.. أي أن منزلة نبينا ﵊ يليق بها حصول هذا التفضيل، فإذا احتملت الآيات ما يليق بكرم الله ومنزلة رسول الله ﵊ ثبت هذا له كما سيثبت للمؤمنين في جنات النعيم، والله على كل شيء قدير.
أما الآيات التي تحتمل هذا، فهي أربع آيات:
١- قول الله تعالى (إنه هو السميع البصير)
وقد تقدم الكلام عليها عند آية الإسراء وقلنا في تفسير الضمير ومرجعه قولان:
الأول: أن يعود على الله، وهذا هو المعتمد أي أن الله سميع بصير.
الثاني: وحكى هذا أبو البقاء العُكْبري يمكن أن يعود على النبي ﷺ أنه، أي هذا النبي الذي أسري به وعرج سميع لأوامري بصير بي حصلت له الرؤية وليس حاله كحال نبي الله موسى وهذا القول ليس هو المعتمد في تفسير الآية لكن الآية تحتمل هذا وليس في هذا الاحتمال؟؟؟ حتى نقول إنه مطروح وهذا هو المطلوب وهو كافٍ في الدلالة.
٢- قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)
وقد تقدم ذكر هذه الآية، وقلنا إنه ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [هي رؤيا عين لربنا رسول الله ﷺ ] .
وهذه الرؤيا شاملة للآيات العظيمة التي رآها في الأرض وفي السماء وفي؟؟؟.
إذن إطلاق الآية بأن الله أرى نبيه ﵊ آيات عظيمة بعينيه، أفلا يدخل في هذا الإطلاق رؤيته لربه جل وعلا؟ يدخل.
وهذا احتمال في الآية وهو احتمال مقبول.
٣- قوله تعالى في سورة النجم (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) .
في بيان المراد بالضمائر في قوله (دنا فتدلى) قولان لسلفنا الكرام:
стр. 1542
الأول وهو الظاهر: أنها تعود على جبريل ﵇، اقرأ الآيات وانظر إلى الترتيب (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علَّمه شديد القوى) . الذي علمه هو شديد القوى جبريل، تابع الآيات (ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا) أي جبريل (فتدلى فكان) من النبي ﵊ (قاب قوسين أو أدنى) ؟؟؟ الله إلى نبيه محمد ﵊ بواسطة هذا الذي دنا فتدلى في تلك الساعة ما أوحى.
... وهذا هو الظاهر من الآيات، وهو أن هذه الرؤية حصلت من نبينا لجبريل وما رآه إلا مرتين في صورته الحقيقية، مرة في حادثة الإسراء والمعراج، ومرة رآه بأجياد، وله ستمائة جناح قد سد الأفق، (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) هذه هي الرؤية الثانية (عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ... ) الآيات.
الثاني: أنها تعود على الله فتقول (ثم دنا) أي الرب جل وعلا، وقد ثبت هذا في صحيح البخاري في حديث الإسراء: [ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى] من نبينا ﵊ وحصل بينهما ما حصل (فأوحى إليه ما أوحى) وحصلت له الرؤية.
إذن فالدنو والتدلي هنا للرب جل وعلا، ولا يقال كيف دنا وكيف تدلى؟ لأن صفات؟؟؟ إقرار وإمرار، نقر بالصفة ولا نبحث في كيفيتها فعندما يقول (الرحمن على العرش) استوى نقول الاستواء معلوم والكيف مجهول، وكل ما خاطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
... وإذا بحثت في الكيفية فقد مثلت، وإذا نفيت النص فقد عطلت، فلا تمثيل ولا تعطيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .
والعجز عن دَرَك الإدراك إدراك ... والبحث في كنه ذات الإله إشراك
فلو قيل لنا: ما معنى استوى؟ نقول: معناها استوى، وما معنى دنا فتدلى؟ نقول: دنا فتدلى، فتفسيرها قراءتها وقراءتها تفسيرها فقط دون أن نكيف معنىً من المعاني نتخيله بأذهاننا.
стр. 1543
وعليه نقول: ليس الدنو بأغرب من نزول الرب إلى السماء كل ليلة [وهو حديث متواتر نؤمن به ومنكره ضال] .
وهذا الحديث: مع أنه صحيح البخاري إلا أنه جرى حوله كلام، رواية شريك؟؟؟ لذلك قيل: إن شريك وهم في هذا اللفظ المذكور.
... السند في صحيح البخاري صحيح لكن يوجد في المتن وهم، وهذا كما يوجد حديث في صحيح مسلم انقلب على الراوي مع أن الإسناد صحيح [حتى لا تعلم ما أنفقت شماله] والأصل [حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه] ؟؟؟؟؟ وهنا كذلك قيل إن آفة هذا الحديث وهم الراوي لا ضعف السند.
لكن الحافظ ابن حجر في الفتح كأنه لم يرتض اتهام شريك بالوهم في هذا اللفظ المذكور فقال: روى الأموي في مغازيه بسند حسن عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [ثم دنا منه ربه فتدلى] يقول: وهذه الرواية شاهد لرواية شريك وأنه ليس بواهم فيها.
... ويكفي أن يدخل هذا المعنى – الثاني – في الآية وأن لا يقال دخوله باطل وغير محتمل، لكن هل هو راجح أم مرجوح؟ فهذا موضوع آخر.
٤- قوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك)
وتقدمت معنا، وتقدم معنا أن الشرح يراد منه أمران:
الأول: شرح معنوي، أي عن طريق شق صدره عليه صلوات الله وسلامه أربع مرات ثابتة صحيحة.
الثاني: شرح معنوي أي أن الله ألقى في قلبه العلم النافع والسكينة والطمأنينة وشرح صدره بذلك ووفقه للعمل بما ألقى في قلبه ثم رفع ذكره وأعلى مقامه ورتبته فحصل له الشرح من جميع الجهات.
فنقول: أليس من أعظم أنواع شرح الصدر رؤية الله جل وعلا؟ بلى.
وحقيقة كل شرح دون حصول رؤية الله فليس بشرح كامل، فإن الله سبحانه يمن على نبيه ﵊ بأنه شرح له صدره على وجه التمام والكمال بحيث لم يبق في هذا الصدر؟؟؟ للشرح مرة ثانية، فلو لو تحصل له الرؤية فهل حصل الشرح التام الكامل؟ أم أننا نقول إنه يحتاج إلى شرح آخر مرة ثانية؟.
стр. 1544
.. ولذلك يكتمل نعيم الجنة ويطيب برؤية الله جل وعلا، ولولا هذا لما تلذذ أهل الجنة في الجنة، فكما أن هذه الدنيا لا تطيب إلا بمعرفة الله والأنس بذكره ولولا هذا؟؟؟ الحياة علينا، فهناك كذلك الجنة بلا رؤية لله كالدنيا بلا معرفة لله، فماذا تكون الفائدة من هذه الحياة إنما تكون كحياة البهائم.
... يقول الإمام الحسن البصري – عليه رحمة الله – كما في كتاب الاعتقاد للإمام البهيقي -: "والله لو علم العابدون أنهم لن يروا ربهم في الآخرة لزهقت أنفسهم" أي لماتوا، فكيف نعبد إلهاً في هذه الحياة، لم نره في الحياة لحكمة وهي حتى لا يكون الإيمان إيمان مشاهدة، لكن أن تصبح الحياة كلها إلى ما لا نهاية لن نرى فيها نور وجه ربنا الكريم؟ فهذا مما لا يرضاه أحد.
... وإن أحدنا لا يرضاه مع الزوجة فضلا ً عن المعبود، ولله المثل الأعلى – فيتزوج زوجة لا يراها ولا تراه بل مجرد كتابة عقد هي في الهند وهو في رأس الخيمة، فهل هذا مما يرضاه أحد؟ لا هذا مما لا يرضاه أحد – وهي زوجة – فكيف بالمعبود الذي نعبده جل وعلا ثم لا نتمتع برؤية نور وجهه.
وألا يتمنى أحدنا أن يرى رسول الله ﷺ ؟!!!.
كما في معجم الطبراني عن أنس ﵁ – مرفوعاً بسند حسن – [سيوشك أحدكم يتمنى أن ينظر إليَّ ولو بأهله وماله] وواقع الأمر كذلك، ولو قيل: يمكن لكم أن تروا نبينا ﷺ ، فكيف رؤية رب العالمين؟ وكيف نعبد إلهاً لا نراه؟!!.
ساء ظن الإباضية بربهم – وهم فرقة من الخوارج – حيث يقولون رؤية الله ضلال ومن؟؟؟؟ وهل يوجد عندنا حبيب أعظم من ربنا جل وعلا الذي خلقنا ونعبده؟!!.
فإذن آنسنا الله في هذه الحياة بذكره وفي الآخرة بعد الممات لا نأنس إلا برؤية وجهه ، إذن دخول هذا المعنى في الآية لا مانع منه والآية تحتمله، وهذا غرضنا. هذا هو الدليل الثاني.
стр. 1545
ثالثها: من أثبت الرؤية فمعه زيادة علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ:
وعندنا قاعدة مقررة: المثبت مقدم على المنافي.
... وقد حصل عندنا الإثبات في أثر ابن عباس وليس رؤية مطلقة بل قيد فقال مرة ببصره ومرة بفؤاده، فالتصريح برؤية النبي ﷺ بعيني رأسه ثابت ولنضرب مثالا ً: لو قلت للأخ إبراهيم: رأيت والدك هذا اليوم في رأس الخيمة، فقال: أنا أعلم أن والدي في مكة، فأنا أثبتُّ وهو ينفي فبكلام من نأخذ؟
نأخذ بكلام المثبت، ولا يعني هذا أن كلام النافي باطل أو أنه كذاب، لكن النافي يخبرنا ما كان، والأصل عدم ثبوت مجيء والدك إلا ببينة، فأنا أثبت – وأنت متعلق بالحال السابق، وهنا من نفى الرؤية فهو متعلق بالحال السابق، ومن أثبت فمعه دليل زائد فيقدم على النافي.
رابعاً: خصوصيات نبينا ﵊ كثير وفيرة، فما المانع من أن يخصه بهذا؟!.
س: فهل هناك محظور أو مانع؟ وهل الرؤية في الدنيا مستحيلة أم ممكنة؟
جـ: ممكنة لكن ورد الشرع بأنها لا تحصل لغير نبينا ﵊ فنحن ننفيها عن طريق منع الشرع لا عن طريق الاستحالة العقلية، ولو كانت مستحيلة عقلاً لما سألها موسى ﵊ (قال رب أرني أنظر إليك) ، ومعنى المستحيل أنه كفر، فهل يسأل موسى ﵇ كفراً من ربه؟!.
... فدل هذا على أنه كان يعلم أن الرؤية ممكنة، فإذا أراد الله أن يكرم بعض عباده بها أكرمه، فموسى تطّلع لهذا فقال الله له: إنك لا تتأهل لذلك في الدنيا، لكن انظر إلى الجبل إن استقر فسوف تراني، وتعليق الرؤية على ممكن يدل على أن الرؤية ممكنة، فلو ثبَت الله الجبل لرأى موسى ربه، لكن لما تجلى ربنا للجبل (جعله دكاً وخرّ موسى صَعِقاً) الشاهد؟؟؟ أنه علق الرؤية على ممكن فدل ذلك على أن الرؤية ممكنة.
стр. 1546
.. وإذا كان الأمر كذلك فموسى سأل الرؤية ولكنه أخبر أنه لا يتأهل لهذا في الدنيا لأنه دون نبينا ﵊ لا لنقص فيه، ولكن – كما قلنا - الكمالات تتفاوت فنبينا أفضل من موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قطعاً وجزماً، بل قلنا – إن خليل الرحمن إبراهيم أفضل من موسى.
... فإذن الرؤية جائزة عقلاً ممتنعة سمعاً وشرعاً للحديث الذي ذكرنا [واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا] وقلنا المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، فبقي النبي ﷺ مستثنىً، فهي إذن خصوصية فما المانع منها؟ لا يوجد شيء يمنع من ذلك.
خامسها: في هذا القول تأكيد لحصول الرؤية للمؤمنين في جنات النعيم:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فنحن إذا قلنا بهذا القول نقطع الطريق على المعتزلة والخوارج الذين ينفون رؤية المؤمنين لربهم؟؟؟ هل يمكن لمخلوق أن يرى ربه؟ فنقول لهم حصل لنبينا ﵊ فإذن هي ليست مستحيلا ً فنحن سنراه في الآخرة.
لكن عندما نقول لم تحصل لنبينا ﵊ فيبقى البحث في الرؤية في الآخرة هل حصلت له ولنا أن لن تحصل لأحد؟!!.
... أما إذا قلنا أن رؤية النبي ﷺ لربه حصلت فإن هذا مما سيريحنا من مجادلتهم ونقاشهم.
القول الثاني:
يثبت رؤية نبينا علية الصلاة والسلام لربه، لكن بقلبه لا بعيني رأسه.
س: وما المراد بالرؤية القلبية هل هي العلم؟
стр. 1547
المراد من الرؤية القلبية أن يراه بقلبه كما يراه ببصره، وليس المراد منها العلم عند أصحاب هذا القول، لأن العلم مشترك بينه وبين سائر المؤمنين فكلهم يعلمون الله ولو كان المراد (رآه بقلبه) أي علمه ليلة المعراج، فهذا لا يستقيم فإنه كان يعلمه قبل ذلك وكلنا نعلم هذا فما الداعي إذن للقول بأن نبينا ﵊ رأي ربه بقلبه أي علمه؟!!!! وقد قال أصحاب هذا القول: ولا يشترط عقلاً لحصول الرؤية أن يرى الإنسان بعينيه اللتين هما في رأسه، فقد يرى بأصبعه وقد يرى برجله وقد يرى ببطنه وقد يرى بظهره وقد يرى بقلبه.
فإنه لم ير ربنا بعيني رأسه، لكن جعل له في قلبه بصراً فرأى ربه، كما كان للنبي ﷺ رؤية من وراء ظهره وله عينان يبصر بهما، ويرى من ورائه كما يرى من أمامه وهكذا جعل الله له في قلبه.
وقد قال بهذا القول أئمة أجلاء منهم:
الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن كثير وجمّ غفير وفي تقديري وعلمي أن هذا القول ضعيف لعدة أمور:
إطلاق الرؤية ينصرف إلى رؤية البصر لا إلى رؤية القلب، ونحن عندنا قد ثبتت الرؤية مطلقة ومقيدة، فالمقيدة أثر ابن عباس (ببصره) ، والمطلقة – كقول أنس [رأى محمد ﵊ ربه] .
ولا أعلم من أين أتى أصحاب هذا القول بقولهم إنه رآه بقلبه؟!
نقول: وثبت عنده [ببصره] وبقية الروايات عن الصحابة مطلقة، فعندما يقول أنس: [رأى محمد ﷺ ربه] فهذا اللفظ المطلق عندما يسمعه الإنسان يفهم منه أنها رؤية بصرية، لأن الرؤية إذا أطلقت فهي رؤية بصرية بعيني الرأس، فنقول: إطلاق الآثار المصرحة بحصول الرؤية لنبينا ﵊ تدل على أن الرؤية بالبصر لا بالقلب.
؟؟؟ ﵄ بأنه رآه ببصره.
٣- أن هذا خصوصية وذاك خصوصية فما الداعي لاعتبار هذا وإلغاء ذاك، وما الذي يرجح خصوصيتكم على خصوصيتنا.
٤- القول بالقول الأول يدخل فيه هذا القول دون العكس.
стр. 1548
فلو قلنا إنه رآه بقلبه فقط لما دخلت رؤية البصر، ولو قلنا إنه رآه ببصره فلا مانع من أن يراه بقلبه أيضاً.
إذن فالرؤية البصرية لا تمنع الرؤية القلبية، بخلاف العكس، وإذا كان الأمر كذلك فالذي يتناسب مع فضل الله ومع منزلة رسول الله ﵊ ودلالة الآثار أنه قد رآه بالأمرين، ببصره وبقلبه والله على كل شيء قدير.
والإباضية والخوارج والمعتزلة خالفوا في موضوع الرؤية ونفوا حصولها وقالوا هي مستحيلة فنقول نبي الله موسى سأل الرؤية، وهذا من أعظم أدلة أهل السنة على أن رؤية الله في الدنيا ممكنة فضلا ً عن الآخرة، لأنها أي الرؤية لو كانت كفراً وضلالاً فهل كان يسألها نبي من أولي العزم؟!!
وانظر إلى سفاهة الزمخشري عند هذه الآية (لن تراني) يقول لن تفيد التأبيد وهذا في الدنيا والآخرة، ونقول له: ألم يقل الله عن اليهود (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم) ؟ ثم أخبر عنهم وعن أهل النار عموماً بأنهم سيتمنون الموت (ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك) فإذن المراد بـ (لن تراني) أي في الدنيا، فما الذي جعلك تقول إنه في الآخرة أيضاً لن تراه.
ثم بعد ذلك هجا أهل السنة ببيتين من الشعر في (كشافه) فيقول:
لجماعة سَمَّوا هَواهم سنة ... لجماعة حُمْرٌ لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه فتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه
(حمر موكفة) هي حمير عليها الأكاف فهي مستعدة للركوب، والأكاف هو الذي يوضع على ظهر الحمار كالسراج للخيل.
(البلكفة) هي قولنا نراه بلا كيف، ويقصد أننا لما قلنا بأننا نرى ربنا خفنا أن يقول النار عنا مشبهة وأن يشنعوا علينا ويقولون كيف شبهتموه بالورى فتسترنا بالبلكفة، فحذار حذار من البلكفة فإنه من منصوبات طواغيت شيوخهم، هذا كلامه، وهو اعتقادنا بأننا كلما ذكرنا صفة قلنا: نؤمن بها من غير كيف لأن الله يقول (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .
ونحن نقول إن كان هو شاعراً أفلا يوجد عندنا شعراء، فانظر بماذا أجابه أهل السنة:
стр. 1549
هل نحن من أهل الهوى أم أنتم ... ومن الذي منا حمير موكفه
اعكس تصب فالوصف فيكم ظاهر ... كالشمس فارجع عن مقال الزخرفه
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى ... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه
إن الوجوه إليه ناظرة بذا ... جاء الكتاب فقلت هذا سفه
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى ... فهوى الهوى بك في الهاوي المتلفه
فليلزم هو وكذلك الإباضية حدهم وليقفوا عنده، هل صار أعظم نعيم نتمناه ضلال؟ والذي يسأله يكون من الكافرين؟ نعوذ بالله من هذا.
القول الثالث:
ينفي الرؤية، أي لم تحصل هذه الرؤية للنبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج.
تبنى هذا القول أمنا عائشة غفر الله لها ورضي عنها.
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث مسروق أنه قال لأمنا عائشة: [يا أمتاه هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلت] ومعنى هذا أن شعري؟؟؟ من هول هذه الكلمة العظيمة فكيف تقول هذا، والإنسان إذا اعتراه وجل يصاب بمثل هذا كما قال جل وعلا (الله أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين لا يخشون ربهم) فإذا اعتراك وجل وهم ينقبض جلدك وكأن هناك برداً شديداً وتشعر بشعر رأسك كأنه انتصب، فهذا هو القف، ثم قالت له: [أين أنت من ثلاث، من حدثك أن محمد ﷺ رأى ربه فقد كذب، [وفي رواية فقد أعظم على الله الفرية] ورحمة الله على الإمام ابن خزيمة يقول في كتاب التوحيد ويلتمس عذراً لأمه: "قالت هذا في حال انفعال وغضب، ولا يجوز أن نقول إن من قال هذا إنه أخطأ فضلاً عن أن نقول إنه افترى فضلا ً عن أن نقول إنه أعظم الفرية" أي أن هذا الكلام صدر منها في حالة من الغضب ولا علم عندها في هذه المسألة فقالت على حسن ما عندها من العلم هذا اللفظ القاسي، فهي مخطئة في هذا وهي أمنا نستغفر لها ونترضى عنها ونسأل الله بفضله ورحمته أن يشفعها فينا إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
стр. 1550
وهذه شفاعة شرعية، وليست شركية، فإنك إذا سألت الله أن يشفع فيك أحداً من خلقه فهذه شفاعة شرعية بالإجماع، أما لو قلت: يا عائشة اشفعي لنا، فهذا هو المحظور وهي شفاعة شركية، لكن لو قلت اللهم شفع في أبا بكر، عمر، عثمان، علي ... اللهم شفع فيّ نبيك ﵊، شفع فيّ أمنا عائشة فهذا خالص التوحيد، فتطلب من الله أن يشفع لا تطلب من المخلوق، لأنه لا يشفع أحد إلا بعد أن يأذن له الرحمن ويرضى للمشفوع بحصول الشفاعة له، ولذلك نحن نطلب من الله أن يشفع فينا هذه الصديقة ﵂، ثم قالت: [؟؟؟ والله يقول (لا تدركه الأبصار) ] ولو أردنا الوقوف معها لقلنا هل يصح هذا دليلاً على نفي الرؤية عن نبينا ﵊؟ ليس فيه دليل على الإطلاق، فالإدراك هو رؤية مع إحاطة والله جل وعلا يُرى ولا يُحاط به، فإذن الإدراك معنىً زائد على الرؤية هذا هو المعنى المعتمد.
وقيل لا تدركه: على التنزل لنجعل قول أمنا معتبراً، ويكون المعنى لا تدركه أي لا تراه في الدنيا بإحاطة أو غيرها ونستثني من هذا نبينا ﵊.
وقيل: وهو المعنى الثالث: لا تدركه في الآخرة إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، فإذا تجلى بنوره الذي هو نوره فإنه لا يراه شيء في الدنيا ولا في الآخرة إلا مات واحترق والمؤمنون عندما يروه يكون بصورة تناسب قواهم في الآخرة، فإنه لو تجلى بنوره الذي هو نراه لم يره يابس إلا ند؟؟؟ ولا حي إلا مات، والأمر الثاني:
[ومن حدثك أن محمداً ﷺ كتم شيئاً مما أنزله الله عليه فقد كذب، والله يقول (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ومن حدثك أن محمداً ﷺ يعلم الغيب فقد كذب، والله يقول (قل لا يعلم من في السموات والأرض إلا الله) ] .
стр. 1551
ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق (من التابعين) [أنه التقى بأبي ذر ﵃ أجمعين فقال له: ليتني رأيت رسول الله ﷺ لأسأله؟ ققال: وماذا تريد أن تسأله؟ فقال: كنت سأسأله: هل رأيت ربك؟ فقال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: [نورٌ أنّى أراه] فهذا الأخير من كلام نبينا ﵊ ومعظم من أورد هذا الحديث يقول هذا دليل على نفي الرؤية.
أنا أقول: هل هذا دليل على نفي الرؤية أم على حصولها؟
الجواب: هذا الحديث دليل على حصول الرؤية، كيف هذا؟
يا إخوتي الكرام ... عندما أقول هذا رجل أنّى أراه، ما معنى هذا، معناه أنه كيفما أراه وفي أي حالة أراه فهو رجل.
وهذا هو جواب الإمام ابن خزيمة وتعليله فيقول أنّى ليست للاستبعاد وإنما لبيان أن هذا هو حال الله في جميع الأحوال.
فالمعنى هو أن الله جل وعلا كيفما أراه فهو نور، وهذا كقوله تعالى (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم) أي كيف شئتم، وليس المعنى أنّى لا رآه ومستبعد أن أراه.
فإذن هو يدل على حصول الرؤية، يدل على هذا الرواية الثانية في صحيح مسلم [رأيت نوراً]
وقال النافون للرؤية: إن الرسول ﷺ لم يره لكن رأى النور الذي هو حجابه، فإن الله لا يُرى في الحياة الدنيا، وحملوا أنّى على الاستبعاد لا على هذا العموم الأحوال.
المحاضرة السادسة عشرة
وقد حاول أصحاب القول الثاني [الذين قالوا الرؤية قلبية ليست بصرية] أن يجمعوا بين القول الأول والثالث وأن يردوهما إلى القول الثاني فقالوا:
من أثبت الرؤية فمراده الرؤية القلبية.
ومن نفى الرؤية فمراده الرؤية البصرية.
وعليه فالأقوال الثلاثة بمعنىً واحد ولا اختلاف بينها، وهذا هو رأي الإمام بن تيمية وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن حجر في فتح الباري (٨/٦٠٨) مال إلى هذا وجمع بين الأقوال الثلاثة فردها إلى قول واحد.
стр. 1552
وهذا مع جلالة من رجحه وقال به – هو في نظري جمع ضعيف لأمرين معتبرين:
الأمر الأول: لا معارضة بين القول الأول والثاني عند أصحاب القول الأول فلا يجوز أن نرد قولهم إلى قول غيرهم.
ووجه عدم المعارضة وضحته لكم سابقاً: أن من أثبت الرؤية البصرية لا ينفي الرؤية القلبية بل يقول: إذا حصلت رؤية البصر فرؤية القلب حاصلة من باب أولى، وعليه فلا داعي للجمع بين القولين لأن أصحاب القول الأول لا يخالفونكم في قولكم.
الأمر الثاني: نقول: القول الثاني والثالث ينفيان الرؤية – أي الرؤية البصرية – وتقدمت معنا قاعدة ذهبية وهي أن المثبت مقدم على النافي.
فعندما تأتينا رواية الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄: [رأى محمد ﵊ ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده] فهذا إثبات والإثبات لا يجوز أن نتركه لأجل نفي لأن المثبت مقدم على النافي، ومَنْ حفظ حجة على من لم يحفظ.
والعلم عند الله.
القول الرابع: التوقف، فلا نقول رآه ببصره ولا بقلبه ولا ننفي الرؤية، إنما نقول هذه مسألة لا يتعلق بها حكم دنيوي والنصوص متعارضة في الظاهر، فالسكوت أسلم ونفوض الأمر إلى الله جل وعلا.
إذن لما تعارضت الأدلة وكان لا يتعلق بها حكم ظاهري أو دنيوي لنجمع أو لنرجح، إذ لو كانت في حكم دنيوي لكان لابد من الترجيح أو الجمع لأجل أن نعمل ببعض النصوص، لكن بما أن الحالة ليست كذلك والمسألة من أمور الغيب فالسكوت عنها أولى.
وهذا ما ذهب إليه عدد من الأئمة منهم الإمام أبو العباس القرطبي، (ليس صاحب التفسير المشهور إنما هو صاحب كتاب المُفهِم في شرح صحيح مسلم) وقال: النصوص فيها متعارضة وأقاويل السلف مختلفة فمنهم من يثبت ببصره ومنهم من يثبت بقلبه ومنهم من ينفي، ولا يتعلق بهذه المسألة حكم دنيوي فالسكوت أسلم.
стр. 1553
وذهب إلى هذا سعيد بن جبير من أئمة التابعين كما حكي ذلك عن القاضي عياض في كتابه (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى) وهو كتاب سيرة نبوي – في ص ٩٧ حيث نقل القاضي عن سعيد بن جبير عليه رحمة الله أنه قال: لا أقول رآه ولا أقول لم يره.
ويفهم من كلام الإمام الذهبي عليه رحمة الله أنه يميل إلى هذا القول ففي سير أعلام النبلاء (١٠/١١٤) يقول: "والذي دل عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها فنقف عند هذه المسألة فإثبات ذلك أو نفيه صعب والوقوف سبيل السلامة والله أعلم، وإذا ثبت شيء قلنا به".
انظر لهذا الكلام الذي هو أصفي من الذهب وأحلى من العسل، وهذا الإنصاف وهذا هو حال أئمتنا في البحث العلمي فلا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا ﵊ في الدنيا ولا من نفاها بل نقول الله ورسوله أعلم، بلى نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة تثبت بنصوص متواتر.
وهذه المسألة أشار إليها الإمام الذهبي أيضاً في (٢/١٦٧) وقد ذكرته سابقاً، فيقول: "ولم يأتنا نص جلي بأن النبي ﷺ رأى الله بعينيه، وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها، فأما رؤية المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة وأما رؤية الله سبحانه عياناً في الآخرة فأمر متيقن تواترت به النصوص وجمع أحاديث الرؤية الإمام البهيقي والإمام الدارقطني وغيرهما" فهذا فيما يظهر ميل الذهبي إلى هذا القول، أنه يتوقف ولا يعنف من قال بخصوص الرؤية ولا يعنف من نفاها.
وخلاصة الكلام ... في هذه المسألة أربعة أقوال ثابتة عن سلفنا الكرام وهي مما يسع الإنسان في هذه المسألة أن يقول بواحد منها، وإذ قال بواحد منها فلا يعنف ولا يبدع ولا يضلل لاختلاف السلف في هذه المسألة.
نعنف نعنف من أنكر الرؤية في الآخرة فذاك يخالف أمراً مجمعاً عليه، فنبدعه ونحكم عليه بالضلال فانتبه لهذا.
стр. 1554
أخوتي الكرام ... العمدة والضابط في التماس عذر للمخالف من أمور الشرع وعدم التماس عذر له أمر واحد وهو اتفاق السلف واختلافهم فهم في العقائد والأحكام العملية (عبادات، معاملات، عقوبات) فمن خالفهم فيما اتفقوا عليه فهو ضال مبتدع ومن خالفهم فيما لم يتفقوا عليه فالمخالف في سعة فلا يبدع ما دام لم يقصد الهوى ولم يخبرنا أنه يفعل هذا شططاً وسفهاً.
وهذا له نظائر كثيرة سواء كان في العقائد أو في الأحكام فالأمر مستوٍ فيهما، فإذن ننظر لحال واقع السلف في هذه المسألة فإن أجمعوا فالمخالف ضال وإن اختلفوا فالأمر فيه سعة، وهنا لا نعنف المثبت ولا نعنف النافي ولا نعنف المتوقف.
ولأضرب لكم مثلا في أمر فرعي:
آية الوضوء: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ... )
فهناك أربعة أعضاء ثلاثة تغسل وواحد يُمسح لا خلاف فيها بين المسلمين، فمن خالف في هذا فهو ضال شيطانٌ رجيم، لكن بعد ذلك في كيفية الإتيان بهذه الأعضاء في الوضوء اختلف العلماء قالوا: هل يلزم الترتيب أم لا؟!، فلو جاء إنسان وتوضأ ولم يرتب صح الوضوء أم لا؟
عند الحنفية صح الوضوء، والترتيب بين هذه الأعضاء الأربعة مستحب لأن الله يقول (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ... ) والواو بإجماع أهل اللغة تفيد التشريك مع عدم الترتيب لا بمهلة ولا بدون مهلة، هذا كما تقول جاء زيد وبكر ومحمد وقد يكون محمد أولهم مجيئاً بخلاف ما لو قلت جاء زيد فبكر فمحمد فهنا الفاء للترتيب مع التعقيب فالأول وبعده الثاني مباشرة، وبخلاف ما لو قلت جاء زيد ثم إبراهيم فهنا ثم للترتيب مع التراخي.
فإذن الترتيب عند الحنفية سنة، وهو عند الجمهور واجب، وعليه لو جاء رجل وتوضأ ولم يرتب فهل يجرؤ إنسان أن يقول له وضوؤك باطل؟!.
стр. 1555
لا، لأن المسألة وقع الخلاف فيها بين السلف. وأبو حنيفة تابعي أدرك ستة من الصحابة، فالمسألة فيها سعة.
مثال آخر:
مسح الخفين بدل غسل الرجلين هذا لا خلاف فيه بين علماء الأمة، فإذا لبس الخفين على طهارة وجاء ليتوضأ فلا يلزمه أن ينزع خفيه بل يكفيه أن يمسح عليها.
فلو خالف أحد وقال لا يجوز المسح على الخفين ولو مسح ما صحت صلاته، فماذا نقول له؟
مبتدع وضال لأنه لا خلاف في هذا بين أئمتنا، والمخالف في هذا هم الشيعة فقط يقولون لو مسح على خفيه لم يصح وضوؤه، ولو غسل رجليه لم يصح وضوؤه بل يمسح على رجليه مسحاً فقط.
فخالفوا أهل السنة في الأمرين، في غسل الرجلين وفي المسح على الخفين، لكن نقول هل سبقهما إلى هذا أحد من السلف؟! وإن سبقهم أحد من السلف فلا يحق لأحد أن يضلل المخالف.
وأحاديث المسح على الخفين رويت عن العشرة المبشرين بالجنة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ الذي يزعمون زوراً وبهتاناً أنهم ينتمون إليه، وكان يمسح على الخفين، كما نقل عنه تحريم نكاح المتعة – وهذا ثابت في صحيح مسلم عنه وهم يخالفونه في الأمرين، ولا يمسحون على الخفين، وينكحون نكاح متعة ويدعون أنهم ينتسبون إلى آل البيت، والزنا في البلدان كلها يقع في دور العهر والفجور والفنادق إلا في إيران فإنه يقع في المساجد عن طريق نكاح المتعة، فتذهب إلى هناك ويأتي آية الله – بل هو آية الشيطان – فيعقد لك على من تريد وهناك نساء جالسات ينتظرن من يأتي ليعقد عليهن نكاح متعة يوماً أو يومين أو ليلة أو ليلتين كما تريد، وهذا عندهم لا حرج فيه بل هو من الأمور الفاضلة كما أنه لا يعتبر نكاحاً كالنكاح المعروف، فلو كان عندك أربع نسوة وأردت أن تعقد على غيرهن نكاح متعة فلا حرج في ذلك، وإذا تمتعت مرة فأنت في درجة الحسن – كما يقولون – ومرتين في درجة الحسين، وثلاثة في درجة علي ... نعوذ بالله من هذا الضلال والعار.
стр. 1556
فإذن ننظر إلى المسألة هل تحتملها الأدلة أم لا؟ وكيف ذلك؟
نقول: خير من فيهم دين الله هم سلف هذه الأمة، فإذا اختلفوا دل هذا على أن الدليل يحتمل ويحتمل، ولا يوجد نص يرجح، فالمسألة بقيت محتملة والأقوال كلها جائزة، والإنسان يأخذ بما هو أقرب للمراد حسب اجتهاده، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وإذا لم يختلفوا – فهم خير من فهم دين الله – فاتفاقهم هذا يدل على أن النص ليس له معنىً إلا هذا ولذلك المخالف ضال ومبتدع.
ولذلك إخوتي الكرام ... كل من يدعو إلى الكتاب والسنة – كما يوجد في هذه الأيام – دون الرجوع إلى فهم السلف فهو ضال زنديق يريد أن يضلل الأمة وأن يقضي على الكتاب والسنة باسم الكتاب والسنة، ألم يقل النبي ﷺ عن الخوارج المتقدمين الجدد والحديث في الصحيحين [يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّه، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم لا تجاوز قراءتهم حناجرهم] هذا حال الخوارج، وقد تواترت الأحاديث في ذم الخوارج، فهؤلاء ماذا يقولون؟ يدعون إلى تحكيم الكتاب ويقولون لا حكم إلا لله، وعليّ عندما حَكَّم الرجال كفر.
ويوجد جماعة الآن يسمون بالقرآنيين يقولون ليس عندنا لا أبو بكر ولا عمر ولا أحمد ولا الشافعي، ليس عندنا إلا القرآن وعقولنا.
فانظر لألفاظ علمائنا لا نعنف من أثبت الرؤية، ولا نعنف من نفاها، فماذا تختار؟ يقول: السكوت أسلم وإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وهي ما لا يتعلق به حكم دنيوي وهي من أمور الغيب فلنكِلْ أمرها إلى الرب جل وعلا ولا نخوض فيها والعلم عند الله.
стр. 1557
انتبهوا لهذا طالب العلم لابد أن يحيط بهذه الأقوال الأربعة حتى إذا سمع قائلاً يقول بقول منها فليتمهل عليه ولا ينبذه بالبدعة ويقول له أنت مبتدع خالفت أهل السنة، انتبهوا المسألة مما اختلف فيها أهل السنة وفيها سعة وقد سبقنا في الخلاف فيها من قبل الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم، فابن عباس يثبت وأمنا عائشة تنفي والعلماء بعد ذلك على هذا المسلك وما دام الأمر كذلك فليسعنا ما وسعهم ولا يبدع بعضنا بعضاً والعلم عند الله.
س: ما المراد بالسلف هنا؟
جـ: المراد بالسلف هنا الصحابة والتابعون وتابعوهم، وهم القرون المفضلة بشهادة النبي ﷺ ثم بعد ذلك يفشوا الكذب كما يخبر النبي ﷺ ، والحديث في صحيح البخاري: [خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم] ، قال عمران بن الحصين أو الراوي عنه: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً] ثم يأتي بعد ذلك أقوام يشهدون ولا يستشهدون ويحلفون ولا يستحلفون ويخونون ولا يأتمنون [وفي بعض الروايات ينذرون ولا يوفون] ويظهر فيهم السِمَن يسبق يمين أحدهم شهادته وشهادته يمينه] أي يتعجل في كلامه ولا يتروي وهذا في العصور المتأخرة.
ولذلك الحديث المرسل الذي يرفعه التابعي إلى النبي ﷺ احتج به الجمهور، قالوا: لأن ذلك لم يفشُ فيه الكذب، فإنه حصل في العصور المتأخرة.
خامساً: كلام العزيز الغفور لنبينا ﵊ المبرور:
كلمة الله جل وعلا فوق سبع سموات، فحصلت له الرؤية وحصل له الكلام ن وتقدم معنا ما يشير إلى هذا عند فرض الصلوات وفيه أن الله جل وعلا قال له بعد أن انتهت إلى خمس [أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، هي خمس وهن في الآخرة خمسون] .
وهذا كلام يسمعه النبي ﷺ من ربنا في ذلك الوقت، وهذا هو مما أطلعنا عليه من أنه حصل بينهما كلام، لكن ما الذي حصل بعد ذلك من مناجاة وتكليم؟ لا يعلم هذا إلا رب العالمين.
стр. 1558
وقد أشار الحافظ في الفتح (٧/٢١٦) إلى هذا عند هذه الجملة من الحديث: "هذا من أقوى ما استدل به على أن الله كلم نبيه ﷺ ليلة الإسراء والمعراج بغير واسطة"
إن قيل: من أين علمنا أن هذا التكليم كان من غير واسطة؟
الجواب: من لفظ الحديث [أمضيت فريضتي] ، ولو أن الملك هو الذي بلغه لقال أمضى الله فريضته يا محمد [خففت عن عبادي] هذا كلام من؟ إنه كلام الله، هذا كما يفعل ربنا كل ليلة حين ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: [من يدعوني فاستجب له، ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له] والحديث متواتر، فجاء المؤولة وقالوا: معنى [ينزل ربنا] أي ينزل ملكه ونقول لهم: لو نزل الملك فهل يجوز أن يقول من يدعوني فأستجب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له بل لو نزل أعلى الملائكة لما جاز له أن يقول هذا الكلام، لكن يقول لو كان الملك الذي ينزل – من يدعو الله فيستجيب له ... وهكذا.
وهنا لفظ الحديث يدل على أن المتكلم هو الله إذ لا يصح أن يتكلم بهذه الصيغة غير الله جل وعلا.
وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد (١/٨٠) – وهذا الكتاب لا ينبغي أن يخلو منه بيت مسلم وهو في خمس مجلدات وهو كتاب نافع ضروري ضموه إلى ما ذكرناه سابقاً كتاب الأذكار ورياض الصالحين والتبيان في آداب جملة القرآن – يقول عند تعداد مراتب الوحي فذكر مرتبة ثامنة للوحي وهي آخر المراتب وهي خاصة بنبينا ﵊ ولم تحصل لغيره: "زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله لنبيه ﵊ كفاحاً (أي من غير حجاب) على مذهب من يقول إنه رأى ربه، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف".
стр. 1559
وهي كما قلنا لم تحصل لغير نبينا ﵊، أما الكلام الذي حصل لموسى بحجاب، فهذه زيادة رآه وكلمة، والله يقول في كتابه ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء فاستثنى من هذا نبينا ﵊ فكلمه كفاحاً ومشافهة دون أن يكون هناك حاجز أو حجاب.
وإذا لم نقل بأن النبي ﷺ رأى ربه فنقول الكلام حصل له بحجاب كما حصل لموسى ﵇.
والآن انتهينا من مبحث الإسراء والمعراج.
س: متى وقع الإسراء والمعراج بالتحديد؟
جـ: لا يُعلم زمن وقوعه بالتحديد لا في أي يوم ولا في أي شهر ولم يثبت هذا بسند صحيح عن أحد وكل تحديد لشهره أو ليومه أو لليلته فهو محض التخرص والكذب والافتراء على النبي ﵊.
أما الاحتفالات المزيفة بليلة الإسراء والمعراج فهذه احتفالات المنافقين الذين عادوا نبينا الأمين ﵊، فبعد أن محوا نوره وشرعه أراد الشيطان أن يخدّرهم , أن يخّدر الناس باحتفالات وتواشيح وأناشيد وشيء من الخطب وأحياناً بكاء، ثم يزول أثر كل ذلك بعد قليل.
وهل احتفل الصحابة في حياتهم أو التابعون أو من بعدهم بإسراء ومعراج أو بمولد نبوي أو بحادث هجرة أو بغير ذلك؟ لا، ولكن هذا الآن صار عندنا أعظم الغايات وما كان الصحابة يبالون به ولا يعطونه شيئاً من الاهتمام، مع أنهم يعلمون في أي يوم أسري به ﷺ ومتى عرج به لكن ما خطر ببال تابعي – لسلامة عقولهم – أن يسأل صحابياً عن اليوم بالتحديد، ولو سأله لأخبره لكن لا فائدة من هذا السؤال فليس من وراء معرفته على التحديد فائدة.
стр. 1560
ولكننا ما عملنا هذا إلا لما انحرفنا عن دين الله وحاربنا رسول الله ﷺ فبدأنا نحتفل بهذه الشكليات التي هي بدع وصار حالنا كالنصارى فإنهم احتفلوا بعيد الميلاد – عندهم - بعد أن ضيعوا دينهم وغيروا هذا الدين وضيعوه فلذلك صاروا يحتفلون بهذه المراسيم، وهكذا نحن سلكنا مسلكهم وسنسلك مسلك من كان قبلنا شبراً بشبر وذراعا ً بذراع.
فإذن لم يضبط تاريخ هذه الحادثة ولعله لحكمة يشاؤها الله:
أولا ً: لئلا يعكف المسلمون على هذه الليلة ويجعلون لها مراسيم، وهذا واضح فإنهم عملوا لها مراسيم الآن مع أنها لم تعلم بالتحديد فكيف لو عُلِمتْ.
ثانياً: ليخبرنا الله أن هذه الأمور شكلية ولا وزن لها ولا قيمة، فليس المهم معرفة الزمن بالتحديد الذي وقعت فيه، لكن المهم الاتعاظ والوقوف عند هذه العبرة العظيمة وأخذ الأحكام والفوائد التي في هذه الحادثة.
س: إذا اختلف الأئمة بعد القرون المفضلة، فهل في الأمر سعة كما لو اختلفوا في عهد السلف؟
نقول: إن خالفوا في أمر متفق عليه بين الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم فالمخالف حينئذ ضال وهذا لا يوجد في المذاهب الأربعة قطعاً.
وإن كانت المسألة جديدة وحادثة واختلفوا في حكم الله فيها ليلحقوها بأحد النصوص الشرعية الثابتة عن خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فاختلفوا في هذا فهنا الأمر فيه سعة ما دامت النصوص تشهد له.
إذن جرت مسألة ولا نص فيها فبحث العلماء في حكمها وشأنها فاختلفوا فبعضهم ألحقها بدليل وحاظر وبعضهم ألحقها بدليل مُبيح فيبقى الأمر كما لو حصل الاختلاف في زمن الصحابة رضوان الله عليهم والأمر فيه سعة، ورحمة الله واسعة.
المبحث الثاني:
مبحث الحَوض:
معناه في اللغة: مجمع الماء، بمعنى البركة كما هو معروف لدينا في هذه الأيام فنقول: بركة، مسبح، حوض وجمعه حياض وأحواض.
والمراد من الحوض:
الحوض الذي يكون لنبينا ﷺ في الآخرة.
стр. 1561
وهذا الحوض قد تواترت به الأحاديث، فأحصى الحافظ ابن حجر الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض فبلغوا (٥٦) صحابياً، ثم قال: بلغني أن بعض المعاصرين جمع الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض فبلغوا (٨٠) صحابياً.
فهذا إذن متواتر.
قال الإمام الداوودي عليه رحمة الله:
مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض
أي هذه بعض الأحاديث المتواترة وهي أكثر من ذلك بكثير.
(من كذب) حديث [من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار] ، روي عن جملة كبيرة من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة.
(ومن بنى لله بيتاً واحتسب) :
حديث [من بنى لله بيتاً واحتسب فله بيت في الجنة] .
وحديث [من بنى لله بيتاً ولو كمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة] .
وحديث [من بنى لله بيتاً ليذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة] . فهذا متواتر عن نبينا ﵊.
(ورؤية) أي أحاديث الرؤية، أي رؤية المؤمنين لربهم في جنات النعيم.
(شفاعة) أي أحاديث الشفاعة، ويأتينا مبحث الشفاعة إن شاء الله بعد الحوض.
(الحوض) فأحاديث الحوض متواترة.
(ومسح الخفين) رويت أحاديث المسح على الخفين عن العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم.
وسنتكلم عن الحوض ضمن خمسة أمور متتالية ننهي بها الكلام على الحوض إن شاء الله تعالى.
стр. 1562
الأمر الأول: وصف الحوض لا يستطيع عقل بشري أن ينعت الحوض أو يصفه، لأنه يتعلق به غيب، فالطريق لمعرفة صفة الحوض المنقول لا المعقول والرواية لا الرأي، فلا طريق لوصف الحوض إلا عما جاء عن نبينا ﵊ – من قرآن أو أحاديث – الذي لا ينطق عن الهوى فلنذكر بعض الأحاديث التي تعطينا وصفاً لهذا الحوض، إيماناً برسول الله ﷺ وبما جاء عن الذي لا ينطق عن الهوى. ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه (جمع كوز وهو القدح والكأس) كنجوم السماء من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً] .
... إذن هذا الحوض طوله مسيرة شهر نؤمن بهذا ولا نبحث بعد ذلك في كيفية هذا المسير هل هو مسيرة شهر على الجواد المسرع؟ أم مسيرة شهر على حسب السير في الدنيا؟ أم مسيرة شهر على حسب سير أهل الجنة؟ فالله أعلم، نحن نثبت اللفظ ولا نبحث في كيفيته فإنه مغيب.
وكيزانه كنجوم السماء ولا يعلم عددها إلا خالقها .
وقد أخبرنا نبينا ﵊ أن طول الحوض وعرضه بمسافة واحدة فطوله مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر، ثبت في صحيح مسلم من رواية ابن عمر في الحديث المتقدم [حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء] أي أطرافه متساوية فشهر طولا ً وشهر عرضاً فتصبح الزوايا متساوية، أي على هيئة مربع كالبركة المربعة أضلاعها متساوية [ماؤه أبيض من الورِق] أي الفضة والرواية المتقدمة أبيض من اللبن، [وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً] .
يكفي هذان الحديثان لوصف الحوض بصفة مختصرة.
стр. 1563
إذن حوض نبينا ﵊ في الآخرة أضلاعه متساوية وهو مربع مسيرة شهر في شهر، زواياه سواء، الماء الذي فيه ينعش النفوس، ويصح الأبدان لونه من أحسن الألوان كلون اللبن وكلون الفضة بياض خالص ليس فيه شائبة ولا عكر ولا كدر، ريحه أطيب ريح وهو ريح المسك بل أطيب منه، وهو أحلى من العسل والكيزان التي عليه لأجل كثرة الواردين على حوض نبينا ﵊ كنجوم السماء، هذا هو الوصف مختصراً.
الأمر الثاني: عدد الأحواض لنبينا عليه صلوات الله وسلامه:
له حوضان:
١- واحد يكون قبل دخول الجنة في ساحات الحساب وعَرَصات الموقف.
٢- والآخر يكون في داخل الجنة، وكل منهما يقال له حوض ويقال له كوثر.
يقال لكل منهما حوض لأنه ينطبق عليه التعريف اللغوي (مجمع الماء) .
... ويقال لكل منهما كوثر لأن الحوض الذي في ساحة الحساب وعَرَصات الموقف يستمد ماءها من نهر الكوثر الذي في الجنة، فنهر الكوثر له ميزابان - كما سيأتي وهذا لا دخل لعقل الإنسان فيه – يصبان صباً بدفق وقوة في حوض النبي ﷺ الذي هو في ساحة الحساب وعَرَصات الموقف، فنجد أن الحوض الذي في ساحة الحساب يأخذ من نهر الكوثر قيل له كوثر وحوض، والنهر الذي في الجنة اسمه الكوثر وبما أنه في مكان محصور قيل له حوض، فكل منهما حوض وكل منهما كوثر.
... وقد أنزل الله سورة كاملة يمتن بها على نبينا ﵊ بهذا الخير الذي أعطاه إياه (إنا أعطيناك الكوثر) والكوثر: على وزن فوعل من الكثرة وهو الخير الكثير في الدنيا والآخرة ويدخل في ذلك النهر العظيم الذي يكون لنبينا ﵊ في جنات النعيم، وفيه ميزابان يغتّان غتاً (يصبان صباً) ويشخبان من مائه في حوضه الذي هو في ساحة الحساب وعَرَصات الموقف فهذا خير عظيم أعطاه الله لنبيه الكريم عليه صلوات الله وسلامه.
стр. 1564
ولذلك ثبت في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ – تلميذ العبد الصالح عبد الله بن عباس ﵄ – [أنه سئل عن تفسير الكوثر فقال هو الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه ﵊ في الدنيا والآخرة، فقالوا له: يقولون إنه نهر في الجنة؟، فقال سعيد بن جبير: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه ﵊] . وهذا التفسير أعم وأشمل وأحسن من أن نقصر الكوثر على خصوص النهر فنقول: الكوثر خير كثير في الدنيا والآخرة وهبة من الله لنبيه ﵊ ٠ من جملة ذلك الحوض، ونهر الكوثر والشفاعات والمقام المحمود ورتب كثيرة في الدنيا والآخرة مَنَّ الله بها على نبيه عليه صلوات الله وسلامه.
... وإذا مَنَّ الله عليك بالنعم فالواجب أن تشكر المُنعِم (فصلِّ لربك وانحر) أي اجعل صلاتك خالصة له، ونحرك خالصاً له – أي ذبحك – فيكون على اسم الله خالصاً له لا تشرك معه أحداً (إن شانئك) أي مبغضك (هو الأبتر) ، فالنعم تستدعي الشكر.
... ولذلك إخوتي الكرام ... ربطاً بحادثة الإسراء والمعراج – كان نبينا ﵊ – كما ثبت هذا في المسند والسنن بسند حسن – [لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر] وما رأيت أحداً من أئمتنا وَجَّه الحكمة في ذلك؟ ويمكن استنباطها مما سبق تقريره في سورة الكوثر.
стр. 1565
.. فنذكر أن النعم تستدعي الشكر وهناك عندما يريد أن ينام يقرأ سورة بني إسرائيل ليستحضر فضل الله عليه وكيف مَنَّ الله عليه بهذا الأمر الجليل وهو الإسراء والمعراج وفي ثنايا السورة ذكر الله سبحانه الآيات التي منحها لنبينا ﵊ وكيف حفظه من شياطين الإنس والجن (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) ، وآيات كثيرة غيرها يخاطبه الله فيها في سورة الإسراء. إذن في هذه السورة ذِكْر فضل النبي ﵊؛ فكان لذلك يقرأها ليتذكر فضل الله عليه وهذا يستدعي ويتطلب الشكر.
... وكان يقرأ سورة الزمر لأنها – كما قال الإمام ابن تيمية ﵀ – سورة تمحضت في توحيد الله جل وعلا فموضوعها من أولها إلى آخرها حول توحيد الله وإخلاص الدين له.
إذن فبعد أن يذكر نعمة الله عليه ماذا يفعل؟
стр. 1566
.. يوحده ويقرأ السورة التي فيها توحيد الله وعبادته كما يريد بما يريد، وانتبه لآيات هذه السورة (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين، ألا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار) ثم بعد ذلك في جميع آيات السورة يستعرض ربنا جل وعلا ما يقرر هذا الأمر (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلا ً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) وفي آخر السورة يتحدث ربنا جل وعلا عن هذا (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون، ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) وفي نهاية السورة يقول (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) .
فإذن شكر وتوحيد، وهنا كذلك (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر) .
إذن لنبينا ﵊ حوضان يقال لكل منهما: حوض ويقال لكل منهما: كوثر.
стр. 1567
.. قال الإمام القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى، وأمور الآخرة في ص ٣٦٢، وقد نقل صاحب شرح العقيدة الطحاوية الإمام ابن أبي العز كلام القرطبي لكن بواسطة الإمام ابن كثير في كتابه النهاية (٢/٣١) لأن ابن كثير شيخ شارح الطحاوية، وابن كثير له كتاب البداية والنهاية في التاريخ طبع الكتاب البداية فقط ولم يطبع معه النهاية، ثم طبع في جزء بعد ذلك مستقلاً منفرداً، وقد تكلم ابن كثير في النهاية في الجزء الثاني في أول صفحة منه عن الحوض وتتبع طرق أحاديثه بما يزيد عن ثلاثين صفحة والبداية يقع في ١٤ جزءاً في ٧ مجلدات كبيرة، وكتاب التذكرة كتاب نافع وطيب وفيه خير كثير لولا ما فيه من أحاديث تالفة لا خطام لها ولا زمام وما تحرى عليه رحمة الله الصحة ولا تثبت في رواية الأحاديث، وليت الكتاب حقق وخرجت أحاديثه ليكون طالب العلم على بصيرة عند قراءة هذا الكتاب.
... الحاصل.. قال الإمام القرطبي في الموضوع الذي حددناه "الصحيح أن للنبي ﵊ حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثراً".
قال الحافظ في الفتح (١١/٤٦٦) :" يطلق على الحوض كوثر لكونه يُمدّ منه"٠ – كما عللته لكم – ثبت في صحيح مسلم من حديث ثوبان ﵁ قول رسول الله ﷺ إنه (النبي) ﷺ قال عند وصف الحوض: [يغتُّ فيه ميزا بان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورِق] والغت: هو جريان الماء بصوت، غتّ يَغُت غَتًّا إذا جرى الماء وصار له صوت عند جريانه من شدة هذا الماء وقوته واندفاعه، وهو الدفق بتتابع إذن معنى يغت فيه، يتدفق فيه ماء متتابع لا ينقطع.
... وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: [يشخب فيه ميزا بان من الجنة] ، شخب يشخب أي يسيل فيه ميزا بان من الجنة.
стр. 1568
.. وثبت في سنن الترمذي بسند حسن صحيح، والحديث رواه ابن ماجه وأحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄ – أن النبي ﷺ قال: [الكوثر نهر في الجنة] وهذا هو النهر الذي له ميزا بان يغتان ويشخبان في الحوض [حافتاه من ذهب ومجراه الدّرّ والياقوت وتربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج] .
(مجراه) أي أرضه التي يجري فيها، ممر الماء، (حافتاه) أي جانباه.
إذن بالنسبة للبياض صار معنا ثلاثة أوصاف أبيض من اللبن، ومن الورق، ومن الثلج، والثلج ترى بياضه يزيد على الماء.
... وهو أحلى من العسل وأطيب من المسك هذا كله في هذا النهر الذي هو في الجنة وهو نهر الكوثر وفيه ميزابان من ذهب وفضة يشخبان ويغتان في حوض نبينا ﵊.
س: هل هذه الأوصاف تكون لنهري دجلة والفرات أيضاً؟
جـ: لا، لا يكون هذا إلا للكوثر فقط، فهو خاص به حتى الأنهار الأخرى التي في الجنة ليس لها هذه الميزات والصفات.
... وسيأتينا في الأمر الرابع أن لكل نبي حوضاً، لكن ليس حلاوة مائه وطيب رائحته كحوض نبينا ﵊.
الأمر الثالث: مكان الحوض وموضعه:
... كما ذكرنا هما حوضان، فأما الحوض الثاني الذي هو نهر الكوثر فهذا في الجنة بالاتفاق، وأما الحوض الأول الذي يستقي ماءه من الكوثر فهو قبل الجنة بالاتفاق، لكن اختلف في موضعه ومكانه بالتحديد، فهل يكون قبل الميزان وقبل مرور الناس على الصراط؟ أم يكون بعدهما؟
في المسألة قولان لأئمتنا الكرام:
وانتبه إلى أن هذين القولين ليسا من باب التقدير العقلي، إنما من باب فهم هذا من النصوص الشرعية، فالفهم من النصوص هذا غير اختراع شيء من العقول ...
стр. 1569
القول الأول: - وعليه المعول – أن الحوض يكون قبل الميزان وقبل مرور الناس على الصراط المستقيم وقبل الحساب لأمرين معتبرين: أولهما: الحكمة من وجود الحوض ما أشار إليه نبينا ﷺ [من شرب منه لم يظمأ..] ، الناس يخرجون من قبورهم عطشى، لاسيما عندما يحشرون في الموقف [حفاة عراة غرلاً] نسأل الله حسن الخاتمة والعافية – والشمس تدنو من رؤوسهم ويلجمهم العرق فيسبحون فيه كأنهم في أحواض ماء، فما الذي يحتاجونه في ذلك الوقت؟ إنه الحوض، لذلك يكرم الله الموحدين في ذلك الحين بالشرب من حوض نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، وهو فرطنا على الحوض، كما أخبرنا ﵊، فإذن أول ما يحصل لنا عند البعث لقاء نبينا ﵊، كما أخبرنا ﵊ على حوضه يقول: هلم، هلم، ويسقينا.
... فإذن لتظهر كرامة نبينا ﵊ وليظهر فضله على أتم وجه، يكون هو الذي يزيل عطش الناس المؤمنين من أمته لما منّ الله عليه في الآخرة من تلك النعمة، كما أزال عنا في هذه الحياة الهم والغم بواسطة النور الذي بلغه إلينا فاطمأنت قلوبنا (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) .
... فإذن أول ما يستقبلونه بعد البعث حوض النبي ﵊، فمن كان مؤمناً موحداً سقاه النبي ﷺ وشرب، وإذا شرب لم يظمأ أبداً، طال الموقف أو قصر فإنه لا يبالي بذلك.
ثانيا: تواتر في حديث الحوض المتواتر أنه يُذاد وسيأتي ذكر الحديث- يدفع ويبعد أناس عن حوضه فيقول النبي ﵊: أمتي أمتي، يُذادون ولا يشربون فيقال: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك والحديث في الصحيحين فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي. فهذا الذود متى يكون؟
стр. 1570
لو كان بعد الصراط لسقطوا في النار، ولا يوجد بعد الصراط إلا الجنة، فدفع الناس لكونهم منافقين مرتدين يكون قبل الصراط لأنهم لو مروا على الصراط ونجوا لدخلوا الجنة وإذا سقطوا في جهنم لن يَرِدُوا الحوض لِيُدْفَعُوا عنه ويُبْعَدُوا.
وهذا الذي ارتآه ورجحه الإمام القرطبي في التذكرة في المكان المتقدم أي صـ (٣٦٢) .
والإمام ابن كثير في النهاية رجحه أيضاً كما قلت لكم إنه بحث في أحاديث الحوض فيما يزيد على ٣٠ صفحة من أول الجزء الثاني إلي ص٣٥ كلها في الحوض، وقد روى جميع الأحاديث بالسند الذي رواها به أصحاب الكتب المصنفة فإذا ذكر حديثاً في المسند ذكر إسناد الإمام أحمد وهكذا البخاري وغيره ولذلك طالت صفحات الكتاب والحقيقة أن أكثر صفحات الكتاب متشابهة فيورد عشرة أحادث في وصف الحوض عن الصحابة مثلا ًكلها بمعنىً واحد ولذلك لم أطل في ذكرها ومردها لا لزوم له لأنه يغني عن البقية وقلت لكم إن الحافظ ابن حجر تتبعها فوصلت إلى (٥٦) صحابياً رووا أحادث الحوض، قال وبلغني أن بعض المعاصرين جمعها فبلغت (٨٠) طريقاً، ولعل الحافظ ابن حجر كان يقصد بقوله (بعض المعاصرين) الإمام العَيْنِي، أقول لعله يقصده، فقد كان بينهما شيء من النفرة فيكني عنه الحافظ دائماً في الفتح ولا يصرح به، فلعله يقصده والعلم عند الله.
والإمام ابن حجر شرح صحيح البخاري في فتح الباري
والإمام العَيْنِي شرح صحيح البخاري في عمدة القاري
стр. 1571
والكتابان متقاربان في الحجم، فعمدة القاري (١٢) مجلداً في ٢٥ جزء، وقد كان ابن حجر والعيني – في بلدة واحدة - مصر- لكن أصل الإمام العيني من بلاد الشام ثم هاجر بعد ذلك إلي مصر واستوطن فيها، وشرحا صحيح البخاري في وقت واحد، وكان كل منهما قاضياً ابن حجر قاضي الشافعية والعيني قاضي الحنفية، والأقران في الغالب يجري بينهم شيء مما يجري بين بني الإنسان، لكن دون أن يصل ذلك إلى معصية أو اعتداء، هذا في الغالب وكما قال الإمام الذهبي: ما أعلم أحداً سلم من الحسد إلا الأنبياء..، وقد قال الرسول ﷺ – والحديث في درجة الحسن – [ثلاثة لا ينجو منهن أحد، الظن والطيرة والحسد، وسأخبركم بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تتحقق] أي إذا رأيت شخصاً أو تصرفاً فلا تقل لعل هذا حوله ريبة - فهذا ظلم كفارته ألا تتحقق هل توجد تلك الريبة أم لا؟ [وإذا تطيرت فامض ِ] مثلا ً خرجت في صباح ذات يوم فرأيت صورة مكروهه فقلت هذا صباح مشئوم، فلا ترجع إلي البيت، بل امض ِ إلى طريقك وقل: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك، لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يصرف السيئات إلا أنت. [وإذا حسدت فلا تبغي] أي لا تتجاوز وتعتدي. وأنا لا أجزم أنه يقصد الإمام العيني لكن في غالب ظني أنه كذلك.
وأنا أعجب حقيقة لاشتهار فتح الباري بين الناس وعدم انتشار عمدة القاري بينهم ولله في خلقه سر لا يعلمه إلا هو، ولا أقول ذلك لم ينتشر بل هو منتشر لكن ليس له من القدر والمكانة – كما يقال – ما لفتح الباري.
الحاصل.. إن الإمام ابن كثير رجح هذا القول في النهاية (٢/٣) للأمرين المعتبرين اللذين ذكرتهما لكم.
القول الثاني: أن الحوض بعد المرور على الصراط.
стр. 1572
وإلى هذا مال الإمام البخاري عليه رحمات ربنا القوي، وفقهه في تراجم أبوابه ومذهبه في تراجم أبوابه، فأورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الميزان والشفاعة والصراط، في كتاب الرقاق قال الحافظ ابن حجر:"أشار البخاري إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، أورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة والصراط"
ويفهم من كلام الحافظ ابن حجر الميل إلى هذا القول، حيث قال معللا ً ما سبق
(١) لأن الصراط بين الجنة والموقف ميزابان يغتان ويشخبان في الحوض، فلو كان الحوض في عَرَصَات الموقف وفي ساحة الحساب لكان الصراط حاجزاً بين هذين الميزابين وبين الحوض، فكيف سيصب الميزابان ماءهما في الجنة إلى الموقف وبينهما هذه الفجوة صراط وتحته جهنم. نسأل الله العافية وكل من سقط منه يسقط في جهنم وبئس المصير فإذا كان الأمر كذلك فالحوض بعد الصراط وهو قُبيل الجنة قََبل أن يدخلها المؤمنون يشربون من الحوض ويستقبلهم نبينا ﵊ عندما ينتهون من الصراط فيسقيهم من حوضه فينتعشون ويفرحون بعد أن مَنَّ الله عليهم بالسلامة ثم يدخلون دار النعيم، وهذا دليل.
стр. 1573
(٢) دليل آخر قرروا به هذا القول وهو: أنه ثبت في الحديث أن مَنْ شرب مِنَ الحوض لم يظمأ بعده أبداً، وقالوا: إذا لم يكن الحوض بعد الصراط فسنقع في إشكال من هذا النص والنصوص الأخرى وهو أن عصاه الموحدين سيعذبون في نار الجحيم ولا بد أن يعذب منهم قسم لم يغفر الله لهم لأن الأحاديث تواترت في إخراج العاصين من النار وهذا يعني أن هناك عذاباً للعصاة لكن هناك أناس يعفى عنهم وأناس يعذبون، قالوا: فهؤلاء الموحدون اللذين عذبوا في النار هل شربوا من الحوض أم لا؟ إن قلنا لم يشربوا، فالأمر ليس كذلك لأنهم موحدون وليسوا من المخلدين في نار جهنم فهم يستحقون السقيا والشراب إذ كيف يعامل الموحد معاملة المنافق والملحد. وإن قلنا شربوا، فكيف سيلقون في النار، وفي النار سيعطشون. لكن إذا كان الحوض بعد الصراط فلا إشكال لأن من شرب منه دخل الجنة فالذي يعذب في النار، ثم يخرج يجوز على الصراط ثم يشرب من الحوض ويدخل الجنة وحينئذ لا إشكال هنا على هذا القول. وهذا القول على ما وجاهة ما عُلِّلَ به فهو مردود لأمرين:
الأمر الأول: لا مانع أن يكون بين الحوض والجنة فاصل، والميزابان يصبان فيه بطريقة يعلمها الله ولا نعلمها، كما قلنا في النيل والفرات فإنهما يَصبُّ فيهما نهر من أصل سدرة المنتهى بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها وكم بينهما من حواجب وفواصل وليس عندنا ميزاب متصل من سدرة المنتهى إلى النيل والفرات إنما هو أمر غيبي أخبرنا عنه نبينا ﵊ آمنا به ولا نبحث في كيفيته.
والأمر الثاني: قولهم إذا شرب عصاة الموحدين من الحوض وعذبوا في النار سيجدون العطش والظمأ، نقول: لا يشترط هذا فيعذبون بغير أنواع العطش، وذلك ليتميز العصاة في النار عن غيرهم من الكفار الأشرار في أنهم يعذبون ولا يعطشون كرماً من الله وفضلا ً.
стр. 1574
.. فالأمران مردودان، ثم نقول لهم أخبرونا كيف سيذاد ويدفع أناس عن الحوض إذا كان الحوض بعد الصراط؟! فهذا لا يأتي أبداً , فأدلتكم يمكن أن يجاب عنها، أما أدلة القول الأول فلا يمكن الإجابة عنها مطلقاً؛ ولذلك القول الأول هو الصحيح وعليه المعول بأن الحوض قبل الصراط والعلم عند الله.
الأمر الرابع: هل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحواض في عَرَصَات الموقف وساحة الحساب كما لنبينا ﵊ حوض:
سبق أن ذكرنا أن العبرة في هذا الموضوع على النقل لا على العقل، فعمدتنا المنقول الثابت ولا دخل للاجتهاد ولا للمعقول.
... وقد ورد في ذلك حديث لكن اختلف في درجته، روى الإمام الترمذي في سننه عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال [إن لكل نبي حوضاً ترده أمته وإنهم ليتباهون أيهم أكثر وارداً، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم وارداً] .
(يتباهون) أي يتحدثون بنعمة الله عليهم بمنزلة حوضهم وبمن سيرده.
(أيهم أكثر وارداً) أي جماعة يردون على حوضه.
وهذا الرجاء والذي رجاه الرسول ﷺ في آخر الحديث حققه الله له، فأكثر أهل الجنة من أمته، وأكثر الأحواض التي سيردها الموحدون المؤمنون هو حوض نبينا ﵊ ولذلك قال النبي ﷺ في الحديث الذي يقول ربنا فيه: [يا آدم قم فابعث بعث النار من كل ألف واحد إلى الجنة وتسعمائة وتسع وتسعون إلى النار، فخاف الصحابة وارتاعوا فقال ﷺ : أنتم في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبروا، قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا، وقال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة] والحديث في الصحيحين.
стр. 1575
وقد ثبت في المستدرك وغيره بسند صحيح عن نبينا ﵊ أنه قال: [أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون صفاً منهم من هذه الأمة] ونحن مع ذلك نرجو أن يكون كل صف من هذه الأمة أضعافاً مضاعفة على سائر الصفوف الأخرى، فهي ثلثان في عدد الصفوف لكن نرجو أن تكون في عدد الأفراد أكثر بكثير، ونسبة هذه الأمة في الجنة لا تنقص عن الثلثين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال: [ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، إنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة] وهذا لفظ مسلم.
فهذا الرجاء حققه الله لخاتم الأنبياء ﵊.
ومعنى الحديث أن كل نبي أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر، أي البشر يؤمنون بمثل هذه الآيات عندما تظهر وهي خوارق العادات (المعجزات كما أيد الله أنبياءه السابقين بمعجزة، فكل من رأى تلك المعجزة يُؤمن كما هو الحال في نبي الله عيسى ﵇ يبرأ الأكمة والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، لكن تلك المعجزة مضت وانقضت، فالذين جاؤوا بعد ذلك لم يروها، ولذلك قد يحصل عندهم ارتياب في أمر النبي عليه صلوات الله وسلامه، أما ما يتعلق بهذه الأمة، فمعجزة نبينا ﵊ هي القرآن، وهذه المعجزة يراها المتأخر كما رآها المتقدم، فأبو بكر ﵁ وآخر فرد في هذه الأمة بالنسبة لرؤية معجزة النبي ﵊ سواء، فجعل الله معجزة نبينا ﵊ عين رسالته ودعوته وهي القرآن الكريم الذي أُمِر بتبليغه.
فالحاصل.. أنه قال: [أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً] ، وفي حديث سمرة قال: [لأرجو أن أكون أكثرهم وارداً] فحقق الله له هذا الرجاء.
стр. 1576
وحديث سمرة كما قلنا رواه الترمذي، وقد قال عنه: غريب، وغرائب الترمذي لا تسلم من مقال فهي ضعيفة والسبب في هذا أن الحسن البصري عليه رحمة الله عنعن الحديث عن سمرة أي رواه بصيغة عن ولم يصرح بالسماع، وفي سماع الحسن عن سمرة اختلاف، وأئمة الحديث على ثلاثة أقوال في ثبوت سماعه من سمرة:
١- لم يسمع منه مطلقاً.
٢- سمع منه مطلقاً.
٣- وهو المعتمد، سمع منه حديث العقيقة، وقد صرح في سنن النسائي بأنه سمع حديث العقيقة من سمرة بن جندب ﵁.
والحسن مدلس بالاتفاق وقد عنعنه – كما ذكرنا – ورواية المدلس إذا لم تكن بصيغة السماع فهي محمولة على الانقطاع، فالسند إذن منقطع بين سمرة وبين الحسن.
... كما أن الحسن رفعه في بعض الطرق إلى النبي ﷺ وأسقط سمرة فصار إذن مرسلاً لأن المرسل هو مرفوع التابعي إلى النبي ﷺ .
مرفوع تابع على المشهور ... مرسل أو قيده بالكبير
كما قال هذا الإمام عبد الرحيم الأثري العراقي في ألفيته المشهورة.
وقوله (أو قيده بالكبير) فهذا قول آخر في تعريف المرسل وهو أن التابعي لابد أن يكون كبيراً، من كبار التابعين لا من أوسطهم ولا من صغارهم.
والمعتمد أن التابعي صغيراً كان أو كبيراً، إذا رفع الحديث إلى النبي ﷺ فهو حديث مرسل، فالحسن إذن أسقط سمرة ﵁، ولذلك قال الترمذي: وورد أن الحسن لم يذكر سمرة فهذا مرسل وهو أصح.
والرواية المرسلة رواها ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح إلى الحسن، أن الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن لكل نبي حوضاً ... ] الحديث.
لكن مراسيل الحسن – كما يقول أئمتنا -، أشبه بالريح لا يعول عليها ولا يأخذ بها، لأنه كان لا يبالي عمن أرسل بخلاف مراسيل سعيد بن المسيب فهذه كلها يأخذ بها، حتى مَنْ ردَّ المرسل أخذ بمراسيل سعيد بن المسيب كالإمام الشافعي عليه رحمة الله.
стр. 1577
فإن سعيد بن المسيب كان يسمع من عمه والد زوجته أبي هريرة أحاديث ويحدث عنه أحياناً، ويسقطه ولا يصرح به أحياناً أخرى لاعتبارات، منها أمور سياسية، فقد ينقل عنه سعيد رواية تتعلق بأمور العامة فلا يصرح بها بإضافتها لأبي هريرة لئلا تصبح هناك مشاكل وابتلاءات كما هو الحال في العصور التي جاءت بعد عصور الخلفاء الراشدين، وهذا من جملة أغراض التدليس حذف الصحابي أو الشيخ الذي أخذ عنه التلميذ فيسقطه لأن حوله ما حوله من الاعتبارات، وكأنه يقول لئلا ندخل في مشاكل مع الدولة، فنرفع الحديث إلى النبي ﷺ ونسقط الواسطة (أبا هريرة) لئلا يُستدعى ويحقق معه وما شاكل هذا.
وفعلا ً كان أبو هريرة يحفظ أحاديث فيها الإشارة إلى ذم بني أمية، فعلم سعيد بن المسيب أنه إذا حدث بها وسمى أبا هريرة، فهذا سيجر بلاءً عليه – أي على عمه – وقد كان أبو هريرة ﵁ – كما في صحيح البخاري - يقول: [حفظت من النبي ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم] أي لقطعت رقبتي، وهذا الذي كتمه لا يتعلق بالأحكام العملية، لأنه لو كان في الأحكام العملية لبثه أبو هريرة ولم يكتمه وهو يعلم وزر كتمان العلم، إنما كان ما يكتمه هو شيء فيه الإشارة إلى ذم الأمراء الذين سيأتون بعد معاوية وأولهم الفاسق المشهور يزيد بن معاوية الذي جاء وأفسد في دين الله، وفعل ما فعل ويكفيه عاراً وشناراً قتل الحسين ابن بنت رسول الله ﷺ [قلت: لم يثبت بأي سند صحيح هذا الأمر، وقد ألف في هذه الرسالة] ، ولذلك كان أبو هريرة يستعيذ بالله من رأس الستين وإمرة الصبيان قبل أن يأتي رأس الستين، فمات ﵁ عندما قبل رأس الستين وسلم من الفتن التي جاءت بعد الستين.
стр. 1578
سعيد بن المسيب عندما يروي الحديث إلى النبي ﷺ مسقطاً الواسطة ففي الغالب هو أبو هريرة، وقد تتبع أئمتنا مراسيل سعيد فوجدوها موصولة من طرق ثابتة وصحيحة عن الصحابة؛ ولذلك احتجوا بمراسيله.
الحاصل.. أن وراية الترمذي مرفوعة إلا أنها منقطعة ورواية ابن أبي الدنيا هي بسند صحيح إلى الحسن والحسن رواه مرسلاً، فالحديث من هذين الطريقتين ضعيف مرفوعاً.
لكن يتقوى بالقواعد المقررة في شرع الله وهي أن ما ثبت لهذه الأمة يثبت للأمم الأخرى، وعليه فالحوض في الآخرة في عَرَصَات الموقف كما يكون لنبينا ﵊ يكون لسائر الأنبياء الكرام ﵈، إذ لا يليق بكرم الله وحكمته أن يسقي موحدي هذه الأمة ويترك الموحدين من الأمم السابقة.
ثم أضيف هنا وأقول: الحديث يتقوى (١) ليصل إلى درجة الحسن إن شاء الله، لأن له ثلاث شواهد متصلة عن أبي سعيد الخدري كما أخرجه ابن أبي الدنيا، وعن ابن عباس كما أخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً عن عوف بن مالك، هذا بالإضافة إلى الشاهد المرسل الصحيح الذي أخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً، فالحديث بمجموع هذه الطرق يكتسب قوة ويرتفع إلى درجة الحسن، والعلم عند الله.
إذن فلكل نبي حوض في الآخرة في عَرَصَات الموقف كما لنبينا ﵊، لكن يمتاز حوض نبينا ﵊ بأمرين:
الأمر الأول: أن ماء حوض نبينا ﵊ أطيب المياه فهو من نهر الكوثر، وهذا لا يثبت لغيره من الأحواض.
الأمر الثاني: أن حوض نبينا ﵊ هو أكبر الأحواض وأعظمها وأجلها، وهو أكثرها وارداً.
стр. 1579
.. وإلى جانب هذا ذهب أئمة الإسلام، يقول الحافظ في الفتح (١١/٤٦٧) عند أحاديث الحوض في كتاب الرقاق: "إن ثبت (١) – أي خبر الترمزي ومرسل الحسن – فالمختص بنبينا ﵊ "أن حوضه يكون ماؤه من الكوثر".
... والأمر الثاني قال فيه الإمام ابن كثير في النهاية (٢/٣٨) حوض نبينا ﵊ أعظمها وأجلها وأكثرها وارداً".
تنبيه: ورد في مطبوعة مكة من شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق أحمد شاكر، وفي مطبوعة المكتب الإسلامي بتحقيق جماعة من العلماء تصحيف بدل كلمة (أجلها) وقع عندهم (أجلاها) ، وإن كان كلا المعنيين صحيح.
الخلاصة: أن لكل نبي حوضاً يوم القيامة، لكن حوض نبينا ﵊ يمتاز بأمرين ماؤه أطيب المياه، ووارده أكثر من بقية الأحواض.
الأمر الخامس: يتعلق بأمرين:
أبيان من يرد حوض النبي ﷺ .
ب بيان من يتقدم في الورود عليه ويسبق غيره.
أبيان من يرد حوض النبي ﷺ :
كل موحد ختم له بالتوحيد سيرد ذلك الحوض المجيد
ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: [أن النبي ﷺ أتى المقبرة (يعني البقيع) فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] وفي بعض الروايات في زيارات نبينا ﵊ للقبور يقول: [السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] .
و (السلام عليكم) هذا خطاب من يسمع ويعقل ويعي ويفهم، وسماع الأموات أدق من سماع الأحياء، ولذلك لو دخل داخل إلى المعهد وسلم عند باب المعهد لن يسمعه مَنْ في الفصل بل حتى لو كان أقرب من ذلك، بينما لو كنا موتى لسمعناه فبمجرد أن يدخل رجل إلى المقبرة ويقول السلام عليكم لسمع كل مدفون في تلك المقبرة – ولو كانت واسعة ما كانت – سلامه وردوا عليه في قبورهم.
стр. 1580
و (إن شاء الله) هل هناك شك في اللحوق بهم؟ لا لكنها من باب التبرك وتعليق الأمر على أنه تابع لمشيئة الله، كقوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) ، وسيأتينا بحث الاستثناء في الإيمان إن شاء الله تعالى فهو من المباحث المقررة عندنا، وأن الاستثناء يجوز في الإيمان لأربعة أمور معتبرة من جملتها هذا من باب التبرك باسم الله، فتقول أنا مسلم إن شاء الله تعالى، ولا بأس في ذلك.
ثم قال نبينا وحبيبنا عليه صلوات الله وسلامه – وهذه تكملة الحديث [وددت أنا رأينا إخواننا فقال الصحابة رضوان الله عليهم: أولسنا بإخوانك يا رسول الله؟!، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني] عليك صلوات الله وسلامه، انتبه!! (أنتم أصحابي) أي أنتم لكم مزية على الأخوة العامة فقد فزتم بشرف الصحبة فأنتم إخوان وأصحاب.
وَمَََنْ بعدكم إخوان لي، كما تقول هذا ابني ولا تقول هذا أخي، فهو أخوك في دين الله ولكن تقول له ابني لأن هذا أخص من الأخوة العامة وهنا كذلك الصحبة أخص من الأخوة العامة.
فانظر لحب نبينا ﵊ لنا، فلنكافئ هذا الحب بمثله، فهو يتمنى أن يرانا ووالله نتمنى أن نراه بأنفسنا وأهلينا وأموالنا ولو قيل لنا تفوزون بنظرة إلى نور نبينا ﵊ مقابل أن تفقدوا حياتكم وأموالكم وأهلكم، لقلنا هذا يسير يسير، ضئيل حقير، ولذلك ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [من أشد أمتي لي حباً ناسٌ يكونون من بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله] وهو في مختصر مسلم برقم (١٦٠٤) .