← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

اجتمع في سفينة رجلان أحدهما: مجوسي والآخر معتزلي، فقال المعتزلي للمجوسي: أسلم، فقال المجوسي: حتى يريد الله، فقال المعتزلي: الله أراد لك الإسلام لكنك أنت الذي لم تُرِدْه والشيطان هو الذي لم يُرد لك الإسلام، فقال المجوسي، إذا أراد الله لي الإسلام والشيطان لم يرد لي الإسلام وغلبت إرادة الشيطان إرادة الرحمن فأنا مع أقواهما. أي إذا كان الشيطان يغلب الله، فلماذا تقول لي أسلم لله. ونحن – أهل السنة – نقول لهذا المجوسي: أسلم، فإذا قال لنا حتى يريد الله، نقول هذه كلمة حق أريد بها باطل فلا نسلم له بجوابه، بل نقول له، الله أمرك بالإسلام ووضح لك الأمر وأزال عنك الأعذار فكتاب الله بين يديك وسنة رسوله ﷺ بين يديك أيضاً حججٌ قائمة تدعوك للإيمان فيجب عليك أن تؤمن، فلا يجوز لك أن تتعلل بقدر الله – بعد ذلك – في عدم إيمانك، لأن قدر الله غيب، فلا يجوز أن تستدل بما لا تعلم وتقدم معنا أن القدر يستدل به في المصائب لا في المعايب. فإذن جوابك حق أريد به باطل أريد به تبرئة النفس من المعصية والشين، نعم إذا لم يرد الله لك أن تصلي فلا يمكن أن تصلي، لكن من الذي أعلمك أن الله لم يرد لك الصلاة، ومن الذي يُعلم الإنسان أن الله قدر له السوء ولم يقدر له الخير، فتجده يتعلل بعد ذلك بهذا القدر. وقلنا كل واحد يشهد من نفسه ضرورة التفريق بين ما جبر عليه وبين ما خيّر فيه، فما جبرت عليه لا اختيار لك فيه وأما ما خيرت فيه فلك فيه اختيار وهذا الاختيار يعلمه الله ويقدره ويحصل.

стр. 1787

فعليك إذن أن تعمل بما في وسعك وألا تبرئ نفسك، فليست الذكورة والأنوثة كالطاعة والمعصية، فتلك مجبور فيها وأما هذا – الطاعة والمعصية – فمخير فيها وليس ذلك كهذا كل منهما بقضاء وقدر، فتثاب وتعاقب على اختيارك، فإن اخترت الخير نقول جرى به قدر الله وهذه منة الله عليك، وإن اخترت الشر نقول جرى به قدر الله وهذا خذلان الله لك [فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] . وقد سماهم – أي هذه الفرقة الضالة المعتزلة نبينا ﵊ بالمجوس (١) ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄، وروي الحديث من روايته عدة صحابة كرام اذكر لكم أسماءهم مع الاختصار في ذكر المخرجين: حذيفة بن اليمان، في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وعن جابر بن عبد الله في سنن ابن ماجه ومعجم الطبراني الصغير والشريعة للآجرّي والسنة لابن أبي عاصم، وعن أمنا عائشة في السنة لابن أبي عاصم، وعن أبي هريرة في السنة لابن أبي عاصم والشريعة للآجرّي وعن سهل بن سعد في كتاب تاريخ بغداد والطبراني في معجمه الأوسط، وكتاب السنة للإمام اللالكائي، وعن أنس في معجم الطبراني الأوسط.

стр. 1788

ولفظه: [القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم] والحديث في درجة الحسن نص على تحسينه الحافظ العلائي، وأقره على ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي، وعدد من أئمة الحديث وذكروا أن الحديث في درجة الحسن منهم الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم العراقي ﵏ جميعاً. وثبت في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه، وكتاب السنة لابن أبي عاصم عن ابن عباس ﵄ والحديث روي أيضاً عن غيره من الصحابة الكرام منهم جابر بن عبد الله في كتاب السنة لابن أبي عاصم وسنن ابن ماجه ومنهم أبو هريرة في الشريعة للآجرّي، ومنهم أبو بكر في مسند إسحاق بن راهُويَهْ، ومنهم معاذ بن جبل في كتاب التاريخ الكبير للإمام البغدادي، ومنهم أنس بن مالك ﵁ في حلية الأولياء. ولفظ الحديث: أن نبينا ﷺ قال [صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، القدرية والمرجئة] والحديث حسنه الإمام الترمذي ووافقه على التحسين الإمام ابن ماجه وغيره من الحفاظ. قال ابن العربي في عارضة الأحودي شرح سنن الترمذي: "إنما قرن النبي ﷺ بين القدرية والمرجئة لأن واحدة منهما أفسدت الحقيقة والأخرى أفسدت الشريعة" ولا يراد بالحقيقة هنا التصوف فانتبهوا!! بل المراد منها هنا: أمور الاعتقاد هو لم يحدد أي الفرقتين أفسدت الحقيقة وأيهما أفسدت الشريعة. (المرجئة) يقولون: إنه لا يضر مع الإيمان خطيئة وذنب، أي أنهم يرجئون ويؤخرون الأعمال عن الإيمان، فالإيمان عندهم قول واعتقاد وليس العمل من سماته، وغلاتهم يقولون إذا قال الإنسان لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يأت بمأثم ولو لم يترك محظوراً دخل الجنة، فلا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. مت مسلماً ومن الذنوب فلا تخف ... حاش المهيمن أن يُرى تنكيداً لو رام أن يصليك نار جهنمَ ... لما كان ألهم قلبك التوحيدا

стр. 1789

.. فالمرجئة أصالة أفسدت الشريعة لأنها عطلتها، حيث قالت إذا وحدت فلا تبال ِ بالعمل فعلاً أو تركاً فبدعتهم فيها تعطيل للأحكام، لكن أيضاً عطلت الحقيقة لأن هذا الاعتقاد اعتقاد باطل. والمعتزلة أصالة أفسدت الحقيقة لأنها عطلتها، حيث قالت: إن الله لم يقدر الشر ويقع السوء في هذه الحياة يغير تقديره أي يفعله العبد جبراً عن الرب فهذا مما يتعلق بالعقيدة. ... لكن إفساد كل فرقة يؤول إلى الأخرى، فالمرجئة أفسدت الشريعة وأفسدت الحقيقة أيضاً لأن اعتقادها اعتقاد باطل، والمعتزلة أصالة أفسدت الحقيقة فهذا اعتقاد باطل ولزم من هذا إفساد الشريعة. ولذلك يقول الإمام ابن تيمية: "قرن النبي ﷺ بين المرجئة والقدرية لأن كلا ً منها يفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد" فالأمر والنهي يُترك عند المرجئة، ونصوص الوعيد كلها تلغى ولا قيمة لها، وأما المعتزلة فأفسدت الأمر فقالت: من فعل معصية فقد خرج من الإيمان وهو في منزلة بين منزلتين، وألغت نصوص الوعد (نصوص المغفرة والرحمة) بكاملها، وأخذت بنصوص الوعيد فكل منهما ألغى الأمر والنهي والوعد والوعيد، والعلم عند الله. قبل أن ننتقل لمناقشة الجبرية، من باب التعليق على هذه الفرقة الضالة: حال هؤلاء المعتزلة ليس كحال مؤسسي المذهب وأولئك كما قلنا انتهت بدعتهم لكن خرج منها بدعة أخرى وليس حال أصحابها كحال أوائل القائلين بمذهب القدر، ولم اختلف الأمر؟ السبب في الاختلاف أن حكام بني أمية – مع ما فيهم من جور- لم تنتشر البدع في حياتهم، ففي عهدهم ظهرت فجوات وسلبيات لكن الحكام لم يتبنوا البدع ودافعوا عنها بل على العكس كانوا ينكلون بالمبتدعة ويوقفونهم عند حدهم.

стр. 1790

لكن لما آل الحكم إلي بني العباس ففي عهد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تبني مذهب الاعتزال الخلفاء والأمراء وأول من امتحن الناس ببدعة المعتزلة الخليفة المأمون وأول من عرب كتب الفلسفة وشغل الأمة بما كانت لا تعرفه وليست في حاجة إليه هو المأمون، وكان الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول: "ما أظن أن الله سيغفل عن المأمون"، فهو أول من فتح باب (١) التيارات الخبيثة على هذه الأمة وإن كان بتأويل وحب الاطلاع أو غير هامة التأويلات والمسوغات والمبررات. فبانتقال هذه البدعة (بدعة المعتزلة في القدر) إلى الأمراء والخلفاء صار لها ردءٌ وشأن وصارت تأوي إلى ركن شديد بعد أن كانت تحارب من قبل الحكام، وشتان شتان بين أن يتولى الحاكم نشر بدعة وبين أن يتولى القضاء عليها، فإذا تولى القضاء عليها فلا توجد – ولو وجدت – إلا في الخفاء، وإذا تولى نشرها فإذا وجد الحق ففي الخفاء والله يزع بالسلطان ولا يزع بالقرآن. وقلت لكم المسئول إذا أراد تغيير منكر لا يحتاج إلى منابر ولا إلى سيوف ولا إلى مساجد، بل بجرة قلم أو بكلمة في الإذاعة ينتهي الأمر.

стр. 1791

فمثلا ً سفور النساء لو أصدر الحاكم قراراً بمنعه وأن من خرجت سافرة إن كانت من أهل البلاد سجنت وعزرت، ومن كانت من خارج هذه البلاد من المقيمات فيه سجنت وعزرت وأبعدت عن البلاد، فلن ترى امرأة تكشف عن شيء بعد ذلك، فهذا القرار لا داعي معه إلى حكم شرعي لا حلال ولا حرام بل هذا يكفي، أما أن يصبح العلماء في المساجد فقط دون تحرك الحاكم فلن يكون هناك أثر لهذا الكلام في مقابل أمر الحاكم بذلك، ولذلك قال الله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد.. ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) . فهل اقتصر في الآية على الكتاب والميزان فقط؟ لا، ولذلك ميزان وكتاب بلا حديد لا وزن له ولا اعتبار وحديد بلا كتاب ولا ميزان ظلم وجور بل لابد إذن من حديد مع الكتاب وميزان، لتوزن الأمور على حسب شريعة الرحمن. إذن في عهد خلفاء بني العباس تبنوا نشر هذا المذهب الضال فصار المذهب له انتشار. أسباب ظهور بدعة المعتزلة وانتشارها وعدم زوالها واضمحلالها: لذلك عدة أسباب نبرزها في ثلاثة: ? السبب الأول: تبني الخلفاء لها ودفاعهم عنها بعد أن اتصل بهم أركان المعتزلة وأفسدوهم فعمرو بن عبيد كان جليساً حميماً وصفياً مخلصاً لأبي جعفر المنصور وأبو الهذيل العلاف كان أستاذاً للمأمون وهكذا، أحمد بن أبي دؤاد كان قاضي القضاة لثلاثة من خلفاء بني العباس، إذن صار الباطل تسانده قوة. ? السبب الثاني: وجود جماعة من أهل اللَسن والفصاحة والبلاغة بين المعتزلة فخدعوا الناس ببريق كلامهم ومعسول ألفاظهم، والأمر كما قال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحراً" وهذا ليس ذماً للبيان إنما لبيان منزلة البيان فإذا كان البيان في الحق هذا حسن، وأما البيان في الباطل فمذموم لأنك تلبس على الناس فتظهر لهم الباطل في صورة الحق، فخدعوا الناس بهذا الكلام المنمق.

стр. 1792

مثلا ً: واصل بن عطاء كان ألثغ أي تخرج الراء منه غيناً، فكان في خطبه الطويلة إذا خطب يتجنب حرف الراء ولا ينطق بكلمة فيها راء، مع أنها من أكثر الحروف دوراناً في الكلمات، وهذا من فصاحته، وخشية أن يلثغ فيصبح مستهجناً أمام الناس. وآخر: الهذيل العلاف كان في المجلس الواحد يورد مائتي بيت من الشعر، من أشعار العرب ويستدل بها شواهد على كلامه. ? السبب الثالث: تعونهم فيما بينهم حتى ضرب بهم المثل في ذلك، لا يوجد على وجه الأرض أناس يتعاونون ويتساعدون ويتساندون كفرقتين ضالتين المعتزلة والشيعة وهم أي الشيعة أخبث من اليهود بآلاف الدركات، لا بدركة واحدة، فالمعتزلة يتدينون بنصرة المعتزلي وإن كان على باطل، والرافضة يتدينون بنصرة الرافضي وإن كان على باطل أي عندما يكذبون لنصرة فرقتهم في خصومة أو مشكلة فهذا من أكبر التدين، ونحن معشر أهل الحق عندنا ورع يكفنا (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا) فلو اختلف سني مع نصراني مثلا ً عندنا ننصف النصراني عن السني، فلو كان السني مخطئاً فنأخذ على يديه. قال الإمام الأعمش: والله ما آمنهم أن يقولوا وجدنا مع الأعمش امرأة يزني بها، أي من كثرة ما يكذب هؤلاء الشيعة. ويقول هارون الرشيد: "طلبت الصدق والمروءة فوجدتها في أهل الحديث، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته في الرافضة" أي إذا أردت الكذب فاذهب إلى الشيعة فلا يوجد مثلهم في الكذب وتلفيق الأخبار، ولذلك الدجل الذي عندهم والتزوير والله إنه لتستحي منه الحمير.

стр. 1793

وقد علم أئمتنا كذب الشيعة فرودا روايتهم، ومن أركان دينهم التقية، ويأثرون عن جعفر الصادق ﵁ وهو بريء منهم ومن انتسابهم له – أنه قال: "التقية ديني ودين آبائي"، وكذبوا دين جعفر ودين آل البيت التقوى لا التقية، والتقية هي: أن يظهر خلاف ما يبطن فيُظهر أنه سني مع أهل السنة وأنه معهم فإذا تمكن من السني ذبحه، فهي دين المنافقين لا دين آل البيت وفي عقائد الشيعة المقررة التي إذا لم يلتزم بها الشيعي فليس بشيعي أنه يجب على الشيعي أن يقتل السني إذا خلا به فإن عجز يجب عليه أن يهمّ بقتله، وإذا لم يفعل فليس هو من الشيعة والجنة عليه حرام. وفي بلاد الشام عندنا النصيرية – عليهم لعنات رب البرية – كانوا إذا انفردوا بمسلم علموا أنه لا يوجد معه نصير قتلوه وذبحوه، وإذا كان بارزاً في الأسواق والشوارع العامة يمشون على ظله وخياله حتى يشفى غليله. وكذلك الشيعة إذا أراد أن يذبح الشاة سماها عائشة ثم ذبحها، وإذا أراد أن يذبح التيس سماه أبا بكر ثم ذبحه، حتى يذهبوا الغيظ والحقد وينفسوا على أنفسهم ويرووا غلهم وحقدهم. ويروى أن شيعياً كانت عنده بغلتان سمى أحدهما أبا بكر والأخرى عمر – في عهد أبي حنيفة – وفي أحد الأيام دخل إلى الإسطبل فرفسته إحداهما، فبلغ الأمر أبا حنيفة فقال: انظروا من هي البغلة التي ضربته ورفسته، فلعلها التي سميت بعمر، وكان الأمر كما قال ﵀، وهذا من كراماته. الشيعة لا عقل ولا نقل هذا حالهم أكذب الناس في النقليات وأجهلهم في العقليات، فإذا جاء إليهم شخص اسمه عمر فإنهم يتقربون إلى الله بقتله وذبحه!!.

стр. 1794

ولو جاء إليهم من اسمه علي أو حسن أكرموه وإن كان خصمهم وعدوهم، وهذه هي الحماقة!! فانظر إلى تعاون الشيعة ولو أشار إمام منهم بأصبعه لأقام البلدة وأقعدها، وانظر بعد ذلك إلى حال شيوخنا وعلمائنا – إذا سلموا من العامة – فضلاً عن الحكام – فهنيئاً لهم، وإذ لم يسلموا من الحكام والعوام فالحال لا يخفى عليكم وكل سفيه ينتسب لأهل السنة يأتي ليؤذي علماء أهل السنة بكلامه بفعله بتشويهه فهل مثل هذا يقع بين الشيعة؟! لا، هذا مستحيل، وانظر إلينا بعد ذلك لا أننا تمسكنا بديننا وبأدب الإسلام وأخلاقه، ولا – على الأقل – تخلقنا بمثل أخلاق الشيعة، ونحمد الله أن حفظنا من التشيع. ولذلك كان أئمتنا إذا أرادوا أن يخبروا عن إكرام إنسان لإنسان وأنه أكرمه غاية الكرم يقولون: احتفى به كاحتفاء الشيعي بالشيعي والمعتزلي بالمعتزلي، أي لأنه ليس بعد إكرامهم لبعض إكرام.

стр. 1795

فهذا الاعتداد فيما بينهم أكسبهم قوة وأكسبهم قولهم بعد ذلك قوة أيضاً فمثلا ً: أحمد بن أبي دؤاد الذي كان قاضي القضاة لثلاثة من خلفاء بني العباس – كما قلنا – من البديهي أنه لن يولى القضاء في الدول الإسلامية في أمصارها إلا للمعتزلة، وسيقول بكل ما فيه نفع للمعتزلة، وسيسعى بكل ما فيه إضرار لأهل السنة، بل وصل الأمر بأحمد أن الواثق أراد أن يستفك أسرى المسلمين من الروم مقابل فدية، قال له أحمد: من قال بخلق القرآن فأفده وأعطه من بين المال ألف دينار، وإذا لم يقبل بذلك فاتركه عند الروم!! أي اترك المسلم الذي لا يقول بخلق القرآن عند النصارى ليعذبوه، سبحان الله!!، وللأسف مازال مذهبهم ينتشر ويقرر للآن في الكتب ويدرس في المدارس، ودرجت عليه أجيال وأجيال، وتلوثت به أذهان المسلمين بعد أن انتشر مذهب الاعتزال – كما قلت – بسبب وجود قوة حامية له فقرر وانتشر وسطر في الكتب، ثم بعد ذلك عاد الأمر لأهل السنة لكن بعد أن امتلأت الكتب بالضلالات والبدع، فكم من كتاب في التفسير للمعتزلة، فمثلا ً كتاب الكشاف للزمخشري كله ضلال من أوله لآخره، وقد جعل بداية مقدمة كتابه: "الحمد لله الذي خلق القرآن"، فقيل له: لن ينظر فيه أحد إن تركت هذه العبارة، فقال: "الحمد لله الذي جعل القرآن عربياً"، ويقصد بجعل خلق، وقد قال أئمتنا يحرم النظر في كتابه على العالم والعامي، أما العامي فأمره معلوم، أي لأنه جاهل ولا يميز الغث من السمين والضلال من الهدى وأما العالم فيحرم عليه أيضاً لعدة أمور: ١- أنه يقدم المفضول على الفاضل بل مرذولاً على فاضل. ٢- يُخشى عليه من الزيغ وأن يعلق في ذهنه شيء من الشُبه وهو لا يدري، لأن الزمخشري مع ضلاله واعتزاله صاغ الاعتزال بألفاظ لم يصرح فيها بأنه على مذهب المعتزلة فهذا مما يزيد في الخديعة. ٣- تَخْدع العامة، حيث سيقتدون بك دون أن يعلموا نيتك.

стр. 1796

وقد ألف الإمام السبكي عليه رحمة الله رسالة سماها (سبب الانكفاف عن إقراء الكشاف) وقد كان يقرأ الكشاف ويُقرؤه لتلاميذه فلما وصل إلى قول الله جل وعلا (عفى الله عنك لم أذنت لهم) ، قال الزمخشري – وهذا موجود في تفسيره –: "بئس ما فعلت يا محمد"، فطوى الإمام السبكي الكتاب وقال أستحي من رسول الله ﷺ أن أقرأ هذا الكتاب وفيه هذه القاذورات. الله الذي هو سيده يقول له (عفى الله عنك) وهذا لا لجرم وقع منه إنما على عادة العرب في الملاطفة وفي الخطاب يقولون عفى الله عنك استمع لي، فالله يلاطف نبيه، ولو قال له بئس ما فعلت لتحملها منه لأنه سيده وربه، أما أن تقولها أنت، فمن أنت يا صعلوك حتى تقول هذا لخير خلق الله ﵊. مثال آخر: كتاب المغنى للقاضي عبد الجبار، ٢٠/ مجلد في التفسير وفي أحكام الشريعة، كله يقطر ضلالات كل مجلد لا يقل عن ٦٠٠/ صفحة من القطع الكبير، وهو للأسف منتشر وموجود، وكتب أخرى غيرها. س: ذكَرْتَ الأحاديث المرفوعة السابقة القدرية والمرجئة، فهل كانوا موجودين في عهد النبي ﷺ ؟ ج: لم يكن للقدرية أو المرجئة وجود في عهد النبي ﷺ ، وكذلك لم تكن الرافضة موجودة وكذلك الخوارج وغيرهم من الفرق.

стр. 1797

.. إنما هذا من باب إخبار نبينا ﵊ لنا بما سيقع في أمته فهو من باب الإخبار بالغيب وقد ذكر أئمتنا هنا عن معجزاته وأودعوه في كتب دلائل النبوة – وإن أردتم أن تتحققوا من هذا فانظروا في كتاب (دلائل النبوة) للإمام البهيقي وهو في ٧/ مجلدات، وأنصحكم بشراء هذا الكتاب: يقول الإمام البهيقي عليه رحمة اله (٦/٥٤٧) : باب ما جاء في إخباره بظهور الروافض والقدرية، أي إخبار خير البرية ﷺ بأن الروافض (الشيعة) سيظهرون وهكذا المعتزلة الضالون، وسنذكر ما يتعلق بمبحثنا وهم القدرية، يقول: عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول [سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر] وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي بسند صحيح، وفيه: أن ابن عمر ﵁ كان له صديق في بلاد الشام، فأرسل ذاك مع بعض الناس إلى ابن عمر رسالة يسلم عليه فيها، فقال ابن عمر: بلغني أنه أي صديقه الذي هو في بلاد الشام – قد تكلم في شيء من القدر فإن كان كذلك فلا تُقرئه مني السلام (١) ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر] .

стр. 1798

.. والحديث رواه أيضاً أبو داود والحاكم في المستدرك بسند صحيح، وفي بعض روايات الحديث يكون في أمتي مَسْخٌ وخَسْفٌ وقَّذْفٌ (١) وهو في القدرية، قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: تواترت الأحاديث بوقوع المسخ في هذه الأمة في بعضها مطلقاً، وفي بعضها مقيد بصنفين بعلماء السوء، والثاني بالمجاهرين بالفسق (٢) وفي بعض الأحاديث مطلقاً لكل من ينحرف في هذه الأمة. وهذا لا استبعده فإن كل بيت فيه تليفزيون إذا وقع الخسف أو المسخ أو القذف فهو أول من يُمسخ لأن هذا مجاهر، فكل من في بيته هذا الجهاز اللعين فهو مهدد بالمسخ إذا وقعت عقوبة المسخ، ولا يعلم متى ستقع عقوبة الله بالتحديد لكن لابد من أن تقع لأنه أخبر بذلك من لا ينطق عن الهوى ﷺ .

стр. 1799

فإذن أورد في كتب (دلائل النبوة) وذلك للإشارة إلى أنه غيب سيقع وإذا وقع هذا الغيب دل على أنه القائل رسول الله لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه فانظروا من جملة عناوين الكتاب باب ما جاء في إخباره بقوم في أيديهم مثل أذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات فكان كما كان، أي هذان دلائل نبوته.. والحديث عن أبي هريرة في صحيح مسلم وغيره وفيه يقول نبينا ﵊ [صنفان من أهل النار لم أرهما رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بنا الناس] وهم المخابرات ورجال الشرطة، ولذلك جميع أئمتنا يقولون من دلائل النبوة إخبار النبي ﷺ بوجود الشرطة وكثرت الشُرَط ويقال للشرطي يوم القيامة دع سوطك وادخل النار، والصنف الثاني [ونساء كاسيات عاريات (١) مائلات (٢) مميلات (٣) رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا] أي خمسمائة عام كما ورد في رواية أخرى. الفرقة الثانية: القدرية الجبرية: خلاصة قولهم في قدر ربهم: أن الله قدر على العباد كل شيء وفي ذلك التقدير قّسْر للعباد وإكراه لهم على فعل ما قدِّر عليهم وإذا كان الأمر كذلك فالعبد مجبور وكل ما يجري منه يعتبر طاعة للعزيز الغفور لأنه ينفذ مشيئة الله وقدره، قال قائلهم: أصبحت منفعلاً لما يختاره ... مني فقعلي كله طاعات نعوذ بالله من هذا!! (منفعلاً) أي محل الفعل ومحل ظهور قدر الله، فكل ما يجري مني طاعة لأنني أنفذ مشيئة الله وقدره.

стр. 1800

.. ويقال لهم قدرية جبرية، وقدرية مشركة، لأنهم سيقولون كقول المشركين (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) أي: الله شاء لنا هذا وقسرنا عليه، وهذا هو قول المشركين تماماً!! (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) ، فقالوا لو شاء الله ما أشركنا ولو شاء الله ما عبدنا من دونه وهكذا قال الجبرية نحن مضطرون مجبرون وكل ما يجري منا فهو طاعة. هذا القول معلوم بطلانه لعدة أمور: أولها: كل واحد منها ذكراً كان أو أنثى، مؤمناً أو كافراً يشهد الفرق بين عمله الاضطراري وعمله الاختياري فهو إذن قول يصادم العقل ويعاكس الفطرة. الثاني: قررت شريعة الله أنه إذا وجد الإكراه فلا تكليف ولا ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم [رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] فإذا كان العبد مكرهاً مقسوراً فكيف إذن مدح الله الطائعين وذم العاصين وجعل لهؤلاء الجنة ولأولئك النار. الثالث: الثواب والعقاب، والمدح والذم منوط ٌ بالأعمال الاختيارية لا بالأعمال الاضطرارية فلا يثاب الإنسان – كما تقدم معنا – على كونه ذكراً أو أنثى، إنما يثاب على كونه مطيعاً، ويعاقب إذا كان عاصياً. الرابع: الطاعة لا تكون إلا بموافقة الأمر الديني الشرعي لا بموافقة الأمر الكوني القدري، فالإنسان لا يعتبر مطيعاً إلا إذا وافق ونفذ أمر الله الشرعي. الخامس: وكنت أقوله للأخوة – يناقشون مناقشة فعلية لا قولية لأنه في الغالب لا تنفعهم المناظرة الكلامية أي اضربه بحيث تؤذيه فإذا قال لك: علام تضربني؟ قل له: قدر الله، وأنا مجبور وأنا مطيع كما تقولون فعلي كله طاعات فلا تلمني وأنا مُثاب لأنني نفذت مشيئة الله وإرادته، فإذا قال لك: أنت الذي رفعت يدك وأنت الذي ضربتني بها، فقل له: بطل مذهبك.

стр. 1801

.. ولذلك هذا المذهب مما فطر الله عقول الناس وقلوبهم جميعهم على رده، وهل إذا أساء إنسان في حقك تقبل منه أن يقول لك معتذرا أنا مجبور!! ولذلك كان أئمتنا يقولون: أنت عند الطاعة قدري، وأنت عند المعصية جبري، أي مذهب شئت تمذهبت به؟! وهذا من التعريض بهم. ... أي إذا صدرت منه الطاعة يقول ليمدح نفسك – قدري ومعتزلي أي أنا خلقتها وأوجدتها دون تقدير ربي وعند المعصية يقول: جبري ليبرأ نفسه من اللوم والذم!!!. هذا هو العقل البشري عندما ينحرف عن وحي الله الرباني، فإنه يقع في هذه التناقضات. وإذا لم يكن من الله عون للفتى ... فأول ما يقضي عليه اجتهاده يُقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن وهذا القول بالجبر يوجد في الفرقة الضالة الجَهْميَّة. وأول من قال به منهم هو شيخ الجبرية الجهم بن صفوان، والجهم هو تلميذ الجعد بن درهم وقد كان الإمام عبد الله بن المبارك يقول: عجبت لشيطان دعا الناس جهرة ... إلى النار واشتُق اسمُه من جهنم يعني بذلك جهماً أي اشتقها من جهنم، وقد قتل هذا الضال سَلْم بن أحوز سنة ١٢٨هـ أي في عهد بني أمية كما أن شيخه الجعد قتله خالد القّسْري، ولما قبض سلّم على الجهم، قال له: اسبقتني فإن لي أماناً من أبيك، فقال سلْم: ما كان له أن يؤمنك، ولو أمنك ما أمنتك، والله لو كنت في بطني لشققته حتى أقتلك، ولو أنزلْتَ عيسى بن مريم وملأتَ هذه العباءة كواكب لما نجوت مني ثم ضربه فقتله. ... وقد أخذت الجبرية هذه المقالة عن اليهود كما أن بدعة القدر أُخذت عن النصارى، كما أن بدعة التشيع أخذت عن اليهود عن عبد الله بن سبأ اليهودي من بلاد اليمن، والشيعة الآن يبرءوا أنفسهم من هذه النسبة يقولون عبد الله بن سبأ صورة أسطورية فلا وجود لرجل اسمه عبد الله بن سبأ، إنما أهل السنة يتهموننا به!! ونقول: إن وجود عبد الله بن سبأ من التحقق كتحقق وجود السبت في أيام الأسبوع – أي لا شك في وجوده.

стр. 1802

.. والشيطان طه حسين (١)

стр. 1803

– وقد أفضى إلى ما قدم – هو من جملة من يدور في هذا الفلك لما يحصله من دعم الشيعة فيقول: لا يوجد شخصية اسمها عبد الله بن سبأ إنما هذا افتراه أهل السنة، وهو الذي يقول أيضاً إن قصة الفيل لم تحصل بل هي خرافة أخذها محمد ﷺ ونسجها، وهكذا أيضاً بناء الخليل لبيت الله الجليل ومجيء هاجر مع ابنها إسماعيل إلى البيت هذا كله خرافة. ... فالجهم أول من قال بالجبر في هذه الأمة كما أن أول من قال بالتشبيه في هذه الأمة هشام بن الحكم الرافضي الشيعي الذي كان يصف الله بالأمتار والأشبار ويقول أن جبل أبي قبيس أكبر من الله جل وعلا!! تنزه الله عن ذلك، كما أن أول من قال بأنه لا قدر – باستثناء سوسن – هو معبد الجهنمي فهؤلاء هم أصول الضلالة ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة بل كيداً للإسلام وأهله. ... قال الجهم أيضاً – يقرر مذهب الجبر – إن العبد بالنسبة لأفعاله كالريشة في مهاب الهواء يطيرها حيث شاء فلا اختيار لها وهكذا العبد عندما يعمل فليس له اختيار. وقد أتى الجهم بخمس ضلالات هذه – ١- القول بأن الإنسان مجبور إحداها. ٢- نفس الصفات عن الله. ٣- القول بفناء الجنة والنار، أي أن الجنة والنار تفنيان بعد أن يعذب أهل النار في النار وينعم أهل الجنة في الجنة كما أنه كان الله ولا شيء معه سيعود الأمر كذلك، وما سبق لهذا أحد لا من جن ولا من أنس. ٤- الخروج بالسيف على أئمة الجور، ومنه أخذها بعد ذلك المبتدعة وانتقلت إلى المعتزلة وانتقلت إلى الخوارج. ٥- قوله: إن الإيمان معرفة بالقلب فقط فلا يشترط النطق ولا العمل ولا الاعتقاد بل مجرد المعرفة: قال أئمتنا وعلى تعبيره ينبغي أن يكون إبليس مؤمناً لأنه اعترف بل قال: رب أنظرني إلى يوم القيامة، فإذن كان يعرف الله. المبحث الخامس سبب ضلال الضالين في قدر رب العالمين من قدرية جبرية وقدرية مجوسية:

стр. 1804

سبب ضلالهم التسوية بين إرادتي الله وجَعْل الإرادتين إرادة واحدة وجعل النوعين نوعاً واحداً لكن اختلف جَعْلهم فبعضهم ألغى الشرعية وبعضهم ألغى الكونية القدرية: ... أما القدرية الجبرية المشركة فهؤلاء ألغوا الإرادة الدينية الشرعية حيث بقولهم الذي ذكرناه كأنهم قالوا: إن لله إرادة واحدة، وكل ما يقع يحبه الله ويرضاه وكل ما نفعله مجبورون عليه ونحن ننفذ به إرادة الله ونحن نطيعه في ذلك. ... أما القدرية المجوسية فهؤلاء ألغوا الإرادة الكونية القدرية حيث بقولهم كأنهم قالوا: ليس لله إلا أمر ونهي (الإرادة الدينية) وهو لم يقدر عليك شيئاً والعبد يفعل أفعاله بدون تقدير رب العالمين لها، فالله يأمر وينهى فقط ولا يعلم ماذا ستفعل ولم يقدر عليك شيئاً، فإذن هم ألغوا بهذا الإرادة الكونية القدرية التي هي كما قلنا مشيئة الله العامة وإرادته النافذة في كل شيء فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فألغوا المشيئة العامة وجحدوها وأنكروها، وقالوا: ليس له إلا مشيئة دينية افعلوا ولا تفعلوا، أقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا، لكن هل ستصلي أو ستزني ليس لله عليك تقدير في ذلك ولا يعلم إنما أنت الذي تقدر لنفسك، وأنت الذي تخلق لنفسك فهو نهاك عن الزنا لكن بإمكانك أن تعارضه وأن تزني فإذن غلبته تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ... وضلال كلٍ من الفرقتين لا يخفى حسب ما تقدم معنا من تقسيم إرادة الله إلى دينية وذكرنا الأدلة عليها وإرادة كونية وذكرنا الأدلة عليها وأهل البدع لما سووا بينهما فجعلوهما واحدة هذا ضلال مبين. المبحث السادس يدخل تحته عدة تنبيهات وإيضاحات مهمة: الإيضاح الأول: هل الإنسان مُسَيّرٌ أو مُخَيّر؟ مختار أم مضطر مريد أم مجبور؟ ... كنت ذكرت هذا لكم سابقاً في بعض الدروس المتقدمة، وهو أن الإنسان له حالتان:

стр. 1805

الحالة الأولي: حالة هو فيها مكره مجبور مسير وهي: ما لم يطالب فيه بأمر ولم ينه عنه مما يقع منه أو عليه بغير اختياره وإرادته ككونه ذكراً أو أنثى جميلاً أو قبيحاً، طويلاً أو قصيراً فهذه وما شاكلها لم يطلب منه اختيار واحدة منها فلم يطلب منه مثلاً أن يكون ذكراً أو أنثى ولذلك فهنا لا فضل للأنثى على الذكر لأنها أنثى وليس للذكر فضل على الأنثى لأنه رجل بل كل واحد بعمله مرتهن، فقد تدخل المرأة الجنة ويدخل الرجل النار، وحذاء المرأة المسلمة أطهر من ملء الأرض كفاراً مع أنها قد تكون هذه المرأة فقيرة مسكينة، لكن نقول هذه مؤمنة وليس للكافر – مهما علا شأنه – وزن عند الله (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، وهكذا لو كانت هناك امرأة مسلمة ورجل مسلم، لكن صلاحها كان أكثر من صلاحه، فالمرأة أعلى منزلة عند الله من الرجل المسلم الصالح الذي لم يبلغ لدرجتها في الصلاح. إذا نظرت إلى أبي لهب تراه جميلاً – وكما يقولون: وكان عربياً – ولكن مع ذلك يقول الله له (تبت يدا أبي لهب) ، وما سمي بأبي لهب إلا لأن وجهه كان يلمع كالشمس حمرة وشقرة. وإذا نظرت إلى بلال الحبشي ﵁ تراه أسوداً وكان عبداً لكن مع ذلك يقول النبي ﷺ له: [إني لأسمع قرع نعليك في الجنة] إذن فلا ثواب ولا عقاب على مجرد الحسن أو السواد بل بحسب العمل.

стр. 1806

الحالة الثانية: حالة نحن فيها مختارون وهي: كل ما يتعلق فيما أُمرنا به ونُهينا عنه، لنا اختيار ومشيئة وليس علينا قسر في فعلنا وعملنا، فكل واحد يعمل عمله باختياره، لكن ذلك الاختيار وتلك المشيئة التي تجري منا مرتبطان بمشيئة الله وتقديره، فنحن في فعلنا مختارون وفي مشيئتنا مضطرون ولهذا دليل في سورة النحل يقول الله جل وعلا (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون) فانتبهوا لهذا الإحكام في كلام ذي الجلال والإكرام كيف أنه أثبت لنا مشيئة وأن مشيئتنا مقيدة بمشيئته لكن لا ينفي ذلك المسئولية عنا، أي لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة على الحنفية السمحة، مسلمين أجمعين ولفظ (الأمة) يأتي في القرآن لخمسة معانٍ، ولا يخرج لفظ الأمة عنها في كتاب الله جل وعلا: ١) الملة: كقوله تعالى (إن هذه أمتكم أمة واحدة) أي ملة، ودينكم دين واحد وكالآية هنا، كقوله (كان الناس أمة واحدة ... ) أي على دين واحد. ٢) الجماعة: كقوله تعالى (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يعقلون) أي جماعة. ٣) القائد الإمام المتبع الذي بفرده يعدل أمة: كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين) سورة النحل آية ١٢٠. ٤) الحين: وقد ورد هذا في آيتين من كلام رب العالمين في سورة هود (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) أي حين ومدة معدودة، ومنه قول الله تعالى في سورة يوسف (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) أي بعد حين ومدة. ٥) الصنف: كقوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) أي أصناف أمثالكم.

стр. 1807

أي هذه الدواب وهذه الطيور مثلكم في أي شيء؟! مثلنا في أنها تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب وتتناسل كما نتناسل، وتعرف ربها كما نعرف ربنا جل وعلا، فهذه أمم وتتعارف فيما بينهما كما نتعارف فيما بينها فالطيور يكلم بعضها بعضاً وهكذا الحيوانات لكن لا نحن نفهمها ولاهي تفهمنا، فهي أصناف وجماعات فالذكر يميز الأنثى ويعرفها، وهذه تعرف صاحبها وتعرف بيتها. ... ولعل أحدكم عاش في قرية ورأى الغنم عندما يعود قبيل المغرب والله إنه ليوحد الله هكذا عفوياً من غير قصد، فتراه يعود بأعداد كبيرة مختلطة ببعض قبل دخول القرية، لكن عندما يدخلون القرية كل واحدة تعرف صاحبتها وبيتها ولا يحصل أي خلط أو خطأ فسبحان الله!! فهي أمم أمثالكم كما أننا نعرف بيوتنا دون أن نخطئ. ولذلك يقول أبو محمد سفيان بن عيينة عليه رحمة الله وهذا من بديع استنباطه من كلام ربه، يقول في قوله تعالى (إلا أمم أمثالكم) أي وأنتم على شاكلتهم: يقول ما حاصله: "وهذه المثلية لما انعدمت من حيث الشكل الظاهري والصورة الظاهرة، وتعين المصير إلى أن هذه المثلية في الحقيقة الباطنة، فبعضكم على خُلُقِ الأنعام وبعضكم على خُلُقِ الحمير وبعضكم على خُلُقِ الكلاب وبعضكم على خلق العقارب وبعضكم على خلق الحيايا وبعضكم على خلق الذئاب، وبعضكم على خلق الخنزير، وبعضكم وبعضكم....." فهذه البشر في الحقيقة صور للحيوانات فترى أنساناً أحياناً لا يأتي منه إلا الأذى لا يقول كلمة فيها ذكر الله ولا نفع لعبد من عباد الله، فهذا في الحقيقة عقرب، وكم من إنسان لا ينجب إنساناً إنما أنجب ثعباناً يلدغ، أو لم ينجب إلا ودلداً بليداً كالحمار، أو لا غيرة له (ديوث) كالخنزير، ومن الناس من يلد شاة وهذه في الحقيقة أحسن المماثلات.

стр. 1808

ولذلك المرأة إذا كانت سكينة وساكنة وطاهرة فإنها تشبه بالشاة وهي أحسن الأوصاف والسكينة والأناة في الغنم، كما أن الغلظ والجفاء في الإبل، كما أن البلادة في الحمير، فكل واحد يأخذ شكل من يصاحبه. ولذلك حرم الشارع علينا أكل لحم الخنزير، لأنك ستتأثر بلحمه وتأخذ خصائصه (عدم الغيرة) ولحم الإبل – مع أنه حلال – أُمرنا أن نتوضأ بعد أكل لحمه، لما يحدث في قلبنا من كبر وزهو وخيلاء كحال البعير عندما تراه يمشي ويتمايل فبالتالي يصبح مثل هذا بالإنسان فيتوضأ ليزيل هذا المعنى الذي علق فيه من أكل لحكم البعير، أما إذا أكل لحم الغنم فيكتسب سكينة وطمأنينة ولا يحتاج لوضوء. وحقيقة الأمر كذلك الناس لا تختلف عن البهائم إلا في الصورة الظاهرة: أبني إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر فَطِنٌ بكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر أي صورته صورة إنسان يسمع ويبصر لكنه في الحقيقة بهيمة من الحيوانات إذ لو شاء الله لجعل الناس كلهم مؤمنين (ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء) فهو الهادي وهو المضل، وهدى من شاء فضلاً وكرماً، وأضل من شاء عدلاً وعلماً وهذا قدره السابق . س: لكن هل كونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء يسقط المسئولية أمام رب البرية؟ ج: لا، (ولتُسألن عما كنتم تعملون) فالضلال الذي يصدر منكم ستُسألون عنه، وهكذا الهداية، فتثابون إذا اهتديتم وتعاقبون إلا ضللتم.

стр. 1809

فهذا يجمع ما قلنا ومن أن فعل الإنسان باختياره لكن مشيئتة تابعة لمشيئة ربه، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولذلك يفعل الإنسان ما يشاء، لكنه لا يشاء ما يشاء بل ما تشاؤه تابع لمشيئة الله فليست مشيئتك استقلالية، إنما تابع لمشيئة رب البرية (قل لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) وهو على كل شيء قدير فما نوع المشيئة في قوله تعالى (ولو شاء لجعلكم) ؟ مشيئة كونية قدرية، أي لو شاء الله ذلك مشيئة كونية قدرية لما تخلف، فلو أراد الله أن يجعل المخلوقات بأسرها على حقيقة وكيفية نبينا أفضل خلق الله ﷺ لما أعجزه ذلك فهو على كل شيء قدير إذا شاء ذلك لكن له الحكمة البالغة والحجة التامة. س: هل الله سيحاسب عباده على تقديره أم على فعلهم؟ ج: على فعلهم (ولتُسألن عما كنتم تعملون) فلن تُسألوا عما قدرته لكم، إنما ستحاسبون على ما صدر منكم فقد أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وأعطيتكم العقول فأقمت عليكم الحجة (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها) ، فمن يهتدي هدايته مرتبطة بتقدير الله ومشيئته، ومن يضل فضلاله مرتبط بتقدير الله ومشيئته، لكن الفعل في الحالتين – كما قلنا – مخير فيه، فالإنسان يفعل ما يريد لكنه لا يريد ما يريد، بل يريد ما يريده الله المجيد وسعي العباد كلهم ينتهي عند آيتين اثنتين لا ثالث لهما: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً) ، (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)

стр. 1810

فللعباد مشيئة لكنها تابعة لمشيئة ربنا جل وعلا، ولذلك إذا قال لك شخص: أنا شاء قل له: مشيئة استقلالية أو تابعة لمشيئة رب البرية؟ فإن قال: استقلالية، فهذا قول القدرية لأنهم يقولون ما شاء الله شيئاً ولا قدره، وإن قال: أنا لا مشيئة لي، فهذا قول الجبرية، وإن قال: لي مشيئة لكن مشيئتي تابعة لمشيئة ربي، فهذا قول أهل السنة الفرقة المرضية، ولو كانت مشيئة العبد استقلالية فإنه سينازع ربه وقد يتغلب عليه كما يقول المعتزلة، تعالى الله عن ذلك، وكيف يقع في ملكه ما لا يريده؟!! فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (١) . ٢- الإيضاح الثاني: إن قال قائل كل شيء بقضاء وقدر وكل ما يقع سبق به تقدير الله وتعلقت به مشيئته فكيف يريد الله أمراً لا يحبه ولا يرضاه؟ (هذا مترتب على الأمر الأول) . الجواب: لا إشكال في ذلك ويتضح هذا بهذا التحقيق الذي ينبغي أن تعضوا عليه بالنواجذ، وهو: أن الأسباب مع مسبباتها أربع أقسام، اثنان منهما يتعلق بهما قدر الرحمن وهما محل أقضية الله وأقداره فيما يحبه ويكرهه، واثنان منهما لا يتعلق بهما قدر ربنا. ? الاثنان اللذان يتعلق بهما قضاء الله جل وعلا وقدره وإرادته ومشيئته: ١) سَبَب محمود محبوب يوصل إلى مُسَبّب محمود محبوب: مثال: قدر الله وجود الإيمان فهذا سبب محمود، ونتيجته أنه يفضي إلى توحيده ورضوانه فهو مسبب محمود. مثال آخر: خلق الله الأنبياء والمرسلين سبب محمود يحبه الله يفضي إلى مسبب محمود.

стр. 1811

٢) سبب مكروه يوصل إلى مسبب محمود محبوب: مثال: الكفر قدر الله وجوده وهو سبب مكروه لكنه يوصل إلى مسبب محمود محبوب، فإذا: ١- تاب هذا الكافر، فهذا مسبب محمود حصل بعد كفره ولولا أنه كافر ما تاب، فإذن أوصل إلى توبة لله، وهو مسبب محمود، ٢- ومسبب محمود آخر وهو جهاد المؤمنين للكفار ومحبة الله للمؤمنين المجاهدين (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) . ٣- ومسبب محمود ثالث: وهو أنه يترتب على الكفر إدخال الكافرين النار فهذا محمود لله عندما يدخل الكفار النار لإظهار عدله وتحقيق بطشه وانتقامه فهو منتقم وهو شديد العقاب وهو يتصف بصفة الغضب فظهور صفة الغضب محمود للرب كما أن ظهور صفة الرضا محمود للرب، كما أن ظهور أثر اسم التواب محمود للرب، فلو لم يكن هناك كافر لبقي غضب الله معطلاً وبقيت دار غضبه ولعنته (النار) معطلة، فإذن مكروه أوصل إلى محبوب ولا يقضي الله شراً محضاً. مثال آخر: إبليس خلقه الله وهو من أعظم الأسباب المكروهة لكنه يوصل إلى أعظم المسببات المحمودة المحبوبة (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) فإذا عادينا الشيطان فالله يحب هنا الفعل منا، ولذلك لولا الشيطان لما تميز أهل التقى من أهل العصيان، لكن عندما يجاهد التقي نفسه ويذل عدوه و [والمؤمن يُنضي شيطانه كما يُنضي أحدكم بعيره في السفر] كما ثبت هذا في مسند الإمام أحمد عن نبينا ﵊، ومعنى (يُنضي) يتعب ويُهزل، أي يجعله نضواً أي ضعيفاً جلده ملتصق على عظمه حتى كأنه لا لحم عليه. ... فالمؤمن إذا أكل سمى الله وإذا شرب سمى الله وإذا لبس سمى الله، وإذا دخل البيت سمى الله وإذا اتصل بأهله سمى الله وبالتالي يذل الشيطان، والشيطان يكون كالجزور فإذا صاحب المؤمن طار كالعصفور.

стр. 1812

.. وضبط ابن مُفْلح لفظ ينضى بالصاد المهملة بدل الضاد المعجمة في كتاب صيانة الإنسان من وساوس الشيطان، فقال اللفظ هو (يُنصيء) بدل يُنضي أي يأخذ بناصيته ورقبته ويقتله ويتحكم فيه كما يريد، وعندما تتعب الشيطان وتهزله وكذلك عندما تذله وتتحكم به يفرح ربنا بهذا ويرضى ويحب هذا. ... إذن الشيطان مكروه لكن نتج عنه محبوب، وكذلك ينتج عنه قتال أوليائه والله يحب هذا (فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) فهو إذن محمود أيضاً. ... إخوتي الكرام ... كما يوجد في الجن من يصرع الإنس، يوجد في الإنس من يصرع الجن، فما أكثر من يصرع من الجن بنور المؤمن، والجني يأتي للمؤمن فإذا وصل إليه وذكر الله يصرع على الأرض ويتخبط (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) ، وتقدم معنا في محاضرة مداخل الشيطان إلى نفس الإنسان في الفجيرة أن النبي ﵊ قال لعمر (ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك غير فجك) والحديث في الصحيحين، وفي بعض روايات الحديث في معجم الطبراني الكبير عن سَدِيسَة (ويقال سُدَيسَة) مولاة حفصة، وفي معجم الطبراني الأوسط عن أمنا حفصة أن النبي ﷺ يقول لعمر [والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان منذ أسلمت إلا خرّ على وجهه] أي مصروعاً. إذن سبب مكروه مبغوض لكنه أوصل إلى مسبب محمود محبوب: لعلّ عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل ? الاثنان اللذان لا يتعلق بهما قضاء الله جل وعلا وقدره: ٣) سبب مكروه يوصل إلى مسبب مكروه: فهذا لا يقدره الله ولا يقضيه ولا يفعله ولا يخلق الله شيئاً مكروهاً لا حكمة من ورائه، فهذا عبث لا يقضيه الله، كما سيأتينا في حديث رسول الله ﷺ [والشر ليس إليك] . ٤) سبب محمود يوصل إلى مسبب مكروه: فهذا أيضاً لا يقضيه الله ولا يقدره ولا يفعله.

стр. 1813

إذن لابد من أن تكون النتيجة والمسببات محمودة، فهذا الذي يقدره الله جل وعلا أما أن تكون المسببات مكروهة مذمومة فهذه مما لا يقدره الله ولا يقضيه مطلقاً. قال أئمتنا الكرام: المراد نوعان: النوع الأول: مراد لنفسه محبوب لذاته، وما فيه من الخير مرادٌ إرادة الغايات والمقاصد وهذا الذي سميناه محبوب يوصل إلى محبوب، كخلق النبيين، وتقدير وجود الإيمان والطاعة فهو مقصود، أي خلقه الله لأنه يحبه. النوع الثاني: مرادٌ لغيره – لا لنفسه – مكروه من حيثُ نفسِه وذاته، مرادٌ من حيث إيصاله إلى المراد المحبوب لنفسه، فاجتمع في هذا المراد حب الله وإرادته وبغضه وكراهيته، ولا منافاة بينهما لاختلاف متعلقهما، وهذا الذي سميناه مكروهاً يوصل إلى محبوب، فهو مكروه بالنظر إلي نفسه، وهو محبوب بالنظر إلى نتيجته، فاختلف متعلق الكُره ومتعلق الحب، إن قيل: هل لهذا مثال بيناً في الحسيات؟ نقول: الأمثلة كثيرة، فمثلاً: الدواء – ونسأل الله أن يعافينا من كل داء وبلاء – الدواء المر هذا مراد لغيره مكروه لنفسه لأن مثل هذا الدواء تنزعج بشربه لمرارته ولما يسببه لك من ضيق فهذا شيء مكروه ولذلك تراه لا يشربه إلا عند الحاجة، فتشربه لأنك تعلم أنه يوصل إلى محبوب وهو الشفاء فأنت لم ترده لنفسه بل لما يوصل إليه فاجتمع الأمران حب وبغض، إرادة وكراهية لاختلاف متعلقهما فمتعلق الحب غاية الدواء ونتيجة ولتعلق الكراهية للدواء نفسه وهكذا قدر الله فيما يبغضه ويكرهه ويوصل إلى محبوب. ... وقد قرر أئمتنا الكرام حِكماً كثيرة في تقدير الله وإرادته لما يشاؤه مما يكرهه ويبغضه، ولنأخذ مثالاً على ذلك في نوع من أنواع الشرور المكروهة ما يترتب عنها من خصال محمودة محبوبة، هذا الشر هو رأس الشر ومنبعه هو: الخسيس إبليس فهل في خلق هذا المخلوق مصلحة ومحمدة وهل يترتب على خلقه حُسن ومصالح؟

стр. 1814

.. نعم يترتب على خلقه مصالح كثيرة ومحامد وفيره ومحبوبات جليلة مع أنه مكروه في نفسه فهذا كالعلاج والدواء – وليس الشرب – بل العلاج الذي ستُبتر فيه أربعة أطراف المتعالج اليدين من الكفين والرجلين من الفخذين، فيرضى بقطع هذه الأعضاء ليحمي نفسه من السرطان الذي سينتشر في جميع جسمه ويقضي عليه ويُميته فهل هو رضي بقطع الأعضاء لأنه يحب ذلك؟ لا، بل لأن قطعها يؤدي ويوصل إلى محبوب وهو البقاء حياً، فلذلك رضي بهذا الشر. من هذه الخيرات التي تترتب على إبليس، وسأذكر خمساً والباقي يمكن استنباطه، وقد ذكرته في درس المعمورة الحكم من تقدير الذنوب حِكم بالنسبة للذنب وبالنسبة للمزين (إبليس) ، بالنسبة للنفس، بالنسبة للرب وهذه تصل إلى حكم:

стр. 1815

١) ظهور قدرة الرب على خلق المتضادات، المتناقضات، المتقابلات، المتعارضات المتفاوتات، هذا في الحقيقة أمر عظيم، والله عظيم عظيم وهو على كل شيء قدير ولابد من هذا الوصف من مثال فخلق ذكراً وأنثى، وخلق ليلاً ونهاراً، وخلق خيراً وشراً، وخلق حياة وموتاً، وخلق داءً ودواءً، خلق جبريل وخلق إبليس، وجبريل أطهر المخلوقات وأفضلها وأعظمها بالنسبة للملائكة وذاته لا تقبل شراً وفي المقابل خلق إبليس وهو على عكس جبريل تماماً لا يقبل الخير أبداً، بل هو شرير، فيه شهوة وشبهة منبع الشهوات وأم الشبهات، فكل شهوة عنده وكل شبهة عنده، فالخمر شهوة (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) ، والاعتراض على الله شبهة وأول من اعترض على الله هو (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ، فإذن لابد من إظهار هذا الأمر أن الله قدير على خلق المتضادات، فلو خلق الناس كلهم مؤمنين لقال الناس: ليس بمقدور الله أن يقدر شيئاً آخر، ولو خلق الله نهاراً بلا ليل لقال الناس: هذه طبيعة، ولو خلق الله فصلاً واحداً وهو الشتاء لقال الناس: هذا هو الدهر، الحاصل أن هذه المتضادات تظهر قدرة الله جل وعلا وهي مقصودة محبوبة محمودة. ٢) ظهور آثار أسماء الله القهرية، فهو المنتقم، المذل، الخافض، (شديد العقاب) ، (أخذه أليم شديد) ، نقول: العقاب والانتقام والبطش والإذلال والخفض يكون لأوليائه وأحبائه أم لأعدائه؟ لأعدائه للشيطان وذريته وأتباعه، فلما خلق الله الشيطان ووجد لهذا الشيطان أتباع من أنس وجان ظهرت آثار أسماء الله القهرية فحصل غضب الله وحصل مقته، وحصلت عقوبته، وحصل بطشه وحصل انتقامه، وحصل إذلاله لهؤلاء، وحصل خفضه لهم في الدنيا والآخرة، وأذلهم وعاقبهم ونكد حياتهم وأدخلهم جهنم، فهذه الآثار متعلقة بصفات للعزيز القهار فلابد من أن تأخذ متعلقها وآثارها وإلا تتعطل تلك الصفات.

стр. 1816

٣) ظهور آثار أسماء الله المتضمنة لعفوه ومغفرته ورحمته ولطفه بعباده فهو تواب رحيم، حليم غفور ستّير، فهذه كلها لا يمكن أن تظهر إلا إذا وقع شر وفساد ومسبب هذا المخلق وإبليس. فإذا وقعت معصية بواسطة تزيين هذا الشيطان للإنسان ثم يتوب هذا الإنسان لربه جل وعلا فإنه تظهر آثار أسماء الله الحسنى – كما قلنا – المتضمنة لعفوه ومغفرته، وكذلك لو أن هذا العاصي لم يتب بل استمر على معصيته فالله أمهله وأمد له في حياته ورزقه وأسبغ عليه فضله فهذا من ظهور آثار اسم الله الحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة فهو حليم غفور رحيم. ... فهذه كلها لابد من ظهور آثارها كما أنه منتقم شديد العقاب، فإذا عاقب ظهرت آثار تلك الأسماء وإذا أمهل وأخر – وهو سبحانه يمهل ولا يهمل ولا يفوته شيء – ظهرت آثار اسم الله الحليم، وإذا عفى وتجاوز ظهرت آثار اسم الله الرحيم العفو. لذلك ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة ... ﵃ أجمعين والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: [والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء يقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم] فهل هذا لأن الله يحب الذنب؟ لا، بل هو يكره ويغضب على فاعله، لكنه يحب التوبة، وإذا لم تتب فالله يحب أن يتجاوز عن عباده وأن يعفو عنهم، فإذا لم تقع ذنوب فلن تكون هناك توبة والله يحب التوابين ولن يكون هناك آثار اسم الله الحليم العفو وبهذا تتعطل صفات الله وليس في تعطيلها كمال له جل وعلا. ... ولذلك عندما يتوب الإنسان لا يناجي الله بقوله يا منتقم تب علي، بل يناجيه بقوله يا رحيم تب علي فينادي ربه بالأسماء التي تتضمن الرحمة والمغفرة والعطف والحنان والحلم.

стр. 1817

٤- ظهور آثار أسماء الله المتضمنة لحكمته وأنه يضع الأمور في مواضعها فهو حكيم يضع الشيء في موضعه، وهل في تقدير الذنب على الإنسان ووسوسة الشيطان له حتى أغواه حكمة؟ نعم حكمة ليس بعدها حكمة. كيف هذا؟ الإنسان لو لم يكن له شيطان يزين له أحياناً بعض أنواع الإثم والعصيان ليقع فيها وليرتكبها لربما ظن نفسه أنه ند لله وأنه شريك لله وأنه يساوي الله وأنه أفضل من النبيين أفضل من الملائكة المقربين لكنه عندما يعصي ربه يحصل له انكسار ويصبح في قلبه من الفقر والالتجاء والمسكنة ما به يدخل على ربه ولذلك لولا المعصية لوقع الناس فيما هو أكبر منها وهو الكبر والعجب والغرور ويرى أن السموات والأرض لا تسعه مع أن عبادته قد تكبه على وجهه في جهنم، وعبادة ٥٠٠ عام ما وفّت بنعمة البصر كما تقدم معنا، ولو حاسب الله خير خلقه ﵊ مع روح الله عيسى بن مريم على أصبعين فقط الإبهام والسبابة لعذبهما ربهما ثم لم يظلمهما، فمن أنت؟!! لكن الإنسان يغفل عن نفسه وعن العيوب التي في طاعاته فيقع أحياناً في بعض المعاصي الظاهرة من نظر حرام ومن غناء، أو كلمة باطلة، فمثل هذه المعاصي وغيرها كسرت قلبه. وقد ثبت في مسند البزار وشعب الإيمان للبيهقي بسند صحيح جيد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من الذنب، العُجْبَ العُجْبَ] أي أخاف عليكم العجب، حقيقة العجب مهلك للإنسان، لا طاعة أعظم من انكسار النفس والتذلل بين يدي الله، ولا معصية أشنع من إعجاب المرء بنفسه ورأيه، والعجب هو معصية إبليس. ولذلك إذا ابتلي الإنسان بشيء من المعاصي فإذا جاءه الشيطان ليوسوس له بالعُجب وأنه يعبد الله ولم يعصه يقول: يا نفس تذكري يوم كذا ماذا عملت واستحي من الله وقفي عند حدك، والمجاهد من جاهد نفسه في الله جل وعلا.

стр. 1818

ولذلك هذا هو الجهاد الأكبر هو أن تجاهد هواك، وأن تجاهد تطلعات النفس إلى الكبر والزهو والخيلاء والعجب ومضادة الرب في حكمه، فإذا وقع شر بسبب إبليس لكن هذا الشر خير، فمعصية طردت عنك أشنع الآفات وهي معصية العجب والكبر والغرور. لعل عتبك محمودٌ عواقبُه ... وربما صحت الأجسام بالعلل يعني ما تبتني فما عدت لذنبي، وصرت كما تريد فهذا العتب (المذموم) وهو عدم الوقوع في الخطأ مرة أخرى، وهنا كذلك فكان في القلب آفة دفينة من عجب وكبر وغرور وخيلاء وفخر – وهذه كلها مهلكة – من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة – فابتلاه الله بجريمة الزنا مثلاً، فنكس رأسه وانكسر وبقي يقوم في السحر يقول يا رب، يا رحيم يا كريم استرني في الآخرة كما سترتني في الدنيا، تب علي، فإذن معصية وقع فيما لكنها دفعت عنه معاص ٍ ستدخله أسفل سافلين وهو لا يدري، وحقيقة هذه حكمة لولا الوقوع في المعصية بسبب الشيطان لوقع الناس في أشد من المعاصي الظاهرة. ... ولذلك لا يدخل العباد على الرب إلا من باب الذل والانكسار، وكل من تعالى غضب الله عليه يريد وكان أئمتنا يقولون: "من تعالى لله وترفّع لقي عطباً، ومن طأطأ لقي رطباً" فمن تعالى لقي هلاكاً، والذي يريد الرطب يطأطئ رأسه ليتناوله، وهنا كذلك تعاظم يغضب الله عليه (إن عليك لعنتي إلى يوم الدين) بسبب قول إبليس (أنا خير منه) فكلمة قالها أوبقت دنياه وآخرته، أفسدت عاجله وآجله. وخذ المعصية التي قدرت على نبينا آدم ﷺ جعلت حاله بعد المعصية خيراً من حاله قبلها بكثير ولا نسبة بين تلك وبين هذه، صار بعد المعصية نبيناً من أنبياء الله كلمه الله قبلاً وأرسله بعد ذلك إلى بنيه وجعله أصل البشر ثم أخبرنا الله أنه اجتباه وتاب عليه وهدى، فمعصية وقعت منه جرته إلى هذه الكلمة التي لا يدخل إنسان على ربه إلا من طريقها (قالوا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) .

стр. 1819

.. وكل عبد لا يجعل هذه الكلمة ديدنه، فهو بعيد عن الله، ولا يدخل الإنسان الجنة إلا من هذا (الطريق ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) ، فنحن معترفون بذنوبنا وتقصيرنا وتفريطنا لكن مع ذلك نطمع في رحمتك وفي فضلك وأنت واسع المغفرة، ولمن تكون الرحمة إلا للمذنبين أمثالنا. ٥- حصول أنواع العبودية التي يُتقرب بها إلى رب البرية بسبب خلق الذات الإبليسية، حصلت عبادات متنوعة منها: أ) مجاهدة النفس ... ب) مجاهدة الكافرين ... جـ) الاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم والله يحب هذا (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) ولنا عدوان: عدو ظاهر مكشوف (الكافر) ، وعدو باطن مستور (الشيطان) أما العدو الظاهري فنداريه ولا نقاتله ونحاربه، وأما العدو الباطن المستور فلا سبيل إلى محاربته إلا بالالتجاء إلى ربنا، فنقول يا رب، سلطت علينا من يرانا ولا نراه فنسلطك عليه فأنت تراه وهو لا يراك فاكفنا شره وشر أتباعه إنك على كل شيء قدير. ... فهذه إذن عبوديات متنوعة حصلت بسبب الشيطان الرجيم، فهذا السبب المذموم يوصل إلى نتائج محمودة، وهذه بعض الحكم من خلق إبليس ذكرناها على عجل وفي بيانها بيان للحكمة من خلق الشرور وأنواع الضر وتقديرها.

стр. 1820

.. وبهذا نتحقق من قول نبينا ﵊ الذي كان يقوله عندما يناجي ربه في صلاة الليل [والشر ليس إليك] والحديث في صحيح مسلم بشرح النووي (٦/٥٩) عن علي ﵁ قال [كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يصلي يفتتح صلاته فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك , وأتوب إليك] هذا يقوله في دعاء الاستفتاح قبل أن يقرأ الفاتحة، وهذا من جملة الأدعية المشروعة التي يقولها المصلي إن شاء وإن شاء أن يقتصر على قوله: [وجهت وجهي للذي فطر السموات.... من المسلمين] ، وإن شاء أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وإن شاء قال الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا ً – إلخ دعاء. وإن شاء غيرها. وانظروا كتاب الأذكار للإمام النووي في أدعية الاستفتاح التي يخير المصلي بين شيء منها في أول صلاته. الشاهد: والشر ليس إليك، هذه الجملة تحتمل خمس معان ٍ أحدها الذي نتكلم عنه: المعني الأول: أنك لا تقضي شراً محضاً خالصاً، والشر الذي تقضيه وتقدره هو خير بالنسبة لحكمتك وقضائك وتقديرك، وإن كان شراً بالنسبة لمن يقع عليه، فإذن لما تقدره لما يترتب عليه من حكمة وخير.

стр. 1821

مثال للتقريب: المطر هو خير، لكنه شر للمسافر ولذلك يقول الله (يريكم البرق خوفاً وطمعاً) ، من جملة ما قيل في تفسيرها: خوفاً للمسافر لأنه إذا نزل أتعبه ويخشى من السيول، وطمعاً للمقيم فبمجرد أن يرى البرق يطمع في نزول المطر، ... فلو قدر أن مطراً نزل وسالت وديان وجرف بعض المسافرين وأغرقتهم فهو شر بالنسبة للمسافر، وهو شر جزئي، لكنه ترتب عليه خير عام حيث فرح الناس بنزول المطر وحي العالم بنزوله. مثال آخر: قطع يد السارق، شر في حق السارق، لكن هو خير عام للمجتمع، حافظنا على أموال الناس، منعنا أنفسنا سخط الله، فإنه إذا انتشرت المعاصي ولم يؤخذ على يد العاصي نُزعت البركة، والله يعاقبنا بعقوبة عاجلة تعم. إذن لا تقضي شراً محضاً لا تقدره لا تشاؤه، إذا قدرت شراً فلحكم نتج عنه، وهذا المعنى هو محل الشاهد في بحثنا. المعنى الثاني: أي لا يُتقرب بالشر إليك، وهذا قاله الخليل بن أحمد والنضر بن شُميل والأزهري وهؤلاء كلهم من علماء اللغة، ونُقِل عن إسحاق بن راهُوْيَهْ وابن معين وابن خزيمة وهم من أئمة الحديث الشريف. المعنى الثالث: أي لا يضاف إليك الشر على انفراده فلا يُقال يا خالق الكلاب والخنازير ولا يُقال: يا رب إبليس، قاله الإمام المزني، مع أنه خالق الكلاب والخنازير ورب إبليس لكنه يشعر بذم ويوهم بنقص بل تقول يا رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أو تقول يا رب النبي محمد ﷺ فهذا فيه مدح لأنك تضيف ربوبية الله جل وعلا إلى مخلوق فاضل. ... وأما أن تقول يا رب الطلاب والخنازير وإبليس فرج كربي، فهذا في الحقيقة سوء أدب في مناجاة الله مع أنه ربهم، ولذلك قال أئمتنا: الشر لا يضاف إلى الله على انفراده، وذلك لأنه لم يخلقه لأنه شر، بل خلقه لما يوصل من حكمة وخير. وإذا أردت أن تضيف الشر فلك أحد أساليب ثلاثة:

стр. 1822

الأسلوب الأول: أن تضيفه إلى الله عن طريق العموم فتقول: الله خالق العالمين، الله رب العالمين، يا رب المخلوقات والأرض والسموات، يا رب كل شيء ونحوها فدخل في هذا الخير والشر، الفاضل والضال. الأسلوب الثاني: أن تحذف فاعله فلا تضيفه إلى معلوم وقد تأدب الجن بهذا الأدب فقالوا كما أخبر الله عنهم في سورة الجن (وأنا لا ندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم رشداً) الرشد خير يضاف إلى الله، وأما الشر فهذا لا نضيفه إلى الله جل وعلا على سبيل الانفراد والاستقلال فنعرف فاعله ونضيفه إلى مجهول، فانظروا لهذا الأدب (أشر أريد بمن في الأرض) فلم يضيفوه لأحد مع أن هذه الإرادة لله وإرادته هي النافذة. ... وانظر إلي خليل الله إبراهيم وإلى أدبه يقول (وإذا مرضت فهو يشفين) فأضاف المرض إلى نفسه. ... ومن هذا قول الخضر لموسى ﵇ (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها) وعيب السفينة نقص، فلم يقل: أراد الله أن أعيبها مع أنه في آخر الآيات قال (وما فعلته عن أمري) أي أمرني الله بذلك، وهو عاب السفينة لمصلحة لكن ظاهر اللفظ فيه نقص فلا يضاف إلى الرب، وانظر ماذا قال بعد ذلك: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزُ لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) فقال أراد ربك ولم يقل فأردت، لأن هذا خير فيضاف إلى الله بخلاف الشر، والخير يجوز أن تضيفه إلى نفسك وإلى الله كما قال الخضر في حق الغلام (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحمة) ، كما أنك إذا صليت يجوز أن تقول صليت بقدر الله.

стр. 1823

الأسلوب الثالث: أن تضيف الشر إلى السبب الذي نتج عنه ووجد بسببه، كما قال تعالى (من شر ما خلق، ومن غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد) ، فهذا الشر يقع من مخلوقات الله ولم يضفه لنفسه، فأضافه إلى الخلق، ثم بعد ذلك أضافه إلى أفراد بأعيانهم: الغاسق إذا وقب، النفاثات، والحاسد. المعنى الرابع: الشر لا يصعد إليك إنما يصعد إليك ما هو خير طيب كما قال جل وعلا (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) . المعنى الخامس: أي ليس عدادك من أهل الشر ولا ينسب إلى الشر حكاه الإمام الخطابي في معالم شرح السنن أبي داود، يقال فلان ليس من بني فلان، وفلان من بني فلان، إذا كان عداده فيهم أو ليس عداده منهم، أي لست من أهل الشر بل أنت طيب كريم.

стр. 1824

.. ذكر الإمام الرازي في تفسيره في (١٣/٩٣) في تفسير سورة الأنعام، عند قوله تعالى (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلك الله فأنى تؤفكون) يقول ما حاصله كان بعض الملوك الجبارين يتفنن في تعذيب المسلمين المساكين، فأتى مرة بشيخ صالح فأراد أن يعذبه بنوع من أنواع العذاب وهو أن يسقيه الأفيون (المخدر) فأسقاه ذلك لأجل أن يموت بسبب فقدان الحرارة الغريزية، ثم وضعه في بيت مظلم تحت الأرض يقال له سرداب وقبو وملجأ، ثم بعد فترة جاء الملك ليتفقد هذا الشيخ هل مات أم لا؟ وكان يظن أنه مات لكنه أراد أن يتأكد فلما جاءه وجده حياً فاستغرب الملك وحار في أمره، فقال له: ما شأنك؟ فأخبره الشيخ: أنه لما وضعتني في هذا السرداب جاءني ثعبان عظيم فلدغني، فبهذا حييت، ثم كف هذا الملك عن الظلم بعد ذلك، فقيل للملك كيف هذا؟ فقال: إن الأفيون يفقد الحرارة الغريزية فيقتل بقوة برده، بعكس السم فإنه يزيد الحرارة الغريزية ويقتل بقوة حره، والجسم لابد من توازن الحرارة والبرودة فيه، فتوازنت الحرارة في جسم الشيخ وما تأثر بلدغ الحية مع أنها شر لكنه فيها خير، فالله سبحانه لا يخلق شراً محضاً، وإذا قدرته فلما ينتج عنه من حكم. ٣- الإيضاح الثالث: كيف يرضى الله لعبده شيئاً ولا يعينه عليه؟ فالله جل وعلا رضي لنا الإيمان والطاعة، لكن لم يعن العباد جميعاً على ذلك، بل أعان قسماً منهم وهم الموحدون، وخذل قسماً منهم فلم يعنهم، فكيف يرضى الله لعباده شيئاً ولا يعينهم عليه؟!. نقول: لا إشكال في ذلك مطلقاً، لأنه لو أعانه على ما رضيه لهم لترتب على هذا محذوران أو أحد محذورين: المحذور الأول: قد تستلزم إعانة الله جل وعلا لعباده على ما رضيه لهم وأحبه قد تستلزم فوات محبوب لله هو أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها لعباده وأحبها لهم.

стр. 1825

المحذور الثاني: قد تستلزم إعانة الله جل وعلا لعباده على ما رضيه لهم وأحبه قد تستلزم وقوع مفسدة هي أكره لله جل وعلا من فوات تلك الطاعة التي أحبها لعباده ورضيها لهم، فدُفع أعظم المكروهين بأحدهما، مثال: يقول الله جل وعلا في كتابه عن المنافقين (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) الله أحب الجهاد وأمرهم به وأمرهم بالخروج لكن كره الله خروجهم، وعدم خروجهم مفسدة، لكن في خروجهم مفسدة أعظم فانظر إلى النتيجة بعد ذلك لو خرجوا. (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً) هذه المفسدة الأولى، أي ما زادوكم إلا ضعفاً وخذلاناً لأنهم لن يقاتلوا بجد ونشاط وعزم إنما سيخذلون ويجبنون، وإذا جبن فرد في الجيش قد تسري العدوى على أفراد الجيش، والجيش يزداد عزمه وقوته عندما يرى الأفراد يتسابقون إلى الاستشهاد، لكنه عندما ينظر إلي زملائه يفرون ويضعفون ويجبنون فهو بالتالي سيجبن ويهن (ولأوقعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) والإيقاع هو الإسراع في الإفساد ونقل النميمة والتحرش بين المسلمين، وأمر هؤلاء لا يخفى على الكثير وفيكم سماعون لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وهذا التحريش هو مفسدة ثانية في حد ذاتها فإذا ضعف المسلمون وتحرشوا فيما بينهم بعد فعل المنافقين فهذه أيضاً مفسدة ثالثة فتركهم للجهاد مفسدة ولكن في إعانة الله لهم على الخروج وجهادهم مفسدة أعظم، فدفع أعظم المكروهين بأدناهما، وفي خروجهم أيضاً فوات لمحبوب هو أعظم عند الله من حبه لخروجهم. مثال آخر: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) فمصلحة هذا الرجل المؤمن من آل فرعون الذي نصح موسى مصلحته في أن يشير عليه ويبتعد عنه لا في أن يعينه ويساعده لأنه لو ساعد لأذي وقتل، إذن فمصلحة الناصح هنا تتعلق بالأمر لا بالمعونة. ولله المثل الأعلى.
следующие страницы →