.. وليس في حب النساء منقصة للإنسان ما دام على حسب شريعة الله وكذلك حب المال ما دام على حسب شريعة الله وقد قال سيد الكاملين ﵊ [حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجُعلت قرة عيني في الصلاة] فمثل هذه الطيبات لا حرج في حبها ما دامت على حسب شريعة الله، قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ... ) فهذه الطيبات يتمتع بها المؤمن والكافر في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فلا يشارك المؤمن فيها أحد. (هذا الكلام كله جعلته كالتمهيد للإشكال الذي سيأتي، وهو مأخوذ من كلام الشيخ حفظه الله)
الإشكال:
قد يقول قائل: إذا أخذ الله علينا الميثاق في عالم الذر – كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة – على أنه خالقنا وربنا ومالكنا، وأودع هذا في فطرنا وغرزه فينا – وهو الميثاق الثاني – فجعلنا نقر بوجوب عبادته، فعلام توقف التكليف على إرسال الرسل ونزول الكتب، وقد أخذ علينا ميثاقين (في عالم الذر، والفطرة) ؟
الجواب عن الإشكال: توقف التكليف على إرسال الرسل ونزول الكتب لأمرين:
الأمر الأول: أن العباد يكلفون قبل إرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم بتوحيد ربهم، لكن الله جل وعلا كرماً منه وفضلاً رفع عنا العقاب قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب فقط لأن الغريزة الفطرية وإن كانت مركوزة في النفس الإنسانية إلا أنها في عرضة – أحياناً – للتغيير وللتلاعب وللخطأ، فلابد من إرسال الرسل لتكون الغريزة مستقيمة تهتدي بهدي ذلك الرسول، فغريزة التدين موجودة لكنها عرضة للتغيير.
... والعباد إذا أشركوا بالله قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب ظالمون معتدون مسرفون لكن لا عقاب على ظلمهم كرماً من الله وفضلاً.
стр. 1752
.. وقد قرر الله هذين الأمرين (أن العباد ظالمون إذا لم يوحدوا الله قبل إرسال الرسل، وأنه لا عقاب عليهم مع ظلمهم) في سورة الأنعام يقول الله جل وعلا: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون، يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) الآيات ١٢٨- ١٣١ (ألم يأتكم رسل منكم؟؟؟؟؟؟؟؟) وهو إرسال الرسل، (ذلك أن لم يكن..) هذا هو الشاهد أي إرسال الرسل وإقامة الحجة على العباد لئلا يهلك الله القرى بظلم منهم وبشرك منهم وضلال منهم، وهم غافلون عن بلوغ الدعوة ووصول الرسالة.
... إذن فأثبت لهم الظلم في حال غفلتهم وعدم إرسال الرسول إليهم إذ لم يعبدوه ولم يوحدوه ومع ذلك لا عذاب عليهم كرماً منه وفضلاً ، وكان الأصل أن يعذبوا لأنهم جحدوا الميثاق الفطري لكن الله تكرم فقال أنا لا أعذب إلا بعد قيام الحجة على أتم وجه فانتبهوا يا عبادي أشهدتكم على أنفسكم في عالم الذر، وركزت في فطركم الإقرار بوجودي ووجوب عبادتي وأرسلت إليكم الرسل وأنزلت عليكم الكتب وتركتكم على المحجة البيضاء، فمن ضل بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه ولو عذبنا على الميثاق الفطري لاستحققنا العذاب لأننا ظالمون.
стр. 1753
الأمر الثاني: الفطرة وإن دلت على وجود الله ووجوب تعظيمه إلا أنها لا تستطيع أن تحدد الأشكال التي يحصل بها تعظيم ذي العزة والجلال أي لا تستطيع أن تحدد شكل العبادة وشكل التعظيم الذي يتقرب به إلى الله، فقد يقول هذا أنا أعبد الحمار الذي خلقه الله تقرباً إلى الله، ويأتي هذا ويقول أنا أعبد هبل، وآخر يقول: اللات، وآخر لنين وآخر الشمس وآخر القمر وآخر الحجر وهكذا كلٌ سيعبد ما شاء إن لم يرسل رسولاً وينزل كتاباً على البشر.
... ولذلك كل ما يحصل به تعظيم الله جل وعلا هو عبادة والعبادة توقيفية لا مجال للعقل فيها، فنعبد الله بما يشاء لا بما نشاء ولذلك [من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد] .
(ذكر الشيخ قصة عن الشيخ صالح الجعفري من علماء الأزهر حيث كان يقول لا يوجد شيء اسمه بدعة فكل ما نقصد به الخير فهو جائز مستدلاً بالآية (وافعلوا الخير..)) .
(ذكر الشيخ قصة المهوس عيسى؟؟؟ وضلالاته التي يقررها من جواز الاستغاثة بغير الله، وأن أهل السنة حذفوا لفظ وعترتي من حديث فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين وغير ذلك من الضلالات ... )
فمن أجل الأمرين السابقين توقف التكليف على إرسال الرسل وإنزال الكتب.
مبحث القَدر
يقول الإمام الطحاوي عليه رحمات ربنا الباري:
"وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطّلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبيُّ مرسَل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة (١) الخِذلان، وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً (٢) فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب، كان من الكافرين". أ. هـ.
стр. 1754
.. هذا المتن للإمام الطحاوي شرحه الإمام ابن أبي العز في عشر صفحات (ط. أحمد شاكر) أو أكثر، وسأضم إليه ما تقدم معكم موجزاً مبحث الإرادة وانقسامها إلى إرادة شرعية وإرادة كونية لتأخذوا هذا المبحث بصورة متكاملة من أطرافه إن شاء الله.
القدر مسألة عظيمة من مسائل شريعتنا القويمة
سنبحث مبحث القدر ضمن ست مباحث
المبحث الأول
تعريف القدر لغة واصطلاحاً:
القدر لغة: مصدر قَدَرْت الشيء أقدِره – أقدَرُه قَدْراً وقَدَراً ـ إذا أحطت بمقداره.
اصطلاحاً: هو علم الله بمقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم إيجادها حسبما سبق في علم الله جل وعلا، فكل محدَث وكل مخلوق وكل موجود صادر عن علم الله وإرادته وقدرته، هذا الأمر معلوم من الدين بمحكم البراهين، وعليه كان الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان وهو مذهب أهل السنة الكرام.
... والإيمان بالقدر من أركان الإيمان كما ثبت في الصحيحين وغيرها من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل الطويل وفي آخره [قال جبريل: ما الإيمان؟ فقال الرسول ﷺ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره] وفي رواية: [حلوه ومره من الله تعالى] وهذا الحديث – حديث جبريل – هو أم السنة كما أن الفاتحة أم الكتاب، والإمام البغوي عليه رحمة الله جعله أول حديث في كتابه (مصابيح السنة) مشيراً إلى أن هذا الحديث ينبغي أن يُقدم على الأحاديث كما قدمت الفاتحة على سور القرآن.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعْجِزْ فإن أصابك شيء فقل قدّر الله وما شاء فعل ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان] أي ما فيها إلا حسرة وندامة.
стр. 1755
.. والمراد بالقوة هنا قوة القلب أي المؤمن القوي الذي قلبه فيه قوة وعنده عزيمة قوية لأن قوة البدن تتبع قوة القلب، والذي يثبت في المعركة هو قوي القلب ولا عبرة بقوة البدل دون قوة القلب، فإن صاحب القلب القوي يثبت في المعركة ولو قطعت أطرافه الأربع ولا يتحرك ولا يولي الأدبار، وصاحب القلب الضعيف يجبن ويفر.
стр. 1756
.. فالمؤمن القوي الذي إيمانه تام وعزيمته تامة أحب إلى الله من المؤمن ناقص الإيمان ضعيف الإيمان ففي قلبه رخاوة وليس فيه ثبات، لكن في كل خير فهذا مع ضعف إيمانه إلا أن فيه خيراً ولم يخرج عن حظيرة الإيمان وليس هو كأهل النفاق والكفران فهؤلاء كما قال تعالى (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوقم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً، يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً) فهم من رعبهم وضعف عزيمتهم وخورهم وجبنهم يحسبون الأحزاب لم يذهبوا مع أنهم ذهبوا وهؤلاء في المدينة وإن يأت الأحزاب يودون لو أنهم بادون في الأعراب أي لو أنهم في بادية وليسوا في المدينة لئلا يلاقوا الخوف مرة أخرى كما حصلوه في المرة الأولى، ولذلك المؤمن قوته في قلبه وضعفه في بدنه أي تظهر عليه علامة الهزال وعلامة الخشوع وعلامة الإخبات من أجل صيامه وقيامه يذبل جسمه ويصغر فترى عليه علامة الإعياء والتعب، لكن عندما يفعل نتعجب من صدور هذه الأفعال وهذه القوة من هذا الضعف، والمنافق على العكس فهو قوي في بدنه لكن ضعيف في قلبه (١) .
стр. 1757
[احرص على ما ينفعك] أي لا تتواكل وتلقي الأمر على القدر بل ابذل ما في وسعك لتحصيل ما يجلب إليك منفعة ويدفع عنك مضرة.
[فإن أصابك شيء] حرصت ورتبت الجيش مثلاً لكن قدر الله أن يقع انكسار وهزيمة (١) .
[لو أني فعلت كذا..] أي عمل عملية لابنه فمات فقال لو لم يعمل العملية لكان سيحيى ويعيش مثل هذا لا يجوز أن تقوله فهذا تسخط على القدر وجحود وقد تكفر وأنت لا تدري، وهذا يا عبد الله مات بأجله سواء أجريت له عملية أو لم تجر له فسيموت، فدعك من هذا الكلام وقل قدر الله وما شاء فعل.
стр. 1758
والقدر – كما سيأتينا – حجة في المصائب لا في المعايب، فإذا زنيت فلا تقل قدر الله وما شاء فعل وإذا شربت الخمر فلا تقل قدر الله وما شاء فعل، فهذا (الزنا والسرقة) وقع بقدر الله لكنك تقول قدر الله وما شاء فعل نقصد بذلك أن تنفي اللوم عن نفسك وأنت ملوم، وأما إذا سقط عليك حجر أو انهدم جزء من بيتك أو مات لك قريب أو صديق ونحو ذلك فهذه كلها مصايب فتقول قدر الله وما شاء فعل، فالكلام صحيح قدر الله وما شاء فعل فالزاني بقدر وشرب الخمر بقدر ولا يقع شيء إلا بقدر الله لكن ذاك لك فيه اختيار (الزنا وشرب الخمر ... ) فأنت ستعاقب عليه، وأما هذا (موت القريب، سقوط الحجر) فهو اضطرار وقع عليك دون اختيارك ولذلك تقول قدر الله وما شاء فعل.
وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الإيمان لا يحصل في قلب الإنسان حتى يؤمن بقدر الرحمن.
(١) ثبت في سنن الترمذي بسند حسن من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن البني ﷺ قال: [لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه] .
[وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه] فما أصابك هو بقدر الله ولا يمكن أن يزول عنك.
[وما أخطأه لم يكن ليصيبه] فلو فاتك شيء محمود كنت تمناه فقل قدر الله وما شاء فعل لأنه لم يكتب لك في هذا الوقت وقد يكتب لك فيما بعد وقد لا يكتب لك بل لأحد غيرك أيضاً فلن تستطيع أن تنال وتحصل ما فاتك مهما حاولت ولهذا كما قال نبينا ﵊ والحديث في المسند وسنن الترمذي وغيرهما – قال لابن عباس عندما كان رديفه: [.... واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفت الصحف] فإذن ما كتبه الله لك وجعله من نصيبك لن يذهب إلى غيرك، وما كتبه لغيرك وجعله من نصيبه لا يمكن أن تناله وتحصله مهما حاولت.
стр. 1759
(٢) وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ [أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت الرسول ﷺ : إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب وماذا اكتب – قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة] ، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من مات على غير هذا فليس مني] أي ليس منه ﷺ لأنه ترك ركناً من أركان الإيمان.
... والحديث هذا رواه الإمام الترمذي برواية أخرى فيها شيء من الطول وفيها شاهد لموضوع تقدم (١)
стр. 1760
معنا – يقول [قال عبد الواحد بن سليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له يا أبا محمد إن بالبصرة قوماً يقولون لا قدر، فقال عطاء يا بني أتقرأ القرآن، قلت: نعم، قال: فاقرأ الزخرف، فقرأت: (حم والكتاب المبين إن جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) ثم قال – أي عطاء – أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: لا، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السموات والأرض فيه: إن فرعون من أهل النار وفيه تبت يدا أبي لهب ثم قال – أي عطاء – ولقد رأيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله ﷺ ، فسألته ما كانت وصية أبيك لك عند الموت؟ فذكر الوصية التي تقدم ذكرها وهذا الذي أشارت إليه الأحاديث النبوية ودلت عليه الآيات القرآنية أذكر بعضها:
أ – قال جل وعلا في سورة الأنعام: (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وهو – أي الكتاب – اللوح المحفوظ فلا يوجد شيء وقع أو سيقع إلى يوم القيامة إلا وهو مسطر فيه.
ب- وقال ربنا جل وعلا في سورة الحديد: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كلا مختال فخور) .
ج- وقال جل وعلا في سورة التغابن: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدى قلبه والله بكل شيء عليم) .
وسعي العباد وعمل المخلوقات بأسرها تنتهي إلى آيتين من كتاب الله:
١- قوله تعالى في سورة الإنسان: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً) .
٢- قوله تعالى في سورة التكوير: (لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) .
خلاصة قولنا في قدر ربنا:
стр. 1761
.. أن الله علم الأشياء ومقاديرها وأزمانها قبل وقوعها ثم أوقعها وأوجدها حسبما علم ربنا جل وعلا ولذلك كل مخلوق وكل محدث وكل شيء يقع بعلم الله وإرادته وقدرته؛ أي علم الله وقوعه في الأزل قبل أن يقع وأراد الله وقوعه إرادة كونية لا يختلف مقتضاها، وقدر عليه فأوجده وخلقه فالله خالق كل شيء (والله خلقكم وما تعملون) ، إذن فـ: (١) العلم. (٢) والإرادة. (٣) الإيجاد والخلق. كل هذا لله جل وعلا فلا يوجد مخلوق إلا وقد أحاط به علم الله وتعلقت به إرادته وأوجدته قدرته خيراً كان أو شراً.
المبحث الثاني
إرادة الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية قدرية:
... وهي عامة شاملة لا يتخلف مقتضاها وتكون فيما يحبه الله وفيما يكرهه فـ[ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن] كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ في مسند أبي داود وغيره.
... وهذه الجملة – ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن – من نفيس اعتقاد أهل السنة والجماعة كما قرر ذلك الإمام أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (٣/١٢٣٤) ، وقال الإمام ابن القيم في كتاب الفوائد صـ ٩٥ – ونعمت هذه الفائدة التي سيذكرها – "أساس كل خير أن يعلم العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن".
ووجه ذلك: أنه إذا أصابه خير وصدرت منه طاعة فيعلم أن هذا بمشيئة الله وتقديره وفضله وإحسانه فيشكر الله ويحمده ولا يفتخر ولا يعجب ولا يُدلِّ ولا يتكبر لأن هذا بتقدير الله [فمن وجد خيراً فليحمد الله] ، فليس لك في فعل الطاعة فضل إنما الفضل كله لمن قدر لك فعل هذه الطاعة وأقدرك عليها.
стр. 1762
وإذا عمل معصية أو أصابه سوء فيعلم أن هذا وقع بسبب خذلان الله له وهذا الخذلان وضعه الله في موضعه بسبب تقصير الإنسان أو فساده أو جُُرْمهِ فيدعوه هذا إلى الإقلاع عن ذنبه والتوبة إلى ربه ليقدر الله له الخير وييسره عليه، لأن الله أخبرنا أن العبد عندما يضل يزده الله ضلالاً (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) سورة الصف / آية ٥، (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) سورة الأنعام ١١٠.
[فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] فليتب إلى ربه وليسأله إصلاح قلبه فبيده قلوب العباد فهو على كل شيء قدير، إذن إذا عمل طاعة يقول بفضل الله وإذا عمل معصية يقول بعدل الله، ولهذا كان أساس كل خير أن يعلم العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الأدلة من القرآن على هذا القسم من الإرادة:
١- قال الله جل وعلا (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء) ، فالمراد من قوله (فمن يرد الله أن يهديه – يرد أن يضله) إرادة كونية قدرية لا يختلف مقتضاها، فمن أراد الله هدايته كوناً وقدراً فسيهتدي ولا بد ومن أراد إضلاله كوناً وقدراً سيفعل ولابد، وهو الحكيم سبحانه يضع الأمور في مواضعها.
٢- وقال جل وعلا في سورة البقرة آية ٢٥٣ (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ومن كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) فقوله (ولو شاء الله ما اقتتل ... ) المراد منه مشيئة كونية قدرية لا يتخلف مقتضاها.
والآيات في هذا كثيرة.
القسم الثاني: إرادة دينية شرعية:
стр. 1763
وتكون في خصوص ما يحبه الله ويرضاه فقط وقد يوجد مقتضاها وقد يتخلف، وفي الغالب يتخلف مقتضاها ولا ينتج عن تخلف مقتضاها أي إشكال لأن المشيئة الدينية بمعنى الأمر فإذا أمرنا الله بشيء ولم نمتثله ولم نفعله نعاقب وليس في عدم فعلنا إلغاء لأمر الله جل وعلا، وإذا قمنا به أثابنا الله ورضي عنا.
الأدلة من القرآن على هذا القسم من الإرادة:
١- قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، (يريد الله بكم السير) أي يأمركم باليسر، فقد يمتثل أشخاص وقد يخالف أشخاص في ذلك، ولو كانت الإرادة هنا إرادة كونية قدرية لما وقع عسر في هذه الحياة أبداً بل لكان كل شيء يُسْراً، لكن ليست الإرادة كذلك بل هي دينية شرعية قد يوجد مقتضاها وقد يتخلف، فالله يحب اليسر وأمرنا به ويكره العسر وينهانا عنه وكما قال النبي ﷺ : [يسروا ولا يتعسروا، بشروا ولا تنفروا] ، لكن كم من إنسان ينفر ولا يبشر، وكم من إنسان يعسِّر ولا ييسِّر؟!.
٢- وقال جل وعلا في سورة المائدة (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) فالإرادة هنا دينية شرعية يحبها ربنا جل وعلا، ولا يحب الله أن يكون عليكم حرج أو شقة، ولكن يريد أن يطهركم، ولو كانت إرادة كونية لانتفى الحرج في هذه الحياة ولحصلت الطهارة لجميع المخلوقات لكنها إرادة دينية قد يوجد مقتضاها وقد يتخلف وفي الغالب يتخلف فمن يعصي الله في هذه الحياة أكثر ممن يطيعه وأهل النار من كل ألف ٩٩٩ وواحد من الألف إلى الجنة (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) فهي نسبة كبيرة كثيرة لم يَسْلم من الألف إلا واحد.
стр. 1764
ولذلك ثبت في المسند والصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: [يقول الله يوم القيامة لأهون أهل النار عذاباً أرأيت لو كان لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها من عذاب يومئذ، فيقول: نعم يا رب، فيقول الله له: أردت منك ما هو أهون من ذلك ألا تشرك بي وأنت في صلب أبيك آدم (١) فأبيت إلا الشرك] .
... فقوله [أردت منك ... ] المراد بالإرادة هنا الإرادة الدينية الشرعية أي أحببت منك وأمرتك بما هو أهون من ذلك فإن وحدت حصل المطلوب وأثبتك وإن جحدت عاقبتك، إذن فقد يوجد مقتضى هذه الإرادة وقد يتخلف ولذلك هذا – في الحديث – كفر ودخل النار فلم يحقق مقتضى الإرادة وليس في هذا إلغاء لقدر الله.
س: لفظ (أهل النار) ألا يشمل المؤمنين العصاة الذين سيعذبون ثم يخرجون؟
ج: لفظ (أهل النار) إذا أطلق ينصرف لأهلها الذين هم أصحابها، أما المؤمنون فليسوا بأهلها ولا من أصحابها فوجودهم فيها عارض وليس للاستيطان فهم كالمسافر فإنه لا ينسب إلى البلد التي يجلس فيها فترة وجيزة بل ينسب إلى بلده الذي يقيم فيه، ولا ينسب إلى بلد إلا من هم أهله أصلاً أو جاءوا وأطالوا المكث في البلد وأطالوا الإقامة فينسبون له، فالنار لا تنسب إلا لأهلها الأصليين وهم الكفار وأما المؤمن العاصي فهذا مروره في النار عارض بل ليطهر ثم لينقل بعد ذلك إلى جنات النعيم برحمة أرحم الراحمين.
... وعند المحدثين لا ينسب الإنسان إلى بلده إلا إذا أقام فيها، أربع سنين، فيصح أن تنسبه إليها وتقول مستوطن أصلي ولا أقول كتعبير الجاهلية في هذا الحين مواطن، فليس عند المؤمنين إلا جنسية واحدة هي جنسية (لا إله إلا الله) .
وصفوة الكلام وخلاصته: إرادة الله ومشيئته قسمان:
стр. 1765
١- إرادة أمر وتشريع وتكون هذه الطاعات والمعاصي سواء وقعت أو لم تقع، والمقصود أن ما أمرنا به الله ونهانا عنه مرادٌ له إرادة دينية شرعية.
٢- إرادة قضاء وتقدير وهي شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات لا يخرج عنها شيء على الإطلاق، ولذلك كانت من أدعية النبي ﷺ : [أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرُّ ولا فاجر من شرما خلقت] فكلمات الله هنا هي: الكونية لأنه قال لا يجاوزها ولا يخرج عنها بر ولا فاجر.
إذن الإرادة الدينية الشرعية قد تقع وقد لا تقع، والإرادة الكونية لابد من وقوعها والإرادة الدينية الشرعية تتعلق بما يحبه الله ويرضاه، والإرادة الكونية تتعلق فيما يحبه وفيما يكرهه فمن لازم ما يريده الله إرادة دينية شرعية أن يحبه ويرضاه، ومن لازم ما يريده إرادة كونية قدرية أن يقع ولا يتخلف.
المبحث الثالث
العلاقة بين الإرادتين:
تتحدد العلاقة بينهما في أربع صور ليس لها خامس:
? الصورة الأولي: اجتماعهما:
أي: أن توجد الإرادة الكونية المقدرية والإرادة الدينية الشرعية.
مثالها: إيمان المؤمن، تحجب المرأة الصالحة، باختصار: كل طاعة تقع في هذه الحياة، فهي تقع بإرادة الله الدينية والكونية، بإرادة الله الدينية حيث أمر الله بها وأحبها، وبإرادته الكونية حيث قدرها وشاءها فلولا ذلك ما حصلت.
... فإذن الله أراد الإيمان من المؤمن إرادة دينية لأنه يحب هذا ويرضاه، وأراده إرادة كونية لأنه وقع منه، ولو لم يرده منه كوناً لما وقع منه.
? الصورة الثانية: انتفاؤهما:
أي: لا توجد الإرادة الكونية القدرية ولا الإرادة الدينية الشرعية.
مثالها: انتفاء الكفر في حق المؤمن.
стр. 1766
.. فانتفى الكفر في حق المؤمن لانتفاء الإرادتين، لا، هم لم يأمروا به (إن الله لا يؤمر بالفحشاء) وبالتالي فلم تتعلق به الإرادة الدينية الشرعية، وكذلك لم يقدرهم عليه حيث لم يكفروا وبالتالي لم تتعلق به الإرادة الكونية القدرية، فإذن انتفت الإرادتين.
... ومثله: انتفاء السفور في حق المرأة المتحجبة، وباختصار: كل شيء لم يقع مما يكرهه الله ويبغضه فلانتفاء الإرادتين الكونية لأنه لم يقع، وانتفت الإرادة الكونية لأنه مما يبغضه الله.
? الصورة الثالثة: وجود الإرادة الدينية الشرعية فقط وتخلف الإرادة الكونية القدرية:
مثالها: طلب الإيمان من أبي جهل وأبي لهب ومن الكفار جميعاً فالله أراد الإيمان منهم وأمرهم به (اعبدوا الله مالكم من إله غيره) إرادة دينية شرعية لأن الإيمان مما يحبه الله، ولكن الله جل وعلا لم يرد هذا منهم كوناً وقدراً لأنه لم يحصل منهم لأنه لو أراده كوناً وقدراً لحصل منهم، فلما لم يحصل منهم علمنا أن الإرادة الكونية منتفية في حقهم.
? الصورة الرابعة: (عكس السابقة: وجود الإرادة الكونية القدرية) : وتخلف الإرادة الدينية الشرعية:
مثالها: كفر أبي جهل: فالله لم يأمر أبا جهل ولم يرد منه الكفر إرادة دينية شرعية بها طلب منه الإيمان، وقع هذا بإرادته الدينية لا الكونية، لأنه لو وقع طلب الإيمان بإرادة كونية قدرية لما تخلف مقتضاها، لكن ليس الحال كذلك فالذي وقع بإرادة الله الكونية القدرية هو الكفر، فلذلك إذن وجدت الإرادة الكونية القدرية فقط، وتخلفت الإرادة الدينية الشرعية لأن الكفر ليس مما يحبه الله ويرضاه.
... هذه هي الصورة الرابعة للإرادتين
س: بالنسبة لأمر الله هل ينقسم إلى أمر كوني قدري وأمر ديني شرعي؟
ج: لا شك أن أمر الله وإرادته ومشيئته وكلماته كل هذا ينقسم إلى كوني وشرعي قال الله تعالى في سورة الإسراء: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) .
стр. 1767
(أمرنا مترفيها) اختلف أئمتنا الكرام في الأمر هنا على قولين: فقيل: أنه من الأمر الذي هو ضد النهي وقيل: أنه من الأمر الذي هو بمعنى التكثير وعلى القول الأول – الأمر الذي هو ضد النهي – فيحتمل معنيين أيضاً:
الأول: أي أمرنا مترفيها بالفسق ففسقوا وعليه فالآن هنا أمر كوني قدري، كما قال الله تعالى: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً ... ) أي الأمر الكوني القدري، بمعنى شئنا لهم ذلك وقدرناه عليهم لما نعلمه من حكمة فيهم.
الثاني: قيل يوجد في الآية شيء محذوف والتقدير: أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا عن شرع الله وعليه فالأمر هنا ديني شرعي.
... والمعنيان تحتملهما الآية وكل منهما مقرر في كتب التفسير، وهو قول حق مقبول، وانظروا هذا في تفسير ابن كثير وغيره.
وعلى القول الثاني – أي بمعنى التكثير – فمعنى كثّرنا، يقال: أَمِرَ كذا بمعنى كثّر، ومنه قول النبي ﷺ – والحديث في المسند ومعجم الطبراني بسند رجاله ثقات كما قال الهيثمي: [خير مال المرء مُهْرة مأمورة أو سكة مأبورة] .
... فمعنى مأمورة هنا كثيرة النتاج والنسل، وهذا حقيقة من خير مال المسلم أن تكون له خيل تنتج الأولاد الذين يُغزى عليهم في سبيل الله ويستعان بهم على أمور الحياة والخيل هي وسيلة الجهاد المفضلة لاسيما عندما كان الجهاد بالسلاح الأبيض لا بالسلاح الأسود، والآن يجلسون في الخنادق ويحاربون، هذه ليست شجاعة، بل الشجاعة هي المواجهة وجهاً لوجه والتبارز.
[أو سكة مأبورة] أي طريق مصطف بالنخل، مأبورة أي مؤبرة ملقحة بوضع طلح الذكر على الأنثى لئلا يسقط الحمل.
стр. 1768
ويشهد لهذا المعنى قراءة يعقوب وهو من القراء العشرة المتواترة قراءاتهم، حيث قرأ الآية (وإذا أردنا أن نهلك قرية آمرنا..) والقراءة متواترة، أي أكثرناهم كثرة زائدة، لا، المسرفين إذا أكثروا وكثر الترف والبطر والأشر تستحق الأمة بعد ذلك العقوبة، قال الإمام الكسائي: آمرنا وأمرنا بمعن ً واحد بمعنى أكثرنا.
... وهناك قراءة للحسن البصري وهي شاذة لا يجوز القراءة بها لكن توجه من ناحية المعنى واللغة بتشديد الميم ( ... أمّرنا ... ) أي جعلناهم أمراء مسلطين.
الأمر يكون كونياً ويكون دينياً، فهو كوني قدري لكن حسب التقدير: أمرنا بالطاعة فالأمر ديني، أمرنا بالفسق فالأمر كوني.
المبحث الرابع
الضالون الزائغون في قدر الحي القيوم:
ضل في قدر الله وإرادته وتقديره ومشيئته فرقتان:
١- قدرية مجوسية.
٢- قدرية جبرية.
الفرقة الأولي: القدرية المجوسية:
فقد ظهرت بذورها في أواخر أيام الصحابة الكرام وأول من دعا إليها نصراني ملعون اسمه (سوسن) (أي هو أول من أظهر بذورها دون تحديد معالم هذا القول الباطل) .
وهذه الضلالة التي أحدثها تلقاها عنه شيطان رجيم هو معبد الجهنمي وحاصل قوله:
١) أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع. ٢) وأنه لم يقدر شيئاً. ٣) أنه لم يرد شيئاً ولم يشأه. وكان هو أول من قال بهذا، وهذا هو قول المتقدمين من القدرية المجوسية ويسمون القدرية الغلاة ثم انقرض من قال هذا القول بعد ذلك وذهب أهل هذا القول، فجاء بعدهم من انتسب إليه وقال بقول آخر، سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فإذن أول من قال بهذا الضلال معبد الجهنمي فهو الذي حدد معالم هذا القول، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول له، يا تيس جهينة لست من أهل السر ولا من أهل العلانية، لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل أي أنت أحمق سفيه لا تصلح لا لليسر ولا للجهد ولا للسلم ولا للحرب ثم بعد ذلك لو علمت الحق لا تنتفع به ولو عرفت الباطل لا تتضرر به.
стр. 1769
وقال مسلم بن يسار: احذروا معبداً فإنه ضال مضل، إنه يقول بقول النصارى، وهكذا قال الحسن البصري.
... ولما ظهرت مقالة معبد هذه أخذه الحجاج – بأمر من عبد الله بن مروان – فقطع يديه ورجليه ثم صلبه وحرّقه بالنار، وهذه من حسنات الحجاج لكنها مغمورة في بحر سيئاته كما تقدم معنا.
... وأول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان يتعرض لذكر معبد الجهنمي وضلاله، فعن يحيى بن يَعْمُر (ويصح: ابن يَعْمَد) قال: كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهنمي، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عمَّا يقول هؤلاء في القدرى، فَوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلَنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (١)
стр. 1770
وذكر من شأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم ساق حديث جبريل الطويل وفيه: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ... الحديث.
الشاهد في الحديث: قول يحيى بن يعمر كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهنمي، فقال إن الأمر أُنُف أي مستأنف جديد، ولم يقدر الله شيئاً في الأزل ولا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، وهؤلاء أصحاب هذا القول هم أهل جد واجتهاد وحزم في العبادة ولذلك ذكر يحيى بن يعمر وصفهم لعبد الله بن عمر فقال له يتقفرون العلم وذكر من شأنهم أي عن عبادتهم واجتهادهم في طاعة الله.
... وهؤلاء هم القدرية الغلاة والقائل بقولهم كافر عند المؤمنين والمؤمنات وهم الذين نفوا علم الله وقالوا الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، وفي الحقيقة هذا فيه أعظم نقص في الله إذا انتفى علمه وكان لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها ثم إن العباد لا يعلمون الشيء بعد وقوعه فكيف نسوي الخالق بالمخلوق؟!! إن الله ١) بكل شيء عليم ٢) على كل شيء قدير ٣) فعال لما يريد، فهذه الأمور الثلاثة على إطلاقها وعمومها لا تكون إلا لربنا (إنما أمره إذا أراد شيئاً إن يقول له كن فيكون) وأما أنا وأنت فيما يكون مما لا نريده أكثر مما يكون مما نريده، وكم من إنسان يتمنى أماني لعله لا يقع عشر معشارها.
стр. 1771
.. الحاصل: أنه بعد أن قتل الحجاج معبداً ذهبت البدعة من البصرة إلى الشام، والذي تولى نشر البدعة في بلاد الشام – بعد قتل معبد – هو غيلان الدمشقي – وقال بقول معبد فاستدعاه عمر بن عبد العزيز وكان خليفة المسلمين آنذاك – وناظره فرجع عن ضلاله، ثم قال – أي غيلان -: يا أمير المؤمنين كنتُ أعمىً فبصَّرْتني وضالاً فهديتني، وأصم فأسمعتني، جزاك الله خيراً لن أعود إلى هذه الضلالة، فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً ثبته واشرح صدره، وإن كان كاذباً فعجل عقوبته.
стр. 1772
.. فبقي غيلان في عهد عمر على حاله لم يصدر شيئاً بدعياً أو شيئاً من وساوس الشيطان التي تاب عنها ظاهراً وأما في السر فبقي على ضلاله ولذلك بمجرد موت عمر بن عبد العزيز ﵀ أعلن غيلان بهذه البدعة ودعا إليها، فاستدعاه الخليفة في ذلك الوقت هشام بن عبد الملك وناظره سيد المسلمين في ذلك الوقت الإمام الأوزاعي ليرجع عن ضلاله فلم يرجع، فقال الإمام الأوزاعي: يا أمير المؤمنين لا يستحق إلا القتل، فقتله هشام، وقد كان هشام بن عبد الملك من أكثر الخلفاء تورعاً في الدماء وكان لا يتعجل في قتل من يثبت عليه الكفر ويقول لعله يتوب لعله يقلع لعله..لعله - وهذا في الحقيقة أمر حسن في الخليفة والمسؤول – فلما أفتى الإمام الأوزاعي بقتله كأنه اعترى هشام شيء من الندم بعد قتله وقال ليتني توقفت ولم استعجل بقتله، فكتب إليه رجاء (١) بن حَيْوَهْ: يا أمير المؤمنين: بلغني أنه وقع في نفسك شيئٌ من دم غيلان، والله إن قتله أفضل عند الله من قتل ألفين من الروم (٢) .
وبمقتل غيلان زالت بدعة القدرية الغلاة ولم يبق قائل بتلك البدعة بعد غيلان، لكن المنهج تغير إلى المعتزلة فآل القول إليهم ونحتوا المذهب بعض النحت فانظروا ماذا قالوا:
١) قالوا: إن الله يعلم الأشياء بعد وقوعها – وبهذا خالفوا قول القدرية الغلاة لكنهم ضلوا في الباقي، فقالوا:
٢) إن الله لم يقدر على عباده شيئاً.
٣) إن الله لم يرد إلا ما أمر به وأحبه.
стр. 1773
فبالقول الأول فارقوا القدرية الغلاة وبالقولين الأخيرين فارقوا أهل السنة، فليسوا بقدرية غلاة وليسوا بأهل هداة، وهذه الاعتقادات الثلاثة تدخل تحت أصل من أصولهم الخمسة – وستأتي – يسمونه العدل.
وأول من قال بهذا القول – قول المعتزلة – واصل (١) بن عطاء الغزّال وتبعه عليه أبو عثمان عمرو بن عبيد، وهؤلاء المعتزلة أتوا بأصول خمسة هدموا بها أركان الإيمان - وهي من مباحثنا المقررة -:
أصول المعتزلة الخمسة:
الأول: العدل
стр. 1774
.. وإليه ينسبون أنفسهم فيقولون الطائفة العدلية، ويقصدون بالعدل نفي عموم مشيئة الله، يعني هم لا يقولون على جهة العموم – ما شاء الله كان، بل يقولون: الله يريد الخير ولا يريد الشر – وقد قلنا إن أكثر ما يقع في هذه الحياة الدنيا مخالفات ومعاص ٍ فهذه تقع بغير مشيئته يقولون: لا، نقول: إذن بمشيئة من تقع؟!! هذا بزعمهم عدل، إنه جور.
الثاني: التوحيد:
... ويقصدون بالتوحيد نفي الصفات عن الله فليس له صفة تقوم به، فنفوا الصفات وتعللوا بأمرين:
الأمر الأول: إن إثبات الصفات يقتضي تعدد القدماء، والله واحد، فلئلا يتعدد القدماء تنفى الصفات عن رب الأرض والسماء، وهذه الصفات رحمة، قدره، علم وما ورد به القرآن قالوا: هذه أعلام محضة مترادفة تدل على الذات فليس لها معنىً آخر هذا كما تقول: حسام ومهند وحازم وصمصام فهذه كلها أعلام محضة مترادفة تدل على ذات معينة وهي قطعة الحديد التي هي السيف.
نقول: هذا باطل من جهتين:
١) هذه الأسماء لها معانٍ وهذه المعاني مختلفة وليست بمعنىً واحد وليست مترادفة، فليس الحال كما هو في أسماء السيف.
٢) نقول: هذه الأسماء ليست هي الذات إنما تقوم بالذات، فمثلا ً، علمك وقدرتك ووجهك وسمعك وبصرك ليست هي ذاتك بل هي تقوم بذاتك، فكذلك الله ، وله المثل الأعلى سبحانه.
الأمر الثاني: قالوا: لو أثبتنا لله الصفات للزم من هذا مشابهته بالمخلوقات، أي لو أثبتنا لله جل وعلا وجهاً وعلماً وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً للزم من هذا تشبيهه بنا.
نقول: إننا نرى الفرق واضحاً بين يد الإنسان ويد الكلب، ويد الباب فلكل واحد يد تناسبه مع أنها مخلوقات فكيف سيلزم التشبيه بين الخالق والمخلوق إن كان مخلوق مع مخلوق لم تتشابه أيديهم وله المثل الأعلى.
стр. 1775
ونقول لهم يلزم التشبيه في حالة واحدة إذا اتحدت الذوات والصفات تتشابه فمثلاً ذاتي وذواتكم متشابهة فعندما أقول لي عين نقول مباشرة: كعيني، ولا يصح إذا قلت لك لي وجه ولك وجه أن تقول كوجه الصرصر لأن هنا الذرات اختلفت فذات البشر غير ذات الصرصر، فإذا اختلفت صفاتنا لاختلاف ذواتنا، فكذلك الخالق ذاته ليست كذواتنا وصفاته ليست كصفاتنا فلا يلزم التشبيه من باب الأولي، والله ليس كمثله شيء ولذلك إيماننا بالصفات – كما تقدم – إقرار وإمرار، نقرّ بالصفة ونمرها دون البحث في كيفيتها.
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يقضي عليه اجتهاده
فهم أرادوا أن يعملوا عقولهم في أمر غيبي فضلوا وأخلوا، كيف نأتي لصفات مدح الله بها نفسه فننفيها، وهل تعقل ذات بلا صفة؟!! ونفي الصفات هو التعطيل المحض ولذلك قال أئمتنا المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً وتوحيدهم في الحقيقة تلحيد.
الثالث: المنزلة بين منزلتين:
وهذه من أحكام الدنيا لا من أحكام الآخرة، ويعنون بها أن من فعل كبيرة ولم يتب منها ومات على ذلك فهو مخلد في نار جهنم – هذا في الآخرة – لكنه ليس بمؤمن ولا كافر – هذا في الدنيا -، وهذا هو قول الإباضية وتقدم معنا، وأما الخوارج فكفَّروا فاعل الكبيرة، وأخرجوه من الإيمان وخلدوه في النيران، وأهل السنة قالوا فاعل الكبيرة: مؤمنٌ عاص ٍ فلم يكفَّروه، وقالوا مآله إلى الجنة مهما عذب إذا لم يغفر الله له ابتداءً.
... وأما المعتزلة فتذبذبوا فقالوا لا نكفره كما كفره الخوارج ولا نحكم له بالإيمان كما قال أهل السنة، فهو لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين بين الإيمان والكفر، وأما في الآخرة فلأنه لا يوجد إلا داران إما جنة أو نار فقالوا هو مخلد في النار.
стр. 1776
نقول: كيف لم تكفروه وحكمتم عليه بالخلود في النار، ولذلك قول الخوارج – مع ضلاله – أوفق مع بعض فهم كفروه وخلدوه، وأما هؤلاء فقالوا ليس بكافر وخلدوه في النار ولذلك كان أئمتنا يقولون عن المعتزلة في هذه المسألة: إنهم مخانيث الخوارج لأنهم وافقوهم في النتيجة (الخلود في النار) .
الرابع: إنفاذ الوعيد:
... يعنون به أنه يجب على الله أن يعاقب العاصي ولا يجوز أن يغفر له وذلك العقاب هو؟؟؟ وتقدمت معنا مناظرة أبي عمرو بن العلاء وأبي عثمان عمرو بن عبيد.
نقول: هذا الوجوب باطل لأن كل وعيد مقيد بقيدين:
١) عدم مغفرة الله للعاصي، فإذا غفر له لا يناله الوعيد، لحديث عبادة مرفوعاً [..ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه] كما رواه الإمام أحمد والستة إلا أبا داود، وتقدم معنا أن أعظم آيات الرجاء رجاءً قول الله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .
٢) عدم التوبة، فإذا تاب لا يناله الوعيد، والمعتزلة سلموا بهذا القيد – عدم التوبة – فقالوا من تاب لا يناله الوعيد فإذن هو قيد مجمع عليه، قالوا: هذا قيد لأنه ورد بدليل منفصل (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) ، (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً) .
стр. 1777
وهذا حق من المعتزلة، لكن نقول لهم كما جعلتم عدم التوبة قيداً فتجعلوا عدم المغفرة قيداً، قالوا: لا نجعله قيداً لأنه إذا غفر له فيكون قد أخلف وعيده فهذا كذب منه، فنقول لهم: ذلك الوعيد مقيد بعدم المغفرة كما أنه مقيد بعدم التوبة، وكما أخرجتم قيد عدم التوبة بدليل منفصل فأخرجوا القيد الثاني (عدم المغفرة) بدليل منفصل، فلم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟!، فالله قال: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقال (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) .
وقد دلت الأدلة الشرعية على أن التوبة مقبولة ما لم يصل الإنسان إلى أحد حالتين:
أ) الغرغرة، فإذا وصلت روح الإنسان إلى حلقومه لم تقبل توبته لأنه يدخل في أول حالة من أحوال الآخرة وهي البرزخ، والدنيا انتهت في حقه الآن، لما ثبت عن عبد الله بن عمر – والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حبان – بسند صحيح – أن النبي ﷺ قال: [إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر] .
ب) طلوع الشمس من المغرب، فإذا طلعت من مغربها لا تقبل توبة التائبين، لأن نظام الحياة انتهى ودخل الناس في أحوال الآخرة.
الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ويقصدون به وجوب الخروج بالسيف على أئمة الجور، هذا يدَّعون أنه أمر بمعروف ونهي عن منكر، والله إنه توسيع للمنكر وليس نهياً عن المنكر.
نقول: الأئمة ثلاثة أصناف:
стр. 1778
١- إمام إيمان وعدل، وصفاته بالإجماع: أن يكون ذكراً، حراً، عاقلاً، بالغاً، بايعته الأمة عن رضاً واختيار، يحكم بشريعة العزيز القهار (ستة) ، واختلف في السابع وهو القرشية والمعتمد عند جمهور أهل السنة اشتراط القرشية في الإمام ليكون من أئمة العدل، لأن النبي ﷺ قال: [الأئمة من قريش] والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم الذي هو خليفة المسلمين، لا ولاته ووزراؤه وأعوانه فهؤلاء لا يشترط فيهم القرشية بالاتفاق، وكما قال أبو بكر ﵁ للأنصار [نحن الأمراء وأنتم الوزراء] .
(؟؟؟؟) ﷺ ، وحب هذا الإمام من أفضل خصال الإيمان، وإنه هو الإمام الذي يحفظ بَيْضة الإسلام ويجمع كلمة المسلمين.
٢- إمام جَوْر: وهو من يحكم بشريعة الله جل وعلا في رعيته لكنه يفرط في حق نفسه فيشرب الخمر أو يعمل الفواحش.
هذا الإمام لا يجوز الخروج عليه بالسيف، لأن شريعة الله منفذة وأما وزره فيبقى في رقبته، فلا نخرج عليه لأن الخروج عليه سيزيد الأمر سوءاً وبلاءاً وفتنة وضرراً، فلا ندفع مفسدة بمفسدة هذا كحال كثير من خلفاء الدولة الأموية والعباسية وغيرها، فمثلا ً الحجاج كان سفاكاً وكانت شريعة الله منفذة فلو أن السلف لم ينازعوه ولم يقاوموه لما أريقت هذه الدماء التي أراقها والتي بلغت (١٢٠.٠٠٠) نفساً كما ثبت في سنن الترمذي عن هشام بن حسان مقطوعاً عليه، فمثل هذا ينبغي أن يترك ويلجأ إلى الله بأن يصلح حاله وحالنا.
стр. 1779
.. قال أئمتنا: هذا الإمام لا يجوز الخروج عليه، لكن إن أمكن عزله بلا فتنة وبلا إراقة قطرة من دم وجب، وهذه صورة نظرية ليست عملية فهي تتوقع في حالة واحدة وهي لو أن الإمام جرى منه شيء من الجور وحصل منه بعض الفسق فذهب إليه بعض أهل الخير ونصحه بالتوبة أو يترك الإمامة فقال – أي الإمام – إن كنتم لا ترغبون فيَّ فقد عزلتُ نفسي، فهذه هي الصورة التي يمكن أن يعزل بها الإمام دون إراقة دماء، وما عدا هذه الصورة ستراق الدماء هذا عند أهل السنة الكرام.
... وعند أهل المعتزلة: قالوا إذا فسق الإمام وجب الخروج عليه بالسيف ولو أن الأمة كلها ستهلك هذا قاله المعتزلة ولم يطبقوه فكان كلاماً نظرياً، فإنه لم يكن يسير وراء خلفاء الجور ويمشون وراءهم إلا المعتزلة، فمثلاً عمرو بن عبيد كان صديقاً حميماً لأبي جعفر المنصور، وأبو الهذيل العلاف من أئمة المعتزلة كان أستاذاً للخليفة العباسي المأمور، وأحمد بن دؤاد كان قاضي القضاة – وهو معتزلي – لثلاثة من خلفاء بني العباس.
стр. 1780
.. فالمعتزلة أوجبوا الخروج عليهم – ولا أقول سكتوا – بل خالطوهم، وأما أهل السنة فاعتزلوا الخلفاء مطلقاً ولم يتصلوا بهم ورأوا في العزلة السلامة، ولما جاء الخليفة المتوكل ليزور الإمام أحمد اعتذر الإمام عن زيارته والخليفة واقف على الباب، فخرج ولده – ولد الإمام أحمد – عبد الله فقال لأبيه الخليفة يستأذن لزيارتك، فقال: قل له ولم يخرج لمقابلته أمير المؤمنين أعفاني مما أكره وهذا مما أكره، أي أكره دخول الخليفة إلى بيتي، فانصرف الخليفة المتوكل، فانظر أولئك يذهبون يتمسحون بالخلفاء وانظر لأئمة أهل السنة يأتيهم الخلفاء فيرفضون دخولهم منازلهم، ولذلك قال عبد الله بن مسعود – كما في سنن الدارمي – "ومن أراد أن يكرم دينه فلا يخلون بالنسوان، ولا يدخلن على السلطان، ولا يجادل أهل الأهواء"، فامرأة لا تخلو بها ولو خدعك الشيطان بأن تعلمها القرآن فانتبه واحذر!! ولذلك كل من كان سبباً لفتنة كان أئمتنا يعبسون في وجهه ولا يضحكون، فإياك أن تضحك في وجه امرأة ليست من محارمك، أو أن تسمعها كلمة ليونة، وإذا قابلت مبتدعاً فإياك أن تبشر في وجهه فذاك يطمع في إغوائك، وهذه تطمع في إغوائك، قال بعض المبتدعة لأيوب السختياني: قف حتى أكلمك كلمة، قال أيوب: ولا نصف كلمة.
٣- إمام كفر: وهو الذي لا يحكم بشريعة الله المنزلة، هذا بالإجماع من قدر على إزالته فلم يُزله إثمه في رقبته، وإذا لم يقدر فيجب عليه أن يغير على حسب استطاعته، وإذا لم يقدر فيجب عليه أن يهاجر إن أمكنه، وإذا لم يقدر فليصبر وليلجأ إلى الله جل وعلا فيلقى الله معذوراً إن شاء الله و (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) .
مناقشة أصل (العدل) الذي نسبوا إليه أنفسهم، ومناظرتهم في قولهم، إن الله علم الأشياء في الأزل، لكنه لم يقدر على عباده شيئاً ولا يريد إلا ما أمر به:
стр. 1781
قول المعتزلة بأن الله قدر الخير وأراده ولم يقدر الشر ولم يرده والعباد يخلقون أفعالهم، قولٌ باطل دلت الأدلة الشرعية على بطلانه، وقد أشار أئمتنا إلى تلك الأدلة ووجهونا إلى مناظرتهم بها، من ذلك:
أ) ما قاله إمام أهل السنة الإمام الشافعي: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا". ونِعْم ما قال.
أي الأمر يسير في مناظرة المعتزلة قولوا لهم:
... هل الله يعلم الأشياء قبل وقوعها أم لا؟ أي الله يعلم ما سيعمله العباد أم لا؟ إن قالوا نعم، خصموا وبطل قولهم، ووجه ذلك: أن الله إذا علم الأشياء في الأزل قبل وقوعها إذن علم الخير والشر فإذن قدر على عباده ما سيعملونه، وإن قالوا لا، التحقوا بالقدرية الغلاة وهم الذين كفروا وتقدم أنهم أنكروا سبق علم الله لوقوع الأشياء.
ب) وقال الإمام أبو الفضل العباسي الشَّكْلي – كما في كتاب الشريعة للآجرّي صـ٢٤٤ – "أمران يقطع بهما المعتزلي، فنقول له: هل قدر الله فلم يرد، أو أراد فلم يقدر".
... أي إن قالوا قدر الله على هداية الناس جميعهم فلم يرد، فحينئذ يكون قولهم قد بَطل وانتقض، فهذا هو قول أهل السنة إذ من يستطيع أن يهدي من لم يرد الله هدايته (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) ، فقدر لكنه لم يرد، لحكمة بالغة تامة له .
... وإن قالوا أراد الله هدايتهم لكنه لم يقدر فحينئذ هم كفروا بهذا القول لأنهم وصفوا الله بالعجز حيث غلبت الناس إرادته تعالى الله عن ذلك.
... ولذلك قال الإمام عبد الرحمن العلامي (ت ٧٩٥ هـ) في السنة التي توفي فيها ابن رجب الحنبلي
قالوا يريد ولا يكون مراده ... عدلوا ولكن عن طريق المعرفَهْ
(يريد) أي يريد للناس الإيمان ولا يكون مراده.
(عدلوا) أي مالوا عن الهدي إلى الباطل والضلال، فالله أراد هداية الناس لكنهم عارضوه وخالفوه فما اهتدوا.
стр. 1782
ومن جملة مناظرات أئمتنا الهداة للمعتزلة الضالين في إبطال قولهم هذه المناظرة المحكمة السديدة (موجودة في طبقات الشافعية الكبرى (٤/٢٦١) و (٥/٩٨) ، الفتح (١٣/٤٥١) ، وأوردها شيخنا في دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب صـ٢٨٦ في تفسير سورة الشمس عند قوله تعالى (فألهمها فجورها وتقواها) .
وحاصلها: أنه اجتمع في مجلس ٍشيخان أحدهما مهتدٍ والآخر ضال، أما المهتدي: من شيوخ أهل السنة الكرام أبو إسحاق الإسفراييني، وأما الضال: عبد الجبار المعتزلي.
فقال عبد الجبار (مُعرِّضاً بأهل السنة الأبرار) : سبحان من تنزه عن الفحشاء (١) .
فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل ثم أجابه فقال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال عبد الجبار: أفيريد ربنا أن يُعصى (٢) ؟
فقال أبو إسحاق: أفيُعص ربنا مكرهاً (٣) ؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن قضي عليّ بالردى (٤) ومنعني من الهدى أحسَنَ إليّ أم أساء؟
فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك ملكاً لك فقد أساء، وإن كان ملكه فهو الذي يفعل ما يشاء.
... فَبُهِتَ عَبْدُ الجبار، وقال الحاضرون: لا يستطيع أن ينازع هذا أحد، فهذا الآن من أئمة الهدى أي إن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل، ولا يظلم ربك أحداً، وهذه المناظرة حقيقة تبطل مذهب المعتزلة بهذه الحجة المحكمة الدامغة.
... يقول إياس بن معاوية الذي يضرب به المثل بالذكاء والفراسة والألمعية: "ما ناقشت أحداً بجميع عقلي إلا القدرية" ثم قلت لهم، أخبروني عن الظلم ما هو؟ قالوا: الظلم أن تعتدي على غيرك بأن تأخذ حقه من غير إذنه أو تتصرف في ماله بغير إذنه.
стр. 1783
.. فقال لهم إياس: فهذا الكون ملك مَنْ؟!! هو ملك الله، فإذا تصرف الله فيه فهل يُعد هذا ظلماً؟! لا، مَنَّ على هذا بالهدى وخذل هذا ولم يوفقه.
... نعم أقام الحجة على جميع العباد وأرسل الرسل وأنزل الكتب ومنحنا العقول ثم بعد ذلك لطف بهذا المؤمن فوفقه، وخذل ذلك الكافر وما مَنّ عليه بالهداية، فأي ظلم في هذا؟!! الظلم هو أن تعتدي على حق غيرك وأن تتصرف في ماله بغير إذنه، ولا يدخل الظلم في دائرة أفعال الله وهذه المناظرة عن إياس أوردها الإمام ابن تيمية وهي في مجموع الفتاوى (١٨/١٣٩و ١٤٠) .
... إذن قول القدرية بأن الله لم يقدر الشر ولم يرده ولو قدره لكان ظلماً للعباد، هذه سفاهة وقلة أدب منهم مع ربهم جل وعلا، فلا يقع شيء إلا بعد تقدير الله له ذاك أمرنا به هذا نهانا عنه وأقام علينا الحجج، ذاك مَنَّ على من فعله وهو الطاعة، وهذا أخذل من فعله وهي المعصية (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً) أليس من الممكن أن يجعل الله أبا جهل كجبريل؟! ممكن لكنه لم يرد ذلك، فهل يقال ظلمه؟ نقول: لا فإن ذاك أعطاه الاختيار والعقل وأرسل الرسل وأنزل الكتب، فلا يقال عن ترك المنّ إنه الظلم، ولا يقال على عدم الفضل إنه ظلم ونحن نعلم يقيناً أنه لم يهتد مهتدٍ إلا بفضل الله لا بعقله ولا باختياره ولا بجده ولا بذكائه ولا بألمعيته، وقد ترى البدوي لا تلقي بالاً لخفة عقله ولكنه لا يفتر عن ذكر الله وترى صاحب العقل الضخم كافراً فما مَنَّ الله عليه بأن يوحده، فكون الله لم يعط فضله للكافر هذا لا يقال إنه ظلم فهذا ملكه يتصرف فيه كما يريد نعم نقول الله منّ على البدوي بالإيمان وشرح صدره (فألهما فجورها وتقواتها) .
стр. 1784
.. وهذا الأمر أشار إليه نبينا ﷺ وكان سلفنا الكرام يُذّكر بعضهم بعضاً استمعوا إلى هذا الحديث في صحيح مسلم في كتاب القدر (٢٦٥٠)(١٠) عن أبي الأسود (١) الدَّئلي يقول [قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم مِنْ قدر ما سَبَق (٢) ، أو في ما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم ﷺ وثبتت الحجة عليهم؟
فقلت (القائل أبو الأسود) : بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم، فقال عمران: أفلا يكون ظلماً؟ يقول أبو الأسود: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً (٣) ، وقلت: كل شيء خَلق الله وملْك يده فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
... فقال لي - عمران -: يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأَحزِر (٤) عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ومضى فيهم من قدر ما سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم.
فقال: لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ] فجواب أبي الأسود كجواب النبي ﵊ تماماً وسؤال عمران كسؤال الاثنين الذين أتيا من مزينة.
стр. 1785
وسيأتينا إن شاء الله تعالى – أن الإنسان له اختيار لكنه مضطر في اختياره (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (فألهمها فجورها وتقواها) فالمُلْهِمُ هو الله والهادي هو الله والمضل هو الله (يهدي من يشاء ويضل من يشاء) يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله وإذا قلت هذا للمعتزلي ينتفض يقول: الله يضل؟ قل له: هذا كلام الله وليس كلامي.
أتدرون بماذا يفسرون كلمة (يضل ويهدي) يضل: أي حكم لهم بالضلال بعد أن ضلوا (١) ، ويهدي: أي حكم لهم بالهداية بعد أن اهتدوا.
ولذلك شيء قضى عليهم ومضى فلا يمكن أن يتخلف طرفة عين، والله جل وعلا – كما قلنا – من مقتضى ألوهيته وربوبيته أنه يعلم الشيء قبل وقوعه وهو المقدر لا إله غيره ولا رب سواه.
جاء أعرابي إلى أبي عثمان عمرو بن عبيد (الشيخ الثاني لمذهب المعتزلة) وهو في مسجد البصرة فقال الأعرابي: يا أبا عثمان إن حمارتي قد سُرقت، فادع الله أن يردها عليّ فرفع عمرو بن عبيد يديه وقال: اللهم إن حمارته سُرقت وأنت لم تُرِد سرقتها، فأرددها عليه فقال الأعرابي: يا شيخ السوء كف عن دعائك (الخبيث) ، إذا لم يرد سرقتها وقد سُرِقت، فقد يريد ردها ولا ترد.
أي إذا كان العبد يغلب الرب فهذه مشكلة المشاكل، فانظروا للأعرابي ولفطنته ولفطرته وسداد جوابه.
стр. 1786
اجتمع في سفينة رجلان أحدهما: مجوسي والآخر معتزلي، فقال المعتزلي للمجوسي: أسلم، فقال المجوسي: حتى يريد الله، فقال المعتزلي: الله أراد لك الإسلام لكنك أنت الذي لم تُرِدْه والشيطان هو الذي لم يُرد لك الإسلام، فقال المجوسي، إذا أراد الله لي الإسلام والشيطان لم يرد لي الإسلام وغلبت إرادة الشيطان إرادة الرحمن فأنا مع أقواهما. أي إذا كان الشيطان يغلب الله، فلماذا تقول لي أسلم لله.
ونحن – أهل السنة – نقول لهذا المجوسي: أسلم، فإذا قال لنا حتى يريد الله، نقول هذه كلمة حق أريد بها باطل فلا نسلم له بجوابه، بل نقول له، الله أمرك بالإسلام ووضح لك الأمر وأزال عنك الأعذار فكتاب الله بين يديك وسنة رسوله ﷺ بين يديك أيضاً حججٌ قائمة تدعوك للإيمان فيجب عليك أن تؤمن، فلا يجوز لك أن تتعلل بقدر الله – بعد ذلك – في عدم إيمانك، لأن قدر الله غيب، فلا يجوز أن تستدل بما لا تعلم وتقدم معنا أن القدر يستدل به في المصائب لا في المعايب.
فإذن جوابك حق أريد به باطل أريد به تبرئة النفس من المعصية والشين، نعم إذا لم يرد الله لك أن تصلي فلا يمكن أن تصلي، لكن من الذي أعلمك أن الله لم يرد لك الصلاة، ومن الذي يُعلم الإنسان أن الله قدر له السوء ولم يقدر له الخير، فتجده يتعلل بعد ذلك بهذا القدر.
وقلنا كل واحد يشهد من نفسه ضرورة التفريق بين ما جبر عليه وبين ما خيّر فيه، فما جبرت عليه لا اختيار لك فيه وأما ما خيرت فيه فلك فيه اختيار وهذا الاختيار يعلمه الله ويقدره ويحصل.
стр. 1787
فعليك إذن أن تعمل بما في وسعك وألا تبرئ نفسك، فليست الذكورة والأنوثة كالطاعة والمعصية، فتلك مجبور فيها وأما هذا – الطاعة والمعصية – فمخير فيها وليس ذلك كهذا كل منهما بقضاء وقدر، فتثاب وتعاقب على اختيارك، فإن اخترت الخير نقول جرى به قدر الله وهذه منة الله عليك، وإن اخترت الشر نقول جرى به قدر الله وهذا خذلان الله لك [فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] .
وقد سماهم – أي هذه الفرقة الضالة المعتزلة نبينا ﵊ بالمجوس (١) ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄، وروي الحديث من روايته عدة صحابة كرام اذكر لكم أسماءهم مع الاختصار في ذكر المخرجين: حذيفة بن اليمان، في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وعن جابر بن عبد الله في سنن ابن ماجه ومعجم الطبراني الصغير والشريعة للآجرّي والسنة لابن أبي عاصم، وعن أمنا عائشة في السنة لابن أبي عاصم، وعن أبي هريرة في السنة لابن أبي عاصم والشريعة للآجرّي وعن سهل بن سعد في كتاب تاريخ بغداد والطبراني في معجمه الأوسط، وكتاب السنة للإمام اللالكائي، وعن أنس في معجم الطبراني الأوسط.
стр. 1788
ولفظه: [القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم] والحديث في درجة الحسن نص على تحسينه الحافظ العلائي، وأقره على ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي، وعدد من أئمة الحديث وذكروا أن الحديث في درجة الحسن منهم الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم العراقي ﵏ جميعاً.
وثبت في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه، وكتاب السنة لابن أبي عاصم عن ابن عباس ﵄ والحديث روي أيضاً عن غيره من الصحابة الكرام منهم جابر بن عبد الله في كتاب السنة لابن أبي عاصم وسنن ابن ماجه ومنهم أبو هريرة في الشريعة للآجرّي، ومنهم أبو بكر في مسند إسحاق بن راهُويَهْ، ومنهم معاذ بن جبل في كتاب التاريخ الكبير للإمام البغدادي، ومنهم أنس بن مالك ﵁ في حلية الأولياء.
ولفظ الحديث:
أن نبينا ﷺ قال [صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، القدرية والمرجئة] والحديث حسنه الإمام الترمذي ووافقه على التحسين الإمام ابن ماجه وغيره من الحفاظ.
قال ابن العربي في عارضة الأحودي شرح سنن الترمذي: "إنما قرن النبي ﷺ بين القدرية والمرجئة لأن واحدة منهما أفسدت الحقيقة والأخرى أفسدت الشريعة" ولا يراد بالحقيقة هنا التصوف فانتبهوا!! بل المراد منها هنا: أمور الاعتقاد هو لم يحدد أي الفرقتين أفسدت الحقيقة وأيهما أفسدت الشريعة.
(المرجئة) يقولون: إنه لا يضر مع الإيمان خطيئة وذنب، أي أنهم يرجئون ويؤخرون الأعمال عن الإيمان، فالإيمان عندهم قول واعتقاد وليس العمل من سماته، وغلاتهم يقولون إذا قال الإنسان لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يأت بمأثم ولو لم يترك محظوراً دخل الجنة، فلا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
مت مسلماً ومن الذنوب فلا تخف ... حاش المهيمن أن يُرى تنكيداً
لو رام أن يصليك نار جهنمَ ... لما كان ألهم قلبك التوحيدا
стр. 1789
.. فالمرجئة أصالة أفسدت الشريعة لأنها عطلتها، حيث قالت إذا وحدت فلا تبال ِ بالعمل فعلاً أو تركاً فبدعتهم فيها تعطيل للأحكام، لكن أيضاً عطلت الحقيقة لأن هذا الاعتقاد اعتقاد باطل.
والمعتزلة أصالة أفسدت الحقيقة لأنها عطلتها، حيث قالت: إن الله لم يقدر الشر ويقع السوء في هذه الحياة يغير تقديره أي يفعله العبد جبراً عن الرب فهذا مما يتعلق بالعقيدة.
... لكن إفساد كل فرقة يؤول إلى الأخرى، فالمرجئة أفسدت الشريعة وأفسدت الحقيقة أيضاً لأن اعتقادها اعتقاد باطل، والمعتزلة أصالة أفسدت الحقيقة فهذا اعتقاد باطل ولزم من هذا إفساد الشريعة.
ولذلك يقول الإمام ابن تيمية: "قرن النبي ﷺ بين المرجئة والقدرية لأن كلا ً منها يفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد" فالأمر والنهي يُترك عند المرجئة، ونصوص الوعيد كلها تلغى ولا قيمة لها، وأما المعتزلة فأفسدت الأمر فقالت: من فعل معصية فقد خرج من الإيمان وهو في منزلة بين منزلتين، وألغت نصوص الوعد (نصوص المغفرة والرحمة) بكاملها، وأخذت بنصوص الوعيد فكل منهما ألغى الأمر والنهي والوعد والوعيد، والعلم عند الله.
قبل أن ننتقل لمناقشة الجبرية، من باب التعليق على هذه الفرقة الضالة:
حال هؤلاء المعتزلة ليس كحال مؤسسي المذهب وأولئك كما قلنا انتهت بدعتهم لكن خرج منها بدعة أخرى وليس حال أصحابها كحال أوائل القائلين بمذهب القدر، ولم اختلف الأمر؟ السبب في الاختلاف أن حكام بني أمية – مع ما فيهم من جور- لم تنتشر البدع في حياتهم، ففي عهدهم ظهرت فجوات وسلبيات لكن الحكام لم يتبنوا البدع ودافعوا عنها بل على العكس كانوا ينكلون بالمبتدعة ويوقفونهم عند حدهم.
стр. 1790
لكن لما آل الحكم إلي بني العباس ففي عهد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تبني مذهب الاعتزال الخلفاء والأمراء وأول من امتحن الناس ببدعة المعتزلة الخليفة المأمون وأول من عرب كتب الفلسفة وشغل الأمة بما كانت لا تعرفه وليست في حاجة إليه هو المأمون، وكان الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول: "ما أظن أن الله سيغفل عن المأمون"، فهو أول من فتح باب (١) التيارات الخبيثة على هذه الأمة وإن كان بتأويل وحب الاطلاع أو غير هامة التأويلات والمسوغات والمبررات.
فبانتقال هذه البدعة (بدعة المعتزلة في القدر) إلى الأمراء والخلفاء صار لها ردءٌ وشأن وصارت تأوي إلى ركن شديد بعد أن كانت تحارب من قبل الحكام، وشتان شتان بين أن يتولى الحاكم نشر بدعة وبين أن يتولى القضاء عليها، فإذا تولى القضاء عليها فلا توجد – ولو وجدت – إلا في الخفاء، وإذا تولى نشرها فإذا وجد الحق ففي الخفاء والله يزع بالسلطان ولا يزع بالقرآن.
وقلت لكم المسئول إذا أراد تغيير منكر لا يحتاج إلى منابر ولا إلى سيوف ولا إلى مساجد، بل بجرة قلم أو بكلمة في الإذاعة ينتهي الأمر.