← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

مثال للتقريب: المطر هو خير، لكنه شر للمسافر ولذلك يقول الله (يريكم البرق خوفاً وطمعاً) ، من جملة ما قيل في تفسيرها: خوفاً للمسافر لأنه إذا نزل أتعبه ويخشى من السيول، وطمعاً للمقيم فبمجرد أن يرى البرق يطمع في نزول المطر، ... فلو قدر أن مطراً نزل وسالت وديان وجرف بعض المسافرين وأغرقتهم فهو شر بالنسبة للمسافر، وهو شر جزئي، لكنه ترتب عليه خير عام حيث فرح الناس بنزول المطر وحي العالم بنزوله. مثال آخر: قطع يد السارق، شر في حق السارق، لكن هو خير عام للمجتمع، حافظنا على أموال الناس، منعنا أنفسنا سخط الله، فإنه إذا انتشرت المعاصي ولم يؤخذ على يد العاصي نُزعت البركة، والله يعاقبنا بعقوبة عاجلة تعم. إذن لا تقضي شراً محضاً لا تقدره لا تشاؤه، إذا قدرت شراً فلحكم نتج عنه، وهذا المعنى هو محل الشاهد في بحثنا. المعنى الثاني: أي لا يُتقرب بالشر إليك، وهذا قاله الخليل بن أحمد والنضر بن شُميل والأزهري وهؤلاء كلهم من علماء اللغة، ونُقِل عن إسحاق بن راهُوْيَهْ وابن معين وابن خزيمة وهم من أئمة الحديث الشريف. المعنى الثالث: أي لا يضاف إليك الشر على انفراده فلا يُقال يا خالق الكلاب والخنازير ولا يُقال: يا رب إبليس، قاله الإمام المزني، مع أنه خالق الكلاب والخنازير ورب إبليس لكنه يشعر بذم ويوهم بنقص بل تقول يا رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أو تقول يا رب النبي محمد ﷺ فهذا فيه مدح لأنك تضيف ربوبية الله جل وعلا إلى مخلوق فاضل. ... وأما أن تقول يا رب الطلاب والخنازير وإبليس فرج كربي، فهذا في الحقيقة سوء أدب في مناجاة الله مع أنه ربهم، ولذلك قال أئمتنا: الشر لا يضاف إلى الله على انفراده، وذلك لأنه لم يخلقه لأنه شر، بل خلقه لما يوصل من حكمة وخير. وإذا أردت أن تضيف الشر فلك أحد أساليب ثلاثة:

стр. 1822

الأسلوب الأول: أن تضيفه إلى الله عن طريق العموم فتقول: الله خالق العالمين، الله رب العالمين، يا رب المخلوقات والأرض والسموات، يا رب كل شيء ونحوها فدخل في هذا الخير والشر، الفاضل والضال. الأسلوب الثاني: أن تحذف فاعله فلا تضيفه إلى معلوم وقد تأدب الجن بهذا الأدب فقالوا كما أخبر الله عنهم في سورة الجن (وأنا لا ندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم رشداً) الرشد خير يضاف إلى الله، وأما الشر فهذا لا نضيفه إلى الله جل وعلا على سبيل الانفراد والاستقلال فنعرف فاعله ونضيفه إلى مجهول، فانظروا لهذا الأدب (أشر أريد بمن في الأرض) فلم يضيفوه لأحد مع أن هذه الإرادة لله وإرادته هي النافذة. ... وانظر إلي خليل الله إبراهيم وإلى أدبه يقول (وإذا مرضت فهو يشفين) فأضاف المرض إلى نفسه. ... ومن هذا قول الخضر لموسى ﵇ (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها) وعيب السفينة نقص، فلم يقل: أراد الله أن أعيبها مع أنه في آخر الآيات قال (وما فعلته عن أمري) أي أمرني الله بذلك، وهو عاب السفينة لمصلحة لكن ظاهر اللفظ فيه نقص فلا يضاف إلى الرب، وانظر ماذا قال بعد ذلك: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزُ لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) فقال أراد ربك ولم يقل فأردت، لأن هذا خير فيضاف إلى الله بخلاف الشر، والخير يجوز أن تضيفه إلى نفسك وإلى الله كما قال الخضر في حق الغلام (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحمة) ، كما أنك إذا صليت يجوز أن تقول صليت بقدر الله.

стр. 1823

الأسلوب الثالث: أن تضيف الشر إلى السبب الذي نتج عنه ووجد بسببه، كما قال تعالى (من شر ما خلق، ومن غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد) ، فهذا الشر يقع من مخلوقات الله ولم يضفه لنفسه، فأضافه إلى الخلق، ثم بعد ذلك أضافه إلى أفراد بأعيانهم: الغاسق إذا وقب، النفاثات، والحاسد. المعنى الرابع: الشر لا يصعد إليك إنما يصعد إليك ما هو خير طيب كما قال جل وعلا (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) . المعنى الخامس: أي ليس عدادك من أهل الشر ولا ينسب إلى الشر حكاه الإمام الخطابي في معالم شرح السنن أبي داود، يقال فلان ليس من بني فلان، وفلان من بني فلان، إذا كان عداده فيهم أو ليس عداده منهم، أي لست من أهل الشر بل أنت طيب كريم.

стр. 1824

.. ذكر الإمام الرازي في تفسيره في (١٣/٩٣) في تفسير سورة الأنعام، عند قوله تعالى (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلك الله فأنى تؤفكون) يقول ما حاصله كان بعض الملوك الجبارين يتفنن في تعذيب المسلمين المساكين، فأتى مرة بشيخ صالح فأراد أن يعذبه بنوع من أنواع العذاب وهو أن يسقيه الأفيون (المخدر) فأسقاه ذلك لأجل أن يموت بسبب فقدان الحرارة الغريزية، ثم وضعه في بيت مظلم تحت الأرض يقال له سرداب وقبو وملجأ، ثم بعد فترة جاء الملك ليتفقد هذا الشيخ هل مات أم لا؟ وكان يظن أنه مات لكنه أراد أن يتأكد فلما جاءه وجده حياً فاستغرب الملك وحار في أمره، فقال له: ما شأنك؟ فأخبره الشيخ: أنه لما وضعتني في هذا السرداب جاءني ثعبان عظيم فلدغني، فبهذا حييت، ثم كف هذا الملك عن الظلم بعد ذلك، فقيل للملك كيف هذا؟ فقال: إن الأفيون يفقد الحرارة الغريزية فيقتل بقوة برده، بعكس السم فإنه يزيد الحرارة الغريزية ويقتل بقوة حره، والجسم لابد من توازن الحرارة والبرودة فيه، فتوازنت الحرارة في جسم الشيخ وما تأثر بلدغ الحية مع أنها شر لكنه فيها خير، فالله سبحانه لا يخلق شراً محضاً، وإذا قدرته فلما ينتج عنه من حكم. ٣- الإيضاح الثالث: كيف يرضى الله لعبده شيئاً ولا يعينه عليه؟ فالله جل وعلا رضي لنا الإيمان والطاعة، لكن لم يعن العباد جميعاً على ذلك، بل أعان قسماً منهم وهم الموحدون، وخذل قسماً منهم فلم يعنهم، فكيف يرضى الله لعباده شيئاً ولا يعينهم عليه؟!. نقول: لا إشكال في ذلك مطلقاً، لأنه لو أعانه على ما رضيه لهم لترتب على هذا محذوران أو أحد محذورين: المحذور الأول: قد تستلزم إعانة الله جل وعلا لعباده على ما رضيه لهم وأحبه قد تستلزم فوات محبوب لله هو أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها لعباده وأحبها لهم.

стр. 1825

المحذور الثاني: قد تستلزم إعانة الله جل وعلا لعباده على ما رضيه لهم وأحبه قد تستلزم وقوع مفسدة هي أكره لله جل وعلا من فوات تلك الطاعة التي أحبها لعباده ورضيها لهم، فدُفع أعظم المكروهين بأحدهما، مثال: يقول الله جل وعلا في كتابه عن المنافقين (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) الله أحب الجهاد وأمرهم به وأمرهم بالخروج لكن كره الله خروجهم، وعدم خروجهم مفسدة، لكن في خروجهم مفسدة أعظم فانظر إلى النتيجة بعد ذلك لو خرجوا. (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً) هذه المفسدة الأولى، أي ما زادوكم إلا ضعفاً وخذلاناً لأنهم لن يقاتلوا بجد ونشاط وعزم إنما سيخذلون ويجبنون، وإذا جبن فرد في الجيش قد تسري العدوى على أفراد الجيش، والجيش يزداد عزمه وقوته عندما يرى الأفراد يتسابقون إلى الاستشهاد، لكنه عندما ينظر إلي زملائه يفرون ويضعفون ويجبنون فهو بالتالي سيجبن ويهن (ولأوقعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) والإيقاع هو الإسراع في الإفساد ونقل النميمة والتحرش بين المسلمين، وأمر هؤلاء لا يخفى على الكثير وفيكم سماعون لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وهذا التحريش هو مفسدة ثانية في حد ذاتها فإذا ضعف المسلمون وتحرشوا فيما بينهم بعد فعل المنافقين فهذه أيضاً مفسدة ثالثة فتركهم للجهاد مفسدة ولكن في إعانة الله لهم على الخروج وجهادهم مفسدة أعظم، فدفع أعظم المكروهين بأدناهما، وفي خروجهم أيضاً فوات لمحبوب هو أعظم عند الله من حبه لخروجهم. مثال آخر: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) فمصلحة هذا الرجل المؤمن من آل فرعون الذي نصح موسى مصلحته في أن يشير عليه ويبتعد عنه لا في أن يعينه ويساعده لأنه لو ساعد لأذي وقتل، إذن فمصلحة الناصح هنا تتعلق بالأمر لا بالمعونة. ولله المثل الأعلى.

стр. 1826

مثال آخر للتقريب: ولله المثل الأعلى – لو أن هناك امرأة صالحة تعد نفسك لخطبتها والزواج منها، من فترة طويلة لأنك تعرف أسرتها ونشأتها، فجاءك بعض الصالحين وقال لك: ما رأيك في فلانة بنت فلان أريد أن أتزوجها؟، وكانت هي التي تعد نفسك لها، فأنت الآن قد تستحي أن تقول له أنا أريد أن أخطبها، وكذلك لا يجوز لك أن تذمها كذباً لتبعده عنها فأنت ستقول الحق وتقول له هذه امرأة صالحة من أسرة طاهرة وسعيد الحظ من يتزوجها وهي فرصة لك – مع أنه في قرارة نفسك تدعو الله ألا يتم هذا النكاح – فإذا قال لك زميلك: اذهب معي لنكلم أهلها فستعتذر ولن تذهب معه، فإذن أنت نصحته ودللته ولم تعنه فإذن الإعانة شيء آخر، ولا يلزم من النصح والأمر الإعانة – ولله المثل الأعلى، فكم من إنسان تأمره وأنت لا تريد حصول هذا له لأنه يتضمن مضرة عليك أو يتضمن زوال محبوب لك هو أعظم من ذلك المحبوب الذي سيحصل له. مثال: لو أعان الله عباده كلهم على الإيمان ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة لكن هذا لو حصل لترتب عليه ولفات به محبوبات كثيرة عظيمة لله جل وعلا منها: ١) تقدم معنا إظهار قدرة الله على خلق المتضادات. ٢) إظهار آثار أسماء الله المتضمنة لقوة بأسه وانتقامه فإذا كان كل من في الأرض مؤمنين لفاتت هذه الآثار وهي محبوبة لله جل وعلا. ٣) ويترتب على الكفر والذنب طاعة أحب إلى الله منها وهي التوبة فلم يعنه على الطاعة من أول الأمر ليترتب عليها حصول طاعة أعظم بعد ذلك ولو حصلت من أول لفات هذا الأمر المحبوب لله.

стр. 1827

٤) لو حصلت الطاعة من أول الأمر قد يترتب عليه مفسدة أعظم وهي العُجب فوقع في الذنب حتى ينكسر ولا يتكبر فزالت مفسدة أعظم مما لو لم تحصل تلك الطاعة، أي لو لم تحصل مفسدة يسيرة لحصلت مفسدة كبيرة، فدفعت الكبيرة باليسيرة كما تقدم معنا في الحكم، ولو كان الخلق كلهم مؤمنين فمن سيدخل النار؟ فهذا لابد من وعيه ولا تظن أن الحكمة تقتضي أن يكون جميع الناس مؤمنين، ليس كذلك، لأنه لو كان هذا هو الحكمة لقدرة الحكيم العليم (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) هود (١١٨، ١١٩) ، (ولذلك خلقهم) فيها تفسيرأن كلاهما ثابت عن سلفنا الكرام: خلقهم أي ليأمرهم بالإيمان ليكونوا ملة واحدة ليرحمهم بعد ذلك فالإرادة دينية شرعية وقيل: خلقهم أي ليختلفوا فيحاسب كلاً على عمله فالإرادة كونية قدرية، وأحد التفسيرين لابن عباس والآخر للحسن لكن لن أذكر تحديداً النسبة الصحيحة لكل قول. ولذلك قال أئمتنا من أمره الله وأعانه فقد تعلق بالمأمور خلقه وأمره إنشاءً ومحبة (وجدت فيه الإرادة الشرعية والكونية) ومن أمره الله ولم يعنه فقد تعلق بالمأمور أمره لا خلقه لعدم الحكمة، قل لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين وليس في هنا أي إشكال، والشر ليس إليك وأسباب الخير ولا يستلزم الخير حصولها بكاملها إنما قد يوجد الله الثلاث في بعض العباد وقد يوجد بعضها في بعض ... العباد فهو المتفضل والمنعم على عباده: السبب الأول: إيجاد: خلقه لإبليس وللكافرين نعمة. السبب الثاني: إعداد: أعد قلوبهم بحيث جعلها صالحة للهدى والإيمان كما قال لنبيه موسى ﵇ (واصطنعتك لنفسي) هذا من به على بعض العباد.

стр. 1828

السبب الثالث: إمداد: بعد أن هيأه وأعده جعله يقبل ذلك الإيمان ويطمئن إليه ويأخذ به، فلا يخلو مخلوق من فضل الله لكن إما في نعمة الإيجاد وإما في نعمة الإيجاد والإعداد والإمداد. فالله جل وعلا أوجد نبيه محمداً صلى الله عليه وأعده وأمده، والله يقول للنبي ﷺ (ووجدك ضالاً فهدى) (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) والله يقول (وما كنت ترجو أن يلقى إليه الكتاب إلا رحمة من ربك) لكن قف عند نقطة: هل هذا الاختيار مبناه على العبث والسفه أم هو وضع للأمور في مواضعها؟ إذا كنت تؤمن بأن الله حكيم فستعلم أنه اصطفى محمداً ﷺ لما يعلمه مما في قلبه، واختياره كان في محله كما قال (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) و (ما) هنا نافية وهذا أقوى القولين في تفسيرها، ويتم الوقف عند قوله (ويختار) ، أي ما يحصل لهم هذا ولا يقومون به، وقيل: (ما) موصولة، المعنى صحيح أيضاً ويختار الذي فيه خير لهم وهو أرحم بنا من أنفسنا. ... والله جل وعلا أوجد أبا جهل ولم يعده ولم يمده، لما له من الحكمة التامة ولو شاء أن يجعله كالأنبياء لجعله لكن له الحجة البالغة والحكمة التامة، فخذله لما يعلم في قلبه من الخبث والكبر والطغيان، إذن الله أوجده وخلقه بشراً سوياً عاقلاً مدركاً ذكياً لكنه لم يعده ولم يمده لحكمته التامة وعلمه ولله على خلقه نعمتان: الأولى خلق وإيجاد، والثانية هداية وإرشاد، الخلق والإيجاد مبذولة للجميع (وما بكم من نعمة فمن الله) (الله خالق كل شيء) ، ونعمة الهداية والإرشاد (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) ، وهنا كذلك إيجاد وإعداد وإمداد. ٤- الإيضاح الرابع:

стр. 1829

يترتب على ما تقدم قول القائل والله لأفعلن كذا إن شاء الله، أو إن أحب الله ثم حنث، فهل عليه كفارة أم لا؟ وما الفارق بين الصيغتين؟ مثال لو قال: والله لآكلن التفاح هذا اليوم إن شاء الله، والله لآكلن التفاح هذا اليوم إن أحب الله ولم يأكل فهل هناك فرق في الحكم؟ نعم هناك فرق كبير بعد أن تعرف هذا المبحث الجليل. إذا علقته بالمشيئة ولم تفعله لم تحنث مطلقاً لأن الله لم يشأ ذلك سواء كان المخلوق عليه طاعة أو معصية أو مباحاً كأن يقول أحد: والله لأسمعن الغناء إن شاء الله في هذا اليوم ولم يسمع لم يحنث لأن الله لم يشأه فتركه له دليل على عدم مشيئة الله له، ولو كان شاءه لحصل، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لأن المشيئة الكونية لا يتخلف مقتضاها كما تقدم معنا بخلاف المشيئة الدينية. وأما إذا علقته بالمحبة فإن كان طاعة من واجب أو مستحب، فحلفت ولم تفعل فعليك كفارة وإن لم يكن طاعة فحلفت ولم تفعل فلا كفارة عليك، فلو حلف على غير طاعة من مباح أو معصية قال لأسمعن الغناء إن أحب الله، فلم يسمع فلا كفارة عليه لأن الله لا يحب هذا الفعل وتعليقك كان في محله، ولو قال لأصلين في المسجد إن أحب الله اليوم، فإن لم يصل فعليه كفارة، لأن الصلاة يحبها الله، فوافق تعليقه المحل فتعلقت الكفارة به إن حنث. والسبب في التفريق بين التعليق على المشيئة والتعليق على المحبة: يُعلم مما تقدم معنا وهو أن الإرادة الشرعية الدينية قد يوجد مقتضاها وقد يتخلف والإرادة الكونية القدرية لابد من وجود مقتضاها فعندما يعلق فعله على مشيئة الله الكونية القدرية ولا يتيسر له الفعل نقول هذا يدلنا على أن الله لم يشأ لك ذلك، لأنه لو شاءه لابد من حصوله، فأنت إذن ربطت القسم بالمشيئة فإذا شاء الله فعلت وإذا لم يشأ لك فلن تذهب، وعندما تعلقه على محبة الله وكان طاعة فنعلم إذا وقع أنه إرادة كوناً وقدراً، وإذا لم يرده فلأنه أراده ديناً وشرعاً.

стр. 1830

هذا كله إذا قصدت بالاستثناء (إن شاء الله) التعليق، أما إذا قصدت التبرك أي من باب البركة فاليمين منعقدة وحالّة وتحنث بترك الفعل فإذا لم تف بما حلفت حنثت، كأن يقول: لآتينك غداً إن شاء الله، ويقصد التبرك والبركة عملاً بقوله تعالى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) ، فإن لم يأت حنث وعليه كفارة. وقد يقول الإنسان صيغة الاستثناء ولا يقصد منها التعليق، فأحياناً تكون في محقق ولا تكون في مشكوك فيه معلق ومنه قول الله جل وعلا ( ... لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ... ) اللام في لتدخلن للقسم، والاستثناء للتبرك فالله يقسم على أنهم سيدخلون المسجد الحرام، والآية نزلت في صلح الحديبية ليبشرهم بدخول مكة ومنه قوله ﷺ عندما كان يزور المقابر والحديث في صحيح مسلم وغيره [السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] فهذه أيضاً للتحقيق والتبرك لأنه سيلحق بهم قطعاً ﷺ ، وليس هذا من باب الشك. ولذلك من جملة تعليلات سلفنا للاستثناء في الإيمان أي إذا قال المؤمن أنا مؤمن إن شاء الله هذا الوجه أي للتبرك والوجوه الأخرى اكتبوها أيضاً لارتباطها بمبحثنا. ١- من باب التبرك، وقلنا هذا هو الذي نحن فيه. ٢- من باب دفع المدح عن النفس، لأن أعظم ما يمدح به الإنسان أن يقول أنا مؤمن، فيدفع هذا المدح وهذه التزكية. ٣- من باب الشك في الكمال لا في الأصل، لأنه لا يجزم بكمال إيمانه. ٤- من باب الشك في الخاتمة، لا في الحال الحاضرة. ٥- الإيضاح الخامس: يدور حول إجمال كلام في القدر: الأول: القدر – كما تقدم – سر الله في خلقه لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. سئل أذكى الناس في وقته إياس بن معاوية: ما رأيك في القدر؟ فقال: رأي لا أعلم من قدر الله إلا ما تعلمه ابنتي وهكذا حال الأنبياء والملائكة وخلق الله أجمعين.

стр. 1831

فهذا استأثر الله به ولم يطلع عليه أحداً فهو سر الله في خلقه فلا تفشوه أي ليس بإمكانكم أن تطلعوا عليه وليس المراد أنه أعلمنا به ثم أمرنا بكتمانه. ... وقد يجد الإنسان في نفسه أحياناً شيئاً من التساؤلات والاستفسارات والشبه التي يلقيها الشيطان حول قدر الله فإذا وجد شيئاً من ذلك في قلبه فليقل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يسأل عما يفعل، قدر الله وما شاء فعل، رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبنبينا محمد ﷺ نبيناً ورسولاً.

стр. 1832

ثبت في سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه وكتاب السنة لابن أبي عاصم بسند صحيح عن عبد الله بن فيروز الديلمي (وورد في كتب الحديث تسميته بابن الديلمي) قال ذهبت إلى أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر، قد وقع في نفسي شيء من القدر (١) فحدثني لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال له: أبي بن كعب ﵁: [لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً من أعمالهم (٢) ، ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك (٣) ولو مت على غير هذا مت على غير الإسلام، يقول ابن الديلمي: فذهبت إلى ابن مسعود وإلى حذيفة (٤) ، فقالا لي مثل ما قال أبي ثم ذهبت إلى زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك (٥) ] فإذا وقع في أنفسكم شيء من القدر فاستحضروا هذا الحديث. ولذلك أمرنا رسولنا ونبينا ﷺ إذا بحثنا في القدر أو تكلمنا فيه أن لا نسترسل وأن نقصر الكلام في ذلك يقول النبي ﷺ – والحديث في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني وغيرهما بسند صحيح [إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا] .

стр. 1833

[إذا ذكر القدر فأمسكوا] لا تسترسلوا في الكلام، لكن لا مانع أن تبحث عن طريق الأدلة الشرعية لتعرف ما ينبغي أن تعتقده وأن الله قدر كل شيء وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأما كلمة لِم؟ وما السبب؟ وما العلة؟ فلا تقلها ولا تفكر فيها فأنت عبد ولا تعترض على ربك، فإن هذا لا يفعله إلا من يجعل نفسه نداً لربه لا عبداً له، والعلة إذا ظهرت لك تزداد بصيرة على بصيرة، وأما إذا لم تظهر لك فلا تقل لم؟ فلا تسترسل في الكلام فيه، وإن أبيت فلن تصل إلى إحدى ثلاث بليات ستأتي. [وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا] أي وإذا ذكر ما حصل بينهم من خلاف فأمسكوا. فحذار حذار من إطالة الكلام في الصحابة تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، بل نسأل الله أن يغفر لهم وأن يرحمهم وأن يجمعنا معهم في جنات النعيم، ولا مانع أن يخطئوا فهم بشر لكن حذار أن تشيع خطأهم وأن تتلذذ به، فهذا لا يفعله إلا من غضب الله عليه فإذا مر معك شيء من خطئهم في أثناء بحثك فقل كل بني آدم خطاء، ولهم حسنات، أعظم من الجبال الراسيات وما جرى من السيئات مغمور في بحار حسناتهم.

стр. 1834

[وإذا ذكر النجوم فأمسكوا] أي ما يتعلق بها من إسعاد ونحاسة ونزول مطر ورياح وغير ذلك كما يستدل به المنجمون فهذا كله من هوسهم يقولون إذا وقع برج كذا صار كذا (خيراً) أو صار كذا (شراً) فهذا مما لا يجوز الخوض فيه، فالنجوم مدبَّرة لا مدبِّرة، فلا يستدل بها على شقاوة أو إسعاد أو خير أو شر، بل نقتصر على معرفة ما فيها من عبر وآيات جعلها الله لذلك منها أنها علامات لتستدل منها في ظلمات البر والبحر ومنها أنها زينة للسماء ومنها أنها تضيء السماء ونحو هذه العبر ولا نخوض في أكثر من ذلك والشبه التي تقع في قلبك أيها الإنسان هذه إذا وقعت فجاهدها وادفعها ولا حرج عليك في وقوعها – أي وقوع الشبه حينئذ – وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، والحديث رواه الإمام مسلم أيضاً من حديث ابن مسعود، ﵁، ولفظ حديث أبي هريرة: [أن رجالاً جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله يجد أحدنا في نفسه (١) ما يتعاظم أن يتكلم به ولأن يخرمن السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﷺ : أوجدتم ذلك؟ قالوا نعم، قال: ذاك صريح الإيمان] . ولفظ حديث ابن مسعود: [سئل النبي ﷺ عن الوسوسة، فقال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ذلك محض الإيمان] . ... ذلك الذي تجدونه في أنفسكم صريح الإيمان أي خالص الإيمان، ومحض الإيمان أي خالص الإيمان، فكيف جعل النبي ﷺ هذه الوسوسة محض الإيمان وصريحه مع أنها مذمومة؟!. ... نقول: إن الصحابة رضوان الله عليهم لما عرضت لهم الوسوسة لم يطمئنوا بها ولم يرضوها ولم يأنسوا بها بل جاهدوها وقاوموها، فإذن هم لم يرضوا بها ولذلك لم تكن مذمومة.

стр. 1835

وهكذا أنت عندما تكره الوسوسة وتجاهدها لا ضير عليك في ذلك، ولا يخلو الإنسان من وجود وساوس في قلبه، لكن يذهبها بعد ذلك – إن شاء الله – الإيمان الحق. ... ومعنى الحديث يتلخص في أمرين ومعنيين كما قرر الإمام النووي والقاضي عياض ﵀. التأويل الأول: كراهية الوسوسة: لأنه يكرهها إلا مؤمن، فلولا الإيمان لما كرهتها. التأويل الثاني: الشعور بالوسوسة دليل على الإيمان، فلولا الإيمان في نفس الإنسان لما وسوس الشيطان فالقلب الخرب لا يوسوس فيه الشيطان. والمعنيان متلازمان فالمؤمن من يشعر بوسوسة فإذا شعر بها كرهها، فشعوره بها علامة إيمانه وكراهيته لها دليل على إيمانه. والقلوب ثلاثة: ١- قلب تام النور لا يقربه الشيطان لكرامته وطهارته، وإذا اقترب احترق كما لو أنه اقترب من السموات يرمي بشهاب ثاقب كقلب الأنبياء والصديقين، فقلب المؤمن التام النور أعظم حرمة عند الله من السموات. ٢- قلب خرب لا يقربه الشيطان لنجاسته، كقلوب الكافرين. ٣- قلب مريض فيه نجاسة وطهارة، فهذه يُقبل الشيطان عليها، كقلوبنا وهي حال أكثر قلوب المؤمنين، فيكر الشيطان عليها فأحياناً ينتصر وأحياناً ينكسر والمعصوم من عصمه الله. وحال الشيطان مع القلوب كحال اللصوص مع البيوت في حياتنا، فالبيوت ثلاثة: ١) بيوت الملوك ... ٢) بيوت خربة ما فيها إلا عذرة ... ٣) بيوت عوام الناس فاللص لا يقترب البيت الأول (بيت الملك) لما عليه من الحرس ولا يقرب البيوت الخربة لأنه لا يوجد فيها شيء يُسرق، وأما البيوت العادية التي ليست كبيت الملك وليست كالخرب فهذه يأتيها اللص ويحاول أن يسرقها إذا غفلت عنه، فإذا انتبهت لم يستطع سرقتها، وهكذا الشيطان يفعل فإذا كنت مؤمناً فغفلت مرة أتى على القلب وأغواه، وإذا ذكرت الله خنس ولذلك سماه الله الخناس. ... قيل لابن عباس: إن اليهود يزعمون أنهم لا يوسوسون في صلاتهم، فقال: صدقوا!! فقالوا: كيف ذلك؟ قال: ماذا يفعل الشيطان بالقلب الخرب.

стр. 1836

(والذي يدخل الكنائس اليوم أو يسمع ما فيها لا يرى إلا كل رذيلة وفساد فماذا يعمل الشيطان بهؤلاء؟!، إنهم زادوا على إبليس ولعله إذا دخل عليهم الكنيسة أفسدوه لأنه كما قال الشيطان كنت ألقى الناس فأعلمهم فصرت ألقاهم وأتعلم منهم) وقال الشاعر المخذول: وكنت امرأ ً من جند إبليس فارتقى ... بيَ الحالُ حتى صار إبليسُ من جندي فلو رأت قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها قبلي وغاية ما وقع من الشيطان أنه عصى ربه، لكنه لم يتقرب إليه بالمعصية أما هؤلاء النصارى يتقربون بالمعصية فتراه يصلي ويزني.... ... وقد نهانا نبينا ﵊ عن المجادلة والنزاع والأخذ والرد والقيل والقال في مسائل القدر، ثبت في سنن الترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمرت وجنتاه (١) كأنما فقيء في وجهه حب الرمان (٢) ثم قال: أبهذا أمرتم أم لهذا أرسلت إليكم (٣) ؟، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه] فمن كان مؤمناً فليحفظ عزيمة النبي ﵊ وقسمه وتشديده وطلبه وإلزامه لنا.

стр. 1837

وفي مسند الإمام أحمد وسنن بن ماجه بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: [خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان من الغضب، ثم قال: بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟، تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم] . ... ولذلك إذا ذكر القدر فأمسكوا وإياك أن تسترسل في هذه المباحث ولا أقول هذا الأمر لا تدركه العقول ولا تعلمه كما بينه لنا نبينا الرسول ﵊، لا أقول هذا لكن أقول البحث عن الحكمة في التقرير هو الذي لا تدركه العقول، فالعقول تدرك أن الله يعلم كل شيء وأنه قدره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لكن عندما تريد أن تسترسل في بيان الحكم فهذا في الحقيقة مجال للتعثر. فإذا استرسل الإنسان في القدر وما عصمه الله وما حفظه قد يقع في إحدى ثلاث بليات: ١) بلية الزندقة: وهي توهم معارضةٍ بين أمر الله وقدر الله، فيُسلم بأن الله خالق كل شيء – وهذا بقدره – لكنه يقول: إن هذا يعارض أمره ونهيه، وهذا يدل على سفاهته وعدم حكمته، وهؤلاء قدرية زنديقية، ويقولون الله أمر ونهى وقدر وخلق لكن أمره ونهيه يعارض قدره وخلقه. ... أول من قال هذا إبليس حيث سلم بالخلق لكنه قال الأمر يخالف الحكمة لذلك أول المعترضين إبليس، أمره الله بالسجود فاعترض وقال كيف تأمر الفاضل أن يسجل للمفضول؟! أي أنت يا رب لا تعرف الحكمة سبحانه وتعالى عما يصفه الضالون علواً كبيراًً، الله أمرك يا إبليس أن تسجد فلماذا تفلسفت وصرت تقول: لم؟ وهذا ليس من شأنك أن تسأل عنه فالله رب العالمين يعلم الحكمة ويعلم الغيب وأنت لا تعلم شيئاً من ذلك فلماذا تعترض؟، وأنت لا تعرف شيئاً حتى عن نفسك هل تعرف ماهية روحك؟ لا أحد يعلم، فأنت كما قال الله (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ً) أنت آكل الخبز لا تعرفه ... كيف يجري فيك أم كيف تبول كيف تدري من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النزول

стр. 1838

أين منك الروح في جوهرها ... هل تراها فترى كيف تجول هذه الأنفاس هل تحصرها ... لا ولا تدري متى عنك تزول فأنت إذا كان هذا حالك فلماذا تعترض؟، فاعرف قدرك، فهل أنت ستساوي الله في إدراك حكمة كل شيء، ولو ساويته لكنت إلهاً مثله بل تبقى حالتك أنك تعلم شيئاً وتخفى عليك أشياء، وما تجهله هو أضعاف أضعاف أضعاف أضعاف ما تعلمه فقف عند حدك، إذ قد يؤدي به التعمق في القدر إلى التزندق ولذلك كان الفلاسفة يقولون: "لا يوجد أضر على المخلوق من الخالق"، فنعوذ بالله من هذا الكفر، نعمه علينا لا تحصى ورحمته وسعت كل شيء ووالله هو أرحم بنا من والدتنا وأرحم بنا من أنفسنا أرسل لنا الرسل وأنزل علينا الكتب، فكيف يكون أضر شيء علينا؟!! ... ويقول هؤلاء الفلاسفة أيضاً: "شريعة الله من أولها لآخرها سفاهة"!!! سبحان الله، لكن هذا هو حال المخذولين ومنهم العبد المخذول أبو العلاء المعري الذي هلك سنة ٤٤٩ هـ حيث يقول: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض مالنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار فهذه هي الزندقة يقول (تناقض..) ويقول أيضاً في أبيات أخرى: أنهيت عن قتل النفوس تعمداً ... وأرسلت أنت لقتلها ملكين وزعمت بأن لها معاداً ثانياً ... ما كان أغناها عن الحالين أي لم هذه السفاهة يا رب أنت تنهانا عن القتل وأنت ترسل ملائكة تقتلنا؟ ولماذا تقول هناك معاد ثان ٍ وخلق ثان ٍ، لا حاجة لا للخلق الأول ولا الثاني؟!! سبحان الله هل صرت إلهاً حتى تحدد ملك الله وأفعاله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً لكن هذا هو حال من غضب الله عليه، ووصل في نهاية أمره يقول: حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو وكان يقول أيضاً: وما حج لأحجار بيت ... كؤوس الخمر تُشرب في ذراها إذا رجع الحليم إلى حجاه ... تهاون بالشرائع وازدراها

стр. 1839

أي الحليم إذا رجع إلى عقله فإنه يحتقر الشرائع من عهد آدم إلى عهد محمد ﷺ !!! هذا هو نتيجة التعمق بالقدر مع أنه كل ما قاله يرده العقل البشري – وكل من يزعم أن هناك تناقضاً وتعارضاً بين أمر الله ونهيه وبين خلقه وقدره فهذا من سفاهته وقصر عقله وحماقته – فاليد الحكمة أن تُغلظ ديتها حتى لا يتعاون الناس في قطع أعضاء بعضهم البعض، والحكمة تقتضي أن تخفف نصاب السرقة لأننا إذا غلظناه وجعلناه كالدية خمسمائة دينار (٨٠.٠٠٠ درهم إماراتي تقريباً على أقل تقدير) أي لا تقطع اليد في السرقة إلا إذا سرق (٨٠.٠٠٠ درهم فما فوق) لفتحنا باب السرقة على مصراعيه، لكن الشارع خفف نصاب السرقة فجعله ربع دينار حتى يصون الأموال ولا يتساهل الناس في السرقة، وغلظ دية قطع اليد خطأ لا عمداً حتى لا يتساهل الناس في قطع أطرافهم، فأين السفاهة ما معري؟!! إن كلامك سفاهة يا سفيه، وإذا كنت تتقن الشعر ألا يوجد عندنا من يتقنه – كما حصل مع الزمخشري، وتقدم – يقول علم الدين السخاوي في الرد عليه (على أبيات المعري يد بخمس....) عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري أي عندما كانت أمينة جعلناها ديتها ثمينة عالية، ولما صارت خائنة صارت اليد رخيصة، لما كانت أمينة كانت ثمينة فلما خانت هانت، وقال الشيخ عبد الوهاب المالكي عليه رحمة الله، في الرد عليه: صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري وهذه هي عين الحكمة التي يجب أن يقولها العقلاء لو فرضنا عدم نزول شريعة بذلك، حفاظاً على المال وعلى أعضاء الناس وأطرافهم، فكيف به وقد وردت به شريعة أحكم الحاكمين؟!.

стр. 1840

.. وإننا نقول للمعري، لإبليس أولاً أنت تعترف بأن الله ربك فتقول يا رب، فإذن هو خالقك فكيف تخالف خالقك، أي هل هو أعطاك الحكمة وبقي هو بدون حكمة؟!! سبحان الله، ثم نقول للمعري أيضاً من خلقك سيقول الله، فتقول له الذي خلقك أعطاك الحكمة ورضي لنفسه بالسفاهة؟!! فأنت بما أنك سلمت بأنه خلقك يجب أن تقر وتسلم بحكمة الله وأن لا تتوهم أو تقول إن هناك مخالفة ومصادمة بين شرع الله وقدرته، فهذا حال من تعمق بالقدر وصل إلى حد الزندقة وكذلك المخذول الآخر أحمد بن يحيى الراوندي الذي هلك سنة ٢٩٨ هـ وذكره ابن حجر في اللسان ليلعنه، فعليه وعلى أمثاله لعنات رب العالمين وهكذا إمامهم الأول الشيطان الرجيم هؤلاء كلهم يعترضون على أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، ولذلك كان المعري يقول: ما هجوت أحداً بشعري، فقال له بعض المعاصرين: صدقت إلا الله ورسوله. أي ما هجوت أحداً من البشر لكنك هجوت رب العالمين وخير المرسلين، فشعرك كله تسفيه لكلام الله جل وعلا ولحديث الرسول ﷺ ، يقول: إذا رجع الحليم إلى حجاه ... تهاون بالشرائع وازدراها فهل هذا هو الحليم الحكيم؟!!! يرجع إلى عقله فيستهزئ بشرع ربه، سبحان الله، وقد تقدم معنا أن شريعة الله لعقولنا كالشمس لأعيننا، فكيف أنت تريد أن تستقل بتدبير نفسك؟!!! إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يقضى عليه اجتهاده يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

стр. 1841

٢) إذا سلم من هذه الطريقة (الزندقة) فسيسلك الطريقة الشركية الجبرية: حيث يقول كل ما نفعله أحبه الله ورضيه، (لو شاء الله ما أشركنا) فلما تعمق في القدر دون أسس شرعية أدَّاهُ أمره إلى أن يقول كل شيء بقضاء وقدر، وهذا صحيح لكن رتب عليه محذور فقال: كل ما قضاه الله يحبه وعليه فنحن نطيع الله ونحن وإن خالفنا أمره إلا أننا قد وافقنا إرادته، والموافق لإرادته مطيع، وقد تقدم معنا أن الطاعة هي موافقة الأمر الديني لا الأمر الكوني القدري. ٣) وإذا سلم من هذه والتي قبلها فسيقع في الطريقة المجوسية، فيقول: الله أمر ونهى وشرع وحكم لكنه لم يخلق ولم يقدر، فأداه تعمقه في القدر إلى نفي القدر، لأنه على زعمه لو أثبت القدر لكان الله ظالماً!! فلينزه الله عن الظلم قال لم يقدر عليه شيئاً ولم يخلق شيئاً بل العبد هو الذي يقدر ويخلق. فانظر للضلالات التي ستعتري من يتعمق في القدر دون أسس علمية شرعية، فابحث في قدر الله على حسب ما تلكمنا وضع أمامك كتاب الله وسنة نبينا ﵊ وحذار أن تخرج عنهما، فإذا كان عندك بحث شرعي فتقرره ثم تقف عند هذا، وأما إذا ما أردت، أن تبحث في هذا المبحث على حسب مقتضيات العقول فستخذل وتضل كما ضل من قبلك. الثاني: جميع الأمور بتقدير العزيز الغفور: فكل ما يقع من إيمان وكفر وخير وشر وطاعة ومعصية سبق به تقدير الله، ولا يقع شيء إلا حسب قدر الله وعلى حسب ما سطر في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق مخلوق أو يوجد موجود.

стр. 1842

ثبت في صحيح مسلم وموطأ الإمام مالك عن طاووس –، قال: [إن كنت أدركت ناساً من أصحاب النبي ﷺ فكانوا يقولون كل شيء بقدر، وسمعت ابن عمر يقول سمعت النبي ﷺ يقول: "كل شيء بقدر حتى العجز والكَيْس] أي حتى الحماقة والذكاء أي كل ما يقع بتقدير الله فهذا مما تواتر عن الصحابة وثبت عن نبينا ﵊، وهذا الأمر ورد فيه الحديث أشار ربنا إليه في آخر سورة القمر قال (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ، ثبت في صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء المشركون إلى النبي ﷺ فجادلوه في القدر (١) فأنزل الله إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر] ، إذن كل ما يحصل من طاعة ومعصية فهو بقدر الله لكنه يثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية. ٣) الثالث: مبحث القدر الذي بحثناه يدعونا إلى أن يعظم الخوف في قلوبنا مما سبق به تقدير ربنا لنا، ولذلك قال أئمتنا المؤمنون يخافون سوء الخاتمة، والصديقون يخافون سوء السابقة، ولا يكون سوء الخاتمة إلا على حسب سوء السابقة، فأولئك (المؤمنون) يتعلقون بحالتهم فقط فيخشون من سوء الخاتمة لكن هؤلاء (الصديقون) عندهم خوف أعظم من خوف سوء الخاتمة وهو سوء السابقة، أي ماذا كتب لهم في الأزل من أهل النار أو من أهل الجنة؟. ... والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه، وأنت لما كنت في ظلمات ثلاث كتب رزقك وأجلك وشقي أم سعيد، لكن ليس في هذا إجبار ولا إكراه، كما تقدم.

стр. 1843

.. لكن تطيش عقول الصديقين نحو السابقة التي قدرها رب العالمين والسابق مجهول، ولذلك ينبغي عليك أن لا تسترسل في الفساد وتقول هذا قدر علي لا ينبغي هذا منك فإذا كنت كيساً عاقلاً فإنك تأخذ الأهبة والحذر وتخاف ومن خاف هرب من سخط الله إلى رضوانه ولجأ إليه بالدعاء والتضرع وأن يحسن خاتمته، فمن خاف هرب ومن رجا طلب وإذا رجوت ولم تطلب فأنت متمنٍ أحمق، وإذا خفت ولم تهرب فأنت كذاب أحمق، ولذلك كان الصالحون يقولون: عجبنا للجنة نام طالبها وعجبنا للنار نام هاربها. لكن ضربت الغفلة على قلوبنا ونسأل الله أن يحسن خاتمتنا إخوتي الكرام ... الإنسان إذا أراد أن يحصل شيئاً تراه يطلبه ويسعى وراءه فمن أراد بناء بيت لم يجلس بل سعى في تحصيل مواده وأمواله وما شكل كل هذا وكذا من يريد الزواج، فكيف ينبغي أن يكون حال طالب الجنة؟ لابد من السعي إليها والهرب من النار. ... ولذلك قال الله عن أهل الجنة (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) (كانوا قليلاً من الليل يهجعون) فإذن ينبغي الخوف مما سبق، التقدير والخوف يدعوان إلى الابتعاد عن سخط الله وملازمة طاعة الله. ولذلك كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بهذه الجملة المباركة [يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك] ثبت ذلك في سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم، والحديث رواه ابن أبي عاصم في السنة، والآجري في الشريعة وسنده صحيح كالشمس عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ [كان يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلنا: يا رسول الله آمنا بك وصدقناك فهل تخاف علينا فقال: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء] .

стр. 1844

والحديث روي من رواية أمنا أم سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص والنواس ابن سموان ﵃ أجمعين بألفاظ متقاربة في بعضها [اللهم ثبت قلوبنا ثبت قلوبنا على دينك] وفي بعضها [اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك] هذه ألفاظ للحديث كلها ثابتة. وثبت في معجم الطبراني الأوسط بسند صحيح عن أنس ﵁ والحديث في مجمع الزائد (١٠/١٧٦) أن الرسول ﷺ [كان يدعو بقول: يا ولي الإسلام وأهله (١) ثبتني حتى ألقاك] . ٤- الرابع: مبحث القدر يدعونا إلى أمر عظيم في حياتنا ينبغي أن نتصف به إذا آمنا بقدر ربنا وهذا الأمر هو: أن نكون أقوياء وأن نتوكل على رب الأرض والسماء لأن ما قُدر له، فعلام الوهن والضعف والجبن وعلام التواضع والاستكانة للمخلوق مع أن ما قدر لك كائن وسيأتيك ورزقك لا يأكله غيرك وحياتك لا تصرف إلى غيرك فلا ينبغي التذلل لغير الله (قل لن يصيبنا إلا ما كبت الله لنا) ولذلك المؤمن هو أقوى أهل الأرض وإن كان فرداً ولو أن أهل الأرض قاطبة أجمعوا على حربه وعلى معاداته لقابلهم بنفسه لأنه واثق بأن الله إذا قدر له النصر سينتصر وإذا لم يقدر له النصر فلو كان معه أهل الأرض سينكسر ولذلك يقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ – وهذا شامل لكل مؤمن – (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) لم يوجد أحد معك قاتلهم بنفسك وكذلك المؤمن نتيجة لذلك لا يتذلل ولا يتضع لغير ربه، وقد صان الله جبهة المؤمن من الذل إلا له فيسجد له ويعظمه، سجد الفاني للإله القوي الباقي فهذا هو الذل الذي هو عز، لكن الذل الحقيقي والإهانة عندما يسجد الفاني للفاني.

стр. 1845

جاء رجل من البادية وكان قد زاد عمره على (١٦٠) سنة إلى معاوية ﵁ فسأله معاوية عن عمره وعما رآه في حياته فقال الأعرابي: سنوات مختلفة خصب وجدب يولد مولود ويموت موجود، لولا الموت لضاقت الدنيا بمن فيها ولولا الولادة لهلك أهل الأرض، فقال معاوية سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي إليك، فقال: لابد، قال، إن كان ولابد فأريد أن ترد إليّ ما مضى من عمري، فقال: لا أملك ذلك أيها الرجل، قال: ادفع عني أجلي إذا حضرني، فقال: لا أملك ذلك، فقال الأعرابي: فكيف أسألك وأنت لا تملك شيئاً. ولذلك السؤال لغير الله ذل، ولذلك إذا احتاج الإنسان إلى طعام بحيث إذا لم يأكل مات يباح له السؤال لكن الأولى أن يصبر حتى يموت جوعاً وسؤال المخلوقين فيه: ١) ظلم لله واعتداد على حقه والله يحب أن يُسأل والسؤال نوع من العبادة، فلما صرفت السؤال منه إلى غيره فهذا فيه اعتداء وظلم. ٢) ظلم للمسئول لأن المخلوق أبغض الخلق إليه من يسأله وأحب الخلق إليه من لم يسأله والأمر مع الله على العكس أحب الخلق إلى الله من يسأله وأبغضهم من لم يسأله [ومن لم يسأل الله غضب عليه] كما ورد في الحديث. ٣) فيه ظلم لك لأنك امتهنت نفسك وأذللتها عندما تذللت لمخلوق مثلك. فالأولى أن تصبر وأن تموت جوعاً وأن لا تقول أعطني رغيفاً من خبز، أو حفنة من تمر وحقيقة هذه هي عزة المؤمن.

стр. 1846

.. ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله، والحديث رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال [إن روح القُدُس نفث في رُعي (١) أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها فاتقوا الله وأَجمِلوا في الطلب] أي ترفقوا بأنفسكم في طلب الرزق فلا داعي للحرص ولا للحماقة ولا للتعب ولا للنصب ولا نقول اجلس في بيتك فأنت مطالب بالسعي لكن ليس بالركض قال تعالى (فامشوا في مناكبها) ولم يقل اركضوا في مناكبها وأسرعوا، بل امشوا ببطء وتؤدة وسكينة، والله لو قدر عليك الغنى لو قلبت الحجر لوجدت تحته ذهباً ولو قدر عليك الفقر، لو أعطيت الذهب لضاع منك. ... ولذلك قال أئمتنا: كم من قويٍ قويٌ في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق ينحرفُ (٢) وكم من ضعيفٍ ضعيفٌ في تقلبه ... كأنه من خليج البحر يغترفُ (٣) هذا دليل على أنه الإله له ... في الخلق سر خفي ليس ينكشفُ (٤) وحقيقة هذا موجود بيننا ترى الذي شكله قوي وألمعي لكنه لا يحصل من المال والرزق شيئاً وآخر تراه هزيلاً بليداً لكنه يحصل من الرزق والخير الشيء الكثير. رحمة الله على الإمام الشافعي عندما يقول: تجوع الأسد في الغابات جوعاً ... ولحم الضأن تأكله الذئاب وكم عبدٍ ينام على حرير ... وذو نسب مفارشه التراب وكان يقول مخبراً عن نفسه عليه رحمة الله: علىَّ ثياب لو تقاس جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثر

стр. 1847

وفيهن نفس لو تقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أعز وأكبر وما ضر نصل السيف إخلاق (١) غمده ... إذا كان عضباً حيثما وجهته فرا وهذا يدعوك إلى أن تربط قلبك بربك ولا داعي للحماقة أو التعب ما قدر لك سيأتيك كله بعز وبطاعة وإياك أن تطلبه بذل والله الذي لا إله إلا هو لو أن السارق ما سرق لجاءه المسروق من طريق حلال، والله الذي لا إله إلا هو لو صبر القاتل عن مقتوله لحظة لمات دون أن يقتله: وميت بعمره من يقتل ... وغير هذا باطل لا ينقل فعمر المقتول انتهى سواء قتلته أم لا لكنك تحاسب لأنك باشرت القتل.

стр. 1848

كان بعض شيوخنا الشيخ جمعة أبو زلام توفي عليه رحمة الله يحكي لنا قصة عن بعض طلبة العلم من الصالحين تأخرت نفقته واشتد جوعه فخرج في الشوارع لعله يجد كسرة خبز أو أي شيء يأكله فرأى بيتاً مفتوحاً فتأمله فإذا ليس به أحد – لكنه مسكون – ووجد خزانة للطعام تسمى عندنا في بلاد الشام (شعرية، غلية) فلما رآها فقال الميتة تحل للمضطر وكذلك المسروق يحل لي ففتحها فإذا بها طعام يسمى المحشي فأخذ واحدة فلما أراد أن يأكلها استحضر أن هذا لا يصح له لأنه لم يبلغ درجة الاضطرار وخوف الموت فطرح المحشي من يده وخرج فلما ذهب إلى الشيخ من أجل حلقة العلم قال له الشيخ أين كنت؟ فقال كنت في حاجة (ولم يخبره حياءً منه) فقال له: اجلس، هل لك رغبة في الزواج فقال له يا شيخ أنا جائع لا أستطيع إطعام نفسي وتريد أن تزوجني، فقال له الشيخ تُكفى كل شيء السكن والطعام، فقال، ومن يزوجني؟ فقال: هذه المرأة وكان زوجها قد توفى وتبحث عن زوج لابنتها منه وهي تطلب طالب علم ليتزوج ابنتها ويجلس معها، فقال: على بركة الله فعقد له الشيخ في ذلك المجلس ثم في المساء أخذه إلى بيت الزواج وإذا هو البيت الذي فيه المحشي في تلك الشعرية فلما دخل إلى البيت بدأ يبكي فظنت المرأة أن الرجل قد غير رأيه، فقالت له: علام تبكي؟، فقال: ما أبكي من أجل عدم استحساني لابنتك، إنما أبكي لأنه حصل معي كذا وكذا وأخبرهم بقصته ولولا أن الموقف يستدعي الإخبار لما أخبرتكم هكذا قال هذا الصالح، فتركها عن طريق الحرام فجاءت عن طريق الحلال.

стр. 1849

وهذا تحقيق كلام النبي ﷺ [إن روح القدس نفث في رُوْعي أنه ليس من نفس تموت (نكرة في سياق نفي دخلت من نص في العموم لا يخرج عن هذا مخلوق) حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجلوا في الطلب] اطلبوا لكن بطريق تتجلمون وتتزينون ولا تذلون ولا تمتهنون، أناس في هذه الأيام كأنه ركز فيهم أنهم إن عصوا الله يرزقون وإذا أطاعوه فترى من يعمل بالبنك عن عمله يقول إني إذا تركت فمن أين أعيش؟!! سبحان الله، ولذلك كان المؤمن أقوى خلق الله، لأنه يتوكل على الله والتوكل ثقة القلب بالرب ولذلك لا يجبن المؤمن عند ملاقاة الأعداء لإيمانه بالقدر وخالد بن الوليد ﵁ حضر ما يزيد على ٨٠ معركة وفتحاً ولما حضرته الوفاة قال: "ما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة رمح وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء" ولذلك حقيقة المؤمن يحرص على الموت أكثر مما يحرص أعداء الله على الحياة فخالد ﵁ رغم هذا العدد من المعارك ورغم هذه الضربات والطعنات إلا أنه لم يخف لأنه يعلم أن ما قدر له سيأتيه أينما كان ولذلك قال الله جل وعلا (يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) أي لو قدر أن الذين قتلوا في المعركة لم يخرجوا لأصابهم الموت في فروشهم في تلك الساعة، لذلك إخوتي الكرام ... كان للقدر شأن عند المسلمين رفع من معنوياتهم وأعزهم وجعلهم سادة في الدنيا قبل الآخرة. ٥ - الخامس: لا يعني إيماننا بقدر ربنا أن تتواكل وأن نغفل الأسباب وأن نتركها فالمؤمن الموحد يقوم بالأسباب ويدفع بعضها ببعض ويربط قلبه بمسببها وخالقها وموجدها.

стр. 1850

ولذلك قال أئمتنا، وهذا الكلام انقشوه في صدوركم: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد (١) وإنكار الأسباب أن تكون أسباباً قدح في الشرع والحكمة (٢) ، والإعراض عن الأسباب قدح في العقل (٣) وتنزيل الأسباب منازلها ومرافقة بعضها ببعض (٤) محض العبودية لرب البرية". إذن أربعة أحوال: قال الله لمريم (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) فلابد من سبب (هزي) لكن الذي سخر سقوط التمر هو الله، فهي ضعيفة (نفساء ثم هل هزها سيحرك النخلة؟!، لكن هذا هو بذل السبب وهذا هو جهدها، ولذلك قال بعض الظرفاء الأكياس: ألم تر أن الله قال لمريم ... فهزي الجذع يساقط الرطب ولو شاء أدنى الجذع من غير هزها ... إليها ولكن كل شيء له سبب

стр. 1851

قال الشيخ عبد القادر الجيلاني عليه رحمة الله: "كان الناس إذا وصلوا إلى مبحث القدر وفقوا وأما أنا ففتحت لي رَوّزنة (فتحة) " فنازعت أقدار الحق بالحق للحق (١) ، والمؤمن من ينازع القدر بالقدر، لا من يستسلم للقدر (٢) " وحقيقة هذا هو محض العبودية، وقد شرح هذا الكلام ابن القيم في المدارج (١/١٩٩) والإمام ابن تيمية في الفتاوى (٨/٥٤٧) ، وهذا الكلام أجمل ما قاله الشيخ عبد القادر ﵀. ... إذن لابد من الأخذ بالأسباب والعمل للوصول إلى المراد، وليس التوكل أن يعرض الإنسان عن السبب فهذا تواكل، فالتوكل هو ثقة القلب بالرب ثم يبذل ما في وسعه نحو هذه الأسباب ضمن استطاعته كما قال الرسول ﷺ [فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] ، ولو توكلنا على الله حق التوكل لرزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً وانتبه إلى تعبير الرسول ﷺ فأثبت لها سعيها (تغدو) و (تروح) أي تعود في المساء والعشى شبعى، فهذا هو حالها وهذا هو تقدير الله لرزقها، ولذلك قال عمر لرجل جلس يدعو يقول اللهم ارزقني، فقال له: ويحك إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة وكذلك لو جلس شخص في خلوته يدعو يقول اللهم انصرنا وهو جالس فهذا تواكل بل لابد من الجهاد والإعداد وأخذ الأسباب ولهذا كان النبي ﷺ يخرج للجهاد مع أن دعاءه يكفي لأنه لو دعى الله أن ينصره دون حرب لنصره جل وعلا، إذن لابد من عمل الأسباب (فامشوا في مناكبها) وإذا عملنا فلا نختال ولا نعجب ولا نغتر (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً) . اقنع بما ترزق يا ذا الفتى ... فليس ينسى ربنا نملهْ (٣)

стр. 1852

إن أقبل الدهر فقم قائماً (١) ... وإن تولى مدبراً نم له (٢) ٦- السادس: كلام للشيخ عبد القادر الجيلاني يرحمه الله يلخص لنا فيه دين ربنا: يقول: دين الله جل وعلا يقوم على ثلاثة أمور: ١) أمر يجب أن نقوم به. ... ٢) نهي يجب أن نجتنبه. ... ٣) قدر يجب أن نرضى به. فهذه ثلاث حالات، وهذا الكلام للشيخ عبد القادر شرحه الإمام ابن تيمية في الفتاوى (١٠/٤٥٥-٥٥٠) ، يقول الإمام ابن تيمية: جمع الشيخ عليه رحمة الله في هذه الجملة الدين بأكمله ولا يخرج شيء من دين الإسلام عن هذه الأمور الثلاثة، والعلم عند الله. س: ما العلاقة بين القدر والدعاء؟ جـ: الدعاء سبب، وهذا السبب مقدر وهو كالأسباب المعروفة، فالله قد يقدر بلاءً ويجعل من أسباب رفع البلاء الدعاء فدفعنا القدر بالقدر ولذلك لا يرد البلاء إلا الدعاء ويعتلج الدعاء والبلاء في الفضاء فيغلب الدعاء فهذا مقدر وهذا مقدر لكن في النهاية لا يقع إلا ما قدره الله، وهذا السبب كوجود الزوجة سبب لوجود الولد لكن قد يوجد ولد ولا يوجد زوجة، كما يقول الشاعر: فعليك بذر الحب لا قطف الجني ... والله للساعين خير ضمين

стр. 1853

أي عليك أن تبذر لكن ليس عليك الجني لأنك قد تبذر ولا تجد ثمراً تجنيه، ولذلك ما من مسلم يدعو بدعاء ليس فيه إثم أو قطيعة رحم إلا عجل الله الإجابة، وإما أن يصرف عنه من السوء، وإما أن يعطيه من الخير بمقدار ما دعا لا عينه وإما أن تدخر له الإجابة ليوم القيامة، ولذلك ضمن الله له الإجابة في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد، وضمن لك الإجابة كيفما يشاء لا كيفما تشاء، ولو كنت تضمن الإجابة في الوقت الذي تريد كما تريد لكنت إلهاً. مبحث علو الرحمن وفوقيته على مخلوقاتهردوا آية ثانية ليقروا هذا الضلال وهي قوله تعالى في سورة الزخرف (وهو الذي في هو أشرف مباحث علم التوحيد وأجلها وهو العَلَم الفارق بين أهل السنة وبين سائر فرق المبتدعة فالمؤمن السني الموحد يقول: الله فوق عرشه على سمواته بائن من خلقه، والمبتدع عندما تقول له أين الله؟، يقول لك كيف تقول أين؟ الله لا يُقال عنه أين، الله لا فوق ولا تحت ولا شمال ولا يمين ولا أمام ولا وراء ولا داخل العالم ولا خارجه، لا جوهر ولا عرض، قل له، يا مسكين هذا ليس حي قيوم بل هو إله معدوم، وهذا كمن يزعم أن في بيته نخلةٍ ثم تسأله عن أوصافها، فيقول لك لا أوصاف لها فقل له إذن هذه نخلة في ذهنك لذلك حقيقة قول المعطلة تقضي إلى أن الله عدم لذلك قال أئمتنا: المعطل يعبد عدماً والممثل يعبد صنماً وهذه المسألة سأقرر أدلتها المتنوعة وهي خمسة: ١) أدلة الكتاب. ... ٢) السنة. ... ٣) الإجماع الصحيح القطعي. ٤) العقل الصريح. ... ٥) الفطرة المستقيمة. أولاً أدلة الكتاب: دل على أن الله فوق عباده على عرشه ، من أوجه كثيرة أحاول أن أوجزها وأن أجمعها في سبعة أوجه:

стр. 1854

الوجه الأول: تصريح آيات القرآن بأن ربنا الرحمن فوق عباده ومخلوقاته (فوق) قال الله جل وعلا: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) في حق الملائكة. وقال جل وعلا: (وهو القاهر فوق عباده) . وهذا الدليل في منتهى الظهور والوضوح، وهذه الفوقية شاملة لفوقية الذات ويلزم منها فوقية القَدْر المنزلة والرتبة والمكانة فذاته عالية فوقنا ومنزلته ورتبته أيضاً فوقاً فله الفوقية من جميع الاعتبارات. ... وقبل الانتقال إلى الدليل الثاني سأذكر تأويل المبتدعة للفوقية وندحضه إن شاء الله ثم نذهب إلى الوجه الثاني من أدلة القرآن، وقبل أن أذكر الوجوه دائماً إذا مررت على شبهة فندتها حتى لا نفرد الشبهة في مبحث مستقل. تأويل لبعض المبتدعة حول هذا الوجه: قالوا: المراد من الفوقية هنا الفوقية المعنوية، أي هو فوق عباده في الرتبة والمنزلة أي شأنه أعلى من شأنهم (يخافون ربهم من فوقهم) أي يخافون ربهم الذي هو أعلى منهم رتبة ومنزلة، كما تقول الملك فوق الوزير رتبة، وحقيقة قد يخدعون كثيراً من السذج والدهماء بهذه العبارات المعسولة. ونجيب: لو صح ما قلتم لكان في هذا ذمٌ لربكم، إن قالوا: كيف؟ نقول: أنتم تقولون: إنه فوقهم في الرتبة فإذن عندنا فاضل ومفضول اشتركا في فضيلة فالمفضول هو المخلوق والفاضل هو الله جل وعلا، أي أنه يشترك مع عباده في الفضائل لكنه يزيد عليهم في الفضالة، كما لو قلت الدينار فوق الدرهم فإن بإمكانك أن تشتري بالدينار وبالدرهم، فهناك قدر يشتركان فيه – أي الدرهم والدينار – لذلك نقول لهم: أف لكم ولتأويلكم، فما المزايا التي اشترك فيها المخلوق مع الخالق حتى قلنا إن الخالق أفضل من المخلوق؟!! والله إن هذا ذمٌ للخالق من حيث لا يشعرون.

стр. 1855

ولو قال إنسان عندي سكين أَحدُ من الخشبة لاتهمناه بالخرف لأنه لا مفاضلة بينهما بل إن المفاضلة بينهما عين الذم. وهذا كما لو قال شخص الرسول ﷺ أفضل من اليهود وأبي جهل، فهذا ذم له ﷺ لأنه لا فضيلة فيهم بل لا قيمة لهم حتى تفاضل بينهما، لكن لو قلت نبينا محمد ﷺ أفضل النبيين لكان كلامك وجيهاً وفي محله. إذن فكيف ستفاضل بين الخالق والمخلوق وقد تقدم معنا أن أخص وصف في المخلوق الفقر وأخص وصف في الخالق الغنى فأين فضل الفقير حتى تفاضل بينه وبين الغنى؟!! وكيف ستسووا بينهما؟!! لكننا نقول (وهو القاهر فوق عباده) أي هو فوق عرشه على سمواته، فيدخل العلو الذاتي والمعنوي (المنزلة) لا علو المنزلة فقط كما يزعمون. إذن فلا تُعقد المفاضلة إلا بين موصوفين يشتركان في فضائل ويزيد أحدهما على الآخر وإذا كانت المفاضلة بين السيف والعصا ذم للسيف فكيف بعقد مفاضلة بين الفاني والباقي. ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل السيف أمضى من العصا فإن قيل (اعتراض) : جاءت نصوص في التنزيل فيها تفضيل الخالق على المخلوق وهذا خلاف ما تقولونه قال الله تعالى في سورة يوسف مخبراً عن نبيه يوسف لما قال لصاحبه في السجن (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) فهذا فيه عقد مفاضلة بين أوثان وبين الله، وقال تعالى (آلله (١) خير أما تشركون) . ... وهكذا قول السحرة في سورة طه (والله خير وأبقى) ، ففي هذه الآيات عقد مفاضلة فكيف تقولون لا تجوز المفاضلة بين الخالق والمخلوق؟

стр. 1856

.. والجواب: تفضيل الخالق على المخلوق ابتداءً يعتبر نقصاً لكن إذا كان الكلام خرج لمجادلة الخصم الذي يزعم أنه لآلهته شأن ومنزلة فلا حرج به حينئذ فنبي الله يوسف يريد أن يبين لهم زيف آلهتهم المتنوعة فلم يخرج الكلام منه قضية مبتدأة أنما هو جدال مع مشركين يرون لآلهتهم شأناً، أي أنتم تقولون أن للآلهة شأناً فلو سلمنا لكم بذلك فأي الشأنين أعظم شأن آلهتكم أم شأن الله؟ فسيقولون كلهم شأن الله، فتكون نتيجة النقاش اطرحوا آلهتكم ما دمتم تسلمون بأن الله شأنه أعظم. ... وهكذا (والله خير وأبقى) منك يا فرعون يا من تدعي أنك رب وأنك ملك مصر فالله خير منك وما عنده لا ينفذ وما عندك نافذ ونظير هذا قول الله تعالى في سورة النور (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون) أي خير لكم من الدخول بغير استئذان وخير لكم من تحية الجاهلية. نقول: هل للدخول بغير استئذان والتحية بتحية أهل الجاهلية خيرية؟ لا، ولا خيرية لها، لكن لأنهم كانوا يرون في دخولهم بغير استئذان عزة والوقوف على الباب ذلة لهم، فكأن الله يخيرهم أنه لو كان في فعلكم خير فهناك خير منه وهو الاستئذان فافعلوه لأنه هو أخيرهما، وإن كان لم يثبت لفعلهم خيرية لكن هذا على سبيل المجادلة. ... ونظير هذا النوع من الجدال والخصام مجادلة إبراهيم ﵇ للنمرود حين حاجه بعد أن ادعى أنه يحيي ويميت فحاجه بأمر آخر وكأنه من باب التسليم له وتنزلاً له فحاجه بقضية أخرى تسكته وهي أن يطلع الشمس من مغربها. ولهذا إذا تجادلت مع مكابر فدع ما فيه نزاع وانتقل إلى ما لا نزاع فيه. الوجه الثاني: إخبار الله جل وعلا في كتابه بصعود العمل الصالح إليه ورفع بعض المخلوقات إليه، ومن المعلوم أن الصعود والرفع يكون من أسفل إلى أعلى.

стр. 1857

.. قال الله جل وعلا في كتابه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال جل وعلا في حق عيسى ﵇ (بل رفعه الله إليه) وقال جل وعلا (يا عيسى إني متوفيك (١) ورافعك إليّ) وهذا الرفع وهذا الصعود معلوم ضرورة في اللغة أنه من، أنزل إلى أعلى ومن أسفل إلى أعلى، والدلالة واضحة. الوجه الثالث: تصريح الله في كتابه بأنه عليّ، قال تعالى في آية الكرسي: (وهو العلي العظيم) ، وهكذا قوله تعالى: (إن الله كان علياً كبيراً) وهناك آيات كثيرة تصف الله بالعلو وتسميته بأنه عليّ وهذا يفيد علو الذات وعلو الصفات وعلو المنزلة والقدر، ويقال فيه ما يقال في الفوقية، فهو فوقهم وهو عليّ عليهم , إذا ثبتت الفوقية والعلو فكيف تقولون يا مبتدعة لا يجوز أن نقول إنه فوقنا وأعلى منا؟!.

стр. 1858

الوجه الرابع: تصريح الله جل وعلا في كتابه بتنزيل أشياء من عنده، قال جل وعلا: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) ، (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ، (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) إلى غير ذلك من الآيات، والنزول ضد الصعود فهو هبوط من أعلى إلى أسفل، فالقرآن نزل من الرحمن أي هبط من أعلى إلينا، لذلك قال أئمتنا: لفظ الإنزال للقرآن يدل على فوقية ذي الجلال والإكرام. الوجه الخامس: إخبار الله جل وعلا عن الملائكة بأنهم عنده في جواره الكريم، والملائكة فوقنا وأعلى منا ومسكنها السموات المباركة، قال الله جل وعلا في آخر آية من سورة الأعراف: ( ... إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) ، وفي سورة حم السجدة (فصلت) آية ٣٨ (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون) وهكذا في سورة الأنبياء (وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستسحرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وهكذا في سورة الزخرف (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ... ) هذه قراءة، وقرأ المدنيان نافع وشيخه يزيد بن القعقاع وابن عامر وابن كثير قارئ مكة ويعقوب قارئ البصرة: (وجعلوا الملائكة هم عند الرحمن) وكلا القراءتين متواترتان، فهم عباده وهم عنده. ... وهذه العندية تحدد لنا أين رب البرية، فالملائكة في السموات العلى والله هو العلي الأعلى ولو كانت هذه العندية الثابتة لهم عنديتنا لما كان لهم ميزة علينا ولما كان لتخصيصهم بالعندية فائدة، بل لهم مزيد من قرب إلى الرب جل وعلا.

стр. 1859

الوجه السادس: تصريح الله جل وعلا بأنه في السموات في آيات كثيرة متواترة غراء: (أأمنتم من في السماء (١)) . ... علماء الكلام أصحاب الثرثرة والهذيان أكثروا اللغظ والشغب والخصام حول هذا الدليل من القرآن فقالوا: الآية لا تدل على علو الله وفوقيته، لأنه ليس المراد من كون الله في السماء وذاته في العلو بل المراد سلطانه وقهره. ... وهذا التأويل أبرد من الثلج كتأويل الضالين السابقين في الفوقية، لأنه إن كان هو السلطان في السماء فمن إذن السلطان في الأرض؟!!. ... السلطان هو الله في السماء والأرض لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، لذلك يقول الله جل وعلا (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) أي بسلطان منه وتمكين وقوة وقدرة إذا أمدكم بذلك فيمكنكم لكن هو جعلكم ضعفاء وعاجزين لا يخرج أحد منكم من سلطانه .

стр. 1860

.. ومما يقرر هذا أن العاتي فرعون عليه لعنة الله قال لقومه عندما أراد أن يلبس على قومه: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) فهذا يفيد أن نبي الله موسى أخبر قومه ومنهم فرعون بأن الله في العلو على السموات فوق العرش فاستغل فرعون هذه الدعوى فطلب من هامان أن يبني له بناءً عالياً لينظر إلى إله موسى الذي هو في السماء. ولو كان كلام فرعون باطلاً لرد عليه موسى ﵇ بأن الله ليس في السماء وفرعون يكذب وهذه القصة التي جرت من فرعون جرت من بعض المشايخ المصريين وقد أفضى لما قدم إذ أنه لما تناقل الناس خبر الصعود إلى القمر فسُأل هل الصعود للقمر ممكن أم لا؟ فقال لهم: أخبركم بالجواب غداً. ففي اليوم التالي امتلأ جامع الأزهر بالناس وجلس الشيخ وقال: هؤلاء كذابون دجالون لأني بقيت البارحة أنظر إلى القمر فلم أر شيئاً!!. ... ولا أعلم جوابه هذا كان من باب البله والغفلة أم هو من باب العتو كفرعون إذ كيف سيرى القمر وهو في الأرض؟! كيف سيراه بعينه المجردة؟ فالأفضل لو أنه سكت عن الجواب ولم يجب بهذا. ولذلك قال أئمتنا: من نفى علو الله فهو فرعوني، ومن أقر بعلو الله فهو موسوي (١) محمدي بعد أن قالوا إن المراد بمن في السماء أي بمن في السماء سلطانه قالوا: توجد آيات تعكر على قولكم تدل على أن الله في السموات وفي الأرض كقوله تعالى في سورة الأنعام: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) ، فلماذا تقولون إنه فوق عرشه على سمواته وهذه الآية ترد عليكم؟. نقول: من سوء فهمكن أتيتم وجعلتم الآيات تتضارب ويرد بعضها بعضاً فهذه الآية تحتمل ثلاث معان ٍ كلها صحيحة:
следующие страницы →