← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وحديث سمرة كما قلنا رواه الترمذي، وقد قال عنه: غريب، وغرائب الترمذي لا تسلم من مقال فهي ضعيفة والسبب في هذا أن الحسن البصري عليه رحمة الله عنعن الحديث عن سمرة أي رواه بصيغة عن ولم يصرح بالسماع، وفي سماع الحسن عن سمرة اختلاف، وأئمة الحديث على ثلاثة أقوال في ثبوت سماعه من سمرة: ١- لم يسمع منه مطلقاً. ٢- سمع منه مطلقاً. ٣- وهو المعتمد، سمع منه حديث العقيقة، وقد صرح في سنن النسائي بأنه سمع حديث العقيقة من سمرة بن جندب ﵁. والحسن مدلس بالاتفاق وقد عنعنه – كما ذكرنا – ورواية المدلس إذا لم تكن بصيغة السماع فهي محمولة على الانقطاع، فالسند إذن منقطع بين سمرة وبين الحسن. ... كما أن الحسن رفعه في بعض الطرق إلى النبي ﷺ وأسقط سمرة فصار إذن مرسلاً لأن المرسل هو مرفوع التابعي إلى النبي ﷺ . مرفوع تابع على المشهور ... مرسل أو قيده بالكبير كما قال هذا الإمام عبد الرحيم الأثري العراقي في ألفيته المشهورة. وقوله (أو قيده بالكبير) فهذا قول آخر في تعريف المرسل وهو أن التابعي لابد أن يكون كبيراً، من كبار التابعين لا من أوسطهم ولا من صغارهم. والمعتمد أن التابعي صغيراً كان أو كبيراً، إذا رفع الحديث إلى النبي ﷺ فهو حديث مرسل، فالحسن إذن أسقط سمرة ﵁، ولذلك قال الترمذي: وورد أن الحسن لم يذكر سمرة فهذا مرسل وهو أصح. والرواية المرسلة رواها ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح إلى الحسن، أن الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن لكل نبي حوضاً ... ] الحديث. لكن مراسيل الحسن – كما يقول أئمتنا -، أشبه بالريح لا يعول عليها ولا يأخذ بها، لأنه كان لا يبالي عمن أرسل بخلاف مراسيل سعيد بن المسيب فهذه كلها يأخذ بها، حتى مَنْ ردَّ المرسل أخذ بمراسيل سعيد بن المسيب كالإمام الشافعي عليه رحمة الله.

стр. 1577

فإن سعيد بن المسيب كان يسمع من عمه والد زوجته أبي هريرة أحاديث ويحدث عنه أحياناً، ويسقطه ولا يصرح به أحياناً أخرى لاعتبارات، منها أمور سياسية، فقد ينقل عنه سعيد رواية تتعلق بأمور العامة فلا يصرح بها بإضافتها لأبي هريرة لئلا تصبح هناك مشاكل وابتلاءات كما هو الحال في العصور التي جاءت بعد عصور الخلفاء الراشدين، وهذا من جملة أغراض التدليس حذف الصحابي أو الشيخ الذي أخذ عنه التلميذ فيسقطه لأن حوله ما حوله من الاعتبارات، وكأنه يقول لئلا ندخل في مشاكل مع الدولة، فنرفع الحديث إلى النبي ﷺ ونسقط الواسطة (أبا هريرة) لئلا يُستدعى ويحقق معه وما شاكل هذا. وفعلا ً كان أبو هريرة يحفظ أحاديث فيها الإشارة إلى ذم بني أمية، فعلم سعيد بن المسيب أنه إذا حدث بها وسمى أبا هريرة، فهذا سيجر بلاءً عليه – أي على عمه – وقد كان أبو هريرة ﵁ – كما في صحيح البخاري - يقول: [حفظت من النبي ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم] أي لقطعت رقبتي، وهذا الذي كتمه لا يتعلق بالأحكام العملية، لأنه لو كان في الأحكام العملية لبثه أبو هريرة ولم يكتمه وهو يعلم وزر كتمان العلم، إنما كان ما يكتمه هو شيء فيه الإشارة إلى ذم الأمراء الذين سيأتون بعد معاوية وأولهم الفاسق المشهور يزيد بن معاوية الذي جاء وأفسد في دين الله، وفعل ما فعل ويكفيه عاراً وشناراً قتل الحسين ابن بنت رسول الله ﷺ [قلت: لم يثبت بأي سند صحيح هذا الأمر، وقد ألف في هذه الرسالة] ، ولذلك كان أبو هريرة يستعيذ بالله من رأس الستين وإمرة الصبيان قبل أن يأتي رأس الستين، فمات ﵁ عندما قبل رأس الستين وسلم من الفتن التي جاءت بعد الستين.

стр. 1578

سعيد بن المسيب عندما يروي الحديث إلى النبي ﷺ مسقطاً الواسطة ففي الغالب هو أبو هريرة، وقد تتبع أئمتنا مراسيل سعيد فوجدوها موصولة من طرق ثابتة وصحيحة عن الصحابة؛ ولذلك احتجوا بمراسيله. الحاصل.. أن وراية الترمذي مرفوعة إلا أنها منقطعة ورواية ابن أبي الدنيا هي بسند صحيح إلى الحسن والحسن رواه مرسلاً، فالحديث من هذين الطريقتين ضعيف مرفوعاً. لكن يتقوى بالقواعد المقررة في شرع الله وهي أن ما ثبت لهذه الأمة يثبت للأمم الأخرى، وعليه فالحوض في الآخرة في عَرَصَات الموقف كما يكون لنبينا ﵊ يكون لسائر الأنبياء الكرام ﵈، إذ لا يليق بكرم الله وحكمته أن يسقي موحدي هذه الأمة ويترك الموحدين من الأمم السابقة. ثم أضيف هنا وأقول: الحديث يتقوى (١) ليصل إلى درجة الحسن إن شاء الله، لأن له ثلاث شواهد متصلة عن أبي سعيد الخدري كما أخرجه ابن أبي الدنيا، وعن ابن عباس كما أخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً عن عوف بن مالك، هذا بالإضافة إلى الشاهد المرسل الصحيح الذي أخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً، فالحديث بمجموع هذه الطرق يكتسب قوة ويرتفع إلى درجة الحسن، والعلم عند الله. إذن فلكل نبي حوض في الآخرة في عَرَصَات الموقف كما لنبينا ﵊، لكن يمتاز حوض نبينا ﵊ بأمرين: الأمر الأول: أن ماء حوض نبينا ﵊ أطيب المياه فهو من نهر الكوثر، وهذا لا يثبت لغيره من الأحواض. الأمر الثاني: أن حوض نبينا ﵊ هو أكبر الأحواض وأعظمها وأجلها، وهو أكثرها وارداً.

стр. 1579

.. وإلى جانب هذا ذهب أئمة الإسلام، يقول الحافظ في الفتح (١١/٤٦٧) عند أحاديث الحوض في كتاب الرقاق: "إن ثبت (١) – أي خبر الترمزي ومرسل الحسن – فالمختص بنبينا ﵊ "أن حوضه يكون ماؤه من الكوثر". ... والأمر الثاني قال فيه الإمام ابن كثير في النهاية (٢/٣٨) حوض نبينا ﵊ أعظمها وأجلها وأكثرها وارداً". تنبيه: ورد في مطبوعة مكة من شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق أحمد شاكر، وفي مطبوعة المكتب الإسلامي بتحقيق جماعة من العلماء تصحيف بدل كلمة (أجلها) وقع عندهم (أجلاها) ، وإن كان كلا المعنيين صحيح. الخلاصة: أن لكل نبي حوضاً يوم القيامة، لكن حوض نبينا ﵊ يمتاز بأمرين ماؤه أطيب المياه، ووارده أكثر من بقية الأحواض. الأمر الخامس: يتعلق بأمرين: أبيان من يرد حوض النبي ﷺ . ب بيان من يتقدم في الورود عليه ويسبق غيره. أبيان من يرد حوض النبي ﷺ : كل موحد ختم له بالتوحيد سيرد ذلك الحوض المجيد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: [أن النبي ﷺ أتى المقبرة (يعني البقيع) فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] وفي بعض الروايات في زيارات نبينا ﵊ للقبور يقول: [السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] . و (السلام عليكم) هذا خطاب من يسمع ويعقل ويعي ويفهم، وسماع الأموات أدق من سماع الأحياء، ولذلك لو دخل داخل إلى المعهد وسلم عند باب المعهد لن يسمعه مَنْ في الفصل بل حتى لو كان أقرب من ذلك، بينما لو كنا موتى لسمعناه فبمجرد أن يدخل رجل إلى المقبرة ويقول السلام عليكم لسمع كل مدفون في تلك المقبرة – ولو كانت واسعة ما كانت – سلامه وردوا عليه في قبورهم.

стр. 1580

و (إن شاء الله) هل هناك شك في اللحوق بهم؟ لا لكنها من باب التبرك وتعليق الأمر على أنه تابع لمشيئة الله، كقوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) ، وسيأتينا بحث الاستثناء في الإيمان إن شاء الله تعالى فهو من المباحث المقررة عندنا، وأن الاستثناء يجوز في الإيمان لأربعة أمور معتبرة من جملتها هذا من باب التبرك باسم الله، فتقول أنا مسلم إن شاء الله تعالى، ولا بأس في ذلك. ثم قال نبينا وحبيبنا عليه صلوات الله وسلامه – وهذه تكملة الحديث [وددت أنا رأينا إخواننا فقال الصحابة رضوان الله عليهم: أولسنا بإخوانك يا رسول الله؟!، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني] عليك صلوات الله وسلامه، انتبه!! (أنتم أصحابي) أي أنتم لكم مزية على الأخوة العامة فقد فزتم بشرف الصحبة فأنتم إخوان وأصحاب. وَمَََنْ بعدكم إخوان لي، كما تقول هذا ابني ولا تقول هذا أخي، فهو أخوك في دين الله ولكن تقول له ابني لأن هذا أخص من الأخوة العامة وهنا كذلك الصحبة أخص من الأخوة العامة. فانظر لحب نبينا ﵊ لنا، فلنكافئ هذا الحب بمثله، فهو يتمنى أن يرانا ووالله نتمنى أن نراه بأنفسنا وأهلينا وأموالنا ولو قيل لنا تفوزون بنظرة إلى نور نبينا ﵊ مقابل أن تفقدوا حياتكم وأموالكم وأهلكم، لقلنا هذا يسير يسير، ضئيل حقير، ولذلك ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [من أشد أمتي لي حباً ناسٌ يكونون من بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله] وهو في مختصر مسلم برقم (١٦٠٤) .

стр. 1581

وتتمة الحديث الذي معنا [فقال الصحابة: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي من أمتك ولم تره؟! فقال: أرأيتم لو أن رجلا له خيلٌ غُرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْم بُهْم، أما كان يعرفها؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمتي يدعون يوم القيامة غرّاً محجلين من آثار الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادنّ رجالٌ عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً] اللهم لا تجعلنا منهم بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين. (غرّ) : الغرّ بياض في الوجه، وهو من الصفات الجيدة في الفرس، وهذه الأمة تبعث يوم القيامة والنور يتلألأ في وجهها من آثار الوضوء، والوضوء حلية المؤمن. (محجلة) : بياض في قوائم الفرس، وهو من الصفات الجيدة فيها أيضاً، وهو من علامة جودتها، وهذه الأمة تأتي يوم القيامة وأعضاء الوضوء فيها تتلألأ (الوجه والأيدي والأرجل) ، ففي وجوههم نور وفي أطرافهم نور. (دُهْم) سوداء (بُهم) سوادها خالص ليس فيها لون آخر. فهذه الأمة تأتي يوم القيامة غراًُ محجلين، فالوضوء ثابت لهذه الأمة وللأمم السابقة لكن أثر الوضوء (الغرة والتحجيل) ثبت لهذه الأمة ولم يثبت للأمم السابقة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ولذلك ورد في صحيح مسلم أنه [سيما ليست لغيركم] أي هذه السمة الغرة والتحجيل ليست لغيركم. إذن إخوانه ﵊ ونسأل الله أن يجعلنا منهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وجميع أهل الموقف ليس لهم هذا الوصف، وبالتالي فيميز نبينا ﷺ أمته الكثيرة من تلك الأمم الوفيرة الغفيرة.

стр. 1582

ثم أخبرنا ﷺ عن صنف شقي، أظهر الإيمان وأبطن النفاق والكفران، فيأتون إلى حوض النبي ﵊ فيذادون ويدفعون تدفعهم الملائكة وتطردهم فيناديهم النبي ﷺ : ألا هلم، هلم فأنتم من أمتي ويبدو عليكم – في الظاهر – علامات الوضوء!! لكن بعد ذلك يخفت ذلك النور ويذهب، فيقال للنبي ﷺ : إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك وفي بعض الروايات: [إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ أن فارقتهم] وقد حصل هذا بعد موت النبي ﷺ فيمن ارتدوا، وهذا حاصل في هذه الأيام بكثرة فيمن يدعي الإسلام ويحارب النبي ﵊ يقول لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، فهل يرد هذا حوض النبي ﷺ ؟ لا، إن هذا أكفر من أبي جهل وألعن من إبليس، فهو وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم فقد أتى بما ينقض به إيمانه، حيث زعم أن شريعة الله لا تصلح لهذه الحياة، فهي أمور كهنوتية فقط، في داخل المسجد نصلي ونرقص (رقص الصوفية) وخارج المسجد ليس لله شأن في حياتنا وأمورنا، كما قال سعد زغلول "الدين لله والوطن للجميع". وكما قال شاعر البعث عليه وعلى حزبه لعنة الله: سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلا وسهلا بعده بجهنم ويكتبون في شعاراتهم الضالة في الأمكنة البارزة على الأركان وغيرها: كذب الدعي بما ادعى ... البعث لن يتصدعا لا تسل عني ولا عن مذهبي ... أنا بعثي اشتراكي عربي ولا يقولون: أنا مسلم، بل الإسلام في المسجد فقط. ويكتب الآن في لوحات المدارس: لو مثلوا لي وطني وثناً لعبدت ذلك الوثن. كلمة وطن ووطنية فما هي الوطنية؟!! إن الجنسية المعتبرة بين العقلاء والتي يمكن أن تجمع بين الناس جميعاً هي جنسية الإسلام فقط، وكل ما عداها يفرق بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة.

стр. 1583

الحاصل.. من يدعو إلى الأفكار الهدامة الباطلة، فماذا سيكون حاله؟ هل يشرب من الحوض؟! وهل يستوي مع المؤمنين في الشرب منه؟ لا يستوي إخوتي الكرام. وليس معنى يذادون للرجال فقط أي أن النساء لا تذاد، بل هذا من باب تعليق الشارع الأحكام بصنف من الصنفين وما يشمل أحدهما يشمل الصنف الآخر، كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) و (الذين) خطاب للذكور، (وعليكم) خطاب للذكور أيضاً ويشمل الذكور والإناث، لأن ما ينطبق على الرجل ينطبق على المرأة سواءً بسواء إلا إذا قام دليل على التخصيص فالنساء شقائق الرجال، كما قال النبي ﷺ . فمثلا ً: لو جاءت هدى شعراوي للحوض فهل تتمكن من الشرب منه؟ لا فهذه أعتى من أبي جهل، وأعتى من عبد الله بن أبي بن سلول. وكذلك نزلي سعد زغلول وميادة أو مي الشاعرة (هؤلاء الثلاثة صاحبات الصالونات في مصر االتي أفسدت العالم) . وأنا أعجب حقيقة – إخوتي الكرام – لمضاء عزيمة النساء وكيف غيرت هذه النساء الثلاثة الحياة في هذه الأوقات. وفي المقابل تأتي للنساء الصالحات فلا ترى بعد ذلك إلا خمولاً وانعزالية وعدم بصيرة في هذه الحياة وتدبير لما يراد بهن فهذا لابد له من وعي – إخوتي الكرام – ولابد له من عزيمة ولابد من تحرك. فإذن هناك رجال يذادون ونساء يذدن ويدفعن فليس هو عقوبة للرجال فقط. وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: [أنا فرطكم على الحوض، ومن ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم] . وفي رواية أبي سعيد الخدري في تكملة حديث سهل بن سعد الساعدي [فأقول إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، سحقاً، سحقاً لمن بدل بعدي] . (والفرط) هو المتقدم أي أنا أتقدمكم على الحوض. إذن يرده كل الموحدين إلا من بدل وغير ونافق وكفر. ب بيان من يتقدم في الورود عليه ويسبق غيره:

стр. 1584

أول مَنْ يتقدم في الورود عليه عندما يخرج الناس من قبورهم وهم عطاش هم صعاليك المهاجرين وفقراؤهم. المحاضرة التاسعة عشرة: الأربعاء ١٠/٤/١٤١٢هـ ثبت في سنن الترمذي بسند حسن عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ أنه قال: [أول الناس وروداً على الحوض فقراء المهاجرين، الشُعث رؤوساً، الدُنُس ثياباً، الذين لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد] . (الشعث) : جمع أشعث، أي شعره متلبد وليس عنده وقت لتمشيطه وتسريحه وتجميله. (دُنس) : أي ثيابهم دنسة، وليس المراد من الدنس فيها نجاسة أو قذارة لكنها ثياب ممتهنة عند الناس قي قلة ثمنها، هذا كما ثبت في سنن الترمذي وغيره بسند حسن [البذاذة من الإيمان] والبذاذاة هي رثة الهيئة وعدم الاعتناء بالملبس، فمتى ما كوى ملابسه فليست دنسة حينئذ فلا يكوي ملابسه لا بنفسه ولا يضعها في دكان كي. فخلاف حالنا الآن فعندما يريد أن يلبس الغُترة (الكوفية) فتراه لابد أن يجعلها مثل السيف من الأمام ولا نقول هذا حرام لكنها درجة دون الكمال أي أن يأْسِرَ الإنسانَ لباسُه، فليفرض أن هذا اللباس لم يتهيأ له ولذلك البذاذة من الإيمان [من ترك اللباس الفاخر وهو قادر عليه دعاه الله يوم القيامة وخَيَّرَهُ من حُلل الجنة ما شاء] . (الذين لا ينكحون المنعمات) هذا وصف ثالث أي الثريات الموسرات بنات المترفين والأغنياء، فلا يقبلون الزواج بهن.

стр. 1585

(ولا تفتح لهم أبواب السُدد) وهذا هو الوصف الرابع، والسُدد هي القصور والمقصورات التي تكون خاصة بالمترفين، مثل بيوت الأمراء ومثل المقاصر التي عملها معاوية وهو أول من عمل المقصورة في المسجد وهي مكان خاص في المسجد لا يدخلها إلا هو وحاشيته ويوجد منها للآن في أكثر بلاد الشام وبلاد مصر وتكون على شكل طابق ثان ٍ لكنه ليس واسعاً وله مصعد خاص وغالباً ما يصلي عليه أناس خاصون فلو جاء إنسان مسكين لاسيما في العصر الأول ليصعد إلى هذه السدة منعوه، فهؤلاء أي الممنوعون هم أول من يرد حوض نبينا ﵊. لِما امتاز الفقراء بهذا الورود؟ ولم يكن هذا للأغنياء من المهاجرين؟ فهم قد تركوا بلادهم وأوطانهم وأموالهم وما يملكون وخرجوا في سبيل الحي القيوم ابتغاء مرضاته ولا غرابة إن كوفئوا بالورود قبل غيرهم، لكن لم يحصل ذلك وفرق بينهم وبين الفقراء؟ إن الإنسان إذا هاجر وكان غنياً وعنده في هجرته ما يستعين به فإن ألم الهجرة والغربة يخف عليه، وإذا هاجر وكان فقيراً فيجتمع عليه أمران ومُصيبتان: الهجرة والفقر. وإذا كان كذلك فبما أنه في هذه الحياة اعترتهم هذه الشدة فينبغي إذن أن يكرموا قبل غيرهم يوم الفزع الأكبر، لأنه قد اعترتهم شدة وكربة في هذه الحياة من أجل الله ، فَيُطَمْأَن بالشرب أولاً مقابل ما حصل من قلق وخوف في هذه الحياة إذن. والمهاجر الغني ليس أمره كذلك. وهؤلاء حالهم وإكرامهم كحال خليل الرحمن إبراهيم ﵇، فإن الناس يحشرون يوم القيامة حُفاة عُراة غُرْلاً (١) (كما بدأنا أول خلق نعيده) ويكون أول من يُكسى من هذه المخلوقات خليل الرحمن إبراهيم ﵇ والحديث في الصحيحين – لعدة اعتبارات فإن الجزاء من جنس العمل.

стр. 1586

١- فإن إبراهيم ﵇ ألقي في النار ولما ألقي جرد من ثيابه كيوم ولدته أمه وقُيّد ثم رمي بالمنجنيق في النار العظيمة، وهو نبي من أولي العزم الكرام بل خليل الرحمن!!. فإذا كان الأمر كذلك وامتهن من قبل الأشرار في هذه الحياة فسيكسى يوم القيامة أول المخلوقات وأهل الموقف كلهم عراة كما ولدوا الرجال والنساء لا ينظر أحد إلى أحد كما قال نبينا ﵊، كما قال تعالى: (لكل امرئِ منهم يومئذ شأن يغنيه) . فأول من يكسى إبراهيم وهكذا من حصل له مثل حاله، وهذا يحصل للمؤمنين في هذا الحين من قبل المخابرات في الدول العربية عندما تأخذ شباب المسلمين لتعذبهم فتجردهم من ثيابهم ثم يعمشون أعينهم حتى لا يعلموا إلى أين يساقون، نسأل الله أن يكفينا شر الشريرين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فهؤلاء الذين عذبوا في السر ليستحقون هذا الإكرام وهو الكسوة قبل غيرهم؟!

стр. 1587

٢- لأن إبراهيم ﵇ هو أول من سن لبس السراويل وهي أستر شيء لاسيما للنساء فإذا كان السروال طويلاً يصل إلى الكعبين بالنسبة للمرأة ويزيد على الركبة بالنسبة للرجل فهو ساتر للإنسان يحول دون كشف عورته لو سقط أو جلس ولم يحطت في جلسته، وأما هذه السراويل القصيرة التي يلبسونها في هذه الأيام من لا خلاق له ثم يخرج فتراه إذا جلس بدا فخذاه، وإذا سقط – لا سمح الله – بدت عورته. ولذلك ورد في معجم الطبراني وغيره – والحديث ضعيف لكن يستدل به في الفضائل: [أن النبي ﵊ كان جالساً أمام البقيع بعد دفن بعض الصحابة، فمرت امرأة تركب على دابة لها فتعثرت الدابة فسقطت فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه فقيل: يا رسول الله إنها مستورة – أي تلبس السراويل – فقال: اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي] ، فخليل الرحمن إبراهيم من شدة حيائه هو أول من سن السراويل، فإذا كان فيه هنا الحياء فلا يصلح لأن يترك مكشوفاً كبقية المخلوقات، بل إنه تعجل له الكسوة قبل غيره. ٣- لأنه كان أخوف الخلق لرب العالمين وكان يسمع أزيز قلبه من خشوعه وخوفه من مسافة ميل، فإذا كان هذا الخوف وهذا الاضطراب وهذا القلق فينبغي أن يعجل له الأمن ٠ والكسوة علامة الأمن وأنه مرضي عنه. فإذن خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه تعجل له الكسوة لهذه الاعتبارات وفقراء المهاجرين أوذوا وليس عندهم شيء يَتَسَلَّوْنَ به من مال يستعينون به في غربتهم فإذا بعثوا من قبورهم ينبغي أن يكون لهم شأن على أغنياء المهاجرين فضلاً عن سائر الأمة بعد ذلك.

стр. 1588

ولما بلغ هذا الحديث – حديث ثوبان ﵁ – عمر بن عبد العزيز ﵀ بكى وقال: "لقد نكحت المنعمات" ويقصد بها فاطمة بنت عبد الملك، مع أنها تقول – أي زوجته: "ما اغتسل عمر بن عبد العزيز من جنابة - من مباشرة أو احتلام منذ ولي الخلافة حتى لقي ربه". وكانت خلافته مدة سنتين إلا شهرين، ثم قال: "وفتحت لي أبواب السدد" فالقصور تفتح لي عندما أذهب لها "لا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ"؛ لينال هذا الوصف رحمه الله تعالى، أي أن ما مضى مني أسأل الله أن يتجاوز عنه ويعفو بفضله ورحمته، وأما من الآن بعد أن بلغني هذا الحديث فلن أفعل هذه الأمور. وفاطمة بنت عبد الملك، والدها خليفة وزوجها خليفة، وأخوها خليفة – بل إخوتها الخمسة سليمان والوليد وهشام وغيرهم كانوا خلفاءً، وجدها خليفة فهذه من أعظم المنعمات وما حصل هذا لامرأة أخرى، وهي التي قيل فيها: بنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخليفة والخليفة زوجها فإذن بكى ﵀ لما بلغه هذه الحديث مع أنه ﵁ جمع زوجته وإماءه وقال لهن: طرأ عليّ ما يشغلني عنكن فإن أردتن الفراق فلكن هذا، وإن أردتن البقاء فليس لي صلة بواحدة منكن.. فبكين بحيث سُمع البكاء في بيوت الجيران، ثم تحدثوا وسألوا ما السبب؟ فقالوا: عمر بن عبد العزيز خيَّر نساءه. ثم بعد ذلك قال لزوجته فاطمة هذا الحلي الذي عليك لا يحق لنا أخذ تيه من والدك عبد الملك وهذا من بيت المال فأرى أن نعيده في بيت المال، فقالت سمعاً وطاعة فأخذت حليها وأعطته إياه فأعطاه لخازن بيت المال، وخازن بيت المال احتاط فوضعه في زاوية وما صرفه في مصالح المسلمين – وبيت المال في عهد عمر بن عبد العزيز ممتلئ بالخيرات، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد [أن الحبة من القمح كانت في عهد عمر بن عبد العزيز كرأس الثوم] وحفظ هذا بعد موته وكتب عليه: هذا كان ببيت في زمان العدل.

стр. 1589

ولما قيل له: إن الخيرات كثرت ونطلب من نعطيه الصدقة فلا نجد، فقال: اشتروا أرقاء وأعتقوهم واجعلوا ولاءهم لبيت المال. وكان في عهده ترعى الذئاب مع الغنم، وقد ثبت في حلية الأولياء أن بعض التابعين مرّ على راع ٍ يرعى الغنم فوجد عنده ما يزيد على ثلاثين كلباً، فقال له: ما تفعل بهذه الكلاب؟ وواحد يكفي!! فقال: سبحان الله، ألا تعلم أن هذه ذئاب وليست كلاب: فقال: ومتى اصطلح الذئب مع الشاة، فقال الراعي: "إذا صلح الرأس فما على الجسد بأس"، إذن إذا عدل أمير المؤمنين واتقى الله فإن الله يحول بين المخلوقات وبين الظلم. ورعاة الماشية في البادية علموا بموت عمر بن عبد العزيز ﵀ ليلة انقضت فيها الذئاب على الغنم، فلما مات عمر وهم في البادية انقضت الذئاب على الغنم، فقالوا: أرخوا هذه الليلة – أي اكتبوا تاريخها – ثم ابحثوا عما حصل فقد مات عمر فلما تحققوا من الخبر علموا أن عمر مات في تلك الليلة ﵀ ورضي عنه. هذا هو عمر بن عبد العزيز، فخازن بين المال عندما أعطاه عمر ﵀ حلي فاطمة، وضعه في زاوية وما تصرف فيه فبعد أن مات عمر ﵃ أجمعين جاء إليها وقال: هذا حليك الذي أخذه عمر احتفظت به كما كان، فإذا أردتيه فخذيه، فقالت: ما كنت لأزهد فيه في حياة عمر ولأرغب فيه بعد موته. فانظر لهذا العبد الراشد وهو خامس الخلفاء الراشدين كما قال الشافعي: "فالخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعمر بن عبد العزيز"وهو خليفة راشد باتفاق أئمتنا وهو مجدد القرن الثاني باتفاق أئمتنا لأنه توفي سنة ١٠١ هـ عليه رحمة الله فعاش شيئاً من نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. وهو أول مجددي هذه الأمة، وقد ثبت عن نبينا ﵊ في سنن أبي داود وغيره بإسناد جيد [إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها] . س: هل جاء مجددون بعده؟

стр. 1590

ج: لا شك في ... ذلك، فقد جاء مجددون في كل قرن ولا يشترط أن يأتي واحد بعينه، فمجدد القرن الثالث الإمام الشافعي باتفاق أئمتنا لأنه توفي سنة ٢٠٤ هـ، ـ ويشترط في المجدد كما قلت لكم أن يدرك نهاية القرن المنصرم وبداية القرن التالي فالشافعي ولد سنة ١٥٠ هـ، فهو المجدد الثاني إذن، وهكذا سرد أئمتنا عدداً من المجددين إلى زماننا ولا يشترط أن يكون واحداً بعينه فأحياناً يوجد عدد من المجددين بحيث أن واحداً يجدد مثلاً في أمر العقيدة وتصحيح الأذهان من الخرافات، وآخر يجدد في نشر الحديث، وآخر في الجهاد، وهكذا في رأس كل مائة سنة. ونحن في هذه الأيام – لا أقول كما يقول الناس نشهد صحوة بل في بلوى وفي عمىً – يوجد من فضل الله شيء من مظاهر التجديد وأموره ونحن في بداية قرن، وهو القرن الخامس عشر الهجري فحقيقة قد حصل تجديد في هذا الوقت كثير لكن لا أقول صحوة كما يفهم الناس ويخدرونهم بهذا الكلام لكن حصل التجديد وحصل الوعي وهذا من فضل الله. فمصر مثلا ً سنة ١٩٧٠ م لما ذهبتُ إليها لم تكن لترى فيها امرأة متحجبة، ولا ترى رجلاً في وجهه لحية، فمن فضل الله المتحجبات الآن في مصر لا أعلم لحجابهن نظير على وجه الأرض، إلا نساء الصحابة، فأنا لم أر امرأة تلبس جلباباً يجر على الأرض ذراعاً إلا في مصر، ولا أقول شبراً، وجر الثياب بالنسبة للرجل حرام ولا ينظر الله إلى من جر ثيابه خيلاء، وما نزل عن الكعبين في النار. وانظر لعادات الناس في البلاد المتغطرسة المتكبرة، فالرجال تجر الثياب والنساء تقصرها إلى الركبتين بل إلى ما فوقها فسبحان الله!!. والمرأة يجوز لها أن تتحجب بحيث تستر رجلها ويستحب لها أن ترخي ثيابها شبراً فلما قال النبي ﷺ [أترخيه شبراً قالت امرأة: يا رسول الله، إذن تبدو قدمها، فقال: لترخيه ذراعاً ولا تزد] .

стр. 1591

(تحدث الشيخ عن أطماع الغرب في أن نقلده في كل شيء إلا في المرأة، وفوجئ بأن نساءنا قلدنه تقليداً لا مثيل له فوجه سهامه لهن وخطط لإشراكهن في ميادين الحياة العامة ما ينفعها ولما لا ينفعها ومنه ما يسمى بتطوع النساء للقتال والدفاع المدني وكيف صارت المرأة سلعة مبتذلة بسبب هذه المخططات ثم ذكر قول علي ﵁، شر خصال الرجل خير خصال المرأة، وأن المرأة تكون سلسلة مع زوجها نافرة عنيدة مع غيره.) وقبل أن ندخل في مبحث الشفاعة عندنا فائدتان: الفائدة الأولي: أنكر الخوارج والمعتزلة حوض نبينا ﵊، وحقيق بهم ألا يردوا ذلك الحوض وألا يشربوا منه. فقالوا: لا يوجد لنبينا ﵊ حوض ولا للأنبياء الآخرين ﵈ وحجتهم أن هذا لم يثبت في القرآن، وأمور الاعتقاد لابد من أن تكون في القرآن أو في حديث متواتر. نقول: أما أن الحوض لم يثبت في القرآن فنحن معكم، لكن قلنا: إن الأحاديث متواترة وقد رواها ما يزيد على (٥٦) وبلغت إلى (٨٠) صحابياً، فهي إذا لم تكن متواترة فلا يوجد متواتر إذن فيقولون: إنها ليست متواترة عندنا بل هي أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في الاعتقاد. وقد ضل الخوارج والمعتزلة ومعهم الشيعة في قاعدة خبيثة انتبهوا لها: أما الخوارج والمعتزلة فقالوا: كل حديث ورد في أمر الاعتقاد وليس له أصل في القرآن يطرح وهو مردود باطل.

стр. 1592

تقول لهم كلام النبي ﷺ يقولون لك يطرح ولا قيمة له، وهو باطل ولو كان في الصحيحين ولو أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول، ولذلك أهل المدرسة العقلية كالضال محمد عبده وأمثاله كما ذكرت لكم سابقاً هكذا يفعلون بالأحاديث، يقولون: آحاد ولا يؤخذ بها في الاعتقاد، فأحاديث نزول عيسى ﵇ مثلا ً– بلغت سبعين حديثاً وهي متواترة باتفاق المحدثين، يقول محمد عبده: "لنا نحو هذه الأحاديث موقفان: الأول: أن نقول هي آحاد فلا يؤخذ بها في الاعتقاد، الموقف الثاني، على فرض التسليم بثبوتها فنؤولها بأن المسيح الدجال هو رمز للدجل والخرافات وهي الجاهيلة التي كانت قبل بعثة خير البرية ﵊، والمسيح عيسى بن مريم رمز للنور والهدى وهو الإسلام الذي جاء وأزال الجاهلية، أما أنه سينزل عيسى ويقتل الأعور الدجال فيقول هذه خرافة!! لأن عيسى عندما أراد اليهود قتله هرب وذهب إلى الهند ومات هناك وقبره معروف هناك في قرية (سُرى نكر) واسم قبره (قبر عيسى الصاحب) والصاحب عند الهنود بمنزلة الشيخ في بلاد العرب وبمنزلة الخوجة عند الأتراك، وأما قول الله تعالى: (بل رفعه الله إليه) يقول رَفْعُه هو رفع مكانة لا مكان، وكأنه وضيعاً قبل ذلك!!!.

стр. 1593

وأما الشيعة فقد زادوا على الخوارج والمعتزلة ضلالاً فقالوا: الأحاديث إذا كانت متعلقة بأمر الاعتقاد أو بالأحكام العملية وليس لها أصل في القرآن فهي مردودة ٠إذن زادوا الأحكام العملية على الخوارج والمعتزلة، ولذلك الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في النكاح محرم إلا عند الشيعة فعندهم يجوز أن تجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها باتفاقهم، والحديث قد ثبت في مسلم وغيره [نهى النبي ﷺ عن الجمع بين أربع نسوة بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها] لكنهم يقولون لا وجود لهذا في القرآن ولتقرؤوا آية المحرمات من النساء (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم....) ولم يقل وأن تجمعوا بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، نعم وأن تجمعوا بين الأختين فقط فالجمع بين الأختين محرم ولا مانع أن يجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، والحديث لا قيمة له فهذا قد أثبت حكماً لا وجود له في القرآن نعوذ بالله من هذا الضلال، فهؤلاء الشيعة، هم أضل من الخوارج والمعتزلة بل هم أضل من فرق الأمة على الإطلاق، لو خلقهم الله طيراً لكانوا رَخْماً والرخم طائر أحمق لا يأكل إلا العذرة، ولو خلقهم الله بهائم لكانوا حُمُراً- جمع حمير-، وهكذا حال الشيعة لا عقل ولا نقل، وجمعوا الضلال الذي تفرق في الفرق بأسرها، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، إنما دخلوا كيداً للإسلام ومقتاً لأهله. الفائدة الثانية: روى ابن جرير في تفسيره عن ابن أبي نَجيح عن أمنا عائشة ﵂ أنها قالت: [من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليضع أصبعيه في أذنيه] . ضع أصبعيك في أذنيك الآن واسمع صوت الكوثر حقيقة كصوت الفرات عندما يجري، وقد جربتُ هذا مراراً. وهذا الأثر منقطع عن أمنا عائشة ﵂ فابن أبي نَجيح لم يسمع منها قال الإمام ابن كثير في تفسيره وقد روى ابن أبي نَجيح هذا الأثر عن رجل عن أمنا عائشة والرجل مبهم.

стр. 1594

وعلى كل حال فالأثر من حيث الإسناد ضعيف، وإذا ثبت عن أمنا عائشة فله حكم الرفع إلى نبينا ﵊ لأنه يتعلق بمغيب لا يدركه عقل الإنسان. وما أتى عن صاحب بحيث لا ... يقال رأياً حكمه الرفع على ما قال في المحصول نحو من أتى ... فالحاكم الرفع لهذا أثبتا فإذا قال الصحابي قولا ً لا يدرك بالرأي فله حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه. ومعنى الحديث _لو ثبت_ قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "ومعناه: أنه يسمع نظير صوت الكوثر ومثل خريره لا أنه يسمعه بنفسه". تم بحمد الله مبحث الحوض المبحث الثالث: مبحث الشفاعة: الشفاعة: مأخوذة من الشفع وهو خلاف الوِتْر والوَتْر وهو الفرد، فالشفع هو الزوج. والله وِتّر ووَتّْر، والشفع هي المخلوقات، هذا من جملة ما قيل فيه، فقوله تقال (والفجر وليال عشر والشفع والوتر) الواو واو القسم فالشفع قسم بالمخلوقات، والوتر قسم بنفسه . والشفع قيل: يوم النحر، والوِتر قيل: عرفة، هذا من جملة ما قيل لأن هناك أقوالا ً كثيرة. أنما هنا الشفع هو الزوج لأنه شفع غيره فصار زوجاً، والوتر انفراد بنفسه فهو فرد، وسمي الشفع شفعاً لأنه شفع الوتر أي صاحبه وانضم إليه فجعله زوجاً بعد أن كان فرداً. إلى هنا تم التصحيح ويحصل بالشفع – كما ترون – معنى الزيادة؛ لأن الوتر والفرد عندما زيد عليه مثله صار شفعاً فحصل فيه إذن معنى الزيادة. ومنه الشُّفعة – بضم الشين – وهي ضم الشفيع المبيع إلى مكله فيشفعه به، كأنه كان وتراً فصار زوجاً شفعاً، كما جاء في لسان العرب لابن منظور في مادة شفع (١٠/٥٠) ، وهو أكبر معاجم اللغة العربية.

стр. 1595

وصورة الشفعة: اشتركت أنا وأنت في بيت، ثم بعت نصيبي بمائة ألف درهم لغيرك فأنت لك حق الشفعة لتدفع الضرر عنك فتأتي وتقول لي شفعت في بيعك، أي ضممت بيعك إلى ملكي بمثل القيمة التي بعت بها نصيبك، فيفسخ البيع بيني وبين المشتري الغريب الذي ليس بشريك ويثبت لك كل البيت، وتدفع قيمة نصيبي، فإذن الشفعة ضمَّ الشريك المبيع إلى ملكه فصار ملكين وجزأين بعد أن كان جزءاً واحداً، وصار شفعاً بعد أن كان وتراً. المحاضرة العشرون ومعناها في الاصطلاح: طلب الخير للغير وفيها المعنى اللغوي. أي المعنى الاصطلاحي فيه المعنى اللغوي، فالشفيع عندما يطلب الخير من غيره يضم صوته وطلبه إلى طلب المشفوع له. فأنت تقول (رب اغفر لي) تطلب من الله المغفرة، ويجئ آخر فيدعو لك فيقول: (اللهم اغفر له وأجب دعواه) فهذه شفاعة، فكان السائل والطالب فرداً واحداً، وعندما طلبت أنت تحقيق طلبه صيّرته شفعاً وزوجاً وصار الطلب من جهتين من السائل لنفسه ومن الشافع. فالشافع إذن شفع السائل والطالب فصارا اثنين، فإذن شفع الشافع المشفوع له، وشفع الشافع المطلوب منه الشفاعة، حيث ضم الشافع رأيه إلى رأي من طُلبت منه الشفاعة فأنت ذهبت مثلاً إلى مدير تطلب منه حاجة، فأنا شفعت لك عنده فضممت صوتي إلى صوتك وصار الطلب من جهتين، وضممت رأيي إلى رأي المشفوع عنده. إذن شفعت للمشفوع له، وللمشفوع عنده، فأعطيت رأيي مع صاحب الحاجة وأعطيت رأيي مع من سيقضي هذه الحاجة، فشفعت لهذا وشفعت مع هذا. أما لهذا فطلبت قضاء حاجته. وأما ذاك فقد حرضته على قضاء حاجة الطالب فأنت شفعت لاثنين. أو تقول: شفعت الطالب والمطلوب منه، شفعت الطالب واضحة، وشفعت المطلوب منه أي الذي سيقضي حاجة الطالب.

стр. 1596

أو تقول: شفعت المشفوع له وشفعت المشفوع إليه، أو: شفعت المشفَّع والمشفِّع، فالمشفَّع هو طالب قضاء الحاجة والمشفِّع هو الذي سيقضي الحاجة، ولو ضربنا هذا مثلاً للخليقة مع ربهم جل وعلا، فالمشفِّع هو الله ، والمشفَّع هو رسول الله ﷺ ، أو غيره، فالرسول ﷺ [أول شافع وأول مشفَّع] . وقبل أن أنتقل إلى مباحث الشفاعة أحب أن أذكر مقدمة لها، وكل مباحثها تدور حول مبحثين فالشفاعة مطلوبة من المسلمين نحو بعضهم في الدنيا وفي الآخرة. يقول تعالى عن الشفاعة في الدنيا: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتاً) ، فقد حثنا الله تعالى في هذه الآية على الشفاعة الحسنة التي فيها قضاء مصالح العباد، وحذرنا من الشفاعة السيئة. وقد حثنا نبينا ﵊ أيضاً على الشفاعة في أحاديثه الكثيرة الصحيحة الثابتة، ففي الصحيحين والسنن الثلاثة أبي داود والنسائي والترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: [اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء] وفي رواية أبي داود [اشفعوا لي] أي في طالب الحاجة [لتؤجروا وليقضي الله على لسان نبيه ما شاء] . وهذه الشفاعة – كما قلت – ينبغي أن تكون في تحصيل الخير للغير في الدنيا والآخرة ولكن بشرط عدم تعطيل أحكام الله الشرعية، لأنك إذا شفعت في حد من حدود الله أو في إسقاط واجب أو استحلال محرم فهذه شفاعة محرمة وهي مضادة لله في حكمه، (قصة سرقة المخزومية والتي شفع فيها أسامة) والشفاعة في الدنيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- شفاعة حسنة مستحبة وتكون في: أالمباحات. ب المستحبات. ولها صور كثيرة ولا يعجزكم التمثيل لها فلو طلب شخص مباحاً من مسئول أو مستحباً، فامتنع عليه، فشفعت له من أجل قضاء حاجته وطلبه، فهذه شفاعة حسنة ومستحبة.

стр. 1597

وقد بوب البخاري عليه رحمة الله في كتاب الطلاق باباً بهذا الخصوص فقال: باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة. وزوجها هو مغيث، وحديثه ثابت في الكتب الستة، فقد كانت بريرة تحت مغيث وكانت أمة وهو عبد – على أرجح القولين – ثم اعتقت بريرة والتي أعتقتها أمنا عائشة ﵂ – وعندنا في الشريعة أن الأَمَة إذا كانت تحت عبد ثم أعتقت وصارت حرة فهي مخيرة إن شاءت أن تفارقه وإن شاءت أن تبقى معه، وإذا كانت تحت حر فاختلف في ذلك والجمهور يقولون بالتخيير وأبو حنيفة يقول بالتخيير سواء كان الزوج حراً أو عبداً. الحاصل أن مغيثاً كان عبداً فالنبي ﷺ قال لبريرة: أنتِ بالخيار ما لم يمسسك – أي يقربك – فقالت لا أريده يا رسول الله، وقالت لأمنا حفصة ﵂: هو الطلاق هو الطلاق هو الطلاق. فتشفع النبي ﷺ لمغيث لأجل أن تعود له بريرة، فقد كان مغيث متعلقاً بها وكان قبل أن يحصل الطلاق بينهما يتبعها في سكك المدينة وهو يبكي وراءها والدموع تسيل على خديه وعلى لحيته ويسترضيها فتأبى، فقال النبي ﷺ لعمه العباس: [ألا تعجب يا عمِّ إلى حب مغيث لبريرة وإلى كراهية بريرة لمغيث، ثم قال لها النبي ﷺ ، ارجعي إليه يا بريرة هو زوجك وأبو أولادك، فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا، إنما أنا شافع] أي ألتمس منك العودة إليه، [فقالت: لا أريده يا رسول الله، الطلاق الطلاق الطلاق] فطلقت منه وما اجتمعت به بعد ذلك. فهذه شفاعة مستحبة وقد شفع خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه في هذا الأمر لكن عنصر النساء عجيب، ووالله لو كنت مكانها لو كان ثوراً أسود لقبلته من أجل شفاعة النبي ﷺ وتطييباً لخاطره، وهل يقول النبي ﷺ كلمة وأردها؟ ! لكن هذا حال النساء.

стр. 1598

لكن مع ذلك انظر لإيمانها، فليس عندها نقص فيه، حيث أرادت أن تتحقق هل هذا أمر واجب أم لا؟ فهي تعلم قول الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) . وهذا الحديث يقول الحافظ ابن حجر: استنبط أئمة الإسلام منه (٣٠٠) فائدة، وأوجزها في فتح الباري وأشار إلى هذه الفوائد في الإصابة في ترجمة بريرة ﵂ وعن زوجها. ونسأل الله أن لا يعلق قلوبنا إلا به، وأنا حقيقة لا أتعجب من بريرة إنما أتعجب من مغيث فالنساء سواها كثير، وما عند هذه عند تلك، وعلام المشي وراءها والبكاء عليها! لكن هذا هو حال الضعف الإنساني، وصدق الله إذ يقول (وخلق الإنسان ضعيفاً) . رفع إلى ابن عباس ﵄ في يوم عرفات رجل قد صار كالفَرْخ من ضعفه ومرضه، فقال: ما به؟ قالوا: العشق، فبدأ ابن عباس ﵄ – في يوم عرفات – يستعيذ بالله من العشق حتى مغيب الشمس. قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبُه ... وإنما يصرع المجنون في الحين إن هذه الشفاعة الأولى الدنيوية مستحبة في مباحات ومستحبات وقولوا ما شئتم لها من أمثلة. ٢- شفاعة واجبة وتكون في: أ) تحصيل الواجبات. ب) دفع الظلم عن المؤمنين والمؤمنات. فإذا كان الطلب في أمر واجب ولأخذ حقه، أو كان الطلب لدفع الظلم عنه – وهو حق – فلم يجبه ولي الأمر لا في إعطائه حقه ولا في دفع الظلم عنه وأراد أن يوقع به عقوبة لا يستحقها أو أراد أن يمنعه حقاً هو له، وعلمت أنت بهذا فيجب عليك أن تشفع، لكن هذا الوجوب على حالتين، فهو فرض كفاية إن علمت وعلم غيرك ومنزلتك ومنزلتهم عند ولي الأمر سواء فيجب عليكم كلكم أن تشفعوا، فإذا قام البعض بتلك الشفاعة سقط الإثم عن الباقين كصلاة الجنازة.

стр. 1599

ويكون واجباً وجوباً عينياً إذا لم يعلم بحالة طالب الحاجة إلا أنت، أو علم غيرك أيضاً لكن أنت لك منزلة إذا شفعت بحيث تقضي حاجته ويُحصّل الواجب ويُرفع الظلم فهنا تعين الوجوب عليك وإذا لم تشفع فأنت آثم. الإمام الشافعي استدعاه – ذكرها ابن عبد البر في كتابه الانتقاء في تراجم الأئمة الثلاثة الخلفاء – هارون الرشيد فأحضر من مكة إلى بغداد مقيداً، فما خلصته إلا شفاعة عبد صالح، إنه محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، وذلك أن الشافعي زوِّر عليه أنه يريد أن يبايع رجلاً من آل علي لينقلبوا على العباسيين وبالأخص على الخليفة هارون الرشيد فجن جنونه فأرسل لإحضاره، فعلم بذلك محمد بن الحسن فاغتنم الغنم فتحين قدوم الشافعي فكان في مجلس هارون الرشيد، فلما دخل الشافعي عرّف محمدُ بن الحسن هارونَ بمنزلة الشافعيّ وبين له أن هذا من آل بيت النبي ﷺ وأن هذا إمام المسلمين....، ثم قال له هارون: يا محمد خذه إلى بيتك حتى يتبين لي الأمر، ثم ارتفع قدره (أي الشافعيّ) عند هارون بعد ذلك وأكرمه غاية الإكرام وأمر له بخمسين ديناراً. فلولا أن الله لطف بالشافعي بشفاعة محمد بن الحسن لطارت رقبته في مجلس هارون، ولو أن محمداً ما شفع للشافعي لشارك في إثم دمه لأنه يعلم قدره ومنزلته وعلم بحاله، فانتبه لهذا!! إذن هذه شفاعة واجبة.

стр. 1600

وأخبرنا بعض شيوخنا الشيخ عبد الرحمن زين العابدين عليه رحمة الله عن قصة جرت لبعض العلماء الصالحين في الزمن القديم، حاصلها أن افتُري على طالب علم فاستدعاه ولي الأمر، فلما جاء إليه أعلم هذا الشيخ الصالح أن طالب العلم الفلاني قد استدعاه ولي الأمر وقد يفتك به – وقد كان للشيخ منزلة عند ولي الأمر ومكانة وكلمة مسموعة – فسارع الشيخ إلى منزل ولي الأمر وكان عنده اجتماع وطال الاجتماع والشيخ لا يزال جالساً وكان محصوراً - يحبس البول – فلما خرجوا دخل على ولي الأمر وكان مشغولاً في الكلام فانفجرت مثانة الشيخ ومات في مجلس الأمير فقال الأمير: ماله، وما الذي طرأ عليه حتى جاءني وقد كان الأصل أن آتي إلى بيته فهذا الشيخ هو شيخ المسلمين في بلدتنا؟ فقالوا: بلغه أن طالب علم ادُعىّ عليه وأحضر إليك فخشي أن تفتك به فجاء ليُعرِّف له وليشفع له , وكان محصوراً وهو رجل كبير لا يمسك هذا، فانفجرت مثانته فمات، فقال الأمير: والله لو علمت لأعطيته حِجْري ليبول فيه، ولجئت إلى بيته لأقبل شفاعته. فهذه شفاعة واجبة لتوصل الحق إلى صاحبه ولتدفع الظلم عنه. وأنا أقول لكم من باب شكر أهل الشفاعات والفضل على شفاعاتهم فمن تحدث بالنعمة فقد شكرها ومن كتمها فقد كفرها، وصاحب الشفاعة يعلم الله أنه لا يريد التحدث بها ولما أخبرني بها قلت له جزاك الله خيراً، فقال: وأنت كذلك، ولكنني ما أخبرتك من أجل أن تثني عليّ أو من أجل المنة عليك، إنما أخبرك من باب إخبارك بما يصدر ممن يكيد لك، ولمكانتك عندي، ونسأل الله أن يكفينا شر كل ذي شر.

стр. 1601

هذا الشيخ صاحب الشفاعة هو عبد الله المصلح عميد كلية الشريعة وأصول الدين بأبها بجنوب السعودية، وقد عاشرته ما يقارب (١٢) سنة وجرى لي معه مواقف كثيرة، ومن جملتها الذي يتعلق بمبحث الشفاعة فقد أُرسِلَ مرة كتاب من بعض الضالين من لهم شأن إلى الجامعة وفيه: أنه يوجد في كلية الجنوب فلان – يقصدني – وهو ضال يضلل الطلاب ويفسد عقائدهم ... إلخ، فأرسل إليه كتاب بهذا الخصوص فلما ذهب الشيخ عبد الله المصلح إلى الرياض أطلعوه على الكتاب نفسه وفيه أن عندكم أستاذاً ضالا ً ووضعه كذا وكذا – فهنا الشفاعة واجبة ومتعينة أم لا؟ وبيان الحق والدفاع متعين أم لا؟ فقال الشيخ عبد الله لمدير الجامعة سبحان الله لا أعلم بم أجيبكم!! إذا كان الشيخ عبد الرحيم ضالاً فوالله إذن ما عندنا في كلية الشريعة وأصول الدين أحد مهتدي، وأولهم أنا عبد الله المصلح، ولذلك أرى أن تلغوا الكلية من أولها لآخرها. وبدأ يسرد لي بعض ما حصل وقال: لا أريد أن أذكر لك ما حصل، لكن من جملة كلامه أنه قال لهم، والله لا يوجد في هذه الكلية أستاذ إلا ولي عليه ملاحظة إلا فلان فهذا الذي يلاحظ علينا وينصحنا وأحيانا ينبهنا لأمور نحن نقصِّر فيها، وأنا لا أذكر مرة – وهذا كله من كلام الشيخ عبد الله المصلح – أنني نبهته على شيء، فاتقوا الله في أنفسكم، فهل هذا يتهم بمثل هذا الأمر الذي تذكرنه؟!.

стр. 1602

ولم يُنهِ الأمر إلى هنا مع أن الأوراق والشكوى قطعت في مكتب مدير الجامعة ورميت في سلة الأوساخ وقيل له: دعك من هذا الأمر، فلم يقبل وواصل متابعة القضية وقال أنا سأتابع الأمر فذهب إلى من زكى كتابه من كتب الشكوى، فقال له: هل تعرف فلاناً – أي الشيخ الطحان؟ فقال: ليس لي اطلاع على حاله على وجه التمام، لكن فلان وفلان الذين جاؤوا إليّ ثقات وقالوا لي إن هذا الشيخ يضلل ويفسد، لذلك يجب التخلص منه والحذر، فقال الشيخ المصلح له: ما رأيك فيّ؟ فقال: أنت يا شيخ عبد الله لا تدور حولك تهمة ولا نعرف عنك سوءاً، فقال له: والله لو طعنتم فيّ لكان هناك مجال للتصديق، وأما أنكم تطعنون في هذا الشيخ المسكين، والله لن يصدقكم أحد في الدنيا ولا في الآخرة فاتقوا الله واستحيوا منه وبعد كلام طويل قال هذا المسئول للشيخ عبد الله المصلح: هات كتاباً أكتب لك بالثناء عليه والتزكية له وأرد على كلامي السابق – وهذا الشيخ المسئول الذي زكى شيخ صالح لكن يُخدع أحياناً من قبل بعض الناس فقال الشيخ المصلح: لا أريد الآن تزكية، وما جئت الآن من أجل التزكية، لأن المسئول عنه في النهاية أنا ولا يمكن أن يُفعل معه شيء إلا بعد أخذ رأيي، فأنا الذي أدير الكلية ولم آت من أجله، لكنني جئت من أجل أن تتقوا الله في أمة محمد ﷺ ، وحتى لا يتكرر هذا منكم، فلا يأتيك شخص صاحب هوىً ويتهم بعض طلبة العلم بنقيصة ليست فيهم ثم تزكيهم وليس لهؤلاء الطلبة مدافع، ثم قال له في النهاية، هَبْ أنكم آذيتموه وفصلتموه من الكلية أتظنون أنكم بذلك قد ضررتموه، لا والله، إن هذا مؤمن وسيتولاه الله أينما كان وسيرفعه من عز إلى عز، ولن يخسر من فصله إلا كليتنا وسنكتسب الوجه الأسود في الدنيا والآخرة.

стр. 1603

أي افرضوا لو أن هذا الشيخ فُصِل، فهل إذا فصل يعني فصلت رقبته، وإذا فصلت رقبته هل حرم من الجنة أم ماذا جرى؟! ولو فصل من هذه الجامعة أفلا يوجد في هذه الدنيا مكان آخر فاتقوا الله وقفوا عند حدكم. فهذه الشفاعة تعينت عليه، فحقيقة لا يعلم بحالي على وجه التمام والكمال إلا هذا العميد ولا يعلم بهذه الشكاية إلا هو، فقلت له جزاك الله خيراً، فقال: والله لو لم أفعل هذا لأكبني الله على وجهي في نار جهنم، ولا تظن أن هذا الذي فعلته من باب المنة عليك إنما هذا تعين عليّ. وجاءت بعد ذلك تهمة وتطورت إلى بعض الجهات المسؤولة فقال لي من ضمن كلامه يا شيخ عبد الرحيم أنت نائم مع أهلك ولا تدري ما الذي يفعله لك وما الذي يحصل والله في وسط الليل أزج بنفسي من بيت إلى بيت ومن جهة إلى جهة، ويقول عندما يتصل ببعضهم: يا عباد الله اتقوا الله واستحيوا منه، والله أخشى أن يخسف الله بكم الأرض، إلى هذا الحد وصل بكم العنف والغلظة، فيقولون له: إنه يفعل كذا وكذا، فيقول لهم: استحيوا من الله يا جماعة فإن بعض ذلك مزوّر عليه ومفترىً وبعض ذلك لا حرج في فعله، وبعض ذلك حق وأنتم مخطئون. وبالنسبة لقضاء الحوائج واصطناع المعروف والشفاعات ألّف أئمتنا كتباً مستقلة في هذه المواضيع، من هذا ما وجد ضمن كتاب (أربعون حديثاً في اصطناع المعروف) للإمام المنذري صاحب الترغيب والترهيب وقد تكلم فيه عن الشفاعات وقضاء الحوائج، وإذا لم يوجد عندكم فانظروا في مجمع الزوائد (٨/١٩٠ - ١٩٥) لزاماً عند كتاب البر والصلة باب في قضاء الحوائج ويدخل في قضاء الحوائج الشفاعات لاسيما إذا كانت واجبة.

стр. 1604

من جملة ما ورد فيه – المجمع – من أحاديث: ما رواه الطبراني في الأوسط والصغير – وإسناده لا بأس به – عن أمنا عائشة ﵂، قالت قال رسول الله ﷺ : [من كان وصلة – واسطة – لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ (بلوغ) بر ٍ أو تيسير عسير أعانه الله على إجازة الصراط عند حفي الأقدام] . ولذلك أثر عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله أنه قال: "لكل شيء زكاة وزكاة المروءات الشفاعات" أي إذا كنت صاحب مروءة وجاه فزكاة هذا أن تشفع. ومنه ما رواه الطبراني في الأوسط بسند جيد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق كل خندق أبعد مما بين الخافقين] و (الخافقان) أي بين الأرض والسماء وبين المشرق والمغرب. وذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه (جامع العلوم والحكم) عند شرحه لحديث النبي ﷺ الثابت في صحيح مسلم [ ... والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ... ] ذكر قصة في هذا الموضوع فقال: "وبعث الحسن البصري قوماً من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مروا بثابت البناني - وكان من العباد – فخذوه معكم، فأتوا ثابتاً، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال قولوا له: يا أعمش، أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة فرجعوا إلى ثابت، فترك اعتكافه وذهب معهم" وقول الحسن هذا ورد في أحاديث لكن ضعيفة. المحاضرة الحادية والعشرون ٣- شفاعة محرمة مذمومة وتكون في أ) المكروهات. ب) المحرمات. (يصلح مثالاً لها قصة الشفاعة في المخزومية التي سرقت) . كشفاعة أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز، ثم تابت من شفاعتها، حيث قالت لعزة يقول كثيّر (الذي كان مغرماً بعزة) : قضى كل ذي دينٍ علمتُ غريمَه ... وعزةُ ممطول معنّى غريمها

стр. 1605

أي كل من عليه دين قضى صاحب الدين حقه إلا عزة فلم تقضي ديني، فقالت لها: ما هذا الدين الذي يقوله كثيّر وماذا له عليك من حق؟ فقالت عزة: كنت وعدته قبلة (عن طريق الحرام) فما طلته وما أعطيته ذلك، فقالت لها أم البنين: سبحان الله، أعطيه ذلك وما كان من إثم فعليّ. ثم ندمت بعد ذلك وتابت رحمها الله وعفا عنها، وأعتقت أربعين رقبة، وقالت ليتني خرست وما تكلمت بهذه الكلمة حيث شفَعتْ في أمر محرم. وانظروا القصة في صفة الصفوة (٤/٢٩٩) . فالشفاعة في المحرم والمكروه حرام. فهذا هو ضابط الشفاعة: الحسنة المستحبة، والحسنة الواجبة، والمذمومة المحرمة، والتمثيل لا يخفي عليكم بعد ذلك. والشفاعة الحسنة مطلوبة، والشفاعة السيئة مذمومة، وأكثر شفاعة الناس في هذه الأيام من الشفاعات المذمومة الملعونة ولا تجد من يشفع شفاعة حسنة إلا ما قلَّ وندر، وإذا طلبت منه شفاعة حسنة في تخليصك من ظلم أو بلاء يتعلل، وعندما يجب عليك حق شرعي أو تنتهك محرماً وستنزل بك عقوبة فما أكثر الشفعاء حينئذ وهذا هو الضلال عندما تضاد الشفاعة شرعية ذي العزة والجلال. فلنشفع في أمور لخير الدنيا، ونسأل الله أن يشفعنا في بعضنا في الآخرة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. وسنأتي الآن إلى مباحث الشفاعة. المبحث الأول: شرط حصول الشفاعة عند الله جل وعلا:

стр. 1606

تقدم معنا أن الشفاعة طلب الخير للغير من الغير، وقلنا إن الشفاعة فيها ضم الشفيع صوته إلى المشفوع إليه كما في ضم صوته إلى المشفوع له، والله جل وعلا فرد أحد ليس له شفيع ، فكيف ستحصل الشفاعة عنده؟ هل يعطي أحد رأيه لله كما هو الحال في ملوك الدنيا فهؤلاء تعطيهم رأيك وتضم رأيك إلى رأيهم؟ لا، الشفاعة عند الله تختلف عن سائر المعلوم من أنواع الشفاعات عند المخلوقين قاطبة، فهي شفاعة من نوع خاص لها شروط تميزها عن غيرها، فهذه الشفاعة لا تضم رأيك إلى رأي المشفوع عنده انتبه!! إنما أنت تشفع بعد أن يأذن لك ، وهل هذا هو حال ملوك الدنيا؟ فقد تشفع بما لا يريد وترغمه فينفذ شفاعتك لأنه وإن كان عنده رغبة ورهبة فهو أيضاً يرغب ويرهب ويقول أخشى أن يدبر هذا لي مكيدة أو أن يغتالني إن أنا رددت شفاعته. فهذه الشروط – التي سنذكرها – لننفي بها ضم الشافع صوته إلى المشفوع عنده وأنه لا أحدٌ يشفع الله فهو وتر وهو أحدٌ ليس معه نظير ولا أحد يضم قوله إلى قوله. ولذلك اتفق أهل السنة الكرام على أن الشفاعة لا تحصل عند ذي الجلال والإكرام إلا بشرطين: الشرط الأول: إذن الله للشافع بحصول الشفاعة منه. دل على هذا آيات القرآن الكثيرة منها: ? قوله تعالى في آية الكرسي سورة البقرة ٢٥٥ (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) . ? وقوله تعالى في سورة سبأ آية ٢٣ (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) . ? وقوله تعالى في سورة يونس آية ٣ (ما من شفيع إلا من بعد إذنه) . الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له بحصول الشفاعة له من الشافع فإذن أذن للشافع بأن يشفع، وليس هذا إذن مطلقاً، بل يُحِدّ له حداً أو يسمي له جماعة أو فرداً، فيقول اشفع لهذا بدخول الجنة، إذن هذا بتخصيص الله ومشيئته وإرادته. س: لم أشفع، وقد حَدَّه لي وليس على اختياري مطلقا؟

стр. 1607

جـ: لينيلني الأجر عندما أشفع (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) ، وليحصل مزيد حب وود بيني وبين المشفوع له، وبالتالي يحصل مزيد ربط بين قلوب المؤمنين وقد كان نبينا ﵊ يفعل هذا في الدنيا فكانت إذا عرضت عليه حاجة يؤخر قضاءها ليشفع الصحابة ثم يقول لهم – ما قلت لكم – [اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء] ، فالرسول ﷺ سيقضي الحاجة لكن إن قُضيت بعد شفاعة فالمستفيد هو أنتم حيث سيحصل الربط فيما بينكم وتقضى الحاجة مع ذلك، فقضاء حاجة بلا شفاعة أنزل من قضائها بعد شفاعة، فهناك تكثير الخيرات من عدة جهات وهذا ما يحرض عليه النبي ﵊. لذلك قلت لكم ندبنا إلى شفاعة في الدنيا والله يشفعنا في بعضنا في الآخرة، إذن يحدد الله المشفوع له، ويأذن للشافع بحصول الشفاعة منه لهذا المشفوع له. دل على هذا قول الله جل وعلا في سورة الأنبياء في الآية (٢٨) : (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) . وقد جمع الله الشرطين في آيات كثيرة من كتابه: ١) منها سورة النجم آية (٢٦) : (وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يساء ويرضى) . ٢) وهكذا في سورة النبأ آية (٣٨) يقول الله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن) . فهذا هو الشرط الأول (وقال صواباً) أي أذن له ولم يتكلم بعد ذلك على حسن رأيه ويشفع لمن يريد دون إذن ربه بحصول الشفاعة له فلا يتكلم إلا على حسب ما يحدد له، والصواب هو رضا الله عن المشفوع له بحصول الشفاعة وهذا هو الشرط الثاني. ٣) وقال ربنا جل وعلا في سورة طه آية (١٠٩) : (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولاً) وهذا كقوله تعالى (أذن له الرحمن وقال صواباً)

стр. 1608

إذن لا بد من هذين الشرطين إُذنُ الله للشافع ورضاه عن المشفوع له لحصول الشفاعة له، وعليه فمرد الأمر لله جل وعلا فهو خالق الشفاعة وموجدها وهو الآذن لبعض الناس بالشفاعة لمن يشاء ويريد ويرضى ، ولذلك لا تطلب إلا منه أن يشفع فينا الصالحين من عباده فهو على كل شيء قدير. يقول الله تعالى مقرراً هذا في سورة الزمر آية ٤٣ و ٤٤: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء، قل: أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون) ، فلله الشفاعة جميعاً من بدايتها إلى نهايتها فهو الذي يأذن للشافع وهو الذي رضي عن المشفوع له بحصول الشفاعة له، إذن مردها إلى الله جل وعلا، نسأل الله أن يرحمنا وأن يشفع فينا نبينا ﵊ والصالحين من عباده إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. إشكال وجوابه: إن قيل: وردت آيات في القرآن الكريم ظاهرها يشعر بنفي حصول الشفاعة يوم الدين، فكيف سنوفق بينها وبين الآيات التي أثبتت الشفاعة في ذلك؟ ومن هذه الآيات: ? قول الله جل وعلا في سورة البقرة - وسأقتصر على هذه السورة فقط - آية ٤٨ (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم يُنصرون) . ? وقوله تعالى في آية ١٢٣ من السورة نفسها: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) . ? وقوله تعالى في الآية ٢٥٤ (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أي يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) . إذن هذا اليوم ليس فيه شفاعة، وقد مرت معنا الآيات بثبوت الشفاعة وحصولها، فما التوفيق بين الأمرين؟

стр. 1609

الجواب: أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة الشركية التي يدعيها المشركون لآلهتهم وطواغيتهم من البشر أو الحجر أو البقر أو الشمس أو القمر وغيرها حيث كانوا يزعمون بأنها ستشفع لهم يوم القيامة، فإن هؤلاء لا تحصل لهم الشفاعة والشفاعة منتفية عنهم، وقد وضح هذا آيات القرآن (١) يقول الله تعالى في سورة المدثر – وانتبه لسياق الآيات – (كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين) فما هي النتيجة؟ (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) التي كانوا يدعونها لآلهتهم، ويفترون ويزعمون أن آلهتهم ستشفع لهم، فهذه الشفاعة الشركية لا تنفعهم وهم مشركون لا تنفعهم شفاعة. إذن (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين) ، وما المراد بأصحاب اليمين؟ قيل: هم من يأخذ كتابه بيمينه. وقيل: هم الملائكة المقربون. لكن التفسير الدقيق الوارد في هذا عن صحابيين – ولذلك حكم الرفع – عن علي وعن ابن عمر ﵃ أجمعين، عن علي في المستدرك بسند صحيح، وعن ابن عمر في تفسير ابن المنذر بسند صحيح: [ (إلا أصحاب اليمين) إلا أولاد المسلمين الذين ماتوا قبل أن يبلغوا] قبل أن يجري عليهم القلم. وهذه إحدى آيتين في القرآن تدل على أن أولاد المسلمين في الجنة إذا ماتوا قبل التكليف والآية الثانية في سورة الطور آية رقم (٢١) وستأتي ص (٢٥٦) وهذا هو المقرر عند أهل السنة والجماعة، فإذا مات ولد من أبوين مسلمين أو من أحد أبوين مسلمين قبل أن يبلغ فهو في الجنة. وفي هذه الآية قرينتان على أن هذا التفسير هو المعتمد – وإن كان التفسيران الآخران يمكن أن يدخلا في الآية – ولكن هذا هو المعتمد وأقوى من غيره لقرينتين هما: القرينة الأولى:

стр. 1610

قوله (رهينة) فإن معناها: مرتهنة ومحبوسة لتحاسب على عملها، فإن كان خيراً أثيبت وإن كان شراً عوقبت، لكن عندنا صنف ليس عنده ما يرهن عليه ويحبس من أجله فلم يعمل خيراً أو شراً ولم يجر القلم عليه، إذن فكل نفس مرتهنة بعملها إلا هؤلاء فليس عندهم عمل، ولذلك أولاد المسلمين في الجنة بمجرد موتهم [وصغارهم دعاميص الجنة] كما ثبت في مسلم عن نبينا ﵊ والدعاميص جمع دعموص وهي دودة لا تفارق الماء والولد الصغير بمجرد أن يموت لا يفارق الجنة، والدعموص أيضاً هو الذي يُكثر زيارة الملوك والأمراء فلكثرة زيارتهم ومخالطتهم لهم يدخل عليهم بغير استئذان، وهؤلاء دعاميص يدخلون ويسرحون حيث يشاءون ولا يمنعهم منها مانع وفلا يقيدون ويحاسبون. القرينة الثانية: قوله (يتساءلون) لأن سؤالهم هذا سؤال غرٍ جاهل سؤال من لا يدري الحقائق ولا ما جرى في عرصات الموقف، فهؤلاء – أي أصحاب اليمين الذين يتساءلون – لو شهدوا الحساب في عرصات الموقف وحضروا الميزان وأن هؤلاء ثقلت موازينهم فهم في عيشة رضية وهؤلاء خفت موازينهم فأمهم هاوية لو حضروا هذا لما سألوا هذا السؤال، فهو معلوم لديهم لأنهم حضروه، لكنهم لم يحضروا ولم يُحبسوا إنما دخلوا الجنة دون محاسبة ودون تقييد ورَهْن. الشاهد هنا أنه (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) الشفاعة الشركية هي المنفية.

стр. 1611

٣) وهكذا يقول الله في سورة الشعراء آية (١٠٠) : ( ... فمالنا من شافعين ولا صديق حميم) فالشفاعة المنفية هي حصول الشفاعة للآلهة وقد ذكروا قبل هذه الآية بثماني آيات وأيضاً قال في آية (٩٦) من هذه السورة (قالوا وهم فيها يختصمون، تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين، وما أضلنا إلا المجرمون، فمالنا من شافعين ... ) إذن يسوون آلهتهم برب العالمين ويجعلونهم أنداداً له، وعدلاً ومثلاً له، يعبدونهم كما يعبدون الله، فهؤلاء لا تحصل لهم الشفاعة والله جل وعلا يقول: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم) أي جعلتموهم نظراء وعدلاً له، فسموهم وانعتوهم فماذا فيهم من صفات يستحقون أن يكونوا بها آلهة، هل خَلقوا أم خُلقوا؟ هل يملكون لغيرهم ضراً أو نفعاً أو يملكون هذا لأنفسهم؟!! كل من عدا الله مخلوق مقهور مربوب مسير في الحياة والموت والرزق رغم أنفه مخير في ما عداها جاء إلى الدنيا على غير اختياره وسيخرج منها على غير اختياره، في الصورة التي على غير اختياره، إذن فكيف يستحقون أن يكونوا آلهة مع الله أو من دون الله؟!!. ٤) وهكذا يقول الله في سورة غافر آية (١٨) (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) . ٥) وقال جل وعلا في سورة الأنعام آية (٩٤) : ( ... وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء....) . ٦) وقال جل وعلا في سورة يونس آية (١٨) : (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض، سبحانه وتعالى عما يشركون) . فالشفاعة المنفية هي الشفاعة الشركية التي تقع بغير إذن الله وبغير رضاه عن المشفوع له، وهذه كان الضالون يدعونها لمعبوداتهم وما أكثر من يدعيها من المسلمين لطواعيتهم الذين يعكفون حولهم.

стр. 1612

وهناك قصة لبعض الضالين في بلاد الشام من الصوفية المخرفين الذين يتبعون شيخاً ضالاً يقول لهم: أولادي لا تخافوا، فإذا صار يوم القيامة أضعكم في رقبتي كما تضع المرأة القلادة في عنقها، ثم أمر من فوق جهنم فأطير إلى الجنة، وتلامذته ينقلون هذه القصة عنه ويبتهجون ويفرحون ويقول: نحن سيشفع لنا هذا الشيخ العظيم، فقلت لواحد منهم عندما كلمني: وإذا سقط شيخك في جهنم، فكيف سيكون حالكم؟ ووالله إذا لم يرجع عن اعتقاده هذا سيسقط رغم أنفه ما دام يدعي هذا الأمر الذي يحاد ويضاد به الله: ألم يسمع قول النبي ﷺ : [يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئاً، اعملي] . [يا عباس يا عم النبي، لا أغني عنك من الله شيئاً، اعمل] . [يا صفية سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً] . هذا يقوله النبي ﷺ مع أنه سيد الشافعين المشفعين والشفاعة له ثابتة بإجماع أهل السنة ودلت عليها النصوص الصحيحة الثابتة، ومع ذلك يقول كَوني سأشفع لهذا أو لهذا هذا مرده إلى الله جل وعلا!!. ولذلك في صحيح مسلم [لما جاء ربيعة بن كعب الأسلمي إلى النبي ﷺ وكان دائماً يحضر للنبي ﷺ وضوءه ليتوضأ منه، فقال له ذات يوم لما أحضر له وضوءه: سلني فقال ربيعة: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال أَوَغير ذلك؟ فقال: هو ذاك يا رسول الله فأطرق النبي ﵊ يقول ربيعة – وظننت أنه يوحى إليه – ثم رفع فقال إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود] ، نعم ما سأل ربيعة وهذه هي همم النفوس العالية.

стр. 1613

فهنا النبي ﷺ لم يقل له من أول الأمر شيئاً لا أملك ولا لا أملك بل سكت فهولا يستطيع أن يتكلم من عنده، فهذا ليس في وسعه، فقال له، ألا تريد شيئاً آخر أستطيع قضاءه لك بنفسي؟، فقال: هو ذاك ولا أريد غيره، إذن فتحتاج المسألة إلى استئذان الله وانتظار الجواب منه، فأطرق الرسول ﷺ رأسه ونزل عليه الوحي، فلما رفع رأسه قال لربيعة: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود فهذا شرط لا تفرط فيه حتى تكون في درجتي إن شاء الله في جنات النعيم. المبحث الثاني: أنواع الشفاعات يوم القيامة: مجموع الشفاعات ثمانية أربعة منها خاصة بنبينا ﵊ والأربعة الأخرى مشتركة بينه وبين غيره من أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم ومن الملائكة والصالحين من عباده. أما الشفاعات الخاصة بنبينا ﵊: ١- الشفاعة العظمى: ويقصد بها: الشفاعة لأهل الموقف قاطبة من إنس وجن وحيوانات، ليحاسبهم رب الأرض والسموات، فحتى الحيوانات ستنالها هذه الشفاعة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وتكون نتيجة حسابها أن تكون تراباً لكنها مجموعة ليقضي الله للجماء من القرناء، وليظهر العدل الإلهي على أتم وجه، فيجتمعون في ذلك الموقف العصيب الرهيب، ولا يقضي بين هذه المخلوقات إلا بشفاعة خير البريات عليه صلوات الله وسلامه. وقد تواترت الأحاديث بذلك، وفيها:

стр. 1614

(أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وتدنو الشمس من منهم ويتصبب منهم العرق ويطول هذا الجمع ويبلغ الغم والكرب بالناس ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تظنون من يشفع لكم عند ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم فيذهبون إليه ويقولون: [يا آدم اشفع لنا عند ربك، فيقول لست لها] أي لا أبلغ هذا المقام وهذه الرتبة ليست لي، ثم يقول [إن ربي قد نهاني عن الشجرة فعصيته اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض] وكان بين نوح وبين آدم عشرة قرون كلهم على التوحيد، كما ثبت هذا في المستدرك بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊. والمراد من القرن: قيل مائة سنة، وعليه تكون المدة بينهما ألف سنة. وقيل المراد بالقرن مدة فناء جيل من الأجيال، وكان كل جيل يعيش ألف سنة فأكثر، فالألف تضرب في عشرة يصبح المجموع عشرة آلاف سنة بين نوح وآدم والله أعلم أيهما المراد.

стр. 1615

[فيذهبون إلى نوح ويقولون اشفع لنا إلى ربك فأنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض فيقول: لست لها، ويذكر سؤاله لربه ما ليس له به علم] وهذا وراد في قوله تعالى (رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال: يا نوح إنه ليس من أهلك) أي ليس من أهل ملتك وليس على دينك، وليس المراد أنه ليس من أولادك فهو ابن حرام كما توهم هذا بعض سفهاء الأنام حيث يقولون هذا ليس من أهلك أي ليس بولدك وإنما ولد على فراشك فامرأتك خانتك فيه، هذا كلام باطل وما بغت امرأة نبي قط، وزنا الزوجة منقصة في حق الزوج، فإن قيل قد تكون الزوجة كافرة، نقول: لا حرج لأن الكفر ليس بتعيير عند أهل الأرض وليس بمنقصة في حق الزوج بخلاف العهر، فهو – أي العهر – منقصة عند الكفار وعند المؤمنين بل عند الناس كلهم هو مذموم ولذلك القوانين الوضعية الوضيعة في هذا الوقت أباحت الزنا إلا زنا الزوجة، وعند النصارى لا يوجد طلاق إلا إذا ثبت أن الزوجة زنت فعند ذلك للزوج أن يطلقها. الشاهد أنَّ زنا المرأة طعن في زوجها ومعنى ليس من أهلك أي ليس من أهل ملتك وليس على دينك.
следующие страницы →