- ٧٨ -
وهذه العزة الوهو بة ل! ؤمن لاتعرضه للكبر ياء، لآنها لاتعني المجد التالف التصل بالأشياء الادية، بل هي العزة في عو الآخلاق، وعلو الهمة.
وهكذا نرى آن الدوافع السلبية التي من شآنها أن تدفع السلم إلى الهاوية،
من ناحية آو من آخرلى، يسيطر عليها ال! عور أالإيجابي الذي وضعت في نفسه بذوره بصفته مسماَ.
وعليه فإن (الديمقرأطية) مغروسة أولآَ في كير السلم، مع التقو يم الجديد
الذي حدد في نظره قيمته وقيمة الآخرين.
ولا شك أن عبارة (الديمقراطية الجديدة) في الصين الشعبية، تعني أولاً
هذا التقو يم الجديد للإنسان، قبل آن تعني قوانين جديدة ومصانع جديدة وطرقاً جديدة ... فهي! م ((أولاً عا االآشخاص قبل أن تهم عا أالأشياء)).
وإذا أردنا أن نعرف شيئاً هو الديمقراطية الإسلامية، فإن هذأ الشيء يعني
أولاً (تطعيم) الإنسان، وتحصينه ضد النزعات المنافية للشعور الد يمقراطي، وتصفية هذه النزعات في نفسه.
أما الديمقراطية العمانية أو (اللاييكية)، فإنها تمنح الإنسان أولاًا لحقوق والضانات الاجتماعية، ولكنها تتركه عرضة لامرين: فهو إما أن يكون ضحية مؤامرات لنافع معينة، ولتكتلات مصالح خاصة ضخمة، وإما لأن يجعل الآخرين تحت ثقل دكتاتورية طبقية، لأنها! تصفّ في نفسه دوافع العبودية والاستعباد، لأن كل تغيير حقيقي في المجتمع لا يتصوردون تغيير ملائم في النفوس. طبقاً للقانون الاعلى: (إن اللهَ لا يغيّر مابقوم حتّى بُغَيّروا مابِأنفسِهم،! أالرعد ١٢/ ١٣).
وهكذا تظهر بوضوح أكثر العلاقة العفمو ية بين الإسلام والديمقراط! ية، العلاقة التي ايكن من الس! ل توضيحها في صدرهذا الحديث، عندما كنا نحاول
стр. 72
تحديد وجه التشبيه والوازنة بكمة ديمقراطية مأخوذة في معناها الاشتقاتما، أي باعتبار الشروع الديمقراطي على أنه مجرد مشروع تسليم سلطات إلى الشعب بمقتفى نصوص دستورية معينة.
وهكذا يظهرأيضاً بوضوح أكثر، الخطأ الذي نقع فيه عندما نستعير من
بلاد معينة دستوراً ديمقراطياً جاهزاً، لأننا في مثل هذه الحالة لأننقل مع النصوص الدستورية الستعارة كل الاسس النفسية والتجربة التاريخية، التي أملت هذه النصوص في بلاد مولدها، كانما نقوم بمتنروع ديمقراطي على غير أساس في صيم الواقع. إن هذه الملاحظات تتيح لنا، منذ الآن، التقرير بشرعية الحديث عن (الديمقراطية في الإسلام)؟ وردت عبارتها في عنوان هذا الحديث.
ولكن يجب أن نتساءل، كيف تتحقق هذه الديمقراطية الؤسسة بالصورة
التي بيناها في عالم النفس التصل بالضير والشعور؟ كيف تتحقق في عا! الواقع المحسوس، في الاعالط الخاصة والعأمة، في نطاق الأفراد والحكومات، وفي حياة النظم والنظمات؟
وعلى وجه الخصوص يجب أن نتساءل هل تكفل هذه الديمقراطية، ماتكفله الديمقراطية (اللاييكية) للفرد من حقوق وحريات سياسية ومن ضمانات اجماعية؟.
هذا هو الجانب الآخر الجانب الموضوعي، وقد يلاحظ أن مسوغات هذا الفصل، يحب أن تكون مستقاة من واقع السمين اليوم، لا من نصوص دينهم. ولكن ليس لهذه الملاحظة إلا قيمة شكلية، لأننا عندما ندرس ديمقراطية أثينا، على وجه الثال، فإننا لأنبحث عن مسوغاتها في واقع الشعب اليوناني اليوم، دون أن يعني هذا أن الجيل اليوناني العاصر قد فقد القيم التي تميزت بها الديمقراطية في عصر أفلاطون.
стр. 73
-٨٠ -
فلا حرج إذن في اعتبار الديمقراطية في الإسلام، لا في الزمن الذي تحجرت
فيه التقاليد الإسلامية وفقدت فيه إشعاعها، كما هو شأنها اليوم بصورة عأمة، ولكن في زمن تخلقها ونموهافي المجتمع.
فما يتعارف عليه الناس ويؤكده التاريخ، أن التقاليد الإسلامية نشأت في
زمن الرسول عكه وفي عهد الخلفاء الراشدين.
فإذا اتفقنا على وجهة النظر هذه، وهي وجهة نظر فقهاء الإسلام، فالشروع الديمقراطي الذي وضعه الإسلام، قد أخذ طريقه للتحقيق نحو أربعين سنة تقريبأ.
ففي هذه الدة وضعت الاصول النفسية كلها التي تقدم ذ! رها، تكلها وتدعها مقدمات جديدة، لتكون الا! ساس العنوي للديمقراطية الإسلامية.
فإحدى هذه القدمات يجب ذكرها خاصة، لأنها تكل تقويم الإنسان في نقطة رئيسية تتصل بالعبد في المجتمع الإسلامي.
إننا نعلم أن ديمقراطية أثينة اتعط أي أ! ية لهذه القضية قضية الرقيق إلا
من الوجهة الأنتفاعية، فقد كان الرقيق من مقومات النظام الإقتصادي، حتى إن أحدأ أيفكر في إطار هذا النظام في وضع مبدأ لتحرير الرقيق فيكتل بذلك تقو يم الإنسان فيه. بيكا يأتي الإسلام فيقرر هذا البدأ بكل وضوح: فيشمل بذلك تقويمه الإنسان الذي وقع في قيد الرق، بمقدمات أوأصول فقهية نجدها في القرآن وفي السنة، وتكون في الواقع تشريعأ لعتق الرقيق بصورة تدريجية.
ومن بين هذه القدمات التي يمكن ذكرها، قوله : (وهديناه النَّجدَين، فلا اقتحَمَ العقَبَة، وما أدراكَ ما العقَبَة، فَك رقَبة ... ! االبلد ١٣ - ١٠/ ٩٠).
стр. 74
فهذا التقريع للإنسان اطركأنما يهدف إلى وضع قضية الرقيق في كيره،! تأخذ هكذا طريقها إلى الحل، أي طريق التحرير التدريجي.
وهذا التوجيه العام يظهر في آيات أخرى، كما لآية التي تحدد موضوع الصدقات حيث يقول : (إنّما الصدقاث للفقراء والسا! ين والعاملين عليها والؤلَّفة قلوبُهم، وفي الرقابِ والغارِمين وفي سبيلِ الله ... ! أالتوبة ٦١/ ٩).
؟ يظهر أيضاً في الاحاديث مثل قولهء!: ((من أعتق رقبة أعتق الله
بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار ".
وفي قوله ﵊: " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه ".
وفي حديث آخرأوءك! عكهشند بشأن الرقيق: " إضهم إخوانم وضعهم الله تحت أيديم، فأطعمو! مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسودما ".
وفي حديث يقول فيه رسول الله!: ((أوصافي حبيي جبريل بالرفق بالرقيق، حتى ظننت أن الناس لاتُستعبد ولا تستخدم ". فهذه النصوص كلها تكل، من نواح مختلفة، التقويم الاساسي للإنسان، التقو يم الذي يقوم عليه-؟ قدمنا- الشروع الديمقراطي، تكيلاً يجعل هذا المشروع يفم في خطوطه العأمة مصير الرقيق إلى مصير الإنسان الحر، ضأ يضيف معه الرقيق إلى عا! الآخرين أي عا االأشخاص، بعد أن كان من عالم الأشياء وذلك لاول مرة في التاريخ.
ثم يذ! ر الني ﵊، هذه التوجيهات كلها في حجة الوداع،
في خطبته بهذه الناسبة. وهي الخطبة التي وضعت فيها ظروف هذه الحجة وملابسات التاريخ معنى الوصية الروحية، التي خلفها الرسول لن ياتي بعده من أجيال الس! ين. ومعنى التصريح بحقوق الإنسان فيقول ﵊:
стр. 75
" يا أيها الناس إن ربم واحد. وإن أبا أواحد.! لمم لآدم وآدم من تراب.
إن أكرمم عند الله أتقا أ. ليس لعرل! على عجمي، ولا لعجمي على عرل!، ولا لاحمر على أبيض، ولا لابيض على أحمر فضل إلا بالتقوى ... "
فهذا الحديث يكل في مناسبة يملؤها الجلال والتأثير، فلسفة ومنهج الإنسان
في المشروع الديمقراطي الإسلامي.
ولكن إذا كانت لهذا المشروع هذه الاسس النظرية، فلا بد أن يكون له
من ناحية أخرى آثاره ال! وسة في صيم الواقع: في الاممال الفردية والحقوق والضانات التي يتهتع بها الفرد، وفي الاعال الصادرة من الحم وفي اميتازاته، وحدود سلطته، وفي! يفية تكو ينه أو صورة شرعيته، أي في جميع الصفات الظاهرة للد يمقراطية.
ولا شك أن لهذه الآثار وضوحاً أكثر، في فترة التخلق الدستوري، التي تمميب خلالها النصوص النظرية في الحقائق الاجتماعية، في أعال وسلوك الجيل الذي وضع الشروع الديمقراطي الإسلامي في طريق التحقيق، من اليوم الذي أشرقت فيه الهداية المحمدية إلى يوم صفين.
وتأثير البادئ في هذا المجتمع الناشئ يظهر أكلثر ما يظهر في الجانب المحسوس،
؟ تظهر حدودها التصلة بهذا الجانب في واقع الحياة الاجتماعية.
فدى تأثير البادئ يظهر فعلاً مع حدودها في وامع الجاة في الفترة الطابقة لطور التخلف والتكوين الديمقراطي، وإذا راجعنا هذا الطور فسنجد عدة مبادئ نظرية مع حدودها في التطبيق، كما لمبدأ الذي يؤسس الحم الإسلامي على طاعة المحكومين لاولي الأمر؟ ورد في الآية الكريمة:
(يا أيها الذينَ آمنوا، أطيعوا اللهَ، وأطيعوا الرسولَ، وأولي الأمرِ منكم،
стр. 76
فإنْ تنازعْتم في شيءٍ فَردّوه االى اللهِ والرسولِ إن كنتم تؤمنون بالئهِ واليوم الآخر .. ! أالنساء٥٩/ ٤)
فهذا البداْ يقرر، طبقا للنص، امتيازات الحم.
ولكن في اليوم ذاته الذي يستلم فيه عر رضي الله تعالى عنه مقاليد هذا الحم
نراه يبين هو نفسه الحدود الواقعية ل! بدأ النظري، إذ يبين ل! ؤمنين الذين بايعوه، أي عاهدوه على الطاعة، حدود هذه الطاعة في خطبته الشهورة: " ... من رأى منم في اعوجاجا فليقومني ".
فنرى هكذا، كيف تتصورفكرة اطم، في كير حا آفي اللحظة البارزة
من التاريخ الإسلامي، التي يستم فيها مقاليد الديمقراطية الإسلامية.
ولكن هذه اللحظة تعطيأ أيضاً صورة لفكرة الطاعة في كير محكوم، إذ
نرى أعرابياً يرد على الخليفة فيقول: " والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا".
إننا نرى الطاعة والحم محدودين بالاعتبارات نفس! افي كير الواطن البسيط وضير رجل الدولة.
وهكذا تبرز في صيم الواقع الذي سجله التاريخ فكرة الحاجزين، اللذين وضعهما الإسلام على يمين وشمال السم، في طريقه نحو تحقيق الديمقراطية الإسلامية، كما بينا، حتى إنه في مقابل الشعار الذي رفعته الثورة الفرنسية الأنريد ربا ولا سيدأ) يمكنه أن يعلن شعار الثورة الإسلامية الأنريد عبودية ولا استعبادأ).
وكذلك تبرز في هذه الفترة الخلاقة البادئ التي تحمي الحريات العنو ية، فحرية الضير تبرزفي هذه الاية (لا إكراهَ في الديني، قذ تبَّينَ الرشذ من الغَيّ! أالبقرة ٢٥٦/ ٢)
стр. 77
أما حرية العمل والتنقل فإضها مقررة في قوله :
(هوَ الذي جعلَ لئم الأرضَ ذَلولاً فامشوا في مناكِبِها وكلوا من رِزقِه!
أاللك ١٥/ ٦٧).
أما حرية التعبير، فإنها دخلت في العرف منذ الأيام الأولى من العهد الإسلامي، فالني ﵊ كان يعود أصحابه على مناقشة آرائه وتقاريره، ففي يوم بدر نراه! ين! ر يحدد ميدان العركة في ال! ن الذي ظهر له الأنسب لذلك، ولكن أحد أصحابه من الأنصار اقترح م! نأ غيره، قد ظهر له أصلح بالنسبة إلى الحاجة اطربية، وتقول السنة التي تروي لنا هذا الخبر أن الني ﵊ قد عدل رأيه طبقاً لوجهة نظر صاحبه، وقد كثرع هكذا سنة نجد أثرها البليغ في توجيه الرأي الإسلامي فيها بعد، كانرى ذلك في قضية تحديد الصداق مثلا، عندما أراد عر في أيامه أن يضع حداً أعلى لتقدير الهور، حتى يتشر الزواج لكل مسم، فأبدى رأيه في الموضوع من النبر، ولكن امرأة عجوزاً خالفته في الرأي مستشهدة بآية تترك تحديد الصداق إلى تقدير الزوجين أنفس! ما، وما كان موقف الخليفة إلا أن قال: " أصابت امرأة وأخطأ ممر ". وكذلك يقرر القرآن مبدأ حصانة النزلط، في الاَية الكريمة: (يا أيها الذينَ
آمنوا لاتَدْخُلوا بيوتاً غيرَ بيوتِم حتّى تستأنِسوا وتُسَلِّموا على أهلِها! أالنور ٢٧/ ٢٤).
ولكن هذا التوجيه العام الذي يقرر الحريات الفردية ويحميها في كل اتجاه، يضع في الوقت نفسه اطدود اللائمة لهذه الحريات في حد! هـ مش! ور إذ يقول ﵊؟ رواه البخاري: " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الاء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا
стр. 78
خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركو! وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ".
فهذا الحد الموضوع لكل حرية فردية في ظروف معينة، يكون أساسا مهماً
في التشريع الإسلامي تقدم فيها مصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد. ولكن العمل يجري على أساس التخفيف الادل! والمادي من حدة الاستثناء السلط على حريات الفرد في مثل هذه الظروف. ومما يح! بهذا الصدد أن امرأة حهودية أرادت أن تحتفظ بملك لها يقع داخل الحدود التي عينها التخط! يط لبناء مسجد ممر في بيت القدس، فأراد القائم بالشروع تنفيذ الخطط دون التفات إلى وجهة نظر المدعية، على اعتبارأسبقية الصلحة العأمة، ولكن المدعية رفعت قضيتها إلى الخليفة الذي أوفاها رغبتها، وربما؟! اوجهة نظره مقررة على أساس أن بناء مسجد لايكون مصلحة عأمة بالنسبة إلى يهودية.
وهذه المعاملة في القضاء الإسلامي، تدخل أولا في نطاق التقويم العام للإنسان، بصفته إنسانا وضع في طينته التكريم، بقطع النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، مس! اً أو! هوديا، ثم يحددها ماورد في نطاق القضاء، في قوله :! وإذا حكتم بينَ الناسِ أن تحكموا بالعَدْل! أالنساء٥٨/ ٤).
ولا ريب أن آثار البادئ الظاهرة بكل وضوح في الاممال والمواقف، تظهر خلال الفترة التي يدخل فيها الشروع الديمقراطي الإسلامي في قيد التحقيق. فإذا وجدنا في الآية السابقة النص النظري الذي تقوم عليه عدالة القضاء الإسلامي، فإننا نجد في وثيقة أنجرى الصورة الواقعية لهذه العدالة، فهذه الوثيقة التاريخية التي من شأن القضاء الإسلامي أن يعتز بها، هي وصية عر ﵁ للقاضي أل! موصى الاشعري، الذي كان بمثابة النائب العام للجمهورية في أيامنا، إذ يقول له:
стр. 79
- ٨٦ -
" آسِ- أوساوِ- بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييشى ضعيف من عدلك ".
إن هذه الوصية لم تبق رسالة مهملة، بل كان أثرها بليغاً في الواقع؟ تدل
على ذلك الامثال الكثيرة في عهد التخلق الديمقراطي الإسلامي.
وهذه التفاصيل! لمها تكون في الحقيقة السمات العأمة لا يسمى ديمقراطية سياسية، أي سمات النظام الذي يمنح الفمانات الناسبة ضد كل تعد من جانجا الحم. والإسلام نظام من هذا النوع حتى في الصورة الشكلية التي يتكون عليها الحم، تكوّنأ يستلم معه رئيس الدولة سلطاته بمقتفى مبايعة الأمة- أو الشعب كانقول اليوم- ممثلة في بعض الرجال البارزين خلقاً وعقلاً، يمثلون هيئة على نمط مجلس شيوخ، يعينون الخليفة بالبايعة طبقاً لبدأ الشورى، الذي يقرره القرآن الكريم خاصة، عندما يومي الني! ٢ (وشاورْفم في الأمر! (آل عران: ٤/ ٣ ١) أو عأمة (وأمزهُم شورى بينَفم! أالشورى: ٣٨/ ٤٢)
فعلى هذه الاعتبارات يصح القول إن الحم الإسلامي ديمقراطي في مصدره
وفي عله، كما قدمنا. والإسلام يت! بهن كل السماتا التي تطبع الديمقراطية السياسية، التي تمنح الفرد مسؤولية في تأسيس اطم، والضانات الضرورية التي تحميه من جورهذا الحم.
ولكن التجربة التي تجري للديمقراطية السياسية في العالم منذ! د الثورة الفرنسية، تدل على ضعف حريات الفرد في الواقع، عندما لا تحميه في الوقت نفسه الضانات الاجقاعية التي تكفل حريته الادية.
ولقد رأينا في البلاد التطورة! يف يصبح (الواطن الحر) عبداً مجهولاً لصالح كبيرة تتحد ضده، وآتضيع عليه بهذا السبب النافع النتظرة التي يمنحها إياه بصورة نظر ية، تصر يح بحقوقا الإنسان ودستورلا يكون لهما أثرظاهرفي حياته.
стр. 80
كما رأينا كيف أن البلاد التي يحدث فيها هذا الاختلاف بين القيم السياسية والقيم الاجماعية، تعاني صراع الطبقات ربما ينتهي إلى تأسش! نوع من الديمقراطية يعطي (الواطن) الضانات الاجتماعية اللازمة، ولكن على حساب حرياته السياسية.
ولكن الإسلام تلافى هذا العوق، لأنه أقى لمشكلات الحياة الادية التصلة بالنظام الإقتصادي، بالحلولط الناسبة، دون أن يمس الفرد في حرياته الذاتية. وعليه فالإسلام يبدو وكانه جمع موفق بين مزايا الديمقراط! ية السياسية
والد يمقراطية الاجماعية.
فالتشريع الإسلامي يكم فعلا ال! مات السياسية التي قدمناها، بم! مات ديمقراطية أخرى، متصلة بالجانب الإقتصادي.
فالشروع الديمقراطي في المجال الإقتصادي، يقوم على مبادئ عأمة، تهدف
إلى توزيع الثروة حتى لا تصبح ذولة بين أيدي بعض الترفين.
فعندما يقرر القرآن الكريم الز؟ ة فإنه يضع أساس تشريع اجتماعي عام،
قبل أن تدرج في العالم الأفكار الاجماعية التي ألفناها فيه اليوم.
فعندما يصف الرسولء! -! ضرورة هذا البدأ، فإنه يصفه بمسوّغات تزم الاشتراكية أنها تنفرد بها اليوم، يقول ﵊: " إن الله اقتطع من أموال الس! ين الاغنياء نصيباً هو نصيب الفقراء) لأن الفقراء لا يجوعون ولا يعرون إلا بسبب الاغنياء ".
وهذا المبدأ، كما لبادئ التي يقررها القرآن والسنة، لا تحققه أممال! الأفراد فحسب- لأن كل مسلم يحاول القيام بهذا الواجب حتى في أيامنا- بل أممال الحم أيضا، وآثاره المرئية تظهر في التوجيهات الحكومية في صد التخلق الديمقراطي،
стр. 81
وفي السيرة حيث نجد هذه الآثار واضحة، فعمر رضي الله تعالى عنه حمع مولوداً يبيم، وقد علم أنه يبيى لأن أمه قد فطمته، ي تحصل على منحة يدفعها بيت الال للامهات اللواتي فطمن أولادهن، فأذاع الخليفة في الدينة لائحة خاصة بالامهاتا المرضعات، يقول لهن: " ألا لا تعجلوا صبيانم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ".
فهذه اللائحة تعطينا عرضا فكرة عن تنظيم اطضانة الرحمية للاطفال، هذه الحضانة التي اتتحقق بهذه الصورة حتى اليوم في أوربا، إذ أن مثل هذه النح عندما تدفعها حكومة أوربية، فإخها لا تكون باسم الطفل مباشرة، كما لنحة التي يقدمها بيت الال في زمان عر، وإنما تقدمها باصم (منحة الامومة)، فالنتيجة واحدة لا شك، ولكن بين الطريقتين شيء من الاختلاف يميز الطريقة الإسلامية في العهد الديمقراطي.
ولا شك أننا نعجبا بهذا الثل لا يبدوفيه لرجل الدولة مثل عر من حمو الضير، ومن اهتهام بواجباته نحو الجهور، ولكن في مناسبة أخرى نرى أن المجهور نفسه يشعر بحقوقه؟ يتبين من خلال قصة المرأة السكينة، التي أبدت استياءها من الفقر رامية عر بأسبابه، فتتهمه دون أن تدري أنها تتحدث معه بال!! ال في شؤونما الأمة. إننا في الواقع لسنا أمام كير خليفة في حالة وكير امرأة مسكينة في حالة أخرى، بل نشعر بأننا أمام الضير الديمقراطي الذي صاغه الإسلام. وإن ما يتحرك في هذا الضير أو ذاك إنما هو الشعور بالقيمة الأساسية التي قدر بها الإنسان، ووضعت في كير السلم أساساً لكل البناء الإسلامي في الجانب الأخلاقي والسياسي والاجتماعي.
ثم يقرر الإسلام مبدأ آخر يضعه أساساً لبناء الإقتصاد وهو مبدأ تحريم الربا. ف! ن لهذا التحريم الاثر الكبير في تحديد صورة الإقتصاد الإسلامي، أضفى عليه من اللحظة الأولى الط! ابع الديمقراطي ... لأنه لم يسمح بالتجارة في
стр. 82
المال والنقود التي تقوم على مبدأ الربا، وتحتكرها بعض البنوك.
وبذلك! يتح لمال أن يحقق لطبقة معينة أو لبعض الأفراد، السلطة الطلقة على الحياة الإقتصادية؟ يحدث في النظام الرأسمالي، إذ يتيح الربا السلطة التأمة للاحت! ر على التجارة، وللتكتل الالب على الصناعة بواسطة الصرف الذي يحقق تر! يز رأس الال، أي سلطة الال إلى أكبر درجة ممكنة، بالنسبة إلى إم! نيات عصر معين.
فالتشريع الإسلامي أعفى الإقتصاد من سلطة الدر! الطلقة، تلك السلطة
التي أحدثتا في البلاد التطورة أزمات اجتماعية تواجهها أحياناً بالثورات العنيفة.
وربما مجب القولط إن هذا التشريع! يخفف من حدة الدرهم في مجال الإقتصاد فحسب، بل خفف من حدته في المجال الروحي إذا صح التعبير، حتى إنه يعفي المجتمع من الازمة الأخلاقية التفشية اليوم في الحياة التي تستضيىء بأضواء الحضارة الغربية ..
فالإسلام ايقاوم فقط الاحت! ر الكبير الذي يقلل كية النتجات حتى ترتفع أسعارها في السوق، بل يقاوم كل احت! ر يؤدي على أي طريقة إلى ارتفاع الاسعار. إن كل وسيط بين النتج والستهلك يخفي صورة الاحت! ر الذي يكون الستهلك ضحيته، فالوسيط ضرب من الطفيلية في مجال الإقتصاد.
ولكن الت! ثريع الإسلامي يدين كل ضرب من الطفيلية، يدل على ذلك الحديث الروي عن أبي هريرة رضي اللْه تعالى عنة، حيث يقول: " خهى النيء! عن التلقي، وأن يبيع حاضر لباد ".
فهذا الحديث يفيد، بروحه إن/ يكن بحرفه، استن! ر الاحت! ر حتى في صورته الصغرة، لأن البادي لو باع بضاعته بنفسه، لباصا بسعر اليوم، أما
стр. 83
الحاضر فإنه يمكنه إرجاء البيع إلى ما بعد، لأنه من س! ن الدينة وفي إم! نه عرض البضاعة في السوق في الوقت الناسبا أي في الوقت الناسب له على حساب الستهلك.
فالإسلام يدين هذه الطفيلية، ولا يمهكح كذلك ببيع الاكولات التي ليست
بعد في حوزة البائع، كما يدل على ذلك الحديث الروي عن أنس بن مالك، إذ يقول إن رسول الله عكالل! حما عن بيع المارحتى تزهرأي تحمر فقال: ((أرأيت إذا منع الله البهرة بمَ يأخذ أحد! مالط أخيه؟)).
فهذه العناصر التشريعية التي تكونما الجانب الاجماعي في الديمقراطية الإسلامية، قد كان لها أثرها الظاهر في الواقع المحسوس الخاص بالمجتمع الإسلامي، وقد أثرت على نموه الادي، طبقأ للهدف الزدوج الذي استهدفه الشرع، حتى لا يقع السلم في وضع العبد الذي تستعبده الاوضاع الإقتصادية، أو أن يصبح الرجل الستبد وبيده صولجان الذهب ..
وهكذا يتبين أن البادئ التي قررها الإسلام في المجال السياسي والمجال الاجتماعي، ووضعها في أساس ما يمكن أن نطلق عليه (الديمقراطية الإسلامية)، قد تحققت فعلاً في واقع المسمين. وقد كان أثرها حقيقياً في سلوك الأفراد وفي أعال الحم، على الاقل في فترة التخلق الديمقراطي التي عرفنا فما سبق حدودها الزمنية في التاريخ الإسلامي.
ولا شك أن التقو يم الاساسي للإنسان الذي قام عليه الشروع الديمقراطي في الإسلام، هو السبب الجوهري في هذا التحو يل الذي حول البادئ النظرية إلى حقائق اجتماعية م! وسة.
فقبل أن يذيع عر اللائحة الخاصة بالامهات الرضعات التي أشرنا إليها،
أي قبل أن يممدرالحا! أمره، فقد كان الإنسان الذي يعود إلى نفسه في لحظة يراجع
стр. 84
فيها ضيره، فترتفع منه تلك الصرخة التي سجلها التاريخ في آثار ابن الخطاب، إذ صرخ يا بؤساً لعمرأ قتل من أولاد المس! ين (١)
فليم نعطي هذا الفصل قيمته يجب ألا نتصور اطراده في الزمان، تصوراً
يبدو معه أن العامل الحكومي قد سبق، بإصدار اللائحة التي أشرنا إليها، العامل الأخلاقي، بل أن نتصوره أولا في الضير الذي كان يحتوي صرخة عر قبل أن يصدرأمره اطكومي، الذي يسجل في النظام الإداري في صورة لائحة، الاثر الظاهر لنظام خلقي خفي تحويه نفسه.
فهذا الاطراد هو في الواقع اطراد للشعور الاساسي نحو الى (أنا! ونحو الآخرين، الشعور الذي وضعت بذوره في الضير الإسلامي في صورة تقو يم جديد للإنسان؟ بيّنا.
فالطفل الذي لا زال في ثدي أمه، لشى في نظر عر، سوى الرجل المجرد أو (الواطن) المتوقع: فالخليفة لا يرى فيه مجرد إنسانيته أو مجرد حضور المجغ في شخصه، بل يرى فيه أكثر من ذللث، يرى فيه حضورالقيمة التي لا تقدر، والتي وضعها الله في جوهره قبل أن يولد في هذا العالم، وقدرها يوم كرم آدم.
يجب أن نعترف، بان الشيء الذي يمكن التعبير عنه، بمصطلح اليوم بالروح الديمقراطي الإسلامي، إنما يحمل في جوهره حمة القداسة، والتاريخ قد يبين تأثير المبادئ عندما يضفى عليها شيء من القداسة.
ولقد لاحظ القارئ لا شك، أن الامثال التي أوردناها هنا قد انتقيناها من الفترة التاريخية التي بينا حدودها الزمنية بين الهجرة وصفين.
стр. 85
وربما تساءلنا عا حدث بعد صفين؟ وهل التفاصيل التي قدمناها ترتبط بصورة ما بواقع الس! ين اليوم؟
فهذان السؤالأن ليسا في نطاق هذا الحديث الذي يقتصر فقط على وصف الطابع الخاص بالعهد الديمقراطي الإسلامي، أي بالفترة التي تنتهي مع الخلفاء الراشدين مع واقعة صفين، التي تمثل نقطة التحول في تاريخ العالم الإسلامي، والفاصل الذي منع الشروع الديمقراطي الإسلامي من أن يواصل سيره في التار يخ.
ولكن هذا التحول لم يمح آثار هذا الشروع في النظام الإسلامي. لقد دامت ظاهرة فيه فترة طويلة، نجدها حتى بعد صفين في سلوك الأفراد وفي أعال اطم أحياناً.
لاشك أن عهد معاوية مثلا كان، من الوجهة التي تهمنا هنا، عهد تقهقر الروح الديمقراطي الإسلامي.
ولكن إذا لاحظنا أن الطاغية الستبد قد ظهر من جديد في ت خص الحا أ،
يجب أن نلاحظ أن العبد لم يظهر بعد في شخص المحكوم مادام متهس! بالروح الإسلامي، كما يدل على ذلك تفاصيل كثيرة خاصة بتلك الفترة، كما طوار الغريب الذي نثأ بين أل! ذر الغفاري ومعاوية، عندما كان هذا الاخير قائماً ببناء قصر الخضراء بدمشق، ف! ن الصحالما الش! ور يؤنب الخليفة تأنيبأ شديداً، فيقولط له بهذه الناسبة: فإما أنك تبني هذا القصر بأموال السمين من دون حق لك فيها، وإما أن تبنيه من مالك وهو تبذير ١).
فهذه الرقابة التي يفرضها الضير الإسلامي على أعال اطم قد اسكر أثرها في التاريخ الإسلامي، حتى بعد التقهقر الذي أشرنا إليه، ويمكن تفسير أحداث
стр. 86
- ٩٣ -
لمجرى في الضاريخ الإسلامي كظهور المرابطين والوحدين في ا! ضمال الإفريقي على أنها الصدى لاحتجاج الضير الإسلامي ضد الاستبداد.
ويمكن القول إن هذا الصدى! ينقطع من الأحداث، التي عبرت بصورة أو بأخرى عن اسيهرار الروح الديمقراطي الإسلامي عبر التاريخ قروناً طو يلة، حتى حدث فاصل آخر لا يمكن تحديد تاريخه بالضبط، ولكنه بلا ريب يتفق مع نهاية الحضارة الإسلامية. أي عندما ينتهي الإشعاع، الذي كونه التقو يم الاساسي للإنسان، إذ بعدما انتهى أثره في أممال الحكومة أي في السياسة، قد انتهى أيضاً في سلوك الأفراد أي في الأخلاق.
فإشعاع الروح الديمقراطي الذي بثه الإسلام، ينتهي أيضاً في العالم الإسلامي عندما يفقد أساسه في نفسية الفرد، أي عندما يفقد الفرد شعوره بقيمته وبقيمة الآخريخما.
ويجب أن نلاحظ أن الحضارة الإسلامية انتهت منذ الحين الذي فقدت في أساسها قيمة الإنسان.
ولشى من التطرف في شيء القول بصفة عأمة إن الحضارة تنتهي عندما تفقد
في شعورها معنى الإنسان.
لعله يمكن أن نستخلص من هذه الاعتبارات رأياً فما يخص مستقبل الديمقراطية في البلاد الإسلامية، فهذه البلاد تمر قطعاً بحالة إرهاص تبشر بنهضة الروح الد يمقراطيه في هذه البلاد، حيث تجري تجارب د يمقراطية ملحوظة. ولكن هذه المحاولات لاتنجح إلا بقدر ماتضع في كير السلم تقو يماً جديداَ للإنسان، أي بقدرماتضع في كيره قيمته وقيمة الآحرين حتى لا يقع في هاوية العبودية أو هاو ية الاستعباد.
***
стр. 87
التضامن الإفريقي الآسيوي
محاضرة ألقيت بمدينة حلب يوم ٢٩/ ١٢/ ١٩٦٠
стр. 88
تعليق على هذا الفصل
إنني لم أفكر- عندما أعددت هذا الكتاب للطبع- أن أضع شبه مقدمة خاصة بهذا الفصل، إذ كان من الأولى لو بدت لي هذه الفكرة أن أسجلها في المقدمة العأمة، ولكن بعد أن أخذ الكتاب طريقه إلى الطبع، تغيرت بعض الظروف بالنسبة إلى هذا الفصل، وكثيراً ما يغير الطريق ظروف الصراع الفكري ويكشف عن ضروراته الجديدة.
إنني أدركت هذه الحقيقة خاصة في اليوم الذي كنت أعد للطبع كتاباً آخر
هو (فكرة الإفريقية الآسيوية) الذي نشرته منذ بضع سنين، فأدركت الصراع الفكري العنيف الذي سينشأ حول هذه الفكرة التي ولدت، كما يعلم كل أحد، في مؤتمر باندونج.
فرأيت من مصلحة الفكرة التي خصصت لها كتابي المذكور أن أضع في صدره
هذا التنبيه:
((لجأ المؤلف أثناء هذا التأليف إلى تصريحات لبعض المسؤولين وإلى شخصيات سياسية، بدت له آراؤها صالحة لتدعيم موضوعات فكرة الإفريقية الآسيوية، ومع ذلك فهو لم يعمد إلى ربط هذه الموضوعات بالأشخاص، وإنما بالأفكار وحدها: فإن الأشخاص قد تدفعهم بعض الأسباب- وخاصة ما يسمى مصلحة الدولة- إلى أن يتوقفوا في الطريق أو يتراجعوا، وعلى الرغم من هذا، فالتاريخ لا يقف ولا يعود أبداً للوراء، إلى المواقف التي سبق أن شغلها. ففكرة باندونج هي أحد هذه المواقف، التي لن يتخلى عنها التاريخ، فهي تمثل - بالنسبة لجزء من الإنسانية- قاعدة الإنطلاق نحو تقرير مصيره)).
القاهرة في ١٩٥٦/ ١١/٣
стр. 89
فعندما كنت أحرر هذا التنبيه كنت أشعر بمسؤوليتي كاتباً، نحو فكرة أدرك ما سوف يجند ضدها الإستعمار من الوسائل الجبارة، وكنت من خلال تجربة ربع قرن، أدرك أن الإستعمار سوف يحاول قتل تلك الفكرة بكل ما لديه من الوسائل.
ومرت أيام ومرت معها فعلاً بعض معارك الصراع الفكري، كان الإستعمار يستهدف خلالها الاستيلاء على حصون الفكرة، ولكن أبت الاقدار أن تتركهما لشراسته .. حتى تغيرت الظروف وأتت في أفق السياسة الدولية بادرة نستبشر بها، ألا وهي مؤتمر الدول غير المنحازة.
وكما ذكرت في كتاب (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة)، فإن الإستعمار
لا يخرج من معركة لقتل فكرة، إلا ليدخل ضدها في معركة ثانية في صورة مجددة.
وقد تعودنا أن الإستعمار يحاول قتل الأفكار بكل ما لديه من الوسائل، ولكن يبدو أنه جدد خطته، وقرر هذه المرة أن يوحي بطرقه لأحد الأقلام، كي يكتب على هامش مؤتمر عدم الإنحياز- كي يخلق منه مسوّغا وحجة- أن فكرة باندونج ماتت.
وكتب سعادة الصحفي أن باندونج مرحلة مرت بدياجي التاريخ.
وهكذا كشفت لنا الأيام صورة جديدة في الصراع الفكري.
ولكن كما قلنا في التنبيه الذي نقلناه إلى القارئ، إن فكرة باندونج دخلت التاريخ وهي حية ترزق .. بل تلد أفكاراً مثل التي عبر عنها مؤتمر عدم الإنحياز ... فهل يقال على أم ولدت وليدا أنها ماتت .. وأن الوليد هو الذي أصبح يقوم بدوره التاريخي ... يا سعادة الصحفي.
مصر الجديدة في ١٩٦١/ ٦/١٥
стр. 90
سيداتي سادتي
اسمحوا لي أن أشكر أولا وزارة الثقافة والإرشاد القومي، لأنها تتيح لي أن أتحدث إليكم، وأريد أن أشكر خاصة السيد الوزير الذي وضع هذا الحديث تحت إشرافه وشرفه بحضوره الشخصي، بعد أن اختار هو نفسه أن يكون موضوعه في (التضامن الإفريقي الآسيوي)، معبرا بذلك عن القيمة التي يعطيها رجل الدولة مثله، إلى هذا التضامن بوصفه مركزا من أهم مراكز استقطاب القوات السياسية في العالم اليوم.
وإنني لأشكر أيضاً حضراتكم شكرا شرفتموني معه بحضوركم. ولا شك أن موضوع حديثنا اليوم، يكون في نطاق الصراع الفكري حلقة مهمة من حلقات هذه المعركة، إلا أن جدة موضوع كهذا يحفه، في النظرة الأولى إليه، شيء من الغموض نود توضيحه بقدر الإمكان في هذا الحديث، حتى يتيسر للشباب العربي أن يدرك محتواه الاجتماعي والفكري، أي أن يدرك (التضامن الإفريقي الآسيوي) تعبيرا عن واقع إنساني، هو واقع الشعوب الإفريقية الآسيوية اليوم، ومفهوماً يحاول منذ مؤتمر باندونج، الدخول في عالم المفاهيم.
إن العواصف الجوية والأعاصير تجر معها غالبا سيولاً هائلة من الماء، سيولاً تترك وراءها في البلد الذي تجتاحه الخراب والموت، ولكنها تترك أيضاً على وجه الأديم طمياً تتجدد به الحياة في هذا البلد، فتنشط وتنمو فيه الطبيعة الجديدة بأنواع النبات والحيوان المتجدد.
فكذلك شأن الأحداث الكبرى في التاريخ: إنها تجر وراءها الموت والخراب، وتخلف طميا مخصبا، طميا من دماء الشهداء والابطال، ولكنها
стр. 91
تخلف أيضاً طمياً من نوع آخر تخلفه في العقول، حيث تترك بذوراً تنبعث منها الأفكار التي تغير مجرى التاريخ ووجه العالم.
فهكذا شأن الحرب العالمية الثانية: إنها حصدت عشرات الملايين من البشر وتركت على الأديم سيلا من الدماء في ساحات القتال، وفي المدن المحطمة، ولكنها خلفت أيضاً في العقول بذور أفكار بدأت تظهر آثارها في اتجاه العالم اليوم.
إن التضامن الإفريقي الآسيوي من هذه الأفكار وهذه الأحداث التي انطلقت إثر الحرب العالمية الثانية، وظهرت في حلبة السياسة الدولية منذ مؤتمر باندونج، الذي كشف للرأي العالمي عن وجود قوى جديدة دخلت التاريخ لتغير مجراه، كما كشف عن الشعور العميق في العالم إزاء هذه القوى كشفاً بدأ أثره يظهر غداة المؤتمر، عند بعض الكتاب في الغرب، حتى إن أحدهم عبر، أو على الأصح، ترك لمؤرخ في سنة ٢٠٠٠ ميلادية أن يعبر عن وجهة نظره في الموضوع، فيقول المؤرخ ((إن مؤتمر باندونج لم يحقق أي نتيجة عاجلة، ولكنه كان المركب للقوى التي خطت الطريق لتطور التاريخ، وشكلت العالم الذي نعيش فيه اليوم)) (١).
وعلى فرض أن باندونج ((لم يحقق أي نتيجة عاجلة)) كما يقول هذا الكاتب، ونحن على خلاف ذلك نرى أن شعوره نفسه يعبر بكل وضوح عن (نتيجة عاجلة)، حققها المؤتمر في المجال النفسي على الأقل، فإننا نعد باندونج من الوجهة الشكلية أول تعبير صريح عن دخول القوى الإفريقية الآسيوية في التاريخ وفي حلبة النضال السياسي العالمي، وإذا ما أضفينا على هذا الحادث التقدير، الذي يعيره له مؤرخ سنة ٢٠٠٠ في الجملة التي ذكرناها، أدركنا أن
стр. 92
موضوع حديثنا يتضمن جوانب كثيرة، تفرض علينا في خطوة أولى ترتيب عناصره وتحديد إطاره حتى لا نتيه في رحابه المتسعة، ينبغي إذن أن نتناوله من زاوية معينة، وهذا يعني أن يجب في الخطوة الأولى أن نوضح حدود هذا الحديث.
فلو أننا وجدنا وجهاً لموازنة كي نتخذ منه مقياساً نقدر به المفهوم الذي يتضمنه حديثنا، والذي عبر عنه مؤتمر باندونج بالمصطلح السياسي، أعني مقياساً بمفهوم آخر من الفاهيم التي لديها أسبقية في إدراكنا وفي ثقافتنا، لو استطعنا ذلك لكنا على جانب من التوفيق، وإنني أعتقد أن القانون يعطينا هذا المقياس في بعض مصطلحه مثل (العقد) و (التعاقد) حيث يمكننا القياس عليه.
إن أهل القانون يعرفون العقد بصفة عأمة بأسبابه وبغاياته، أي بالأسباب
التي يجري بمقتضاها التعاقد بين طرفين أو بين أطراف متعددة، وبالغايات التي تمثل مصلحة مشتركة بين هذه الأطراف التي يتم بينها إبرام العقد.
فلو أضفينا هذا المعنى القانوني على عنوان حديثنا، أي على مصطلح (التضامن)، لوجدنا أن عناصره تترتب، طبقاً لموازنة التي نريدها، في عمودين يتضمن أحدهما أسباب التضامن الإفريقي الآسيوي، ويتضمن الآخر غاياته، مع العلم بالفوارق التي يجب مراعاتها بين ما يقتضيه مفهوم قانوني بسيط، تنتج كل خصائصه أي كل أسبابه وغاياته، عن إرادة الأطراف المتعاقدين، وبينما يقتضيه مفهوم معقد كونته ظروف تاريخية واجتماعية مختلفة، ولا تصدر أسبابه كلها وغاياته عن إرادة معينة، حتى إنه يمكننا من الآن القول إن مؤتمر باندونج الذي كان- كما ذكرنا- أول تعبير عن (التضامن الإفريقي الآسيوي) في التاريخ، لم يكن واعيا الأسباب التي دعت إليها كلها، ولا الغايات التي اجتمع من أجلها كلها، لأنه لم يكن معداً لتناول القضية الإفريقية الآسيوية
стр. 93
من الوجهة النظرية، أي من أجل وضع فلسفة عأمة تدرس وتعالج في ضوئها تلك القضية.
ومهما يكن الأمر، فإن الخطوة الأولى التي خطوناها تدعونا إلى ترتيب موضوعنا، حسب العناصر التي يتضمنها المصطلح المألوف عند أهل القانون، كما ذكرنا، مع ما يجب مراعاته من الفوارق التي أشرنا إليها، أي مراعاة الجانب الذي لا يقع تحت إرادة وإدراك الأطراف التي يشكلها مفهوم التضامن الإفريقي الآسيوي.
فهذه الملاحظة تجعلنا نعد الأسباب التي دعت إلى التضامن الإفريقي الآسيوي من نوعين:
١ - الأسباب التي تتصل مباشرة بواقع الشعوب الإفريقية الآسيوية ذاتها.
٢ - الأسباب التي تتصل بالحالة العأمة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
ويجب علينا، من ناحية أخرى، اعتبار الغايات التي يهدف إليها هذا التضامن من نوعين أيضاً:
١ - الغايات التي تتصل بمصير الشعوب الإفىريقية الآسيوية كما تحدده هي لنفسها، بإرادة واضحة، صادرة عن واقعها مباشرة أي عن ظروف حياتها اليومية.
٢ - الغايات التي تتصل بمصير العالم وبتوقعات التاريخ بصورة عأمة أي بالتوقعات التي لا تدخل في نطاق الإرادة مباشرة.
فهذه في نظري هي صورة الموضوع إذا ما حللناه إلى عناصره النظرية، ولكن كل عملية تحليل تؤدي بالشيء المحلل إلى أن يفقد جانباً من حقيقته، وإذا كان موضوع التحليل كائناً حيا من شأنه أن يفقد هذا الكائن صورته الحية بهذا
стр. 94
التحليل، فربما يفقد كذلك موضوعنا حيويته، وتفقد الفكرة التي يتضنها قيمتها بوصفها تعبيراً عن ملحمة الشعوب الإفريقية الآسيوية، التي بدأت تشعر منذ باندونج بقيمة دورها في العالم، وبالدوافع التي تحركها في هذه الملحمة.
وعليه فمن الصواب أن نخصص خطوتنا الثانية لعرض العناصر النظرية، التي يشملها الترتيب التحليلي السابق في صورة أخرى، تشكلها مع روابطها العضوية التي تربطها بواقع الحياة مباشرة، وتعبر عن تفاعلها المباشر في عملية التاريخ ذاتها، حتى تدرك مباشرة قيمتها في حياة الشعوب الإفريقية الآسيوية، ومعناها في مصيرها وفي مصير الإنسانية عأمة.
إنني أعتقد أن هذه الصورة قد يمكننا اقتباسها من أسطورة الغار الشهورة، التي وضعها أفلاطون للتعبير بطريقة رمزية عن اختلاف الإدراك عند الأفراد في مراحل فكرية معينة، فنحن نريد صورة رمزية تعبر عن اختلاف المجتمعات في أطوار تاريخية مختلفة.
يمكننا أن نقتبس بهذه الطريقة ما يعطي للترتيب التحليلي الذي قدمناه قيمته في واقع الحياة مباشرة.
فلنتصور إذن زائراً من السماء هبط للاستكشاف في الأرض، فمن الطبيعي أن جميع المصطلحات الخاصة بتنظيم الأرض تكون غريبة عنه، إذ أنه في عالم مجهول لا يعرف عنه شيئاً، ولكي نعطي لفرضنا زيادة من الدقة، يمكننا أن نتصور فضلا عن ذلك أن زائرنا أصم وأخرس، فمن البين في هذه الحالة أنه لن يدرك أي اختلاف اصطلح عليه أهل الأرض، أو أي حقيقة تاريخية أو شيئاً من الحقائق الدينية والسياسية واللغوية، وعأمة هو لا يدرك الخصائص الطارئة على الحياة الإنسانية، الخصائص التي تميز في نظرنا- نحن- أهل الأرض بلغاتها وأديانها وتاريخها، إنه لا يرى في الأشياء الأرضية ما يعبر عن تاريخها
стр. 95
ومصيرها، وإنما يراها مجرد موجودات في الصورة التي تقع تحت نظره مباشرة، دون أي تعليق مجرد، فكل الأشياء التي ندركها عن طريق التجريد، لا تلفت نظره ولا تخاطب فكره، كما لا تلفت نظره، في حدود فرضنا- أي في زيارته الأولى- الأوضاع الأخلاقية والسياسية وحدود الأنفس والدول، فهذه الأشياء كلها لا مفهوم لها عنده، فهو لا يرى من وراء الأشياء ماضيها أو مستقبلها، وإنما يراها في واقعها، كما هي الآن، ولا يرى في هذا الواقع نتيجة عمليات تاريخية مطردة مترابطة كما يراها ابن الأرض، فهو لا يكتشف في كل ما يقع تحت بصره تطورا وأسبابا، وإنما يراه مباشرة في حالة معينة، فنظرته لا تتجاوز الشكل السطحي أو الجلدي- إن صح التعبير- ولا تصل (بطبيعة الحال ومقتضى الفرض) إلى اللب الداخلي للمشهد الأرضي الذي يمر تحت بصره مر السحاب.
وخاصة، فالنظر البشري على سطح الأرض لا يوحي له بأي مضمون روحي بطبيعة الحال، إن بصره لا يرى من واقع البشر إلا صورته الاجتماعية، فجميع ملاحظاته ومذكراته لا يمكن أن تتصل إلا بغلاف الأشياء: فهو على هذا الفرض لا يميز بين الأشياء التي تعترض بصره إلا بالاختلاف الرئيسي، بالتباين الصريح الذي يثير اهتمامه.
ومما يقتضيه فرضنا: أنه ما كان لزائرنا السماوي خاصة أن يلتفت إلى لون
علم يرمز به عن خط صوري يمثل في مصطلح أهل الأرض الحدود السياسية لبلد معين: فهو لا يرى أمماً ولا دولاً، وإنما يشاهد ريفاً ومدناً وخطوطاً للمواصلات بينها وتجمعات بشرية، ولا شك أنه يسجل التغيرات التي تطرؤ على المنظر من مكان إلى آخر كلما تغير ما يسمى (اللون المحلي).
ولكن الأنتقال الذي يثير انتباهه بلا ريب، هو التحول الذي ينتج عن انفصال حقيقي في النظر الواقعي، بالنسبة له أي تبعاً لمعادلته الشخصية-كما
стр. 96
يحددها فرضنا- أي عندما يحدث في نفسه انفصال داخلي، لأن كل تغيير خارجي في مظهر الحياة وفي نسق هذا المظهر وفي أشكاله، يؤدي حتما إلى تغير داخلي في نفوسنا.
ولنفترض الآن، وفي محيط هذا الفرض الذي وضعناه، أن زائرنا السماوي يقطع المسافة بين واشنطن وموسكو، على طبق طائر أو بوسيلة أخرى، فمن الواضح أن المشهد البشري على طول هذا الطريق لا يحتوي على أي فاصل جوهري، بالنسبة إلى معادلته الشخصية كما حددناها: فربما تستلفت نظره لحظة رؤية ناطحات السماء الرائعة في شوارع نيويورك عندما يمر فوقها، ولكن هذه التفاصيل ستذوب حتما في مجموعة تفاصيل من النوع نفسه، إذ أنه سيرى في موسكو أيضاً (الناطحات) التي أنشأها ما سمي بعد الحرب العالمية الثانية (أسلوب ستالين).
فمكتشفنا سيصادف إذن، من أول الخط إلى نهايته اللوحة نفسها التي سجل
فيها الإنسان، الذي يعيش على هذا الخط نتائج كفاحه وعبقريته. فمن أقصى هذا الخط غرباً إلى أقصاه شرقاً يرى زائر السماء شبكات الطرق الحديدية والنهرية والجوية نفسها. والطابع نفسه الذي يكسو وجه الريف الذي تتدفق منتجاته على المدن الصناعية، المدن الكبيرة ذات الشوارع الواسعة، التي يخيل له أنها تنشط فيها الحياة في ساعات النهار نفسها وتتحرك فيها المجموعات البشرية نفسها، من أطفال ذاهبين إلى مدارسهم، ومن رجال ذاهبين إلى مصانعهم وورشهم ومكاتبهم. ويبدو فيها التنظيم نفسه للوقت تدل عليه هذه الحركة التنظيمية، التي تحتل الشوارع وتغادرها في ساعات محددة، والتنظيم المدني نفسه بمداخن مصانعه، ومدنه العمالية وقطارات المترو التي تلي حاجة هذا النشاط الزاخر إلى السرعة، ونظم التنوير وكيفية التنوير وكيفية الإضاءة في شوارع التجارة والملاهي بالليل.
стр. 97
وموجز القول إن نظرة زائر السماء ستصادف الدرجة نفسها من واشنطن إلى موسكو. فهو يرى خاصة هذا العامل في مصانع فورد في مدينة Détroit بأميركا، وزميله في مصانع رونولت بباريس، وزميلهما في مصانع كروب Krupp بمدينة إيسن أو في مصانع مولوتوف بموسكو.
فقبل أي تمييز سياسي أو ديني وقبل أي اعتبار خاص بالعنصر وبالصنف البشري الذي يصادفه نظره، فإنه يرى وجهاً واحداً في كل هؤلاء العمال، لأنهم يمثلون النموذج الاجتماعي نفسه، ولو أنه مد خطواته واستكشافه في الاتجاه نفسه حتى ضواحي طوكيو، فإنه لا يرى العنصر الأصفر في ملامح العامل الذي يشتغل في مصانع ميتسوي، بل يرى النموذج الاجتماعي نفسه الذي يتحرك داخل اللوحة، التي رسمها نشاط الإنسان على طول الخط من واشنطن إلى موسكو.
وحتى الآن ليس لدى زائرنا أي سبب يدفع عقله إلى أن يعقد أي صلة سببية، بين هذا النموذج الاجتماعي والنظر الذي يحوطه، إذ ليس لديه حتى الآن مقياس منطقي يربط هذين العنصرين في ذهنه، أي يربط بين صورة الفرد في محيط معين وبين هذا المحيط، ولكن ستسجل في ذاكرته بصفة آلية، هذه المطابقة في صورة فكرة تضم هذين العنصرين في وحدة معينة، ربما تتبلور في ذهنه بوصفها مقياسا وسوف يرجع إليها بصفتها قاعدة تمييز بعد أن تتم مشاهداته لظروف الأرض وخصائص الحياة على سطحها، فتصبح إذن هذه القاعدة مميزة في نظرية لتنوع هذه الظروف وهذه الخصائص.
وبالفعل فلنتبع الآن خطوات زائرنا في اتجاه آخر على طول الخط الممتد من طنجة إلى جاكارتا: إن النظر البشري سوف يتغير فجأة وبصورة كلية في نظره، إنه سوف يرى منذ الخطوات الأولى في هذا الاتجاه (مدن الأكواخ) المتناثرة هنا وهناك في ضواحي الدار البيضاء، وضواحي بومباي مثلاً، فتغير هذه الأكواخ تأثراته وانطباعاته جذريا، كأنه عبر الحدود الفاصلة بين عالمين مختلفين
стр. 98
اختلافاً، يحدث في نفسه انفصالا تاماً عن تأثراته وانطباعاته السابقة، ويأخذ هذا الأنفصال يتأكد في نفسه كما تابع مشاهاداته في الاتجاه الجديد، يتأكد بقدر ما يجمع في نفسه من آثار المشهد الجديد، الذي يراه الآن بمختلف ألوانه المعبرة عن صورة الحياة البشرية الجديدة على طول هذا الخط.
إن النظر الإنساني لم يعد هو الأول، فلا مصانع هنا ولا مداخن، ولا مدنا صناعية ناشطة في ساعات معينة من النهار، ساهرة بالليل من أجل الدعاية واللهو؛ والإنسان في المنظر الجديد يبدو ساكنا لم يطبع إرادته في تنظيم إطاره اليومي طباعة ينظم معها التراب والوقت؛ فعلى مساحات شاسعة يبدو التراب وكأن اليد البشرية لم تسيطر عليه قط، فهو بقي في سلطة الطبيعة أو عاد إليها، كأنه بكر لم يمس، والوقت يبدو لا شكل له فيمضيى تائهاً مبعثراً خامداً، فهو ير سدى فوق رؤوس جماهير عاطلة، لا تشعر بقيمة الساعات الضائعة؛ واللون المحلي تغير كله. ولقد أصبح الإنسان الذي يتحرك داخل المنظر الجديد من نموذج اجتماعي يختلف الاختلاف كله عن النموذج الأول.
هنا تنتهي رحلة زائرنا ولا أدري هل سيجعل منها موضوع تأمل ودراسة،
أو هو أتى لمجرد التفسح والتسلية، لا أدري هل توحي له مدن الأكواخ وناطحات السماء بموازنات يستنتج منها بعض الاستنتاجات، إذا عد الكوخ وناطحة السماء أدوات تعريف لبيئتين تختلف فيهما الحياة تمام الاختلاف.
إنني لا أدري كيف سيتصرف في ملاحظاته، لأنني أجهل طرق التفكير لدى
أهل السماء، ولكن لنفترض أن زائرنا أراد أن يتفضل علينا، فترك لنا بجانب الطريق- قبل عودته إلى مقره- كراسة ملاحظاته لنتصرف فيها كيفما نشاء، حسب إدراكنا الخاص لشؤون الأرض وتاريخها.
إنه يمكننا أن نستفيد مما في الكراسة مباشرة، ومما يمكننا استنتاجه من
стр. 99
محتواها طبقاً لطريقة التفكير الخاص بأهل الأرض، ولا في أيدحهم من وسائل التحليل.
لا شك أن زائر السماء بدأ يشعر بأنه قد تخطى فعلاً حدوداً فاصلة، عندما انتقل من خط واشنطن موسكو إلى خط طنجة جاكارتا، وأنه قد دخل عالماً تعد (مدن الأكواخ) فيه عنصر تعريف في غاية الأهمية بالنسبة إليه، وعنصر تمييز أيضاً لأنه يمثل حد التمييز بينه وبين النظر الأول، الذي يتميز بناطحات السماء ومدن العمال.
وربما نزيد على ملاحظة زائرنا طبقاً لمنطقنا الخاص، أن عنصر التعريف
هذا يستمد قوته من النموذج الإجتماعي: قد يتساءل زائر السماء عما إذا لم يكن الإنسان الذي التقط صورته في ضواحي كلكتا، هو الذي يراه الآن- وكأنه أضناه بعد السفر- مستنداً إلى حائط هذا الكوخ، يسترد أنفاسه في ضواحي مدينة من مدن إفريقيا الشمالية.
وعلى كل، فلا يمكننا نحن، طبقاً لما يتطلبه صب هذه الملاحظات في قضية عقلية، لا يمكننا إلا أن نربط بين هذين الرجلين مهما كانت الفروق اللغوية والعنصرية والسياسية والدينية التي تفصل بينهما. إن وجه القرابة بينهما واضح حتى لنظرة زائر السماء، لأنه يتذكر أنه لم يصادف نموذجهما في أي بقعة من بقاع رحلته الأولى.
إن هذا النموذج الاجتماعي الذي يتمثل فيهما هو صورة الإنسان الإفريقي الآسيوي، الرمزية في مرحلته الراهنة، أي صورة الإنسان الذي يتضمن واقعه ومصيره معطيات التضامن الإفريقي الآسيوي كلها، ويتضمن كيانه خاصة العناصر النظرية كلها التي جمعناها- من أسباب وغايات- في الجدول التحليلي الذي قدمناه في صدر هذا الحديث. إن تلك الأسباب والغايات التي أشرنا إليها، ما هي بعد التحليل سوى الدوافع التي تحرك هذا الإنسان، عندما يفكر في
стр. 100
شؤونه الخاصة أو في شؤون وطنه أو في شؤون العالم، أي عندما يفكر في مشكلاته بوصفه أبا يكدح من أجل قوت أبنائه، ومواطنا يناضل من أجل. تحرير بلاده، ورجلاً يعمل ما في استطاعته لتأييد قضية من قضايا العالم الكبرى كقضية السلم على وجه المثال.
ولكن هذه المشكلات ليست- في صورتها العأمة- خاصة بالإنسان الإفريقي الآسيوي، فالإنسان الذي يعيش على محور واشنطن موسكو يواجه أيضاً المشكلات نفسها، فهو يكدح من أجل قوت أبنائه، ويناضل في سبيل وطنه، ويعمل بصورة ما لتدعيم السلم حسب منطقه الخاص، وإنما قد أدركنا من خلال مشاهدات زائر السماء أن مواقف الطرفين إزاء هذه المشكلات تختلف بنتائجها: فهذا يسكن كوخاً في إحدى مدن الأكواخ، والآخر يتمتع ببيت في إحدى مدن العمال، والأول عاطل في نسبة كبيرة لا يجد من يشغله، بينما يجد الثاني في المكتب أو المصنع ما يعطيه الشغل، وواحد يرى الأجنبي مستقراً في بلاده بحكم يفرضه الإستعمار على البلاد المستعمرة، والثاني لا يتوقع عدواناً إلا على حدود بلاده، وهذا يرى أن قضية السلم في العالم منوطة بالضمير العالمي والآخر يراها منوطة بقوة السلاح.
يجب إذن أن نغير وجهة نظرنا في الدوافع العأمة التي تحرك نشاط الإنسان،
وأن نعدها من الوجهة الواقعية لا من الوجهة النظرية، كي نزيد فكرة التضامن الإفريقي الآسيوي وضوحاً، أو بعبارة أخرى كي نزيد تعريفاً لأسبابه وأهدافه الواقعية.
فلنعد إلى ملاحظات زائر السماء مرة أخرى، كي نتقدم خطوة جديدة في حديثنا.
إن زائر السماء قد ترك لنا من بين ملاحظاته عن حياة أهالي المحورين،
وعن النموذجين اللذين يمثلأن صورتي الحياة على هذين المحورين، ما يكفينا من
стр. 101
المسوّغات كي نوحد كليهما بالمحيط الإنساني الذي يعيش فيه، فيكون هكذا لدينا مقياس نقيس به الأشياء من حيث تشابهها النظري واختلافها الواقعي، تشابها ندركه في وحدة المصير التي يبدو أنها مقررة على كل محور، واختلافا ندركه عندما ننتقل مثل زائر السماء من محور إلى آخر، إن ملاحظات زائرنا تجعلنا نقرر- قبل أي تفسير تاريخي- أن رباطا عضويا يربط بين مصير الإنسان والمحيط الذي يحيط بحياته، حتى إنه يمكن مسبقا تقدير نسبة البشر الذين سيولدون في محيط معين، معرضين للأمراض الإجتماعية مثل الفقر والجهل والعطلة، أو الأمراض الجسمية مثل الرمد والبلهارسيا، ونسبة الذين سيولدون في محيط آخر متمتعين بكل الضمانات الإجتماعية، التي تقدم إليهم أحيانا حتى قبل مولدهم، في صورة منحات تقدمها الحكومات إلى النساء الحوامل.
وإذن فإن حظ الفرد مقدر إلى حد ما قبل مولده، تقدره أوضاع عأمة خارجة عن نطاقه الشخصي أو العائلي، تكون في الوقت نفسه حتمية اجتماعية.
ولكي تكون هذه الملاحظة مفيدة من الناحية النظرية، يجب أن نستنتج منها سؤالاً في صميم موضوعنا: يجب أن نسأل لماذا يولد الإنسان الإفريقي الآسيوي محروماً؟
إن ملاحظات الزائر ستهدينا إلى الجواب.
لنتصور قبل أن نترجم هذه الملاحظات إلى لغة التاريخ والاجتماع، وقبل أن نفسر نوع (الوحدة) التي قررنا وجودها من خلال مشاهدات الزائر، وأدركنا أنها تربط بين مصير الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه، لنتصور زائرنا - فضلاً عن وجوده في كل مكان طبقا لفرضنا الأساسي، أن لديه أيضا القدرة على أن يكون موجودا في كل زمان، ولنفرض أنه رجع ألف سنة إلى الوراء، مع الرجاء أن يتفضل علينا هذه المرة مثل الأولى بملاحظاته، إنه سيرجع على طول
стр. 102
الطريقين الأولين، وسيرى من النظرة الأولى أن المنظر الإنساني الذي شاهده في المرة السابقة قد تغير كلية، ولكنه بقي محتفظا بشيء ثابت: فهو يتمثل مرة أخرى في صورة وحدتين محددتين تماما في المكان، بالتوزيع الجغرافي نفسه، أي في صورة قارتين يحدد كليهما محور جغرافي، الأولى محدودة بمحور طنجة جاكرتا، والثانية بمحور واشنطن موسكو.
وسيشعر الزائر هذه المرة مثل الأولى بانفصال داخلي يحدث في نفسه، عندما ينتقل من محور إلى آخر كأنه عبر حدودا تفصل بين عالمين مختلفين: إن الأنطباعات التي ينطبع بها الزائر تتغير تماماً تبعاً للاوضاع التي تتغير فعلاً مع النموذج الاجتماعي الذي يعيش فيها.
ولكن الظاهرة تبدو الآن في ضوء جديد: إن نسبة الحظ والشر المادي، أو مستوى المعيشة كما نقول اليوم، كانت في المرحلة الأولى لحساب الإنسان الذي يعيش على محور واشنطن موسكو، فها هي ذي الآن لحساب الإنسان الذي يعيش على محور طنجة جاكرتا، فقبل ألف سنة نجد التوزيع الجغرافي نفسه في صورة قارتين، ولكن التوزيع الاجتماعي في المرة الثانية يختلف تماما عن الصورة التي رآها الزائر في المرة الأولى، وكأن هذا الاختلاف الذي وقع اليوم لحساب النموذج الاجتماعي، الذي يعيش في القارة الشمالية، كان قبل ألف سنة لحساب النموذج الذي يعيش في قارة الجنوب: إنه كان من الأنسب أن يولد الإنسان على محور طنجة- جاكرتا، إذ كان يجد في مهده حظاً أسعد وعيشاً أرغد ومصيراً أضمن، لأن الأوضاع الموجودة إذ ذاك على هذا المحور، كانت تحقق للفرد الذي يولد هناك الضمانات الاجتماعية، التي يتمتع بها الفرد الذي يولد اليوم على المحور الشمالي، وقد تزداد هذه الملاحظة دلالة إذا ما ذهب الزائر في استكشافه أبعد من ذلك على هذا المحور، إذ يشاهد أميركا الجنوبية قبل كريستوف كولومب، عندما كان يعيش فيها النموذج الاجتماعي، الذي صنع حضارة المكسيك وحضارة
стр. 103
البيرو، بينما معاصره الذي يعيش في الاراضي التي تكون اليوم الولايات المتحدة، كان على غاية من الأنحطاط الاجتماعي في درجة البداية.
وبهذه الملاحظات المكانية والزمانية، ندرك الآن بوضوح أكثر أن الفرد مقيد مقدما وإلى حد كبير بالظروف التاريخية والجغرافية، التي تفرض شروط حياته قبل أن تشرطها مواهبه الشخصية، وأن حظه مرتبط مقدما بالقانون العام الذي يسيطر على حياة كل فرد ينتسب إلى (الوحدة) التاريخية التي ينتسب إليها هو، وذلك مهما كانت معادلته الشخصية، وهذا يعني خاصة أن الإنسان الإفريقي الآسيوي، يعاني اليوم مهما كانت مواهبه الشخصية، العوامل السلبية كلها التي يفرضها على كيانه انتسابه إلى خطه الجغرافي، إلى وحدة تاريخية معينة، إلى قارة محددة بظروف اجتماعية متشابهة، تسيطر على حياة الإنسان من طنجة إلى جاكرتا، وتكون بالتالي الصورة السلبية للتضامن الإفريقي الآسيوي، لأنها تضع على كاهل الإنسان الذي يولد على هذا المحور، جميع أعباء الحرمان التي تنزل عليه المحن وتحرمه من النعم، ولكنها تكون في الوقت ذاته وعيه الجماعي، أي العلأمة الأولى على كيان موحد في بعض الحدود، التي عبر عنها بشيء من الوضوح مؤتمر باندونج ومؤتمر القاهرة.
كما ندرك أيضاً- من خلال مشاهدات زائر السماء- أن هذه الحتمية التاريخية الجغرافية، تتغير تبعاً للزمن في مكان واحد، وتبعاً لمكان في زمن واحد.
وبالتالي فإن هذه المشاهدات كشفت لنا بعض الحقائق العأمة التي يجب الوقوف عند مضمونها القانوني، في نطاق القوانين والسنن التي يسير بمقتضاها التاريخ العام، كي ندرك بوضوح أكثر معناها بالنسبة إلى التضامن الأفريقي الآسيوي، وخاصة بالنسبة إلى الأسباب التي بعثته وإلى الغايات التي تحدد مصيره في التاريخ.
إن رحلة الزائر الأولى كشفت لنا عن وحدتين متقابلتين من واشنطن إلى
стр. 104
موسكو ومن طنجة إلى جاكرتا، وأدركنا دون أن نحدد طبيعة هاتين الوحدتين، أن كلتيهما تفرض قانونها العام على كيان ومصير الأفراد المرتبطين بإطارها، وهكذا يتحدد في نظرنا التضامن الإفريقي الآسيوي في صورته الاجتماعية، أي في صورة النموذج الموحد للحياة، وللمنظر الإنساني الذي يحيط بها من طنجة إلى جاكرتا، كما شاهده زائر السماء في رحلته الأولى.
أما الرحلة الثانية فإنها أكدت لنا وجود ظاهرة ذات أهمية بالغة، بالنسبة
إلى معنى الأحداث التي تؤثر على مجرى التاريخ، فالظاهرة هي وجود محورين، تنتقل معها من الواحد إلى الآخر القيم الحضرية بصورة دورية، كأنما تاريخ الإنسانية يصنع على محورين بينهما حركة مد وجزر مستمرة، تنقل القيم الحضرية المنوطة بهذا حظوظ الإنسان كما قدمنا، وكأنما التاريخ حوار مستمر بين المحورين، حوار ندرك معناه في بعض الأحاديث وفي بعض الأحداث: في بعض الأحاديث عندما ينشر مثلاً كتاب لغاندي بعنوان (حضارتهم وخلاصنا)، أو كتاب لرشاردوريت بعنوان (أنت أيها الرجل الأبيض).
وكأنما المهاتما غاندي والكاتب الزنجي كانا يعبران عن التضامن الإفريقي الآسيوي في أبسط صورته، وكأنهما كلاهما بلغته الخاصة يقومان بدور رجل محور طنجة جاكرتا عندما يخاطب رجل محور واشنطن موسكو، من أمثال (رويد يارد كيبلنج) شاعر النزعة الإستعمارية والتفرقة العنصرية عندما يتعالى على الإنسانية الملونة، فلم يتصور- على حد قوله- أن قرداً يستر عورته بقطعة قماش، سيصعد يوماً درجات السلم المرمري الأبيض، الموجود في مدخل قصر نائب جلالة ملك إنجلترة بنيودلهي، ليطالب بالحقوق، وهو يشير بكل وضوح إلى صورة غاندي المشهورة، وقد كان فعلاً لا يضع عليه إلا قطعة قماش أبيض يستر بها عورته، ولم يدرِ ذلك الشاعر المتكابر أن الأقدار كانت تهيئ لغاندي أن يصعد فعلاً ذلك السلم بعد الحرب العالمية الثانية، ليتحدث مع اللورد ماونتباتن
стр. 105
في شأن حق بلاده في الحرية والاستقلال، بل كانت تهيئ له أكثر من ذلك، وقد رأيناه يصعد قبل موته وبموته السلم الذهبي في ضمير الشعوب المهتمة بقضية السلام، كي يكون في قمة ذلك الضمير، رمز السلام في القرن العشرين.
إنما هذه الأحاديث لا تعبر وحدها عن هذا الحوار المستمر، بل نجده أحياناً
في لغة أخرى هي لغة الأحداث الكبرى، التي علمت طريق الإنسانية عبر القرون، من غزو الفرس بلاد اليونان إلى فتوحات الإسكندر المقدوني، ومن ملحمة هانيبال إلى انتصار غريمه سبيون الإفريقي، ومن الفتوحات الإسلامية إلى الموجة الصليبية والموجة الإستعمارية.
إنه الحوار في صور مختلفة .. الحوار الطويل بين محوري التاريخ .. وما الإستعمار إلا فقرة منه تقابل فقرة أخرى هي القابلية للاستعمار!!
وفي وسعنا أن نذكر فقرات أخرى منه سجلها التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، وأن نضع أمام كل جملة تعبر عن إرادة إنسان محور واشنطن موسكو، جملة تعبر عن إرادة إنسان محور طنجة جاكرتا، بل بصورة أشمل إن المشكلات التي يعبر عنها الكبار على المحور الشمالي، والمشكلات التي تعبر عنها شعوب المحور الجنوبي، هي المتناقضات الرئيسية التي تصوغ جدلية القرن العشرين، وكل واحد من هاته التناقضات تعبر عن حلقة من الحوار، الذي تتتابع حلقاته في ترتيب منطقي، يتضمن أزواجا متقابلة الاجزاء كما تترتب الأسباب ونتائجها في اطراد تكويني معين، تبعاً للتطور الذي حدث في العالم منذ عام ١٩٤٥؛ حتى إننا لو سجلنا هذه المتناقضات متقابلة في الترتيب الزمني، لصورنا وجه التاريخ وديناميكيته في الفترة التي نعيش فيها هكذا:
стр. 106
كبار شعوب المحور الشمالي .......... شعوب إفريقية آسيوية
التضامن الإستعماري الذي عبر عنه .......... التضامن الإفريقي الآسيوي الذي عبر
مؤتمر برلين في القرن الماضي .......... عنه مؤتمر باندونج لأول مرة
مشاكل القوة .......... مشاكل البقاء
سياسة القوة التي تمثلت في شخص دلاس .......... سياسة اللاعنف التي تمثلت في شخص نهرو
منطقة الحرب الباردة .......... منطقة السلم
الأحلاف العسكرية، استراتيجية التطويق .......... الحياد الإيجابي
فهذا الجدول يرسم في الواقع الصورة الراهنة للعالم، ويكشف عن جميع القوى التي توجه التاريخ وتكيف مصير الإنسان؛ والنظرة المتأملة فيه يمكنها أن تستخلص منه بعض الاستنتاجات، المتصلة بإمكان تلاقي التيارين اللذين يصورهما هذا الجدول، واجتماعها في تيار يوحد الإنسانية، أي في النقطة التي يبدو أنها قطب التاريخ، أي النقطة التي تتوق إليها كل قوى التاريخ على الرغم مما فيها من متناقضات، وإذا أدركنا أن التضامن الإفريقي الآسيوي في صورته السياسية، التي عبر عنها مؤتمر باندونج، هو إحدى هذه التناقضات التي تعبر عن البناء المزدوج للعالم، في الصورة التي كان ينظر إليها (جول فرن) عندما كان يكتب قصته المشهورة (ميشل ستروجف)، القصة التي كان يؤلفها هذا الكاتب الفرنسي لتمجيد البطولة في موجة الإستعمار الروسي، عندما انطلقت روسيا القيصرية تتوسع في القارة الآسيوية، فإذا كان التضامن الإفريقي الآسيوي في النظرة الأولى، يبدو وكأنه قوة تواجه التضامن الإستعماري، ويعيد هكذا للعالم بناءه المزدوج، فإن النظرة الفاحصة تبين أنه يعيد له هذه الصورة في نقطة انتقال فقط، أي في صورة مؤقتة ينتقل منها إلى صورة متحررة، من الإستعمار ومن القابلية للاستعمار، في مرحلة تطورية معينة، لابد أن تجتازها الإنسانية التي تهدف إلى توحيد بنائها.
стр. 107
فالتضامن الإفريقي الآسيوي لحظة معينة من الحوار التاريخي الذي أشرنا إليه، ولكنه اللحظة التي تغير مجرى هذا الحوار وتوجهه في اتجاه جديد، بين شعوب تواجه مشكلات البناء والبقاء، ودول تقدس القوة وتراها الحل الوحيد لجميع المشكلات القائمة في العالم.
ولكن لو تأملنا مرة أخرى جدول التناقضات الذي قدمناه، لأدركنا جانب الضعف في التضامن الإفريقي الآسيوي، لنرى من خلال هذا الجدول أن الوعي الذي يتمثل في ردود أفعاله، يتكون ويتطور طبقا للأسباب التي نشأت على محور واشنطن موسكو، المتصلة بمشاكل القوة، أكثر من الأسباب الناشئة على محوره، المتمثلة في مشاكل البقاء، أي أن هذا الوعي يتصل أكثر، بالأسباب السياسية الناتجة عن الحالة العأمة في العالم، كما تشكلها الأوضاع القائمة على المحور الآخر، أكثر مما يتصل بالأسباب التاريخية الاجتماعية المتكونة على محوره، وقرارات باندونج والمبادئ الخمسة، التي تكون التوجيهات الأساسية للتضامن الإفريقي الآسيوي، تعبر عن هذا الاتجاه المنحرف، انحرافا يجعل الأسباب الاجتماعية الماثلة في صورة النموذج البشري، الذي اكتشفه زائر السماء في رحلته من طنجة إلى جاكرتا في المرتبة الثانية من الأهمية، بينما يجب أن تكون هي المشكلات الأساسية التي يواجهها الوعي الإفريقي الآسيوي.
ويبدو فعلاً أن هذا الاتجاه لا زال قائماً، وأن الاهتمام لا زال منصرفاً إلى المشكلات السياسية منذ مؤتمر باندونج أكثر من المشكلات الاجتماعية، فنرى أن الأولى تدرس وتعالج على أعلى مستوى في المؤتمرات التي تعاقبت، وأعطت فعلاً مفهوم التضامن الإفريقي الآسيوي أقصى معناه في الاتجاه السياسي، بينما نعالج الثانية في نطاق الرسميات أو عن طريق المبادرة الفردية، أي في نطاق محدود الإشعاع من الناحية الأيديولوجية، أو بعبارة أوضح بوسائل لا تشكل التضمامن الإفريقي الآسيوي في أكمل معناه، وربما ينجر هكذا الوعي الإفريقي
стр. 108
الآسيوي، إلى الاهتمام بمشكلات القوة، أكثر من مشكلات البقاء، أي إلى الإنحراف ذاته الذي نؤاخذ عليه قادة السياسة على المحور الشمالي، الذين يكادون في كل لحظة يدفعون الإنسانية إلى كارثة عالية.
وهذا الإنحراف يسبب بالتالي تحويلاً للطاقات الاجتماعية وصرفها إلى القضايا الشكلية على حساب القضايا الحيوية، فيضيع هكذا الوقت الثمين الذي أصبح المادة الأولية في تنمية أي مجتمع، وخاصة إذا كان المجتمع في نقطة الإنطلاق، وتضيع بالتالي الحلول المناسبة لطبيعة المشكلات التي يواجهها اليوم الإنسان الأفروسيوي على المحور الجنوبي، أعني الحلول التي تحقق وحدها كيان ومصير هذا الإنسان ورسالته في العالم.
فلو كان لنا أو علينا، بموجب هذه الملاحظة، أن نعيد النظرة في الموضوع، لرجعنا مرة أخرى إلى كراسة زائر السماء، إلى ملاحظاته الوصفية، أي المجردة من كل تعليل، لنعطيها هذه المرة ما تستحق من التعليل في نطاق القوانين الاجتماعية.
إن هذه الملاحظة أعطتنا صورة صحيحة للإنسان، الذي يعيش اليوم على محور طنجة جاكرتا، ولكنها لم تعطنا معنى الواقع الذي يتجلى في هذه الصورة، بالكيفية التي تتيح لنا معالجته بطريقة منهجية وعلى أعلى مستوى، أي في نطاق التضامن الإفريقي الآسيوي في أقصى معناه.
فلا جدوى أن نذكر مرة أخرى ملاحظات زائر السماء، ولكن فلنتصرف في معناها في ضوء التاريخ وعلم الاجتماع.
فنحن نرى أولا أن هناك مشكلة خاصة للإنسان الإفريقي الآسيوي بالذات، أي مشكلة تخصه دون غيره من البشر في القرن العشرين، لأن المشكلات التي تواجه المجتمعات الأخرى سواء في أوربا أو في أمريكا تحدها حدود الدولة، ويمكن حلها في نطاقها، بينما المشكلة التي نضعها هنا موضوع الدراسة
стр. 109
تخص المصير المشترك الذي يخيم من طنجة إلى جاكرتا، وفي وضع عام يسود على طول هذا الخط وقد يسميه بعض الدارسين (التخلف)؛ وهو على كل حال وضع الفرد المحروم من الضمانات الاجتماعية، في نطاق وحدة تاريخية اجتماعية، تتجلى في النموذج الاجتماعي الذي اكتشفه زائر السماء على المحور الجنوبي.
ثم إننا مضطرون إلى أن نلاحظ أن هذا الوضع العام، وهذه الوحدة التي تفرض قانونها على مصير الفرد، مستقلان عن الظروف السياسية، والحدود القومية، والإطارات العنصرية، باعتبار أنها في مكان معين تتغير مع الزمن، وفي زمن معين تتغير حسب المحور الجغرافي.
فلو أننا- علاوة على الظروف التي تحدد مكانها بالنسبة لمحور أو لآخر- نأخذ
في اعتبارنا طبيعة العلاقة التي تربط حياة الفرد بهاته الوحدة، نكون مضطرين، بسبب خاصتها الجغرافية التاريخية وطابعها الاجتماعي، فيما يتعلق بالحتمية التي تفرضها على حياة الفرد المرتبط بها، ونكون مضطرين على اعتبار هاته (الوحدة) - التي لاحظها زائر السماء في صورتها القشرية، دون أن يفسرها لأنه يجهل ظروف الأرض- هي مجموعة الشروط التي تكون في المكان وفي الزمان حضارة معينة، أي الحضارة التي تطبع جميع حقائقها الثقافية، وخصائصها الأخلاقية والجمالية والصناعية، في أسلوب حياة يشمل النظر الإنساني، ويحدد سلوك النموذج الاجتماعي الذي يتحرك فيه.
وعليه فكل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة، هو في أساسه تفكير في مشكلة الحضارة، والمشكلة القائمة من طنجة إلى جاكارتا، وهي في جوهرها مشكلة حضارة، وهذا هو ما يفسر التغيير الجذري، الذي يشعر به زائر السماء عندما ينتقل من المحور الشمالي إلى المحور الجنوبي، فيرى الإنسان المعطل والتراب المعطَّل والوقت التائه، إنه يرى في الواقع حضارة معطلة، أو كما نقول بمصطلح العصر: إنه يرى مجتمعات متخلفة.
стр. 110
والآن يمكننا تفسير الحرمان الشامل الذي يطبع اليوم حياة الإنسان من طنجة إلى جاكرتا وتفسير عجز هذا الإنسان في مواجهة المشكلات العادية كما سبق أن بينا.
فمن البديهي إذن القول إن الإنسان الإفريقي الآسيوي يواجه اليوم أزمة حضارة، يجب عليه أن يحققها على محور تاريخه، أي أن يحقق وضعاً عاماً يتفق مع الشروط الفنية، التي من شأنها أن تخوله الضمانات الاجتماعية، التي يتمتع بها إنسان المحور الشمالي، فيتغير بذلك وضع الحياة البشرية من طنجة إلى جاكرتا، وتتغير معه كل القيم الحضارية، وينتج بالتالي تغيير كلي في طبيعة العلاقات ذاتها، بين المحورين تلك العلاقات التي يمكننا وصفها اليوم سياسياً وإقتصادياً واجتماعيا، بأنها علاقات الإستعمار بالقابلية للاستعمار، وعلاقات الإنتاج الصناعي بالزراعة والمادة الخام، وعلاقات مشكلات القوة بمشكلات البقاء، فتتغير هذه العلاقات حتى لا يبقى الحوار التاريخي بين الطرفين حواراً بين سيد ومسود، بين قوي وضعيف، بين متحضر دون مستوى الإنسانية الأخلاقي، ومتخلف دون مستوى الحضارة الاجتماعي، لأن كل تغيير اجتماعي على محور طنجة جاكرتا، يفرض تغييراً أخلاقياً وسياسيا على محور واشنطن موسكو، كما يمكننا أن ندرك ذلك من خلال تاريخ اليابان الحديث، إذ نراه على أثر الهجوم الإستعماري سنة ١٨٥٣ يبادر منذ بداية العهد اليجي سنة ١٨٦٨ بتغيير كل أوضاعه الاجتماعية بدخوله في دور حضارة جديدة. وإذا بهذا التغيير الداخلي يغير كل علاقاته السياسية بمحور القوة. فتأتي دول هذا المحور ترغب في صداقة ومحالفة الميكادو، وتعد إنجلترا معه فعلاً معاهدة صداقة دامت بين الدولتين ولم تلغها بريطانيا إلا سنة ١٩٢٥. بعد أن كان لها أثرها الفعال في الحرب العالمية الأولى.
وبعد ما بدأت المنافسة الإقتصادية القاسية التي شرع فيها اليابان، عندما اكتسح أسواق جنوب آسيا، وهدد مراكز بريطانيا الإقتصادية في تلك النواحي، بما أطلق عليه الدنبنج الياباني Dumping.