.. إذن هذا الميثاق – ميثاق عالم الذر - لا ينبغي أن يقول أحد نحن لا نعلم به فما فائدته؟!!!.
... هذه الآثار الثلاثة المتقدمة عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبيّ بن كعب ﵃ أجمعين ورد ما يدل عليها ويقررها من حيث المعنى العام لا من حيث التصريح بأن الله أخرجنا من ظهور آبائنا ومن صلب أبينا آدم في عالم الذر، ومن هذه الأحاديث:
١- ما ثبت في المسند والصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: [يقول الله جل وعلا للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم رب، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك العهد في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي] . فالحديث فيه دلالة على أنه أخذ علينا العهد في ظهر أبينا آدم لكن كيف كان؟ هذا لم يفصله الحديث.
٢- وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وأبي داود وموطأ مالك ومستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : [إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج من ظهره ذرية فقال هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ ، فقال النبي ﷺ : من خلقه الله للجنة فسيوفق لعمل أهل الجنة حتى يختم له بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، ومن خلقه الله للنار فسيوفق لعمل أهل النار ويختم له بعمل أهل النار فيدخل النار] ، فهذا الحديث فيه دلالة على أنه استخرجهم الله جل وعلا من صلب أبيهم آدم، فوقع هنا استخراج، والأحاديث المتقدمة دلت على أنه حصل استنطاق وإشهاد مع الاستخراج.
стр. 1332
وهذا التقدير الأزلي ليس فيه شائبة إكراه ولا قسر ولا جبر إنما ربنا جل وعلا يعلم الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة ويعلم ما سيقع في كونه وفي ملكه، فكونه يعلم أن هذا سيختار الكفر أو أن هذا سيختار الإيمان ليس في هذا جبر ولا إكراه، فالله جل وعلا لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وليس حاله كحال المخلوقات لا نعلم الأشياء إلا بعد وقوعها ولو قيل لنا فلان سيختم له على الإيمان أو الكفر؟ لقلنا لا ندري، ولو كان الله كحالنا لما كان إلهاً، وتنزه بل هو بكل شيء عليم يستوي في عمله ما وقع وما سيقع فالكل عنده سواء ولذلك العلم صفة انكشاف يعلم بها ربنا جل وعلا الأشياء على ما هي عليه وقعت أم لم تقع.
... ولو أن فلاناً من الناس قبل أن يتزوج قيل لنا ماذا سيولد له؟ هل نعلم؟ لا طيب ولو تزوج واستقر الحمل في بطن زوجته بعد أربعة أشهر يمكن أن نعلمه أم لا؟ يمكن أن نعلم ما في بطن زوجته هل ذكر أم أنثى لأنه لا يحول بيننا وبينه إلا جلدة البطن، فلو علمنا ما في الرحم بواسطة الأشعة فهذا ليس علماً بغيب وليس مختصاً بالرب بل علمته الملائكة التي تبعث إلى الجنين وهو في الرحم، فليس هذا العلم من العلم بالغيب الذي اختص به الرب جل وعلا، فإذا علمه الأطباء وقبلهم الملائكة فلا حرج في ذلك، لكن قبل أن تنفخ فيه الروح وهو نطفة لو اجتمع أطباء الأرض ليعرفوه هل هو ذكر أم أنثى لن يستطيعوا.
... ثم إن علم الأطباء هذا قاصر وجزئي، فإنهم لا يعلمون هل سيولد أعمى أم بصير، سميع أم أصم؟ ذكي أم بليد؟ طويل أم قصير؟ سمين أو ضعيف؟ سيقولون لك لا ندري، إذن لم يعلم الأطباء من الجنين إلا كونه ذكراً أو أنثى.
... إذا علمت هذا علمت سخف من يزعم أن القرآن متناقض ويقول كيف يقول الله في كتابه (يعلم ما في الأرحام) ونحن قد علمنا؟!! سبحان الله الحمد لله على نعمة العقل.
стр. 1333
.. الشاهد إخوتي الكرام ... ليس في قول ربنا [هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون] إكراه أو جبر لأن الله يعلم الغيب والمستقبل كما يعلم الحاضر، فهؤلاء للجنة أي سيؤمنون ويدخلون الجنة وأنَّ الله أعلم ما سيقع في المستقبل، [وهؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون] فسيكفرون وأنَّ الله أعلم ما سيكون في المستقبل، فكلام الله جل وعلا هذا ليس من باب الإكراه وإلا لارتفع التكليف، ولذلك لما قال الصحابة ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فحسب ما يختار يكون الأمر.
إخوتي الكرام ... لا يلتبس عليكم الأمر ولا بمقدار شعرة والشيطان يستغل مثل هذه الأحاديث ليلبس على الناس، عندنا للإنسان في هذه الحياة حالتان:
الحالة الأولي: هو فيها مكره، مجبور مقسور مسيّر لا اختيار له فيها ولا يستطيع أن يخرج عنها أبداً، فإذا وجدت هذه الحالة فلا ثواب ولا عقاب إلا إذا صدر منه رضاً أو كراهية نحو هذا الأمر الذي قُسِر عليه فيثاب أو يعاقب على العمل الذي صدر منه لا على ما وقع عليه قسراً
مثلاً: أنت خلقت ذكراً وتلك خلقت أنثى فهل لذكورتك فضل عند الله،وهل لأنوثتها نقص عند الله أو العكس؟ كلا، هذا غير حاصل لأن هذا (الذكورة والأنوثة) مما لا اختيار لواحد من الصنفين فيه، ولو كانت إحدى الصفتين باختيار الإنسان لربما قلنا في هذه مدح أو في هذه نقص، لكن ليس في هذه مدح ولا في هذه نقص (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) ، فلا ثواب على الذكور ولا عقاب على الأنوثة والعكس كذلك لا ثواب على الأنوثة ولا عقوبة على الذكورة، إنما يثاب الإنسان إن شكر الله على ذكورته أو أنوثته، ويعاقب إن كفر وسخط على ذلك وإن لم يحصل منه شكر ولا سخط فلا ثواب ولا عقاب.
стр. 1334
والحالة الثانية: هو فيها: مختار، مريد، شاءٍ (له مشيئة) ، مخيّر، انتبهوا لهذا لإزالة هذا الإشكال الذي يستفعله أحياناً الشيطان يقول للإنسان: إذا كنت مكرهاً ومقسوراً إذن لا حرج عليك في أن تفعل ما شئت إن كنت من أهل الجنة فستدخلها، إن كنت من أهل النار فلا داعي لأن تهتم وتجد وتجتهد في العبادة ونحو ذلك من الوساوس، هذا كلام باطل بل أنت مخير ومريد فيما يريد الشيطان أن يثني عزمك عن فعله في كل ما كلفنا به فعلاً أو تركاً نحن مخيرون مريدون.
المأمورات بأسرها والمنهيات بأسرها لنا فيها اختيار أو نحن مجبورون مكرهون؟ بل لنا فيها اختيار قطعاً وجزماً، فليس صلاتي كذكورتي، لأن ذكورتي لا يمكن أن أغيرها وأما صلاتي فيمكن لي أن أصلي ويمكن أن لا أصلي، وليس إيماني كلوني أيضاً.
فالإيمان والصلاة هذا اختياري، فكل ما كُلفنا به وهو محل الثواب والعقاب فهذا لك فيه اختيار والفارق بين الحالتين كالفارق بين تحريك اليد اختياراً أو اضطراراً، فالمرتعش تتحرك يده بغير اختياره اضطراراً فهو مجبور ولا يستطيع أن يسكنها، فذكورتنا وأنوثتنا، طولنا وقصرنا، جمالنا ودمامتنا، طول أعمارنا وقصرها، هذا كله كحركة المرتعش، مجبور مقسور.
... والأعمال الاختيارية التكليفية من أمر ونهي كالصلاة والصوم وترك الزنا والخمر، هذا كتحريك اليد باختيارك يمكنك تحريكها وتسكينها.
... فانتبهوا رحمكم الله فهذه المسألة ليست من باب القسر والجبو فكل ميسر لما خلق له، فما علمه الله منه سيقع، فعلم الله من هذا أنه سيؤمن، ومن ذاك سيكفر لكن ليس هذا العلم فيه قسر للعباد ولا إكراه لهم.
س: هل الإنسان الذي خلق للجنة سيوفق لعمل أهل الجنة؟ والذي خلق للنار سيوفق لعمل أهل النار أرجو توضيح هذا.
стр. 1335
جـ: لا شك عندنا أن الله جل وعلا منّ على المؤمن وخذل الكافر، فالتوفيق هذا شيء لا شك فيه. ولذلك المؤمن إذا عمل الطاعة فبجده واجتهاده أم بتوفيق الله له؟ بتوفيق الله له، وذاك عندما يعمل المعصية بحيله ومكره أم بخذلان الله له؟ بخذلان الله له هذا مما لا شك فيه يقول الله تعالى (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) لكن هو لا يكره إلا من يستحق الكراهة كما قال الله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (وزادهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) ، فإذن ما عندنا شك في أن من وفق لطاعة فهذا بفضل الله وأن من عمل معصية هذا بخذلان الله له، لكن عندنا بعد ذلك ما يقرر على سبيل القطع أن الله حكيم، أقول – ولله المثل الأعلى – أنت لو عندك ولدان وهما من صلبك واحدٌ تكرمه، والآخر تهينه فهل تفعل هذا اعتباطاً وسفاهة أو لأنك ترى واحداً مطيعاً نجيباً، والآخر عاقاً شقياً، فبالنسبة لنا ظهر فعل اختياري هنا، أفلا يعلم الله معادن الناس؟ أفلا يعلم الله نحاسة ونجاسة معدن الكفار عندما قال (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) أفلا يعلم نجاسة هذه المعادن وأنها بكيفية لا تقبل التطهير؟! ولذلك خذلها وامتهنها وأعرض عنها وجعلها في دار غضبه وسخطه.
стр. 1336
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [نظر الله في قلوب العباد فرأى قلب محمد ﵊ خير القلوب وأتقاها فاختاره لرسالة، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب الصحابة خير القلوب وأتقاها فاختارهم (١)
стр. 1337
لصحبة نبيه فاعرفوا لهم قدرهم] ، فأمر الرسالة أسند إلى من هو بكل شيء عليم فعندما اختار محمداً ﵊ لحمل رسالته ليس الأمر اعتباطاً بل لأن (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فإذن هو عندما وضعها في ذلك المكان فهذا هو الجدير بها لكن يبقى الأمر من فضل الله عليه ولا شك في ذلك، (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) (فألهمها فجورها وتقواها) (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) أي خلقكم كافراً ومؤمناً على أصح القولين في التفسير، وقيل: هو الذي خلقكم فانقسمتم إلى كافر ومؤمن، لكن هذا الانقسام لا يكون إلا على حسب التقدير الذي سبق عند الرحمن ويبقى الأمر كما قلت لا قسر فيه ولا إجبار، فهذا وفقه الله وذاك خذله لكن هل هذا فيه إكراه؟ لا، وكل واحد يميز هذا من نفسه عندما يريد أن يعصي ربه، فمثلاً عندما يريد أن يشرب الخمر سل عصاة أهل الأرض أجمعين هل جاء أحد وأخذك من بيتك إلى الفندق في الساعة الواحدة ليلاً وأضجعوك وفتحوا فمك وصبوا فيه الخمر دون رضاك؟ أم أن الواقع هو أنه ذهب باختياره ودفع الفلوس وسكر، وسل الزاني هل جاء أحد وأخذك من فراشك ودارَ بك على بيوت الناس حتى ألقاك على أنثى وأكرهك على عملية الزنا؟ أم أن الواقع أنك تراه يجوب الشوارع هنا وهناك من أجل أن يحصل على خبيثة مثله، فهل هذا إذن كان باختياره أو باضطراره؟ باختياره، يعني عندما قال الله جل وعلا (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) انظر لهذا الحافظ الذي جعله الله عندنا، فلما كانت العين تتعرض لرؤية ما لا يحل، جعل الله جل وعلا منع النظر في منتهى السهولة لئلا يقول إنسان كيف سأتصرف إذا عرض لي ما لا يحل لي النظر إليه، فقال الله لك لا يحتاج هذا منك إلى تصرف كبير لا دخول سرداب ولا دخول حجرة، الحل كله يتمثل في إطباق الجفن على الجفن (قل للمؤمنين يغضوا) ما معنى الغض؟ أن تطبق الجفن على الجفن.
стр. 1338
.. ثم هذا اللسان الذي هو ثعبان وتراه يلدغ الحي والميت والكبير والصغير والحاضر والغائب جعل الله له أيضاً حافظاً هو الشفتان إذا ضممتهما لن تتكلم فتسلم، ولست مجبوراً على الكلام فلم يأت أحد ولن يأت ويحرك لسانك دون إرادة وقصد منك، وهذا لو حصل لو حصل فأنت تكون مجبوراً لأنك لا تريد الكلام ولكن غيرك يحرك لسانك ويتكلم وحينئذ يرفع التكليف عنك [رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] فإذا أكرهنا لن يكلفنا ربنا، لن يبقى من اهتدى منا فبفضل الله، ومن شقي فبعدل الله والله خذله ووكله إلى نفسه لكن ذلك التوفيق بسبب أنه معدن طيب، وهذا الخذلان بسبب أنه معدن نحس، ولذلك قال الله (فلما آسفونا انتقمنا منهم) ما معنى الأسف هنا؟ شدة الغضب أي لما أغضبونا غضباً شديداً بسبب ما قاموا به من أعمال خبيثة انتقمنا منهم، إذن هم أغضبوا الله وآسفوه فحل عليهم مقته وغضبه ولعنته وسخطه، والذي يقرر هذا كما قلنا أن من يموت قبل التكليف أو قبل البلوغ أو قبل بلوغه الدعوة وإذا لم يكن عنده عقل، فالقلم مرفوع عنه، فإن كان من أولاد المؤمنين تفضل الله عليه بأن يكون من أهل الجنة، وإن كان من أولاد الكافرين فنقول هنا سيظهر العدل الإلهي، سيمتحنه الله في عرصات الموقف، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار.
قد يقول قائل: لِمَ لم يجعل الله ابن الكافر كابن المؤمن؟
стр. 1339
نقول: الزم حدك، هذا فضل ولصاحب الفضل أن يعطيه لمن يشاء لكن لا يجوز له أن يظلم ويجور، فمثلا ً: لو كان عندك ألف دينار فلك حرية التصرف في أن تعطيها لأي أحد فلو أعطيتها لخالد مثلاً فهل يحق لي أن أقول لك أنت ظلمتني لأنك أعطيت خالداً ولم تعطني؟ لا يحق فتقول أنت: هذا فضل، وهو مالي وحقي أعطيه لمن أشاء ما دمت لم أظلمك ولم أعتد على مالك ولم آخذ منك شيئاً،وهنا كذلك الله ما جار على ابن الكافر وكونه رحم أولاد المؤمنين هذا فضله يعطيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولا يجوز عليه الظلم (ولا يظلم ربك أحداً) [إني حرمت الظلم على نفسي] ، هذا حال الرب جل وعلا.
إذن هذا حديث عمر رضي الله فيه دلالة عامة على أن العباد أخرجوا من صلب أبيهم في عالم الذر، وهذا الحديث الثاني.
стр. 1340
٣- روى الإمام الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه والبهيقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : [لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط كُلُّ نسمة من ظهره كائنة إلى يوم القيامة وجعل جل وعلا بين عيني كل إنسان وبيصاً من نور (١) ثم عرضهم على آدم ﵇ فقال من هؤلاء يا رب؟ قال: هؤلاء ذريتك إلى قيام الساعة، فرأى فيهم إنساناً أعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أَيْ رَبِّ، من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال كم عمره؟ فقال الله له: ستون عاماً، قال: زده يا رب أربعين، فقال الله جل وعلا: لا أزيده إلا أن تزيده من عمرك (٢) ، فقال: قبلت يا رب أعطه من عمري أربعين سنة، فلما جاء ملك الموت إلى آدم قبل الألف بأربعين سنة ليقبض روحه، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، فقال له ملك الموت إنك وهبتها لابنك داود، فقال ما وهبته شيئاً ما وهبته شيئاً، فذهب وعاد إلى ربه وأخبره بذلك فأمر الله ملك الموت أن يزيد في عمر آدم أربعين سنة، وأن لا ينقص هذه الأربعين من عمر داود، يقول نبينا ﵊ بعد ذلك: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته وخَطئ آدم فخطئت ذريته] وإسناده صحيح، ارتكب الخطيئة وذريته تخطئ، نسي ولم نجد له عزماً وذريته تنسى.
فإن نسيت عهوداً منك سالفة ... فاغفر فأول ناس ٍ أول الناس
ولعل جحود آدم – والعلم عند الله – سببه نسيان ولا يستبعد أنه بعد أن مر عليه تسعمائة وستون سنة أن ينسى العهد الذي أعطاه على نفسه، أو أن هذا الجحود من باب التدلل على الرب المعبود جل وعلا أي كأنه يقول: يا رب ينقص من ملكك إن تركت الأربعين لي كما كانت وزدت عبدك وداود أربعين من فضلك فحقق الله الأمرين.
стр. 1341
الشاهد: أنه مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة كائنة إلى يوم القيامة فهذه الأحاديث تشهد في الجملة للأحاديث الثلاثة المتقدمة الحديثان المرفوعان وحديث أُبيّ الموقوف.
... وكما قلت لكم عن الذي حصل في عالم الذر هو إخراج للأرواح مع الصور (الأجساد) ، استخرجها الله من موادها بكيفية يعلمها ولا نعلمها ثم بعد أن أشهدها أعادها إلى موادها بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، أما ما قاله ابن حزم من أن الخلق في عالم الذر كان للأرواح فقط، وذلك يقول خلقت الروح قبل الجسد فأشهدها الله ثم وضعها في مكان عنده فإذا خلق الجسد جاءت روح كل إنسان إلى بدنه فدخلت فيه، فقوله هذا لا تدل عليه الآثار المتقدمة، إنما ما ذكرته لكم هو الذي حصل وإذا ثبت هذا عن نبينا ﵊ فنؤمن به دون أن تحيط عقولنا بكيفيته، فعقولنا أعجز من ذلك، وإذا كانت الروح التي بين جنبينا نحن عاجزون عن إدراك ماهيتها وحقيقتها أو أي صفة من صفاتها (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) فكيف سندرك بعد ذلك ما هو مغيب عنا مما يدهش العقول ويحير الألباب (إشهاد الذرية) ، وتقدمت معنا قاعدة (كل ممكن رود به السمع يجب الإيمان به) (آمنا به كل من عند ربنا) .
٣- الميثاق الثالث: ميثاق الفطرة:
وهو الميثاق المتوسط بين ميثاق عالم الذر وميثاق إرسال الرسل ويراد بالفطرة: ما ركزه الله في طبيعة الإنسان وجِبِلّتِه من الإقرار بربوبية الله جل وعلا وألوهيته، وأنه وحده لا شريك له يستحق منا العبادة .
وهذا الدليل أعني الاستدلال بالفطرة من الأدلة المعتبرة عند أئمتنا الكرام وقد قرر أئمتنا الكرام أن الأدلة التي يستدل بها دليلان:
الأول: سلفي شرعي وله نوعان والثاني:
خلفي بدعي وله نوعان، فالمجموع أربعة أنواع:
أما السلفي الشرعي، فالنوع الأول منه: النصوص الشرعية من كتاب وسنة، أما الكتاب:
стр. 1342
أ) قال تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون الله) ، فالله خلقهم وفطرهم بصورة يقرون بأن الله ربهم ومالكهم وخالقهم.
ب) وقال الله جل وعلا في كتابه مبيناً استدلال الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام على أقوامهم بدليل الفطرة: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) وقبلها حكى الله عن الأقوام أنهم قالوا: (إنا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) فقالت لهم رسلهم أفي الله شك، فلم يجبهم الأقوام عن هذا ولم يذكر الله جوابهم لأنه معلوم ضرورة أن ليس في الله شك وهو الذي خلقنا وخلق كل شيء.
جـ) وقال جل وعلا في سورة النمل آية ٥١ وما بعدها (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تُنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا ًوجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (٦١) أمن يجيب المضطر أذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون (٦٢) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى عما يشركون (٦٣) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (٦٤) .)
стр. 1343
أذن فاستدل الله عليهم بما ركزه في فطرهم أإله مع الله ... ، واستدل عليهم بما يُسلّمون به. وهو الإقرار بوجود الله جل وعلا وأنه خالق كل شيء علي ما يخالفون فيه وهو إفراده بالعبودية. فهم يقولون الله موجود لكن ينبغي أن نجعل بيننا وبينه وسائط وشفعاء فنقول لهم: اطرحوا الشفعاء، فهذا الموجود هو الذي يُقصد ويُعبد ولا يجوز أن تلجأوا إلى غيره، ولذلك قال أئمتنا توحيد الربوبية باب إلى توحيد الألوهية، فأنت إذا أقررت بأن الله ربك وسيدك، ومالكك ويتصرف في أمرك فيجب عليك أن تعبده وأن توحده وأن تفرده بالعبادة .
стр. 1344
إذن هذا دليل الفطرة المستقيمة وهو أن الله فطرنا على الإقرار بوجوده، ويترتب على هذه فطرة ثانية وهي وجوب تعظيمه لأن العقل يقول: إذا كان الله خالقنا وخالق كل شيء فيجب أن يعبد وأن لا نصرف العبادة لما سواه ، وقد قرر الله هذا المعنى في آيات كثيرة من كتابه فأخبرنا الله في قرآنه أننا فقراء وهو الغني، وهذا مما يقرر دليل الفطرة الذي فينا فكل واحد يلحظ هذا من نفسه بأنه فقير لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، جاء إلى الدنيا على غير اختياره وسيخرج منها على غير اختياره ويلحظ أن الذي يملك أمره وأمر العالمين هو رب العالمين قال تعالى (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) ولذلك العلة في احتياج العالم بأسره إلى ربه هي الفقر وهذا خلاف ما يقوله الفلاسفة والمتكلمون يقولون العلة في احتياج العالم هي الحدوث أي كون العالم حادث والحادث لابد له من محدث وموجد، ويقولون العلة في احتياج العالم بأسره إلى ربه هي الإمكان أي ممكن الوجود ليس بواجب الوجود، وهذا كلام باطل نقول الإمكان والحدوث علامتان على الفقر وليستا بعلة لاحتياج العالم إلى الله، فالفقر ممكن الوجود، فالإمكان في هذا علامة فقره لأن يمكن أن يوجد ويمكن أن يُقدم والذي رجح أحد الضدين هو الله جل وعلا والحدوث علامة فقر لأنه لا يمكن أن يوجد إلا بحادث وموجد وهو الله رب العالمين.
ولذلك أخص وصف في المخلوق أنه فقير وأخص وصف في الخالق أنه غني ويوجد للإمام ابن تيمية عليه رحمة الله قصيدة من (١١) بيتاً تتعلق في بيان حقيقة الخالق والمخلوق وقد ذكرها تلميذه الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين (١/٥٢٠، ٥٢١ – ط دار الكتاب العربي) يقول الإمام ابن القيم: "وبعث إليّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهره أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقير إلى رب البريات ... أن المسكين في مجموع حالاتي
стр. 1345
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده ياتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي رفع المضرّات
وليس لي دونه مولىً يدبرني ... ولا شفيع إذا أحاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا ... إلى الشفيع كما قد جا في الآياتِ
ولست أملك شيئاً دونه أبداً ... ولا شريك أنا في بعض ذراتي
ولا ظهير له، كي يستعين به ... كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبداً ... كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي
فمن بغى مطلباً من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله مِلء الكون أجمعه ... ما كان منه وما من بعد قد ياتي
... وأما السنة فقد قرر نبينا ﵊ الفطرة المستقيمة في أحاديثه الكثيرة:
стр. 1346
أ) ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود وموطأ مالك عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال [كل مولود يولد على الفطرة] أي على الإسلام الحق وعلى الدين الحنيف [فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١) كما تُنْتَج (٢) البهيمة جمعاء (٣) هل تحسون فيها من جدعاء (٤) ] أي هي تولد سليمة الأطراف لكن صاحبها هو الذي يغيرها، وهكذا بالنسبة للناس في صغرهم فطرهم الله على الحنيفية السمحة، لكن من الذي غيّر من تغير منهم؟ آباؤهم أو أمهاتهم أو مجتمعهم وغيرهم ولذلك ثبت في كتاب السنة لابن أبي عاصم (حديث رقم ١٩٢) بسند ضعيف – لكن هذا الحديث يشهد له – عن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: [مغيِّر الخُلُق كمغّير الخَلْق] ، أي مغير الأخلاق الطيبة إلى خبيثة ومغير الإسلام إلى عصيان وشرك بالرحمن كمغير الخلق أي كما لو غير بعض أطراف المولود، أو لو أن المرأة بدلت خلقتها وصورتها وهكذا الرجل بالنمص (ترقيق الحواجب أو إزالتها) أو بالوشم، أو حلق اللحية بالنسبة للرجل أو قص الشعر من الرأس بالكلية بالنسبة للمرأة فهذا كله من تغيير خلق الله.
стр. 1347
.. إخوتي الكرام ... والمراد بالفطرة في الحديث دين الإسلام والحنيفية السمحة، وقد قرر الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) ويسمى (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) في مائتي صفحة متتابعة بأن المراد من الفطرة هي الإسلام، فانظروا بحثه المحكم الرشيد فيه (٨/٣٧٠) وما بعدها، والحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في فتح الباري (٣/٢٤٨) نقل عن عامة السلف أن المراد من الفطرة الإسلام، والإمام ابن القيم عليه رحمة الله ختم كتابه (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل) بهذه المسألة، فانظروا الكتاب من صـ٢٨٣ إلى آخر الكتاب صـ٣٠٧ وهذا الكتاب (شفاء العليل) هو أحسن ما كتب في قدر الله جل وعلا.
ب) وأشار نبينا ﵊ إلى هذه الفطرة المستقيمة أيضاً في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: [ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال (١) نحلته عبداً حلالاً، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (٢) عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء....] إلخ الحديث، ومعنى حنفاء أي مائلين عن الشرك إلى الهدى مستقيمين مهتدين على الفطرة.
стр. 1348
جـ) ويكفي دليلاً على الفطرة ما ثبت في الصحيحين [أن النبي ﷺ قال للجارية أين الله، فقالت في السماء.....] الحديث. وأما النوع الثاني من الدليل السلفي الشرعي فهو الفطرة المستقيمة، فإن في النفس فطرة توجب عليه الإيمان بأن الله ربنا وخالقنا ورازقنا ومدبرنا فهي فطرة توصل إلى التوحيد لو لم تغير.
... ولذلك عندما جلس أبو المعالي إمام الحرمين غفر الله له ورحمه وقد رجع عن هوسه وهذيانه جلس يقرر نفي علو الله على مخلوقاته فقال: كان الله ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان أي ليس فوق عرشه على سمواته، فقام الإمام الهمذاني وقال: يا إمام دعنا من العرش والزمان والمكان وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في أنفسنا ما قال أحد يا رب يا الله إلا طلب المعونة فمن فوقه، فبماذا نؤول هذا الشعور الذي في داخل نفوسنا، فلطم إمام الحرمين رأسه وقال حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني.
... أي حيره في الجواب، لأن الأدلة الكلامية يمكن التلاعب بها والتصرف فيها وتأويلها لكن هذه الضرورة في النفس ماذا سيقول عنها؟ وبماذا سيفسر هذا الالتجاء من الإنسان حيث يلجأ إلى فوق ولا يلجأ إلى يميناً ولا يساراً ولا تحتاً؟!! إن هذا الشعور وهذه الضرورة هي الفطرة التي فطر الله عباده عليها (مناقشة الشيخ الطحان لآراء الدكتور البوطي حول العلو لما جاء إلى دبي وألقى محاضرة في ذلك) .
... وكل نص من كتاب أو سنة مما سبق ذكره هو من حيث وروده هو دليل على الفطرة من النصوص الشرعية، وهو من حيث دلالته هو دليل على ميثاق الفطرة من الفطرة.
٢- وأما الدليل الخلفي البدعي فالنوع الأول منه:
دليل العقل المتعمق المتكلف فيه من جوهر وحيز وعرض وغيرها من الاصطلاحات التي نعتها المتكلمون وعكفوا عليها كما عكف المشركون على الأصنام.
стр. 1349
.. وهذا كما هو عند المتكلمين فهو عند الفلاسفة ولم يوصلهم هذا إلا إلى متاهات عندما عولوا على العقل وتركوا النقل، وتقدم معنا أن العقل مع النقل كالعين مع الشمس، فمن أراد أن ينظر بدون شمس ونور لا يرى، ومن أراد أن يفكر بدون وحي لا يهتدي.
والنوع الثاني منه:
... دليل الكشف، الذي ابتدعه الصوفية، يقول: ألقي في روعيَ كذا، ووقع في قلبي كذا، وحَدثت بكذا حدثني قلبي عن ربي، وما شاكل هذا، كما كان ابن عربي الصوفي صاحب الضلالات يقول حديث [كنت كنزاً لا أُعرف، فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني] يقول هذا الحديث لم يثبت عند المحدثين عن طريق الإسناد لكن ثبت عن طريق الكشف.
وقد كان شيوخ التصوف الصالحين الصادقين يحذرون من هذا الدليل، فكانوا يقولون: دوروا مع الشرع حيث دار لامع الكشف، فإنه يخطئ، وكان أبو سليمان الداراني عليه رحمة الله يقول: "إنه لتقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة" أي إذا وقع في قلبي معنىً من المعاني، واستنباط ومن الاستنباطات عن طريق الكشف والفتح والإلهام فإني لا أجزم بثبوت هذا حتى أتحقق من ذلك بشاهدين عدلين هما القرآن والسنة هل يشهدا بصحة ما وقع في قلبي أم لا؟ ولذلك قال أئمتنا:
وينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء
وقد رآه بعض من تصوفا ... وعصمة الباري توجب اقتفا
أي لا يستدل بالإلهام بل ينبذ فهو من الأدلة البدعية، وبعض الصوفية رأوا الإلهام والكشف دليلاً شرعياً معتبراً يُقدم على النصوص الشرعية، لكن عصمة الباري للأنبياء توجب أن نقتفي أثرهم وأن نتبعهم؛ لأن وحيهم وإلهامهم معصوم وأما إلهام الأولياء فليس بمعصوم.
... هذه هي مواثيق ثلاثة أخذت علينا أو خذاً ما أخذ علينا في عالم الذر يليه ما ركز في فطرنا يليه إرسال الرسل وإقامة الحجة على العباد.
стр. 1350
.. والميثاق الأخير (الذي جعلناه أولاً – إرسال الرسل) لم يذكره عندما شارح الطحاوي وهو في الحقيقة أقوى المواثيق وأعظمها وأبلغ الحجج،وهو مناط التكليف ولا يحصل تكليف إلا به، ولذلك يقول الله جل وعلا في سورة النحل آية ٨٩: (ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة للمسلمين) ومثل هذا في سورة النساء آية ٤١ (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) .
... الشاهد في الآيتين أن أعظم المواثيق إرسال الرسل فالله جل وعلا يقول للأمم ألم أرسل لكم رسلاً؟ فيكذبون ويجحدون ذلك، فيأتي برسلهم ويقولون: يا رب بلغنا دعوة الله فيقول الله للرسل السابقين من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد ﷺ تشهد بأننا بلغنا أقوامنا، فيستشهد الله هذه الأمة فيشهدون، فيقول الله: كيف تشهدون وأنتم لم تروا ذلك؟ فيقولون: بعثت إلينا رسولاً فأخبرنا بذلك وأنزلت علينا ذلك في كتابك بأن نوحاً وغيره من الأنبياء بلغوا دعوتك إلى أقوامهم وهذا هو معنى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) ثم يشهد الرسول ﵊ على شهادة هذه الأمة ثم بعد ذلك يعاقب الله المكذبين من الأمم السابقين الذين جحدوا إرسال الرسل إليهم، وهذا الجحود منهم يحصل في الموقف قبل أن يقضى بالناس إلى الجنة أو النار، يطنون أن هذا الجحود ينفعهم.
وقول الله (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ... ) الآية، نتحدث عن ميثاقين اثنين:
١- ميثاق عالم الذر.
٢- ميثاق الفطرة.
стр. 1351
فلاهما مراد بالآية هذا القول الصحيح وقد خالف هذا بعض أئمة الإسلام – وسيأتي ذكرهم – وقالوا: الآية لا تشمل إلا ميثاق الفطرة وسأذكر شبهتهم فيما بعد وأدحضها إن شاء الله تعالى، وأما ميثاق عالم الذر – لم تثبت به الأحاديث؟؟؟؟؟؟ يقولون لكن ثبت موقوفاً ووهم بعض الرواة في رفعه وقد تقدم معنا إن زيادة الثقة مقبولة وهذا لا يدعونا إلى أن نرد الرواية المرفوعة لأن بعض الرواة وقفها وبعضهم رفعها ولو سلمنا بوقفه فله حكم الرفع ومحاولة هؤلاء الأئمة على جلالتهم وتقربنا إلى الله بحبهم محاولة ضعيفة في غير محلها.
... والقول بأن الآية تشمل ميثاق عالم الذر لا ينفي أنه ركز الله في فطرتنا، لكن القول بقصر الآية على ميثاق الفطرة فإنه ينفي بذلك ميثاق عالم الذر.
... فعلى القول بأن الآية تشمل ميثاق الذر يكون معنى الآية (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ... ) أي قالوا بلى بلسان مقالهم.
стр. 1352
.. وعلى القول بأن الآية لا تشمل ميثاق عالم الذر يكون معنى الآية، قالوا بلى بلسان حالهم أي حالهم يدل على أنهم مربوبون مخلوقون لخالقهم الحي القيوم، هذا كقوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ... ) فالجمال والسماء هذه لو لم تنطق وتقل الله خلقني والسماء تقول الله رفعني لو لم تقل هذا بلسانها بصوت نسمعه لكان حالها يدل على هذا، وكذلك الإنسان (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فحالك يا إنسان يدل على الحي القيوم ولو لم تنطق وكل إنسان – مهما كفر وطغى وتجبر – حاله تشهد بذلك بأنه فقير إلى غني وأنه مخلوق لخالق ضعيف لقوي، ولذلك قال موسى لفرعون (لقد عملت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر..) أي أنت تعلم يا فرعون أني رسول من رب العالمين، وإن هذه الآيات والدلائل لم ينزلها ولم يعطني إياها إلا رب العالمين، فإذن شهادتك بحالك ثابتة لكن لسانك لم ينطق بهذا، وكذلك هو حال العالم كله يدل على أن الله خالقه وهذا بدلالة الحال لا بدلالة المقال، هذا كقول العربي:
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني
فهنا (قال) بحاله فالحوض امتلأ ولم يعد يمسك ماءً وإذا صببت فيه نزل فحاله هذه كأنه يقول لك لا تصب في الماء.
إذن فحال المخلوقات بأسرها تدل على أنها فقيرة إلى ربها، ولا يوجد أحد من خلقه مستغن ٍ عنه:
الله قل وذر الوجود وما حوى ... إن كنت مرتاداً بلوغ كمال
فالكل دون الله إن حققتهم ... عدم على التفصيل والإجمال
واعلم بأنك والعوالم كلها ... لولاه في محوٍ وفي اضمحلال
من لا وجود لذاته من ذاته ... فوجوده لولاه عين محال
والعارفون بربهم لم يشهدوا ... شيئاً سوى المتكبر المتعالي
ورأوا سواهم على الحقيقة هالكاً ... في الحال والماضي والاستقبال
فقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) أي هالك في الحال والماضي والاستقبال، من مضى هلك ومن هو موجود سيهلك ومن سيأتي سيهلك.
س: هل الحال تعتبر شهادة أو لابد ومن نطق اللسان؟
стр. 1353
جـ: إنسان يقر بقلبه أنه مقهور مجبور فقير لخالق جليل فهذه شهادة وإن نفاها بلسانه، وإذا جحد بلسانه، فشهادة القلب ثابتة، ولهذا أمثلة:
١- كقوله تعالى في سورة التوبة (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) أي مقرين على أنفسهم بالكفر بحالهم، فلا يشترط أن يقول الكافر: أنا كافر، بل حاله يدل على أنه كافر.
٢- كقوله تعالى (أنه على ذلك لشهيد) فعلى أن الضمير في (أنه) يعود على الإنسان فالتقدير: أن الإنسان لشهيد على كنوده وجحوده كيف هذا الشهود؟ بأنه مغمور بنعم الله فلا يشكر الله وهذا جحود ولا يشترط أن يقول عن نفسه: أنا جاحد، فإذن هذه شهادة من الإنسان على نفسه بالحال لا بالمقال. وهو محل الشاهد.
... وعلى أن الضمير في (أنه) يعود على الله فالتقدير وأن الله لشهيد على كنود الإنسان وجحوده ولا تخفى عليه خافية. وكلا المعنيين والتقديرين ثابت. فالإنسان يشهد على جحوده بحاله والله يشهد عليه بعلمه فلا تخفى عليه خافية من أمور العباد
٣- وكقوله هنا معنا في الآية (أشهدهم) أي بحالهم على أن الآية تشمل ميثاق الفطرة فقط، أي ركز هذا في فطرهم وعلموه وثبت عندهم بعد أن خلقهم وجعلهم خلائف في الأرض جيلاً بعد جيل.
إذن هذا هو المعنى على أنه ميثاق الفطرة فقط وعلى أنه ميثاق عالم الذر تشمل الآية أيضاً فالمعنى مسح ظهر آدم وأخرج من صلبه كل نسمة كائنة إلى يوم القيامة ثم كلمهم قبلاً، فهنا – ميثاق الفطرة – أشهدهم على أنفسهم بما ركزه في فطرهم وهناك أشهدهم على أنفسهم وكلمهم مقابلة بلا حاجز ولا واسطة هنا جعل هذا في فطرهم أنهم يقررون بربهم، وهناك قالوا بلى بلسانهم وهنا قالوا بلى بحالهم وهذا هو معنى الآية على القولين وكل منهما تشمله الآية، وهذا هو المعتمد في تفسيرها.
стр. 1354
وقد ذكر هذا عدد من المفسرين من جملتهم الإمام القرطبي والإمام ابن الجوزي في زاد المسير والإمام الألوسي في روح المعاني وغيره. (الآية تشمل الميثاقين) .
? واقتصر كثير من المفسرين على الميثاق الأول وحملوا الآية عليه وهو الذي حصل في عالم الذر فقط، منهم الإمام الثعلبي والإمام البغوي في معالم التنزيل.
? وقد ذهب بعض أئمة الإسلام ومنهم الإمام ابن تيمية والإمام ابن كثير والإمام ابن القيم وشارح الطحاوية ابن أبي العز إلى أن آية الأعراف لا تشمل إلا ميثاق الفطرة، ورجحوا حمل الآية عليه.
وقولهم – كما قلت لكم – مردود ومن جملة من رد عليهم شيخنا المبارك الشيخ الشنقيطي عليه رحمة الله في أضواء البيان (٢/٣٣٦) ، والشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله في تعليقه على مسند الإمام أحمد وبين أن الآية تشمل الميثاق الذي أخذ علينا في عالم الذر والقول به لا يتنافر مع الميثاق الثاني (ميثاق الفطرة) بخلاف الاقتصار على الميثاق الثاني بإن بالقول به إلغاء للميثاق الأول.
... وأما ما احتج به الإمام ابن كثير وابن أبي العز – وهو موجود عندكم في شرح الطحاوية – فمردود منقوض لا حجة فيه ولا دلالة على أن المراد من الميثاق ميثاق الفطرة فقط.
وهذه الحجج التي ذكروها وهي (عشر حجج) أولوا بها الآية وأن المراد منها ميثاق الفطرة فقط لو لم يذكرها صاحب الكتاب ابن أبي العز لأعرضت عنها صفحاً فحقيقة لا فائدة منها، لكن بما أنها مذكورة أذكرها على سبيل الإيجاز وأنقضها إن شاء الله، وهذه الحجج موجودة في كتاب الروح لابن القيم أيضاً من ص ـ١٦٧ إلى صـ١٦٨.
حجة من قال بأن الآية يراد بها ميثاق الفطرة فقط: (عشر حجج)
١) الحجة الأولى: قالوا: الله قال (من بني آدم) ولم يقل من آدم، فإذن هو جعلهم خلائف في الأرض ولم يخرجهم من صلب أبيهم آدم في عالم الذر.
стр. 1355
والجواب عن هذا: لا عبرة بهذا القول ولا يعترف به على ما قلناه لأن ذكر آدم معلوم في؟؟؟؟؟؟؟ (آدم) أخرج الذ رية منهم وأخرج الذرية التى يستخرج من تلك الظهور إلى يوم القيامة فهي ليست من صلب آدم فقط بل هي من ظهر كل من سيخلق. فذكر الآباء لأن ذكر الأب معلوم وهؤلاء الأبناء لا يكونون إلا بعد وجود أبيهم.
٢) الحجة الثانية قالوا: قال (من ظهورهم) ولم يقل من ظهره.
والجواب عن هذا: كالجواب عن الحجة الأولى، فأخذ العهد من الفرع مستلزم لأن يخرج ذلك الفرع من الأصل، فذلك الفرع لا يكون إلا بعد وجود الأصل.
٣) الحجة الثالثة: قالوا: الله قال (من ذريتهم) ولم يقل من ذريته.
والجواب عن هذا: كالجوابين المتقدمين، فبما أن هذه الذرية أخرجت من صلب آدم وهم بنوه فما يشملهم يشمله ولم يذكر هو لأنه معلوم، فلا يمكن أن توجد هذه الذرية إلا بواسطة وجود الأصل وهو آدم فأضيفت الذرية إلى الفرع الذي أخذت منه كما تضاف إلى الأصل الذي خرجت منه، ولذلك ورد في الحديث إضافتها إلى ظهر أبيهم، وفي الآية إضافتها إلى ظهور آبائها.
٤) الحجة الرابعة: قالوا: الله قال (وأشهدهم) فهذا دليل على أن المراد من هذه الشهادة ما ركز في فطرهم لا أنهم شهدوا بألسنتهم، لأن معنى أشهدهم جعلهم شاهدين ولابد لحصول تلك الشهادة من كون الشاهد ذاكراً لشهادته وهم في هذه الحياة لا يذكرون الشهادة التي صدرت منهم في عالم الذر بل يذكرون الشهادة التي ركزت في فطرهم.
والجواب عن هذا: أن الشهادة التي حصلت منهم في عالم الذر يدل على أنهم شهدوا في ذلك الوقت على أنفسهم وتحققت الشهادة منهم وعلموا بها ثم ذكرهم الرسل بها في هذه الحياة فكأنهم علموها في هذه الحياة وكأنها ركزت في فطرهم، فصار كأنه أمر علمناه في هذه الحياة ونحن نشهده ونحن نذكره ونحن نستحضره عندما أعلمنا بها الرسل.
стр. 1356
٥) الحجة الخامسة: قالوا: الحكمة من الإشهاد إقامة الحجة على العباد والحجة لا تقام عليهم إلا بالفطرة وبإرسال الرسل وأما ما وقع في عالم الذر فهذا لا تقوم الحجة به على أحد.
والجواب عن هذا: إذا أخبرنا الرسل الكرام ﵊ بتلك الشهادة فقط فقد أقيمت الحجة علينا بذلك.
٦) الحجة السادسة: المقصود من أخذ الميثاق عليهم (ميثاق الفطرة) تذكيرهم بهذا الميثاق لئلا يقولوا (إنا كنا عن هذا غافلين) وهم لا يذكرون إلا ميثاق الفطرة فلم يغفلوا عنه طرفة عين وأما الميثاق في عالم الذر هم في غفلة عنه ولا يعلمونه.
والجواب عن هذا: بعد أن يعلموه صار له من المكانة كميثاق الفطرة بل ما هو أشد من ذلك.
قال الإمام القرطبي: ومثال هذا مثال من طلق زوجته ثم نسي وغفل عن طلاقه فإذا قامت عليه البينة لشهادة شاهدين على أنه طلق، فإنه يثبت عليه الطلاق مع أنه في غفلة عنه.
... وهنا شهدنا ثم غفلنا عن تلك الشهادة ونسيناها فذكرنا بها الرسل فصار لها من الثبوت والمنزلة كثبوت دليل الفطرة ومنزلته بل ما هو أشد من ذلك.
٧) الحجة السابعة: قالوا: إن الله جل وعلا ذكر حكمتين اثنتين لذلك الميثاق أولها: لئلا يقول الناس إنا كنا في غفلة عن هذا، والثانية لئلا يقولوا إننا قلدنا آباءنا وما عندنا ما يردعنا ويبين الحق لنا، وهاتان الحكمتان لا تحصلان إلا بعد دليلين معتبرين وحجتين عظيمتين: إرسال الرسل والفطرة، فالفطرة لا يجوز للإنسان أن يجحد خالقه، وبإرسال الرسل لا يجوز للإنسان أن يجحد خالقه وبهما أيضاً لا يجوز أن يقلد آباءه على الضلال والشرك.
стр. 1357
والجواب عن هذا: هذا الاعتراض الذي ذكرتموه منقوض في حق دليل الفطرة فهل يعاقب الله عباده إذا كانوا في غفلة عن عبادته، ولم يوحدوه وقلدوا آباءهم في شركهم وضلالهم إذا لم يرسل لهم رسولاً؟ لا، إذن فالفطرة وحدها ليست كافية وهكذا نقول أيضاً إن ميثاق عالم الذر ليس بكافٍ وحده لإقامة الحجة بل لابد من إرسال رسول وقلت لكم هذا هو مناط التكليف، فإذن فميثاق الفطرة وحده لا تثبت به حجة وكذلك ميثاق عالم الذر لا تثبت به وحده حجه وعليه فهما متساويان فكيف تحملون الحكمة من الإشهاد على دليل الفطرة دون دليل وميثاق عالم الذر.
٨) الحجة الثامنة: قالوا: إن الله جل وعلا لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار ولا يحصل قطع عذر العباد إلا بدليل الفطرة وإرسال الرسل ولذلك يقول الله جل وعلا مشيراً إلى نفي عذر الناس وأنه أخذ عليهم الميثاق لئلا يتعللوا ويتعذروا (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) أي كيف تهلكنا ونحن لم تقم علينا الحجة.
والجواب عن هذا: كالجواب عن الذي قبله تماماً فالحجة لا تثبت على الناس بميثاق الفطرة فقط ولا تثبت عليهم بميثاق عالم الذر، فالإعذار لا يقطع إلا بإرسال الرسل فعلام أنتم حملتم هذا الميثاق في الآية على ميثاق الفطرة فقط وهذا لا يقطع عذر العباد، (قلت: ز- والحجة السابعة والثامنة والله أعلم – كأنها ناشئة من توهم أننا نرى أن ميثاق عالم الذر تحصل به الحكمتان ويحصل به الإعذار ونحن لا نقول بهذا على الإطلاق، فإن الظاهر من ميثاق احتجاجهم علينا أنهم يقصرون الحكمتين والإعذار على ميثاق الفطرة وإرسال الرسل فقط ويقولون لنا ميثاق عالم الذر لا يحصل به شيء من هذه الأمور الثلاثة (الحكمتين والإعذار) !! فكان الجواب كما ذكر شيخنا حفظه الله أن هذه الأمور الثلاثة إنما تثبت في حق ميثاق واحد هو ميثاق إرسال الرسل، ولا تثبت في حق ميثاق الفطرة كما زعمتم، ولا تثبت في حق ميثاق عالم الذر كما نقول نحن والله أعلم) .
стр. 1358
٩) الحجة التاسعة: قالوا إن الله أشهد كل واحد على نفسه واحتج عليهم بتلك الشهادة وهذه الشهادة التي يحتج بها عليهم هي ما ركز في فطرهم، ولذلك قال الله تعالى (ولإن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) .
والجواب عن هذا: نقول وكذلك الشهادة التي شهدوا بها في عالم الذر يحتج بها ربنا علينا فقال في هذه الآية (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) ، فإن قيل: إن كثيراً من الناس لا يستحضرونها، أو كل الناس لا يعلمونها، نقول: إذا أعلمهم الرسل بها فصارت كما لو علموها كدليل الفطرة كما تقدم معنا.
١٠) الحجة العاشرة: قالوا: إن الله جل وعلا بعد أن ذكر هذا الميثاق قال: (وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون) والآيات جمع آية والآية هي الدلالة الواضحة البينة التي لا يختلف عنها مدلولها، ودليل الفطرة لا يختلف عنها مدلوله. وهو الإقرار بأن الله ربهم وخالقهم.
والجواب عن هذا: كم من إنسان يقر بفطرته بأن الله خلقه لكنه يجحده؟ فإذن لا يلزم من الإقرار الفطري أن يعبده ولا يلزم من الإقرار في عالم الذر أن يعبده وعليه فهذه الحجج كلها لا تقوم ولا تنهض، بل هي مجرد تكلف في أن المراد من الآية ميثاق الفطرة لا ميثاق عالم الذر.
المواثيق الثلاثة وحجج الله على عباده التي أقامها عليهم انتهينا منها وعندنا تعليق يسير على هذا المبحث.
الميثاق الفطري لا ينكره أحد فهذا موجود في الفطرة هو غريزة من الغرائز الموجودة في الإنسان، فالعباد فيهم غرائز يقومون بموجبها لأفعال في هذه الحياة منها غريزة التدين أو غريزة الجنس أو غريزة حب التملك، لذلك فالغريزة أصوات إلهية تقود المخلوقات بأسرها إلى إيجاد ما جعله الله فيها (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) .
стр. 1359
فمثلا ً سواء وردت شريعة بحل النكاح أو لم ترد سيحصل اتصال بين الذكور والإناث لأن هذه غريزة جعلها الله في قلوب الناس فالأنثى عندها غريزة لا تهنأ إلا إذا صارت أماً والرجل لا يهنأ إلا إذا صار أباً ولذلك إذا تزوج ولم يأته أولاد تراه يبحث عن أطباء الأرض من أجل إنجاب ذرية.
فإذن هذه (الجنس) غريزة تقود المخلوقات فترى الناس يسعون لتنفيذها لكن المؤمن هنا يتميز عن الكافر أو الفاسق، فالمؤمن يقوم بإشباع هذه الغريزة على حسب هدي الشرع فيثاب عليها [وفي بضع أحدكم صدقة] وأن الكافر أو الفاسق فيقوم بإشباع هذه الغريزة غالباً عن طريق الشهوة البهيمية والمتعة الحرام فيعاقب.
стр. 1360
وكذلك التدين غريزة فلابد لكل إنسان أن يتدين لكن إما أن يتدين تديناً معوجاً وإما أن يتدين تديناً مستقيماً، فإما أن يتدين لله وهو التدين المستقيم وإما أن يتدين التدين المعوج فيتدين لبشر كحال الشيوعية أنكرت وجود الإله وقيام الساعة وكذبت وخونت الرسل عليهم الصلاة والسلام لكنهم يتدينون رغم ذلك لمن؟ يعبدون لينين بدلا ً من أن يعبدوا رب العالمين، وإما أن يتدين لبقر، أو لحجر أو لذكر، أو لشمس أو لقمر، لكن لابد من تدين فالإنسان عندما يشعر بضعفه وفقره ومسكنته يريد أن يلجأ إلى ما يراه أنه أقوى منه وأغنى منه، فالمؤمن يلجأ إلى الغني الحقيقي القوي، والمشرك تراه إما أن يلجأ إلى بشر أو إلى شمس أو إلى قمر أو حجر وما شاكل هذا، وما عبادة الأحجار والأشجار والأبقار إلا دليل على إشباع غريزة التدين، ولذلك فلابد لكل مخلوق مهما كان شأنه من عبادة لكن إما أن يعبد الله وإما أن يعبد غيره وإما أن يعبد نفسه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) ، والقلب لابد له من تعلق لكن إما أن يتعلق بالرب وإما أن يتعلق بالخلق بصور أو بفرد أو بنساء أو بخمر أو ببقر ووصل هوس المهوسيين في موضوع التعلق بالمقبورين أنهم كانوا يقولون إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، أي الجؤوا للأموات سبحان الله!! ماذا يغنون عنكم بل ماذا يغنون عن أنفسهم؟؟ لكن هذا هو القلب الخربان وهذه هي الذلة لغير الله، وأعز الناس في هذه الحياة وهو صاحب الحرية الحقيقية من لا تنحني جبهته إلا لخالقه ولا يذل نفسه إلا لربه وأما من عداه فلا يذل نفسه له.
تغرب لا مستعظماً غير نفسه ... ولا قابلاً إلا لخالقه حكماً
стр. 1361
أي لا يستعظم إلا نفسه (عزة إيمانية) ولا يقبل إلا حكم الخالق جل وعلا وحقيقة هذه هي الحرية هذا هو العز وهذه هي الكرامة وليس في تذلل الإنسان لخالقه منقصة، لكن في تذلله لغيره كل المنقصة ولذلك السؤال في حالة ضرورة يجوز لكن تركه أولى، لأن السؤال ذل ولا يليق أن يتذلل المخلوق لمخلوق؟! لا، إن الموت أحسن من أن تتذلل لمخلوق، ثم إن في سؤال المخلوقين ثلاث أنواع من الظلم:
أولها: في حق نفسك حيث امتهنتها والله أمرك أن تعزها.
والثانية: في حق المسئول لأنك أضجرته وآذيته، فبنو آدم عندما يسألون يتضجرون.
والثالثة: اعتديت على الخالق لأن الله هو الذي يقول يا عبادي سلوني لأقضي حوائجكم.
لا تسألن بُني آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تُحجبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبُني آدم حين يُسأَل يغضب
فإذن التدين غريزة، ركز في فطرنا وكذلك التملك غريزة، فكل واحد يحب أن يتملك وأن يكون في جيبه دراهم، فهذا فطر الله القلوب عليه (وتحبون المال حباً جماً) (وإنه لحب الخير لشديد) وبعض الناس وصل الآن سفاهتهم أنهم قالوا الدراهم مراهم، ولكن الحقيقة قالها بعض الأكياس الفطناء سمي الدرهم درهماً لأنه يُدِرُ الهم أي يجلبه ويأتي به.
الشاهد أن حب التملك غريزة يحبها الإنسان ولا حرج عليه في ذلك إذ أخذها عن طريق شرعي [نِعْم المال الصالح للرجل الصالح] فيأخذه من حله ويضعه في حقه، وليس في جلب المال منقصة ما دمت تأخذه من حله وأنت مأجور وتضعه في حقه وأنت مثاب على ذلك وكما في الصحيحين [لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس] فلا حرج عليك في جمعه ولا تجعله يطغيك ولا تسرف فيه ولا تبطر به.
стр. 1362
.. وليس في حب النساء منقصة للإنسان ما دام على حسب شريعة الله وكذلك حب المال ما دام على حسب شريعة الله وقد قال سيد الكاملين ﵊ [حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجُعلت قرة عيني في الصلاة] فمثل هذه الطيبات لا حرج في حبها ما دامت على حسب شريعة الله، قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ... ) فهذه الطيبات يتمتع بها المؤمن والكافر في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فلا يشارك المؤمن فيها أحد. (هذا الكلام كله جعلته كالتمهيد للإشكال الذي سيأتي، وهو مأخوذ من كلام الشيخ حفظه الله)
الإشكال:
قد يقول قائل: إذا أخذ الله علينا الميثاق في عالم الذر – كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة – على أنه خالقنا وربنا ومالكنا، وأودع هذا في فطرنا وغرزه فينا – وهو الميثاق الثاني – فجعلنا نقر بوجوب عبادته، فعلام توقف التكليف على إرسال الرسل ونزول الكتب، وقد أخذ علينا ميثاقين (في عالم الذر، والفطرة) ؟
الجواب عن الإشكال: توقف التكليف على إرسال الرسل ونزول الكتب لأمرين:
الأمر الأول: أن العباد يكلفون قبل إرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم بتوحيد ربهم، لكن الله جل وعلا كرماً منه وفضلاً رفع عنا العقاب قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب فقط لأن الغريزة الفطرية وإن كانت مركوزة في النفس الإنسانية إلا أنها في عرضة – أحياناً – للتغيير وللتلاعب وللخطأ، فلابد من إرسال الرسل لتكون الغريزة مستقيمة تهتدي بهدي ذلك الرسول، فغريزة التدين موجودة لكنها عرضة للتغيير.
... والعباد إذا أشركوا بالله قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب ظالمون معتدون مسرفون لكن لا عقاب على ظلمهم كرماً من الله وفضلاً.
стр. 1363
.. وقد قرر الله هذين الأمرين (أن العباد ظالمون إذا لم يوحدوا الله قبل إرسال الرسل، وأنه لا عقاب عليهم مع ظلمهم) في سورة الأنعام يقول الله جل وعلا: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون، يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) الآيات ١٢٨- ١٣١ (ألم يأتكم رسل منكم؟؟؟؟؟؟؟؟) وهو إرسال الرسل، (ذلك أن لم يكن..) هذا هو الشاهد أي إرسال الرسل وإقامة الحجة على العباد لئلا يهلك الله القرى بظلم منهم وبشرك منهم وضلال منهم، وهم غافلون عن بلوغ الدعوة ووصول الرسالة.
... إذن فأثبت لهم الظلم في حال غفلتهم وعدم إرسال الرسول إليهم إذ لم يعبدوه ولم يوحدوه ومع ذلك لا عذاب عليهم كرماً منه وفضلاً ، وكان الأصل أن يعذبوا لأنهم جحدوا الميثاق الفطري لكن الله تكرم فقال أنا لا أعذب إلا بعد قيام الحجة على أتم وجه فانتبهوا يا عبادي أشهدتكم على أنفسكم في عالم الذر، وركزت في فطركم الإقرار بوجودي ووجوب عبادتي وأرسلت إليكم الرسل وأنزلت عليكم الكتب وتركتكم على المحجة البيضاء، فمن ضل بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه ولو عذبنا على الميثاق الفطري لاستحققنا العذاب لأننا ظالمون.
стр. 1364
الأمر الثاني: الفطرة وإن دلت على وجود الله ووجوب تعظيمه إلا أنها لا تستطيع أن تحدد الأشكال التي يحصل بها تعظيم ذي العزة والجلال أي لا تستطيع أن تحدد شكل العبادة وشكل التعظيم الذي يتقرب به إلى الله، فقد يقول هذا أنا أعبد الحمار الذي خلقه الله تقرباً إلى الله، ويأتي هذا ويقول أنا أعبد هبل، وآخر يقول: اللات، وآخر لنين وآخر الشمس وآخر القمر وآخر الحجر وهكذا كلٌ سيعبد ما شاء إن لم يرسل رسولاً وينزل كتاباً على البشر.
... ولذلك كل ما يحصل به تعظيم الله جل وعلا هو عبادة والعبادة توقيفية لا مجال للعقل فيها، فنعبد الله بما يشاء لا بما نشاء ولذلك [من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد] .
(ذكر الشيخ قصة عن الشيخ صالح الجعفري من علماء الأزهر حيث كان يقول لا يوجد شيء اسمه بدعة فكل ما نقصد به الخير فهو جائز مستدلاً بالآية (وافعلوا الخير..)) .
(ذكر الشيخ قصة المهوس عيسى؟؟؟ وضلالاته التي يقررها من جواز الاستغاثة بغير الله، وأن أهل السنة حذفوا لفظ وعترتي من حديث فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين وغير ذلك من الضلالات ... )
فمن أجل الأمرين السابقين توقف التكليف على إرسال الرسل وإنزال الكتب.
стр. 1365
لفضيلة الشيخ الدكتور
جمعها
أبو عبد الرحمن زيد محمد بكَّار
الكيلاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المحاضرة الأولى ٢١/٢/١٤٢١ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فأول مبحث عندنا هو:
مبحث: الإسراء والمعراج
المراد بالإسراء:
ما حصل لنبينا ﵊ من رحلة مباركة من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل وتبع ذلك العروج به إلى السموات العلا إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام أي حسها وكتابتها في اللوح المحفوظ عندما تكتب تقدير الله جلا وعلا، ثم أعيد عليه صلوات الله وسلامه إلى مكة المكرمة ولا زال فراشه دافئاً أي: لم يبرد بعد فراق النبي صلي الله عليه وسلم، وذلك أن الفراش يدفأ من أثر احتكاك الإنسان به وتنفسه ويسخن عندما ينام الإنسان فيه وهكذا عندما يجلس الإنسان، لذلك ورد في معجم الطبراني أو البزار – شك الشيخ الطحان – بسند ضعيف [أن امرأة جاءت إلى النبي ﵊ تناجيه في مسألة وتستفتيه في أمر في مسجده عليه صلوات الله وسلامه عليه وبعد أن انتهت وقامت جاء رجل وأراد أن يجلس مكانها، قال: لا حتى يبرد المكان]
فالشاهد:
أن الإنسان عندما يجلس في مكان أو ينام في هذا المكان يكون فيه شيء من دفئه وحرارته الغريزية.
وسنتناول مبحث الإسراء والمعراج ضمن مراحل متعددة:
المرحلة الأولي:
стр. 1366
يجب علينا إذا أردنا أن نتكلم على هذا الحادث العظيم الجليل الشريف المبارك أن نذكر الآية التي أشارت إليه في سورة سميت باسم هذا الحادث المبارك وهي سورة (الإسراء) ، وتسمي أيضا بسورة (بني إسرائيل) وتسمي أيضا بسورة (سبحان) فلها ثلاثة أسماء، وأسماء السور توقيفية مبناها على النقل لأعلى العقل وعلى الرواية لأعلى الرأي، إما من الصحابة فلكلامهم حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه ورضي الله عنهم أجمعين، وإما النقل عن التابعين فلذلك حكم الرفع المرسل فيقبل قول التابعي: (١) إذا تعزز بقول تابعي الآخر (٢) إذا كان قائله من أئمة التفسير الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة كمجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عليهم جميعاً رحمة الله.
فأسماء السور إذن توقيفية وكذا القول بأن هذا مكي وهذا مدني وأسباب النزول كلها مبنية على الرواية لأعلى الرأي وعلى النقل لأعلى العقل.
يقول ربنا الجليل في أولها (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) .
هذه الآية لابد من تفسيرها وكل من يتكلم على حادث الإسراء والمعراج ينبغي أن يستعرض تفسير هذه الآية لتربط المباحث ببعضها.
(سبحان) مأخوذة من السَّبْح وهو الذهاب والإبعاد في الأرض، ومنه يقال السابح الذي يسبح في البركة وفي البحر سابح لأنه يبعد ويذهب بعيداً في حال سباحته، ولذلك لا تصلح السباحة في مكان ضيق محصور متر في متر ونحوها.
стр. 1367
فسبحان مأخوذة في أصلها اللغوي من المسبح وهو الذهاب والابتعاد في الأرض كما ذكرنا ولفظ (سبحان) إما أن يكون مصدر (سبَّح - يسبح – تسبيحاً – وسبحاناً) على وزن (كفر – يكفر – تكفيراً وكفراناً) وهذا المصدر منصوب يعامل إما من لفظه فنقدر نُسبِّحُ الله سبحاناً، وإما من غير لفظه فنقدر: أُنِّزهُ الله سبحاناً، وكلا التقديرين صحيح، وأما سبحان عَلَمٌُ على التسبيح انتصب بفعل مضمر، ثم نُزِّل ذلك العلم منزلة الفعل وسد مَسَدَّهُ.
وأما معنى (سبحان) فقد جاء لثلاثة معانٍ في القرآن:
١- أولها:
تنزيه الله عن السوء وتبرئته من كل نقص، قال الإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل في آخر سورة الصافات عند قوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) الآيات قال: "كثيراً ما يقرن الله بين التسبيح والتحميد" (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) يقرن بين التسبيح والتحميد؛ لأن كلاً منها يكمل الآخر "، فالتسبيح فيه تبرئَة لله عن النقائص ويستلزم ذلك إثبات المحامد إذن فيتضمن نفي النقص عن الله ويستلزم إثبات الكمال له، والحمد بالعكس يتضمن إثبات الكمال لله ويستلزم نفي النقص عنه فكل منها يستلزم الآخر.
التسبيح يتضمن معناه الأصلي – نفي النقص عن الله وذلك يستلزم إثبات الكمال فإذا انتفى النقص ثبت الكمال وكل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده فلا مدح فيه.
س: إثبات الكمال بلفظ التسبيح من أي أنواع الدلالات هل هو دلالة تضمن أم دلالة مطابقة أم دلالة التزام؟
جـ: دلالة التزام، فإن معنى دلالة التضمن هو أن يدل اللفظ على ما وضع له أي وضع لأجل أن يدل على تبرئة الله عن النقص، وأما معنى دلالة الالتزام فهو دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعني لكن لازم له فإذا نُفي النقص ثَبَتَ الكمال.
стр. 1368
فمثلاً: الحمد يتضمن إثبات الكمال والمحامد لله وذلك يستلزم نفي النقص فكلاً منهما يستلزم الآخر ويدل عليه فقرن الله بينهما فكأن الدلالة التي في فظ التسبيح جيء بالحمد ليدلل الله عليها دلالة تضمن ودلالة مطابقة لا دلالة الالتزام، وهكذا الدلالة التي في الحمد وهي نفي النقص عن الله جيء بلفظ التسبيح ليدل عليها صراحة وتضمناً ومطابقة لا التزاماً.
فـ[نفي النقص عن الله يستلزم إثبات الكمال وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص] ولذلك يقرن الله بين التسبيح والحمد لكن أصل معنى التسبيح تنزيه الله عن كل نقص وسوء.
لذلك قال ربنا جل وعلا: (وقالوا اتخذ الله ولداً) فبأي شيء عقب على هذا الكلام (سبحانه) تعالى وتنزه عن هذا النقص، فهكذا كل نقيصة يقولها الكفار ينفيها الله جل وعلا عن نفسه بلفظ التسبيح.
إذن تنزيه الله عن السوء وقد ورد في مستدرك الحاكم (١/٥٠٢) في كتاب الذكر والدعاء عن طلحة بن عبيد الله – أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم – قال [سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن معني التسبيح فقال نبينا ﵊: هو تنزيه الله عن كل سوء] إذن فهذا هو معنى التسبيح، تبرئة الله عن النقائص وعن السوء.
وهذا الأثر صححه الحاكم وقال إسناده صحيح لكن تعقبه الذهبي وقال: قلت: ليس كذلك ثم بين أن فيه ثلاث علل:
العلة الأولي: فيه طلحة بن يحي بن طلحة بن عبيد الله الحفيد، منكر الحديث كما قال البخاري.
стр. 1369
العلة الثانية: وفيه حفص تالف الحديث واهٍ، وحفص هذا هو الذي نقرأ بقراءته فهو في القراءة إمام لكنه في الحديث تالف ضعيف، فإنه ما صرف وقته لحفظ الحديث وضبطه فكان إذا حدث يَهِمُ وسبب الضعف عدم الضبط لا عدم الديانة فانتبه!!!.. فإن سبب الضعف إما زوال الديانة أو زوال الضبط وليس في زوال الضبط منقصة وإن كانت روايته تُردُّ، لكن إذا كان الضعف بسبب ضياع العدالة؛ لأنه فاسق، كذاب، شارب للخمر، مرتكب الكبيرة، وما شاكل هذا فهذا هو النقص، أما إذا كان الإنسان لا يحفظ، وإذا حفظ ينسى، وإذا حدث يخلط، فهو مردود الرواية وسبب الرد عدم الضبط وذلك لأنه لابد من عدالة وضبط فإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم ضبطه فلا منقصة في دينه، وإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم عدالته فهذا هو البلاء.
وحفص من ناحية العدالة عدل وفوق العدل، عدل إمام رضا، لكن في ناحية ضبط الحديث واهي الحديث تالف الحديث.
العلة الثالثة: وفيه أيضاً عبد الرحمن بن حماد منكر الحديث كما قال ابن أبي حاتم، فالحديث من ناحية الإسناد ضعيف لكن المعنى صحيح، أي تفسير سبحان الله والتسبيح بأنه تبرئة الله عن كل سوء وعن كل نقص، ثبوت هذا عن نبينا ﷺ ضعيف من حيث الإسناد لكن المعنى صحيح.
ثانيها: ويأتي التسبيح بمعنى التعجب، وهذه المعاني ضروري معرفتها في هذا المبحث إذ لها معانٍ كبيرة وخفية فلفظ (سبحان) هذا وحده يدلنا على أن الإسراء كان بالروح وبالجسد كما سيأتينا، فلفظ سبحان على حسب ما فيها من دلالتين: إما تنزيه الله عن كل نقص أو التعجب، نستدل على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، كيف هذا؟
стр. 1370
لو كان رسولنا ﵊ كذاباً – وحاشاه من ذلك- وقال: أسرى الله بي إلى بيت المقدس وعرج بى إلى السموات ورجعت ولم يكن ذلك قد حصل، فإذا أقره الله فماذا يكون في هذا؟ يكون فيه منقصة في حق الله، فإذن هذا يكذب عليه وهو يؤيده بخوارق العادات من إنزال القرآن وغيره أفلا يكون في هذا منقصة والله تعالى يقول: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) .
فلفظ (سبحان) إذن أول ما يدل عليه أن الإسراء والمعراج بالجسد لا بالروح فقط لأن هذا لو كان على خلاف ذلك لما كان هنا داعٍ لتعجيب العباد من هذا، فالروح كل واحد يرى أنه أسري بها، فقد يري الكافر أنه أسري بها إلى الصين التي هي أبعد من بيت المقدس، وهذا واضح ولو كان النبي صلي الله عليه وسلم يخبر بخلاف الحقيقة فكيف يقره الله وهو أحكم الحاكمين ورب العالمين؟!
لذلك قال أئمتنا: المعجزة تدل على صدق الرسول لأنها بمثابة قول الله: صدق عبدي فيما بلغ عني.
فلو كان نور مثلا حاضراً في مجلس الأمير، والأمير جالس، وقام وقال أنا رسول الأمير إليكم وأنني مسئول عن أمور الرعية، وأنا نائبه، وقد فوض إلي تدبير الشؤون في هذه المنطقة وأنا ممثله وليس عندي كتاب عنه وما تكلم هو، لكن الدليل على أنني رسوله وأنني نائبه أن الأمير يقعد الآن أمامكم عشر مرات فقام الأمير وجلس وقام وجلس وقام وجلس عشر مرات وما تكلم، أفلا يدل هذا على صدقه؟ نعم يدل دلالة أقوى من الكلام، ولو كان كذاباً لقال الأمير: اضربوا رقبته.
فعندما يقول نبينا ﵊ للقمر بيده هكذا فينشق فلقتين فهذا لو كان كذاباً لما أيده الله، فإذا كان من علامة صدقه أنه يشير إلى القمر فينشق (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولو كان كذاباً لما أيده الله.