← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وقد ثبت في مسند الإمام أحمد بسند حسن عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال [إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، ثم تلا (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان.....) ] وهذه هي الآية الثانية التي تدل على أن أولاد المؤمنين في الجنة وتقدمت معنا الآية الأولى ص٢٢٥ وهي (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين) . ويقول الحافظ بن حجر عن الحديث الذي في مسند الإمام أحمد المتقدم وهذا خير ما فُسِّرت به الآية، والإمام الشافعي مال إلى أن أولاد المؤمنين في الجنة ورجحه في أحكام القرآن، وعدد من الأئمة واستدلوا بهذه الآية على أن أولاد المؤمنين الصغار في الجنة. ونحن نقول: الأمران، فالأولاد مع أبويهم إذا لم يبلغوا التكليف، والذرية تكون مع آبائهم إذا كانوا كباراً أيضاً إذا لم يؤهلهم عملهم لارتفاع درجتهم إلى درجة الأبوين، أو العكس، فقد يكون الأولاد في درجة أعلى من الآباء، فيرفع الله الآباء إلى درجة الأبناء، وهكذا الزوجين، ليكتمل السرور والأنس كما قال النبي ﷺ [لتقرَّ بهم عينه] ، والعلم عند الله. ٢- الشفاعة في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم بدخول الجنة: من رجحت حسناته على سيئاته: يدخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته: يدخل الجنة حتى يطهّر ويعذب ما لم تكن السيئة شركاً فلا ينفعه شيء من حسناته حينئذ بل يخلد في النار (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، من استوت حسناته وسيئاته: المعتمد أنه يحبس على الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار.

стр. 1647

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في بيان المراد بأهل الأعراف، وكلها قريبة ترجع إلى معنىً واحد، وهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم، فما عندهم ما يدخلهم الجنة وما عندهم ما يدخلهم النار ويرجح إحدى الدارين في حقهم، فيسجرون على الأعراف، ثبت معنى هذا عن ابن عباس وابن مسعود وعن غير واحد من السلف"، وهذا القول هو الراجح المعتمد من اثني عشر قولاً قيلت في بيان المراد بأهل الأعراف. فيحبسون على سور بين الجنة والنار – كما ذكرنا – وفي نهاية الأمر سيدخلون الجنة بفضل الله ورحمته ثم بتشفيع الله للصالحين من عباده فيهم فيشفعون لهم ويدخلون. وقد أشار الله جل وعلا إلى أنهم سيدخلون الجنة في كتابه إشارةً لطيفة ظريفة فقال جل وعلا (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) هذا هو الشاهد (لم يدخلوها وهم يطمعون) . قال أئمتنا: ما أطمعهم الله في دخولها إلا وهو يريد أن يدخلهم، ومعنى الآية أي جعل في قلبهم هذا الطمع وهذا الرجاء وسيحقق الله لهم ذلك، ثم قال تعالى (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) فهنا دعوا الله ألا يجعلهم مع هذا الصنف، أما إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب الجنة يتمنون ويطمعون أن يكونوا فيها مع أهلها. خلاصة الكلام: أهل الأعراف هم من استوت حسناتهم وسيئاتهم يشفع لهم النبي ﷺ وغيره من أنبياء الله ورسله والصالحين من عباده. ٣- الشفاعة لقوم من العصاة قد استوجبوا دخول النار لرجحان سيئاتهم على حسناتهم ألا يدخلوها: فيشفع لهم النبي ﷺ أو الصالحون من عباد الله بعد إذن الله لهم ورضاه عن المشفوع فيه، فيشفع الله الشافعين ويمنع هذا الإنسان من دخول نار الجحيم.

стр. 1648

دليل هذا: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه أيضاً وأبو داود والدارمي – والحديث قال عنه الترمذي غريب، وغرائب الترمذي لا تسلم من مقال فهي ضعيفة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [لقارئ القرآن إذا أحل حلاله وحرم حرامه أن يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار] ، وورد عن علي أيضاً بلفظ آخر مرفوعاً [من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب النار] ، وهو ضعيف أيضاً. والحديث ورد له شاهد يقويه، رواه الطبراني في الأوسط انظر مجمع الزوائد (٧/١٦٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ – وهو ضعيف أيضاً فيه جعفر بن الحارث وهو ضعيف لكن يتقوى الضعيفان ببعضهما ولا ينزل هذا الحديث عن درجة القبول إن شاء الله – عن نبينا ﵊ قال: [لقارئ القرآن إذا أحل حلاله وحرم حرامه أن يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار] . فإذ قرأ القرآن ثم أتى بشيء آخر حتى لا يكون من القراء الفسقة فأحل حلاله أي فعل الحلال معتقداً حله، وحرّم حرامه أي ترك الحرام معتقداً تحريمه، فهذا له جزاء عظيم عند الله يدخله الجنة ثم يشفعه في عشرة من أهل بيته وقرابته ممن استوجب دخول النار لرجحان سيئاته على حسناته فيشفع لعشرة منهم فيدخلون الجنة، والحديث كما قلت لا ينزل عن درجة القبول لأنه لا يوجد في رواتهما أحد كذاب أو متروك أو منكر الحديث، بل في رواتهما ضعف دون ذلك والضعف اليسير يزول بتعدد طرق الحديث، والعلم عند الله. المحاضرة الخامسة والعشرون ٤- الشفاعة فيمن دخل النار بالخروج منها: من دخل النار استحق أن يمكث فيها فترة طويلة فيشفع له الشافعون فيخرجه الله منها قبل أن تتم مدة عذابه.

стр. 1649

دليل هذا ما ثبت عن نبينا ﵊ أنه قال: [شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي] والحديث صحيح بل هو مستفيض ودرجة الاستفاضة دون المتواتر وفوق المشهور. الحديث: ١) ثبت عن أنس بن مالك ﵁ في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وأبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم. ٢) وثبت أيضاً من رواية جابر بن عبد الله في سنن الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد ومستدرك الحاكم. ٣) وثبت أيضاً عن ابن عمر ﵁ في مسند أبي يعلى والسنن الكبرى للبهيقي لابن أبي عاصم ومسند البزار. ٤) وروي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أيضاً. ٥) وعن كعب بن عجرة. ٦) وعن عوف بن مالك ﵃ أجمعين. وهذه الشفاعة شاملة لمن استوجب دخول النار ألا يدخلها، ولمن دخلها أن يخرج منها، فهي إذن شاملة للنوع الثالث والنوع الرابع. وستأتينا أحاديث تنص على إخراج أهل الكبائر من النار. إذن هذه أربع شفاعات عامة مشتركة. فائدة: خالف أهل البدع من المعتزلة والخوارج في مبحث الشفاعة وكان خلافهم في بعض أنواع الشفاعات المتقدمة، أما الشفاعات الخاصة فلا خلاف فيها، وأما الشفاعات العامة ففيها شفاعة واحدة لا خلاف فيها وهي الشفاعة الأولي بأن أهل الجنة يشفعون لذريتهم. فبقيت ثلاث شفاعات خالف فيها المعتزلة والخوارج وهي: ١- الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته. ٢- ومن استوجب دخول النار. ٣- ومن دخلها. فقال الخوارج والمعتزلة: من لقي الله بكبيرة، لم يتب عنها فيجب على الله أن يعذبه ولا يجوز أن يغفر له، وإذا عذبه فهو مخلد في نار جهنم لا يخرج منها. أما الخوارج فقالوا: إن فاعل الكبيرة كافر وبالتالي فهو مخلد في النار. وأما المعتزلة فقالوا: إن فاعل الكبيرة في منزلة بين منزلتين، أي ليس بمؤمن ولا كافر لكن مخلد في نار جهنم.

стр. 1650

إذن الحكم الأخروي متفقون عليه وهو الخلود في نار جهنم، لكن الحكم الدنيوي اختلفوا فيه، فأولئك تجاسروا على إطلاق الكفر عليه وأما هؤلاء فتهيبوا من إطلاق الكفر عليه فقالوا في منزلة بين منزلتين وهذا القول الذي قرره الخوارج والمعتزلة باطلٌ لأربعة أمور: ١) تواترت الأحاديث عن نبينا ﵊ بخروج عصاة الموحدين من نار جهنم بعد أن يعذبوا فيها فترة من الزمان. ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال: [يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ ثم يقول الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان] . وثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال: [يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه بُرَّة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذَرَّة من خير] . (بُرَّة) البرة هي حبة القمح والحنطة وهي تكون أخف وزناً من حبة الشعير، لأن قشرة الشعير غليظة وسميكة فلها وزن بخلاف قشرة الحنطة، يضاف إلى هذا أن حبة الشعير أطول من حبة الحنطة، وورد بدل لفظ (خير) في الألفاظ لفظ (إيمان) . وصحّف أبو بِسطام شعبة بن حجاج أمير المؤمنين في الحديث، صحّف اللفظ الثالث (ذرَّة) إلى (ذ ُرَة) أي حبة الذرة فقد اشتبه عليه الأمر ﵀ لما وردت حبة الشعير وحبة القمح فظن أن الذرّة هي الذ ُرَة لأن رسم كتابتها واحد، والتشكيل هو الذي يختلف وإذا أخطأ المحدث خطأً يسيراً فلا يضره هذا ولا ينزله عن أعلى درجات الحفظ، ولا يعصم أحداً من خطأ، ﵀.

стр. 1651

و (الذرَّة هي أقل شيء يوزن، هذا قول، وقيل: هي الهباء الذي يخرج ويتطاير عندما تسطع أشعة الشمس، وخصوصاً إذا سطعت الشمس داخل حجرة فإنه يُرى بشكل واضح) . وقال ابن عباس هي أن تضع يدك على التراب ثم تنفخها فالذي يتطاير من يدك من ترابٍ هو الذرات. وقيل: وهو القول الرابع – المراد من الذرّة النملة الصغيرة، وهي دون البرّة في الوزن. إذن من قال لا إله إلا الله وعمل من الكبائر ما عمل وعنده وزن شعيرة من خير، برة من خير ذَرَّة من خير فيخرج من النار إلى الجنة. وثبت في مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى – انظر المجمع (١٠/٣٨٤) عن أنس ﵁ – والحديث فيه ضعف يسير وله شواهد كثيرة تجبره إن شاء الله وتقويه – عن نبينا ﵊ أنه قال: [إن عبداً لينادي في النار ألف سنة يا حنان يا منان] أي ألطف بي ومنّ عليّ بالخروج من هذه الدار الخبيثة [فيقول الله لجبريل ﵇: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى ربه فيخبره] أنه نظر في أهل النار فلم يميزه عن غيره ولم يعرفه [فيقول الله جل وعلا: ائتني به فإنه في مكان كذا وكذا، فيجيء به، فيوقفه على ربه ، فيقول: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك] أي المكان الذي استقررت فيه وتنام فيه [فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل، فيقول: ردوا عبدي فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذا أخرجتني أن تعيدني فيها، فيقول: دعوا عبدي] . الشاهد من هذا كله: أنه تواترت الأحاديث بخروج أناس من النار، وقد تواترت أحاديث كثيرة أن ذلك الخروج يكون أيضاً بشفاعة الشافعين، كما يكون برحمة رب العالمين، ومن تلك الأحاديث:

стр. 1652

ما ثبت في صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي عن عمران بن حصين ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال: [يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين] أي: نسبة إلى الدار التي كانوا فيها وهي جهنم، ويسمون الجهنميين في البداية عندما يدخلون فيقال هؤلاء الجهنميين ثم بعد ذلك يصب عليهم أهل الجنة من ماء الجنة فيذهب عنهم القَتَر والسواد ويصبحون كأهل الجنة في النعيم والبهجة والسرور. وثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: [يخرج قوم من النار بالشفاعة كأنهم الثغارير] وضبط بالعين المعملة: الثعارير [فقيل وما الثعارير؟ فقال: الضغابيس] وهي صغار القثاء، وهي التي تشبه الخيار لكن تكون معكوفة في الغالب وملتوية، وهي من أنواع الخضار ومن فصيلة الخيار، وتسمى قتة في بلاد الشام، وتسمى في الإمارات فقّوس. أي يخرجون من النار وفيهم هذا الذل، وهذا الامتهان وهذا الاحتراق بحيث أن أبدانهم صارت بهذا الحجم من ضمورها وهزالها، فذهبت صحتهم حتى صار الواحد منهم كأنه صغار القثاء، ثم يخرجون من النار بالشفاعة كما يقول النبي ﷺ . يقول مفتي عمان في كتاب الحق الدامغ صـ ١٩١: "وعقيدتنا معشر الأباضية أن كل من دخل النار من عصاة الموحدين والمشركين مخلدون فيها إلى غير أمد" قلت: هل يستقيم هذا في رحمة أرحم الراحمين أن يجعل المؤمن الموحد الذي له حسنات أكثر من الجبال عدداً ووزناً كأبي جهل، كيف سيسوي الله من وحده بمن جحده وألحده؟!!. ثم يقول: "كما أن من دخل الجنة من عباد الله الأبرار لا يخرجون منها"!! ما هذا المقياس مع الفارق الكبير فأولئك دخلوا الجنة ولا يخرجون منها، وأما هؤلاء فعلى حسب أعمالهم فيدخلوا النار من أجل أن يطهروا وينقوا من الذنوب.

стр. 1653

ثم يقول: "إذ الداران دار خلود"!!! نحن لا نقول إن النار تفنى، بل هي دار خلود لكن في حق من يخلد فيها، لكن هذا هو التلاعب بالحقائق!!. يقول: "ووافقنا على ذلك المعتزلة والخوارج على اختلاف طوائفهم"، أي وافقهم في أن من دخل النار لا يخرج منها، سبحان الله!! هلا كان من وافقك هم أهل السنة والجماعة!!! ثم يقول: "وإنما خالفنا الخوارج من حيث إنهم يحكمون على كل معصية تؤدي إلى العذاب بالشرك المخرج من الملة، فخالفوا بذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة"!!! وأنت ماذا خالفت يا مفتي!!. نحن الآن في موضوع خروج عصاة الموحدين من النار في هذا المبحث المختصر ذكرنا (٥) أحاديث فقط وقلنا الأحاديث متواترة، فكيف تخالف هذا؟!!! وإذا كان الخوارج قد حكموا على فاعل الكبيرة بالكفر والله إنهم لأعقل منك عندما حكمت عليه بالإيمان وقلت إنه مخلد في النيران، ولذلك هم يقولون: إن تخليد العصاة في النار هذا دليل على أنهم كافرون، فإذن هم يقولون بكفرهم وخلودهم، فكلامهم مستقيم مع بعضه وإن كان ضلالاً وباطلاً، وأما كلامك يا مفتي ففيه سفاهة من وجهين: أولا: إن كلامك باطل من ناحية الشرع. ثانيا: أنه يناقض بعضه بعضاً فإنك تقول هو مؤمن وهو مخلد في النار، كيف هذا؟!! ولا يخلد في النار إلا الكفار. ثم إنك خالفت الخوارج في هذه الجزئية لكنك وافقت المعتزلة، حيث يقولون: لا نكفره لكن نحكم عليه بالخلود في النار، إخوتي الكرام ... هذا قول باطل فاحذروه. إذن تواترت الأحاديث بخروج أقوام من النار بالشفاعة بعد دخولها. ٢- تواترت الأحاديث أيضاً بأن من لقي الله على التوحيد وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه في هذه الحياة ثم مات مآله إلى الجنة، إذا لم يأت بما ينقص إيمانه من مُكَفِّر أو ردة.

стр. 1654

أما المعاصي فلا تعتبر كفراً ولا ردة، لأنها لو كانت كذلك لما رتب الشارع عليها حدوداً مقدرة، فالزاني مثلاً يجلد ولو كان الزنا كفراً لقال الشارع: اقتلوه. وقد أجمع الصحابة على أن مخالف المأمور أو مرتكب المحظور ليس بكافر، والنبي ﷺ يقول: [لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المفارق لدينه التارك للجماعة] والحديث في الصحيحين، إذن فكيف نستحل دم إنسان مسلم إذا لم يفعل أحد هذه الأمور الثلاثة؟!! فإذا شرب الخمر لا يستحل دمه، ولو استحل دم من زنى وهو ثيب أومن قتل نفساً أخرى فلا يموت على الكفر، إنما إذا استُحل دم من ارتد فهذا الذي يموت كافراً مخلداً في نار جهنم.

стр. 1655

من تلك الأحاديث ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو ذر: وإن زنى، وإن سرق؟، فقال وإن زنى وإن سرق، فأعاد أبو ذر وإن زنى وإن سرق؟ فأعاد النبي ﷺ الجواب وإن زنى وإن سرق فأعاد أبو ذر السؤال ثالثة] يستبعد هذا ويستغرب منه غاية الغرابة، يدخل الجنة وهو مقصر في حق الله معتدٍ على حقوق العباد، وذكر السرقة والزنا للإشارة إلى حق الله وحق عباده ويدخل في هذا سائر الحقوق، فتعديه على حق الله عندما يزني، وتعديه على حق العباد عندما يسرق منهم [فقال النبي ﷺ في الثالثة: وإن زنى وإن سرق، فأعاد أبو ذر السؤال رابعة، فقال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنفك يا أبا ذر] فلا داعي لإعادة السؤال مرة خامسة، لأن التكرار ثلاث مرات، وفي الرابعة تستحق هذا الجواب حسماً للسؤال، [فكان أبو ذر ﵁ إذا حدث بالحديث يقول من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق على رغم أنفي] يعني أنا ضاقت نفسي من هذا ولم أسترح إليه لكن على رغم أنفي سيدخل الجنة وهذا هو حكم الله وهذا هو تبليغ رسوله ﷺ . قال الإمام النووي عليه رحمة الله في شرحه هذا الحديث في صحيح مسلم (١/٢١٧) : "أفاد حديث أبي ذر فائدتين: الفائدة الأولي: أن عصاة الموحدين لا يقطع لهم بنار الجحيم. الفائدة الثانية: لو عذبهم الله فمآلهم إلى الجنة". وإنما لا يقطع لهم بنار الجحيم لأنه ورد في الحديث [من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ... وتقدم، وهذا الدخول قد يكون سابقاً وقد يكون لاحقاً، فإذا غفر الله له دخل مع السابقين، وإذا عذبه لحقهم بعد حين، فلابد من الدخول ولن يخلد في نار جهنم.

стр. 1656

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/١١١) : "يدل الحديث على أن من فعل الكبيرة لا يخلد في النار" وهذه فائدة كالتي ذكرها الإمام النووي لكنه ذكر فائدة ثالثة: "ويدل على أن فاعل الكبيرة لا يُسلب عنه اسم الإيمان" أي فاعل الكبيرة مؤمن ولا يخرج عن الإيمان بفعلها المجرد فهو مؤمن بإيمانه فاسق بعصيانه. ٣- أنتم تقولون من لقي الله بكبيرة فهو مخلد في نار جهنم ولن تنفعه أعماله الصالحة أي بطل ثوابها وحبطت، وهذا منكر عظيم لا يستقيم في عدل ورحمة أرحم الراحمين. فكيف تضيع الحسنات أمثال الجبال بسيئة من السيئات، والله جل وعلا لم يجعل شيئا من الأعمال المنكرة محبطاً للأعمال الصالحة إلا شيئاً واحداً هو الشرك، وبشرط الموت عليه، فمن كان مؤمناً وعمل الصالحات ثم ارتد حبط عمله، فإذا آمن رجع إليه ثواب عمله الصالح، ولذلك لو حج ثم ارتد ثم آمن لم يجب عليه أن يعيد الحج مرة أخرى. فلا يحبط العمل إلا بالكفر والموت عليه، الله قرر هذا في كتابه فقال جل وعلا في سورة البقرة آية (٢١٧) : (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) . فإذن من لقي الله بمعصية من المعاصي لا نقول إنه صديق، وكذلك لا نقول إنه كافر عنيد بل نقول مؤمن عاص ٍ، إن غفر الله له فرحمته واسعة، وإن عذبه فبِعَدْلِه، ولن يخلده في نار جهنم إذ كيف سيسوي الله هذا مع الكافر الذي لم يسجد لله سجدة واحدة؟! إن التسوية بين المؤمنين والكافرين هذا مما لا يستقيم في عدل ورحمة أرحم الراحمين يقول الله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ، فإن قيل: فاعل الكبيرة ليس بمتقٍ؟، فنقول: التقوى قسمان: تقوى الشرك وتقوى المعاصي، فالمؤمن الذي ارتكب المعاصي هو متقٍ للشرك لكنه لم يتق المعاصي فتقواه ناقصة وليست معدومة بينما الكافر والمشرك ليس عنده نوع من أنواع التقوى.

стр. 1657

٤- قولهم يجب على الله أن يعاقب العصاة ولا يجوز أن يغفر لهم في وقت من الأوقات لا عند الحساب ولا بعد دخولهم النار، أي لا يجوز أن يغفر لهم ولا أن يخرجهم من النار، هو قول باطل يصادم النصوص القطعية: ١- قال الله في كتابه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، (ما دون ذلك) أي ما دون الشرك من جميع الكبائر والموبقات (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فإذا عذب الله فاعل الكبيرة فهذا بِعَدْلِه ، وإن غفر له فهذا بفضله، وأفعال الله بين عدل وفضل ولا ثالث لفعله فالظلم والجور منتفٍ عنه، بل هذا من أفعال العباد، والفعل المطلق للإنسان لا يخرج عن واحد من ثلاث إما أن يكون عدلاً أو فضلاً أو جوراً. إذن لو عفا عنه فهذا فضله ورحمته سبقت غضبه، ولذلك ثبت في سنن الترمذي بسند حسن عن علي ﵁ أنه قال: [ما في القرآن آية أحبَّ إليَّ من هذه الآية] ، وهي عنده أرجى آية في القرآن أيضاً، وثبت هذا عن حفيده علي بن الحسين زين العابدين حيث قال: [هذه أرجى آية في القرآن] ، ووجه كونها أرجى آية في القرآن إخوتي الكرام ... كما قلت العذاب عدل والمغفرة فضل وإذا دارت أفعال الله بين العدل والفضل فالمرجح في حقه الفضل؛ لأن رحمته سبقت غضبه، يضاف إلى هذا أن كل عاصٍ لم يقع في الشرك يطمع في أن يكون ممن شاء الله له المغفرة، وما أطمعنا الله إلا ليعطينا كما قال في حق أهل الأعراف (لم يدخلوها وهم يطمعون) ، وقد قال الله في الحديث القدسي [أنا عند ظن عبدي بي فليظن ما شاء] وظننا بربنا أن يغفر لنا وأن يتجاوز عنا ذنوبنا وأن يعاملنا بفضله وإحسانه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 1658

٢- وقد ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال وحوله عصابة (١٠-٤٠) من أصحابه: [بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله] . هذه هي الحالة الأولي، والحالة الثانية [ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له] لأن الحدود زواجر وجوابر، فهي تزجر الفاعل بالناس، وتطهّر الفاعل والأمة من سخط الله، فالحدود مطهّرة ولو لم يتب المحدود، فإذا سرق وقطعت يده غُفِرَ ذنبه تاب منه أم لم يتب، وقد قال النبي ﷺ في ماعز: [إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها] بعد أن أقام عليه الحد، والحديث في صحيح مسلم، أما الحالة الثالثة فبينها بقوله [ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك] إذن أنتم بين ثلاثة أحوال، وهو حديث صحيح صريح في بابه. ٣- وثبت في مسند أبي يعلى والبزار وكتاب السنندة لابن أبي عاصم، والخرائطي في (مكارم الأخلاق) والبهيقي في (البعث والنشور) عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقاباً فهو بالخيار إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه] فالثواب ينجزه والعقاب قد ينجزه، وقد لا ينجزه (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . ومما يبين أن قول المعتزلة والخوارج بأنه يجب على الله أن يعاقب العصاة – باطل هذه المناظرة المحكمة السديدة، التي جرت بين إمامين أحدهما مهتدي ٍ والآخر ضال غوى:

стр. 1659

١- أما المهتدي فهو شيخ أهل السنة وأحد القراء السبع أبو عمرو بن العلاء، وهذا قارئ البصرة، والبصريان إذا أطلقا فيراد بهما أبا عمرو هذا ويعقوب، فالبصريان هذان الاثنان والكوفيون أربعة والمدنيان اثنان والمكي واحد، والشامي واحد فالمجموع عشرة فهؤلاء هم القراء العشرة الذين قراءتهم متواترة. ٢- وأما الضال فهو عمرو بن عبيد، أبو عثمان، ولا يتعمد أحد إذا قلنا كذا عن عمرو بن عبيد كما اعترض بعضهم على ذمنا للحجاج، ولا يقول كيف نقول على عمرو بن عبيد هذا وهو من أئمة الإسلام وله شأن، وهو خليل وصفي الخليفة العباس أبي جعفر المنصور وكان من الزهاد العباد وكان أبو جعفر يقول: "كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد" أي كل واحد منكم يريد الدنيا إلا عمرو بن عبيد، وكان إذا دخل على أبي جعفر المنصور لا يستطيع أبو جعفر أن يبقى في مجلس الخلافة، بل يأمر بأن تجهز له غرفة ليس فيها إلا فراش على الأرض ليجلس عليه إجلالاً لعمرو بن عبيد، وليستمع إلى نصح عمرو بن عبيد له.

стр. 1660

وهو مع زهده وتنسُّكه ضال، كما قال بن كثير: والزهد لا يدل على صلاح في الإنسان، فعباد الهنود والمتقشفون فيهم عندهم من الزهد والانزواء عن الدنيا والامتناع عن الطعام والشراب ما لا يوجد في كثير من زهاد المسلمين، لكنهم لجهنم حطباً، بل لا بد من أن يكون الزاهد على المسلك الشرعي وإلا فزهده لوحده لا يكفيه، وأبو العلاء المعري كان زاهداً لدرجة أنه لم يتزوج، بل اعتبر الزواج جريمة، وبلغ من إعراضه عن الدنيا أنه يقول إن أعظم المجرمين في حق الأبناء هم الآباء، وأوصى أن يكتب على قبره هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد، لعنة الله على هذا الزهد، ولذلك اتفق أئمة الإسلام على "أن الزهد إنما يكون فيما يلهيك عن الله ويضرك عنده" فهل النكاح فيه ذلك؟!!! بل فيه حسنات لا تستطيع أن تحصلها من كثير من الطاعات، وهل يجب إلى خير البريات عليه صلوات الله وسلامه شيء مؤذٍ وضار، وهو سيد الطيبين وهو الذي يقول: [حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة] . ولذلك إخوتي الكرام.... لا يقبل الله من العمل إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً، ولا يوجد عندنا أن كل واحد يعبد ربه برأيه، ويخترع شريعة ما أنزل الله بها من سلطان ثم نقول زاهد عابد، إن زهده لن يوصله إلا إلى نار جهنم ورضي الله عن عمر عندما كان يرى عباد النصارى في الصوامع فيتلو قول الله تعالى (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة) .

стр. 1661

فعمرو بن عبيد من أولئك الزهاد الذين لم ينفهم زهدهم بل هو ضال باتفاق أئمتنا، ووالله لا نعرف عمرو بن عبيد ولا نعرف أبا عمرو بن العلاء لكن عن طريق ما نقله عنهم أئمتنا وأخبرونا به عنهم، فذاك طالح فأبغضناه وذاك صالح فأحببناه وليس بيننا وبينه قرابة ولا بيننا وبين الآخر عداوة، وعندما نحب عمر بن عبد العزيز وهو من بني أمية – لأننا أمويون!!، ونكره الحجاج الضال الخبيث لأننا عباسيون!! أهذا هو السبب في حبنا لواحد وبغضنا للآخر أم نحن نحكم حبنا وبغضنا على حسب شرع ربنا جل وعلا؟!! انتبه لهذه المناظرة المحكمة: اجتمعنا في مجلس فأراد عمرو بن عبيد أن يرد على مذهب أهل السنة: فقال: يا أبا عمرو إن الله وعد (١) وعداً وأوعد إيعاداً فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده (٢) .

стр. 1662

فقال: أبو عمرو: إنك أعجمي (١) ، إنّ خُلْفَ الوعيد كرم، وإن خُلْفَ الوعد لؤم (٢) . ثم قال له: ألم تسمع إلى قول الشاعر:

стр. 1663

وإني وإن وعدته أو أوعدته ... لمخلف إيعاد ومنجز موعدي (١) وقول الآخر: إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه ولذلك كان أبو عثمان عمرو بن عبيد أعجمي القلب، لأنه لا يفقه عن الله شيئاً فالله إذا هدد العصاة فله ذلك، وكذلك إذا عاقبهم له ذلك، وإذا عفا عنهم له ذلك ولا يقال أخلف إيعاده، بل يقال: ما أكرمه، ما أحلمه، ألم يقل الله (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة) فهو حذرنا من مخالفته وعصيانه ولكنه لم يؤاخذنا بكل ما نعمله إذن فهو يؤخرنا ويمهلنا إذن فهو رؤوف رحيم غفور حليم، ووالله لو عاملنا الله بأعمالنا لاستأصلنا من أولنا لآخرنا، وإذا كان نبينا ﵊ يقول – والحديث في صحيح ابن حبان وحلية الأولياء بسند صحيح: [لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان – وأشار إلى الإبهام والسبابة – لعذبنا ثم لم يظلمنا] هذا يقوله خير خلق الله ﷺ وهذه الجوارح تستحق شكر أم لا؟!! وأنت لن تستطيع أن تفي بشكر جارحة واحدة فضلاً عن جارحتين، فلو حاسبك الله على الإبهام والسبابة لألقاك في نار جهنم كالعابد الذي في بني إسرائيل عبد الله خمسمائة سنة وما عصاه طرفة عين، وسأل الله أن يقبضه في سجوده وألا تأكل الأرض جسده وأن يبقى ساجداً إلى يوم الدين فأعطاه الله ذلك فإذا كان يوم القيامة يقول الله له: ادخل الجنة برحمتي، فيقول: بل بعملي يا رب، فيقول الله: حاسبوه، فتوضع نعمة البصر في كفة وعبادة خمسمائة سنة في كفة أخرى فلا تكفي عبادته لنعمة البصر، فيقول الله: خذوه إلى النار، فيقول: يا رب أدخلني الجنة برحمتك. وهذه القصة رواها الحاكم في المستدرك.

стр. 1664

فإذن فالله عندما يعفو عنا ويرحمنا ويتجاوز عن خطايانا فهذه منقصة فيه أم كرم؟ بل كرم، [يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً] (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) إذن هذا مما يتمدح به رب العالمين. فانظر إلى المعتزلة كيف قلبوا الأمر وقالوا لو عفا الله عنهم لكان كذاباً وهذه منقصة في حقه يتنزه عنها، فجعلوا الفضيلة رذيلة، وهذا خلاف ما فطر الله عليه أهل الأرض قاطبة أنهم يعتبرون العفو مكرمة. وهذه المناظرة المحكمة انظروها في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/١٧٥) ، وفي تهذيب التهذيب للحافظ بن حجر (٨/٧١) ، وفي مدارج السالكين للإمام ابن القيم (١/٣٩٦) وهذا الكتاب نافع جداً احرصوا على شرائه، وإذا لم يتيسر لكم فلا أقل من شراء تهذيبه ومختصره، ومن قصد البحر استقل السواقي، أي الذي يقتني المدارج ليس كالذي يقتني المختصر، ودائماً لتكن هممكم عالية ولا تقنعوا بالمختصرات، واطلبوا الأمور من مصادرها وعلو الهمة من الإيمان. وتوجد هذه القصة أيضاً في مجموع الفتاوى وكررها في مواضع مختلفة، وموجودة في غير هذه المراجع أيضاً. مسألة مهمة: ذكرها ابن أبي العز في شرحه وهي: ما حكم سؤال المخلوقِ الخالقَ أو المخلوقَ بمخلوق؟ أي: مسألة التوسل: فما حكم أن تتوسل إلى الخالق بمخلوق، وأن تتوسل إلى المخلوق بمخلوق؟ مثال الصورة الأولى: (توسل إلى خالق بمخلوق) : أن تقول لله: أتوسل إليك يا رب بنبيك ﷺ ، وأبي بكر أن تقضي حاجتي. مثال الصورة الثانية: (توسل إلى مخلوق بمخلوق) أن تقول لشخص: أتوسل إليك يا فلان بأبيك وأمك وزوجك أن تقضي حاجتي. فما حكم هذا؟

стр. 1665

قال الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية في (القاعدة الجلية في التوسل والوسيلة) : "قول القائل أسألك بكذا، يحتمل أمرين، لأن الباء أما أن تكون للقسم وإما أن تكون للسبب". الحالة الأولي: فإذا كانت الباء للقسم فلا يجوز أن يصدر هذا من مخلوق سواء كان الإقسام به على خالق أو مخلوق. فلا يجوز أن تقول: أقسم عليك يا رب بنبيك أن تقضي حاجتي ولا أن تقول: أقسم عليك يا فلان بالنبي أن تقضي حاجتي. ومثلها قول القائل يا رب بنبيك اقضي حاجتي. ويا فلان بالنبي اقضي حاجتي، فلا يجوز أيضاً، لأن الباء هنا (بنبيك، بالنبي) للقسم كما أن الواو حرف للقسم، وحروف القسم التي يقسم بها الواو والتاء والباء، والله، تالله، بالله، وهكذا بمخلوق: ورأس أبيك، ترأس أبيك، برأس أبيك. فهذا لا يجوز لما ثبت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة باستثناء سنن أبي داود عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت] ، وللحديث سبب في وروده: وهو أن عمر بن الخطاب كان يحلف بأبيه، فنهاه النبي ﷺ وقال، [إن الله ينهاكم ... ] الحديث، وكذلك الصحابة كانوا يحلفون بآبائهم ثم نهوا عن ذلك. وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ أيضاً أن النبي ﷺ قال: [من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر] . وهذا الأمر المذكور في هذه الحالة مجمع عليه بين علماء الإسلام، وما وقع فيه خلاف إلا في صورة من صورة، فانتبهوا لها وهي: خصوص القسم بالنبي ﵊ فهل يجوز أن تقول أقسم عليك بالنبي أن تذهب إلي بيتي، وإذا قلت ذلك فهل انعقدت اليمين وعليك الكفارة أم لا؟

стр. 1666

الجمهور – وهو الحق – أن القسم بالنبي ﷺ لا يجوز وهو كالقسم بغيره، وعند الإمام أحمد يجوز القسم بالنبي ﷺ كما هو مذكور في كتاب المغني (١١/٢٠٩) لابن قدامة يقول فيه: وقال أصحابنا: إن القسم بالنبي ﷺ يمين منعقدة وإذا حَنِث فعليه الكفارة، ونقل هذا عن أبي عبد الله – أي الإمام أحمد – وهذا القول الذي قاله الإمام أحمد بن حنبل ﵀ تعالي علله بتعليل شرعي – مع وجاهته نرده ولا نأخذ به – وهو: أن الإيمان بالنبي ﷺ هو أحد شطري الشهادة فالشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) إيمان بالله ورسوله ﷺ فكما يجوز القسم بالشطر الأول، يجوز بالشطر الثاني. وهذا التعليل مع وجاهته نقول إنه يعارض النصوص، ولا اجتهاد عند ورود النص ولا قياس مع ثبوت النص، فنقول له نِعم ما قلت وأحسنت فيما قلت، لكنه اجتهاد يخالف النص فغفر الله لك وأثابك لكننا لا نقتدي بك في هذه المسألة، ولا نقول: إن القسم بغير الله شرك والإمام أحمد يجيز الشرك بل نقول إن كل إنسان يخطئ ويصيب لكن المهم أن يكون بحثه ضمن الأدلة الشرعية ولا يتبع الهوى. إذن فانتبه حال الإمام أحمد ليس كالحجاج فهذا عندما يقطع رقاب المسلمين هل هذا ضمن أدلة شرعية أم ضمن هوىً؟!! بل ضمن هوىً. * أتدرون ماذا فعل الحجاج؟

стр. 1667

ضرب مكة بالمنجنيق حتى طارت القذائف إلى الكعبة فاحترقت وهدم قسم منها، وأُحصي عدد الأرواح التي قتلها الحجاج فبلغت – كما في شذرات الذهب لابن العماد (١٢٠.٠٠٠) نفساً، وكلهم من الموحدين الذين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلي رأسهم ابن عمر ﵄، وعلى رأس المقتولين أيضاً الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير ﵄، قتله وصلبه ومثل به بعد ذلك في حرم الله في مكة وقد مر عبد الله بن عمر ﵄ قبل أن يُقتل بجوار عبد الله بن الزبير وهو مصلوب فقال مخاطباً إياه: رحمة الله عليك يا أبا خُبيب – وهذه كنية عبد الله بن الزبير – والله لقد كنت صواما ً قواما ً وإن أمة أنت شرها إنها على خير، فأرسل إليه الحجاج أحد شرطته فضربه بحربة مسمومة – وهو في صحن الطواف – لأنه قال هذه الكلمة لعبد الله بن الزبير، ثم مات بعد ذلك بسبب هذه الضربة، والحديث ثابت في الصحيح. وكان يقول لأنس بن مالك ﵁ أيها الشيخ الخرف، فذهب أنس إلي الشام من البصرة، إلى عبد الملك بن مروان يشكو الحجاج فقال: والله لو أن النصارى رأوا من خدم عيسي لأكرموه فكيف بمن خدم من هو أفضل من عيسى ﵇، خدم النبي ﷺ ويهينني الحجاج، فأرسل عبد الملك بن مروان بعد ذلك إلي الحجاج: أنْ لا إمرة لك على أنسً ووالله لو رأى إنسان أنس بن مالك وعنده إيمان لقبل رجليه وليس رأسه ووالله لو كان يجوز شرب بوله لشربت بوله وتقربت بذلك إلى الله فهذا يخدم النبي ﷺ . فهل الحجاج يكون مجتهداً ضمن أدلة شرعية عندما قتل هؤلاء وأهانهم؟ وقد ورد في الحديث [ولا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما ً حراما ً] ولو اجتمع أهل الأرض على قتل نفس مؤمن لأكبهم الله على وجوههم في نار جهنم.

стр. 1668

ويقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/٣٤٣) " الحجاج: أهلكه الله في رمضان سنة ٩٥ هـ كهلا ً وكان ظلوماً جباراً ناصبياً خبيثاً سفاكاً للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدامٍ ومكرٍ ودهاءٍ وفصاحةٍ وبلاغةٍ وتعظيم للقرآن، وقد سقت في سوء سيرته في تاريخي الكبير وحصاره لابن الزبير في الكعبة ورميه إياها بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته للعراق والمشرق كله عشرين سنة وحروب بن الأشعث له وتأخيره للصلوات إلى أن استأصله الله، فنسبّه ولا نحبّه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسناتٌ مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله جل وعلا ". ولما بلغ الحسن موت الحجاج سجد شكراً لله، وكان الحسن البصري يقول: "اللهم كما أمته أمت سنته" وسنته بدعة وظلمة وهو أول من أخر الصلوات عن وقتها، ولما بلغ إبراهيم النخعي موت الحجاج بكى من شدة الفرح، ولما بلغ ابن عمر مقتل ابن الزبير ﵃ قال: عدو الله استحل حرم الله، وضرب بيت الله وقتل أولياء الله، انظر تذكرة الحفاظ للذهبي (١/٣٧) . إخوتي الكرام.... ولما نذكر هذا عن الحجاج لا يُقال هذا فيه انتهاك لحرمة الميت، إنما انتهاك حرمة الميت يحصل إن كان الميت قد عصى ربه ثم تاب أو عصاه بمعصية بينه وبين ربه، أو عصاه وجاهر بمعصيته، أما إن كانت المعصية تتعلق بحقوق العباد فهذا ظلم فيجب أن يُبين للناس ليعلموه وليجتنبوا وليبتعدوا عن مثل هذا الظلم ولا يقعوا فيه.

стр. 1669

إخوتي الكرام.... لا يقال لنا بعد ذلك كله أنتم عندكم ميزانان تأتون للحجاج وتتكلمون عليه وتأتون للإمام أحمد وتترضون عنه، نقول: قف عند حدك، من يبحث في النصوص الشرعية فهو على هدىً أصاب أم أخطأ إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر فهذا إمام بذل ما في وسعه للوصول إلى مراد ربه ضمن أدلة شرعية، ولو قال هذا القول عن طريق الهوى لقلنا إنه ضال، فلابد من أن نزن الأمور بالميزان الشرعي، ونسأل الله أن يجعل هوانا تبعاً لشرع مولانا إنه أرحكم الراحمين وأكرم الأكرمين. الحالة الثانية: وإذا كانت الباء للسبب – لا للقسم – فهذه لها صورتان: الصورة الأولي: أن تسأل مخلوقاً بسبب مخلوق فهذا جائز بالاتفاق مثالها: أن تقول لشخص أسألك بحق أبيك، أو أسألك بكرامة جدك، أو أسألك بمنزلة زوجتك ونحو هذه من الأسباب فتتوسل بمخلوق إلى مخلوق بالسبب والمنزلة التي له عندك والمكانة والمقام الذي له عندك. وقد ثبت أن ابن جعفر بن أبي طالب كان إذا أتى عمه علياً – ﵁ – وسأله بحق أخيه جعفر – والذي هو أبو السائل – قضى عليٌّ حاجته؛ لأن له منزلة عنده، وهذا من باب إكرام الأخ لأخيه؛ فإذن هذا السؤال بالمنزلة والسبب والحق وما شاكل هذا، وهذا الباب من التوسل لا حرج فيه وجائز بالاتفاق – كما ذكرنا – وعلى هذه تنزل قراءة حمزة، وأحد التوجيهين في قراءة الجمهور من قول الله جل وعلا (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) . فـ (الأرحام) قرئت بالنصب، وهي قراءة الجمهور (التسعة) وقرئت بالخفض – الكسر – وهي قراءة حمزة فقط، فـ (الأرحام) على قراءة الجمهور، منصوبةً عطفاً على لفظ الجلالة (واتقوا الله) أي: فلا تعصوه، واتقوا (الأرحام) فلا تقطعوها لأنها مما أمر الله به أن يوصل، وحينئذ فلا شاهد فيها على هذه الصورة، وهذا أحد توجيهي الجمهور لنصبها.

стр. 1670

و (الأرحام) عن حمزة، بالكسر، هي التي فيها الشاهد بأننا نسأل ونتوسل بحقها ومنزلتها، وهي على أنها معطوفة في هذه الحالة على لفظ الضمير المجرور (به) لا على محله. والتوجيه الآخر للجمهور لقراءة النصب قالوا: أن (الأرحام) معطوف على محل الضمير المكني (به) لا على لفظه، فمحله هو النصب، ولفظه هو الجر، هذا كما تقول: مررت بعمرَ وزيداً، فعمر محله النصب وإن جر بحرف الجر فلذلك تعطف زيداً على المحل لا على اللفظ، وعلى هذا فالقراءتان بمعنىً واحد تكون في هذا التوجيه شاهد لهذه الصورة، والمعنى: يسأل بعضكم بعضاً بالله ويسأل بعضكم بعضاً بالرحم، فتقول: أسألك بحق الرحم عليك أن تقضي حاجتي، وأنشده بالرحم التي بيني وبينك أن تقضي حاجتي، كما كان ولد جعفر يسأل عمه علياً بالرحم التي بينه وبين أخيه جعفر ... وقراءة حمزة جرى حولها كلام كثير، ولما شرحتها للطلاب في العام الماضي في المستوى الثاني / الفصل الثاني، أخذت معنا ما يزيد على خمس محاضرات) س: لو قال شخص: أسألك بحياة أبيك، فما الحكم؟ جـ: قوله أسألك بحياة أبيك كقوله أسألك بمنزلة / برأس / برجل / بعين / بوجه / بشرف أبيك/، كلها سواء، لأن هذا القول توسل إلى مخلوق بمخلوق، وهو جائز – كما قلنا – ليس من باب القسم، وليس من باب التوسل إلى الله، إذ سيأتينا أنه لا يجوز التوسل إلى الله بذات مخلوق أو حياته أو شرفه، وما شاكل كل هذا. س: هل يجوز أن يسأل شخصٌ بحق ميت؟ جـ: لا حرج في ذلك. وفي قصة سؤال جعفر علياً ﵁ دليل على ذلك لأن جعفر استشهد في حياة النبي ﷺ في غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، لكن لأجل مكانته ومنزلته عند أخيه علي ﵁، كان أولاده بعد موته إذا جاءوا إلى عمهم توسلوا إليه بأبيهم. الصورة الثانية: أن تسأل الخالق بسبب مخلوق:

стр. 1671

قال الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية: "ينبغي أن نعلم أن ذوات المخلوقين ليست سبباً لقضاء الحوائج، فلابد من سبب إما من المتوسِل، وإما من المتوسَّل به" إذن عندنا فرعان لهذه الصورة: الفرع الأول: أن يصدر سبب من المتوسِّل نحو من توسل به يرضاه الله فيصبح توسله بذلك السبب، والتوسل في هذا الفرع شرعي. مثاله: أن يتوسل المخلوق بمحبته للنبي ﵊ وباتباعه له في قضاء حاجته، أو قد يقول المتوسل: اللهم إني أسألك بحبي لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي أن تفرج كربي وأن تقضي حاجتي وأن تغفر ذنبي وأن تدخلني الجنة مثلاً. فهو هنا لم يتوسل بذات المخلوق، بل توسل بفعل منه – أي من المتوسِّل – وهو طاعةٌ فهو كما لو توسل بطاعاته الأخرى، وهو جائز فقال اللهم إني أسألك بإيماني بك أن تغفر ذنبي وهو من أفضل أنواع التوسل. مثاله من السنة: ما ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ [أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟، فقال له ويحك [وفي رواية: ويلك] وما أعددت لها قال: لا شيء (١) [وفي رواية: ما أعددتُ لها كبير صلاة ولا صيام] ، لكني أحب الله ورسوله] وأكرم بهذا العمل، وهل بعد هذا العمل عمل؟!! [فقال له النبي ﷺ : أنت مع من أحببت] وهذا فيه بشارة عظيمة لهذا السائل.

стр. 1672

لكن الشاهد من الحديث هو قول أنس بعد أن رواه [فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول نبينا ﵊: أنت مع من أحببت] ثم قال – وانظر لهذا التوسل منه – [فأنا أحب رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن كون معهم بحبي إياهم] هذا لفظ البخاري وزاد مسلم [فأنا أحب الله ورسوله ... ] . ولفظ حديث [أنت مع من أحببت] [المرء مع من أحب] هو حديث متواتر، وقد ألف أبو نُعم كتاباً مستقلاً حوله سماه (المحبين مع المحبوبين) تتبع فيه طرق هذا الحديث. إذن هنا توسلٌ إلى الله بمخلوق لكن جرى من المتوسِّل سبب نحو ذلك المخلوق، ولا حرج في ذلك بإجماع أهل السنة، وأنا أعجب في هذه الأيام حقيقة من المتنطعين الذين تَصْغُر أذهانهم ويضيق عقلهم ويأتي ليزجَّ نفسه في أمر ممنوع – كما سيأتي – فيقول: أسألك بجاه رسولك ﷺ أن تغفر ذنبي، مع أن الجاه والذات ليست سببا للمغفرة فهذا التوسل أقل ما فيه أن فيه خلافاً وإن كان غير معتبر، فلماذا يترك ذاك المتنطع التوسل الذي لا خلاف فيه ويعمل ما فيه خلاف؟!!!.

стр. 1673

مثال آخر أيضاً: ثبت في الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا يُنْجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قلبهما أهلاً، ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيء يوماً، فلم أُرِح] عليهما حتى ناما، فجلست لهما غَبُوقهما (١)

стр. 1674

فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أَغْبِق قبلهما أهلاً أو مالاً فلبثت والقدح على يديّ أنتظر استيقاظهما حتى الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ ، وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عمٍ كانت أحب الناس إليّ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمتُ بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيها عشرين ومائة دينار على أن تخلّي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرتُ عليها، قالت: لا أُحِلُّ لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرّجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركتُ الذهب الذي أعطيتُها، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي ﷺ وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمّرتُ أجره حتى كَثُرَت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري: فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون] . فانظر، هنا الأول يتوسل إلى الله ببره لوالديه، والثاني توسل إلى الله بعفته، والثالث بأمانته، لذلك لو وقعت في كرب فقل – مثلا ً– أسألك يا ربي ببري لوالدي أن تفرج كربي فهو جائز بالإجماع. إخوتي الكرام ... هذا الحديث للإمام ابن الجوزي ﵀ تعليقُ بديع حوله في كتابه صيد الخاطر، والكتاب نافع احرصوا على شرائه ففيه خير كثير، ولم يؤلفه في موضوع معين بل كان يقيد فيه ما يعنّ له من فوائد واستنباطات وإرشادات وتوجيهات.

стр. 1675

يقول في صـ٣٢١ من الكتاب كلاماً في منتهى الإحكام، وكأن المعلق عليه لم يَرُق له هذا الكلام فانتبهوا لذلك!!! يقول: "التقرب إلى الله إذا تم على الإنسان لم ير لنفسه عملاً وإنما يرى إنعام الموفق (١) لذلك العمل الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملاً أو يعجب به (٢) وذلك بأشياء" هذه الأمور منها أن الله وفق لهذا العمل، ومنها أنه إذا قيس ذلك العمل بالنعم لم يفي بمعشار عشرها، ومنها ... منها.... ومنها...." ثم يقول:

стр. 1676

"وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع" ثم ذكر بعد ذلك قصصاً كثيرة منها: قول الخليل إبراهيم (والذي أطمع أن يغفر لي) فلم يُدّلَ بعمل بل يطمع من الله بالمغفرة، ومنها قول أبي بكر وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وذلك لما قال النبي ﷺ : ما نفعني مال كمال أبي بكر، فقام أبو بكر وقال ذلك، فانظر لحال العقل الكامل، وهكذا أورد كلاماً لعدد من الصالحين ثم يقول: "وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع" فإذن هذا فعل عقلاء هذه الأمة، وانظروا لصلحاء بني إسرائيل، ومنهم هؤلاء الثلاثة يقول:"وقد روي عن أقوام من صلحاء بني إسرائيل يدل على قلة الإفهام لما شرحتُه لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بهما (١) ، فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة، وأخرج الله له كل ليلة رمانة، وسأله أن يميته في سجوده فإذا حشر قيل له: ادخل الجنة برحمتي قال: لا بعملي، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي، فيقول: يا رب برحمتك (٢) ،

стр. 1677

وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة فإن أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحي من ذكره – وهو أنه عزم على الزنا ثم خاف العقوبة فتركه – فليت شعري بماذا يُدلّ من خاف أن يعاقب على شيء فتركه لخوفه العقوبة (١) إنما لو كان مباحاً فتركه كأن فيه ما فيه، ولو فَهِم لشغله خجله من الإدلال، كما قال يوسف: (وما أبرئ نفسي (٢)) والآخر ترك صبيانه يتضاغنون إلى الفجر ليسقي أبويه وفي هذا البر أذىً للأطفال (٣) ، لكن الفهم عزيز، وكأنهم لما أحسنوا قال لسان الحال أعطوهم ما طلبوا، فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا، ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كامل خائفاً محتقراً لعمله حذراً من التقصير في شكر ما أنعم عليه، وفهم هذا المشروح ينكّس رأس الكبر ويوجب مساكنة الذل، فتأمله، فإنه أصل عظيم" أ. هـ إي والله إنه أصل عظيم، وما رأيت هذا المعنى إلا في صيد الخاطر، وهو أن هؤلاء توسلوا إلى الله بعمل كان ينبغي أن يستحي بعضهم من ذكره، لكن الفهم عزيز، فقضى الله حاجتهم، وهو أرحم الراحمين. إذن أن يصدر سبب من المتوسل نحو المتوسل به، وهذا هو أحد الفرعين للصورة الثانية. الفرع الثاني: أن يصدر سبب من المتوسل يقتضي حصول طلبك والتوسل في هذه الحالة أيضاً شرعي.

стр. 1678

مثاله: أن يتوسل مخلوق إلى مخلوق فيقوم المتوسل به فيدعو يشفع للمتوسل أو: أن يقول شخص: نتوسل إليك يا رب بالعبد الصالح فلان – ولابد من أن يكون موجوداً بينهم ليس بغائب – فيقوم ذاك العبد الصالح ويقول: يا رب اقض حاجتهم وفرج كروبهم والطف بهم وردّ عنهم عدوهم، إذن دعا لنا ونحن طلبنا من الله أن يجيب دعاءه. كذلك: إذا جرى من المتوسَل به سبب نحو المتوسِل إلى المتوسِل إليه وهو الله جل وعلا فدعا لك من توسلت به، وشفع لك. وهنا أنت لم تتوسل بذات المتوسل به، ولا بجاهه ولا بمنزلته بل بسبب صدر وجرى منه من دعاء وشفاعة وطلب ونحو هذا. مثاله من السنة: ثبت في صحيح البخاري (٢/٤٩٥- مع الفتح) عن أنس ﵁ قال: [إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحِطوا (١) استسقى بالعباس بن عبد المطلب ﵁، فيقول – أي عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا (٢) ﵊ فتسقينا وأنا أتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال أنس: فيسقون] . وورد في رواية الإسماعيلي (٣) عن أنس ﵁ قال: [كانوا إذا قحطوا عهد عهد رسول ﷺ استسقوا بالنبي ﵊، فيستسقي لهم فيسقون، فلما كانت إمارة عمر ﵁ استسقى عمر بالعباس] ﵃ أجمعين. وورد في المصنف لعبد الرزاق أن عمر ﵁ قال بعد أن قال ما تقدم في صحيح البخاري: [قال للعباس: يا عباس يا عم رسول الله ﷺ قم فادع] أي نحن طلبنا من الله أن يقضي حاجتنا بدعائك، فقم ونفذ هذا الطلب وادع لنا ليقضي الله لنا حاجتنا.

стр. 1679

وورد في كتاب الزبير بن بكار في تاريخ المدينة المشرفة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال عندما قحطوا: [إن النبي ﷺ كان يرى العباس للعباس ما يرى الولد للوالد – أي من المنزلة – فاقتدوا برسول الله ﷺ في عمه العباس واجعلوه وسيلة لكم بينكم وبين الله] والمراد بالوسيلة هنا الواسطة الذي سيدعوا ونحن نؤمن على دعائه. وثبت في كتاب الزبير بن بكار أن العباس ﵁ دعا فقال: [اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة وقد توجه (١) القوم بي إليك لمنزلتي من رسول الله ﷺ وهذه أيدينا إليك بالذنوب (٢) ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث] قال: أنس ﵁: فأرخت السماء مثل الجبال (٣) حتى أخصبت الأرض وعاش الناس] . وهذا الذي فعله عمل لم يفعله تخرصاً من رأيه ولا اجتهاداً من ذهنه ـ إنما فعله بناءً على أثر ثابت – كما ذكرنا – عن نبينا ﵊ أنه كان يوجه أمته إلى مثل هذا التوسل، وهو أن نتوسل بدعاء فلان.

стр. 1680

إخوتي الكرام..... بالنسبة للجدب الذي يقع فيه الناس ينبغي أن يتوبوا إلى الله جل وعلا وأن يلجأوا إليه ليغيثهم ويفرج كروبهم، واستسقاء عمر كان في عام الرمادة الذي وقع سنة (١٨) هـ وفي ذلك العام لم ينزل من السماء قطرة ماء وبقي الحال على ذلك تسع أشهر، وسمي رمادة لأن الأرض صارت كالرماد ينسف نسفاً فليس فيها حشيشة خضراء ونتيجة لذلك كادت المواشي أن تهلك وتموت، ويموت الناس تبعاً لذلك لاسيما في العصر الأول لأن قوتهم من الأرض ومن هذه المواشي التي تتغذى على الأرض فاشتد الأمر على المسلمين ثم قدم عمر ﵁ العباس فاستسقى فسقي الناس. والعباد عندما تكثر منهم المعاصي يبتليهم الله جل وعلا بأنواع المحن، ولما حصلت رجفة في المدينة المنورة قال عمر: "أحدثتم والله، والله لو رجفت ثانية أساكنكم فيها وسأخرج منها" فالقحط يقع عندما يعصي العباد ربهم كما قال العباس [ما نزلت عقوبة إلا بذنب ولا ترفع إلا بتوبة] وهكذا الزلازل والفيضانات التي تقع هذه الأيام في بلاد الكفر ونسأل الله أن يغرقهم على بكرة أبيهم كما غرّق قوم نوح، إنه على كل شيء قدير، وأن يلهمنا رشدنا وأن يتوب علينا.

стр. 1681

ووالله الذي لا إله إلا هو ما يمنع الله عقوبته عن الكفار إلا لفساد فينا، ولو كان فينا صلاح واستقامة لأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فإذا كنا ضعافاً وليس عندنا قوة على مقاومتهم فإن معنا القوي الذي يمكر من حيث لا يعلم العباد، وأسلحتهم التي يجبرون بها ويتكبرون يدمرهم الله بها والله على كل شيء قدير، كما دمر أهل اليمن عندما فعلوا ما فعلوا وعتوا عن أمر ربهم، دمرهم بالسد الذي بنوه كما قال تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق الله واشكرا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم (١) وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أُكُلٍ خمطٍ وأثلٍ وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) . وهكذا تلك البلاد التي تجبرت وتكبرت وأنعم الله عليها فطغت وبطرت ولو وجد عندنا ما يستدعي عقوبتها لعاقبها الله، لكن يوجد عندنا من ينبغي أن يعاقب قبل أولئك، وما تأخرت عقوبتنا أيضاً إلا لما فينا من بقايا الصالحين. يذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) في حوادث ٧١٨ هـ، وكان قد أدرك ذلك الأمر وهو في سن السابعة عشر تقريباً، فيخبر عن القحط الذي وقع في بلاد المشرق في الجزيرة بلغ عن ذلك القحط أنهم أكلوا الجيف ونبشوا القبور وأكلوا الموتى وأكلوا الكلاب، حتى أن الأم بدأت تأخذ ولدها وتبيعه من أجل أن يستعمله ويعطونها ثمناً خمسين درهماً، وبدأ الناس يذبحون أولادهم أيضاً ليأكلوهم ويذكر أبو شامة في كتابه (الذيل على الروضتين) أنه حدث في سنة ٥٩٧ هـ ما لا يخطر ببال بشر، كان الناس يدعون الأطباء إلى بيوتهم بحجة العلاج فإذا دخلوا ذبحوهم وأكلوهم حتى أنهم أكلوا القطط والكلاب أيضاً ونبشوا القبور وأكلوا الموتى والجيف، حتى أن الأم كانت تمسك ولدها ليذبحه الوالد وأكلانه، وصلب السلطان كثيراً من الناس الذين فعلوا هذه الفعلة الشنيعة.

стр. 1682

وهذه النعم التي الآن نأشر بها ونبطر، والله الذي لا إله إلا هو أتوقع زوالها أكثر من توقعي لمجيء الغد، وقدر الله إذا حلَّ ونزل ينزل كلمح البصر وليس له نذر تتقدمه (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) ولا يوجد عصر تنطبق عليه هذه الآية كعصرنا، فنسأل الله لطفه ومعونته وستره إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. س: ما الفرق بين البلاء والابتلاء؟ جـ: إذا نزل البلاء بالإنسان واعتبر به وحسَّن حاله فهذا مكفر له، وإذا نزل البلاء بالإنسان ولم يكن هناك اعتبار منه ولا انزجار فهذه نقمة له.

стр. 1683

مثال آخر له: - كتوسل عمر بالعباس – ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمزي وابن ماجة، ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عثمان بن حُنَيْف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوتُ لك، وإن شئت صبرت فهو خير لك، فقال: بل ادع (١)

стр. 1684

فقال له النبي ﷺ : توضأ فأحسن الوضوء ثم صلِّ ركعتين وقل (١) اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه فيّ (٢) ] زاد الحاكم: [وشفعني فيه] ، فما برح الأعرابي من مكانه حتى رد الله عليه بصره. فهنا الأعرابي توجه لله بدعاء النبي ﷺ ، وليس بذاته فانتبهوا!! رحمة الله على الإمام النووي يذكر عند شرحه للحديث المتفق عليه [الكمأة من المن (٣)

стр. 1685

وماؤها شفاء العين] في شرح صحيح مسلم أن بعض شيوخه في بلاد الشام عَمِيّ، فتداوى بالكمأة تبركاً بإشارة النبي ﷺ إلى العلاج الذي فيها للعين، فأخذها وغلاها في الماء وبدأ يقطر هذا الماء في عينيه فما مضت عليه إلا أيام يسيرة حتى عاد إليه بصره بإذن الله. والتداوي بالقرآن وهكذا التداوي بعد ذلك بالأدوية النبوية التي أخبرنا بها خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، هذه حجبنا عنها بما عندنا من الأدوية المركبة، وقد كان يكفينا العلاج القرآني والنبوي، ومن ينظر في المجلد الرابع من كتاب زاد المعاد يجده كله من أوله لآخره يتكلم عن الطب والعلاج، ويذكر أحاديث نبوية وأذكاراً تقال عند بعض الأمراض كالأرق، واللدغ، ونحوهما ... وهذا الذي حصل للضرير الذي جاء للنبي ﷺ يعتبر خارقاً للعادة ويسمى معجزة لأنه جرى على يدي نبي. س: هل لما طلب الأعرابي العلاج بعد التخيير لن يدخل الجنة؟ جـ: قطعاً سيدخل وليس عندنا شك في ذلك، فهو لما قال له إن شئت صبرت فهو خير لك أي لك الجنة ليس المراد من هذا أنه إن صبر له الجنة بل المراد شيئاً أعلى من البشارة بالجنة فهو إن صبر له الجنة مع رفعة المكانة، وإن لم تصبر فليس لك هذه الرفعة للمكانة إنما لك الجنة مصداقاً لحديث الرسول ﷺ – في البخاري – [إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة] ثم إنه صحابي مؤمن، والمؤمنون في الجنة فكل من بُشر بالجنة هو ليس له بشارة بالدخول فقط، بل له بشارة بالدخول مع شيء آخر مع ذهاب الخوف والفزع يوم الفزع الأكبر مع منزلة خاصة ... وسأضرب لذلك مثلاً: لو أن إنساناً عمل حفلة ودعى الناس إلى هذه الحفلة دعوة عامة بحيث أن كل من جاء سيدخل، لكنه وجه بطاقات دعوة خاصة لأشخاص مقربين، فإذا جاء الناس إلى الحفلة كلهم سيدخلون لكن من عنده بطاقة دعوة ستأخذه إلى غرفة خاصة، فهم الآن لهم شأن، ولله المثل الأعلى.
следующие страницы →