الحادث الثاني: بعد أن دخل مكة ﵊ واطمأن فيها بعض الوقت أكرمه الله بحادثة الإسراء والمعراج، وكأن الله تعالى يقول لنبيه ﵊: أعلم أنه لا يوجد من قبلنا غضب عليك، فإذا جهل عليك البشر فليس هذا لغضب منا عليك فمكانتك عندنا عظيمة جليلة، أعطيناك ما لم نعط أحداً من العالمين، فيسرى بك إلى بين المقدس، ثم نقدمك على أفضل خلق الله وهم الأنبياء والمرسلون في بيت المقدس فيجمع لك الأنبياء وعددهم (١٢٤.٠٠٠) فجمعوا كلهم في بيت المقدس كما سيأتينا في الآيات التي رآها في بيت المقدس، الأنبياء كلهم من آدم إلى عيسى عليهم صلوات الله وسلامه كلهم يجتمعون ويتقدمهم نبينا ﵊ ويصلي بهم ركعتين ويلقي كل واحد خطبة – كما سيأتينا – ويتحدثون بما من الله به عليهم فيختم الخطب نبينا ﵊ ويتحدث بما من الله به عليه، فيقول خليل الرحمن إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، وعليه صلوات الله وسلامه.
إذن أفضل خلق الله أنبياء الله ورسله أنت تتقدم عليهم ويتبركون برؤيتك وأنت إمامهم ويظهر فضلك عليهم، وفي هذا كله تأنيس لقلبه عليه صلوات الله وسلامه وتطمين وتثبيت عظيم ثم ما هو أعلي من هذا حيث رفعك في السماء، فكما قدمناك عليهم في الأرض نرفعك عليهم في السماء فإذا كان أرفع واحد فيهم وهو إبراهيم في السماء السابعة ودونه الكليم موسي في السماء السادسة فأنت ترفع إلى ما هو أعلي من ذلك، بل جبريل علي نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما يرتفع بعد السماء السابعة يقف ويقول لنبينا ﵊: تقدم، ولو تقدمت لحظة لاحترقت، وما منا إلا له مقام معلوم، ثم يعرج نبينا ﵊ – كما تقدم معنا – إلى مستوي سمع فيه صريف الأقلام وماذا يسطر في لوح الرحمن، ثم ناجاه ربه وكلمه، وحصلت له الرؤية النظرية أم القلبية؟ سنتحدث في هذه عند مبحث الآيات التي رآها فوق السموات.
стр. 1052
فهذه الآيات العظيمة التي رآها لتدل على عظيم رضوان الله عليه، فكأن الله تعالي يقول له: (لا تحزن إلا جهل عليك السفهاء، فهذا قدرك عند الأتقياء وعند الفضلاء وعند رب الأرض والسماء،والملائكة تتبرك برؤيتك،وأنبياء الله ورسله يفرحون بلقائك، والله جل وعلا يدعوك لجنابه الأعلى، فمن هؤلاء البشر إذا جهلوا عليك؟)
إذا أهل الكرام يكرموني ... فلا أرجو الهوان من اللئام
والرجاء من الأصداد فيأتي بمعني الأمل ويأتي بمعني الخوف والوجل وهنا بمعني الخوف، أي فلا أخاف الهوان من اللئام.
فاللئيم إذا أهانك والكريم إذا أكرمك فلا تبالي بإهانة اللئيم، لكن لو أن الكريم أهانك وأبغضك وتغير قلبه عليك وعبس في وجهك فحقيقة لا يلذ لك طعم الحياة، وتقول: إذن أبغضني الله عندما أذاني الكرام، وعندما تغير قلبهم علي، لكن الواقع أن اللئام هم الذين آذوك ولذلك السفهاء، فهذا مما يدل على عظيم قدرة الله جل وعلا وهنا لئام يؤذونك،وكلام يتبركون برؤيتك.
ونشير هنا إلى أنه: بالإجماع يتبرك بنبينا ﵊ بجسده الشريف، وبفضلاته ببصاقه ومخاطه، وبشعره وبملابسه وبأثاثه، بلا خلاف بين أهل السنة وإذا حصل الإنسان شعره من شعر النبي ﵊ وقبلها ومرغ خده عليها فهنيئا له هنيئا، فالتبرك بآثاره جائز بالاتفاق، وقد كان النبي ﵊ هو الذي يوزع أحيانا شعره على الصحابة، كما حصل هذا في الحديبية،وأخذ أنس بعض الشعرات وأوصي أن توضع تحت لسانه بعد موته – ووضعت – من أجل أن يسدده الله عند سؤال الملكين.
стр. 1053
وكأنه بعد حصول هذه المميزات لنبينا ﵊ يقول له برنا: ليس في إيذاء السفهاء لك منقصة، وليس في ذلك غضب عليك، فاعلم هذا وقم بالدعوة بجد ونشاط وحذار حذار أن تسير مع الميول البشرية والطبيعة الإنسانية فتقول ضاقت علي الأرض بما رحبت قومي آذوني وكثر صبري عليهم مع ما حصلت منهم من الأعراض، ذهبت إلى الطائف فقابلوني أشنع مقابلة، وطبيعة البشر قد تخور وتضعف، فلا بد من تثبيت فأكلمه الله بالإسراء والمعراج وهذا في غاية التثبيت له عليه صلوات الله وسلامه وفعلا بعد هذه الحادثة كان نشاطه للدعوة أكثر وقام يدعو بجد ونشاط ولذلك في صبيحة اليوم التالي لليلة الإسراء والمعراج لقيه أبو جهل فقال: يا محمد، هل من خبر جديد؟ قال نعم: أسري بي هذه الليلة إلى بيت المقدس، وقال أو تستطيع أن تخبر قومك إذا دعوتهم؟ قال: نعم – فبين ثباته ولم يبال بأحد عليه صلوات الله وسلامه، فدعاهم أبو جهل وقال: اسمعوا ما يقول محمد، فقالوا: انعت لما بيت الله المقدس يقول نبينا ﵊: فكربت كربا شديدا، لم أكرب مثله قط لأنني ما أثبته – أي ما علمت أحوال بيت المقدس وكم فيه من نافذة وكم له من أبواب فكيف سأنعته لهم، - يقول: فأتي جبريل ببيت المقدس فوضعه عند دار عقيل بن أبي طالب، وأنا أنظر إليه فجعلت أنعته لهم باباً بابا وشباكاً شباكا.
فهذا هو حال النبي صلي الله عليه وسلام بعد ذلك الحادث العظيم، فقد صار عنده عزم وحماس للدعوة أكثر من الأول.
إخوتي الكرام ... حادثة الإسراء والمعراج وقعت بعد هذين الحادثين المريرين وفاة زوجة وعمه وكل منهما كان له مواقف خاصة مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وإذا كان الأمر كذلك فإذن هنا حزن على وفاتهم ثم هنا حزن لمزيد الأذى بعد موتهما فكان لابد من تسلية لنبينا صلي الله عليه وسلم.
стр. 1054
ولذلك كان أئمتنا يقولون: من أقعدته نكاية اللئام، أقامته إعانة الكرام، لئام يؤذونك ويقعدونك عن دعوتك ويثبطونك، فلابد من معين ومساعد يشد أزرك ويقويك وهم الكرام، لكن البلية في عصرنا أن اللئام كثر، فهم يقعدونك ويؤذونك ولا تجد كريما تأوي إليه إلا من رحم الله.
إخوتي الكرام ... الصحابة رضوان الله عليهم عندما اشتد عليهم أذى المشركين بمكة أشار عليهم النبي ﵊ أن يهاجروا إلى الحبشة وقال: هناك رجل عادل لا يظلم عنده أحد فاذهبوا إليه لعل الله أن يجعل عنده فرجا ومخرجا.
وبالفعل حصل ما تمناه النبي صلي الله عليه وسلم حتى أنهم لم يعودوا إلى مكة بل ما عادوا إلى مكة إلا لما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة فلحقوه هناك.
س: لكن هل تركهم المشركون يهاجرون إلى الحبشة دون أن يلاحقوهم؟
جـ: لا بل أرسلوا عمر بن العاص وكان مشركا يومها – وعبد الله بن أبي ربيعة في طلبهم ومعهم الهدايا والقصة طويلة وردت في حديث طويل رواه الإمام أحمد في المسند وأخذ فيه ثلاث صفحات عن أمنا أم سلمة ﵂ لأنها كانت من جملة المهاجرات إلى الحبشة،والحديث إسناده صحيح.
وحول السند: (١/٢٠١-٢٠٣) ، (٥/٢١٠-٢٩٢)
стр. 1055
قلنا أنه لما اشتد أذي المشركين علي الصحابة رضوان الله عليهم أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بأن يذهبوا ويهاجروا إلى الحبشة، فطالب المشركين بإعادتهم وقال البطارقة الذين كانوا في مجلس النجاشي صدقوا أيها ال؟؟ الملك أرسلهم دون أن تسمع كلامهم فقومهم أعلم بهم وقد كانوا يعلمون أن أصعب شيء عليهم أن يسمع النجاشي أصخمة كلامهم لأنه عاقل، وإذا كان عاقلا وسمع كلامهم سيقضى بالحق وبالتالي لن يسلم هؤلاء لعتاة قريش وسيحسن ضيافتهم ويكرمهم، وفكان أقبح شيء على هذا الوفد بمشورة العتاة في مكة شيء أن يستدعي النجاشي أصمخة هؤلاء الثلة الذين كانوا بضعا وسبعين ما بين رجل وامرأة ﵃ أجمعين فكان أشنع شيء عليهم أن يستدعيهم ويسمع كلامهم، فلما قال البطارقة: صدقوا أرسلهم، قال: لا، والله قوم لجأوا إلى واختاروني على من سواي كيف أطردهم قبل أن أسمع كلامهم، فإذا كان ما يقول هؤلاء حقا من أنهم مفسدون وخائبون ومخربون سلمتهم إليهم، وإذا لم يكونوا كذلك فلا أطردهم ما رغبوا في جواري.
فاستدعاهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به دين قومكم ولم تدخلوا في ديني، وكان هو على النصرانية – قالوا والذي تولي الإجابة هو جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم: أيها الملك كفاني جاهلية وشر، نعبد الأصنام ونأكل الميتة والجيف ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي فينا الضعيف فبعث الله فينا رسولا منا نعرف صدقه ونسبه، فدعانا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويأمرنا أن ننبذ ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام، وأمرنا بالصلاة وصدق الحديث وصلة الأرحام فآمنا به وصدقناه، فغدا علينا قومنا وآذونا فلجأنا إليك واخترناك على من سواك. فقال لهم: إن كنتم كذلك فلكم الأمر في بلادي.
стр. 1056
وفي اليوم الثاني قال عمر بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة، لأذهبن إلى الملك ولأوغرن صدره عليهم، ولأحرضنه عليهم ولأقولن له إنهم يقولون في عيسي قولا عظيما، وهو أنه عبد الله ورسوله، لأن النصارى يقولون هو ابن الله، ولأبيدن خضراءهم بهذا الكلام، وكان عبد الله بن أبي ربيعة وهو على شركه فيه رحمة فقال: رفق بهم فإنهم أبناء العم والعشيرة، فقال بل لابد.
فذهب إلى الملك وقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسي قولا عظيما، فاستدعاهم فقالوا لجعفر ماذا نقول؟ قال ما نقول إلا ما علمنا نبينا ﵊ وليكن ما هو كائن. فقال لهم النجاشي: ماذا تقولون في عيسي؟ قالوا: ما نقول إلا ما علمنا نبينا ﵊ فتلا عليهم صدر صورة مريم فلما وصل إلى قول الله (ذلك عيس بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون، وما كان الله أين يتخذ ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) .
وانتبه لموقفهم هذا فلا يعني هروبنا وفرارنا من بلدة إلى بلدة فرارا بديننا أن نتنازل عن ديننا وقيمنا بل الواجب أن نثبت عليها كما خرجنا وفررنا بسببها إلى أن نلقي الله وهو راض عنا إذ لا يعقل أن تهاجر وتقاتل من أجل مبدأ ثم لما تغير بلدك تتنازل عن هذا المبدأ الذي هاجرت بسببه.
стр. 1057
إذن فتلا عليه هذه الآيات ولما قال: (ما كان الله أن يتخذ ولد) نخر البطارقة، ولما قال عيسي في السورة (قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) فقال النجاشي: وإن نخرتم؟ وبكي حتى اخضلت لحيته من دموع عينيه ثم أخذ عودة صغيرة من أرض وقال والله ما زاد علي وصف عيسي بمقدار هذه، فهذا هو وصف عيسي هو عبد الله ورسوله وليس هو بثالث ثلاثة وليس هو ابن الله جل وعلا، ثم قال لجعفر ولمن معه: أنتم سيوم أنتم سيوم – والسيوم في لغة الحبشة الأحرار أي مثل الغنم السائمة تمشي وترعي أينما تريد،ولذلك الغنم إذا كانت سائمة فيها زكاة وإذا كانت تعلف فليس فيها زكاة – من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، والله ما أحب أن لي دبرا من ذهب، والدبر هو الجبل العظيم الكبير بلغة الحبشة – وأن أحداً منكم يؤذي هذا العبد الصالح النجاشي أصمخة لما مات صلي عليه نبينا ﵊ صلاة الغائب كما في الصحيحين.
وقد ثبت في سند أبي داوود في كتاب الجهاد، باب النور يري على قبر الشهيد، قالت أمنا عائشة ﵂: [كنا نتحدث أنه لا يزال يري على قبر النجاشي نور بعد موته (وفي الحقيقة فإنه يستحق هذا الإكرام من ربنا الرحمن.
فأولا: اعتقد اعتقاد الحق.
وثانيا: بذل ما في إمكانه حسبما وسعه في ذلك الوقت فالرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك الوقت في مكة ولا يمكن الهجرة إليه.
وثالثا: نصر هؤلاء المؤمنين، فقال بما في وسعه وهو إن شاء الله في عداد المؤمنين الموحدين، فهذا هو النجاشي العبد الصالح ولا مثيل له في عصرنا.
فتن لكن لا يوجد نجاشي، لئام فاضت الأرض بهم فيضا لكن لا يوجد ما يقابلهم من الكرام بحيث إذا ذهب الإنسان إليهم يجد النصر.
стр. 1058
هذا فيقال رؤيته لهم في بيت المقدس لا يلزم أن تكون بنفس الصورة التي تكون في السماء يضاف إلى هذا أنه اجتمع بـ (١٢٤.٠٠٠) نبي في لحظات من ليل، فكيف سيتمكن من أن يحفظ أشكالهم ويتثبت من صورهم، كما هو الحال في بيت المقدس عندما قال له المشركون انعته لنا، مع أنه رآه فالرؤية لا يلزم منها العلم بالمرئي على وجه التمام، والإحاطة به بحيث لو رآه مرة ثانية يقول هذا هو فلان لأنه جم غفير التقي بهم في لحظات، والعلم عن الله.
الحكمة السادسة: لأن لبيت المقدس من تلك الجهة المصعد إلى السماء، أي باب السماء الذي يفتح يكون بحيال بيت المقدس.
قال الحافظ بن حجر: والذي يظهر ضعف هذا لأن باب السموات الذي يفتح وينزل منه الملائكة يكون حيال الكعبة وفي وجهتها وسمتها لأعلي جهة بيت المقدس.
الحكمة السابعة: وقلنا نقلها عن ابن أبي جمرة، قال: ليظهر الله الحق، عند من يريد إخماده ووجه هذا: لو أن النبي ﵊ أخبرهم أنه عرج به إلى السموات العلا، ورأي في السموات ما رأي لقالوا له كذاب، وما عنده قرينة تدل على صدقه ولا على كذبه فلا يستطيع أن يثبت لهم صدقه، لكن عندما قال لهم أسري بي إلى بيت المقدس قالوا: كذاب قال: يا جماعة أنا تحققت من ذلك وتأكدت، قالوا: انعته لنا، فلما وصف لهم بيت المقدس الذي رأوه بأعينهم ظهر لهم الحق وقد حاولوا إخماده، أما السموات فلم يروها ولو قالوا له انعتها لنا، فسينعتها بشيء لا يعلموه، أما بيت المقدس فظهر الحق لهم عندما نعته لهم فظهر الحق عند من يريد أن يخمده ويبطله.
стр. 1059
الحكمة الثالثة: تظهر في وما ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ – واعلم عند الله – وهي أ، هـ أسري بنبينا ﵊ إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات العلي ليرتقي من كمال إلى كمال. فنقله إلى الكمال الأرضي وهو الاجتماع بالأنبياء وإظهار تقديمه عليهم وفضله عليهم، ثم نقله إلى ما هو أعلي من ذلك وهو العروج به إلى السموات العلا والالتقاء برب العالمين، فنقل من كمال إلي كمال أسري به ثم عرج ولو حصل العكس لم يكن في رؤيته الأنبياء فائدة معتبرة لأن أعلي الكمال حصل له وهو الاجتماع برب العالمين ولقاؤه.
المبحث الرابع:
الآيات التي رآها خير البريات عليه صلوات الله وسلامه في حادثة الإسراء والمعراج:
وتنقسم هذه الآيات إلى أربعة أقسام (لنريه من آياتنا الكبري) :
القسم الأول: آيات عظيمة رآها وحصلت له قبل البدء برحلة الإسراء والمعراج.
القسم الثاني: آيات أرضية رآها عندما أسري به إلى بيت المقدس.
القسم الثالث: آيات سماوية رآها عندما عرج به إلى السموات العلا.
القسم الرابع: آيات عظيمة حصلت له بعد رقي السموات.
وسنفصل الكلام في هذه الآيات الأربع إن شاء الله تعالي.
القسم الأول:
الآيات التي حصلت له قبل البدي برحلة الإسراء والمعراج: حصلت له حادثة عظيمة وهي حادثة شق صدر نبينا ﵊.
стр. 1060
ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن أبي ذر، ومن حديث أنس عن النبي ﵊ ومن حديث مالك بن صعصعة، وثبت في المسند من حديث أنس عن أبي بن كعب - فالحديث عن أربعة من الصحابة – وفيه يقول النبي صلي الله عليه وسلم: (فرج سقف بيتي فنول ملكان وأخذاني وأضجعاني وشقا ما بين ثغرة نحري – هي المكان المنخفض الذي يكون بين الترقوتين في أصل الرقبة – إلى شعرتي – أي مكان منبت العانة – وأخرجا قلبي فغسلاه في طست – بكسر الطاء وفتحها وإثبات التاء وضمها وهو الطشت المعروف الآن – من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم حشيا قلبي وصدري – وفي رواية (حشيا صدري ولغاديدي) أي عروق رقبتي – إيمانا وحكمة (.
هذا حصل له قبل حادثة الإسراء والمعراج: سق صدره، واستخرج قلبه، وضع في طشت من ذهب، غسل بماء زمزم، ثم حشئ قلبه وصدره، ولغاديده أي جميع عروقه ومناخذه حشي إيمانا وحكمة ثم التأم صدره عليه صلوات الله وسلامه.
قال الحافظ ابن حجر: "شق سقف البيت من قبل الملكين فيه إشارة إلى أن صدر نبينا ﵊ سينشق ويلتئم دون حصول أثر فيه كما التأم هذا السقف بعد ذلك"، ونحن في عصورنا لو شق جزء من الإنسان وأعيدت خياطته لبقي أثر الشق، بل يقول الأطباء إنه إذا شق بطن الإنسان فإنه لا يعود إلى طبيعته الأولى مهما كتب له من شفاء وعافية، ويبقى معرضاً للفتق فتراه يمنع من حمل الشيء الثقيل حتى لا تتفتق خياطة هذا كله مع تقدم العلم، وهو في شأن نبينا ﵊ معجزة.
قال الإمام ابن حجر في الفتح: واختير الطست من ذهب ليتناسب هذا الطست مع مكانة نبينا ﵊ والكرامات التي تحصل له، فهو من أواني الجنة، والنبي ﷺ صائر إليها بل محرمة على غيره ولا تفتح لأحد قبله.
стр. 1061
الأمر الثاني: الذهب لا يأكله التراب ولا يظهر عليه صدىً ونبينا ﵊ كذلك بدنه لا تأكله التراب، ولا يعتريه تغير وهو يوم يبعث كحاله يوم دفن عليه صلوات الله وسلامه، والله حرم على الأرض أجساد الأنبياء كما ثبت في السنة بإسناد صحيح (إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء (.
الأمر الثالث من الحكم في اختيار الطست من الذهب: أن الذهب هو أثقل المعادن في الوزن النوعي فلو وزنت قطعة (ذهب ٥سم × ٥سم) لقلت على قطعة (حديد ٥ سم × ٥سم) ، فإذن الذهب أثقل المعادن وزناً ونبينا ﵊ أثقل الخلق وزناً وقدرة، ووزن بالأمة كلها فرجح عليه صلوات الله وسلامه وهو أكرم الخلق على الله وأفضلهم عنده.
الأمر الرابع: أن في لفظ الذهب تفاؤل بإذهاب الرجس عن نبينا ﵊ وتطهيره تطهيراً، وهذا ما حصل له عندما استخرج منه حظ الشيطان وغسل قلبه بماء زمزم.
الأمر الخامس: أن في لون الذهب تفاؤل بحصول النظرة والبهجة لنبينا ﵊ ودعوته وإشراق نوره في العالمين، وهذا الذي حصل.
الأمر السادس: أن الذهب أعز المعادن وأغلاها، وكذا نبينا ﵊ أعز المخلوقات وأنفسها.
ولهذا كله غسل قلبه بطست من ذهب
وإنما غسل بماء زمزم لأن ماء زمزم هو أشرف الحياة وأصله نزل من الجنة وهو هزمة جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه لأم إسماعيل عندما اشتد عليها العطش، والذي دلها على ذلك المكان وحفره جبريل بواسطة ضربة إسماعيل برجله، فإذن ماء مبارك من الجنة حفره جبريل للنبي المبارك إسماعيل الذي هو والد نبينا ﵊، وينتمي إليه، فهو ابن الذبيحين عليه صلوات الله وسلامه.
стр. 1062
وماء زمزم هو أشرف مياه الأرض وقد ثبت بإسناد حسن عن نبينا ﵊ (ماء زمزم لما شرب له (وهو (طعام طعم وشفاء سقم (كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ في صحيح مسلم، وكان كثير من الصالحين يتقوتون بماء زمزم فهو ماء وغذاء، ويمكث أربعين يوماً - كما يقول الإمام ابن القيم – لا يدخل شيء جوفه إلا ماء زمزم، وانظروا فضل ماء زمزم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/٣٩٢) وما لزمزم من خواص وآثار وهو يخبر عن نفسه أنه كان يمكث الأيام المتوالية ما يتغذى إلا بماء زمزم.
فهو إذن ماء مبارك ومن أجل هذا غسل قلب نبينا ﵊ به.
قد يقول قائل: كيف غسل قلب النبي ﵊ بطست من ذهب، والذهب محرم استعماله على الذكور والإناث؟
ذكر أئمتنا جوابين:
الأول: وهو ضعيف في نظري – وهو أنه كان قبل التحريم.
الثاني: وهو المعتمد أن هذه الحادثة من خوارق العادات وهي متعلقة بأمور الغيب وهي بأمر الآخرة ألصق منها وأقرب من أمر الدنيا، ولذلك لها أحكام الآخرة، فكما أننا في الآخرة نحلّى بأساور من ذهب (وحلوا أساور من ذهب) فحادثة الإسراء والمعراج لها أحكام الآخرة لا أحكام الدنيا، وهذه من باب خوارق العادات ولذلك لها حكم خاص خص الله به نبينا ﵊.
قال بن حجر: قوله (حشياه إيماناً وحكمة) فيه إشارة إلى أن الحكمة هي أفضل شيء بعد الإيمان، ورأس الحكمة خشية الرحمن، والحكمة باختصار: وضع كل شيء في موضعه فالعبادة توضع للمعبود بحق وهو الله جل وعلا فلا نصرفها لغيره فهذه حكمة،ومن عبد غير الله فهو سفيه سفه نفسه: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) وهل هناك سفاهة أعظم من أن يصرف حق الخالق للمخلوق (إن الشرك لظلم عظيم) .
فالحكمة هي أعلي الفضائل بعد الإيمان ولذلك حشي قلب نبينا ﵊ وصدره إيمانا وحكمة.
стр. 1063
قد يسأل سائل فيقول: كيف حشي إيمانا وحكمة، والإيمان والحكمة من الأشياء المعنوية؟
الجواب: يحتمل هذا أمرين:
الأمر الأول: أن تجسيد تلك المعاني إلى أشياء حسية، فالإيمان الذي هو معنىً جُسِّد في شيء حسي يعلمه الله ولا نعلمه، وأدخل في قلب نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ومثله الحكمة ولهذا نظائر: فالموت أمر معنوي، وسيجسد يوم القيامة – كما ثبت في الصحيحين – في صورة كبش أملح ثم يوقف بين الجنة والنار ويذبح بينهما ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت.
والأعمال التي نقوم بها من طاعات ومعاص ٍ هذه معان ٍ أيضاً، وستجسد يوم القيامة كما قال نبينا ﵊ (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم (متفق عليه، فإذن تجسد وتثقل الميزان فالطاعة تجسد وتوزن والمعصية تجسد وتوزن يوم القيامة، ولذلك قال أئمتنا: الذي يوزن يوم القيامة ثلاثة أشياء: الأعمال والعمال وصحف الأعمال.
الأعمال وإن كانت معان ٍ وأعراضاً يجسدها الله بكيفية يعلمها ولا نعلمها، والعمال وهم المكلفون، قال الله عن الكافرين (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) ، ورِجْْلُ عبدِ الله بْن ِ مسعودٍ – كما ثبت في المسند – أثقل عند الله من جبل أحد، وصحف الأعمال كما هو في حديث البطاقة وغيره.
وقد تقع هذه الثلاثة لكل واحد وقد يقع بعضها لبعض الناس والعلم عند الله، لكن دلت النصوص الشرعية على أن الذي يوزن يوم القيامة الأعمال والعمال وصحف الأعمال.
стр. 1064
الشاهد الآن: أن الأعمال معان ٍ وأعراض يجسدها الله وتوزن، وكذلك هنا الإيمان معنىً لا يقوم بنفسه فجسد بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها وهذا من أمور الغيب التي نؤمن بها ولا نبحث في كيفيتها، وقد تقدم معنا في الدليل الثامن من أدلة الإسراء والمعراج أن كل ممكن ورد به السمع وجب الإيمان به، وتجسيد الأعمال والموت وغيرها من المعاني ممكن وليس بمستحيل وقد ورد به السمع فيجب الإيمان به.
الأمر الثاني: أن يكون الإيمان والحكمة قد مثلا بشيء ثم أدخل مثالهما الذي يدل عليهما ويعبر عنهما في قلب نبينا ﵊ وصدره ولغاديده.
ولهذا نظير: عندما (كان نبينا ﵊ يصلي صلاة الكسوف وتقدم ومد يده ثم تأخر وقال عرضت عليَّ الجنة والنار ومدت يدي لآخذ عنقوداً من عنب من عناقيد الجنة فلو أخذته لأكلتم منه إلى أن تقوم الساعة (والحديث في الصحيحين.
فهذا عن طريق التمثيل أم عن طريق التجسيد؟ بل هو عن طريق التمثيل، فمثل له شكل الجنة والنار في جدار القبلة عندما كان يصلي عليه صلوات الله عليه وسلامه.
فإما أنهما جسدا أو مثلا والعلم عند الله، أي ذلك وقع، فنؤمن بأنه قد حشي قلب نبينا ﵊ إيماناً وحكمة.
قال أئمتنا: اشتملت هذه الحادثة على ما يدهش السامع فضلاً عن المشاهد فالسامع عندما يسمع هذه الأخبار يدهش، فكيف بنبينا ﵊ الذي رأى هذا، ليعلم عظيم قدرة الله في نفسه وليتحقق من ذلك وليثبت قلبه في تبليغ دعوة الله على أتم وجه وأكلمه، لاسيما وقد حصل هذا بعد حوادث أليمة ومريرة مرت عليه كما قلنا من موت زوجه وعمه، واشتداد أذى المشركين عليه بعد ذلك عليه صلوات الله وسلامه، فانظروا إلى هذه العجائب كيف نفعلها ونحن على كل شيء قادرون.
إذن في بداية حادثة الإسراء والمعراج وقبل السير فيها شق صدر نبينا ﵊ وقد شق الصدر الشريف لنبينا ﵊ أربع مرات:
стр. 1065
المرة الأولى: عندما كان عمره عليه صلوات الله وسلامه سنتان وثلاثة أشهر، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ومستدرك الحاكم عن أنس ﵁ عندما كان نبينا ﵊ مع الغلمان عند مرضعته حليمة جاءه ملكان وأضجعانه وشقا صدره وقالا: هذا حظ ُ الشيطان منك، فأخرجا علقة من قلبه فطرحاها ثم حشيا قلبه إيماناً وحكمة وانصرفوا،وقام النبي ﵊ يلعب مع الصبيان، وذهب الذين كانوا معه إلى مرضعته حليمة وأخبروها الخبر فخشيت أن يكون هذا من قبل الجن ولذلك أرادت أن تعيده إلى أمه وعمه بعد ذلك.
المرة الثانية: عندما كان عمره عشر سنين، شق صدره عليه صلوات الله وسلامه، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد (٥/١٣٩) شق صدره ﵊ وغسل قلبه مرة ثانية ومليء إيماناً وحكمة، والحديث رواه أيضاً أبو نُعيم في دلائل النبوة عن أبي بن كعب عن أبي هريرة (أنه كان جريئاً على رسول الله ﷺ يسأله، فسأله عن حادثة شق الصدر، وكيف حصلت له؟ فأخبره أنه كان في عمره عشر سنين – وانظروا يخبر عن هذا وكان يعي ويدرك في هذه السن [فأتاه ملكان وأضجعانه وشقا صدره.... (إلخ الحديث.
المرة الثالثة: عندما كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، والحديث في ذلك صحيح رواه أبو نُعيم في دلائل النبوة ص (٦٩) ، وذكره الحافظ في الفتح مقراً له، وهو في درجة الحسن على حسب اضطلاحه (١/٤٦٠) و (١٣/٤٨١) عن أمنا عائشة ﵂: تخبر عن النبي ﵊ (أنه عندما جاءه جبريل في غار حراء شق صدره وحشي قلبه إيماناً وحكمة (.
والمرة الرابعة: وهي التي معنا وكان عمره إحدى وخمسين سنة ونصف السنة، وقد قلنا إنها في الصحيحين والمسند عن أربعة من الصحابة.
стр. 1066
والمرة الأولى من هذه الحوادث لشق صدر نبينا ﵊ انتزع فيها حظ ُّ الشيطان وأما ما بعدها فكان تهييئاً لقلبه لأن يتلقى ما سيرد عليه من واجبات وتكاليف. فالأولى من باب التخلية وما تبعها من باب التقوية والتحلية.
حادثة شق الصدر أشار إليها ربنا في كتابه في سورة (الانشراح) وتسمى سورة (الشرح) (ألم نشرح لك صدرك) والسورة مكية باتفاق المفسرين، وفيها يشير ربنا إلى الأمر العظيم الذي وقع له في مكة.
والاستفهام في الآية للتقرير، ومعناه: حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده وعلمه وثبت لديه – فكأن الله يقول لنبيه ﵊ أقد شرحنا لك صدرك أي شققناه شقاً حسياً، وأنت رأيت هذا بعينيك.
وقد أرود الإمام الترمذي في كتاب التفسير عند سورة الانشراح حادثة شق صدر نبينا ﵊ في تفسير هذه السورة، ليشير إلى أن المراد بالشرح شق صدره حساً عليه صلوات الله وسلامه.
وهكذا فعل الإمام الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير عند تفسير سورة الانشراح فأورد حديث شق صدر نبينا ﵊، وشرح صدر نبينا ﵊ شامل – في الحقيقة - لأمرين:
أشامل للشرح حساً، وهو ما وقع في هذه المرات الأربع.
ب وشامل للشرح معنىً، وهو تقوية قلبه لتحمل ما سينزل عليه ثم ليقوم بموجبه.
فحصل إذن الشرح الحسي والشرح المعنوي.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: شرح صدره حساًَ لا ينافي شرح صدره معنىً، فحصل الأمران عليه صلوات الله وسلامه.
وثبت في كتاب دلائل النبوة للبيهقي – لا لأبي نُعيم- (١/٣٥٢) عن قتادة قال (ألم نشرح لك صدرك) المراد من ذلك الشق الحسي الذي حصل لنبينا ﵊.
стр. 1067
وقال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن عند تفسير سورة الانشراح (ألم نشرح لك صدرك) أي شرحاً حسياً وحقيقياً عندما كان عند ظئره – أي مرضعته – حليمة وعندما أسري به، فاقتصر على حادثتين من الحوادث الأربع التي وقعت لنبينا ﵊، ثم قال: وشرحنا لك صدرك معنىً عندما جمعنا لك التوحيد في صدرك وأنزلنا عليك القرآن، وعلمناك ما لم تكن تعلم وكان فضلنا عليك عظيماً، فحصل لك هذا وشرحنا لك صدرك عندما ألهمناك العمل بما أوحينا إليك وقويناك عليه.
ثم قال الإمام ابن العربي: وبهذا يحصل كمال الشرح وزوال التَّرَح – وهو الغم.
الحاصل أن سورة ألم نشرح لك تدل على حادثة شق الصدر التي حدثت لنبينا عليه صلوات الله وسلامه.
القسم الثاني:
الآيات الأرضية التي رآها عندما أسري به إلى بيت المقدس ماذا رأى من آيات؟
وقد رأى آيات كثيرة، سنتكلم على خمسة منها فقط، على طريق الإيجاز – وإن شاء الله تعالى، دون تفصيل في غيرها:
الآية الأولي: ركوب البراق:
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أتيت بالبراق مسرجاً ملجماً – وهو دابة دون البغل وفوق الحمار وهو دابة أبيض، يضع خطوه عند منتهى طرفه]
وتقدم معنا في سنن الترمذي وصحيح ابن حيان – عندما قدم البراق لنبينا ﵊ (استصعب عليه (، وفي رواية ابن عباس في المغازي: (قدم البراق لنبينا ﵊ وعدم انقياد وعدم ذلة وفي خلقه صعوبة وشراسة – فقال له جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مالك فما ركبك أكرم على الله منه. (
وفي رواية ابن إسحاق قال له جبريل: (أما تستحي، فارفض عرقاً (وتقدم معنا أي تصبب عرقاً. وتقدم معنا إخوتي الكرام أن سبب شراسته ونفوره أمران ذكرناهما هناك
стр. 1068
إذن هذا البراق وهو آية حصلت لنبينا ﵊ في إسرائه، إما عندما عرج به وهو في المعراج سنتكلم على هذا في الآيات التي رآها في السموات إن شاء الله تعالى.
وهذه الآية العظيمة التي حصلت لنبينا ﵊ – من باب خرق العادات – وكما تقدم معنا أن كل ما ورد به السمع يجب الإيمان به، ووجود دابة اسمها البراق ممكن وليس مستحيلاً، والإسراء بنبينا ﵊ من مكة إلى بيت المقدس ممكن وليس مستحيلاً، وورد السمع بكليهما، بالبراق الحديث السابق و (سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) ، وبما أن الأمرين كليهما ممكن وورد السمع به فيجب الإيمان به، لأن القسمة العقلية في الأشياء الموجودة بأسرها تنحصر في ثلاثة لا رابع لها:
١- وجود واجب.
٢- وجود مستحيل ممتنع.
٣- وجود ممكن جائز.
أما الواجب فلا يتصور في العقل هدمه، كوجود ربنا وحياته، وهذا ما يسمى بواجب الوجود فلا يتصور زوال الحياة أو الفناء على رب الأرض والسماء، فهذا واجب الوجود، وهو أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء (
أما المستحيل الممتنع فهو – كما ذكرنا سابقاً – الجمع بين النقيضين أو نفي النقيضين.
أما الجائز الممكن فهو يتصور وجوده ويتصور عدمه ليس وجوده في الحياة فقط بل في جميع الاعتبارات غنىً وفقر، ذكورته وأنوثته وجماله، ودمامته، وطوله وقصره، وكونه إنساناً أو جماداً فهذا كله ممكن يقدره الله أن يقلب الجماد إلى إنسان كقوله تعالى (إذ انبعث أشقاها) الآيات.
стр. 1069
وذلك أن قوم ثمود قالوا لنبيهم صالح ﵊: لن نؤمن لك إلا أن تخرج لنا ناقة عشراء (أي حامل ملقحة) من صخرة؟ فقال لهم: إن أخرجتها تؤمنون؟ فقالوا نؤمن، فدعا ربه فأخرج لهم ناقة عشراء من صخرة صماء، ثم لما خرجت ولدت وليداً ورأوها ورأوا ودلها وسمعوا صوته ثم بعد ذلك قال لهم: إن كان الأمر كذلك فهذه الناقة لها حق عليكم فهذا الماء الذي تردونه يوم لكم ويوم لها، فأما اليوم الذي لكم فتزودوا ما شئتم،وأما اليوم الذي لها فاحلبوا منها ما شئتم، أي بدل الماء لكم لبن، لكن لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
ثم بعد ذلك عقروها فعاقبهم الله ودمر عليكم، فهذا ممكن ورد السمع به فيجب الإيمان به.
فلابد من أن يحترم الإنسان عقله ويقف عند حده ولا يهوس ولا يوسوس ولا يرتاب ولا يشك فهذه هي قدرة الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
والآن في عصرنا توجد مدرسة تسمى المدرسة العقلية، وهي حقيقة مدرسة ردية وليست بمدرسة للعقل بل مدرسة زوال العقل، ومدرسة خبل لا مدرسة عقل، ولا عقلاء تقول هذه المدرسة:
(كل خارق للعادة ننفيه أو نؤوله بما يتمشي مع العقل) ، هكذا تقول مع أنه قد علمنا أن الخارق للعادة هو في الأصل ليس خارقاً للعقل وليس بمستحيل ولا يوجد بين خارق العادة والعقل معارضة ولا تضارب حتى نجمع بينهما بل نقول العقل يسلم والله على كل شيء قدير.
وقالوا: لابد من جعل الإسلام بصورة تقبلها الأذهان في هذه الأيام.
قلنا لهم: وماذا تفعلون بالخوارق الموجودة في القرآن أو السنة الصحيحة؟
قالوا: هذه سهلة مثلاً:
١- (اقتربت الساعة وانشق القمر) :
يقول رشيد رضا ومحمد عبده: (وانشق القمر) أي ظهر الحق ووضح، وأما انشقاق القمر فهذه خرافة تتنافي مع العقل والإسلام لم يأت بهذه الأشياء لئلا يحرج الناس وهل النبوة لا تثبت إلا بخوارق العادة؟
стр. 1070
٢- (واضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) يقولون: حصل في البحر انحسار ثم عاد إلى مكانه وغرق فرعون وقومه، لكن لم يحصل بخارق من خوارق العادة أي لم يحصل بسبب ضرب موسى البحر بعصاه، قلنا لهم إذن كيف يحصل؟
قالوا: البحر فيه مد وجزر فلما وصل موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ومن معه إلى شاطئه حصل فيه جزر أي انحسر ماؤه، فسار نبينا ﵊، وهذه سنة طبيعية دائمة الحصول في البحر، فإذن جف عندما وصل موسى لكن عندما تبعهم فرعون مد البحر نفسه فحصل فيه امتداد وغرق فرعون.
ولكن هل يقبل هذا التأويل عقل؟
سبحان الله أنتم أردتم أن تمشوا هذه المعجزة مع العقل فأتيتم بما هو أغرب على العقل؟ فكيف سيحصل الانحسار والجزر ثم تمشي فيه المخلوقات ولا تغوص أرجلهم في المكان الذي كان فيه ماء، وانظر للسيل مثلا ً عندما يجف من وادٍ فيبقى الوادي أكثر من شهر ولا تستطيع أن تمشي فيه من أثر الطين والوحل، فكيف هذا الجيش بكامله سيمرون عليه كما قال تعالى (طريقاً يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى) .
ثم لو سلمنا لكم أنه جف بطريق الانحسار والجزر، فكيف الحال مع جيش فرعون الذي كان وراء جيش موسى وما بينهما مسافة؟! كما قال قوم موسى إنا لمدركون فإذا انحسر البحر وتقدم فيه موسى ١٠٠ متر فإن فرعون وراءه وإلى أين سيفر موسى ما دام البحر أمامه لم ينحسر إلا جزء منه؟! بل لابد من جفاف البحر كله وهذا لم يحصل، وهذا على التسليم بقولكم.
٣- (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد)
يقولون: الطير هو جيش والهدهد هو اسم أمير الجيش.
٤- (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة)
يقولون: وادي النمل هو اسم لوادٍ يسمى بهذا الاسم، قالت نملة: أي امرأة عرجاء واسمها نملة.
وإنما قالوا كل هذا قالوا: لنخرج القرآن من هذه المعجزات التي لا تتمشى مع العقل فأتوا حقيقة بما لو ثبت لكان هو الذي لا يتمشى مع العقل.
стр. 1071
إخوتي الكرام ... أول دعامة عندنا من دعامات الإيمان، الإيمان بالرحمن، فهل هذا غيب أم مشاهدة؟ بل هو غيب (الذين يؤمنون بالغيب) ، ولا يثبت للإنسان قدم في الإيمان إلا أن يؤمن بالغيب.
فلم نأتي بعد بذلك ونشوش ونكثر اللغط حول هذه الأمور التي أخبرنا عنها العزيز الغفور الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون.
وهذه المدرسة العقلية لها في عصرنا رواج وانتشار ويستقي من ضرعها المدعو محمد الغزالي جند جنوده وطياشته تحت ستار هذه المدرسة لمحاربة حديث الرسول ﷺ بحجة أنه لا يتمشى مع العقل فكم من حديث في الصحيحين رواه ويقول لا يتنافى مع العقل.
فمثلا: حديث مجيء ملك الموت إلى موسى – وهو في الصحيحين – أن رسول الله ﷺ قال: [جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه فضربه نبي الله موسى فقلع علينه فذهب إلى ربه وقال، رب أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت، قال: اذهب إليه فليضع يده على مسك ثور – أي جلد ثور- فإن له بل شعره تغطيها يده سنة] ومعلوم أن موسى كان مما آتاه الله بسطة في جسمه، ويقول عنه ﷺ في حديث الإسراء [كأنه من رجال أزد شنوءة] أي طويل جهيد ضخم، فالله أعلم كم سيكون حجم يده؟! وتتمة الحديث [قال ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال من الآن، قال من الآن] .
ويقول هذا المدعو عن الحديث خرافة من الخرافات، أشبه بالخرافات المنقولة عن بني إسرائيل يقول هذا مع أن الحديث في أصح كتاب بعد كتاب الله، وهو البخاري ومن بعده مسلم.
ثم يقول: فكيف يضرب موسى ملك الموت؟ وكيف يقلع عينه؟ وكيف لا يرغب موسى في لقاء الله؟
стр. 1072
سبحان الله كل هذا لا وجود له في الحديث فمن أين أتيت به؟ كما أن موسى أعلى منزلة من ملك الموت عند الله، يضاف إلى هذا أن الأنبياء لا تقبض أرواحهم إلا بعد تخييرهم فجاء ملك الموت ليخير موسى وهذه للأنبياء خاصة ولذلك قال نبينا ﵊ على المنبر: [إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين الآخرة فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر ﵁، قال الصحابة: علام يبكي هذا الرجل؟] وإنما بكى رضوان الله عليه لأنه علم أن هذا العبد المخير هو رسول الله ﷺ .
فإذن الأنبياء لا يقبضون إلا بعد أن يخيروا، وإذا قبضوا يدفنوا في مكانهم، والأرض لا تأكل أجسادهم وأبدانهم إكراماً من الله لهم.
فجاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أمرني الله بقبض روحك إذا شئت – وقد كان في طبع نبي الله موسى حدة – كما ذكرت لكم وسأوضحه في الآيات السماوية التي حصلت لخير البرية عليه صلوات الله وسلامه في رحلة المعراج فضربه وهو كما قلنا أرفع منه منزلة وهل ضربه (١) في عالم الحقيقة أم في عالم المثال؟
стр. 1073
بل كان هذا في عالم المثال، فملك الموت لم يأت لموسى بصورته الحقيقية، وكذلك كان جبريل يأتي النبي ﷺ في غير صورته، فكان يأتي بصورة دحية الكلبي أو في صورة أعرابي سائل وغيرها من الصور ولا يأتيه بصورته الحقيقية إذ أن صورته الحقيقية أن له ستمائة جناح، وملك الموت لو جاء بصورته الحقيقية لهدمت العمارات من رؤية صورته، فإذا جاء ملك الموت بصورة صديق لموسى وهذا من باب الغيب الذي نؤمن به ولا نبحث في كيفيته، فموسى له ومنزلة ورتبه على ملك الموت فضربه فقلع عينه المثالية وليس في هذا إشكال.
وهذا كما لو ضربت شخصاً تحبه ويحبك، وقلعت عينه لكن في المنام ثم أخبرته في الصباح برؤياك فتراه، يقول لك لو قلعت عيني الأخرى، وهل ضربك عندي إلا أحلى من العسل وهذا مشاهد فإذا لوح موسى لملك الموت وضربه في عالم المثال فليس فيه منقصة، فهذا الضرب كان انفعال مؤقت وغضب ولا لأجل نفور منه.
فذهب ملك الموت إلى الله جل وعلا فرد عينه المثالية التي قلت في عالم المثال دون تغير لحقيقة الأمر، ولا تسال عن كيفية هذا.
ثم جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: إني مرسل من قبل الله بخبر ٍ آخر، فالله يقول لك إن شئت أن نقبض روحك الآن فقد انتهى أجلك، وإن شئت أن نمد في حياتك فلك ذلك لكن على أن تضع يدك على مسك ثور، فكم سنة ستعيشه يبارك الله لك فيها، فقال موسى: فبعدها؟ فقال له ملك الموت: لابد من الموت، فقال: فمن الآن، فقبض روحه وقال: اللهم قربني وأدنني من الأرض المباركة رمية حجر فيستحب إذن الدفن في الأرض الصالحة المباركة بجوار بيت المقدس وسيأتينا في حديث الإسراء أن النبي ﷺ رآه عند الكثيب الأحمر قائماً يصلي في قبره، ثم قال: لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره الذي يصلي فيه نبي الله موسى ﵊.
فهل في فهم هذا الحديث على هذا المعنى إشكال؟
فإن قيل: كيف فعل نبي الله موسي هذا في عالم المثال؟
стр. 1074
نقول: لأنه أعلى من الملك منزلة وله عليه، فله أن يعزره، كما أن للأستاذ أن يعزر أحد طلابه إذا لح عليه في الأسئلة، فله أن يعزره ولو كانت أسئلته كلها جيدة ولا منقصة في هذا للمعزر ولا للمعزر.
وهذا قد كان في القديم، ولكن للأسف الآن ما عاد الطالب ليتحمل تعزيراً من أستاذه بل تراه يصول ويجول إذا قال له الأستاذ أو الشيخ اسكت أو ضغط على أذنيه، ونحو هذا من المتغيرات والله المستعان.
(قصة أحد الطلاب الذين أرادوا تهذيب نفوسهم طلبوا العلم عند أحد المشايخ وألح عليه في طلبه، وبعدما قال له الشيخ كذبت – اختباراً له – اغتاظ الطالب وسب الشيخ ومن علمه وسب أهل الأرض جميعاً..إلخ القصة) .
(قصة شيخنا الطحان مع شيخه الشنقيطي في شأن القنوت لما قال له كذبت، فماذا كان موقف شيخنا الطحان؟)
فهنا عندما يضرب موسى ملك الموت فهل في هذا محظور أو إشكال، وهل هذه منقصة، ووالله لو ضربه في عالم الحقيقة لما كان عليه منقصة لأنه أرفع من ملك الموت.
أوليس قد ضرب أخاه هارون وأخذ بلحيته ورأسه يجره إليه فهذا انفعال في وقت محدد زال أثره بعد ذلك.
فانظر إلى أفكار هذه المدرسة العقلية الردية وانتبهوا منها.
قد يقول قائل: لما جيء بالبراق – الذي ركبه نبينا ﵊ – مع أنه بإمكان ربنا أن يسري بنبينا ﵊ إلى بيت المقدس دون البراق؟
نقول: فعل هذا لاعتبارين:
الاعتبار الأول: تأنيس بالعادة عند خرق العادة، فقد جرت العادة عندما يدعوك أمير أو صاحب منصب أن يقدم لك مركوباً ويحضر لك عطية ويرسل من يخدمك من أجل أن يصحبك إلى بيته، فهذا مما جرت به العادة.
فآنس ربنا نبيه بالعادة عند خرق العادة لئلا يكون الخارق من جميع الجهات، بل من جهة يأنس فيقدم له مركوب يركبه، ومن جهة أخرى هذا المركوب خرق للعادة وهذا واضح.
стр. 1075
الاعتبار الثاني: ليكون أبهى وأفخم لنبينا المكرم عليه صلوات الله وسلامه عندما يسري به إلى بيت المقدس في صورة راكب.
والراكب أعز وأبهى وأعلى مما لو أخذ إلى بيت المقدس في غير هذه الصورة، فلو نقل دون ركوب دابة فيكون قد وصل إلى بيت المقدس في صورة نائم مغمىً عليه، ولو قيل له: ضع خطوك من مكة إلى جهة بيت المقدس ففي خطوتين تصل إلى هناك فهذا يكون قد وصل في صورة ماش ٍ.
وأيها أعز الراكب أم النائم أو الماشي؟ بل الراكب، وانظر إلى ربنا ماذا يقول عن أهل الجنة (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) والذي سيق دوابهم لا هم، فيسق المتقون وهم يركبون الدواب، فإذن يدخلون الجنة وهم يركبون الدواب والنجائب – جمع نجيبة وهي السباقة من الخيل الكريمة العتاق – ليكون أعز لهم وأبهى، ولا يساقون لأن سوق الإنسان منقصة له.
وهذا المعني أي معني الآية (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى..) يكاد يكون المفسرين مجمعين عليه وما خالف فيه إلا قليل، ولا يوجد أثر مرفوع إلى نبينا ﵊ في هذه الدلالة، وهي أن المتقين تساق نجائبهم، لكن أخذ المفسرون هذا من قول الله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال ابن منظور في لسان العرب (٤/٤٨٠) الوفدهم الركبان المكرمون. وانظر إلى كلام الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره (١٥/٢٨٥) يقول في حق الفريقين " وسيق بلفظ واحدة فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان كما يفعل بالأسارى والخارجين إلى السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل.
وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين"
وهذا هو الذي ذكره الإمام ابن كثير في تفسيره (٤/٦٥) ، وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة.
стр. 1076
وأما في حق الكفار فقال تعالى (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) ، فهنا هم سيقوا ودفعوا كما يدفع المسجون المجرم في هذه الحياة لهم، كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) ولذلك (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) فيدفع أولهم على آخرهم، وآخرهم على أولهم كما يفعل بالمجرمين في هذه الحياة.
ولذلك انظر إلى ما قاله الله عن أبواب الجنة وما قاله عن أبواب النيران:
(حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فهذا لأبواب جهنم، أي تفتح بغتة وفجأة، فيساق ولا يدري إلى أن يذهب فلما يقترب منها تصيح وتفتح أبوابها فجأة وتلتهمهم.
وقال عن أبواب الجنة (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فتساق ركائبهم ونجائبهم التي يركبون عليها والجنة مفتحة أبوابها وهم ينظرون إليها فيطيرون شوقاً ويسرجون الدواب من أجل أن يصلوا إلى نعيم الكريم الوهاب، فإذن هنا الأبواب مفتوحة.
ولذلك كان الجلوس عند الباب مذلة، والأمير عندنا في الدولة الإسلامية لا يغلق باباً ولا يتخذ حجاباً، لأنه لو فعل هذا لأذل الرعية، ولما وصل إليه وإلى مجلسه إلا أناس مخصصون.
عن بصر نبينا ﵊ بحيث رأى بيت المقدس وهو في مكة، وأي غرابة في هذا؟ وهذا ما تفيده رواية الصحيحين [فجلى الله لي] أي أظهر وكشف وبين.
والأمور الثلاثة محتملة والعلم عند الله، فأي ذلك حصل حقيقة؟ لا يعلم ذلك إلا الله، وحقيقة هذه الآية أكبر شاهد على صدق نبينا ﵊ في دعواه أنه أسري به، وأنه رسول الله حقاً وصدقاً.
الآية الثالثة:
стр. 1077
وحصلت له في داخل المسجد الأقصى، جمع الله له الأنبياء من سمي منهم في القرآن ومن لم يسم من عهد آدم إلى عهده عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا عدتهم (١٢٤.٠٠٠) جمعوا في تلك الليلة، ولما أقيمت الصلاة ليصلوا ركعتين تعظيماً لله تقدم جبريل بأخذ بيدي محمد ﵊ وقدمه إماماً بهم – وهو أفضلهم وأكرمهم كما تقدم معنا وهو أفضل الخلق على الإطلاق – فصلَّى بهم ركعتين ثم بعد الصلاة جلس الأنبياء يتحدثون بفضل الله عليهم فكل واحد ألقى خطبة – إذن (١٢٤.٠٠٠) خطبة ألقيت في تلك اللحظة – أثنى فيها على ربه وذكر ما من الله به عليه ثم ختم الخطب نبينا ﵊ فقال في خطبته: إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأرسلني للناس كافة بشيراً ونذيراً وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شيء وجعل أمتي خير الأمم وجعل أمتي وسطاً وأمتي هم الأولون والآخرون يوم القيامة – أي آخرون في الزمن، والأولون أي يوم القيامة – وشرح الله صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً، ففتح الله به آذاناً عمياً وقلوباً غلفاً وآذاناً صماً وهو خاتم النبيين فقال خليل الرحمن إبراهيم بهذا فضلكم محمد، وإبراهيم هو الذي يليه في الفضل وهو صاحب المرتبة الثانية بعد نبينا ﵊ فاعترف أن هذا النبي هو أفضل أنبياء الله ورسله.
стр. 1078
والحديث في ذلك وارد في المعجم الكبير للطبراني، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى بسند رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: [ثم دخلنا المسجد فنشر الله لي الأنبياء من سمي ومن لم يسم – أي في القرآن – فصليت بهم ... ] وانظروا الحديث إخوتي الكرام في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/٦٨) للإمام الحافظ ابن حجر الهيثمي، وهو غير ابن حجر الهيتمي، وغير ابن حجر العسقلاني العالم الحافظ المشهور فلا تخلطوا بين الثلاثة فالهيثمي توفي سنة ٨٠٧هـ، والهيتمي من علماء القرن العاشر الهجري، والعسقلاني توفي سنة ٨٥٢ هـ وهو تلميذ الهيثمي.
أخوتي الكرام ... من هذا الكتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) لو وزن بالذهب وقيل لطالب العلم اختر الذهب أو هو، لقال الطالب الحقيقي لو أعطيتموني عشرة أمثاله من ذهب، لما أخذتها وأخذت الكتاب.
وهذا الكتاب في زوائد ستة كتب على ستة كتب، فإذا جمعت الستة مع هذا تكاد أن تكون جمعت السنة بأسرها وقل أن يخرج حديث عن هذه الكتب التي هي ستة مع هذا الكتاب.
فهذا زوائد ستة كتب وهي مسند الإمام أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني، والمعجم الأوسط له والمعجم الصغير له أيضاً.
على ستة كتب وهي البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي، وابن ماجه (وفي الحقيقة قد جرى خلاف بين العلماء في عد الكتاب السادس من اصطلاح الكتب الستة) المشهور هل هو ابن ماجه وهو المشهور أو موطأ مالك كما هو في جامع الأصول لابن الأثير أو مسند الدارمي، والذي مشى عليه الهيثمي في مجمع الزوائد هو عد ابن ماجه) .
الآية الرابعة من الآيات الأرضية:
وحصلت له في بيت المقدس أيضاً، وتكررت في السماء فلن نعيد الكلام عليها عندما نصل إلى الآيات السماوية التي رآها خير البرية صلوات الله عليه وسلامه عندما عرج به.
هذه الآية هي أنه قدم له أربعة أقداح:
стр. 1079
وهذا خلاصة الروايات وبعد أن أذكرها لكم وحاصل ما فيها أرشدكم إلى مصادرها لترجعوا إليها لأن في بعض الروايات أنه قدم له قدحان، وبعضها ثلاثة أقداح وبعضها أنه حصل هذا في بيت المقدس وبعضها أنه حصل في السماء عند سدرة المنتهى.
والمعتمد أنه تكرر عرض الآنية على نبينا ﵊ مرة في بيت المقدس ومرة في السماء وكل مرة لها حكمة كما تقدم معنا في شق صدر النبي ﷺ أربع مرات وكل مرة لها حكمة وهذا الأمر كذلك، ومجموع الآنية أربع لكن بعض الرواة قصر في الحفظ فذكر بعض هذه الآنية.
الحاصل أن مجموع ما عرض على الرسول ﷺ أربع آنية في حادثة الإسراء بعد أن ألقى كل نبي خطبته في بيت المقدس: يقول النبي ﵊: [ثم جاءني جبريل بأربعة آنية، إناء فيه ماء،وإناء فيه عسل، وإناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، فقال: ألا تشرب يا محمد؟ عليه صلوات الله وسلامه] وكان سبب هذا الشرب وسبب عرض الآنية عليه هو لما حصل له من العطش في هذه الرحلة المباركة من مكة إلى بيت المقدس فإذن كان عرض الآنية عليه في الدنيا من أجل دفع الظمأ والعطش -[قال: فأخذت إناء الماء فشربت منه قليلا ً، فقال لي جبريل: لو ارتويت منه لغرقت وغرقت أمتك] والسبب في هذا أن الماء ليس كاللبن الذي هو شراب وغذاء، إذ أن اللبن غذاء الفطرة وأما الماء فهو دافع العطش والظمأ فقط فيأخذ الإنسان بمقدار دفع الحاجة فلو أخذ منه أكثر من المطلوب لآذى نفسه، ولو سلك الإمام طريق الأذى فالرعية سيسيرون وراءه، فأنت لو أخذت من الماء أكثر من حاجتك لنتج عن هذا أنك تغرق في شعب الدنيا وأوديتها وحطامها ولذائذها وتنهمك فيها وتعرض عن الآخرة وحاشاك من ذلك، إنما هذا على سبيل الافتراض البعيد ولغرقت أمتك أي لتبعت الدنيا وأعرضت عن الآخرة.
стр. 1080
إذن الانهماك في الماء والأخذ منه فوق الحاجة يدل على ركون إلى الدنيا، وقد كان نبينا ﵊ أزهد خلق الله في حطام الدنيا وهو الذي يقول: [مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها] ، وقال في الحديث (قال) ولم يقل (نام) لأن القيلولة وقتها قصير من بعد الظهر إلى العصر بخلاف النوم، فإنه يكون طويلا ً لوقوعه في الليل، وهذا هو حال نبينا ﵊ كان قليل النوم وكان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فإذا فرغت فانصب أي إذا فرغت من طاعة فانصب إلى طاعة أخرى وعملك جد متواصل وليس عندك كسل ولا فتور كما هو الحال في جامعاتنا الهابطة (٤) شهور إجازة وعطلة، أي الطالب يصبح عاطلا ً، وطالب العلم الحقيقي لا يتوقف عن العلم إلا في مناسبات شرعها الإسلام كالعيدين، وما عداهما فلا ينبغي أن يتوقف عن العلم أو يعطى عطلة والله المستعان، فلا يوجد في قاموس المسلمين شيء اسمه عطلة لأن الله سبحانه يقول لنبيه ونحن له في هذا تبع (فإذا فرغت فانصب) ، فإذا فرغت من طاعة وعمل فانصب إلى عمل آخر ولا تظن أن العمل انتهى لأن الدنيا مزرعة الآخرة ولابد من غرس عمل متواصل، أما الحصاد ففي يوم الدين (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) والمزارع لا يعرف العطلة في موسم الزراعة، فذاك هو حال نبينا ﵊ مع الدنيا.
[وأما إناء العسل فأخذه النبي ﷺ وشرب منه قليلا ً] وذلك لأن العسل شفاء كما قال تعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فإذن هو بمثابة الدواء والإنسان يأخذ منه بمقدار الحاجة، فالنبي ﷺ أخذ منه غذاءً لشفاء البدن وصحته.
стр. 1081
والعسل من آيات الله البارزة التي يخرج من هذا الحيوان وهي النحلة، قيل لبعض الصالحين: بأي شيء عرفت ربك؟ قال: بالنحلة قالوا: وكيف؟ قال: بأحد طرفيها تعسل وبالطرف الآخر تلسع، ومقلوب العسل لسع، أي عكس كلمة (عسل) خطاً (لسع) .
وهذا من عظيم قدرة الله كيف يخلق المتضادات وليس المتناقضات في بدن واحد، ففيها سمية وفيها مادة حلوة عسلية، والعسل هذا من الأغذية المباركة وقد ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم (٤/٢٠٠، ٤٠٣) بسند صحيح كالشمس عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً، وروي موقوفاً عليه بإسنادين والموقوف له حكم الربع وفيه [عليكم بالشفاءين العسل والقرآن] أما القرآن فقوله تعالى دال على ذلك (قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) وهو – أي القرآن – لعقولنا كالشمس لأعيننا، وعين بلا أنوار لا ترى وعقل بلا وحي لا يهتدي، وهو لأرواحنا كالماء للسمك، فسمك بلا ماء لا يعيش وأرواح بلا قرآن ميتة (أومن كان ميتاً فأحييناه) (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) .
стр. 1082
وأما العسل فهو الشفاء الثاني، وقد توصل من نحاسة بعض الأطباء ونكدهم وغلظ قلوبهم وفساد عقولهم في هذه الأيام أنهم يصفون الخمر علاجاً لبعض الأمراض؟ فهل يعقل أن تصبح أم الخبائث شفاءً والشفاء صار داءً؟ لكننا في عصر اختلت فيه الموازين من جميع جهاتها فصار الباطل حقاً والحق باطلا ً، وصار الكذاب صادقاً والصادق كذاباً، ونطق الرويبضة في أمر العامة وهو الحقير ابن الحقير؟ ، فإذن صار الشفاء وهو العسل في عصرنا داءً، وهذا العسل مثل التمر الذي هو أطيب طعام وأنفعه للبدن، ويقول الأطباء – وسيأتينا الإشارة له عند اللبن – لا يوجد غذاء فيه جميع ما يحتاجه الجسم إذا أخذه الإنسان لا يحتاج غيره إلا اللبن والتمر فقط، ولو عشت طول حياتك لم تأكل إلا لبناً وتمراً لعشت في أتم صحة وعافية، وقد كانت أهلة تمرُّ على بيوت النبي ﷺ التسع ولا يوقد في بيته نار، فقال عروة: يا خالتي – عائشة – ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء. ولم تقل الأبيضان من باب التغليب وتعلق الصحة بالتمر، وجعلته أسود لأن غالب تمر المدينة أسود.
[استطرد الشيخ في ذكر خبث الغرب في تحضيرهم للأغذية وأنهم لا يتورعون عن تنجيسها بغائطهم وبولهم ثم ذكر شيخ الإسلام مصطفى صبري آخر شيخ للإسلام لآخر دولة إسلامية وهو صاحب كتاب (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) في أربع مجلدات، وصاحب كتاب (قولي في المرأة) رد فيه على قاسم أمين، الشاهد يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري في كتابه (موقف العقل والعلم والعالم) لو أن الكفار صدروا إلينا عذرتهم رطبة لأكلناها، وهو كذلك، وما مرت فترة على الدولة الإسلامية ضربت فيها بالذل نحو أعداء الله إلا في هذا الأيام وهذا العصر)
стр. 1083
فالعسل هو الشفاء والخمر هو الداء، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لأن نشرب زجاجة العسل كلها بل نشرب بمقدار الحاجة. ولذلك فقد شرب النبي ﷺ ما يحتاجه فقط.
[وأما اللبن فشرب منه نبينا ﷺ وتضلع] أي حتى صار اللبن – والمقصود باللبن الحليب – في جميع ضلوعه وملأها بحيث ما بقي فيه مسلك، فتضلع كما يسن لنا أن نتضلع من ماء زمزم، أي لا يبقي في أضلاعك وبينها فجوة إلا ودخلها ماء زمزم، وآية ما بين المؤمنين والمنافقين التضلع من ماء زمزم وماء زمزم لما شرب له كما قال نبينا ﵊ والحديث بسند حسن وتقدم.
فإذن كما تتضلع من ماء زمزم لأجل البركة، فاللبن تضلع منه نبينا ﵊ لأنه غذاء الفطرة، وهو شراب وطعام، وعليه يعيش المولود من بني الإِنسان في صغره فيبقى سنتين يرضع من ثدي أمه هذا ولا يأكل ولا يشرب غيره.
إذن فإذا كنا على فطرتنا السوية فإننا نتزود من اللبن ولذلك أرشدنا نبينا ﷺ إلى أدب ينبغي أن نحافظ عليه إذا شربنا اللبن لنخبر عن استقامة فطرتنا، وإذا أكلنا أو شربنا غيره نقول دعاءً آخر ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: [من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه، ومن أسقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه] فلم يقل هنا وارزقنا خيراً منه بل قال وزدنا منه، بينما ذكر في الأول وارزقنا خيراً منه لأن كل طعام هناك ما هو خير منه وأنفع وأطيب ثم قال: [فإني لا أعلم ما يجزيء عن الطعام والشراب إلا اللبن] فلا تقل إذا شربت لبناً وارزقنا خيراً منه.
ولأجل ذلك تضلع النبي ﷺ من اللبن، وما بقي بين ضلوعه مسلك لدخول قطرة من شراب، [فقال له جبريل: هديت الفطرة] .
стр. 1084
[وأما الخمر فما مد نبينا ﷺ يده إليه أبدا ولم يشرب منه] .
وقد يقول قائل: ولم لم يشرب منها وهذه من خمر الجنة التي لا تسكر وليست من خمر الدنيا المسكرة بل هي من نهر الخمر الذي يجري في الجنة مع الأنهار الأخرى التي تخرج من أصل سدرة المنتهى؟
نقول: حتى لا يقوم مقام تهمة، وحتى لا يقف موقف تهمة، لأن لفظها واسمها خمر والخمر محرمة في الدنيا على هذه الأمة وحتى لا يقال إن النبي ﷺ شرب الخمر رغم أنها طاهرة وتلك مسكرة إلا أن الناس والعامة لا تعرف هذا ولا تدركه ولو عرفته لبقي في نفسها شيء نحو رسولنا محمد ﷺ فلأجل أن يحصل التذرع بفعل النبي ﷺ – الذي هو حقيقة لا إشكال فيه لو فعله – إذا شرب الخمر، فما شربها ﷺ لأجل ذلك [فقال له جبريل: لو شربت الخمر لغويت وغَوِيَتْ أمتك] ، وفي رواية [قال له: لما اتبعك أحد] لأنهم سيتوسعون ويخرجون عن دين الحي القيوم فيقولون نبينا شرب الخمر فنحن أيضاً نشربها مع اختلاف الخمرين لكن العامة لا تدرك هذا ولا تعيه.
إخوتي الكرام ... العلماء ينظر إليهم العامة دائماً ويقتدون بهم، فالعالم إذا توسع في المباح توسع العامة في المكروهات، وإذا توسع في المكروهات توسعوا في المحرمات فإذا وقع العالم في الحرام كفرت العامة فتنبهوا لهذا رحمكم الله.
стр. 1085
لذلك لا يجوز للمؤمن أن يقوم مقام تهمة أو أن يقف موقف ريبة، فمثلا ً إذا ذهب طالب العلم إلى مكان ريبة، ومكان فساد كشواطئ البحار ولكن ابتعد عن مكان الفساد وصد وجهه عن المفسدين فهذا في الحقيقة ليس عليه وزر أو إثم لكن لو رآه الناس موجوداً في هذا المكان لبدأوا باتهامه، ولو كان يجلس بعيداً لأن الناس لا تعذر، فكان الواجب على هذا الطالب أن لا يذهب إلى هذا المكان المحدد أو في هذا الوقت بل يحاول أن يتجنب مثل هذه الأوقات والأماكن حتى لا يتكلم عليه الناس ولا يتذرع العامة بفعله.
فمن أقام نفسه مقام ريبة وتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقمن مقام تهمة وريبة – هذا ليس بحديث ولكن معناه صحيح – وقد وردت أحاديث بهذا المعنى منها في الصحيحين [فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه] ودلَّ عليه حديث في المستدرك وسنن الترمذي وغيره بسند صحيح عن عطية السعدي: [لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس] .
فيحتاط نبينا ﵊ – وهو إمامنا في الاحتياط والورع – لم يمد يده إلى الخمر مع أنها طاهرة وحلال ومنعشة ونافعة سنشربها في الآخرة حتى لا يتذرع العامة بفعله إذا شربها.
وهذه الآنية عرضت على نبينا ﵊ في بيت المقدس – كما ذكرنا – لدفع العطش وعرضت عليه فوق السموات العلا عند سدرة المنتهى من باب الضيافة والكرم، فلما رأى هذه الأنهار الأربعة تنبع من أصل سدرة المنتهى قدم له من كل نهر إناء فيه من ذلك النهر.
وحاله في السموات كحاله في الأرض فشرب من الماء قليلا ً، والعسل قليلا ً، واللبن تضلع منه وأما الخمر فما مد نبينا ﵊ يده إليه أبداً.
ومن رأى نفسه في المنام وهو يشرب لبناً فليحمد الله، لأن هذه الرؤيا تدل على أمرين:
(١) أنه على الفطرة والدين المستقيم.
(٢) أن الله سيمنحه العلم النافع العظيم.
стр. 1086
وفي صحيح البخاري في كتاب التعبير بوب البخاري باباً بهذا الخصوص، فقال: باب اللبن في النوم، ثم ساق الحديث إلى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [بينما أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من تحت أظافري، ثم أعطيت فضلي عمر، قال فما أولت ذلك يا رسول الله، وقال: العلم] وعمر هو سيد المُحَدِّثين والْمُلْهَمِيْنَ في هذه الأمة فلا غرابة.
وثبت في مسند البزار بسند فيه ضعف ويشهد له ما تقدم والحديث في مجمع الزوائد (٧/١٨٣) في كتاب تعبير الرؤى، باب اللبن في المنام من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [اللبن في المنام فطرة] .
وفي حديث البخاري السابق منقبة لعمر وقد حصلت منقبة أخرى له في صحيح البخاري أيضاً في كتاب العلم يقول نبينا ﵊ [رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قُمُص – جمع قميص وهو ما يلبسه الإنسان، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض عليَّ عمر بن الخطاب في ثوب يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال الدين] .
الآية الخامسة:
وهي من الآيات الأرضية، وهي ما رآه ﷺ في طريقه من مكة إلى بيت المقدس.
فقد رأى آيات عظيمة وهي كثيرة كثيرة كثيرة ولا أريد التوسع فيها، لكن ارجعوا إلى مجمع الزوائد (١/٦٥) فما بعدها وانقلوا هذه الآيات واكتبوها مع هذا المبحث وانظروا في فتح الباري (٧/١٩٩) فما بعدها وانظروا في جامع الأصول (١١/٣١٠) .
وسأقتصر هنا في شرحي على آيتين والباقي تأخذونه من هذه الكتب فإنه كثير كثير:
١- الآية الأولى: ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي عن أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : [مررت ليلة أسري بي على موسى في قبره عند الكثيب الأحمر- وهو التلة من الرمل – وهو قائم يصلي] .
стр. 1087
وقد كنت أشرت سابقاً إلى أن أجساد الأنبياء في قبورهم لا تتغير، وهم أحياء فيها حياة يعلمها الله، ولا نعلم كيفيتها، ويكرمهم الله بكرامات عظيمة كما كان يكرمهم في حياتهم، من هذه الكرامات أن نبي الله موسى كان يصلي في قبره، ورآه نبينا ﵊ يصلي في قبره، فإن قيل: كيف هذا؟ نقول: قلنا إن حادثة الإسراء والمعراج معجزة ونبي الله موسى في عالم البرزخ، فالاطلاع عليه هذا من باب خرق العادات والممكنات التي أكرم الله بها خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلام لأصحابه لما ذكر لهم ذلك [لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره] ، أي لو كنت أنا وأنتم في ذلك المكان لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر عند البلاد المباركة.
فهذه آية نؤمن بها وهي من الإيمان بالغيب الذي نؤمن به ونكل علم معرفته إلى خالقه.
٢- الآية الثانية: وإنما اخترتها وأردت ذكرها لما فيها من غبرة وعظة، وهي إذا كانت المرأة تصل عزيمتها إلى هذا الحد، فالرجل ينبغي أن يستحي من الله وأن تكون عزيمته – على الأقل كعزيمتها – لا أقل منها.
فهذه الكرامة التي رآها نبينا ﵊ لامرأة صالحة ضعيفة مستضعفة وهذا كله من باب الاطلاع على ما في عالم البرزخ من عذاب أو نعيم، وعالم البرزخ لا يمكن أن نعلمه إلا عن طريق وحي صادق، فإذا نطق من لا ينطق عن الهوى آمنا به وصدقناه.
ثبت في مسند الإمام أحمد والبزار والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الأوسط له أيضاً عن ابن عباس ﵄ عن نبينا ﵊ قال: [مررت ليلة أسري بي بوادٍ فإذا فيه ريح طيبة، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها] .
س: ما السبب في حصول هذه الكرامة لها؟
стр. 1088
جـ: [كانت تسرح شعر ابنة فرعون وتمشطه فسقط المشط من يدها، فقالت باسم الله، فقالت هذه العاتية ابنة فرعون: أبي] أي باسم أبي الذي هو إله فالله يعني أبي، لأنه قال: أنا ربكم الأعلى، وكان رباً – كما يدعي – لأن الأنهار تجري من تحته، فتقول له يا منحوس، من الذي أجرى الأنهار من تحتك؟ فإنك تفتخر بملك غيرك، وتفتخر بنهر أجراه غيرك هل أنت الذي أجريتها وهل أنت الذي شققتها؟ إن هذه الأنهار التي تجري من تحتك عما قريب ستجري من فوقك وكل من ادعى دعوى قتله الله بدعواه.
يقول أئمتنا احذروا الدعوى، هي بلوى وإن صحت، فلا تقل أنا أحفظ وأنا أعلم كذا، فإنك حتى ما قلت (أنا) استوجبت الخزي بل الواجب أن تقول هذا بفضل الله وبرحمته ولذلك قال الله في الحديث القدسي: [فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] ، (وما بكم من نعمة فمن الله) فهو الذي وفق.
ولذلك العاتي النمروذ عندما تكبر وتجبر وقال أنا أحيي وأميت، أماته الله بأضعف جنده ببعوضة فقط، فدخلت إلى دماغه من أنفه، وبدأت تدور في رأسه فكان يجمع حاشيته وأصحابه ويعطيهم الأحذية الكبيرة الثقيلة ويقول لهم أخفقوني على رأسي لأجل أن تموت هذه البعوضة، فكان وزراؤه يضربونه – وقد كانت البعوضة تخمد عندما يأتيها الضرب فتقف ولا تتحرك، فإذا توقفوا عن الضرب بدأت بالحركة والطيران داخل دماغه حتى قتل ضرباً بالأحذية، فأنت يا من تقول بأنك تحيي وتميت لم تستطع أن تميت بعوضة، فإذن كل من ادعى بدعوى قتله الله بدعواه.
قال هارون الرشيد لمحمد بن السماك – وكان من العلماء الواعظين الصالحين – إذا كان الله حكيماً وخلق كل شيء لحكمة فعلام خلق الذباب؟ فقال: ليذل به الملوك يا أمير المؤمنين، أي أنت يا أمير المؤمنين لا يدخل عليك أحد إلا باستئذان إلا الذباب فإنما يدخل من غير استئذان.
стр. 1089
[فالماشطة سقط المدرا (المشط) من يدها فقالت باسم الله، قالت ابنة فرعون: أبي قالت: لا ربي وربك ورب أبيك، فقالت: أأخبر أبي بذلك؟ قالت: أخبريه، فأخبرته، فدعاها فرعون فقال لها: ألك رب غيري؟ ، قالت: نعم، ربي وربك الله، فأمرها أن تحضر هي وأولادها وقال: إما أن ترجعي عن دينك وتدخلي في ديني وتؤمني بأنني أنا الله الرب وإما أن أقتلك، فقالت، اقتلني بما شئت ولكن لي طلب عندك، قال: لك ما تريدين، قالت: إذا قتلتني فاجمع بين عظامي وعظام أولادي وادفنا في قبر واحد، فقال: لك ذلك] فوافق على ذلك لما لها عندهم من المنزلة والمكانة إذ أنت من خدم البيت ومن الحاشية لكن لأنك خرجت عن الدين فلابد لك من القتل.
[فأتي بنقرة من نحاس] وهي الحلة الكبيرة والقدر الواسع بحجم الغرفة بل البيت وهذه هي التي عذب بها النصارى في بلاد الأندلس المسلمين لما سقطت الأندلس، فقد كانوا يأتون بهذه القدور – النقرة – ويضعون تحتها ناراً حتى يحمى الماء فيها ويغلي غلياناً عظيماً، ثم يؤتى بالمؤمن، ويقال له إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك فيها وهم أفواج فلا يرجع عن دينه ثم يأتي بالثاني ويخير وهكذا وما يصدهم ذلك عن دين الله رغم ما يرونه من العذاب الشديد لدرجة أن هذا الماء من حرارته يذوب فيه اللحم والعظم فلا يبقي للمؤمن أثر فيه ولكنهم يثبتون على إيمانهم.
(قصة أحد المشايخ الذين حاولوا دخول مسجد قرطبة الذي صار كنيسة وكيف منعهم القسيس من دخوله – إلخ القصة)
[فأحماها وبدأ يضع أولادها واحداً بعد واحد فيها وهي تصبر وتحتسب حتى ألقاهم جميعاً وبقي بين يديها ولد صغير لازال رضيعاً في المهد فأشفقت عليه وخافت، فلما أخذوه منها ليلقى في هذه النقرة ارتاعت وتغيرت، وفظن فرعون أنها سترجع عن دينها شفقة على ابنها الصغير، فقال هذا الغلام الصغير: يا أماه إنك على الحق فاصبري وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة]
стр. 1090
قال نبينا ﵊: [لم يتكلم في المهد إلا أربعة ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وعيسى ﵇، وصاحب جُريج]
وصاحب جُريج هذا حديثه في الصحيحين وهو عابد وراهب [عندما كان يصلي دعته أمه فقال اللهم أمي وصلاتي] ولو كان فقيهاً لأجاب أمه لأنه إذا دعتك أمك وأنت في نافلة فاقطع النافلة وأجب أمك لأن إجابتها فريضة والنافلة سنة لك أن تقطعها. [ثم قالت: يا جُريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، ثم قالت: يا جُريج (للمرة الثالثة) فقال: اللهم أمي وصلاتي فقالت أمه: والحمد لله أنها لم تدع عليه بغير هذا – اللهم لا يموت جُريج حتى يرى وجوه المياميس – أي الزانيات – وكان هناك راع يرعى الغنم وهناك امرأة بغي اتصل بها هذا الراعي عن طريق الحرام وأحبلها قيل لها من أين هذا؟ قالت: من جُريج العابد الذي يعبد ربه في هذه الصومعة، فغضب بنو إسرائيل وحملوا المعاول والعصي وجاءوا إلى صومعته فهدموها، فقال لهم ماذا تفعلون؟ قالوا: تدعي أنك عابد راهب معتدل ثم بعد ذلك تعتدي على هذه المرأة، فقال: أين الغلام؟ فقيل له هذا، فأتى إليه جُريج ونقر على بطنه وقال: من أبوك يا بابوس؟ قال: فلان الراعي، فأكب الناس على قدمي جُريج يقبلونها ويقولون له نبني لك صومعة لبنة من ذهب ولبنة من فضة فقال: بل أعيدوها كما كانت] .
لكنه رأي وجوه المياميس رأى هذه المرأة التي وجهها منكر فيه هذا البلاء والغضب لأنه ما أجاب أمه، حذار حذار أن يدعو عليك أحد والديك إذن فهؤلاء تكلموا في المهد.
[فلما قال لها الغلام هذا طرحت الولد في النقرة ثم أخذوها وألقوها مع أولادها فاحترقوا جميعاً فجمع فرعون – عليه لعنة الله – عظامهم (١)