وجود ولد بدون والد أو بدون أم أو بدونهما، وإن كان هذا حسب العادة لا يوجد، فمن أراد أن يولد له أولاد فلابد من زوجة، ومن أرادت أن يأتيها أولاد فلابد من زوج، لكن لو ولد مولود من غير أب – كحال عيسى ﵇ – فهذا خارق لعادة (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً، قال كذلك قال ربك هو علي هين) ،وهذا مما يحار فيه العقل ولا يحيله.
وإذا وجد مولود من غير أم – كحال حواء – خلقها الله من أبينا آدم فهذا أيضاً خارق للعادة وإذا وجد مخلوق من غير أب ولا أم – كحال أبينا آدم ﵇ – فهذا كله خارق للعادة وقد وجد الملزوم في الأمثلة الثلاثة السابقة دون وجود لازمه.
وهذا الملزوم اتصاله بلازمه أو حصوله بلا لازمه، وجوده وانفصاله مما يجيزه العقل ويقبله أم مما يحيله ويرفضه؟ نقول: بل هو مما يجيزه، وقد تقدم معنا أن العقل يمنع المستحيل فقط وهو اجتماع النقيضين، أو نفي النقيضين، أو اجتماع الضدين، فهذا هو المستحيل فقط، (١)
стр. 1017
أما نفي الضدين فهذا ليس بمستحيل فالبياض والسواد مثلاً ضدان لا يجتمعان فإما أبيض أو أسود، ويصح أن يرتفعا فقد يكون أحمر لا أبيض ولا أسود.
فكل ما يتقابل مع غيره تقابل سلب وإيجاب فهما نقيضان، بحيث إذا وجد أحدهما انتفى الآخر كالحياة والممات، والذكورة والأنوثة وغيرهما فإذن ما تقدم هو خارق للعادة، لكن هل يتصور أن يقع خارق للعقل؟ نقول: لا ولا يمكن أن تأتي شرائع الله بما تحيله العقول، إنما تأتي بما تحار فيه العقول أججت نار عظيمة لو مر طير في أقصى الجو لخر مشوياً، فكيف يوضع خليل الله إبراهيم عليه الصلاة السلام في المنجنيق من مكان بعيد يقذف ويلقى في النار؟ وهو لو لم يلق في النار لتكسرت عظامه من أثر الإلقاء والرمي، وإنما وضعوه في المنجنيق لأنهم لا يستطيعون أن يقتربوا من النار لإلقائه فيها، فيلقى في النار فتكون برداً وسلاماً ولا تحرق النار إلا وثاقه، فكان مقيدا ثم صار مطلقا، فهذا يتصوره العقل ولا يحيله، وهذا ليس بأغرب من أننا خلقنا من ماء مهين، كما أن الله قادر على أن يخلق إنساناً من غير هذه القطرات التي هي من ماء مهين – كما خلق عيسى – فمن الذي يمنعه؟ لذا قال: (هو علي هين) فهذا خارق للعادة وليس خارق للعقل فليتنبه!!
ولا يمكن أن يقع شيء خارق للعادة وليس خارقاً للعقل فيه آفة – كما تقدم – يقول إن هذا مستحيل فنقول: الآفة في عقلك الهزيل، وليس هذا مستحيل، ولذلك قلنا خارق للعادة أي لم تجر العادة به فهو غريب، فكوننا خلقنا من هذا الماء غريب لكن جرب به العادة، وكوننا نتكلم بقطعة اللحم اللسان غريب لكن جرب به العادة، ولو أن أصبعك تكلمت لاعتبر الناس هذا خارقٌ للعادة، ولو أن الحصى سبحت كما سيأتينا في معجزات النبي ﷺ حصىً تسبح كما يسبح اللسان فهذا غريب ما جرت به العادة فهو خارق للعادة، وهو في الحقيقة لا غرابة فيه بالنسبة لقدرة الله تعالى.
стр. 1018
إذن خارق العادة ليس بخارق للعقل فلابد من التفريق بين خارق لعادة وخارق العقل، وخارق العقل هذا بين نقيضين، نفي نقيضين، جمع ضدين، فهذا لا يمكن أن يقع، ولذلك ما كانت معجزة نبي من الأنبياء أن يقول أجعلكم أحياء وأمواتا، موجودين ومعدومين؟ هذا مستحيل هذه سفسطة ولا يمكن أن تقع، ولكن معجزة نبي أنه يحيي الموتى، فهذا مستحيل أم ممكن؟ نقول: ممكن ميت يموت فيقول خذوا بقرة واذبحوها واضربوه ببعضها فيحيى بإذن الله (كذلك يحي الله الموتى) ، فإحياء الميت خارق للعادة التي جعلها لله تتحكم فينا نحن وفيما عدا الله.
فجعل الله سنناً في هذه الحياة لا يستطيع أحد أن يخرج عنها، فإذا شاء الله جل وعلا أن يبطل هذه السنن، أفليس بقادر على ذلك؟ بلى.
فنقول: إبطال لتلك السنة، إيقاف لمفعولها، خرق للعادة إلى غير ذلك من العبارات وليس هذا بمستحيل، بل إن هذا دليل على قدرة الله الجليل .
وخوارق العادات كما ذكرنا ستة أقسام:
القسم الأول: الإرهاص
مأخوذ من الرهْص، وهو أساس الشيء، يقال إرهاص، أساس البيت القواعد التي يبني عليها هذه يقال في اللغة رهْص.
وهو: خارق للعادة يقع على يد من سيكون نبيا قبل نبوته.
وسميت إرهاصاً لأنها بمثابة التأسيس لما سيليه، وهو المعجزة والإخبار بنبوته، فيكون هذا بمثابة لفت ربنا لأذهان الناس وأنظارهم بأن هذا المخلوق الذي جرى على يديه إرهاصات سيكون له شأن في المستقبل القريب فترقبوا ذلك.
مثاله: شق صدر نبينا ﵊ عندما كان عند حليمة، وسيأتينا هذا ضمن الآيات التي حصلت لنبينا ﵊ عند الإسراء والمعراج في مبحث مستقل ونبين أن شق صدر النبي ﵊ وقع أربع مرات.
مرة عند حليمة عندما كان عمره سنتان وثلاثة أشهر.
ومرة عندما كان عمره عشر سنين.
ومرة عندما كان في غار حراء وجاءه جبريل في أول نزوله عليه.
والمرة الرابعة في حادث الإسراء والمعراج.
стр. 1019
وكل هذه المرات ثابتة صحيحة أتعرض لها إن شاء الله تعالى، فيشق صدره من ثغره بنحره إلى شعرته ﵊ – وهو منبت العانة – ثم يخرج قلبه ويغسل بقَسْطٍ من ذهب بماء زمزم ثم يحشى إيماناً وحكمة ثم يلتأم صدره الشريف عليه صلوات الله وسلامه.
فالشق هذا الذي حدث له وعمره سنتان وثلاثة أشهر وعمره عشر سنين هذا خارق للعادة يأتيه ملكان فيضجعانه، ولذلك أرادت حليمة أن تعيده إلى أمه وعمه عندما شق صدره وهو صغير خشيت أن يكون قد أصابه مس من قبل الجن، لأنها ظنت أن هذا من فعل جن، فصدره عندما يشق ويستخرج قلبه ويغسل هذا خارق للعادة لكنه لم يكن نبياً في ذلك الوقت فهذا بمثابة إرهاص وإعلام بأن هذا المولود له شأن في المستقبل، وقد كان له أعظم الشؤون عليه صلوات الله وسلامه، في يوم ولادته حصل إرهاص عظيم فأمه آمنه عندما تلده يخرج منها نور كما تتحدث هي عن ذلك، يضيء من هذا النور قصور بُصرى في بلاد الشام، وعندما ولد تراه قد ولد مختوناً فلم يختنه خاتن، مسروراً أي سرته مقطوعة، ثم بعد ذلك يرسل إلله في ذلك العام طيراً أبابيل على الجند الذين جاءوا لهدم بيت الله العتيق، فهذا كله إرهاص، أي حصل في هذه البلدة خبر غريب من أجله فعلنا هذه الأعاجيب، فانتبهوا!
إنه نبياً ﵊، لذا تؤرخ ولادته بعام الفيل التي وقعت إرهاصا لولادته وإرهاصاً لنبوته وإخباراً بما سيكون له من الشأن العظيم.
стр. 1020
وفي رحلته بعد ذلك إلى بلاد الشام عندما ذهب مع ميسرة - غلام خديجة – وعندما ذهب قبل ذلك مع عمه أبي طالب كان الغمام يظلله ﵊ لوجود الحر الشديد فكان أينما ذهب غمامة فوق رأسه ﵊ كأنه يحمل مظلة تظلله من حرارة الشمس، وهذا أيضاً إرهاص وهكذا بقية الأنبياء عندما جعل الله لهم خوارق للعادات قبل نبوتهم، فعيسى تسمعه يقول عند ولادته: (إني عبد الله آتاني الكتاب) ويقول: (وبراً بوالدتي) فتكلمه في المهد يعد إرهاصاً لأمر سيحصل لنبوته.
وموسى ﵊ عندما يلقى في البحر (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) نجيناه من التلف بالتلف، نجيناه من فرعون بالبحر ليقوده إلى فرعون، وفرعون لم يتلفه، فنجيناه على يدي فرعون، وهذا رب العالمين الذي إذا أراد شيئاً فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، فموسى ألقي في اليم هرباً من فرعون فنجاه الله على يدي فرعون، وصار هلاك فرعون على يد هذا المولود الذي رُبِّيَ في حجره وكان يضرب لحيته في صغره، فهذا إرهاص عظيم، فهل خافت المرأة على ولدها تلقيه في البحر، أن إذا كان في البحر تأخذه؟
القسم الثاني: المعجزة:
هي أمر خارقة للعادة يجريه الله تعالى على يد النبي، ليكون برهاناً على صدقه في أنه رسول الله وقد تقترن المعجزة بدعوى التحدي، وقد لا تقترن، فلا يشترط في المعجزة أن تكون مقترنة بدعوى التحدي.
فمعجزة القرآن الكريم مقرونة بدعوى التحدي (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) .
بقية المعجزات: كتكثير الطعام، وتسبيحه، وتسبيح الحصى، وانشقاق القمر (اقتربت الساعة وانشق القمر) حنين الجذع إلى النبي ﵊ من المتواتر فكل هذا لم يقترن بالتحدي.
стр. 1021
وهذه المعجزة لا يمكن لأحد أن يعارضها، ولذلك هي سالمة من المعارضة لأنه متى ما عارضها بطلت نبوة النبي، فلو قال النبي ﵊ علامة صدقي أن ينشق القمر ويشير بإصبعه إلى القمر فينقلب فلقتين، ويظهر بين الفلقتين جبل حراء، فلقة عن يمينه وفلقة عن شماله ويقول مشركو مكة سحركم محمد ﵊، فقال بعض العقلاء فيهم -وليس فيهم عاقل - إذا سحرنا محمد فلن يسحر أهل الأرض، فسلوا التجار الذين سيعودون من بلاد الشام فهل رأوا انشقاق القمر في بلاد الشام في هذا الوقت أم لا؟
فلما عاد التجار من بلاد الشام سألوهم، هل انشق القمر في ليلة كذا؟ قالوا: نعم، فماذا قال المشركون (سحر مستمر) ، فهذا قد سحر أهل الأرض جميعاً هكذا زعموا وحاشاه ﷺ فإذن هذه لم تقترن بدعوى التحدي وقد تقترن بدعوى التحدي لكن لا يمكن أن تعارض، فلو قال مسيلمة الكذاب أنت شققت القمر في هذه الليلة وأنا سأشقه في الليلة التي ستليها، وحقيقة لو شق لبطل صدق النبي ﵊ وظهر أنه دعيٌّ وليس نبي، ولذلك اشترطنا سلامتها من المعارضة، فلا يمكن لأحد أن يعارضها، أيد الله أنبياءه بالمعجزات.
بالمعجزات أيدوا تكرُّما ... وعصمة الباري لكلٍ حتِّما
стр. 1022
فنبي الله موسى ﵊ عندما يخرج مع بني إسرائيل حسبما أمرهم ربنا الجليل وأسرى ببني إسرائيل ليلاًً ثم تبعهم فرعون وجنوده وصار البحر أمام نبي الله موسى وفرعون وراءه، فماذا قال المؤمنون في ذلك الوقت: (إنا لمدركون) ، فانظر إلى العبد الواثق بربه حيث قال: (كلا إن معيَِ ربي سيهدين) ، (فأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) ، فهذه معجزة النبي، البحر يصبح اثني عشر طريقاً يبسا ً والماء يتجمد كأنه جدران، والطرق بينها ثم هذا الماء عندما يتجمد والطرق اثنا عشر طريقاً لأنهم كانوا اثنا عشر سبطا وفريقاً جعل الله في هذه الطرق عندما تجمد الماء في هذه الحواجز نوافذ وطرقات ليرى كل فريق الفريق الآخر عندما يسيرون حتى لا يظن كل فريق أنه هو الناجي فقط والفرق الأخرى ماتت فكل واحد ينظر إلى صاحبه كأن بينهم حاجز من الزجاج، فهذا كله خارق للعادة جرى على يد نبي فهو إذن معجزة.
القسم الثالث: الكرامة:
هي: خارق للعادة يجريه الله على يد العبد الصالح.
والعبد الصالح هو المؤمن الذي يفعل المأمورات من واجبات ومستحبات ويترك المنهيات من محرمات ومكروهات ولا ينهمك في اللذات والمباحات فهذا يقال له: صالح ولي، صدّيق، فحاله كما قال النبي ﵊: (مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها) .
فإذا جرت على يد العبد الصالح خارق من خوارق العادات فيقال لها كرامة.
مطرف بن عبد الله بن الشخير من أئمة التابعين كان إذا دخل إلى بيته تسبح معه آنية البيت وهذا ثابت، والله على كل شيء قدير.
стр. 1023
والكرامات في هذه الأمة كالمطر، وقد قال النبي ﷺ – والحديث في الصحيحين -[قد كان في الأمم قبلكم محدثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر] عمر بن الخطاب ﵁ سيد محدثي وملهمي هذه الأمة يخبر بأمور الغيب من غير أن ينزل عليه وحي، وما نظر إلى شيء وقال أراه كذا إلا كان كما يقول و"كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق" كما قال ابن عباس ﵄.
стр. 1024
الحسن البصري عليه رحمة الله، كان الحجاج يرسل شرطته ليقبضوا عليه وهو جالس على سريره في صحن داره فتدخل الشرطة وتقول أين أبو سعيد؟ أين الحسن البصري؟ وهو ينظر إليهم ويبتسم ويخرجون، فهذا خارق للعادة، إنَّ عينيك تبصر ولكن حال الله بينك وبين الرؤيا أما قال الله في كتابه: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) ، وقد ثبت في المستدرك بسند صحيح كالشمس عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن قول الله تعالى (تبت يدا أبي لهب وتب) لما نزل جاءت العوراء أم جميل - أم قبيح – زوجة أبي لهب تولول وفي يدها حجر يملأ اليد، وتقول: أين محمد؟ فقد بلغني أنه هجاني، وكان النبي ﵊ يجلس في فناء الكعبة وبجواره أبو بكر فقال: يا رسول الله أخاف عليك منها – أي لأنها سفيهة، امرأة فليست رجلاً لنقاتله وفي يدها فلو تواريت – فقال سيحول الله بيني وبينها، فقرأ قرآناً فاعتصم بالله منها فبدأ يراها ولا تراه فوقفت على رأس أبي بكر – والنبي ﵊ بجواره – فقالت: أين صاحبك يا أبا بكر؟ قال: وماذا تريدين؟ قالت: بلغني أنه قد هجاني، فقال: والله ما يقول الشعر وهو صادق (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) والهجو والهجاء إنما يكون في الشعر فقالت: قد علمت قريش أني من أعلاها نسباً، ثم ذهبت تولول وتقول: مذمماً أبينا، وأمره عصينا، ودينه قلينا أي أن هذا عندنا مذموم أبيناه فلا نتبعه، ونعصي أوامره ودينه نكرهه فليفعل ما يشاء.
стр. 1025
هذا إن وقع لنبي فهو معجزة كما هو الحال هنا، وإن وقع لعبد صالح فهو كرامة، ويذكر الإمام القرطبي عن نفسه كرامة أكرمه الله بها في بلاد الأندلس عند قول الله جل وعلا (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) في سورة الإسراء وانظروها في تفسيره عند هذه الآية يقول:"لما دخل الفرنج – النصارى - إلى بلاد الأندلس كنت في حصن منسور في ذلك المكان وكنت في الصحراء وفي العراء ولا توجد شجرة أتوارى بها ولا أكمة أختبئ وراءها - أي تل مرتفع أو منبسط - وأنا في ذلك المكان وجحافل الجيش تتقدم، يقول: فالتجأت إلى الله وقرأت القرآن فصرت أراهم ولا يرونني، وبدأت أسمع أصواتهم، يقول بعضهم لبعض: هذا الرجل الذي ظهر لنا ثم توارى عنا ما هو؟ فيقول له الآخر: لعله ديبلة يقول هذا في لغتهم لعله جني ظهر ثم اختفى، يقول أنا أسمع كلامهم وأراهم ولا يرونني"، فهذه يقولها عن نفسه والله على كل شيء قدير.
قال الإمام بن تيمية في (مجموع الفتاوى في ١١/٣٣١) : "إذا صح الإيمان علماً وعملاً واحتاج صاحبه إلى خرق العادة، سيخرق الله له العادة ولابد، لأن الله يقول: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) ويقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) "لكن هذا يحتاج إلى تصليح الإيمان علماً وعملاً، ولذلك إخوتي الكرام: من لجأ إلى مخلوق دل على انفصاله عن الخالق.
(ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ، لكن هو إذا صح إيمانه علماً وعملاً، علم نافع واعتقاد حق بالله وعمل صالح وإذا قال يا رب، لم يتخل عنه رب العالمين، لأنه قطع على نفسه مبدأً فقال (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) فلو كادته السموات والأرض لجعل الله له من بينهن فرجاً ومخرجاً والله على كل شيء قدير، وعندما يعرض العبد عن هذا يكله الله إلى نفسه وفلا يبالي في أي وادٍ هلك.
القسم الرابع: المعونة
стр. 1026
هي: خارق للعادة يجري على يد مؤمن مستور لم يظهر منه فسق ولا بدعة لكن ليس في درجة الذي قبله في الصلاح والاستقامة ولا يعرف عنه جد واجتهاد في طاعة الله فعل المأمورات من واجبات ومستحبات، وترك المنهيات من محرمات ومكروهات وعدم انهماك في اللذات فهذا ليس كذلك بل هو من عوام المسلمين، فلا تظهر عليه بدعة ولا فسق ولا يعرف بالصلاح والتقدم والاجتهاد في دين الله وما أكثر ما يجري من خوارق للعادات على يد عوام المؤمنين ليكرمهم بها رب العاملين إكراماً لهم وتثبيتاً للإيمان في قلوبهم مثلاً: تقع بعض الحوادث ممن شاهدوها يقول لن ينجو منها أحد، فيقال لك: كل من وقع عليه الحادث سلم فهذا من باب معونة الله.
إنسان يسقط من الدور السابع في مكان ضيق على بلاط فينزل وما يخدش عظمة ولا جلدة.
القسم الخامس: الاستدراج
هو: خارق للعادة يجريه الله على يد عبد مخذول، صاحب العمل المرذول (فاسق، كافر، مبتدع، ضال مضل) على وفق مراده فيجري الله علي يده خوارق للعادات ويستدرج من حيث لا يعلم مثاله: الخوارق التي ستحدث على يد الدجال وهي خوارق عظيمة يأتي إلى الخربة – كما ثبت في الصحيحين – فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كيعاسيب النحل، أي كجماعات النحل عندما تتبع رئيستها ومليكتها. ويأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت وغير ذلك من الخوارق التي ستحصل على يد عبد كافر.
وفي هذه الخوارق لهذا الصنف من الناس امتحان للبشر، هل سيغترون بهذه الظواهر ويتبعونهم أم لا؟
стр. 1027
مع ما سيأتي به من آيات فيه أيضاً آيات تدل على أنه أرذل المخلوقات، فهو مثلاً ينظر بعين واحدة، وعلى جبينه مكتوب كافر يقرأها كل شخص سواء كان أمياً أو متعلماً فنقول له: أنت أعور ولا تستطيع أن تغير عورك، فكيف تحيي وتميت ولا تستطيع أن ترد عينك سليمة لتبصر ولتجعل صورتك صورة كاملة لا تشويه فيها، ولكنه لا يقدر على هذا لأنه عندما يعطيه الله بعض الخوارق لا يعني هذا أنه يتصرف تصرفاً مطلقاً بل إنه لا يزال ضمن البشرية وهو عبد مقهور لكن الله جعله فتنة للناس، هل يخدعون بهذه الأمور أم يتبعون الحق الثابت المزبور؟ فإذن فيه علامة تبين ضلاله، كما نقول له هذه الكتابة على جبينك امسحها كما أنك بعد ذلك لا يسخر لك من المركوبات إلا الحمار فلا تستطيع ركوب الخيل أو الفرس.
فكل هذا من باب إذلال الله له لذا هو كما قال النبي ﵊ [هو رجس على رجس]
القسم السادس: الإهانة
هي: خارق للعادة يجريه لله على يد العبد المخذول (الفاسق، المبتدع، الضال، الكافر) لكن بنقيض قصده ومراده والأقسام الخمسة الأولى كلها وفق مراد من أجراها الله على يديه.
مثالها: ما جرى لمسيلمة – وقد ذكرناها لكم – أنه بصق في عين إنسان فعمي، فهذا خارق للعادة لأن البصق عادة لا يتسبب في عمى الإنسان، لكنه بصق في عين شخص ليبرأ فصار أعمى فأراد أن يبرأه فأعماه فحصل له نقيض قصده.
إخوتي الكرام.... وهذه الأقسام الستة من الخوارق تقع في واحد من ثلاثة أمور هي أمور الكمال بأسرها:
١- إما في العلم
٢- وإما في القدرة
٣- وإما في الغنى
فالعلم: بأن يعلم ما يجهله غيره ويعلمه الله جل وعلا من غير سبب يتعلم منه العباد، فهذا خارق للعادة في أمور العلم.
لأن أمور الكمال بأسرها علم وقدرة وغنىً فقط، وكل كمال مرده إلى واحدة من هذه الأمور الثلاثة فالله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وغني عن العالمين.
стр. 1028
ولا يوجد أحد من خلق الله له صفة الكمال في هذه الأمور الثلاثة أو في واحد منها، لأن هذه الأمور مختصة بالرب ولذا أمر الله نبيه بأن ينفيها عن نفسه فقال جل وعلا كما في سورة الأنعام (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)
(لا أقول لكم عندي خزائن الله) ... فنفى الغني
(ولا أعلم الغيب) ... ... ... فنفى العلم
(ولا أقول إني ملك) أقدر على مالا تقدرون عليه فنفى القدرة، فأنا مثلكم إنما أنا بشر لا أستغني عما تحتاجون إليه ولا أعلم إلا ما علمني ربي.
وهكذا أمر الله أول الرسل بعد آدم - على نبينا وعلى جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه – وهو نوح أن يقول: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك) فأول الرسل إلى البشرية نفى هذه الأمور عن نفسه وكذا آخرهم عليهم جميعا صلوات الله وسلامه فمثلا: القرآن معجزة للرسول ﷺ وخارق في أمور العلم (وعلمك ما لم تكن تعلم) فوقوع هذا الخارق معجزة، ولو وقع خارق من أمور العلم لغير النبي لقيل له كرامة معونة: إلخ ...
فعمر بن الخطاب ﵁ عندما كان يخطب على المنبر أيام خلافته والجيوش الإسلامية في بلاد فارس تقاتل في سبيل الله وكان قد أمر عليه رجلاً يدعى سارية، وهو في أصل الجبل والعدو من الجهة الأخرى للجبل يتسلقونه ليصيروا فوق المسلمين ويرشقونهم بنبال كالمطر فكشف الله لعمر هذه الموقعة هو في المدينة والموقعة في نهاوند في بلاد الفرس وصاح يا سارية الجبل فسمع سارية صوت عمر ورقي الجبل وإذا بجنود الفرس يتسلقون الجبال فصال المسلمون فوقهم وكتب الله النصر لهم فهذا تعليم لعمر، ثم هناك كرامة أخرى وهي أن صوته يصل إلى سارية وذاك ينفذ ذاك الأمر ويكتب الله لهم النصر.
стр. 1029
والقصة صحيحة وقد ألف الحافظ الحلبي جزءاً في طرقها وحكم عليها بالصحة، والإمام السخاوي في المقاصد الحسنة حكى عن شيخه الحافظ ابن حجر عليهم رحمة الله أن إسنادها في درجة الحسن وطرقها كثيرة وفيرة.
والشيخ محمد حامد الفقي عليه رحمة الله ومغفرته وهو الذي علق على كتاب مدارج السالكين ذكر كلاما ً منكراً حول هذه القصة في تعليقه على المدارج، فانتبهوا له واحذروه إلى مر معكم، يقول: إن عمر لا يعلم الغيب، ويقول له: يا عبد الله: لا يعلم الغيب إلا الله لكن إذا علَّم الله عمر هذا فأي حرج في هذا، أفلسنا نؤمن بالكرامات؟ أما قال الله عن مريم بأنها صديقة ولا يوجد في النساء نبية كما قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) ، فالنبوة من جنس الذكورة فقط، كما أنه لا يصلح أن يكون في النساء إمامة – الإمامة – بحيث تكون أميرة وخليفة، فلا يجوز أن يكون في النساء نبية إذ كيف تبلغ دعوة الله وتتصل بالناس وهي مأمورة بالستر وأن تقر في بيتها؟ وهذا ليس من باب الامتهان لها إنه ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فهذه الرتبة لا تتناسب مع طبيعتها فهي في مكان آخر وهذا واضح ولها أجر بعد ذلك عند الله إن كانت تقوم بما أوجب الله عليها فيما يتعلق بطبيعتها وفيما يتعلق بما هو عائد إليها فإذن لا تكون إمامة [لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة] ولا تكون نبية، فمريم صديقة بنص القرآن (وأمه صديقة) ، أفلم تثبت لها الكرامات؟ (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال: يا مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) وانتبه: لم شك زكريا واستغرب وجود الرزق عندها؟ فهو يقول: يا مريم عندك رزق لا يمكن أن نقول إن أحداً من الخلق أحضره إليك لا عن طريق المعونة والمساعدة والإحسان ولا عن طريق الهبة، بل إن الرزق الذي يأتيك لا وجود له في هذه البلاد، ولو كان له وجود لقلنا جارتك ساعدتك، أو أحد
стр. 1030
أحسن إليك.
فما عاد هناك مجال أن يقال أنت تتصلين اتصالاً محرماً ببعض الناس، فإنه يأتيك شيء لا نظير له، فهذا مما يدهش العقول فمن أين جاءك؟
قالت (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ولو كان لما يأتيها نظير ومثيل لأمكن أن يقال هو إما مساعدة وإما وحاشاها – خيانة – ولكن لا هذا ولا هذا فهو شيء لا يمكن أن يحصل من قبل بشر.
فإذا كانت كرامات الأولياء ثابتة فانظر ماذا يعلق الشيخ محمد حامد الفقي على هذه القصة: "عمر لا يعلم الغيب وهذه القصة وإن كانت ثابتة فمعناها وتأويلها أن عمر بن الخطاب ﵁ عندما كان يخطب على المنبر أخذته سنة فنام فكشف الله له في الرؤيا عن حال الموقعة ثم صاح بأعلى صوته" لكن نقول: لو سلمنا لك بهذا فكيف سمع سارية صوت عمر إن كان علمه عن طريق الرؤيا، ولكن لا نعلم بما ذكرت، فهل يعقل أن ينام عمر على المنبر؟ فلو حصل ونام عمر على المنبر
فإذا أحدث الخطباء في هذه الأيام على المنبر لكان قليلاً!
فيا إخوتي لا نشتط في التأويل بحيث نصل إلى درجة الإنكار فهو لا يريد أن يقول باطلة لأن هذا ثابت، فيقول هذا معنى هذا، فتنبهوا! إذن فهذا من خارق العادة في العلم.
стр. 1031
الثاني خارق العادة في القدرة فيقدر على ما يعجز عنه غيره ومنه قصة عرش بلقيس قال الله تعالى عنه (ولها عرش عظيم) والعرش سرير الملك مرصع بالجواهر واليواقيت وحجمه كبير، قال نبي الله سليمان كما حكى الله عنه (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) ، وكان سليمان ﵊ من الصباح حتى الظهر يقضي بين رعيته ويعلمهم، فقبل انفضاض المجلس سيكون العرش عندك (قال الذي عنده علم الكتاب) هو رجل صالح اسمه آصف، (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) أي إذا نظرت إلى شيء فقبل أن تغمض عينيك عنه يكون العرش عندك أي في ثوان ٍ ليظهر الله كرامة هذا العبد الصالح على قوة وجهد الجن مع ما معهم من قوة إمكانات، فهذا له مكانة عند الله أعلى وسيأتي بهذا العرش من اليمن إلى بيت المقدس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه (فلما رآه مستقراً قال هذا من فضل ربي لبلوني أأشكر أم أكفر) .
إخوتي الكرام.... ما سبق هذا هو المعنى الحق أما من قال: (قال الذي عنده علم الكتاب) هو جبريل أو (قال الذي عنده علم الكتاب) هو نبي الله سليمان فهذا باطل.
وهذه كما قال الإمام الذهبي في كتاب العلو للعلي الغفار ص ٥٧ "سبحان الله ما أعظم هذه الكرامة ولا ينكر كرامات الأولياء إلا جاهل"
الثالث: خارق للعادة في مجال الغنى، فيستغني عما يحتاج إليه الناس
ثبت في ترجمة العبد الصالح إبراهيم التيمي أنه كان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب، والإنسان إذا امتنع عن الشراب ثلاثة أيام يموت، إذا امتنع عن الطعام سبعة أيام – على أكبر تقدير – يموت.
فهذا العبد الصالح عنده غنىً عن الطعام والشراب، والله على كل شيء قدير، فإذا جعل الملائكة لا يأكلون ولا يشربون فما الذي يمنعه من أن يجعل العبد بهذه الصفة ويكرمه بذلك؟
стр. 1032
ومكث مرة أربعين يوماً، فأعطاه بعض أهله حبة عنب فأكلها، فمكث أربعين يوما ولما أكل لم يأكل إلا حبة العنب فقط فهذا غنىً عما يحتاج إليه الناس.
ذكر الإمام بن كثير عند قوله تعالى (قال إنما أوتيته على علم عندي) حكايته عن قارون يقول: قال بعض الناس: (على علم عندي) أي بصنعة الكيمياء؟ أي أنه يقلب الخشب والحجر والنحاس إلى ذهب، وقال هذا هوس فالمعادن وحقائق الأشياء لا يمكن أن تقلب، فالخشب خشب والحجر حجر والحديد حديد، ولا يمكن أن نقلبه ذهباً أو فضة، يقول وأما قلب حقائق الأشياء إلى ذهب وفضة عن طريق خرق العادة من باب الكرامة فهذا جائز لأنه ليس بمشيئة الناس بل بمشيئة الله، كما جرى لحَيْوَة بن شُرَيْح وكان قد جاءه سائل فسأله – والقصة ثابتة صحيحة ثابتة في تهذيب التهذيب وتذكرة الحفاظ في ترجمة حَيْوَة بن شُرَيْح من شيوخ ورجال الكتب الستة فعلم حيوة صدقه واحتياجه، فأخذ مَدَرَة من الأرض – قطعة طين متجمدة – فأجالها في يده فوضعها في يد السائل فقلبها الله ذهباً خالصاً والله على كل شيء قدير، فهذا ليس بمشيئة المخلوقات إنما هو بمشيئة رب الأرض والسموات.
الشاهد: حادثة الإسراء والمعراج خارقة للعادة ترجع إلى العلم أو القدرة أو الغنى؟ ترجع إلى القدرة، أقدره الله على ما يعجز عنه البشر إلا من أكرمه الله بذلك، فيسري به إلى البيت المقدس ويعرج به إلى السموات السابعة فيعاد إلى بيت المقدس، ويعاد إلى مكة في جزء من الليل ولازال فراشه دافئاً.
وهذه الأمور الستة قد جمعها بعض أئمتنا في ستة أبيات من الشعر لطيفة وهي:
١- إذا رأيْتَ الأمرَ يخْرِقُ عادةً ... فمعجزةٌ إنْ مْن نبيٍّ لنا ظَهَرْ
٢- وإن بان من قبل وصف نبوة ... فالإرهاصَ سِمْة ُ تتبع القومَ في الأثرْ
٣- وإن جاء يوماً من ولي فإنه ... الكرامة في التحقيق عند ذوي النظرْ
٤- وإن كان من بعض العوام صدوره ... فكنوه حقا بالمعونة واشتهرْ
стр. 1033
٥- ومن فاسق إن كان وفق مراده ... يسمي بالاستدراج فيما قد استقرْ
٦- وإلا فالإهانة عندهم وقد ... تمت الأقسام عند من اختبرْ
ومن شاء الرجوع إليه فلينظر في كتاب: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية في شرح الدرة المضيئة في العقيدة الأثرية للإمام السفاريني (٢/٣٩٢) ، والدرة المضيئة له وشرحها في مجلدين وهو من الكتب النافعة في علم التوحيد على هدي السلف، وقد تعرض فيه لمبحث خوارق العادات وذكر الستة.
بعض علماء التوحيد أضاف أمراً سابعاً لكنه لا يعتبر من خوارق العادات وهو: السحر، وهذه إضافة باطلة، فإنه لا يعتبر من خوارق العادات لأنه يتوصل إليه بالأسباب العادية فهناك أنواع من أنواع الكفريات من سلكها وصل إلى السحر فهو علم وتعلم مثل الموسيقى هذا حرام وذاك حرام، ولذلك من السبع الموبقات كما قال النبي ﵊ السحر، وما شاع بين الناس من حديث مكذوب وهو: [تعلموا السحر ولا تعملوا به] فهذا لا يصح نسبته إلى النبي ﵊ وهو خرافة، لأن تعلم السحر لا يحصل إلا بالكفر واستعانة بالقوى الخبيثة الشريرة من الشياطين والعفاريت، لكن هو علم عن طريق أسباب من تعلمها وصل إليه مثل الغناء والرقص والموسيقى وقلة الحياء.
لكنه لا يحصل إلا بمشيئة الله قال تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ، وهذا كما لو أطلقت رصاصة على إنسان فأنت الذي باشرت القتل لكنه لم يمت إلا بمشيئة الله وتقديره وإرادته ولكنك تعاقب على مباشرتك للقتل، ولو صبر القاتل على مقتوله لحظة لمات دون أن يقتله فالمقتول مات بأجله ولم يقدم القاتل أجله عن موعده بل ساعة قتله هي أجله، فلم يقدم أجله ولا طرفة عين لكن القاتل مسئول عن فعله.
стр. 1034
وهناك عندما يمارس السحر ويفرق بين المرء وزوجه ويؤذي الإنسان ويكسب جسمه وهناً وضعفاً فهو بإذن الله، وقد سحر نبينا ﵊ لكن لم يؤثر على عقله غاية ما كان إنه يصاب في بدنه بوهن وضعف واستمر به السحر أشهر عليه صلوات الله عليه وسلامه وزاد مفعوله فيه مدة أربعين يوماً وكان يشعر بتعب ثم أنزل الله عليه المعوذتين فقرأهما فقام وكأنما نشط من المقال عليه صلوات الله وسلامه والحديث في الصحيحين.
فالسحر إذن بواسطة تعلم أشياء معلومة، وهو كما لو تعلمت فن القتال فضربت إنساناً فآذيته لكن بشيء معلوم، والساحر يؤذي بشيء معلوم، لكن ذلك بشيء ظاهر وهذا بشيء معلوم خفي، فالإيذاء بالسحر لا يكون إلا عن طريق مدارسة ولا يوصل إليه إلا بأسباب معلومة يتلقاها الناس بخلاف خوارق العادات فهذه لا دخل فيها لكسب ظاهر، إنما هي محض تقدير الله جل وعلا ومشيئته وبالتالي ليس السحر من خوارق العادات.
كنا فيما سبق قد أشرنا إلى قصة الشيخ الصالح الحلبي إشارة وسنذكرها هنا:
لقيه ذات مرة قسيس ملعون فقال له: أنتم تزعمون أنكم أفضل منا، وموجود عندكم أ، جميع الناس سيرد النار ويدخلها (وإن منكم إلا واردها) فعلام أنتم أفضل منا إذن؟
وكان الشيخ يملك الجواب على هذا وهو أن يقول له هذه النار تحرقكم ولا تحرقنا فتكون برد وسلاما علينا وتكون حميما وعذابا عليكم، ولكن الشيخ علم أن هذا القسيس لن يقتنع بهذا الجواب ولن يستوعبه.
стр. 1035
وكان القسيس يلبس جبة فقال له الشيخ أعطني جبتك فأعطاه إياها فخلع الشيخ جبته وصرّهما ببعض فجعل الشيخ جبة القسيس من الداخل وجبته هم من الخارج ثم ذهبا إلى فرن وقال للخباز ضعهما في الفرن، فوضعهما وبعد ربع ساعة قال له أخرجهما فأخرجهما الخباز؟؟؟ فلما رأي القسيس ذلك قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وعلم كيف أن النار تحرق الكافر ولا تحرق المؤمن وقد ورد سؤال هنا يقول: هل يعرف الإنسان من نفسه أنه سيقع له خارق للعادة، كيف عرف الشيخ الميمون أن جبته لن تحترق، وأن جبة القسيس ستحترق؟
وهذا سؤال يتعلق بهذه القصة وبكل قصة أو حادثة فيها خارق للعادة مما ذكر.
فنقول: خوارق العادات عندما تقع لها حالتان:
الحالة الأولى: أن يُعْلِمَ الله الإنسان بذلك بنزول ملك أو بإلهام، فيلهمه الله ذلك ويضطر إلى فعله فلا اختيار له في ذلك. وعلى الحالتين (أنزل الملك، أو الإلهام) فهذا من نوع الوحي،ولا يشترط أن يكون الإنسان نبيا لينزل عليه ملك.
فمريم – كما قلنا كانت صديقة، لأنه ليس في النساء نبية بالإجماع، ومع ذلك كانت تنزل عليها الملائكة (وإذ قالت الملائكة يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) ونزل عليها جبريل وقال لها جئتك لأهب لك غلاماً زكياً. ثم قال لها بعد ذلك (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا) ثم أمرها بعد ذلك أن تلزم الصمت. وأخبرها بأن ولدها سيدافع عنها، فهذا كله حصل بواسطة ملك.
وقد يقع كما قلنا عن طريق الإلهام فيقع في قلبك أمر يضطرك إلى فعل أمرٍ، ولا اختيار لك فيه.
الحالة الثانية:
стр. 1036
كنت ذكرت لكم هذا سابقا – نقلا عن الإمام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى ١١/٣٣١ "إذا صح الإيمان علماً وعملاً واحتاج صاحبه إلى خرق العادة خرق الله له العادة ولابد" أي أن الإنسان يعمل بالأسباب والباقي على الله، فعليه هو أن يسلك المسلك الشرعي الصحيح فإذا احتاج إلى كرامة خرق الله له العادة ولابد، لأن الله يقول (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) فهذا شرط، وجوابه، فإذا اتقيت الله فلن يتخلى الله عنك.
العلاء بن الحضرمي: والقصة ثابتة صحيحة في ترجمته في حلية الأولياء لأبي نعيم وصفة الصفوة لابن الخوري والفرقان بين؟ الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – حاصلها: أنه لما كان يغزو في بلاد الفرس، واعترضهم البحر كما اعترض نبي الله موسى ﵊ البحر، فوصلوا إليه والعدو وراءهم وليس عندهم سفن يقطعون بها البحر، فقال لهم العلاء قولوا: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، ثم جوزوا واتبعوني فبدأ يقولها وهم يقولونها وراءه، وسار وساروا خلفه فدخلوا البحر ومازالوا يقولونها فما ابتلت حوافر خيولهم، ثم قال لهم: من فقد شيء في هذا البحر فعلي؟ فقال له بعض الناس: سقط عني كذا وكذا، فدعا ربه على شاطئ البحر فقذف البحر له المتاع الذي سقط من ذلك الشخص.
فإذن هذه كرامة تقع للعبد الصالح، فذا احتاجها تقع له ولابد، فإذا أكرم الله نبيه موسى بانشقاق البحر معجزة، فيكرم الله الصالحين بانشقاق البحر كرامة.
стр. 1037
ويخبرنا نبينا عن كرامة وقعت لعبد صالح، والحديث في السنة ومعجم الطبراني بسند صحيح، وذكر؟؟؟؟؟ ذلك للناس، فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : دخل رجل؟؟ في الزمن الماضي – على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما خرج قالت لنفسها لو قمت إلى التنور فتجرته (أي أحميته لأن زوجها سيعود عما قريب ومعه رزق، فستعجن وتخبز) قمت إلى الرحى (الطاحونة) فهيأتها، ولو قمت إلى الجفنة (التي يوضع فيها الطعام) فأعددت أي أجهز نفسي بهذه الأمور إذا دخل زوجي بعد خروجه ولا نتأخر في إعداد الطعام، فتأخر الزوج ثم قالت: لأتفقد التنور الذي سجرته، ماذا حصل له؟ فجاءت إليه فإذا فيه جنوب شاة مشوية (جمع جنب أي لحم جنب الشاة وهو أطيب أنواع اللحوم) ، ثم ذهبت إلى الرحى فنظرت إليها فإذا هي تدور وتطحن البر، ونظرت إلي قصعتها فإذا هي ممتلأة طعاما، قالت: فأوقفت الرحى، قال نبينا ﵊ لو تركتها لبقيت تدور إلى يوم القيامة، أي تدور وتطحن، والله على كل شيء قدير.
فهذا البعد لم يعلم أن الله سيرزقه هذا الرزق، ولكنه بذل ما عليه، وأخذ بالأسباب المؤدية إلى مثل هذه الخوارق، فرزقه الله هذا الرزق (وما من دابة إلا على الله رزقها) ، فخلقنا الله لنعبد وتكفل برزقنا.
فنقول: هذا الرجل جاء ولم يجد رزقا، فلم يقصر أيضا في العمل بالأسباب وطلب الرزق والبحث عنه والله يقول (فامشوا في مناكبها) ، فإذا مشيت وبذلت ما في وسعك ولم تحصل رزقا فهل ستموت جوعا؟
والله الذي لا إله إلا هو، الذي كان يرزق مريم وهي في محرابها سيرزقك ولا شك في ذلك (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) .
لكن هذا كله يحتاج إلى تحقيق الإيمان قولاً وعملاً.
стр. 1038
كان دجاجلة البطائحية من الصوفية المخرفين الذين ينتسبون إلى الرفاعية، فيعهد الإمام ابن تيمية يدخلون النار، فيشعذون حيث كانوا يدخلون بحبل فيدهنون أبدانهم بزيت يسمى اللوزرينج – كما يذكر شيخ الإسلام – وهذه مادة عازلة، فإذا دهن بها الجسم وتعرض للنار فلا يتأثر.
فقال لهم الإمام ابن تيمية، إن ما يحصل لكم ليس بخارق للعادة، بل هذا شعوذة لذلك سأدخل الحمام وتدخلون الحمام ونغتسل بالماء الحار ثم لتوقد أعظم نار وأدخلها أنا وأنتم والكاذب منا يحرقه الله!!
ووالله الذي لا إله إلا هو لو فعلها لأحرقهم الله ونجاه، كرامة له.
إن قيل: هل نزل عليه ملك؟
نقول: لا يشترط ذلك، فإنه قد صح الإيمان علماً وعملاً، اعتقاداً وفعلاً واحتاج لخرق العادة ليثبت كذبهم، فإنهم سيقولون له – أي لابد تيمية – نحن نفعل هذه الشعوذات تزعم – ونحن على حق وأنت على باطل وضلال، فيقول لهم: بل أنتم على باطل، فيقولون فكيف إذن تحدث لنا هذه الخوارق؟ فيقول: هذه ليست بخوارق، وسأثبت لكم ذلك فلنغتسل في الحمام ثم لندخل أنفسنا في النار والكاذب منا يحرقه الله، فهنا سيخرق الله له العادة ويثبت كذبهم وباطلهم حتى لا يلتبس الحق والباطل على العوام من الناس.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لن يخلف وعده (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) وإذا كنا مؤمنين فلن يكون عندنا شك في هذا الإيمان العظيم، وأما بعد ذلك، فإذا فرطنا وأتينا من قبل أنفسنا – كما هو الحال فنا توكلنا على أعدائنا وعلى الذين غضب الله عليهم العزيز القهار – فكيف ننتظر خرق العادات وكيف ننتظر الإجابة إذا دعو نسينا الله فنسينا (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ، وليس المقصود بنسي الله لنا غفلته عنا بل إهماله لنا فإن الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
стр. 1039
قال الله لداوود ﵊: قل للظالم لم لا يذكرني فإنه إذا ذكرني سأذكره، لأنه يقول (فاذكروني أذكركم) وذكري إياه أن ألعنه.
أي فهو إذا ذكرني ذكرته ولابد ولكن شتان شتان بين من يذكره الله بالرحمة والثناء عليه في الملأ الأعلى وبين من يذكره باللعنة.
فكل ذاكر سيذكره الله، فإن كان تقيا فيذكر بالرضا والقبول،وإن كان شقيا فيذكر بالطرد والإبعاد.
الحاصل أن الإنسان قد يعلم أنه ستخرق له العادة، يعلم ذلك إما بنزول ملك يراه هو ولا نراه نحن أو بإلهام يقع في قلبه يضطره إلى فعل هذا دون اختيار وقد لا يعلم، لكن بحسب الظاهر يقول أنا بذلت ما علي وأخذت بهذا الأمر؟؟ الإيمان وتصحيحه قولاً وعملاً، والباقي على الله فهو الذي تكفل بالنتيجة كما أ، الإنسان يتزوج من أجل أن ينجب ذرية، فهذا بذل ما عليه وقد يرزق بذرية وقد لا يرزق.
عليك بذر الحب لا قَطْف الجني ... والله للساعين خير ضمين
وهو الذي (لا يضيع أجر من أحسن عملا)
فأنت هنا عليك أن تسير على المسلك الشرعي فإذا لزمك خارق للعادة، سيخرق الله هذا ولابد، وهو على كل شيء قدير.
كنا فيما سبق قد أشرنا إلى قصة الشيخ الصالح الحلبي إشارة وسنذكرها هنا:
لقيه ذات مرة قسيس ملعون فقال له: أنتم تزعمون أنكم أفضل منا، وموجود عندكم أن جميع الناس سيرد النار ويدخلها (وإن منكم إلا واردها) فعلام أنتم أفضل منا إذن؟
وكان الشيخ يملك الجواب على هذا وهو أن يقول له هذه النار تحرقكم ولا تحرقنا فتكون برداً وسلاماً علينا وتكون حميماً وعذاباً عليكم، ولكن الشيخ علم أن هذا القسيس لن يقتنع بهذا الجواب ولن يستوعبه.
стр. 1040
وكان القسيس يلبس جبة فقال له الشيخ أعطني جبتك فأعطاه إياها فخلع الشيخ جبته وصرّهما ببعض فجعل الشيخ جبة القسيس من الداخل وجبته هو من الخارج ثم ذهبا إلى فرن وقال للخباز ضعهما في الفرن، فوضعهما وبعد ربع ساعة قال له أخرجهما فأخرجهما الخباز فلما رأى القسيس ذلك قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وعلم كيف أن النار تحرق الكافر ولا تحرق المؤمن وقد ورد سؤال هنا يقول: هل يعرف الإنسان من نفسه أنه سيقع له خارق للعادة كيف عرف الشيخ الميمون أن جبته لن تحترق وأن جبة القسيس ستحترق؟
وهذا سؤال يتعلق بهذه القصة وبكل قصة أو حادثة فيها خارق للعادة مما ذكر.
فنقول: خوارق العادات عندما تقع لها حالتان:
الحالة الأولى: أن يُعْلِمَ الله الإنسان بذلك بنزول ملك أو بإلهام، فيلهمه الله ذلك ويضطر إلى فعله فلا اختيار له في ذلك. وعلى الحالتين (أنزل الملك، أو الإلهام) فهذا من نوع الوحي، ولا يشترط أن يكون الإنسان نبياً لينزل عليه ملك.
فمريم كما قلنا كانت صديقة، لأنه ليس في النساء نبية بالإجماع، ومع ذلك كانت تنزل عليها الملائكة (وإذ قالت الملائكة يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) ونزل عليها جبريل وقال لها جئتك لأهب لك غلاماً زكياً. ثم قال لها بعد ذلك (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) ثم أمرها بعد ذلك أن تلزم الصمت. وأخبرها بأن ولدها سيدافع عنها، فهذا كله حصل بواسطة ملك.
وقد يقع كما قلنا عن طريق الإلهام فيقع في قلبك أمر يضطرك إلى فعل أمرٍ، ولا اختيار لك فيه.
الحالة الثانية:
стр. 1041
كنت ذكرت لكم هذا سابقاً نقلا ً عن الإمام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى ١١/٣٣١ "إذا صح الإيمان علماً وعملاً واحتاج صاحبه إلى خرق العادة خرق الله له العادة ولابد" أي أن الإنسان يعمل بالأسباب والباقي على الله، فعليه هو أن يسلك المسلك الشرعي الصحيح فإذا احتاج إلى كرامة خرق الله له العادة ولابد، لأن الله يقول (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) فهذا شرط، وجوابه، فإذا اتقيت الله فلن يتخلى الله عنك.
العلاء بن الحضرمي: والقصة ثابتة صحيحة في ترجمته في حلية الأولياء لأبي نُعيم وصفة الصفوة لابن الجوزي والفرقان بين الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – حاصلها: أنه لما كان يغزو في بلاد الفرس، واعترضهم البحر كما اعترض نبي الله موسى ﵊ البحر، فوصلوا إليه والعدو وراءهم وليس عندهم سفن يقطعون بها البحر، فقال لهم العلاء قولوا: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، ثم جوزوا واتبعوني فبدأ يقولها وهم يقولونها وراءه، وسار وساروا خلفه فدخلوا البحر ومازالوا يقولونها فما ابتلت حوافر خيولهم، ثم قال لهم: من فقد شيء في هذا البحر فعلي؟ فقال له بعض الناس: سقط عني كذا وكذا، فدعا ربه على شاطئ البحر فقذف البحر له المتاع الذي سقط من ذلك الشخص.
فإذن هذه كرامة تقع للعبد الصالح، فإذا احتاجها تقع له ولابد، فإذا أكرم الله نبيه موسى بانشقاق البحر معجزة، فيكرم الله الصالحين بانشقاق البحر كرامة.
стр. 1042
ويخبرنا نبينا عن كرامة وقعت لعبد صالح، والحديث في السنة ومعجم الطبراني بسند صحيح، وذكر ذلك للناس، فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : دخل رجل - في الزمن الماضي – على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما خرج قالت لنفسها لو قمت إلى التنور فسجَّرتُه (أي أحميته لأن زوجها سيعود عما قريب ومعه رزق، فستعجن وتخبز) قمت إلى الرحى (الطاحونة) فهيأتها، ولو قمت إلى الجفنة (التي يوضع فيها الطعام) فأعدت (أي أجهز نفسي بهذه الأمور) حتى إذا دخل زوجي بعد خروجه ولا نتأخر في إعداد الطعام، فتأخر الزوج ثم قالت: لأتفقد التنور الذي سجرته، ماذا حصل له؟ فجاءت إليه فإذا فيه جنوب شياه مشوية (جمع جنب أي لحم جنب الشاة وهو أطيب أنواع اللحوم) ، ثم ذهبت إلى الرحى فنظرت إليها فإذا هي تدور وتطحن البُرَّ، ونظرت إلي قصعتها فإذا هي ممتلأة طعاماً، قالت: فأوقفت الرحى، قال نبينا ﵊ لو تركتها لبقيت تدور إلى يوم القيامة، أي تدور وتطحن، والله على كل شيء قدير.
فهذا العبد لم يعلم أن الله سيرزقه هذا الرزق، ولكنه بذل ما عليه، وأخذ بالأسباب المؤدية إلى مثل هذه الخوارق، فرزقه الله هذا الرزق (وما من دابة إلا على الله رزقها) ، فخلقنا الله لنعبده وتكفل برزقنا.
فنقول: هذا الرجل جاء ولم يجد رزقاً، فلم يقصر أيضاً في العمل بالأسباب وطلب الرزق والبحث عنه والله يقول (فامشوا في مناكبها) ، فإذا مشيت وبذلت ما في وسعك ولم تحصل رزقاً فهل ستموت جوعاً؟
والله الذي لا إله إلا هو، الذي كان يرزق مريم وهي في محرابها سيرزقك ولا شك في ذلك (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) .
لكن هذا كله يحتاج إلى تحقيق الإيمان قولاً وعملاً.
стр. 1043
كان دجاجلة البطائحية من الصوفية المخرفين الذين ينتسبون إلى الرفاعية، في عهد الإمام ابن تيمية يدخلون النار، فيشعوذون حيث كانوا يدخلون بحيل فيدهنون أبدانهم بزيت يسمى اللوزرينج – كما يذكر شيخ الإسلام – وهذه مادة عازلة، فإذا دهن بها الجسم وتعرض للنار فلا يتأثر.
فقال لهم الإمام ابن تيمية، إن ما يحصل لكم ليس بخارق للعادة، بل هذا شعوذة لذلك سأدخل الحمام وتدخلون الحمام ونغتسل بالماء الحار ثم لتوقد أعظم نار وأدخلها أنا وأنتم والكاذب منا يحرقه الله.
ووالله الذي لا إله إلا هو لو فعلها لأحرقهم الله ونجاه، كرامة له.
إن قيل: هل نزل عليه ملك؟
نقول: لا يشترط ذلك، فإنه قد صح الإيمان علماً وعملاً، اعتقاداً وفعلاً واحتاج لخرق العادة ليثبت كذبهم، فإنهم سيقولون له – أي لابن تيمية – نحن نفعل هذه الشعوذات – كما تزعم - ونحن على حق وأنت على باطل وضلال، فيقول لهم: بل أنتم على باطل، فيقولون فكيف إذن تحدث لنا هذه الخوارق؟ فيقول: هذه ليست بخوارق، وسأثبت لكم ذلك فلنغتسل في الحمام ثم لندخل أنفسنا في النار والكاذب منا يحرقه الله، فهنا سيخرق الله له العادة ويثبت كذبهم وباطلهم حتى لا يلتبس الحق والباطل على العوام من الناس.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لن يخلف وعده (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) وإذا كنا مؤمنين فلن يكون عندنا شك في هذا الإيمان العظيم، وأما بعد ذلك، فإذا فرطنا وأتينا من قبل أنفسنا – كما هو الحال فينا توكلنا على أعدائنا وعلى الذين غضب عليهم العزيز القهار – فكيف ننتظر خرق العادات وكيف ننتظر الإجابة إذا دعونا نسينا الله فنسينا (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ، وليس المقصود بنسي الله لنا غفلته عنا بل إهماله لنا فإن الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
стр. 1044
قال الله لداوود ﵊: قل للظالم لم لا يذكرني فإنه إذا ذكرني سأذكره، لأنه يقول (فاذكروني أذكركم) وذكري إياه أن ألعنه.
أي فهو إذا ذكرني ذكرته ولابد ولكن شتان شتان بين من يذكره الله بالرحمة والثناء عليه في الملأ الأعلى وبين من يذكره باللعنة.
فكل ذاكر سيذكره الله، فإن كان تقياً فيذكر بالرضا والقبول، وإن كان شقياً فيذكر بالطرد والإبعاد.
الحاصل أن الإنسان قد يعلم أنه ستخرق له العادة، يعلم ذلك إما بنزول ملك يراه هو ولا نراه نحن أو بإلهام يقع في قلبه يضطره إلى فعل هذا دون اختيار وقد لا يعلم، لكن بحسب الظاهر يقول أنا بذلت ما علي وأخذت بهذا الأمر؟؟ الإيمان وتصحيحه قولاً وعملاً، والباقي على الله فهو الذي تكفل بالنتيجة كما أن الإنسان يتزوج من أجل أن ينجب ذرية، فهذا بذل ما عليه وقد يرزق بذرية وقد لا يرزق.
عليك بذر الحب لا قَطْف الجني ... والله للساعين خير ضمين
وهو الذي (لا يضيع أجر من أحسن عملا)
فأنت هنا عليك أن تسير على المسلك الشرعي فإذا لزمك خارق للعادة، سيخرق الله هذا ولابد، وهو على كل شيء قدير.
المبحث الثالث
أكم مرة وقع فيها الإسراء والمعراج:
الإسراء والمعراج لهما حالتان:
الحالة الأولي: حالة وقوعهما في اليقظة، فلم يقعا إلا مرة واحدة قبل الهجرة، وسيأتي تحديد وقت حصولهما.
وقد حكى الإمام بن حجر في فتح الباري (٧/٢٠٣) في هذه المسألة عشرة أقوال في تكرر الإسراء والمعراج – والمعتمد فيها – أن إسراء ومعراج اليقظة بنبينا ﵊ كان مرة واحدة.
стр. 1045
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: "والعجب ممن يدعي ويزعم تعدد الإسراء والمعراج في اليقظة فكيف سيحمل التعدد على فرضية الصلاة " فقد فرضت الصلاة ليلة المعراج وكانت خمسين فخفضت إلى خمس عندما كان يتلقى هذا من الله وينزل على نبي الله موسى ﵇ – وسيأتينا هذا في الآيات التي رآها في السماء وما حصل له من عجائب – فإذا قلنا إن حادث الإسراء والمعراج قد تكرر إذن نعيد المسألة في كل حادث كانت خمسين وترجع إلى خمس وترجع إلى خمس فهذا لا يمكن أن يقع ويحصل، فإسراء ومعراج اليقظة هذا وقع مرة واحدة.
الحالة الثانية: حالة وقوعهما في المنام بروح نبينا ﵊ فلا مانع من تكرارها، أي أن يسرى بروحه فتذهب روحه إلى بيت المقدس وهو نائم ويعرج بروحه إلى السماء وهو نائم، فلا مانع من تعدده ولو وقع ألف مرة.
والإمام النووي في فتاويه المشهورة – وهو كتاب مطبوع في ٣٠٠ صفحة تقريباً – ذهب في هذه الفتاوى إلى أن الإسراء والمعراج وقعا مرتين لنبينا ﵊ مرة في المنام ومرة في اليقظة.
وذهب بعض الأئمة كالمهلب – كما حكى هذا الحافظ في الفتح – وذهب إليه الإمام ابن العربي والإمام السهيلي وأبو نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم: إلى أن الإسراء والمعراج في المنام تكرر فوقع قبل الهجرة ووقع بعدها، فاختلفوا في عدد المرات في المنام، أما في اليقظة بروحه وجسده فلم تقع إلا مرة واحدة.
نعم التبس الأمر على بعض رواة الحديث عندما أخبرهم نبينا ﵊ أنه عرج به وأسريَ به في غير اليقظة فظنوا أن ذلك الإسراء والمعراج حصل في اليقظة مع أنه حصل في المنام فلا مانع كما قلنا أن يعرج به وبغيره ﵊، أو يسرى به وبغيره ﵊ في المنام لا في اليقظة.
стр. 1046
إذا فقد ذهب الإمام النووي إلى وقوعها مرة في المنام وذهب غيره إلى أنها حصلت أكثر من مرة، فوقع قبل الهجرة وبعدها والذين قالوا أنه وقع قبل الهجرة قالوا وقع قبل أن يسرى به ويعرج في اليقظة فأسري وعرج بروحه ليكون توطئة لإسراء ومعراج الجسد بعد ذلك، ثم بعد أن هاجر أسري وعرج بروحه وهو نائم ليكون بمثابة التشويق وتذكرة بالنعمة التي حصلت له قبل هجرته.
أمتى حصلا ووقعا لنبينا ﵊؟
ذهب الإمام الزهري – من أئمة التابعين – ولكلامه هذا حكم الرفع المرسل إلى أن الإسراء والمعراج حصلا ووقعا قبل الهجرة بسنة.
وذهب الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى إلى أنه وقع قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا قلت: ولا تعارض بين القولين فيما يظهر لي والعلم عند الله، فمن قال عرج به وأسرى قبل الهجرة بسنة ألغى الكسر وأخبر عن العدد الصحيح ومن قال عرج به وأسرى قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً (سنة ونصف) أخبر عن حقيقة ما وقع وأثبت الكسر، فالإسراء والمعراج إذن وقعا قبل الهجرة بسنة ونصف.
جـ- لم وقعا في ذلك الوقت؟ (الحكمة من وقوعها في ذلك الوقت) :
في العام العاشر للبعثة لا للهجرة حدث أمران عظيمان في حياة نبينا ﵊ كان لهما أثر كبير وهما:
أولهما: موت زوجه خديجة، وخديجة هي أفضل نساء هذه الأمة على المعتمد وقيل فاطمة ابنتها، وقيل أمنا عائشة، وذهب بعض العلماء إلى أن كل واحدة منهن فيها فضيلة ومزية لا توجد في الأخرى، لكن أمنا خديجة ﵂ لها منزلة عظيمة في قلب النبي ﵊، فهي أول من آمن به من النساء، نصرته وواسته وأعانته بمالها، رزقها الله منها الأولاد وكانت نعم الزوج ﵂، فمن كان يبث إليه سره ويأنس في خلوته ذهب ومات.
стр. 1047
ثانيهما: موت عمه أبي طالب بعد شهر وخمسة أيام، وأبو طالب كان مشركاً وكافراً ولم يؤمن بالنبي ﵊ (١)
стр. 1048
لكن له صلة عظيمة بنبينا عليه صلوات الله وسلامه من سائر أعمامه فعمه العباس لم يكن مؤمناً في ذلك الوقت ثم آمن فيما بعد، وعمه أبو لهب لم يكن مؤمناً وما آمن وكان يؤذي النبي ﵊ والعباس لم يكن له من المكانة في قومه كما لأبي طالب، فأبو طالب هو الذي ورث مكانة عبد المطلب وصار سيد قريش، فكانت له كلمة نافذة فما استطاع سفيه في مكة أن يمد يده أو يلوح بأصبعه إلى الرسول ﷺ مدة حياة أبي طالب وهو الذي كان يقول له: "والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً" وكانت قريش تهاب أبا طالب وتخاف سطوته ويخشون إذا آذوا النبي ﵊ أن يثأر أبو طالب لابن أخيه من باب الحمية، فكانوا ينكفون عن أذى النبي ﵊ ولذلك غاية ما وقع قبل العام العاشر للبعثة أذىً على أصحابه ولم يقع عليه أذىً عليه صلوات الله وسلامه، فلما مات عمه أبو طالب اشتد أذى المشركين على أصحابه بل وعلى النبي ﵊ ووصل الأمر إلى أنهم أخذوا الجزور وهي الكرشة التي فيها الفرث والزبل – وطرحوها على ظهر النبي ﷺ بجوار الكعبة فإذن اشتد عليه الأذى وكثر بعد موت عمه أبي طالب، وصار يلاقي أذىً شديداً خارج البيت وإذا عاد إلى البيت فليس هناك من يؤنسه ويزيل همومه، فاشتد به الأذى وضاقت عليه الأرض بما رحبت في ذلك الوقت، في العام العاشر للبعثة الذي سمي بعام الحزن، فخرج النبي ﵊ من شدة الكرب الذي لحقه من المشركين إلى الطائف يلتمس نصرة من ثقيف، فكانوا أخبث من عتاة قريش وأهل مكة.
فردوا عليه أقبح رد أما بعضهم فيقول: أما وجد الله رسولا ً غيرك ليرسله؟
والآخر يقول: والله لو كُنْتَ رسولاً لأمزقن ثياب الكعبة!
стр. 1049
ثم ما اقتصر الأمر على أذى اللسان، بل أغروا به السفهاء وبدأوا يقذفونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه عليه صلوات الله وسلامه ومعه مولاه زيد بن حارثة يقيه هذه الحجارة فتارة يكون أمامه وتارة وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله، والحجارة تأتيه من قبل السفهاء من كل جهة.
إذن فكان الأمر في منتهى الكرب والشدة، فلجأ بعد خروجه من الطائف إلى بستان عنب ولجأ إلى الله جل وعلا بالدعاء وقال الدعاء الذي رواه الطبراني وذكره الإمام محمد بن إسحاق في المغازي والطبراني رواه عن محمد بن إسحاق أيضاً وهو مدلس وقد عنن الحديث فهو من ناحية الإسناد في الظاهر فيه ضعف لكن المعنى حق وثابت، وهو حقيقة مع ضعف الإسناد فيه إلا أن الناظر فيه يرى عليه نور النبوة، قال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلي بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (.
فغار الله لنبينا ﵊ وأرسل له ملك الجبال وقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – الجبلين – وأريحك منهم حتى كأنه لا يوجد شيء اسمه قريش على وجه الأرض، فقال ﷺ : (لا، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله (فهذا هو الرؤوف الرحيم عليه صلوات الله وسلامه.
إذن اشتد عليه الأذى في العام العاشر للبعثة، وأخذ فترة طويلة والنبي ﵊ يصبر والهجرة كانت في العام الثالث عشر للبعثة فهل يترك رسول الله ﷺ بعدما لاقاه من إيذاء وشدة بلا حادث جليل يرضيه ويأنسه؟ هذا مستبعد!!
لذلك فقد حصل له صلوات الله وسلامه عليه بعد عودته من الطائف أمرين وحادثتين:
стр. 1050
الحادث الأول: قبل أن يدخل إلى مكة عندما وصل إلى نخلة، وهي على الطريق القديم لمكة ويسمى طريق السيل حديث كان يسلكه المسلمون، والمعرب في الجاهلية لسهولته ويقع على ميقات أهل نجد قرن المنازل، ويقال له قرن المنازل على بعد ٧٠ كيلومتر من مكة، وطريق السيل هذا طوله من الطائف إلى مكة ١٢٠ كيلومتر، وهناك طريق آخر جديد يسمى طريق الهدا وهو طريق جبلي شق حديثا وطوله إلى مكة قرابة ٨٠ كيلومتر، والشاهد أنه لما وصل إلى نخلة وهي تبعد قرابة ٤ كيلومتر عن مكة المكرمة – أكبر الله عليه بأعظم أمر وأكرم الجن برؤية نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه فصرف له نفراً من الجن يستمعون قراءته وآمنوا به في نخلة: (وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولو إلى قومهم منذرين) ، وفي هذا تأنيس للنبي ﷺ وبشارة، فكأنما الله تعالى يقول له: اصبر إن جهل عليك البشر، فالجن – الذين لا تستبعد من طبيعتهم الجهالة والعثرة – انظر كيف عرفوا قدرك وآمنوا بك واستمعوا لقراءتك فعما قريب سأفتك قلوب البشر لدعوتك.
فإذن هذه بشارة حصلت له بعد الأذى الذي حصل له من البشر جاء الجن واستمعوا لقراءته وآمنوا به (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحداً) والله تعالى أنزل سورة كاملة سماها باسم هذه الحادثة فسميت سورة (الجن) .
стр. 1051
الحادث الثاني: بعد أن دخل مكة ﵊ واطمأن فيها بعض الوقت أكرمه الله بحادثة الإسراء والمعراج، وكأن الله تعالى يقول لنبيه ﵊: أعلم أنه لا يوجد من قبلنا غضب عليك، فإذا جهل عليك البشر فليس هذا لغضب منا عليك فمكانتك عندنا عظيمة جليلة، أعطيناك ما لم نعط أحداً من العالمين، فيسرى بك إلى بين المقدس، ثم نقدمك على أفضل خلق الله وهم الأنبياء والمرسلون في بيت المقدس فيجمع لك الأنبياء وعددهم (١٢٤.٠٠٠) فجمعوا كلهم في بيت المقدس كما سيأتينا في الآيات التي رآها في بيت المقدس، الأنبياء كلهم من آدم إلى عيسى عليهم صلوات الله وسلامه كلهم يجتمعون ويتقدمهم نبينا ﵊ ويصلي بهم ركعتين ويلقي كل واحد خطبة – كما سيأتينا – ويتحدثون بما من الله به عليهم فيختم الخطب نبينا ﵊ ويتحدث بما من الله به عليه، فيقول خليل الرحمن إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، وعليه صلوات الله وسلامه.
إذن أفضل خلق الله أنبياء الله ورسله أنت تتقدم عليهم ويتبركون برؤيتك وأنت إمامهم ويظهر فضلك عليهم، وفي هذا كله تأنيس لقلبه عليه صلوات الله وسلامه وتطمين وتثبيت عظيم ثم ما هو أعلي من هذا حيث رفعك في السماء، فكما قدمناك عليهم في الأرض نرفعك عليهم في السماء فإذا كان أرفع واحد فيهم وهو إبراهيم في السماء السابعة ودونه الكليم موسي في السماء السادسة فأنت ترفع إلى ما هو أعلي من ذلك، بل جبريل علي نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما يرتفع بعد السماء السابعة يقف ويقول لنبينا ﵊: تقدم، ولو تقدمت لحظة لاحترقت، وما منا إلا له مقام معلوم، ثم يعرج نبينا ﵊ – كما تقدم معنا – إلى مستوي سمع فيه صريف الأقلام وماذا يسطر في لوح الرحمن، ثم ناجاه ربه وكلمه، وحصلت له الرؤية النظرية أم القلبية؟ سنتحدث في هذه عند مبحث الآيات التي رآها فوق السموات.
стр. 1052
فهذه الآيات العظيمة التي رآها لتدل على عظيم رضوان الله عليه، فكأن الله تعالي يقول له: (لا تحزن إلا جهل عليك السفهاء، فهذا قدرك عند الأتقياء وعند الفضلاء وعند رب الأرض والسماء،والملائكة تتبرك برؤيتك،وأنبياء الله ورسله يفرحون بلقائك، والله جل وعلا يدعوك لجنابه الأعلى، فمن هؤلاء البشر إذا جهلوا عليك؟)
إذا أهل الكرام يكرموني ... فلا أرجو الهوان من اللئام
والرجاء من الأصداد فيأتي بمعني الأمل ويأتي بمعني الخوف والوجل وهنا بمعني الخوف، أي فلا أخاف الهوان من اللئام.
فاللئيم إذا أهانك والكريم إذا أكرمك فلا تبالي بإهانة اللئيم، لكن لو أن الكريم أهانك وأبغضك وتغير قلبه عليك وعبس في وجهك فحقيقة لا يلذ لك طعم الحياة، وتقول: إذن أبغضني الله عندما أذاني الكرام، وعندما تغير قلبهم علي، لكن الواقع أن اللئام هم الذين آذوك ولذلك السفهاء، فهذا مما يدل على عظيم قدرة الله جل وعلا وهنا لئام يؤذونك،وكلام يتبركون برؤيتك.
ونشير هنا إلى أنه: بالإجماع يتبرك بنبينا ﵊ بجسده الشريف، وبفضلاته ببصاقه ومخاطه، وبشعره وبملابسه وبأثاثه، بلا خلاف بين أهل السنة وإذا حصل الإنسان شعره من شعر النبي ﵊ وقبلها ومرغ خده عليها فهنيئا له هنيئا، فالتبرك بآثاره جائز بالاتفاق، وقد كان النبي ﵊ هو الذي يوزع أحيانا شعره على الصحابة، كما حصل هذا في الحديبية،وأخذ أنس بعض الشعرات وأوصي أن توضع تحت لسانه بعد موته – ووضعت – من أجل أن يسدده الله عند سؤال الملكين.
стр. 1053
وكأنه بعد حصول هذه المميزات لنبينا ﵊ يقول له برنا: ليس في إيذاء السفهاء لك منقصة، وليس في ذلك غضب عليك، فاعلم هذا وقم بالدعوة بجد ونشاط وحذار حذار أن تسير مع الميول البشرية والطبيعة الإنسانية فتقول ضاقت علي الأرض بما رحبت قومي آذوني وكثر صبري عليهم مع ما حصلت منهم من الأعراض، ذهبت إلى الطائف فقابلوني أشنع مقابلة، وطبيعة البشر قد تخور وتضعف، فلا بد من تثبيت فأكلمه الله بالإسراء والمعراج وهذا في غاية التثبيت له عليه صلوات الله وسلامه وفعلا بعد هذه الحادثة كان نشاطه للدعوة أكثر وقام يدعو بجد ونشاط ولذلك في صبيحة اليوم التالي لليلة الإسراء والمعراج لقيه أبو جهل فقال: يا محمد، هل من خبر جديد؟ قال نعم: أسري بي هذه الليلة إلى بيت المقدس، وقال أو تستطيع أن تخبر قومك إذا دعوتهم؟ قال: نعم – فبين ثباته ولم يبال بأحد عليه صلوات الله وسلامه، فدعاهم أبو جهل وقال: اسمعوا ما يقول محمد، فقالوا: انعت لما بيت الله المقدس يقول نبينا ﵊: فكربت كربا شديدا، لم أكرب مثله قط لأنني ما أثبته – أي ما علمت أحوال بيت المقدس وكم فيه من نافذة وكم له من أبواب فكيف سأنعته لهم، - يقول: فأتي جبريل ببيت المقدس فوضعه عند دار عقيل بن أبي طالب، وأنا أنظر إليه فجعلت أنعته لهم باباً بابا وشباكاً شباكا.
فهذا هو حال النبي صلي الله عليه وسلام بعد ذلك الحادث العظيم، فقد صار عنده عزم وحماس للدعوة أكثر من الأول.
إخوتي الكرام ... حادثة الإسراء والمعراج وقعت بعد هذين الحادثين المريرين وفاة زوجة وعمه وكل منهما كان له مواقف خاصة مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وإذا كان الأمر كذلك فإذن هنا حزن على وفاتهم ثم هنا حزن لمزيد الأذى بعد موتهما فكان لابد من تسلية لنبينا صلي الله عليه وسلم.
стр. 1054
ولذلك كان أئمتنا يقولون: من أقعدته نكاية اللئام، أقامته إعانة الكرام، لئام يؤذونك ويقعدونك عن دعوتك ويثبطونك، فلابد من معين ومساعد يشد أزرك ويقويك وهم الكرام، لكن البلية في عصرنا أن اللئام كثر، فهم يقعدونك ويؤذونك ولا تجد كريما تأوي إليه إلا من رحم الله.
إخوتي الكرام ... الصحابة رضوان الله عليهم عندما اشتد عليهم أذى المشركين بمكة أشار عليهم النبي ﵊ أن يهاجروا إلى الحبشة وقال: هناك رجل عادل لا يظلم عنده أحد فاذهبوا إليه لعل الله أن يجعل عنده فرجا ومخرجا.
وبالفعل حصل ما تمناه النبي صلي الله عليه وسلم حتى أنهم لم يعودوا إلى مكة بل ما عادوا إلى مكة إلا لما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة فلحقوه هناك.
س: لكن هل تركهم المشركون يهاجرون إلى الحبشة دون أن يلاحقوهم؟
جـ: لا بل أرسلوا عمر بن العاص وكان مشركا يومها – وعبد الله بن أبي ربيعة في طلبهم ومعهم الهدايا والقصة طويلة وردت في حديث طويل رواه الإمام أحمد في المسند وأخذ فيه ثلاث صفحات عن أمنا أم سلمة ﵂ لأنها كانت من جملة المهاجرات إلى الحبشة،والحديث إسناده صحيح.
وحول السند: (١/٢٠١-٢٠٣) ، (٥/٢١٠-٢٩٢)
стр. 1055
قلنا أنه لما اشتد أذي المشركين علي الصحابة رضوان الله عليهم أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بأن يذهبوا ويهاجروا إلى الحبشة، فطالب المشركين بإعادتهم وقال البطارقة الذين كانوا في مجلس النجاشي صدقوا أيها ال؟؟ الملك أرسلهم دون أن تسمع كلامهم فقومهم أعلم بهم وقد كانوا يعلمون أن أصعب شيء عليهم أن يسمع النجاشي أصخمة كلامهم لأنه عاقل، وإذا كان عاقلا وسمع كلامهم سيقضى بالحق وبالتالي لن يسلم هؤلاء لعتاة قريش وسيحسن ضيافتهم ويكرمهم، وفكان أقبح شيء على هذا الوفد بمشورة العتاة في مكة شيء أن يستدعي النجاشي أصمخة هؤلاء الثلة الذين كانوا بضعا وسبعين ما بين رجل وامرأة ﵃ أجمعين فكان أشنع شيء عليهم أن يستدعيهم ويسمع كلامهم، فلما قال البطارقة: صدقوا أرسلهم، قال: لا، والله قوم لجأوا إلى واختاروني على من سواي كيف أطردهم قبل أن أسمع كلامهم، فإذا كان ما يقول هؤلاء حقا من أنهم مفسدون وخائبون ومخربون سلمتهم إليهم، وإذا لم يكونوا كذلك فلا أطردهم ما رغبوا في جواري.
فاستدعاهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به دين قومكم ولم تدخلوا في ديني، وكان هو على النصرانية – قالوا والذي تولي الإجابة هو جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم: أيها الملك كفاني جاهلية وشر، نعبد الأصنام ونأكل الميتة والجيف ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي فينا الضعيف فبعث الله فينا رسولا منا نعرف صدقه ونسبه، فدعانا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويأمرنا أن ننبذ ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام، وأمرنا بالصلاة وصدق الحديث وصلة الأرحام فآمنا به وصدقناه، فغدا علينا قومنا وآذونا فلجأنا إليك واخترناك على من سواك. فقال لهم: إن كنتم كذلك فلكم الأمر في بلادي.