← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

يجب علينا إذا أردنا أن نتكلم على هذا الحادث العظيم الجليل الشريف المبارك أن نذكر الآية التي أشارت إليه في سورة سميت باسم هذا الحادث المبارك وهي سورة (الإسراء) ، وتسمي أيضا بسورة (بني إسرائيل) وتسمي أيضا بسورة (سبحان) فلها ثلاثة أسماء، وأسماء السور توقيفية مبناها على النقل لأعلى العقل وعلى الرواية لأعلى الرأي، إما من الصحابة فلكلامهم حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه ورضي الله عنهم أجمعين، وإما النقل عن التابعين فلذلك حكم الرفع المرسل فيقبل قول التابعي: (١) إذا تعزز بقول تابعي الآخر (٢) إذا كان قائله من أئمة التفسير الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة كمجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عليهم جميعاً رحمة الله. فأسماء السور إذن توقيفية وكذا القول بأن هذا مكي وهذا مدني وأسباب النزول كلها مبنية على الرواية لأعلى الرأي وعلى النقل لأعلى العقل. يقول ربنا الجليل في أولها (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) . هذه الآية لابد من تفسيرها وكل من يتكلم على حادث الإسراء والمعراج ينبغي أن يستعرض تفسير هذه الآية لتربط المباحث ببعضها. (سبحان) مأخوذة من السَّبْح وهو الذهاب والإبعاد في الأرض، ومنه يقال السابح الذي يسبح في البركة وفي البحر سابح لأنه يبعد ويذهب بعيداً في حال سباحته، ولذلك لا تصلح السباحة في مكان ضيق محصور متر في متر ونحوها.

стр. 1367

فسبحان مأخوذة في أصلها اللغوي من المسبح وهو الذهاب والابتعاد في الأرض كما ذكرنا ولفظ (سبحان) إما أن يكون مصدر (سبَّح - يسبح – تسبيحاً – وسبحاناً) على وزن (كفر – يكفر – تكفيراً وكفراناً) وهذا المصدر منصوب يعامل إما من لفظه فنقدر نُسبِّحُ الله سبحاناً، وإما من غير لفظه فنقدر: أُنِّزهُ الله سبحاناً، وكلا التقديرين صحيح، وأما سبحان عَلَمٌُ على التسبيح انتصب بفعل مضمر، ثم نُزِّل ذلك العلم منزلة الفعل وسد مَسَدَّهُ. وأما معنى (سبحان) فقد جاء لثلاثة معانٍ في القرآن: ١- أولها: تنزيه الله عن السوء وتبرئته من كل نقص، قال الإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل في آخر سورة الصافات عند قوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) الآيات قال: "كثيراً ما يقرن الله بين التسبيح والتحميد" (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) يقرن بين التسبيح والتحميد؛ لأن كلاً منها يكمل الآخر "، فالتسبيح فيه تبرئَة لله عن النقائص ويستلزم ذلك إثبات المحامد إذن فيتضمن نفي النقص عن الله ويستلزم إثبات الكمال له، والحمد بالعكس يتضمن إثبات الكمال لله ويستلزم نفي النقص عنه فكل منها يستلزم الآخر. التسبيح يتضمن معناه الأصلي – نفي النقص عن الله وذلك يستلزم إثبات الكمال فإذا انتفى النقص ثبت الكمال وكل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده فلا مدح فيه. س: إثبات الكمال بلفظ التسبيح من أي أنواع الدلالات هل هو دلالة تضمن أم دلالة مطابقة أم دلالة التزام؟ جـ: دلالة التزام، فإن معنى دلالة التضمن هو أن يدل اللفظ على ما وضع له أي وضع لأجل أن يدل على تبرئة الله عن النقص، وأما معنى دلالة الالتزام فهو دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعني لكن لازم له فإذا نُفي النقص ثَبَتَ الكمال.

стр. 1368

فمثلاً: الحمد يتضمن إثبات الكمال والمحامد لله وذلك يستلزم نفي النقص فكلاً منهما يستلزم الآخر ويدل عليه فقرن الله بينهما فكأن الدلالة التي في فظ التسبيح جيء بالحمد ليدلل الله عليها دلالة تضمن ودلالة مطابقة لا دلالة الالتزام، وهكذا الدلالة التي في الحمد وهي نفي النقص عن الله جيء بلفظ التسبيح ليدل عليها صراحة وتضمناً ومطابقة لا التزاماً. فـ[نفي النقص عن الله يستلزم إثبات الكمال وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص] ولذلك يقرن الله بين التسبيح والحمد لكن أصل معنى التسبيح تنزيه الله عن كل نقص وسوء. لذلك قال ربنا جل وعلا: (وقالوا اتخذ الله ولداً) فبأي شيء عقب على هذا الكلام (سبحانه) تعالى وتنزه عن هذا النقص، فهكذا كل نقيصة يقولها الكفار ينفيها الله جل وعلا عن نفسه بلفظ التسبيح. إذن تنزيه الله عن السوء وقد ورد في مستدرك الحاكم (١/٥٠٢) في كتاب الذكر والدعاء عن طلحة بن عبيد الله – أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم – قال [سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن معني التسبيح فقال نبينا ﵊: هو تنزيه الله عن كل سوء] إذن فهذا هو معنى التسبيح، تبرئة الله عن النقائص وعن السوء. وهذا الأثر صححه الحاكم وقال إسناده صحيح لكن تعقبه الذهبي وقال: قلت: ليس كذلك ثم بين أن فيه ثلاث علل: العلة الأولي: فيه طلحة بن يحي بن طلحة بن عبيد الله الحفيد، منكر الحديث كما قال البخاري.

стр. 1369

العلة الثانية: وفيه حفص تالف الحديث واهٍ، وحفص هذا هو الذي نقرأ بقراءته فهو في القراءة إمام لكنه في الحديث تالف ضعيف، فإنه ما صرف وقته لحفظ الحديث وضبطه فكان إذا حدث يَهِمُ وسبب الضعف عدم الضبط لا عدم الديانة فانتبه!!!.. فإن سبب الضعف إما زوال الديانة أو زوال الضبط وليس في زوال الضبط منقصة وإن كانت روايته تُردُّ، لكن إذا كان الضعف بسبب ضياع العدالة؛ لأنه فاسق، كذاب، شارب للخمر، مرتكب الكبيرة، وما شاكل هذا فهذا هو النقص، أما إذا كان الإنسان لا يحفظ، وإذا حفظ ينسى، وإذا حدث يخلط، فهو مردود الرواية وسبب الرد عدم الضبط وذلك لأنه لابد من عدالة وضبط فإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم ضبطه فلا منقصة في دينه، وإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم عدالته فهذا هو البلاء. وحفص من ناحية العدالة عدل وفوق العدل، عدل إمام رضا، لكن في ناحية ضبط الحديث واهي الحديث تالف الحديث. العلة الثالثة: وفيه أيضاً عبد الرحمن بن حماد منكر الحديث كما قال ابن أبي حاتم، فالحديث من ناحية الإسناد ضعيف لكن المعنى صحيح، أي تفسير سبحان الله والتسبيح بأنه تبرئة الله عن كل سوء وعن كل نقص، ثبوت هذا عن نبينا ﷺ ضعيف من حيث الإسناد لكن المعنى صحيح. ثانيها: ويأتي التسبيح بمعنى التعجب، وهذه المعاني ضروري معرفتها في هذا المبحث إذ لها معانٍ كبيرة وخفية فلفظ (سبحان) هذا وحده يدلنا على أن الإسراء كان بالروح وبالجسد كما سيأتينا، فلفظ سبحان على حسب ما فيها من دلالتين: إما تنزيه الله عن كل نقص أو التعجب، نستدل على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، كيف هذا؟

стр. 1370

لو كان رسولنا ﵊ كذاباً – وحاشاه من ذلك- وقال: أسرى الله بي إلى بيت المقدس وعرج بى إلى السموات ورجعت ولم يكن ذلك قد حصل، فإذا أقره الله فماذا يكون في هذا؟ يكون فيه منقصة في حق الله، فإذن هذا يكذب عليه وهو يؤيده بخوارق العادات من إنزال القرآن وغيره أفلا يكون في هذا منقصة والله تعالى يقول: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) . فلفظ (سبحان) إذن أول ما يدل عليه أن الإسراء والمعراج بالجسد لا بالروح فقط لأن هذا لو كان على خلاف ذلك لما كان هنا داعٍ لتعجيب العباد من هذا، فالروح كل واحد يرى أنه أسري بها، فقد يري الكافر أنه أسري بها إلى الصين التي هي أبعد من بيت المقدس، وهذا واضح ولو كان النبي صلي الله عليه وسلم يخبر بخلاف الحقيقة فكيف يقره الله وهو أحكم الحاكمين ورب العالمين؟! لذلك قال أئمتنا: المعجزة تدل على صدق الرسول لأنها بمثابة قول الله: صدق عبدي فيما بلغ عني. فلو كان نور مثلا حاضراً في مجلس الأمير، والأمير جالس، وقام وقال أنا رسول الأمير إليكم وأنني مسئول عن أمور الرعية، وأنا نائبه، وقد فوض إلي تدبير الشؤون في هذه المنطقة وأنا ممثله وليس عندي كتاب عنه وما تكلم هو، لكن الدليل على أنني رسوله وأنني نائبه أن الأمير يقعد الآن أمامكم عشر مرات فقام الأمير وجلس وقام وجلس وقام وجلس عشر مرات وما تكلم، أفلا يدل هذا على صدقه؟ نعم يدل دلالة أقوى من الكلام، ولو كان كذاباً لقال الأمير: اضربوا رقبته. فعندما يقول نبينا ﵊ للقمر بيده هكذا فينشق فلقتين فهذا لو كان كذاباً لما أيده الله، فإذا كان من علامة صدقه أنه يشير إلى القمر فينشق (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولو كان كذاباً لما أيده الله.

стр. 1371

وانظر إلى مسيلمة الكذاب لما قيل له: إن محمداً ﵊ يبصق في عين الأرمد فيبرأ، فقد بصق في عين علي بن أبي طالب وكان يشتكي عينيه فما اشتكي منهما بعد ذلك، فقال مسيلمة هاتوا أرمداً لأبصق في عينيه فأتي له أرمداً فبصق في عينيه فعمي. فجوزي بنقيض قصده لذا قال أئمتنا: تلك معجزة وهذه إهانة وذلك خارق للعادة وهذا خارق للعادة لكن ليفضحه الله. وقيل له كان النبي صلي الله عليه وسلم يضع يده في الماء فيفور الماء من بين أصابعه ولما كان صلوات الله وسلامه عليه مع أصحابه في صلح الحديبية كانوا (١٥٠٠) شخصاً وكفاهم الماء القليل عندما وضع في تور من ماء – إناء صغير- أصابعه صلوات الله عليه فبدأ الماء يفور من بين أصابعه فقيل لمسيلمة عندنا بئر ماؤها قليل لعلك تدخل فيها وتقرأ عليها وتتمتم ليبارك لنا في مائها ففعل فغارت. فهذا خارق للعادة لكنه إهانة وذلك خارق للعادة لكنه معجزة. إذن فلا يظن أن البحث في معنى سبحان من باب النافلة بل هو مرتبط ببحثنا فـ (سبحان) سيأتي أنه من الأدلة على أن الإسراء كان بالروح والجسد.

стр. 1372

فـ (سبحان) تأتي بمعني التعجب، ومنه قوله ﷺ لأبي هريرة كما في صحيح البخاري: [سبحان الله: إن المؤمن لا ينجس] وأول الحديث يقول أبو هريرة: [لقيت النبي ﵊ في بعض طرق المدينة أو مكة وكنت جنباً فانخنست منه] أي تسللت في خفية وتواريت عنه لئلا يراني – وقد كان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم إذا التقى بأصحابه يصافحهم ويداعبهم ويضاحكهم وليس حاله كحال الجبابرة الطغاة، لذلك لما حج النبي صلي الله عليه وسلم وفداه أبي وأمي فرد فردا ولا إليك إليك أي ما أحد يقال له تنح من أمام النبي ﵊، فالناس يمشون بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وهو مع الناس، نَفَرٌ منهم، فإذن له لما رأى أبو هريرة النبي ﵊ وكان أبو هريرة جنباً يقول: انخنست منه أي تسللت في خفية لئلا يصافحني فكيف يصافحني وأنا جنب، وقد كان يظن أن الإنسان إذا أجنب تنجس [فذهب فاغتسل ثم جاء، قال أين كنت يا أبا هريرة؟ قال كنت جنباً فكرهت أن أجالسك قال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس] فما معنى (سبحان الله) هنا؟ معناها: أتعجب منك يا أبا هريرة، أنت حافظ العلم ورواية الإسلام كيف يخفى عليك هذا الحكم في شريعة الرحمن. (أسرى) قال علماء اللغة سرى وأسرى بمعنىً واحد مثل سقى وأسقى، قال حسان بن ثابت ﵁: حي النضيرة ربت الخدر ... أسرت إليّ ولم تكن تسري النضيرة في البيت إما زوجته أو ابنته أو أخته المقصود جاءته في الليل يحييها أسرت إليه ولم تكن تسري، قال علماؤنا: جمع حسان اللغتين في هذا البيت أسرت فهذا أن أسرى وتسري من سرت لأنها لو كانت من أسرت لقال تُسري.

стр. 1373

قيل إنه سير الليل خاصة، وعليه فذكر (ليلاً) في الآية للإشارة إلى تقليل الزمن في تلك الليلة فما سراه لم يكن في مدة الليلة بكاملها إنما كان الإسراء والمعراج به كان في جزء من الليل ولم يكن في جميع الليلة، ويدل على هذا قراءة بن مسعود وحذيفة وهى قراءة شاذة (سبحان الذي أسري بعبده بالليل) بدلاً من (ليلاً) أي أن السرى حصل لنبينا صلوات الله عليه وسلامه والإسراء به حصل في جزء من الليل فذكر ليلاً، فالتنكير هذا للتقليل حصل له في جزء من الليل وكما ذكرنا فراشه دافئ وقال الزجاج: هو مطلق السير في ليل أو نهار وعليه فذكر الليل لبيان وقت الإسراء. (بعبده) هو نبينا محمد ﷺ أفضل خلق الرحمن ونعته بهذا الوصف وهو العبودية لأمرين معتبرين: الأمر الأول: أنه أكمل النعوت وأشرف الخصال في حق البشر؛ لأن العبودية تضمن أمرين اثنين: حب كامل وذل تام، ولا يكون العبد عبداً إلا بهذين الأمرين، فيحب الله محبة تامة كاملة، ويتذلل تذللاً تاماً كاملاً، فمن بلغ هذين الأمرين يقال له: هو عبد، وهذه أشرف صفة ولذلك نعت الله نبينا محمداً ﷺ بهذا الوصف الذي يشير إلى هذين الأمرين في أعلى المقامات وأجلها منها قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده) ، (الحمد لله الذي أنزل على عبده) ، (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ، (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) فينعته ربنا بلفظ العبودية؛ لأنه أشرف وصف في المخلوق وهو أن يكون عبداً للخالق، أي يحبه حباً تاماً ويتذلل إليه تذللاً تاماً.

стр. 1374

ونبينا ﵊ نال من هذين الوصفين أعلى نصيب ممكن في حق البشر لذلك فهو أشرف المخلوقات على الإطلاق، ثبت في المستدرك وميند البزار بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ موقوفاً عليه وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊ أنه قال: [خيار ولد آدم] وفي رواية: [سيد ولد آدم خمسة محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وسيد خلقه محمد عليه صلوات الله وسلامه] . فقد اتفق أئمتنا – وهذا قد مر معكم في مبحث النبوة في المستوى الأول في شرح العقيدة الطحاوية – على أن أفضل البشر الأنبياء وأفضل الأنبياء الرسل وأفضل الرسل أولو العزم وهم الخمسة الذين ذكرهم الله في آيتين من كتابه (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) آية ٧ من سورة الأحزاب، وفى سورة الشورى آية رقم ١٣ (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) فأفضل الرسل أولو العزم، وأفضل أولو العزم الخليلان إبراهيم ومحمد على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه وأفضل الخليلين أكملها خلة وأعظمها محبة لربه وهو محمد ﷺ . فخلة إبراهيم لربه دون خلة نبينا ﵊ لربه، والخلة هي أكمل مراتب المحبة وهي في المحبة كالمقت في الغضب فكما أن المقت أعظم أنواع الغضب، فالخلة أعلى مراتب المحبة. قد تخليت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا

стр. 1375

ولذلك ثبت في الصحيحين عن نبينا ﵊ أنه قال: [لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله] فليس في قلبي متسع لغير ربي، فمحبتي كلها له فهذا أعلى الحب وأكمله ولذلك يقول إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كما في حديث الشفاعة الطويل الثابت في مسلم وغيره عندما [يذهبون إليه فيقولون له اشفع لنا فأنت اتخذك الله خليلاً فيقول: إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اذهبوا إلى محمد ﵊ فإنه عبد صالح قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيذهبون له فيشفع لهم] وهي الشفاعة العظمي والمقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، النبيون والمرسلون عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه. نعم يلي نبينا في الفضيلة إبراهيم فهو خليل الرحمن وما بلغ مرتبة الخلة إلا نبينا ﵊ وأبونا إبراهيم، فإبراهيم جعل قلبه للرحمن بشهادة ذي الجلال والإكرام حيث قال (إذ جاء ربه بقلب سليم) ، وجعل بدنه للنيران وماله للضيفان وولده للقربان أما يستحق هذا أن يتخذه ربنا الرحمن خليلاً وحقيقة الخلة كاملة، والمحبة تامة والعبد هو من جمع حباً وذلاً، يحب ربه من كل قلبه بكل قلبه، ويتذلل له بجميع جوارحه. فمن حقق هذين الأمرين فهو عبد، فالنعت إذن بوصف العبودية هذا مدح ليس بعده مدح أن يقول لك ربك عبدي، هذا شرف لك ليس بعده شرف. ومما زادني عجباً وتيهاً ... وكدت بأخمصي أطأ الثُّربا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا ولكل ما سبق نُعت النبيُّ صلي الله عليه وسلم بـ (عبده) . الأمر الثاني:

стр. 1376

الذي من أجله وصفه الله بهذا الوصف خشية أن تغلو الأمة فيه، فنعته بوصف العبودية لتعرف الأمة وظيفة النبي ﷺ ومكانته لا نقول: بما أنه أفضل المخلوقات وأسرى الله به وعرج به إلى السماء وأنزل عليه القرآن وفضله على العالمين إذن نذهب نصلي لقبره ركعتين وعندما نذبح نقول بسم محمد وعندما نقع في كربة نقول يا رسول الله فرج عنا، فلئلا تقع الأمة في هذا الضلال أخبرنا الله أنه عبد فإذا كان عبداً فلا يحق أن تصرف له شيئاً من العبادة، فهذا خاص لله جل وعلا. فَنُعِتَ بهذا الأمر لأجل المدح والتحذير من الغلو ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله] عليك صلوات الله وسلامه يا أفضل خلق الله ويا أكرم رسل الله، والإطراء وهو المجاوزة في المدح والمبالغة فيه. إخوتي الكرام..... إذا ذكر الإنسان النبي ﵊ فينبغي أن يذكره بالتبجيل والتوقير والاحترام وأن يتبع هذا ﵊. وأما ما شاع بين الناس في هذه الأيام لما خربت قلوبهم وأظلمت من جفاء نحو ذكر نبينا ﵊ تراه على المنبر وأحيانا داعي يقول: كما قال رسولكم محمد بن عبد الله، فهذا ينبغي أن يضرب على فمه حتى تسيل الدماء منه، فهذا جفاء وقلة حياء بل كان الواجب أن يقول قال محمد رسول الله، هل نعته الله بأنه ابن عبد الله في كتابه؟ وهل في نسبته لأبيه مدح؟ لا إنما في نسبته إلى الله مدح فالواجب أن يقال: رسول الله خاتم النبيين وغيرها فبهذا نعته الله (محمد رسول الله) ، (محمد عبد الله ورسوله) ، (ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله إليكم وخاتم النبيين) ، (يا أيها النبي اتق الله) ، (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل لك) ، ولم ترد إضافته إلى أبيه في القرآن.

стр. 1377

ولا يجوز أن تضيفه إلى أبيه إلا في مقام النسب فقط، فتأتي بنسبه فتقول: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب – إلخ النسب ما عدا هذا ذكره مضافاً إلى أبيه من البذاء والجفاء وقلة الحياء وعدم تعظيم خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، فانتبهوا لهذا. تضيفه لله فلا حرج قال محمد بن عبد الله ورسوله لكن ليس: قال محمد بن عبد الله. (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) وقد أفتى ابن حجر الهيتمي بأن من قال عن نبينا ﵊ بمقام الدعوة والتبليغ قال محمد بن عبد الله بأنه يعزر. وحقيقة الأمر كذلك لأن هذا كما قلنا من عدم توقير النبي ﵊. (المسجد الحرام) الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج وردت في الظاهر متعارضة، لكن نجمع بينها فيزول التعارض: ورد أنه أسري به من بيت بنت عمه فاخِتة أم هانئ بنت أبي طالب. وورد أنه أسري به من شعب أبي طالب. وورد أنه أسري به من بيته ففرج سقف بيته ونزل المكان وأخذاه. وورد أنه أسري به من الحجر من الحطيم وهو حجر إسماعيل. قال الحافظ ابن حجر: لا تعارض بينها، فكان نبينا ﵊ نائما في بيت بنت عمه أبي طالب فاخِتة أم هانئ، وبيتها كان في شعب أبي طالب، أضيف إليه سقف بيته فرج لأجل سكناه فيه؛ لأنه يسكن فيه وإن كان لا يتملكه كما تقول فتح علي باب حجرتي وأنت في الفندق فأضيفت إليه الحجرة تملكاً في السكن لسكنه فيها وكذا أضيف البيت للنبي ﷺ لسكناه فيه ثم بعد أن أخرج من بيت أم هانئ في شعب أبي طالب وقيل له بيته لأنه يسكنه أُخذ عليه صلوات الله وسلامه إلى الحجر ولازال فيه أثر النعاس وأُرْجِعَ فيه، ثم بعد ذلك هيأ من ذلك المكان وأخرج من باب المسجد الحرام إلى رحلة الإسراء والمعراج فحصلت جميع هذه الأمور من بيت أم هانئ في شعب أبي طالب وهذا بيته وأُخذ إلى الحِجْر وأُسري به من حِجْر إسماعيل وهو الحطيم. المحاضرة الثانية

стр. 1378

الثلاثاء ١٦/٣/١٤١٢هـ وقد أضيف بيت بنت عمه أبي طالب أم هانئ فأختة للنبي ﷺ لسكناه فيه كما قال الله جل وعلا: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) فالإضافة هنا للسكن أو للملك؟ هي للسكن، ولو كنت تملك البيت، لكنك أجرته فلا يجوز أن تدخله وإن كان ملكاً لك وهنا أضيف البيت إليه لسكناه فيه، هذا البيت هو لبنت عمه في شعب أبي طالب وأضيف إليه هو ضمن الحرم. والمراد من (المسجد الحرام) حرم مكة المكرمة، وليس المراد منه خصوص المسجد لأن لفظ المسجد الحرام شامل لحرم مكة، ولذلك من صلى في أي بقعة من بقاع الحرم تضاعف صلاته مائة ألف صلاة ولا يشترط هذا أن يكون في خصوص المسجد الحرام الذي يحيط بالكعبة بخلاف مسجد النبي ﷺ فالأجر هناك بألف لمن صلى في خصوص المسجد أما مكة فكلها حرم في أي جهة تصلى في مسجد الكعبة الذي يحيط بالكعبة أو في أي مسجد آخر فالصلاة تضاعف بمائة ألف صلاة والله تعالى أشار إلى هذا في كتابه فقال (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) أي عن مكة، وهذا وقع في صلح الحديبية، والله جل وعلا يقول: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد) فما المراد بالمسجد الحرام هنا؟ هل المراد خصوص المسجد وبقعته التي تحيط بالكعبة؟ لا، بل المراد مكة يستوي فيها البادي والحاضر فهذه خصوصية لمكة، جميع بقعة الحرم يقال لها مسجد حرام.

стр. 1379

وعليه فإن المراد بقوله: (من المسجد الحرام) أي من مكة المكرمة سواء كان في بيت أم هانئ أو سواء كان في الحجر، لكنني قد جمعت بين هذه الألفاظ وقلنا: إنه كان نائما في بيت أم هانئ وهو شعب أبي طالب، وأضيف البيت إليه لسكناه وقيل أنه أسري به من الحجر والحطيم الذي حطم وفصل من الكعبة عندما ضاقت بقريش النفقة وهو حجر إسماعيل وهو جزء نصف دائري يبعد عن الكعبة قليلاً ومازال موجوداً إلى الآن وهو من الكعبة ومن مر بينه وبين الكعبة فكأنما مر في جوف الكعبة تماماً، ولو كنت تطوف فيما بينه وبين الكعبة لم يصح الطواف بل لابد من الطواف خارج حجر إسماعيل، وهذا الحجر الأصل أنه من الكعبة لكن لما ضاقت النفقة بقريش سابقاً فصلوا هذه البقعة عن الكعبة وحوطوا عليها للإشارة إلى أنها من الكعبة وبقي البناء على هذا والنبي ﵊ قال لأمنا عائشة والحديث في صحيح البخاري: [لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فنقض وأدخلت حجر إسماعيل وجعلت له باباً شرقياً وغربياً يدخل الناس ويخرجون] أي إلى جوف الكعبة، لكن ما فعل النبي ﵊ هذا لئلا يقول الناس وهم حديثو عهد بجاهلية بدأ يتلاعب في هذا البيت المعظم الذي هو بيت الله الحرام، فتركه على ما كان ولا حرج في ذلك ولا مضرة ثم بقي على هذه الشاكلة. لما جاء عبد الله بن الزبير نقض البيت الحرام وأدخل الحجر وجعل له بابين: باباً من الشرق وباباً من الغرب ولما قتل ﵁ وأرضاه في الحروب التي جرت بينه وبين بني أمية في عهد عبد الملك بن مروان أمر عبد الملك بأن يعاد البيت كما كان فأعادوه إلى هذه الكيفية الموجودة الآن.

стр. 1380

ولما جاء أبو جعفر المنصور – الخليفة العباسي - استشار الأئمة وعلى رأسهم الإمام مالك عليهم رحمة الله في أن يعيد البيت كما فعله عبد الله بن الزبير فقال الإمام مالك: الله الله يا أمير المؤمنين في هذا البيت ألا يصبح ألعوبة بأيدي الحكام كل واحد يأتي ينقضه من أجل أهواء سياسية، عبد الله بن الزبير أصاب السنة فمن أجل أن يخالفه بنو أمية نقضوا البيت، فأنت الآن ستخالفهم وتعيد البيت نكاية ببني أمية، فيأتي حاكم بعد ذلك نكاية بك ينقضه، فيصبح البيت ملعبة، فاتركه على شاكلته. الشاهد: أنه ﷺ نائماً في الحجر في الحطيم فجاءه ملكان وأخرجاه إلى باب المسجد وبدأت رحلة الإسراء والمعراج، هذه الأمور الأربعة المسجد الحرام والحجر وشعب أبي طالب وبيته كلها يشملها المسجد الحرام. (إلى المسجد الأقصى) هو بيت المقدس المعروف والموجود في بلاد الشام في فلسطين وسمي بالأقصى وهو الأبعد لأنه لم يكن على وجه الأرض في ذلك الوقت إلا مسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، والمسجد الأقصى بالنسبة للمسجد الحرام بعيد المسافة، كما قال المشركون خمسة عشر يوماً ذهاباًً وخمسة عشر يوماً إياباً فيحتاج من يسافر إليه شهراً كاملاً ذهاباً وإياباً، فقيل الأقصى أي الأبعد مسافة لأنه هو أبعد مسجد عن مكة وما كان على وجه الأرض في ذلك الوقت إلا هذين المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، أما مسجد النبي ﷺ فلم يكن له وجود لأنه حصل بعد الهجرة وسيأتينا أن حادثة الإسراء والمعراج كانت قبل هجرة النبي ﷺ إن شاء الله. إذن المسجد الأقصى قيل له: أقصى لبعد المسافة بيه وبين مكة.

стр. 1381

والمسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس كما قال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين) . بكة ومكة اسمان مترادفان، سميت بكة ومكة لأنها تبك وتمك رؤوس الجبابرة وتقسم ظهورهم وما أحد أرادها بسوء إلا عاجله الله بالعقوبة. بك هو قطع العنق ودقه، وهكذا المك، بك ومك، وسميت ببكة وبمكة مأخوذ من المك يقال: إذا خرجت أمعاؤه ونفسه وروحه من كثرة الزحام، ولما يحصل فيها أيضاً زحام حول الطواف عند اجتماع الناس من كل فج عميق. فإن قيل لها مكة وبكة لحصول الزحام فيها ولعقوبة الله لكل من أرادها بسوء. والمسجد الحرام بمكة هو أول بيت وضع للناس يليه المسجد الأقصى، وبينهما أربعون عاماً كما ثبت في صحيح مسلم عن نبينا ﵊ من حديث أبي ذر، ولا يشكلن عليك هذا الدليل وإياك أن تقول إن أول من بنى بيت الله الحرام إبراهيم وأول من بنى بيت المقدس داوود فليس الأمر كذلك. أول من بنى المسجد الحرام الملائكة ثم بنت بيت المقدس بعده بأربعين عاماً. وهناك قول ثانٍ ولا يصح غير هذين القولين، أول من بنى المسجد الحرام آدم وآدم حج إلى بيت الله الحرام قطعاً وجزماً وهكذا جميع أنبياء الله ورسله كلهم حجوا بيت الله الحرام. والبيت المعمور في السموات بعد ذلك هذا على حيال وعلى اتجاه الكعبة التي في الأرض تماماً، وهذا البيت – المسجد الحرام – كان موجود من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة، كان يحجه ويزوره وآدم زار البيت وحج واعتمر وهكذا جميع أنبياء الله ورسله ثم بعض بنى آدم بني المسجد الأقصى وكان بينهما أربعون عاماً هذا كلام النبي ﷺ وهو في صحيح مسلم ونص الحديث: [أول مسجد بنى المسجد الحرام قلت: ثم أي يا رسول الله؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون عاماً] . فقيل له أقصى لأن مسافته بعيدة عن المسجد الحرام. (الذي باركنا حوله)

стр. 1382

البركة هي: ثبوت الخير للشيء والله جعل بركات عظيمة حول المسجد الأقصى هذه البركات شاملة لبركات الدين والدنيا. أما الدين فهي مكان بعثة الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، في بلاد الشام. وأما الدنيا فما فيها من الخيرات والزروع والثمار لا يوجد في الأرض له مثيل ونظير، فالخيرات فيها عظيمة فيما يتعلق بخيرات الدين وفيما يتعلق بخيرات الدنيا. (باركنا حوله) ديناً ودنيا ولذلك اعتبر نبينا ﵊ أصول الفساد في بلاد الشام علامة على فساد سائر البلدان لأن المكان المبارك إذا فسد فعيره أفسد؛ ثبت في صحيح ابن حبان ومسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن قرة بن إياس – والحديث حسنه الترمذي وصححه بن حبان – أن النبي ﷺ قال: [إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم] وأهل الشام الآن أخبث من الشيطان إلا من رحم ربه وقليل ما هم، ولذلك فالبشرية فيها هذا البلاء والغثاء والضلال لأن الخيار فسدوا فكيف سيكون حال الأشرار؟! المكان الذي بارك ألله فيه ضل وزاغ فكيف سيكون حال الأمكنة الأخرى؟! وحديث الصحيحين عندما ذكر النبي ﷺ هذه الأمة [وأنه لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله قال: وهم بالشام ظاهرون] فإذن بركة الدين والدنيا، ونزول عيسي على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في آخر الزمان سيكون في بلاد الشام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق كما قال النبي ﷺ ويطلب المسيح الدجال عليه وعلى جميع الدجاجلة لعنة الله وغضبه – فيقتله بباب لد في فلسطين، فإذا رآه الدجال إنماع كما ينماع الملح في الماء فيقول: اخسأ عدو الله فإن لك ضربة لن تخطأك فيضربه عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فيقتله.

стр. 1383

وليقرر إليه هذه البركة على أتم وجه أتى بأسلوب مقرر في البلاغة وهو أسلوب الالتفات وهو نقل المخاطب من هيئة إِلى هيئة ومن صيغة إلى صيغة، فمثلاً: يكون يتحدث في حال الحضور فينتقل إلى الغيبة ويكون في حال الإفراد فينتقل إلى الجمع، ويكون في حال غيبة فينتقل إلى حضور وهكذا، فيغير في أسلوب الكلام من أجل أن يلفت الأذهان ويشحذها وأن هذا أمر عظيم ينبغي أن تقفوا عنده، فأين الالتفات في الآية؟

стр. 1384

المُخاطِبُ هو الله – سبحان الله - غير في الكلام، فكان الكلام على صيغة (سبحان الذي أسرى) وأسرى غيبة، (أسرى بعبده) فلم يقل أسريت بعبدي، ولم يقل: سبحاني أسريت بعبدي، أو سبحاننا أسرينا بعبدنا على وجه التعظيم – من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، إذ أصل الكلام أن يقول: سبحاننا أسرينا بعبدنا ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله فتكون باركنا مثل سبحاننا وأسرينا وعبدنا، لكن قال تعالى: (سبحان الذي أسري بعبده) على جهة الغيبة ثم قال (ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) فلو أراد أن يكون الكلام متفقاً مع الغيبة لقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير إذن فالمتكلم نقل كلامه من غيبة إلى حضور ومن جهة إلى جهة. وغرضه الأصلي أن يشحذ الذهن وأن يشد الانتباه لمضمون الكلام لئلا يحصل ملل وسآمة من مجيء الكلام على صورة واحدة، ثم للتنبيه وهنا فائدة خاصة أيضاً، أما غرض الالتفات العام شحذ الأذهان وجلب الانتباه ثم في كل مكان له غرض خاص، فما هو الغرض الخاص هنا؟ للإشارة إلى عظيم تلك البركات الموجودة حول المسجد الأقصى فلأجل أن يقرر تلك البركات وكثرتها ونفعها نقل الكلام من هيئة إلى هيئة، شحذ الذهن ثم قرر تلك البركات، يدل على هذا: أنه أتى بنون التعظيم التي يعظم بها ربنا نفسه كأنه يقول: العظيم لا يفعل إلا أمراً عظيماً، وهناك بركات جسيمة جعلتها حول المسجد الأقصى. وهذا المسجد الأقصى الذي فرطنا فيه وفرطنا في بلاد الإسلام كلها بل فرطنا في الإسلام وما أقمنا وزناً للرحمن ولا لنبينا ﵊. (لنريه من آياتنا)

стр. 1385

الآيات العظيمة التي رآها نبينا ﵊ تأتي الإشارة إليها إن شاء الله ضمن مبحث خاص فيما حصل له قبل إسرائه، وعند إسرائه ﵊ ولا زال في الأرض وعندما عرج به في السموات وعندما رقي إلى ما فوق السموات، فهذه الآيات الأربع سنتكلم عنها إن شاء الله. إذن آيات قبل رحلة الإسراء وسيأتينا منها شق الصدر الشريف لنبينا عليه صلوات الله وسلامه، وما حصل له أثناء رحلته قبل أن يصل إلى السماء، وما حصل له في السموات، وما حصل له بعد السموات من آيات عظيمة: تكليم الله حصل له، ولكن هل حصلت الرؤية أم لا؟ سنتكلم عن هذا كله إن شاء الله عند مبحث خاص في الآيات التي رآها نبينا ﵊. (إنه هو السميع البصير) الضمير في (إنه) يعود على الله جل وعلا على المعتمد، (إنه) أي إن الله (هو السميع البصير) ، وفي ذلك دلالة على صدق النبي ﷺ فيما بلغ ويقول ويدعي، فلو كان مفترياً هذا الأمر وأنه أسري به وعرج ولم يكن ذلك قد حصل فإن الله سميع لأقواله بصير فلبطش وأخذه أخذ عزيز مقتدر، كما قال لنبييه موسى وهارون (إنني معكما أسمع وأرى) فإذا أراد ذاك اللعين – وهو فرعون – أن يتحرك فأنا لست بغائب، أنا أسمع وأنا أرى، أخسف به الأرض أرسل عليه حاصباً من السماء فتخطفه الملائكة من جميع الجهات، فأنا معكما أسمع وأرى. ولذلك قال نبينا ﵊ لأبي بكر في حادثة الهجرة: [ما ظنك باثنين الله ثالثهم] (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فإذا كان الله معك فلا تخف ولو كادك أهل الأرض ومعهم أهل السماء لو حصل ذلك، فالله سيتولاك ويجعل لك فرجاً ومخرجاً من حيث لا تحتسب، كما قال الله جل وعلا: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) .

стр. 1386

ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم عن أبي ذر ﵁ [أن النبي ﷺ قرأ عليه هذه الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لوسعتهم فمازال يكررها عليّ حتى نعست] . إذن (إنه هو السميع البصير) يعود على الله جل وعلا، هو سميع بصير ففي ذلك إشارة إلى صدق نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه فيما ادعى وأخبر فلو كان الأمر بخلاف ذلك لما أقره الله ولما تركه ولعاجل له العقوبة: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) .

стр. 1387

وقيل: إن الضمير يعود إلى النبي ﷺ ، فيما حكاه أبو البقاء العكبري (إنه) أي إن النبي ﷺ سميع بصير، سميع لأوامر الله، بصير بي وفي ذلك إشارة إلى حصول رؤية نبينا ﵊ لربه، والمعتمد أنه حصلت له الرؤية، لكن هل بقلبه أم بعين رأسه؟ نشير إلى هذا عند الآيات التي رآها فوق السموات، فالرؤية حصلت له (ما زاغ البصر وما طغى) وكما قال نبينا ﵊: [رأيت نوراً] وكما قال ابن عباس: [رأى محمد ﵊ ربه مرتين] لكن هل هذه رؤية قلبية أم بصرية بعين رأسه، سنفصل الكلام على هذا في حينه إن شاء الله تعالى إذن سميع لأوامر الله، بصير بي، ليس حاله كحال غيره فانظر للفارق العظيم بينه وبين الكليم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أما موسى الكليم فهو الذي طلب من الله جل وعلا أن يمكنه من رؤيته وأن يأذن له بالنظر إليه فقال: (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً) إذن تشوق للأمر فقال الله تعالى: لا يحصل لك ولا تتمكن من ذلك ثم لما تجلى الله للجبل صعق موسي وخر مغشياً عليه، بينما نبينا ﵊ دعي للأمر دون أن يتشوق وأن يتطلع وأن يطلب، ثم ثبته الله فما زاغ البصر وما طغى. شتان شتان بين من يقول الله عنه: (ما زاغ البصر وما طغى) وبين من يقول عنه: (وخر موسى صعقاً) ، ولذلك قال أئمتنا: نبينا مراد، وموسى مريد، وشتان بين المراد والمريد. ذاك هو يطلب ثم لا يثبت ولا يتمكن، بينما هذا يطلبه الله، عليهم صلوات الله وسلامه. وقال أئمتنا: نبينا يطير وموسى يسير، وشتان بين من يطير ومن يسير.

стр. 1388

وقال أئمتنا: إن موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مظهر للجلال والفخر الإلهي، كما أن عيسى مظهر للجمال والنور الإلهي، ومحمد عليه صلوات الله وسلامه مظهر للكمال الإلهي فجمع الجلال وجمع الجمال فهو الضحوك القتال، يخفض جناحه للمؤمنين وهو بهم رؤوف رحيم، ويفلق هام الكافرين ويغلظ عليهم، وهو عليهم شديد عظيم، وهذا هو حال الكمال، أن تضع كل شيء في موضعه، أما أن تغلظ على المؤمنين وتشد عليهم فهذا في الحقيقة في غير محله، فهارون نبي من أنبياء الله المصطفين الأخيار، لما رجع نبي الله موسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه إلى قومه بعد مناجاة ربه وقد عبدوا العجل، ماذا فعل؟ أخذ بلحية أخيه هارون وبرأسه يجره إليه ويضربه، وحمل ألواح التوراة وألقاها حتى تكسرت، وقال هارون: ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، لم تضربني إذا عبد بنو إسرائيل فماذا أفعل أنا؟ (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) ، أي أما خشيت أن نخاصمهم ونقاتلهم ثم تأتي وتقول: لقد عملت مشكلة في بني إسرائيل وفرقت بينهم، فانتظرت قدومك لأجل أن نبحث في أمرهم ونعيدهم إلى حظيرة الإسلام، وهذا جرى من موسى أي موسى وهو أكبر من هارون وله عليه دالة، ثم هو أعلى منه مكانه في النبوة، لكن هذا غضب وانفعال ودالة أخ على أخيه فهل هذا كمال؟ لا ليس بكمال، بل هو قهر وجلال. وانظر إلى نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فهو على العكس لم يرفع صوته قط على أحد، وحياته كلها حياة وسلم وصفح وُحلم ورحمة، فهذا جمال لكن انظر إلى الكمال كيف يضع الأمر في موضعه؟ (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) ، (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليكم) ، يضع كل شيء في موضعه فهذا من الكمال. من الذي حاز الكمال من الصحابة؟

стр. 1389

أبو بكر الصديق ﵁ فقط، ومن عداه إما جمال أو جلال، فعمر جلال ومظهر للانتقام والشدة والبطش في الحق، لكن ليس عند مظهر الجمال فعمر ﵁ أرسل إلى امرأة بلغه حولها ريبة ففي الطريق بدأت تولول وتقول مالي ولأمير المؤمنين عمر، مالي ولعمر، فأسقطت خوفاً منه قبل أن تصل إليه. وكان يحلق رأسه في الحج بعد أن انتهي من النسك فتنحنح عمر: احم احم والحلاق يحلق رأسه، فأحدث – أي الحلاق – في سراويله، هيبة من عمر، هذا عمر، ومن الذي كان يجرؤ أن يعاركه، وهو الذي يقول النبي ﵊ فيه – والحديث في الصحيحين [ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك] . وعثمان مظهر جمال ورقة وحلم وصفح فلا يخطر ببال أحد أنه يمكن أن ينتقم من شخص أو يبطش به، هذا هو الذي جرأ السفهاء عليه لما وسع عثمان المسجد كما في صحيح البخاري، وفي منبر النبي ﷺ وقال أيها الناس إنكم أكثرتم أي كل واحد يتكلم ويطلق لسانه ولا يستحي من الله مع أنه كان خليفة راشداً ذا النورين ما علم هذا لأحد من خلق الله، أنه تزوج بنتي نبي، قال: وإني سمعت الرسول ﵊ يقول: [من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَصِ قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة] . ولنسأل: من الذي وسع المسجد قبله؟ هو عمر، لكن هل تكلم أحد عندما وسع عمر المسجد والله لو أن واحداً همس لأتى به عمر ووطأ على رقبته، لكن انظر إلى عثمان هو الذي يعتذر لهم يقول: أكثرتم، أكثرتم عليّ من الكلام في المدينة، فما عملته حتى تتكلموا عليّ؟ مسجد النبي ﵊ وسعته فماذا في هذا؟! فسبحان الله خليفة يعتذر.

стр. 1390

ثم لما اجتمع الثوار الأشرار لحصاره وبقي خمساً وعشرين يوماً يحاصروه جاءه عليُّ والحسن والحسين ﵃ أجمعين والصحابة يطلبون منه أن يأذن لهم في نصرته فقال لهم: من كان سامعاً مطيعاً ولي عليه في رقبته بيعة، ولي عليه حق السمع والطاعة فليلق سلاحه ولينصرف حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين، ولا أريد أن يراق من أجلي قطرة دم، إن يقتلوني فالله يحاسبهم، وإذا انكفوا عن طغيانهم فحصل الذي أريد، أما أن يحصل قتال فهذا لا أريده، هذا ممكن أن يحصل في عهد عمر ﵁. فهناك جلال وهناك جمال وأما أبو بكر فهو الكمال. إخوتي الكرام.. من لطف الله بهذه الأمة أن الخليفة بعد الرسول ﵊ هو أبو بكر، ووالله لو جاء غيره لطاشت عقول الصحابة لأن أبا بكر هو صورة طبق الأصل للنبي ﵊، وما يختلفان إلا أن ذاك محمد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه – وهذا عتيق الله أبو بكر الصديق، فذاك رسول وهذا صديق لا يختلفان في الطبيعة ولا بمثقال ذرة، وإن أردت أن تتحقق من هذا، انظر لصلح الحديبية لما أمرهم النبي ﵊ الصلح مع المشركين على أن يرجع هو والمؤمنون هذا العام ليأتوا في العام الآتي، وكتبوا شروطاً فيها قسوة في الظاهر على المسلمين، فمن الذي لج وضج؟ إنه عمر، بدأ ينفعل ويغضب غاية الغضب فذهب إلى النبي ﵊ وقال: ألسنا على الحق؟ قال: بلي، فقال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: علام نعطى الدنية في ديننا؟! سيوفنا معنا والله معنا نبيدهم ونستأصل خضراءهم فماذا كان جواب النبي ﷺ ؟ يا عمر إني رسول الله ولن يضيعني الله.

стр. 1391

ثم ذهب إلى أبي بكر وقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: علام نعطى الدنية في ديننا؟! فماذا كان جوابه لعمر دون أن يسمع جواب النبي ﵊؟ قال: يا عمر اعرف قدرك إنه رسول الله ولن يضيعه الله فهذا كلام من مشكاة واحدة، اعرف قدرك من أنت لتفور لتثور؟، إن هذا رسول الله لا ينطق عن الهوى، يسدده في جميع أحواله، فأنا وأنت لا نعلم إلا الحاضر، لكن هذا رسول الله يوجهه من يعلم الغيب من يعلم السر وأخفى، فاعرف قدرك وقف عند حدك. لو جاء بعد النبي ﵊ خليفة غير أبي بكر، والله لطاشت عقول الصحابة وجنوا على قيد الحياة، ولم هذا؟ لأنهم أصيبوا بنبيهم ﵊، وهذه أعظم المصائب في الدين، المصيبة الثانية أنه قد جاءهم من ليس على طبيعته وبالتالي تغيرت عليهم الأمور من جميع الأحوال، فالنبي ﵊ ذهب ثم جاء من لا يمثله تماماً، لا أقول عنده انحراف، حاشا وكلا أن يكون في أحد الصحابة انحراف، لكن شتان بين طبيعة أبي بكر وطبيعة غيره، فجاءهم أبو بكر، ولذلك يعتبر أبو بكر برزخاً، أي مثل الحياة البرزخية بين الدنيا والآخرة، فهو برزخ بين حياة النبي ﵊ وبين الحياة التي جاءت بعد ذلك لتكون انتقالاً، وليخف عليهم أثر فراق النبي ﵊، فما فقدوا في عهد أبي بكر إلا شخص النبي ﵊، وأما الرعاية والتوجيه والحلم والشدة في موضعها كل هذا موجودٌ كما كان النبي ﵊ فيهم. المرحلة الثانية: مباحث الإسراء والمعراج المبحث الأول: اتفق أهل الحق على أن الإسراء والمعراج كانا بروح النبي ﵊ وبدنه يقظة لا مناماً دل على هذا ثمانية أمور، كلها حق مقبول: الأمر الأول:

стр. 1392

افتتاح آية الإسراء بلفظ التسبيح (سبحان) ، وقد تقدم معنا أن من معاني التسبيح تنزيه الله عن السوء والتعجب، والأمران يدخلان هنا، فالله جل وعلا ينزه نفسه عن السوء في مطلع هذه السورة للإشارة إلى أن طعن المشركين في خبر نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه طعنهم في خبره بأنه أسرى به وأن هذا لا يمكن أن يحصل له وأن هذا مستحيل وأن هذا بعيد، فهذا نقص يتنزه الله عنه فهو على كل شيء قدير. وفي ذلك أيضاً تعجيب للمسلمين وللخلق أجمعين لما حصل لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، والتعجب يحصل عند أمر غريب أو أمر غير مألوف؟ بل يحصل عند أمر غريب، ولذلك افتتحه بقوله (سبحان) ، فالتنزيه يدل على حصول الإسراء والمعراج والطعن في هذا طعن في قدرة الله التي لا تحد بحد، والتسبيح إذا كان معناه التعجب تعجبوا مما حصل للنبي ﵊ من إسراء بروحه وجسده ومعراج بروحه وجسده في جزء من الليل. الأمر الثاني: أو اللفظة الثانية: (عبده) العبد هو اسم لمجموع الروح والجسد، هذا كقول الله جل وعلا: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) للروح أم للجسد؟ لهما. وكقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) فأتى عليه لم يكن شيئاً للروح أم للجسد؟ لروحه ولجسده ولا كانت روحه والله خلقه ونفخ فيه الروح وهو على كل شيء قدير فالعبد والإنسان هذان اسمان للروح وللجسد فليس اسماً للجسد فقط، ولا للروح فقط، والله سبحانه يقول (سبحان الذي أسري بعبده) فدخل في لفظ العبد جسد النبي ﵊ وروحه. الأمر الثالث: أو اللفظ الثالث:

стр. 1393

في الآية (السميع البصير) وتقدم معنا أن الأظهر في (أنه هو السميع البصير) أنه يعود على الله جل وعلا وفي ذلك دلالة على أن الإسراء كان بروح النبي ﵊ وجسده يقظة لا مناماً، لأن الأمر لو لم يكن كذلك وادعاه النبي ﵊ فكيف يتركه السميع البصير، فلو كان مفترياً ومختلقاًً لهذا وتقولاً على الله لما أقره السميع البصير لأن الله لا يؤيد الكذاب ولا يناصر المخادع ويهتك ستر المنافق، فكيف إذاً يدعي النبي ﵊ هذا ولم يكن يحصل له، والله سميع بصير يقره. وإذا عاد إلى النبي ﵊ – كما ذكرنا قبل أنه أحد الأقوال – فقلنا إن الأمر كذلك فهو سميع لأوامري بصير بي، حدثت له الرؤية في حادث الإسراء والمعراج. الأمر الرابع: قول الله تعالى في وصف نبينا ﵊ في سورة النجم عندما تعرض لذكر حادثة الإسراء والمعراج وأنه رأى في الملأ الأعلى ما رأى، قال: (ما زاغ البصر وما طغى لقدر رأى من آيات ربه الكبرى) وقوله في الآيات (ولقد رآه نزلة أخرى) أي ولقد رأى نبينا ﵊ جبريل، (نزلة أخرى) أي مرة أخرى (عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى) فراش من ذهب ومن الألوان التي لا يوجد مثلها في زمن من الأزمان، أنواع عند سدرة المنتهي فراش من ذهب كما هو ثابت هذا في الصحيح عن نبينا ﵊، (ما زاغ البصر وما طغى) ,وزيغ البصر هذا يقع للإنسان يقظة لا مناماً. الأمر الخامس: أو الدليل الخامس:

стр. 1394

لما تحدث الله عن مكانة النبي ﷺ في سورة الإسراء، أخبرنا عن عظيم ما حصل له وعن عظيم ما رآه، فقال جل وعلا: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة الناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً) ، ثبت في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: [هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ] ، وهذه الرؤيا حقيقية هي فتنة وامتحان يظهر فيها المؤمن المصدق والكافر الجاحد عندما قال لهم نبينا ﵊ أسري بي في جزء من الليل إلى بيت المقدس ثم عرج بي للسموات العلى ثم عدت إلى بيت المقدس، ثم عدت إلى مكة في جزء من الليل وفراشي دافئ فهذا فتنة أم لا؟ نعم هو فتنة، ولذلك سيأتينا أن تكذيب المشركين هذا دليل على أن الإسراء والمعراج بروح النبي ﷺ وجسده في اليقظة لا في المنام، لأنه لو كان في المنام لقالوا له: أنت ذهبت إلى بيت المقدس، أما نحن فذهبنا في هذه الليلة إلى الصين فينبغي أن تكون نبوتنا نحن أعلى من نبوتك لأنك تذهب إلى بيت المقدس أما نحن فنذهب إلى أبعد، فالقول بأنه كان في المنام ليس فيه معجزة للرسول صلي الله عليه وسلم وأمر خارق للعادة قد حصل له، وهو – أي الأمر الخارق – أنهم يذهبون لبيت المقدس خمسة عشر يوماً ذهاباً وخمسة عشر يوماً إياباً ويقطعها هو في جزء من الليل يضاف إلى هذا أنه يعرج به إلى السموات العلى ويعاد في جزء من الليل.

стр. 1395

إذن رؤيا عين أريها رسول الله صلي الله عليه وسلم ومتى ثبتت له هذه؟ في حادث الإسراء والمعراج (الشجرة الملعونة في القرآن) أي أيضاً جعلناها فتنة للناس وهي شجرة الزقوم، ولذلك لما نزل قول الله جل ولعلا للإخبار بأن الكفار يأكلون من شجرة الزقوم قال أبو جهل عليه لعنة الله وغضبه مستهزءاً بكلام الله جل وعلا ومستخفاً بمحمد عليه صلوات الله وسلامه: أتدرون ما الزقوم هي عجوة يثرب بالزبد – (عجوة) أي أجود أنواع التمر، (الزبد) عندما يوضع على التمر قشدة الحليب وخلاصة الحليب الدسم – والله لأن أمكنني الله منها لأتزقمنها تزقماً، ونقول له: هنيئاً مريئاً بالزقوم، فقال الله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم) فإن شجرة الزقوم فتنة ووجه كونها فتنة: قال المشركون: يا محمد أنت تخبرنا أن شجرة الزقوم تخرج في أصل الجحيم، فهل بدأت تهذي تخرف، كيف تنبت الأشجار في وسط النار، والنار تحرق الأشجار، أفليست هذه فتنة؟ !!. إخوتي الكرام.... هذه نار الدنيا تحرق الأشجار من طبيعة خاصة وإذا أراد الله أن ينبت في نار الدنيا شجراً فإنه على كل شيء قدير. (قصة القسيس مع الشيخ الحلبي الصالح لما وضع جبته داخل جبته وألقاها في فرن فاحترقت جبة القسيس ولم تحترق جبة الشيخ الصالح إلخ) . حقيقة. إن هذه القوانين التي وضعها الله سبحانه لتتحكم في هذا الكون لا نستطيع أن نخرج نحن عنها، لكن إذا أراد الله تعالى أن يبطلها فهو على كل شيء قدير، فالنار المحرقة يجعلها ظلاً بارداً والظل البارد يجعله الله سموماً محرقاً فإنه على كل شيء قدير. وإذا أراد الله أن يجعل الارتواء والري في البترول فإذا شربته ترتوي ويذهب الظمأ ويجعل العطش في الماء فهو على كل شيء قدير، أي فهل الماء بطبيعته يروي الإنسان؟ لا بل جعل الله فيه هذه الخاصة، فإذا أبطلها فإنه على كل شيء قدير.

стр. 1396

هذا اللسان هل يتكلم وحده، أم جعل الله فيه هذه الخاصية؟ بل جعل الله فيه هذه الخاصية ولذلك إذا أراد أن يُنْطق يدك، فهل تنطق اليد؟ نعم (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) ، (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) ، والذي أنطق اللسان ينطق اليد وينطق الرجل وتشهد الجلود كما أخبر ربنا المعبود ، فهذه القوانين تتحكم فيَّ وفيك، فأنا لا أستطيع أن أُنطق يدك فأقول لليد تكلمي فلا تتكلم. إنطاق اليد وإنطاق اللسان بالنسبة لقدرته سواء، أذن للسان فنطق، فإذا أذن لليد بالنطق نطقت. والأرض يوم القيامة ماذا يكون حالها (يومئذ تحدث أخبارها) ثبت في المستدرك وسنن الترمذي بسند صحيح عن نبينا ﵊ أنه قال: [تشهد على ابن آدم بما عمل على ظهرها من خير أو شر] فالأرض هذه ستشهد عليك، ولا تقل كيف ستتكلم الأرض، إذ كيف تكلم لسانك؟ فكم من إنسان له لسان ولا يستطيع أن يتكلم به أي أخرس، هل لسانه أقصر من لساننا أو أطول أو شكله مختلف؟ لا بل هو هو ولكن ما أذن الله له بالنطق، فهو على كل شيء قدير. ولذلك أنت يا ابن آدم تتكلم بلحم وتسمع بعظم وتبصر بشحم والله على كل شيء قدير. فالعين مادة شحمية، والأذن عظام متجوفة بواسطتها تنتقل إليك ذبذبات الأصوات وتسمع، فإذا ابتلى الله إنساناً بالصمم فهل يستطيع أن يسمع؟ لا مع أن له أذناً. وإذا أفقد الله النور من البصر فلا يستطيع أن يرى مع أن له عينين لدرجة أنك لو نظرت إليه أحياناً ما تظن أنه أعمىً، لكنه أعمىً. ولذلك فاوت الله بين عباده لئلا يقول الناس هذا طبيعة، فلو كان كلهم يتكلمون لقال الناس هذا طبيعة، واللسان من طبيعته أن يتكلم، لكننا نقول له فلان عنده لسان ولا يتكلم، ولو كان طبيعة لتكلم هو ولتكلمت جميع الألسنة.

стр. 1397

وهنا كذلك شجرة تنبت في النار والنار تحرق الأشجار، فهذه القوانين تتحكم فيَّ وفيك ولا تتحكم فيمن خلقها وأوجدها وهو رب العالمين ، ولو تحكمت فيه لكان محكوماً ولما كان حاكماً وهو الذي لا يسأل عما يفعل، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وبم يتميز المؤمن عن غيره؟ ولذلك الشيطان يحزن عندما يموت العابد الجاهل، ويفرح عندما يموت العالم العليم الذكي، قالوا لمَ؟ قال: العابد كنا نضله ونخدع الأمة به باسم الشرع، وأما هذا العالم – فإننا ننصب للناس أشباكاً وأشراكاً – مصايد ونتعب فيها فيأتي العالم بكلمة واحدة يبطل حيلنا، ولذلك نحن إذا مات العالم نفرح وإذا مات العالم الجاهل نحزن، لأنه كان مصيدة لنا وأما ذاك فكان يكشف مصائدنا قالوا: وكيف؟ قال أريكم، فأخذ إبليس أعوانه وذهبوا إلى عابد جاهل وقالوا له: هل يستطيع الله أن يخلق الدنيا في جوف بيضة؟ فقال: وكيف يكون هذا؟ إنه لا يستطيع ولا يقدر على هذا فقال إبليس لأتباعه: كفر وهو لا يدري، ثم ذهبوا إلى عالم وقالوا: هذه الدنيا على سعتها ولا ترى طرفها فهل يستطيع الله أن يوجدها في داخل بيضة؟ فقال: ومن يمنعه؟ قالوا: وكيف يدخلها في داخل بيضة؟ قال يقول لها: كوني فكانت فيوسع البيضة، ويصغر الدنيا وهو على كل شيء قدير، فمن الذي يمنعه؟ ثم قال لهم إبليس: انظروا كيف يفعل بنا العالم وكيف نفعل بالعابد الجاهل. ولذلك هنا هذا الجاهل أبو الجهل أبو جهل لما نزلت الآية قال كيف تخبرنا أن شجرة الزقوم تخرج في أصل الجحيم؟ فهل بدأت تخرف؟ فكيف الأشجار تنبت في النار؟ (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم) . الأمر السادس:

стр. 1398

ركوب نبينا ﵊ للبراق فهذا مما يدل على أن الإسراء والمعراج كان بروح النبي ﵊ وجسده يقظة لا مناما، ثبت في سند الترمذي وصحيح ابن حبان بسند صحيح عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: [أتيت بالبراق مسرجاً ملجماً – يضع خطوه عند منتهى طرفه] وهذا الحديث إلى هنا ثابت في الصحيحين، زاد الترمذي وابن حبان: [فلما قدمه لي جبريل نفر فقال له جبريل: مالك؟ والله ما ركبك خير منه، فما فارفضَّ عرقاً] (مسرجاً: أي عليه السرج ليركب عليه الراكب) ، (ملجماً ك أي عليه اللجام) ، (خطوه عند منتهى طرفه: أي إلى مقدار ما يرى فرجله تصل إلى ذلك) ، (فارفضّ: أي بدأ يتصبب من العرق) فهذا البراق الذي ركبه نبينا ﵊ كان في اليقظة. يقول أئمتنا وإنما حصل في البراق شيئ من الامتناع والنفور في أول الأمر؛ لأمرين: أالأمر الأول: لأنه لم يروض منذ فترة، فالأنبياء كانوا يركبون على البراق قبل نبينا ﵊ عندما كانوا يزورون بيت الله الحرام لكن من عهد عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه إلى عهد نبينا محمد ﷺ ما رُكب البراقُ، وعادة الخيل إذا أُهملت فترة ولم تُركب يصبح فيها نفور وتند وتشرد؛ لأنها ليست مروضة فلابد من اعتياد الركوب عليها ليسهل انقيادها ويسهل، فإذا فإذن من فترة طويلة لم تركب هذه الدابة التي كان يركب الأنبياء قبل نبينا ﵊ عليها وانظر إلى الحمير الأهلية الآن التي تسمى الإنسية بسبب عدم خوفها من الناس ولكن تراها الآن تهرب وذلك لقلة استعمالها وهي دابة كما قال نبينا ﵊ دون البغل وفوق الحمار، يقال لها البراق، إما مأخوذة من البريق: وهو اللمعان؛ لأن لونها أبيض يتلألأ نوراً وإما من البراق، وهو منتهي السرعة لأنها تضع خطوها عند منتهى طرفها. ب الأمر الثاني:

стр. 1399

ولعله أوجه الأمرين وأقوى وهو الذي يظهر لي والعلم عند الله، أنها ندت ونفرت وامتنعت امتناع زهو وخيلاء لا امتناع نفور وإباء، فلما جيء بالبراق إلى النبي ﷺ ليركبه بدأت ترقص وتهرول ولا تنقاد ولا تجلس بسكينة بجواره لما حصل لها من الطرب والفرح لأنه سيركبها خير المخلوقات محمد ﵊، وهذه حالة الإنسان عندما يفرح فرحاً شديداً يوصله إلى البطر فتراه يرقص، فالإنسان عندما يبشر بنعمة حصلت له قد يشتد فرحة بها لدرجة توصله إلى درجة الأشر والبطر، وهذا مذموم في حق الإنسان، لكن عندما يصل هذه الدرجة فما يكون حاله؟ تراه يقوم ويرقص ويأتي بحركات موزونة ليخبر عن فرحه، كما أن المصيبة عندما تشتد عليه ولا يملك نفسه فانظر ماذا يفعل؟ [ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية] ، ولذلك لا جزع ولا بطر، والمؤمن في حال النعمة يشكر الله وفي حال المصيبة يصبر. الشاهد أن هذه الدابة من شدة فرحها بدأت تهرول وترقص وتعمل حركات كما هو حال الخيل عندما يعتريها الزهو، فما كان نفورها نفور امتناع إنما كان للزهو والخيلاء كأنها تقول: أنا سأطرب وأرقص لما سيحصل لي من المنزلة العظيمة وهي ركوب خاتم الأنبياء والمرسلين عليه صلوات الله سلامه على ظهري، وهذه في الحقيقة منقبة عظيمة للبراق. الشاهد إخوتي الكرام..... ركوب نبينا ﵊ على ظهر البراق وإحضار البراق له هذا دليل على أنه حصل في اليقظة. الأمر السابع:

стр. 1400

تكذيب المشركين لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، دليل على أن تلك الحادثة وقعت له يقظة لا مناماً، فلو كانت مناما لما كان هناك داعٍ للتكذيب ولقالوا له: ما حصل لك في الرؤية يحصل لنا ما هو أبعد منه وليس في هذه دليل على مكانتك ونبوتك وصدقك وأنك رسول الله، فلما كذبوه دل على أنه بروحه وجسده يقظة لا مناماً، لاسيما عندما أخبرهم بعد ذلك بما يزيل تكذيبهم وسيأتينا في ذكر الآيات التي رآها – قالوا: إن كان كما تقول يا محمد، فانعت لنا المسجد الأقصى – وهذا لا يقال لرؤيا منامية إنما حصل له في اليقظة – وصفه لنا كم عدد أبوابه وكم عدد نوافذه وماذا يوجد فيه من أساطين؟ يقول النبي ﷺ : لما قالوا لي هذا أحرجت حرجاً عظيماً حتى أتى جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام لي ببيت المقدس ووضعه أمامي فجعلت أنظر إليه وأنعته لهم باباً باباً، وجبريل إما اقتلع بيت المقدس وأتاه به – والله على كل شيء قدير – وإما أتى بمثال له، فكل من الأمرين يحصل به المراد وهو وصف المسجد الأقصى. الأمر الثامن أو الدليل الثامن وهو آخرها: نقول حادثة الإسراء والمعراج هي أمر ممكن، ورد به السمع فيجب الإيمان به، وهذه قاعدة عضوا عليه بالنواخذ وانتبهوا لها * كل ممكن: أي يجوز وقوعه ولا يحيل حصوله. * ورد السمع به: أي أخبرنا نبينا ﵊ به، بأنه أُسري به وعُرج مثلاً. * يجب الإيمان به: فلا يجوز تأويله ولا إخراجه عن ظاهره وكل من فعل هذا ففيه شعبة من شعب الباطنية ومسلك من مسالكهم. فمثلاً عذاب القبر ممكن أم مستحيل؟ ممكن، نعيم القبر ممكن أم مستحيل؟ ممكن

стр. 1401

ورد بهما السمع فنؤمن بهما، ولا نقول كيف يكون؟! بل الواجب الإيمان به والتسليم ومثلهما وجود الموازين والصراط في يوم القيامة ممكن ورد به السمع نؤمن به، وكوننا لا نتوصل إليه بحواسنا، فهذا أمر لا يعنينا، لكن هل هذا مستحيل؟ لا، فإذا كان مستحيل هنا مجال البحث وهل تأتي الشريعة بما تحيله العقول، لا يمكن أن يتعارض معقول مع منقول، إذا تعارضا فالآفة في أحدهما، إما في النقل فلم يصح، وإما في العقل فليس بصريح ولا سديد فلا يتعارض نقل وعقل هذا شرع الله وهذا خلقه وليس في خلقه من تفاوت وليس في شرعه من تضارب (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) . وقد ألف الإمام ابن تيمية ﵀ كتاباً في عشر مجلدات يدور حول هذا الموضوع سماه: (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) فلا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح، هذا الكتاب لو وزن ذهبا لكان أغلى من وزنه ذهباً، ويسمى (درء تعارض العقل والنقل) . ولذلك قال أئمتنا: لا تأتي الشرائع بما تحيله العقول لكن تأتي بما تحار فيه العقول، وشتان ما بين الحيرة والإحالة، فالإحالة لا يمكن أن تقع، أما الحيرة فموجودة فيما تشاهده، فكيف بما لا تشاهده؟ لسانك ينطق، وهو قطعة لحم فهذا يحير العقل أم لا؟ لكن الإنسان من غلظ كبده، وتبلد شعوره وإحساسه، ما يقع حسه عليه باستمرار يغفل عن الحكمة فيه ولا يعتبر في شأنه والله يقول: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ، كم من لسان يتكلم، فهذا يحار فيه العقل أم يحيله العقل؟ هذه حيرة تحير، فكيف تكلم هنا العضو من الإنسان فهذه حيرة مقصودة من الشارع، كما قلنا تنطق بلحم وتبصر بشحم وتسمع بعظم، كيف هذا؟ (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ، وهذا الخلق الذي هو في أحسن تقويم هذا مما يحار العقل فيه ولا يحيله لأنه مشاهد أمامنا، ولكن من أي شيء؟ خلق من ماء مهين كما قال ربنا جل وعلا.

стр. 1402

وهذا الإنسان وتكونه ولو لم نره في حياتنا وقيل لنا: من هذا الماء يخلق إنسان له رجلان يمشي عليهما، ويدان يبطش بهما ورأس يدرك به وله أعضاء وتتحرك كله من هذه النطفة، لقلنا له أنت تخرف، كيف من هذه النطفة يخلق هذا، ولكن لمشاهدتنا له قل اعتبارنا به. يقول أئمتنا: لو لم نر حيواناً يمشي على بطنه والله يقول هذا في كتابه (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع) ، لاستغرب كثير من الناس بل لأحال بعضهم وأنكر وجود حيوان يمشي على بطنه، لكن لما رأينا الحية تمشي على بطنها فحينئذ قلنا ممكن، ورأينا إنساناً يمشي على رجلين، ورأينا دابة تمشي على أربع فقلنا ممكن، ولو أراد الله الإنسان أن يمشي على رأسه ممكن وهذا سيقع يوم القيامة (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) فهم يمشون على وجوههم وليس على أرجلهم، وقيل لقتادة: كيف يمشي على وجهه؟ قال: أوليس الذي أمشاهم على رجلين بقادر على أن يمشيهم على الوجوه؟! فكل هذا مما يحير العقل لا مما يحيله.

стр. 1403

والحيرة مقصودة ليسلم المخلوق بعجزه لخالقه، لكن الإحالة باطلة، ومثال الإحالة الجمع بين النقيضين، نفي النقيضين، هذا مستحيل، فلو قيل لنا: هل يقدر الله أن يوجد هذا حياً ميتاً في وقت واحد فماذا يكون الجواب؟ نقول: هذا ليس متعلق القدرة والعقل يحيل هذا ولكن هل نقول ممكن أم غير ممكن؟ لا نقول ممكن ولا غير ممكن، أن يوجد الله هذا حياً ميتاً في وقت واحد لا نقول إنه ممكن لأنه ليس متعلق بقدرة بل هو مستحيل، ولا نقول غير ممكن لأن هذا سوء أدب مع الله، لأن متعلق القدرة الممكنات والجائزات، وهذا مر في شرح الطحاوية في مبحث القدرة والإرادة، وهو مفصل في موضعه، فلو قيل هل يستطيع الله أن يقلب فلاناً إلى سيارة؟ نقول نعم لأنه ممكن وهو على كل شيء قدير، وهل يستطيع أن يمسخه قرداً أو خنزيراً؟ نقول ممكن ولكن هل يستطيع أن يجعله حياً وميتاً في آنٍ واحدٍ؟ نقول: الحياة نقيض الموت فإذا كان حيا فليس بميت وإذا كان ميتا فليس بحي، فكيف ستتعلق القدرة بما يحيله العقل لا بما يحار فيه؟. وعندما يمسخ الإنسان (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) هذا المسخ يحيله العقل أم يحار فيه بل يحار فيه، إنسان سوي ثم مسخ. يذكر الإمام ابن كثير في تفسيره عند سورة أنه كان بعض الناس في مسجد نجران وعنده وسامة وجمال فقال له بعض الحاضرين: ما أجملك، يعني خلقة بهية خلقك الله عليها – فقال: أنت تتعجب من حسني! الله يتعجب من حسني، فبدأ يتصاغر أمام الناظرين وهم يرونه حتى صار طوله شبراً، فهذا ممكن أم مستحيل؟ ممكن لكن يحار فيه العقل. لذلك يمكن أن تأتي الشريعة بمستحيل، فنقول هذا الشيء إما موجود وإما معدوم، ولكن هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن أن يجتمعا ولا أن يرتفعا، قال أئمتنا: "عقول البشر قاطبة تقرر أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان" أي لا يمكن وجودهما ولا يمكن انتفاؤهما، بل لابد من وجود واحد منهما.

стр. 1404

عذاب القبر ممكن وهو مما يحار فيه العقل ولا يحيله، ولو وضع صِدِّيق وزنديق في قبر واحد لكان القبر روضة من رياض الجنة على الصِدِّيق وحفرة من حفر النار على الزنديق، فإن قيل كيف هذا؟ نقول: هذا مما تحار فيه العقول وتعجز عن الوصول إليه من جميع الجهات فتسلم بعجزها لرب البريات، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) . العلم للرحمن ﷻ ... وسواه في جهلانه يتغمغم ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعي ليعلم أنه لا يعلم فنحن نسعى لنعلم أننا كنا لا نعلم لا لنتعلم. ونحن نسعى ما كنا نجهله لا لنصل لدرجة العلم، لأن العلم لمن هو بكل شيء عليم (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) . انظر إلى الإمام الشافعي عليه رحمة الله – وهذا حال أئمتنا – يقول: كلما أدبني الدهر ... أراني نقص عقلي وإذا ما ازدت علماً ... زادني علماً بجهلي فحن نتعلم لنكشف جهلنا لا لنصل إلى مستوى ربنا جل وعلا، ولا يمكن أن تأتي الشريعة بما تحيله العقول، حادث الإسراء والمعراج، كونه يسرى به من مكة إلى بيت المقدس إلى السموات العلا ثم يعاد في جزء من الليل، هل هو ممكن أم مستحيل؟ وهل يتصور العقل وجوده أم يحيل وجوده؟ هو ممكن ويتصور العقل وجوده، وقد ورد به السمع وهو الذي لا ينطق عن الهوى – فيجب الإيمان به. ولو كان مستحيلاً لا يقبله العقل لقلنا: انظروا لعل السمع ما صح، أما أن يصح السمع والعقل يحيل فهذا لا يمكن أن يقع على الإطلاق. فمثلاً حديث [خلق الله الورد من عرق النبي صلي الله عليه وسلم] هو حديث موضوع، فهذا العقل يكذبه لأن الورد كان موجوداً قبل النبي ﷺ ، فإذن العقل يحيل هذا فكيف تقولون إن الورد خلق من عرق النبي ﷺ .

стр. 1405

في المقابل قد يقول قائل: الإسراء والمعراج باطل، ورد به السمع لكن العقل يحيله، وعليه فنرد السمع، نقول: لأن العقل ليس بصريح إنما هذا العقل قبيح، فلو كان عقلاً صريحاً لاحترم نفسه وقال: هذا ليس بمستحيل، لأنه ليس فيه جمع بين النقيضين وليس فيه نفي للنقيضين، فيتصور وجوده – ويتصور عدمه، فإذا شاء ربنا أحد الممكنات فليس بمستحيل (كن فيكون) ، (وهو على كل شيء قدير) . س: ما هي مواصفات العقل الصريح؟ جـ: العقل الصريح لا يمكن أن يوجد ولا أن يحصل في غير المؤمن الذي يخاف من الله ومن عدا المؤمن سيقول يوم القيامة: (لو كنا نسمع أو نعقل) كما أخبرنا الله عنهم، فكل من عدا المؤمن فليس عند واحد منهم عقل صريح، لكن قد تقل نسبة الحماقة وقد تكثر وأول الحمقى اللعين إبليس، لأنه أول من اعترض على الله، وهذا عقل صريح أم عقل قبيح؟ بل هو قبيح، فماذا قال لله: (رب أنظرني إلى يوم يبعثون) ، (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) فيا إبليس يا ملعون، بماذا تخاطب الحي القيوم؟ تقول رب، إذن هو ربك خلقك فكيف تعترض عليه وتقول (أأسجد لمن خلقت طيناً) ، (أنا خير منه) أنت تقول رب، أمرتني بالسجود لآدم ثم تقول هذا خلاف الحكمة، فأنت سفيه الحكمة تقتضي أن يسجد آدم لي لأنني أنا من نار وهو من طين، ولنناقش كلامه: أنت تقول الله خلقك وأعطاك الحكمة فهل يعقل لمن أعطاك الحكمة أن يرضى لنفسه بالسفاهة فهذا لا يقبله عقل. أمر ثانٍ نناقشك فيه سلمنا أن عندك حكمة فأنت تقول النار أحسن من الطين، لم أحسن مع أن طبيعة النار الطياشة والتفريق، وطبيعة الطين الرزانة والهدوء؟ وانظر إلى نتيجة الطين ونفعه للمخلوقات أجمعين تضع فيه حبة يعطيك شجرة فيها من كل زوج بهيج، والنار تحرق ثيابك إن لم تحرقك فالطين طبيعته الإصلاح، والنار طبيعتها الإفساد.
следующие страницы →