← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

٣) وهكذا يقول الله في سورة الشعراء آية (١٠٠) : ( ... فمالنا من شافعين ولا صديق حميم) فالشفاعة المنفية هي حصول الشفاعة للآلهة وقد ذكروا قبل هذه الآية بثماني آيات وأيضاً قال في آية (٩٦) من هذه السورة (قالوا وهم فيها يختصمون، تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين، وما أضلنا إلا المجرمون، فمالنا من شافعين ... ) إذن يسوون آلهتهم برب العالمين ويجعلونهم أنداداً له، وعدلاً ومثلاً له، يعبدونهم كما يعبدون الله، فهؤلاء لا تحصل لهم الشفاعة والله جل وعلا يقول: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم) أي جعلتموهم نظراء وعدلاً له، فسموهم وانعتوهم فماذا فيهم من صفات يستحقون أن يكونوا بها آلهة، هل خَلقوا أم خُلقوا؟ هل يملكون لغيرهم ضراً أو نفعاً أو يملكون هذا لأنفسهم؟!! كل من عدا الله مخلوق مقهور مربوب مسير في الحياة والموت والرزق رغم أنفه مخير في ما عداها جاء إلى الدنيا على غير اختياره وسيخرج منها على غير اختياره، في الصورة التي على غير اختياره، إذن فكيف يستحقون أن يكونوا آلهة مع الله أو من دون الله؟!!. ٤) وهكذا يقول الله في سورة غافر آية (١٨) (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) . ٥) وقال جل وعلا في سورة الأنعام آية (٩٤) : ( ... وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء....) . ٦) وقال جل وعلا في سورة يونس آية (١٨) : (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض، سبحانه وتعالى عما يشركون) . فالشفاعة المنفية هي الشفاعة الشركية التي تقع بغير إذن الله وبغير رضاه عن المشفوع له، وهذه كان الضالون يدعونها لمعبوداتهم وما أكثر من يدعيها من المسلمين لطواعيتهم الذين يعكفون حولهم.

стр. 1612

وهناك قصة لبعض الضالين في بلاد الشام من الصوفية المخرفين الذين يتبعون شيخاً ضالاً يقول لهم: أولادي لا تخافوا، فإذا صار يوم القيامة أضعكم في رقبتي كما تضع المرأة القلادة في عنقها، ثم أمر من فوق جهنم فأطير إلى الجنة، وتلامذته ينقلون هذه القصة عنه ويبتهجون ويفرحون ويقول: نحن سيشفع لنا هذا الشيخ العظيم، فقلت لواحد منهم عندما كلمني: وإذا سقط شيخك في جهنم، فكيف سيكون حالكم؟ ووالله إذا لم يرجع عن اعتقاده هذا سيسقط رغم أنفه ما دام يدعي هذا الأمر الذي يحاد ويضاد به الله: ألم يسمع قول النبي ﷺ : [يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئاً، اعملي] . [يا عباس يا عم النبي، لا أغني عنك من الله شيئاً، اعمل] . [يا صفية سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً] . هذا يقوله النبي ﷺ مع أنه سيد الشافعين المشفعين والشفاعة له ثابتة بإجماع أهل السنة ودلت عليها النصوص الصحيحة الثابتة، ومع ذلك يقول كَوني سأشفع لهذا أو لهذا هذا مرده إلى الله جل وعلا!!. ولذلك في صحيح مسلم [لما جاء ربيعة بن كعب الأسلمي إلى النبي ﷺ وكان دائماً يحضر للنبي ﷺ وضوءه ليتوضأ منه، فقال له ذات يوم لما أحضر له وضوءه: سلني فقال ربيعة: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال أَوَغير ذلك؟ فقال: هو ذاك يا رسول الله فأطرق النبي ﵊ يقول ربيعة – وظننت أنه يوحى إليه – ثم رفع فقال إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود] ، نعم ما سأل ربيعة وهذه هي همم النفوس العالية.

стр. 1613

فهنا النبي ﷺ لم يقل له من أول الأمر شيئاً لا أملك ولا لا أملك بل سكت فهولا يستطيع أن يتكلم من عنده، فهذا ليس في وسعه، فقال له، ألا تريد شيئاً آخر أستطيع قضاءه لك بنفسي؟، فقال: هو ذاك ولا أريد غيره، إذن فتحتاج المسألة إلى استئذان الله وانتظار الجواب منه، فأطرق الرسول ﷺ رأسه ونزل عليه الوحي، فلما رفع رأسه قال لربيعة: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود فهذا شرط لا تفرط فيه حتى تكون في درجتي إن شاء الله في جنات النعيم. المبحث الثاني: أنواع الشفاعات يوم القيامة: مجموع الشفاعات ثمانية أربعة منها خاصة بنبينا ﵊ والأربعة الأخرى مشتركة بينه وبين غيره من أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم ومن الملائكة والصالحين من عباده. أما الشفاعات الخاصة بنبينا ﵊: ١- الشفاعة العظمى: ويقصد بها: الشفاعة لأهل الموقف قاطبة من إنس وجن وحيوانات، ليحاسبهم رب الأرض والسموات، فحتى الحيوانات ستنالها هذه الشفاعة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وتكون نتيجة حسابها أن تكون تراباً لكنها مجموعة ليقضي الله للجماء من القرناء، وليظهر العدل الإلهي على أتم وجه، فيجتمعون في ذلك الموقف العصيب الرهيب، ولا يقضي بين هذه المخلوقات إلا بشفاعة خير البريات عليه صلوات الله وسلامه. وقد تواترت الأحاديث بذلك، وفيها:

стр. 1614

(أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وتدنو الشمس من منهم ويتصبب منهم العرق ويطول هذا الجمع ويبلغ الغم والكرب بالناس ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تظنون من يشفع لكم عند ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم فيذهبون إليه ويقولون: [يا آدم اشفع لنا عند ربك، فيقول لست لها] أي لا أبلغ هذا المقام وهذه الرتبة ليست لي، ثم يقول [إن ربي قد نهاني عن الشجرة فعصيته اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض] وكان بين نوح وبين آدم عشرة قرون كلهم على التوحيد، كما ثبت هذا في المستدرك بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊. والمراد من القرن: قيل مائة سنة، وعليه تكون المدة بينهما ألف سنة. وقيل المراد بالقرن مدة فناء جيل من الأجيال، وكان كل جيل يعيش ألف سنة فأكثر، فالألف تضرب في عشرة يصبح المجموع عشرة آلاف سنة بين نوح وآدم والله أعلم أيهما المراد.

стр. 1615

[فيذهبون إلى نوح ويقولون اشفع لنا إلى ربك فأنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض فيقول: لست لها، ويذكر سؤاله لربه ما ليس له به علم] وهذا وراد في قوله تعالى (رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال: يا نوح إنه ليس من أهلك) أي ليس من أهل ملتك وليس على دينك، وليس المراد أنه ليس من أولادك فهو ابن حرام كما توهم هذا بعض سفهاء الأنام حيث يقولون هذا ليس من أهلك أي ليس بولدك وإنما ولد على فراشك فامرأتك خانتك فيه، هذا كلام باطل وما بغت امرأة نبي قط، وزنا الزوجة منقصة في حق الزوج، فإن قيل قد تكون الزوجة كافرة، نقول: لا حرج لأن الكفر ليس بتعيير عند أهل الأرض وليس بمنقصة في حق الزوج بخلاف العهر، فهو – أي العهر – منقصة عند الكفار وعند المؤمنين بل عند الناس كلهم هو مذموم ولذلك القوانين الوضعية الوضيعة في هذا الوقت أباحت الزنا إلا زنا الزوجة، وعند النصارى لا يوجد طلاق إلا إذا ثبت أن الزوجة زنت فعند ذلك للزوج أن يطلقها. الشاهد أنَّ زنا المرأة طعن في زوجها ومعنى ليس من أهلك أي ليس من أهل ملتك وليس على دينك.

стр. 1616

[فيقول نوح: اذهبوا إلى إبراهيم خليل الرحمن، فيقول لست لها، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات] وهي قوله (إني سقيم) مع أنه يجاهد ويجادل بها عن دين رب العالمين، وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقال عن سارة (إنها أختي) وهو صادق في كل ما قاله فهي أخته في دين الله بما أن هذا الكلام يوهم خلاف الظاهر فاستحى واعتذر فقال لست هنالك، ثم يقول إبراهيم [اذهبوا إلى موسى ﵇ فإن الله قد كلمه فيذهبون إليه فيقول: لست هنالك، ويذكر ذنبه ويستحي وأنه قتل نفساً..] مع أن النفس تستحق القتل لكن كأنه يرى أنه تعجل ولعله كان بالإمكان أن يصلح أمره، ثم يقول: [اذهبوا إلى عيسى فإنه عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيذهبون إليه فيقول: لست هنالك ولا يذكر ذنباً] أي أنا لست في هذا المقام ولا أتأهل له سواء كان عليّ ذنب أستحي به من الله أم لا، ثم يقول [اذهبوا إلى محمد ﵊ فإنه عبد صالح قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيذهبون إليه ويقولون اشفع لنا إلى ربك، فيقول ﷺ أنا لها وأنا صاحبها، فآتي تحت العرش فأسجد فيدعني الله ما شاء أن يدعني ويلهمني محامد أحمده بها لا أستحضرها الآن، ثم يقول لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفّع، فأقول: اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم أمتي] فتنصب الموازين وتنشأ الدواوين. يقول العبد الفقير وهذا الحديث ورد عن طرق متعددة وبروايات كثيرة من ذلك أن كل نبي لما تطلب منه الشفاعة يقول: [إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ثم يذكر ذنبه ويقول: نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى غيري....] . وكذلك لما يذهب الناس إلى كل نبي يثنون عليه بما هو فيه فمثلاً يقولون لآدم: [أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ... ] .

стр. 1617

وفي بعض الروايات يعتذر نوح ﵇ عن الشفاعة فيهم بقوله: [وإنه قد كان لي دعوة دعوتها على قومي ... ] ولا يذكر أنه بسبب سؤاله ما ليس له به علم. ومن ذلك أيضاً أنه لما يطلب من أي نبي الشفاعة يعتذر فيقول: [لست هنالكم] ، وفي روايات [ليس ذاكم عندي] وفي روايات [لست هناك ولست بذاك فأين الفعلة؟] أي الخطيئة أو الفعل الذي ارتكبه واستحى به من الله، وفي روايات [لست هناك] فقط. وهناك ألفاظ وروايات أخرى يطول ذكرها.

стр. 1618

وعلى كل حال الحديث الطويل الذي ذكرناه هو ما قد أفادته عدة روايات، وإلا فرواية الصحيحين – وهي الرواية المشتهرة – ليس فيها التصريح بهذه الشفاعة العظمى للقضاء بين الخليقة بل اقتصر رواتها على ذكر شفاعة واحدة أخرى، ولكن يستفاد من نص الحديث في الصحيحين أن شفاعته ستكون للقضاء بين الخليقة بما ذكر في أول الحديث من اغتمام الناس وتضايقهم وكربهم وفزعهم من طول الاجتماع في هذا الصعيد الواحد، ثم إن ابن خزيمة بعد إيراده للحديث في كتابه (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب – أي الحديث الذي في الصحيحين – أراد أن يدلل على أن الشفاعة المذكورة فيه إنما هي الشفاعة التي يشفع بها النبي ﷺ ليقضى بين الخلق حيث بوّب باباً بعد إيراده لرواية الصحيحين فقال: (باب ذكر الدليل على أن هذه الشفاعة التي وصفنا أنها أو الشفاعات هي التي يشفع بها النبي ﷺ ليقضي الله بين الخلق فعندها يأمره الله أن يدخل من لا حساب عليه من أمته الجنة من الباب الأيمن فهو أول الناس دخولاً الجنة من المؤمنين) ثم أورد حديثين يقرران ذلك: الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، وقال إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن وبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ﵇ فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم بموسى فيقول: كذلك ثم بمحمد ﷺ فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم.

стр. 1619

الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ [للأنبياء منابر من ذهب يجلسون عليها – قال – ويبقى منبري لا أجلس عليه ولا أقعد عليه قائماً بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول الله : يا محمد، ما تريد أن تصنع بأمتك؟ فيقول: يا رب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي – فما أزال حتى أعطى صكاً برجال قد بعث بهم إلى النار، وحتى إن مالكاً – خازن النار – يقول: يا محمد، ما تركت النار لغضب ربك في أمتك من نقمة] وقد اشترط ابن خزيمة في كتابه هذا ألا يورد إلا حديثاً يرويه عدل عن عدل وبعد صفحات ذكر باباً آخر فقال: (باب ذكر بيان أن للنبي ﷺ شفاعات يوم القيامة في مقام واحد، واحدة بعد أخرى) ثم قال: "أولها ما ذكر في خبر أبي هريرة ﵁ – ويقصد الحديث الطويل الذي رواه الشيخان أيضاً – وخبر عمر، وابن عباس – وقد تقدم قبل قليل ذكرها – وهي شفاعته لأمته ليخلصوا من ذلك الموقف وليعجل الله حسابهم ويقضي بينهم فرقة بعد أخرى - " ثم ذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم ربما اختصروا أخبار النبي ﷺ إذا حدثوا بها وربما اقتصروا الحديث بتمامه وربما كان اختصاراً بعد الإخبار أو أن بعض السامعين يحفظ بعض الخبر ولا يحفظ جميع الخبر وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن فإذا جمعت الأخبار كلها علم حينئذ جميع المتن والسند ودل بعض المتن على بعض، انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٢٤٢-٢٤٧) . (وهذا الكلام الذي كتبه هو من كلامي أنا وليس للشيخ الطحان أي مسؤولية عنه فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان والله الموفق) . وقد أشار الله إلى هذه الشفاعة في كتابه فقال: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) .

стр. 1620

وقد فسر (المقام المحمود) بأربعة معان ٍ: أولها: أنه هو الشفاعة العظمى. قد حكى الواحدي إجماع المفسرين على القول بهذا، وقد روى ابن أبي عاصم في (السنّة) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ [في قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) قال: الشفاعة] وإسناده ضعيف لكن الحديث صحيح لشواهده وقد حسنه الترمذي. وروي أيضاً عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ : [إذا كان يوم القيامة كنت أنا وأمتي على تل، فيكسوني حلة خضراء، ثم يأذن لي ﵎ أن أقول ما شاء الله أن أقول وذلك المقام المحمود] وإسناده جيد (وهذان الحديثان ذكرتهما أنا ولم يذكرهما الشيخ الطحان) . ثانيها: أنه لواء الحمد: ولا تعارض بينهما فهو يحمل لواء الحمد عندما يشفع وتحت لوائه آدم فمن دونه، فإذن لواء الحمد والشفاعة في وقت واحد. ثالثها: أن المقام المحمود هو كل خصلة حميدة يحمده عليها الأولون والآخرون في الدنيا والآخرة. رابعها: أن يجلس معه على العرش وهذا روي في تفسير الطبري وغيره [أن الله يُجْلِسُ نبيه على عرشه معه وهذا هو المقام المحمود] . والأقوال الثلاثة الأولي كلها مقبولة، والأخير الرابع جرى حوله كلام حتى أن بعض الأئمة استنكروه. المحاضرة الثانية والعشرون والأثر الذي رواه الطبري هو عن مجاهد فهو إذن ليس بمتصل إلى نبينا ﷺ ولم يثبت عندنا عن طريق موصول صحيح.

стр. 1621

والمعتمد عند أهل السنة الكرام أن هذا ونظائره إذا ثبت نؤمن به دون البحث في كيفيته، إقرار وإمرار، لكنه كما قلنا لم يثبت مرفوعاً فلذلك نتوقف فيه لا نرده ولا نثبته ونقول بموجبه وأكثر ما يمكن قوله أنه مرسل له حكم الرفع، والمرسل ضعيف لا يحتج به في الأحكام العملية فكيف في أمور الاعتقاد؟ لذلك لا نعتقد بموجبه لأن هذا يحتاج إلى نص ثابت لأنه كما لا يجوز أن تنفي أمراً ثابتاً في العقيدة لا يجوز أن تعتقد ما لم يثبت، فنتوقف فيه ونبين أنه روي أي من جملة الأقوال المروية. عدد من الأئمة ومن جملتهم الواحدي والرازي وأبو حيان وعدد من المفسرين قالوا، لو ثبت لكان مشكلاً فينبغي أن نطرحه – وأكثر من تبني رد هذا الإمام الواحدي قال: هذا التفسير باطل لا يصح، فالله يقول (عسى أن يبعثك) وهذا يفسر البعث بالقعود والجلوس، والبعث ضد الجلوس فكيف يفسر الشيء بضده؟! هذا الأمر الأول، أما الأمر الثاني: قوله (مقاماً محموداً) وهنا يقول مجلساً، والمقام ما يحصل فيه القيام. وأنا أقول هذا الأثر لو ثبت عن نبينا ﵊ فيمكن الخروج من هذه الاعتراضات فنقول: (يبعثك) أي يظهرك في مقام محمود وليس المراد منه البعث الذي هو ضد الجلوس والقعود. والمقام هنا ليس المراد منه أنه ضد الجلوس، بل المراد من المقام المنزلة والرتبة والشرف والفضيلة والفخر، وعلى هذا المعنى يحصل المقام للإنسان إذا جلس أو إذا قعد ولا فرق فليس المراد خصوص قيام أو خصوص قعود وجلوس، وهذا على تقدير ثبوته. وكان أئمتنا يقولون: لمجاهد قولان غريبان، وأنا أقول ثلاثة أقوال، وهي: ١) هذا الذي ذكرناه: تفسيره للمقام المحمود. ٢) قال في قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) قال: تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شيء من خلقه.

стр. 1622

وهذا الأمر ثابت بإسناد صحيح إلى مجاهد وهي زلة من زلاته وهفوة من هفواته فلترد ولتطرح، ولو نقلت عن صحابي – وحاشاهم رضوان الله عليهم – لطرحت لأجل الحديث المتواتر بأن المؤمنين يرون ربهم في جنات النعيم، يقول ابن كثير بعد نقله لأثر مجاهد هذا: هذا باطل، يقول ابن كثير في تفسيره: (ومن تأول ذلك بأن المراد بإلى مفرد آلاء وهي النعم..... فقد أبعد هذا الناظر النُّجْعَة وأبطل فيما ذهب إليه ... ) . ٣- القول الثالث: ولم يذكره العلماء وأضيفه أنا وهو مردود على مجاهد، قال تعالى (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) قال مجاهد هذا مثلٌ ضربه الله لهم ولم تمسخ أبدانهم، أي أن المسخ حصل لقلوبهم فصاروا بمنزلة القردة وخستها لا أن أبدانهم مُسِخت حقيقة وهذا باطل قطعاً وجزماً. ثلاثة أقوال: القول الأول نتوقف فيه، والقولان الآخران – الثاني والثالث – نردهما بلا بلا توقف وكل إنسان يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى ﷺ ، ومن أخذ بشواذ العلماء ضلّ، ومن تتبع رخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، ولذلك مفتي عمان أخذ هذا الأثر عن مجاهد وجعله مثل قميص عثمان، يلوح به في رسالته يقول قال مجاهد: "تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شيء من خلقه" نقول له: مجاهد على العين والرأس ونبينا ﵊ فوق العين والرأس وعندما يتعارض كلام مجاهد مع كلام النبي ﷺ فبكلام من نأخذ؟! طبعاً بكلام من لا ينطق عن الهوى، فنقول مجاهد أخطأ فكان ماذا؟ أما نبينا ﵊ فهل يمكننا أن نقول إنه أخطأ؟!! فأنت يا مفتي بين أمرين إما أن تخطئ النبي ﷺ وإما أن تخطئ مجاهد!!.

стр. 1623

فكيف رضيت أن تخطئ النبي ﷺ واستصعب عليك أن تخطئ مجاهد، وإني لأعجب أعظم العجب لهذا المفتي جاء لأثر مجاهد وجعله هو العمدة في مسألة الرؤية، وأما الأحاديث المتواترة في الموضوع فأَعْرَضَ عنها صفحاً ولم يأخذ بها. إخوتي الكرام ... للإمام الذهبي ﵀ وهو تلميذ ابن تيمية – كتاب اسمه (العلو للعلي الغفار) احرصوا على شرائه ففيه خير كثير والكتاب كله في مسألة واحدة وهي إثبات العلو لربنا العلي. وقد تعرض فيه لأثر مجاهد في أربعة أماكن في (صـ ٩٤) ، (صـ ٩٩) ، (صـ ١٢٤) ، (صـ١٧١) وسأقرأ لكم مكانين فقط من هذه الأمكنة وارجعوا إلى البقية: أولاً: في (صـ ٩٤) قال: " [عن مجاهد: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً) قال: يجلسه أو يقعده على العرش] لهذا القول طرق خمسة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره وعمل فيه المروزي مصنفاً وسيأتي إيضاح ذلك بعد". ثانيا: في (صـ ١٢٤) قال: "قال المروزي سمعت أبا عبد الله الخفماف يقول: سمعت ابن مصعب وتلا: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) قال نعم: يقعده على العرش".

стр. 1624

ذكر الإمام أحمد ابن مصعب فقال قد كتبت عنه وأي رجل هو!، ثم قال الذهبي: فأما قضية قعود نبينا ﵊ على العرش فلم يثبت في ذلك نص – كما قلتُ لكم ما ثبت مرفوعاً إلى نبينا ﵊ – بل في الباب حديث واهٍ، وما فسَّرَ به مجاهد الآية كما ذكرنا فقد أنكره بعض أهل الكلام، فقام المرْوَزي وقعد وبالغ في الانتصار لذلك وجمع فيه كتاباً، وطرقُ قول مجاهد من رواية ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، وأبي يحيى القتات وجابر بن زيد، فمن أفتى في ذلك العصر بأن هذا الأثر يسلّم ولا يُعارض: أبو داود السجستاني صاحب السنن، وكان يقول: من رده فاتهمه – أي أنه من أهل البدع - , إبراهيمُ الحربي (وقع في طبعة المطبعة السلفية بالمدينة لهذا الكتاب الجربي – وهو خطأ) وخلقٌ بحيث أن ابن الإمام أحمد قال عقيب قول مجاهد: أنا منكر على كل ما رد هذا الحديث وهو عندي رجل سوءٌ متهم، سمعته عن جماعة وما رأيت محدثاً ينكره، وعندنا إنما تنكره الجهمية" ثم بدأ يسوق الأسانيد عن مجاهد في قوله السابق الذكر. وهذه الشفاعة العظمى الثابتة لنبينا ﵊، وردت بها أحاديث كثيرة – كما قلت إنها متواترة – وذكرت حديث الشفاعة الطويل، ومن تلك الأحاديث المتواترة: ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ [أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فإيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأعطيت الشفاعة، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة] . وقد امتازت رسالة نبينا ﵊ بأمرين: أولهما: الختام فهي خاتمة الرسالات. ثانيهما: العموم عامة لكل الناس وللجن أيضاً. والمقصود بالشفاعة الواردة في الحديث الشفاعة العظمى فهو الذي يشفع في أهل الموقف بعد أن يعتذر باقي الأنبياء عنها.

стр. 1625

وثبت في صحيح مسلم وسنن الترمذي وأبي داود عن أبي هريرة ﵁ عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: [أنا سيد ولد آدم يوم القيامة] وفي رواية أبي داود بحذف: [يوم القيامة] ولا تعارض بينهما، فهو سيد مطلقاً في الدنيا وفي الآخرة، لكن متى تظهر السيادة؟ هنا في الدنيا يوجد من ينازعه، وأما هناك فلا يوجد أحد يستطيع أن يدعي أنه سيد، هذا كما قال تعالى: (مالك يوم الدين) وهو مالك الدين والدنيا، لكن هنا يوجد من ينازعه ويقول: لا إله والحياة مادة، و (إنما أوتيته على علم عندي) ، و (هذه الأنهار تجري من تحتي) وأنا ربكم الأعلى فيوجد من يقول هذا، وأما هناك في الآخرة فلا يوجد من يقول هذا كل واحد يقول (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) . إذن سواء حذفت يوم القيامة أو ذكرت لا إشكال، لأنه إذا ذكرت فالسيادة تظهر في ذلك اليوم لعدم المنازع. ثم قال [وأنا أول من تنشق عنه الأرض] فأول من يبعث هو نبينا ﵊. ثم قال [وأنا أول شافع وأول مشفَّع] وليس بين اللفظين [شافع ومشفع] تكرار، فالشافع هو الذي يطلب الشفاعة لغيره والمشفَّع هو الذي تقبل شفاعته، فنبينا ﵊ سابق بالأمرين لا يشفع أحد قبله ولا يشفَّع أحد قبله، لأنه لو لم يُشفَّع قبل غيره، فقد يشفع بعض الأنبياء إذن بعد، لكن يجابون قبله فيكون غيره أول مشفّع، فإنه لا يلزم من ثبوت الشفاعة حصول التشفيع فقد يشفع ويؤخر سنة. ولو قال ﷺ : أنا أول شافع فقط (ربما توهم البعض أن نبينا ﵊ يسبق في طلب الشفاعة لكن تؤخر إجابة نبينا ﵊، فدفعاً لهذا التوهم قال: كل من الأمرين سيحصلان لي على سبيل الأولية فأنا أول من يشفع وأول من يجاب في قبول الشفاعة، ﵊ .

стр. 1626

وثبت في سنن الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، أنه قال [أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا، ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر] . إذن هو أول الناس خروجاً عندما يبعث الناس، وهو الذي يخطب الناس إذا وفدوا على الله واجتمعوا وهو مبشرهم إذا أيسوا بطريق الشفاعة العظمى ... س: بخصوص الدعاء الوارد بعد الأذان (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... ) هل يعتبر هذا الدعاء شفاعة للنبي ﷺ ؟ وإذا كان شفاعة فكيف تكون الشفاعة لخير البرية الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو الذي نرجو منه أن يشفع لنا عند رب العزة ؟ جـ: هذه الشفاعة منا لنبينا ﵊ بأن يعطيه الله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود إنما تحصل بعد إذن من الله، لأن النبي ﷺ أخبرنا بذلك فقال [سلوا الله لي الوسيلة] ثم أخبرنا بفضيلةٍ لهذا السؤال وهو أن من سأل الله لنبيه الوسيلة [حلت له الشفاعة] وحلت من الحلول والنزول لا من الحل ضد التحريم، أي نزلت عليه شفاعتي أي استحقها كان الله قال لنبيه ﵊: بشر أمتك بأن من سأل لك هذا ستشفع له يوم القيامة، فإذن هذه الشفاعة بإذن من الله لنشفع لنبيه ﷺ في أمر حاصل وثابت. س: فإن قيل ما فائدة هذه الشفاعة إذن؟ الجواب: لأوضح لكم الجواب أضرب لكم مثالاً مشابهاً:

стр. 1627

ألم يقل الله (إن الله وملائكته يصلون على النبي) ؟ يصلون ولم يقل صلوا، وفعل المضارع يفيد التجدد والحدوث، فصلاة الله على نبيه لا تنقطع وصلاته عليه أن يثني عليه في الملأ الأعلى وأن يتحدث بذكره ومحامده (ورفعنا لك ذكرك) فلا يذكر الله إلا ويذكر معه نبيه عليه صلوات الله وسلامه، فماذا قال الله بعد ذلك؟ (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) وصلاتنا على نبينا عليه صلوات الله وسلامه أن نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وغيرها من الصيغ نحقق فيها الصلاة على نبينا ﵊. إذن الله يصلي عليه ونحن نقول اللهم صلِّ فما فائدة هذا والصلاة من الله لا تنقطع؟ انتبه!! هذا مثل ما ورد في حديث الشفاعة [حلت له شفاعتي] وهنا فائدة الصلاة عليه ﷺ [من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً] فصلاة الله حاصلة لنبيه صلينا عليه أوْ لم نصل، لكن فائدة هذا تعود إلينا وذلك حتى ننتفع من هذه القربة، وفائدته لنعلم قدر نبينا عليه صلوات الله وسلامه وهذه فائدة عائدة لنا. وفائدته لنتحدث بفضائله ﵊ وفائدة هذا عائدة لنا، وأما هو ﷺ – فعالي القدر رفيع المنزلة، الله يصلي عليه وسيعطيه الوسيلة، سواء قلنا هذا أو لم نقل.

стр. 1628

وفائدته ليغرس نبينا ﵊ في قلوبنا حبه، وليغرس في قلوبنا أمور الاعتقاد وأنه رسول الله وليغرس في قلوبنا أن الشفاعة ثابتة له، وهذا من أمور الاعتقاد، وليغرس فينا معاني الإيمان أمرنا بأن نقول هذا الدعاء، وإلا لو اجتمع أهل الأرض قاطبة على سب النبي ﷺ هل ينقص ذلك من قدره؟! لا، فماذا سيفعل العباد له بعد قول الله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) ، وماذا سيفعل العباد بعد قول نبينا ﵊ [آتي باب الجنة] فأستفتح فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك] . وكذلك ما فائدة ثناء العباد عليه ﷺ وما مضرة ذمهم؟ إنما هذا عائد لهم، فنحن لا نسأل هذا لنبينا ﵊ لكونه غير حاصل ليحصل بدعائنا له إنما هو حاصل ثابت، فإذا كان ثابتاً ليحصل لنا من رواء هذا الأجر والمغنم وغرس عقائد الإيمان في ذلك. وقد كان أبو هريرة ﵁ إذا رأى غلاماً صغيراً في المدينة يمسح على رأسه ويقول يا بني إن أدركت عيسى بن مريم فسلم عليه، فما مراد أبي هريرة من هذا؟ مراده أن يغرس في قلب هذا الغلام الإيمان بنزول عيسى ﵇، وإلا فإن أبا هريرة موقن أن هذا الغلام لن يدرك عيسى بن مريم ﵇، لكن هذه لابد من أن تُغرس في القلوب بأساليب مختلفة، تارة يقول النبي ﷺ : أنا أول شافع وأول مشفَّع، وتارة يقول [سلوا الله لي الوسيلة] فمن سألها لي [حلت له شفاعتي] ، إذن هذا ليحصل لنا الإيمان بالشفاعة لأنها من أمور الاعتقاد وليحصل لنا الأجر ولتتعلق قلوبنا بنبينا ﵊، ولا شيء يغرس الإيمان في القلوب كالتكرار.

стр. 1629

وهنا طلب الشفاعة من هذا الباب وهو كذكر الله وعبادته فالفائدة تعود لنا، وإلا من المستفيد من قولنا: لا إله إلا الله، سبحان الله، الله أكبر، نحن أم الله؟ نحن، فلسانك يتلذذ وقلبك يخشع وينتعش ونفسك تتنور، وتحصل على أجر بعد ذلك في الدنيا والآخرة وليس معنى أنه إذا ذكرنا الله وأثنيا عليه يرتفع قدره، وإذا كفرناه ينقص؟ حاشاه بل فائدة هذا تعود لنا كما قلنا، ولذلك يقول الله ﵎ فيما يرويه عنه رسوله ﷺ : [يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً] . وللتقريب أقول لكم ولله المثل الأعلى: لو دخلت أنت على مدير مثلاً فقلت له السلام عليك أيها المدير، ودخل آخر وقال السلام عليكم، فقط فإنك ستجد أن المدير يرحب بك ويكرمك أكثر من الآخر لأنك بكلمتك هذه أظهرت له أنك تعترف وتقر بأنه مدير وليس معنى ذلك أنك إن لم تقل له ذلك أنه فُصِل لكن لكلمتك اعتبار في الخاطر، إذن ففائدة هذه الكلمة تعود إليك ولا ينتفع منها المدير أبداً. الحاصل أن فائدة سؤال المقام المحمود لنبينا ﵊ عائدة لنا ونحن الذين سننتفع من وراء ذلك والله أعلم. ٢- استفتاح باب الجنة: وطلب الشفاعة بفتحها فلا تفتح أبواب الجنة حتى يشفع نبينا ﵊ بفتحها فتفتح له. وقد ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وهو أول حديث في الجامع الصغير – عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال [آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من؟ فأقول: محمد، فيقول: بل أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك] .

стр. 1630

فالجنة لا يدخلها أحد ولا تفتح لأحد من متقدمين ومتأخرين حتى يشفع نبينا ﵊ بفتح أبواب الجنة فيأتي ويستأذن ويطلب من الله الدخول، ثم يدخلها أهلها بعد أن يدخلها نبينا ﵊. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس أيضاً عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: [أنا أول من يقرع باب الجنة] ، هذه هي الشفاعة الثانية من الشفاعات الخاصة بنبينا ﵊. ٣- إدخال قوم الجنة بغير حساب: فيشفع لهم إلى الكريم الوهاب فيدخلون الجنة بغير حساب، ولا ينشر لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان. نسأل الله أن يمن علينا بالجنة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وأما أن تتعلق همتنا بأن نكون من هؤلاء، فوالله إننا لنستحي من ربنا أن يعلم منا أننا نتطلع إلى هذه المراتب، وكل واحد يعرف نفسه (بل الإنسان على نفسه بصيرة) ، فنسأل الله حسن الخاتمة.

стр. 1631

وقد ثبت هذا في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه قال: [عُرِضت عليّ الأمم] أي مثلت له وكيف ستعرض يوم القيامة [فرأيت النبي ومعه الرُّهَيْط] تصغير رهط وهي الجماعة دون العشرة [والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سوادٌ عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سوادٌ عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومنهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض، فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يُشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن مِحصَن فقال ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة] هذه الرواية من مختصر صحيح مسلم. ومحل الشاهد هو طلب عكاشة من الرسول ﷺ أن يكون منهم فأخبره النبي ﷺ [أنت منهم] ونبينا عليه صلوات الله وسلامه لا ينطق عن الهوى، فشفع إلى الله فأخبره الله أن عكاشة من هؤلاء. وقد ورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: [اللهم اجعله منهم] وورد في بعض الروايات أن عكاشة قال بعد أن ذكر النبي ﷺ أوصاف السبعين ألف، قال: [أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال نعم] . إذن هنا شفع نبينا ﵊ لعكاشة وسيشفع لهؤلاء بأن يدخلوا الجنة بغير حساب، هؤلاء لهم الأعمال الجليلة وهي:

стр. 1632

أولاً: (لا يكتوون) أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، والكي معروف وقد ثبت في صحيح البخاري عن نبينا ﵊ أنه قال: [الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي] . والمراد بقوله [شرطة محجم] : أي الحجامة، فيشرط الجلد ويشق وبعد ذلك يمص الدم، فأما [وأنهى أمتي عن الكي] والسبب في ذلك أنه فيه ما يشبه تعذيب الناس في جهنم، فجهنم نار وعندما يكتوي الإنسان كأنه عذب نفسه بالنار، ثم إن هذا العلاج لم يتعين عليك فما أكثر العلاجات التي يعالج بها المخلوقات، فما الذي ألجأك إلى أن تكتوي بالنار، يضاف إلى هذا أن العلاج بالكي قد ينتج عنه أذىً، وقد اكتوى بعض الصحابة – وغالب ظني أنه سعد بن عبادة ولا أستحضر اسمه بالضبط الآن – لكن الأثر ثابت – اكتوى فمات من أثر الكي، وكان قد اكتوى في رقبته. فإذن أحياناً قد يكتوي الإنسان ويتضرر، وقد يصبح هناك تشويه للجسم والجلد، ولذلك [أنهى أمتي عن الكي] . ثم إن أئمتنا قالوا: الكي دواء موهوم، وليس بمظنون، ولأمور ثلاثة: ١) مقطوع به وهو سبب لحصول المراد. ٢) مظنون به وهو سبب – في الظن الغالب – لحصول المراد. ٣) موهوم لا حقيقة فيه. فأما الأمر الأول: المقطوع به فيجب عليك أن تأخذه مثل الغِذاء، فلو تركت الطعام حتى مت تدخل النار، ولو قال إنسان: أنا أتوكل على الله ولا آكل فمات فهو من أهل النار. وأما الأمر الثاني: المظنون: وهو سائر أنواع العلاجات – غير الكي والرقية – إذا كانت غلبة الظن في الشفاء.

стр. 1633

ومعظم العلاجات التي تجري الآن في المستشفيات كلها من باب الظن لا من باب القطع الأخذ بها جائز وتركها أحسن وأفضل، وعدم التداوي عزيمة والتداوي رخصة، فمثلاً إذا أرادوا أن يجروا له عملية جراحية بأن قالوا له: في بطنك آفة لا تشفى منها إلا بعملية جراحية، فهذا مظنون، لأنه قد يفتح بطنه ويموت وقد يخطئ الطبيب في تشخيص الداء، وقد يخطئ في وصف الدواء وما شاكل هذا، فلو قال المريض: لا تفتحوا بطني، أموت على فراشي إذا جاءتني المنية ولا أريد العلاج لكان أفضل، ولو قال: افتحوه وأنا أتوكل على الله ومات فليس عليه إثم. وأنا أعرف بعض إخواننا من الطلاب في كلية أصول الدين في أبها أصيب بالسرطان – نسأل الله العافية – وهو في سنة أولى أصول الدين، ودرسته الفصل الأول وأصيب في الفصل الثاني وسرى السرطان في كفيه ثم انتشر بعد ذلك إلى ذراعه فعرضوه على الأطباء فقالوا لابد من بَتْر يده من الكتف، لأن علامات السرطان بدأت تمشي وتنتشر، فجاءني إخوته فقالوا لي: ما رأيك؟ فقلت: رأيي أن لا تعالجوه بقطع يده، دعوه لقدر الله، فإذا قدر الله له أن يموت فكل نفس ذائقة الموت، وإذا شفاه الله بغير علاج فهو على كل شيء قدير، لكن من ناحية الجواز جائز قطعاً، إنما أقصد أن يده تقطع من الكتف ثم بعد ذلك النتيجة ليست محققة بل هي غلبة ظن لكن ثم رأي الأهل بعد مدارسات على بتر يده فقطعت وبعد شهر توفي ﵀، لأن السرطان انتشر في سائر جسده حيث كان انتشاره خفياً ولم يكشفه الأطباء.

стр. 1634

وأعرف آخر أيضاً – بعده – من إخواننا، انتشر السرطان في معدته وكبده – نسأل الله العافية – وقرر بعد ذلك إجراء عمليات فجلس الأطباء – كما يقال يلعبون به – وهم أطباء من أعلى التخصصات يعملون له عملية في أبها على يد أمهر طبيب هناك، ثم أجريت له عملية أخرى في الرياض في أحدث مستشفى هناك تقريباً وهو مستشفى فيصل التخصصي – وأجرى عمليات خارج السعودية، لكنه مات بعد ذلك بعد أن جئت إلى رأس الخيمة، وما نفعه أحد من هؤلاء الاختصاصيين، وعلمت بوفاته عن طريق الاتصال بأبها والسؤال عنه، عليهم جميعاً رحمة الله. وما أعطى الناس من اليقين والإيمان خيراً من الصحة. إذن هذا مظنون إن أخذه لا حرج عليه وهو جائز، وإذا تركه جائز والترك أولى. وأنا أنصحكم ألا تلجأوا إلى عمليات، خصوصاً عمليات فتح البطن ولو استدعى بكم ذلك إلى الموت هذه نصيحة لا من باب أن هذا واجب، لأنه في الغالب عندما يفتح البطن تحصل مضاعفات اشد مما كانت ولا يعود الإنسان إلى طبيعته إذا فتح بطنه، بل تلازمه الآفات حتى يُلقى في الحفرة ميتاً، فاصبر على ما أنت عليه إذا قدر الله لك الحياة فالحمد له، وإذا قدر لك الموت فالموت لا يُخوِّف، وكل نفس ذائقة الموت، نسأل الله حسن الخاتمة. وأما الأمر الثالث: الموهوم، وهو كالكلي فهو وهمي ليس بمظنون، فهو شيء من تضخيم الأمر وتوهمت أن الكي فيه علاج مع أنه توجد أدوية أخرى تنوب عنه ليس فيها مضرة الكي، ثم قد يوسع دائرة الضرر عليك عندما تتداوى به – كما ذكرنا. ثانياً (لا يتطيرون) : أي لا يتشاءمون بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع ونحوها، فالتطير والتشاؤم موهوم فاتركه وابتعد عنه. وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً [الطيرة شرك الطيرة شرك] وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (هذا الحديث من زياداتي) .

стр. 1635

ثالثاً: (لا يسترقون) : أي لا يطلبون الرقية، والرقية معروفة، وقد ورد في صحيح مسلم في رواية [ولا يرقون] ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ ولا يرقون". والرواية التي معنا وهي في الصحيحين أيضاً: [لا يسترقون] والذي يظهر لي – والعلم عند الله – أن كلاً من الروايتين ثابت، والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله واهم في رد تلك الرواية. وهو يقول: لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية من غيرهم لأن هذا ينافي التوكل، أما أنه يرقي غيره فلا حرج لأن هذا من باب نفع الغير، نقول والله أعلم – ما في الاسترقاء موجود في الإرقاء، فعندما يأتي غيرك ليرقيك ينبغي أن تمتنع إن كان هذا ينافي التوكل، وأنت لا ينبغي لك أن ترقيه إن كان هذا ينافي التوكل. والأصل أن الرقى الشرعية جائزة، فما الحكمة من أن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لا يرقون ولا يسترقون مع أنها جائزة وحالها كحال العلاجات الأخرى؟ الذي يبدو لي – والعلم عند الله – وما رأيت من نبه على هذا من أئمتنا وقد رأيتهم يحومون حول الحديث فأقول: أولاً: الذي يسترقي فهو وإن كان يطلب علاجاً شرعياً، لكنه قد يضع في قلبه – لا أقول شرك – أن هذا الإنسان له مزية ودعاءه له أثر، وهو عند الله معتبر فإذن كأنه صار فيه شيء من رجم الغيب، وكأنه صار فيه شيء من الاعتماد على الرقية وعلى الراقي، لذلك تحد أنك لا تأتي تطلب الرقية إلا من أناس معينين.

стр. 1636

ونحن نقول إنه يعتقد في الراقي أنه يشفي لا، لأنه لو فعل هذا لأشرك، بل نقول صار في توكله شائبة وهذا بخلاف ما لو وصف لك الطبيب دواءً حسياً فهنا لا أثر له على توكلك ولا تتعلق به نفسك، وتتناوله كما تتناول الطعام، وأما الرقية فليست شيئاً حسياً فإنه يقرأ الفاتحة مثلاً وسورة الفلق والناس وآية الكرسي ويدعو فيقول (اللهم رب الناس أذهب الباس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ... ) وينفث عليه، فقد يقع – بالتالي – في نفسك شيء من الأثر. ثانيا: الراقي: فهو عندما يرقي أيضاً كأنه صار في نفسه شيء يقدح في توكله من حيث أنه يرى أنه صار له شيء من المزية والمكانة حتى صار يرقي، ولذلك نقول لا حرج في رقية نبينا ﵊ لغيره لأنه مزيته ثابتة وهو خير خلق الله، وسيد ولد آدم وأما من عداه فهل يستطيع أن يجزم لنفسه بمزية؟ وهل يستطيع أن يقول: أنا رجل مبارك ودعائي له أثر؟!! لا يستطيع، وبالتالي من رَقَى فكأنما صار في نفسه هذا المعنى، والعلم عن الله. ومما ينبغي أن نعلمه أن هؤلاء السبعين ألفاً ليسوا أفضل من غيرهم بإطلاق، فانتبهوا فإن المزية لا تقتضي الأفضلية، فقد يكتوي صديق ويحاسب وهو عند الله أعلى منزلة من هؤلاء فهذه ميزة لهؤلاء فقط أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ولا يلزم أن تكون منزلتهم أعلى من غيرهم. ثم ذكر النبي ﷺ الوصف والأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال والخصال فقال: [وعلى ربهم يتوكلون] . وقد ورد أيضاً وصف آخر وقيد آخر، لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، ووصف آخر يخرجون من البقيع، فهذه خاصة بمن يدفن في البقيع بالمدينة المنورة.

стр. 1637

ثبت هذا في رواية الطبراني من حديث أم قيس بنت محصن عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: [يحشر من هذه المقبرة – وأشار إلى البقيع سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب كأن وجوههم القمر ليلة البدر] إذن لهم شرطان: الأول: فعلهم فهم لا يسترقون ولا ولا والشرط الثاني: مكانهم: فهذا خاص بمن يتوفى بالمدينة ويدفن في البقيع. وأما من عداهم فقد يحاسب ويكون أعلى درجة منهم، وقد ورد لهذا شاهد، فقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن خزيمة وصحيح بن حبان – والحديث صحيح – عن رفاعة الجهني عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: [وعدني ربي أن يدخل من أمتي سبعين ألفاً الجنة بغير حساب، وأنا أرجو ألا يدخلوها حتى تتبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة] . إذن أنتم تدخلون قبلهم وتتبوءوا المنازل، لكن هم لهم خصوصية الدخول بغير حساب. المحاضرة الثالثة والعشرون تنبيه: لا يشفع النبي ﷺ للسبعين ألفاً كلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب، بل يشفع لبعضهم ليكونوا منهم ويدخلوها بغير حساب، والبعض الآخر يكونون منهم ويدخلوها بغير حساب السبب ما جرى منهم من أعمال وبفضل الله عليهم. أي أن هذا النوع من الشفاعة – أي الثالث – لا يثبت لغير نبينا ﵊، فلا يوجد أحد يشفع لغيره في أن يدخل الجنة بغير حساب، ولم نورد حديث ابن عباس هنا لإثبات شفاعته ﷺ للسبعين ألفاً بل لإثبات شفاعته لعكاشة ابن محصن، وكيف شفع له النبي ﷺ فصار من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب. فائدة:

стр. 1638

هؤلاء السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ورد عن نبينا ﵊ ما يشير إلى أن مع كل ألف منهم سبعون ألفاً أيضاً، ورد الحديث بذلك في سنن الترمذي وابن ماجه ومعجم الطبراني الكبير وصحيح ابن حبان – والحديث صحيح – عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب ومع كل ألف سبعون ألفاً] . فالسبعون ألفاً اقسمها على ألف يصبح معك سبعون، ثم اضرب السبعين هذه بسبعين ألف (أخرى غير الأولى) يصبح معك أربعة ملايين وتسعمائة ألف (٤.٩٠٠.٠٠٠) يدخلون الجنة بغير حساب بفضل الله ورحمته. وثبت في صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني الكبير عن عتبة بن عبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: [ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفاً ثم يحثي ربي ثلاث حثيات] . ونسأل الله أن لا يبقى أحد من أمة نبينا عليه صلوات الله وسلامه إلا ويخرج بهذه الحثيات. و (الحثية) ملء الكفين. فيحثو ربنا ثلاث حثيات من هذه الأمة ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته، [ثلاث حثيات] إقرار وإمرار، لا نبحث في كيفية هذه الحثيات. المحاضرة الرابعة والعشرون س: هل السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة مع كل ألف لابد أن تكون فيهم نفس الصفات المذكورة في السبعين ألفاً الأصليين؟ جـ: لهذا العدد الذي يدخل مع السبعين ألفاً هم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قطعاً كحال السبعين ألفاً المتقدمين، لكن هل يعملون بمثل عملهم أم لا؟ يحتمل الأمر الأمرين، ولم يرد ما يدل على واحد منهما عن نبينا ﵊: أ) فيُحتمل أنه لابد من وجود هذه الصفات الخمس فيهم (لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يرقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) . فإن قيل: إذا وجدت فيهم هذه الصفات الخمس فلمَ لم يكونوا من السبعين ألفاً؟

стр. 1639

نقول: اعلم أن كل أمر له شروط لابد من وجودها، وموانع لابد من انتفائها لحصول ذلك الأمر، فهؤلاء السبعون ألفاً الآخرون قد توجد فيهم هذه الصفات كلها لكن لعله عندهم نقص في صفات أخرى، افرض مثلا ً– وكل بني آدم خطاء – أن عندهم نقصاً أحياناً في تأخير بعض الصلوات، فهم لم يحصّلوا جميع الشروط المطلوبة، إذن هذا الوصف – وهو دخول الجنة بغير حساب – لمن التزم بالأوامر والنواهي فعلاً وتركاً وحافظ بعد ذلك على هذه الصفات الخمس، إذ أنه عندنا شروط خاصة وشروط عامة، وشروط عامة هي الالتزام بكل مأمور وترك كل محظور، (انظر فتح الباري ١١/٤١٠) . ب) ويحتمل أن يكون هؤلاء السبعون ألفاً الآخرون ليس فيهم صفة من هذه الصفات الخمس أو فيهم تفريط في بعض الصفات، فتوكلهم ليس بالدرجة الكاملة التي يقوم بها الراسخون في التوكل فربما رقوا أو استرقوا أو صدر منهم أحياناً تطير، فيمكن أن يكون قد وجد فيهم شيء من هذا. إذن لعله وجدت فيهم الصفات الخاصة كلها لكن تخلف فيهم بعض الصفات العامة ولعله وجدت فيهم الصفات العامة لكن الصفات الخاصة لم توجد بالكلية أو وجد بعضها، ولا يوجد دليل يوضح ذلك فالمسألة تحتمل الأمرين والعلم عند الله. ٤- شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب: هذه هي آخر الشفاعات الخاصة لنبينا ﵊، وهي خاصة بعمه فقط، والسبب في ذلك أن أبا طالب مات على الكفر، والله أخبرنا عن الكفار – كما تقدم – أنه لا تنفهم شفاعة الشافعين (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ، فالكافر إذن لا تنفعه شفاعة باستثناء أبي طالب. والله سبحانه يقول في سورة البقرة (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) أما هذه فخاصة فإنه يخفف عن أبي طالب، لكن لا يخرج من النار. فإن قيل: كل كافر لا يخفف عنه فلماذا أبو طالب يخفف عنه؟

стр. 1640

نقول: شفاعة خاصة لنبينا ﵊ بأبي طالب فتنفعه شفاعة النبي ﷺ مع أن الله قال (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ، ويخفف عنه العذاب مع أنه أخبر عن الكفار أنه (لا يخفف عنهم العذاب) . وهذا دل عليه أحادث النبي ﷺ : ففي الصحيحين وغيرها عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال [أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، يوضع في أخمص قدميه جمرتان من نار جهنم يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذاباً، ويرى نفسه أنه أشد أهل النار عذاباً] (أَخْمص) على وزن أَحْمر، وهو الانخفاض الذي يكون في وسط القدم من الأسفل. وقد ثبت في الصحيحين أيضاً وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ [أنه قيل للنبي ﷺ أرأيت عمك أبا طالب، كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ فقال: نعم، كان في غمرات من نار، فأخذته] أي بشفاعته ﵊ [فوضعته في ضحضاح من نار] ، وروي الحديث عن العباس ﵁ أيضاً. (كان في غمرات من نار) أي كان يخوض فيها وتغطي رأسه كأنه يسبح في نار جهنم. (ضحضاح) أصل الضحضاح الماء القليل كالذي يخوض فيه الأولاد ولا يجاوز كعبيهم ولا يُخشى منه غرق ولا تلف. فهذه شفاعة خاصة نؤمن بها ونثبتها لنبينا ﵊. إذن هذه أربع شفاعات خاصة لا يشاركه فيها أحد من المخلوقات. وأما الشفاعات العامة المشتركة بينه ﵊ وبين غيره من الشافعين: من الملائكة المكرمين ورسل الله وأنبيائه المباركين والصالحين إلى يوم الدين. ١- شفاعة أهل الجنة في قراباتهم اللذين دخلوا الجنة، لكن منزلتهم دون منزلتهم: فيشفعون لهم فيرفع الله درجة النازل إلي درجة العالي دون العكس، فلا ينزل العالي إلى درجة النازل، فالزوج يشفع لزوجته والزوجة لزوجها، والابن لأبيه والأب لابنه وهكذا بقية الأقرباء.

стр. 1641

ونبينا ﵊ له أعلى درجة في الجنة فسيشفع لزوجاته قطعاً وجزماً، ليكنّ معه، وهل يتصور أن تكون أمهاتنا زوجات نبينا ﵊ في مكان منفرد عنه؟!! وهنّ كما كن معه في الدنيا فهنّ معه في الآخرة. لكن هل وصلن إلي ذلك بعملهن؟ أم بشفاعة خير خلق الله لهن؟ بل بشفاعته لهن ﷺ . لكن هل يلزم من هذا تفضيل أمهات المؤمنين على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهم سيكونون دون أمهات المؤمنين في المنزلة قطعاً وجزماً؟ فمنزلة عائشة رضيَّ لله عنها فوق منزلة أبيها أبي بكر، لكن أباها أفضل منها وكيف هذا؟! نقول: لا تعارض لأن المزية لا تقتضي الأفضلية، فهي أعلى منه في الدرجة ولم تستحقها أصالة إنما تبعاً لزوجها نبينا ﵊، ولا يشترط لوجودها في تلك الدرجة أن يحصل لها من النعيم والتجليات ما يحصل للنبي ﵊ وما يغدق على النبي ﵊ من نعيم وأعظمه التجلي لله ورؤيته لا يشترط أن يحدث لهن هذا. وأبو بكر درجة أنزل من درجة أمهات المؤمنين لكن النعيم الذي يحصل له أكثر مما يحصل لهن، لأن كل واحد ينعم على حسب حاله – إن رفع – فهو في المنزلة مع صاحبه وقريبه لكن هذا ينعم بما لا ينعم به ذاك وكل واحد في شغل فاكهون. وأضرب لكم مثلا ً حسياً لأقرب لكم هذا ولله المثل الأعلى، الأمير عنده من يصب القهوة والشاي وهذا يدخل عليه ويختلط به كثيراً بل هو في غالب الأحيان يجلس في مجلسه ويقابله وجهاً لوجه ويخالطه بكثرة، فهل هذا الخادم يشعر بالمكانة التي يشعر بها الأمير وله من المنزلة ما للأمير؟.

стр. 1642

وفي المقابل هناك آخر عند الأمير مثلاً وزير فهو بعيد عن الأمير وقد لا يلتقي به في الشهر إلا مرة، لكن له من المنزلة ما ليس للخادم، فالذي يصب القهوة حصلت له مزية على غيره من الناس بأنه يجتمع مع الأمير صباح مساء، لكن هل يقتضي هذا أنه أفضل من الوزير؟!! لا يقتضي هذا فالمزية لا تقتضي الأفضلية. س: بالنسبة لمنزلة أبي بكر ﵁. نعلم أنه أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ ، فهل يعني هذا أن منزلته يوم القيامة أعلى من الأنبياء والرسل أومن بعضهم، لأنه هو الذي يليه؟! ج: نقول إن منزلة كل نبي أعلى من غيره مهما علا شأنه وفضله فمنزلة أدني الأنبياء منزلة أعلى من رتبة أعلى الصديقين وأفضلهم، فرتبة أبي بكر الصديق بعد نبينا ﵊ في هذه الدنيا فقط، ونحن نقول هذا لأجل إثبات فضيلته ومنزلته في هذه الأمة، لا في الأمم، فمنزلة الجنة موضوع آخر، نبينا ﵊ ثم خليل الرحمن ثم بقية أولو العزم من الأنبياء على ترتيبهم ثم يأتي بعد ذلك أعظم الصديقين من الأولين والآخرين أبو بكر. س: ما المانع من أن يشفع الرسول ﷺ لصاحبه حتى يكون معه في نفس المنزلة؟ جـ: لا يمكن هذا، لأن درجة النبي ﷺ في الجنة لا يشاركه فيها أحد غيره، ودونه الأنبياء والمرسلين ﵈ ولا يمكن لصديق أن تكون درجته أعلى من درجة نبي، فهي درجة عالية وكلهم يأخذون قربهم من ربهم على حسب درجاتهم وأعمالهم، فدرجة نبينا ﵊ أعلى الدرجات تليه درجة خليل الرحمن ثم بقية الرسل أولي العزم المكملون للخمسة نوح وموسى وعيسى ﵈ وبعد ذلك الرسل علي حسب ترتيبهم كما ذكرنا لكن مع كل رسول أهله ولابد، تبعاً لا أصالة.

стр. 1643

وأما إذا أردت أن تسحب هذا الآن فالنبي ﷺ يشفع لأبي بكر وأبو بكر يشفع لأسرته وبالتالي صاروا كلهم فوق منزلة أنبياء الله ورسله، هذا لا يحصل فذاك له مقام وهذا له مقام والعلم عند ربنا الرحمن. وقد ألف ابن حزم كتاباً سماه (المفاضلة بين الصحابة) وجزم في كتابه بأن أمهات المؤمنين أفضل هذه الأمة بعد نبينا ﵊. فقال: خديجة وعائشة وسائر أزواج نبينا ﵊ أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فقيل له من أين لك هذا؟ فقال: نحن نعلم ضرورة أن نساء النبي ﷺ معه في الجنة، ونعلم ضرورة أن منزلة النبي ﷺ أعلى من منزلة أبي بكر فمن دونه، فيلزم من هذا أن تكون منزلة زوجات النبي ﷺ ورتبتهم أعلى من منزلة أبي بكر ورتبته. فقال له أهل السنة كلاماً قطعوه به وأبطلوا قوله قالوا: يلزم من قولك أن تكون أم رمان وهي زوجة أبي بكر أفضل من عمر؟ قال: لا. قالوا له بطل قولك. إذن زوجاته معه ﷺ ، لكن لا يلزم من هذا أنهن أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وقد اتفق أهل الحق على تفضيل الشيخين بعد نبينا ﵊ بلا خلاف عند أهل السنة فخير هذه الأمة بعد نبينا ﵊ أبو بكر ثم عمر، واختلفوا في عثمان وعلي، والمعتمد عند جمهور المحدثين: ثم عثمان ﵁ ثم علي ﵁.

стр. 1644

فهن لهن هذه المزية ولهن أيضاً مزية أخرى حيث امتزن بخلطة النبي ﷺ ، وصحبته بما لم يحصل هذا لأبي بكر، ونقصد العشرة التي حصلت بين نبينا ﵊ وبين عائشة لم تحصل هذه لأبي بكر ولا لعمر، فهي عشرة خاصة تطلع فيها هذه المرأة على نبينا ﵊، فهذه مزية تذكر لها وتعرف بها، لكن لا يقتضي أنها أفضل من أبي بكر ﵁، ولو جمعت الفضائل والمزايا والخصوصيات التي في أبي بكر، والفضائل والمزايا التي في أمنا عائشة أو في غيرها، لوجدت أن أبا بكر يفوق على غيره ممن له مزايا، وأنه يفوق غيره من الصحابة والصديقين. وابن حزم – ﵀ – هو صاحب شذوذ كثير مع علم كبير فلنطرح شذوذه الذي يخالف فيه أهل السنة ولنأخذ بعلمه فيما عدا ذلك. وكان أئمتنا يقولون: "هو كالبحر يقذف بالدرر، ويرمي بالجيف" فالجيف اتركها واطرحها وخذ الدرر منه، ومن جملة ما شذ فيه وخالف فيه إجماع العلماء واتفاقهم، إباحته للمعازف والمزامير، ويطعن في حديث البخاري في ذلك [ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف] , ويقول هذا الحديث ضعيف لأنه معلق، وذلك أن البخاري لما رواه قال: قال هشام بن عمار ولم يقل حدثنا، وهشام بن عمار من شيوخ البخاري عليهم جميعاً رحمة الله، وإذا روى التلميذ عن شيخه بـ (قال) أو بـ (عن) أو بـ (سمعت) ونحوها فهذه الصيغ كلها تحمل على السماع إن لم يكن التلميذ مدلساً، والبخاري ليس بمدلس قطعاً وجزماً، وقوله قال هشام كقوله سمعت هشام. واجزم على التحريم أي جزم ... والحزم ألا نتبع ابن حزم ويقول الإمام العراقي: وإن يكن أول الإسناد حذف ... مع صيغة الجزم فتعليقاً عرف ولو إلى آخره، أما الذي ... لشيخه عزا بقال فكذي عنعنه، كخبر المعازف ... لا تصغ لابن حزم المخالِف س: المرأة إذا تزوجها أكثر من واحد لمن تكون؟ ج: لعلمائنا ثلاثة أقوال وردت فيها والمعتمد منها آخرها: فقيل: تكون للزوج الأول.

стр. 1645

وقيل: تكون للزوج الأخير. وقيل – وهو المعتمد – كما في المسند وغيره والحديث في درجة القبول – وأمنا أم سلمة ﵂ تسأل عن هذا رسول الله ﷺ فقال: [تكون لأحسنهم خلقاً، ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة] فتخير يوم القيامة بين من تزوجها لتختار من كان يُحسن عشرتها. إذن الشفاعة الأولى شفاعة أهل الجنة لقراباتهم، وقد ورد في كتاب الله ما يشير إلى هذا قال جل وعلا في سورة الطور (والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء) . (ما ألتناهم) أي ما أنقصناهم فنلحق النازل بدرجة العالي دون العكس. وثبت في مستدرك الحاكم (٢/٤٦٨) بسند صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: [إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان.....) الآية] والأثر موقوف على ابن عباس وله حكم الرفع لأنه يتعلق بمغيب ولا يمكن للعقل أن يستنبط هذا. وقد ورد هذا في مسند البزار مرفوعاً إلى النبي ﷺ عن ابن عباس أيضاً، انظر مجمع الزوائد (٧/١١٤) وزاد بعد قوله في العمل [لتقرّ بهم عينه] ، وهو صحيح أيضاً. وورد في معجم الطبراني الكبير والصغير تفسير ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: [إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا رب، عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به، ثم قرأ: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان.....) الآية] ، وهذا الأثر ضعيف، لأنه من رواية محمد بن عبد الرحمن بن غزوان وهو ضعيف، لكن يشهد له الأثران المتقدمان. وهذا التفسير هو أحد تفسيرين في الآية المتقدمة، على أن المراد من الذرية هنا: الأهل الكبار، وقيل - وهو التفسير الثاني – المراد من الذرية الأولاد الصغار.

стр. 1646

وقد ثبت في مسند الإمام أحمد بسند حسن عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال [إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، ثم تلا (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان.....) ] وهذه هي الآية الثانية التي تدل على أن أولاد المؤمنين في الجنة وتقدمت معنا الآية الأولى ص٢٢٥ وهي (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين) . ويقول الحافظ بن حجر عن الحديث الذي في مسند الإمام أحمد المتقدم وهذا خير ما فُسِّرت به الآية، والإمام الشافعي مال إلى أن أولاد المؤمنين في الجنة ورجحه في أحكام القرآن، وعدد من الأئمة واستدلوا بهذه الآية على أن أولاد المؤمنين الصغار في الجنة. ونحن نقول: الأمران، فالأولاد مع أبويهم إذا لم يبلغوا التكليف، والذرية تكون مع آبائهم إذا كانوا كباراً أيضاً إذا لم يؤهلهم عملهم لارتفاع درجتهم إلى درجة الأبوين، أو العكس، فقد يكون الأولاد في درجة أعلى من الآباء، فيرفع الله الآباء إلى درجة الأبناء، وهكذا الزوجين، ليكتمل السرور والأنس كما قال النبي ﷺ [لتقرَّ بهم عينه] ، والعلم عند الله. ٢- الشفاعة في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم بدخول الجنة: من رجحت حسناته على سيئاته: يدخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته: يدخل الجنة حتى يطهّر ويعذب ما لم تكن السيئة شركاً فلا ينفعه شيء من حسناته حينئذ بل يخلد في النار (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، من استوت حسناته وسيئاته: المعتمد أنه يحبس على الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار.

стр. 1647

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في بيان المراد بأهل الأعراف، وكلها قريبة ترجع إلى معنىً واحد، وهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم، فما عندهم ما يدخلهم الجنة وما عندهم ما يدخلهم النار ويرجح إحدى الدارين في حقهم، فيسجرون على الأعراف، ثبت معنى هذا عن ابن عباس وابن مسعود وعن غير واحد من السلف"، وهذا القول هو الراجح المعتمد من اثني عشر قولاً قيلت في بيان المراد بأهل الأعراف. فيحبسون على سور بين الجنة والنار – كما ذكرنا – وفي نهاية الأمر سيدخلون الجنة بفضل الله ورحمته ثم بتشفيع الله للصالحين من عباده فيهم فيشفعون لهم ويدخلون. وقد أشار الله جل وعلا إلى أنهم سيدخلون الجنة في كتابه إشارةً لطيفة ظريفة فقال جل وعلا (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) هذا هو الشاهد (لم يدخلوها وهم يطمعون) . قال أئمتنا: ما أطمعهم الله في دخولها إلا وهو يريد أن يدخلهم، ومعنى الآية أي جعل في قلبهم هذا الطمع وهذا الرجاء وسيحقق الله لهم ذلك، ثم قال تعالى (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) فهنا دعوا الله ألا يجعلهم مع هذا الصنف، أما إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب الجنة يتمنون ويطمعون أن يكونوا فيها مع أهلها. خلاصة الكلام: أهل الأعراف هم من استوت حسناتهم وسيئاتهم يشفع لهم النبي ﷺ وغيره من أنبياء الله ورسله والصالحين من عباده. ٣- الشفاعة لقوم من العصاة قد استوجبوا دخول النار لرجحان سيئاتهم على حسناتهم ألا يدخلوها: فيشفع لهم النبي ﷺ أو الصالحون من عباد الله بعد إذن الله لهم ورضاه عن المشفوع فيه، فيشفع الله الشافعين ويمنع هذا الإنسان من دخول نار الجحيم.

стр. 1648

دليل هذا: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه أيضاً وأبو داود والدارمي – والحديث قال عنه الترمذي غريب، وغرائب الترمذي لا تسلم من مقال فهي ضعيفة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [لقارئ القرآن إذا أحل حلاله وحرم حرامه أن يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار] ، وورد عن علي أيضاً بلفظ آخر مرفوعاً [من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب النار] ، وهو ضعيف أيضاً. والحديث ورد له شاهد يقويه، رواه الطبراني في الأوسط انظر مجمع الزوائد (٧/١٦٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ – وهو ضعيف أيضاً فيه جعفر بن الحارث وهو ضعيف لكن يتقوى الضعيفان ببعضهما ولا ينزل هذا الحديث عن درجة القبول إن شاء الله – عن نبينا ﵊ قال: [لقارئ القرآن إذا أحل حلاله وحرم حرامه أن يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار] . فإذ قرأ القرآن ثم أتى بشيء آخر حتى لا يكون من القراء الفسقة فأحل حلاله أي فعل الحلال معتقداً حله، وحرّم حرامه أي ترك الحرام معتقداً تحريمه، فهذا له جزاء عظيم عند الله يدخله الجنة ثم يشفعه في عشرة من أهل بيته وقرابته ممن استوجب دخول النار لرجحان سيئاته على حسناته فيشفع لعشرة منهم فيدخلون الجنة، والحديث كما قلت لا ينزل عن درجة القبول لأنه لا يوجد في رواتهما أحد كذاب أو متروك أو منكر الحديث، بل في رواتهما ضعف دون ذلك والضعف اليسير يزول بتعدد طرق الحديث، والعلم عند الله. المحاضرة الخامسة والعشرون ٤- الشفاعة فيمن دخل النار بالخروج منها: من دخل النار استحق أن يمكث فيها فترة طويلة فيشفع له الشافعون فيخرجه الله منها قبل أن تتم مدة عذابه.

стр. 1649

دليل هذا ما ثبت عن نبينا ﵊ أنه قال: [شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي] والحديث صحيح بل هو مستفيض ودرجة الاستفاضة دون المتواتر وفوق المشهور. الحديث: ١) ثبت عن أنس بن مالك ﵁ في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وأبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم. ٢) وثبت أيضاً من رواية جابر بن عبد الله في سنن الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد ومستدرك الحاكم. ٣) وثبت أيضاً عن ابن عمر ﵁ في مسند أبي يعلى والسنن الكبرى للبهيقي لابن أبي عاصم ومسند البزار. ٤) وروي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أيضاً. ٥) وعن كعب بن عجرة. ٦) وعن عوف بن مالك ﵃ أجمعين. وهذه الشفاعة شاملة لمن استوجب دخول النار ألا يدخلها، ولمن دخلها أن يخرج منها، فهي إذن شاملة للنوع الثالث والنوع الرابع. وستأتينا أحاديث تنص على إخراج أهل الكبائر من النار. إذن هذه أربع شفاعات عامة مشتركة. فائدة: خالف أهل البدع من المعتزلة والخوارج في مبحث الشفاعة وكان خلافهم في بعض أنواع الشفاعات المتقدمة، أما الشفاعات الخاصة فلا خلاف فيها، وأما الشفاعات العامة ففيها شفاعة واحدة لا خلاف فيها وهي الشفاعة الأولي بأن أهل الجنة يشفعون لذريتهم. فبقيت ثلاث شفاعات خالف فيها المعتزلة والخوارج وهي: ١- الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته. ٢- ومن استوجب دخول النار. ٣- ومن دخلها. فقال الخوارج والمعتزلة: من لقي الله بكبيرة، لم يتب عنها فيجب على الله أن يعذبه ولا يجوز أن يغفر له، وإذا عذبه فهو مخلد في نار جهنم لا يخرج منها. أما الخوارج فقالوا: إن فاعل الكبيرة كافر وبالتالي فهو مخلد في النار. وأما المعتزلة فقالوا: إن فاعل الكبيرة في منزلة بين منزلتين، أي ليس بمؤمن ولا كافر لكن مخلد في نار جهنم.

стр. 1650

إذن الحكم الأخروي متفقون عليه وهو الخلود في نار جهنم، لكن الحكم الدنيوي اختلفوا فيه، فأولئك تجاسروا على إطلاق الكفر عليه وأما هؤلاء فتهيبوا من إطلاق الكفر عليه فقالوا في منزلة بين منزلتين وهذا القول الذي قرره الخوارج والمعتزلة باطلٌ لأربعة أمور: ١) تواترت الأحاديث عن نبينا ﵊ بخروج عصاة الموحدين من نار جهنم بعد أن يعذبوا فيها فترة من الزمان. ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال: [يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ ثم يقول الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان] . وثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال: [يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه بُرَّة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذَرَّة من خير] . (بُرَّة) البرة هي حبة القمح والحنطة وهي تكون أخف وزناً من حبة الشعير، لأن قشرة الشعير غليظة وسميكة فلها وزن بخلاف قشرة الحنطة، يضاف إلى هذا أن حبة الشعير أطول من حبة الحنطة، وورد بدل لفظ (خير) في الألفاظ لفظ (إيمان) . وصحّف أبو بِسطام شعبة بن حجاج أمير المؤمنين في الحديث، صحّف اللفظ الثالث (ذرَّة) إلى (ذ ُرَة) أي حبة الذرة فقد اشتبه عليه الأمر ﵀ لما وردت حبة الشعير وحبة القمح فظن أن الذرّة هي الذ ُرَة لأن رسم كتابتها واحد، والتشكيل هو الذي يختلف وإذا أخطأ المحدث خطأً يسيراً فلا يضره هذا ولا ينزله عن أعلى درجات الحفظ، ولا يعصم أحداً من خطأ، ﵀.
следующие страницы →