان
في المشروع الديمقراطي الإسلامي.
ولكن إذا كانت لهذا المشروع هذه الاسس النظرية، فلا بد أن يكون له
من ناحية أخرى آثاره ال! وسة في صيم الواقع: في الاممال الفردية والحقوق والضانات التي يتهتع بها الفرد، وفي الاعال الصادرة من الحم وفي اميتازاته، وحدود سلطته، وفي! يفية تكو ينه أو صورة شرعيته، أي في جميع الصفات الظاهرة للد يمقراطية.
ولا شك أن لهذه الآثار وضوحاً أكثر، في فترة التخلق الدستوري، التي تمميب خلالها النصوص النظرية في الحقائق الاجتماعية، في أعال وسلوك الجيل الذي وضع الشروع الديمقراطي الإسلامي في طريق التحقيق، من اليوم الذي أشرقت فيه الهداية المحمدية إلى يوم صفين.
وتأثير البادئ في هذا المجتمع الناشئ يظهر أكلثر ما يظهر في الجانب المحسوس،
؟ تظهر حدودها التصلة بهذا الجانب في واقع الحياة الاجتماعية.
فدى تأثير البادئ يظهر فعلاً مع حدودها في وامع الجاة في الفترة الطابقة لطور التخلف والتكوين الديمقراطي، وإذا راجعنا هذا الطور فسنجد عدة مبادئ نظرية مع حدودها في التطبيق، كما لمبدأ الذي يؤسس الحم الإسلامي على طاعة المحكومين لاولي الأمر؟ ورد في الآية الكريمة:
(يا أيها الذينَ آمنوا، أطيعوا اللهَ، وأطيعوا الرسولَ، وأولي الأمرِ منكم،