.. وليس في حب النساء منقصة للإنسان ما دام على حسب شريعة الله وكذلك حب المال ما دام على حسب شريعة الله وقد قال سيد الكاملين ﵊ [حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجُعلت قرة عيني في الصلاة] فمثل هذه الطيبات لا حرج في حبها ما دامت على حسب شريعة الله، قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ... ) فهذه الطيبات يتمتع بها المؤمن والكافر في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فلا يشارك المؤمن فيها أحد. (هذا الكلام كله جعلته كالتمهيد للإشكال الذي سيأتي، وهو مأخوذ من كلام الشيخ حفظه الله) .
الإشكال:
قد يقول قائل: إذا أخذ الله علينا الميثاق في عالم الذر – كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة – على أنه خالقنا وربنا ومالكنا، وأودع هذا في فطرنا وغرزه فينا – وهو الميثاق الثاني – فجعلنا نقر بوجوب عبادته، فعلام توقف التكليف على إرسال الرسل ونزول الكتب، وقد أخذ علينا ميثاقين (في عالم الذر، والفطرة) ؟
الجواب عن الإشكال: توقف التكليف على إرسال الرسل ونزول الكتب لأمرين:
الأمر الأول: أن العباد يكلفون قبل إرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم بتوحيد ربهم، لكن الله جل وعلا كرماً منه وفضلاً رفع عنا العقاب قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب فقط لأن الغريزة الفطرية وإن كانت مركوزة في النفس الإنسانية إلا أنها في عرضة – أحياناً – للتغيير وللتلاعب وللخطأ، فلابد من إرسال الرسل لتكون الغريزة مستقيمة تهتدي بهدي ذلك الرسول، فغريزة التدين موجودة لكنها عرضة للتغيير.
... والعباد إذا أشركوا بالله قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب ظالمون معتدون مسرفون لكن لا عقاب على ظلمهم كرماً من الله وفضلاً.
стр. 2172
.. وقد قرر الله هذين الأمرين (أن العباد ظالمون إذا لم يوحدوا الله قبل إرسال الرسل، وأنه لا عقاب عليهم مع ظلمهم) في سورة الأنعام يقول الله جل وعلا: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون، يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) الآيات ١٢٨- ١٣١ (ألم يأتكم رسل منكم؟؟؟؟؟؟؟؟) وهو إرسال الرسل، (ذلك أن لم يكن..) هذا هو الشاهد أي إرسال الرسل وإقامة الحجة على العباد لئلا يهلك الله القرى بظلم منهم وبشرك منهم وضلال منهم، وهم غافلون عن بلوغ الدعوة ووصول الرسالة.
... إذن فأثبت لهم الظلم في حال غفلتهم وعدم إرسال الرسول إليهم إذ لم يعبدوه ولم يوحدوه ومع ذلك لا عذاب عليهم كرماً منه وفضلاً ، وكان الأصل أن يعذبوا لأنهم جحدوا الميثاق الفطري لكن الله تكرم فقال أنا لا أعذب إلا بعد قيام الحجة على أتم وجه فانتبهوا يا عبادي أشهدتكم على أنفسكم في عالم الذر، وركزت في فطركم الإقرار بوجودي ووجوب عبادتي وأرسلت إليكم الرسل وأنزلت عليكم الكتب وتركتكم على المحجة البيضاء، فمن ضل بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه ولو عذبنا على الميثاق الفطري لاستحققنا العذاب لأننا ظالمون.
стр. 2173
الأمر الثاني: الفطرة وإن دلت على وجود الله ووجوب تعظيمه إلا أنها لا تستطيع أن تحدد الأشكال التي يحصل بها تعظيم ذي العزة والجلال أي لا تستطيع أن تحدد شكل العبادة وشكل التعظيم الذي يتقرب به إلى الله، فقد يقول هذا أنا أعبد الحمار الذي خلقه الله تقرباً إلى الله، ويأتي هذا ويقول أنا أعبد هبل، وآخر يقول: اللات، وآخر لنين وآخر الشمس وآخر القمر وآخر الحجر وهكذا كلٌ سيعبد ما شاء إن لم يرسل رسولاً وينزل كتاباً على البشر.
... ولذلك كل ما يحصل به تعظيم الله جل وعلا هو عبادة والعبادة توقيفية لا مجال للعقل فيها، فنعبد الله بما يشاء لا بما نشاء ولذلك [من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد] .
(ذكر الشيخ قصة عن الشيخ صالح الجعفري من علماء الأزهر حيث كان يقول لا يوجد شيء اسمه بدعة فكل ما نقصد به الخير فهو جائز مستدلاً بالآية (وافعلوا الخير..)) .
(ذكر الشيخ قصة المهوس عيسى؟؟؟ وضلالاته التي يقررها من جواز الاستغاثة بغير الله، وأن أهل السنة حذفوا لفظ وعترتي من حديث فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين وغير ذلك من الضلالات ... )
فمن أجل الأمرين السابقين توقف التكليف على إرسال الرسل وإنزال الكتب.
стр. 2174
التعليق على الطحاوية
(مبحث علو الرحمن وفوقيته جل وعلا)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
مبحث علو الرحمن
وفوقيته على مخلوقاته
هو أشرف مباحث علم التوحيد وأجلها وهو العَلَم الفارق بين أهل السنة وبين سائر فرق المبتدعة فالمؤمن السني الموحد يقول: الله فوق عرشه على سمواته بائن من خلقه، والمبتدع عندما تقول له أين الله؟، يقول لك كيف تقول أين؟ الله لا يُقال عنه أين، الله لا فوق ولا تحت ولا شمال ولا يمين ولا أمام ولا وراء ولا داخل العالم ولا خارجه، لا جوهر ولا عرض، قل له، يا مسكين هذا ليس حي قيوم بل هو إله معدوم، وهذا كمن يزعم أن في بيته نخلةٍ ثم تسأله عن أوصافها، فيقول لك لا أوصاف لها فقل له إذن هذه نخلة في ذهنك لذلك حقيقة قول المعطلة تقضي إلى أن الله عدم لذلك قال أئمتنا: المعطل يعبد عدماً والممثل يعبد صنماً وهذه المسألة سأقرر أدلتها المتنوعة وهي خمسة:
١) أدلة الكتاب. ... ٢) السنة. ... ٣) الإجماع الصحيح القطعي.
٤) العقل الصريح. ... ٥) الفطرة المستقيمة.
أولاً أدلة الكتاب:
دل على أن الله فوق عباده على عرشه ، من أوجه كثيرة أحاول أن أوجزها وأن أجمعها في سبعة أوجه:
الوجه الأول: تصريح آيات القرآن بأن ربنا الرحمن فوق عباده ومخلوقاته (فوق) قال الله جل وعلا: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) في حق الملائكة. وقال جل وعلا: (وهو القاهر فوق عباده) . وهذا الدليل في منتهى الظهور والوضوح، وهذه الفوقية شاملة لفوقية الذات ويلزم منها فوقية القَدْر المنزلة والرتبة والمكانة فذاته عالية فوقنا ومنزلته ورتبته أيضاً فوقاً فله الفوقية من جميع الاعتبارات.
... وقبل الانتقال إلى الدليل الثاني سأذكر تأويل المبتدعة للفوقية وندحضه إن شاء الله ثم نذهب إلى الوجه الثاني من أدلة القرآن، وقبل أن أذكر الوجوه دائماً إذا مررت على شبهة فندتها حتى لا نفرد الشبهة في مبحث مستقل.
تأويل لبعض المبتدعة حول هذا الوجه:
стр. 2175
قالوا: المراد من الفوقية هنا الفوقية المعنوية، أي هو فوق عباده في الرتبة والمنزلة أي شأنه أعلى من شأنهم (يخافون ربهم من فوقهم) أي يخافون ربهم الذي هو أعلى منهم رتبة ومنزلة، كما تقول الملك فوق الوزير رتبة، وحقيقة قد يخدعون كثيراً من السذج والدهماء بهذه العبارات المعسولة.
ونجيب: لو صح ما قلتم لكان في هذا ذمٌ لربكم، إن قالوا: كيف؟ نقول: أنتم تقولون: إنه فوقهم في الرتبة فإذن عندنا فاضل ومفضول اشتركا في فضيلة فالمفضول هو المخلوق والفاضل هو الله جل وعلا، أي أنه يشترك مع عباده في الفضائل لكنه يزيد عليهم في الفضالة، كما لو قلت الدينار فوق الدرهم فإن بإمكانك أن تشتري بالدينار وبالدرهم، فهناك قدر يشتركان فيه – أي الدرهم والدينار – لذلك نقول لهم: أف لكم ولتأويلكم، فما المزايا التي اشترك فيها المخلوق مع الخالق حتى قلنا إن الخالق أفضل من المخلوق؟!! والله إن هذا ذمٌ للخالق من حيث لا يشعرون.
ولو قال إنسان عندي سكين أَحدُ من الخشبة لاتهمناه بالخرف لأنه لا مفاضلة بينهما بل إن المفاضلة بينهما عين الذم. وهذا كما لو قال شخص الرسول ﷺ أفضل من اليهود وأبي جهل، فهذا ذم له ﷺ لأنه لا فضيلة فيهم بل لا قيمة لهم حتى تفاضل بينهما، لكن لو قلت نبينا محمد ﷺ أفضل النبيين لكان كلامك وجيهاً وفي محله.
إذن فكيف ستفاضل بين الخالق والمخلوق وقد تقدم معنا أن أخص وصف في المخلوق الفقر وأخص وصف في الخالق الغنى فأين فضل الفقير حتى تفاضل بينه وبين الغنى؟!! وكيف ستسووا بينهما؟!! لكننا نقول (وهو القاهر فوق عباده) أي هو فوق عرشه على سمواته، فيدخل العلو الذاتي والمعنوي (المنزلة) لا علو المنزلة فقط كما يزعمون.
إذن فلا تُعقد المفاضلة إلا بين موصوفين يشتركان في فضائل ويزيد أحدهما على الآخر وإذا كانت المفاضلة بين السيف والعصا ذم للسيف فكيف بعقد مفاضلة بين الفاني والباقي.
стр. 2176
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل السيف أمضى من العصا
فإن قيل (اعتراض) : جاءت نصوص في التنزيل فيها تفضيل الخالق على المخلوق وهذا خلاف ما تقولونه قال الله تعالى في سورة يوسف مخبراً عن نبيه يوسف لما قال لصاحبه في السجن (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) فهذا فيه عقد مفاضلة بين أوثان وبين الله، وقال تعالى (آلله (١) خير أما تشركون) .
... وهكذا قول السحرة في سورة طه (والله خير وأبقى) ، ففي هذه الآيات عقد مفاضلة فكيف تقولون لا تجوز المفاضلة بين الخالق والمخلوق؟
... والجواب: تفضيل الخالق على المخلوق ابتداءً يعتبر نقصاً لكن إذا كان الكلام خرج لمجادلة الخصم الذي يزعم أنه لآلهته شأن ومنزلة فلا حرج به حينئذ فنبي الله يوسف يريد أن يبين لهم زيف آلهتهم المتنوعة فلم يخرج الكلام منه قضية مبتدأة أنما هو جدال مع مشركين يرون لآلهتهم شأناً، أي أنتم تقولون أن للآلهة شأناً فلو سلمنا لكم بذلك فأي الشأنين أعظم شأن آلهتكم أم شأن الله؟ فسيقولون كلهم شأن الله، فتكون نتيجة النقاش اطرحوا آلهتكم ما دمتم تسلمون بأن الله شأنه أعظم.
... وهكذا (والله خير وأبقى) منك يا فرعون يا من تدعي أنك رب وأنك ملك مصر فالله خير منك وما عنده لا ينفذ وما عندك نافذ ونظير هذا قول الله تعالى في سورة النور (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون) أي خير لكم من الدخول بغير استئذان وخير لكم من تحية الجاهلية.
نقول: هل للدخول بغير استئذان والتحية بتحية أهل الجاهلية خيرية؟
стр. 2177
لا، ولا خيرية لها، لكن لأنهم كانوا يرون في دخولهم بغير استئذان عزة والوقوف على الباب ذلة لهم، فكأن الله يخيرهم أنه لو كان في فعلكم خير فهناك خير منه وهو الاستئذان فافعلوه لأنه هو أخيرهما، وإن كان لم يثبت لفعلهم خيرية لكن هذا على سبيل المجادلة.
... ونظير هذا النوع من الجدال والخصام مجادلة إبراهيم ﵇ للنمرود حين حاجه بعد أن ادعى أنه يحيي ويميت فحاجه بأمر آخر وكأنه من باب التسليم له وتنزلاً له فحاجه بقضية أخرى تسكته وهي أن يطلع الشمس من مغربها.
ولهذا إذا تجادلت مع مكابر فدع ما فيه نزاع وانتقل إلى ما لا نزاع فيه.
الوجه الثاني: إخبار الله جل وعلا في كتابه بصعود العمل الصالح إليه ورفع بعض المخلوقات إليه، ومن المعلوم أن الصعود والرفع يكون من أسفل إلى أعلى.
стр. 2178
.. قال الله جل وعلا في كتابه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال جل وعلا في حق عيسى ﵇ (بل رفعه الله إليه) وقال جل وعلا (يا عيسى إني متوفيك (١) ورافعك إليّ) وهذا الرفع وهذا الصعود معلوم ضرورة في اللغة أنه من، أنزل إلى أعلى ومن أسفل إلى أعلى، والدلالة واضحة.
الوجه الثالث: تصريح الله في كتابه بأنه عليّ، قال تعالى في آية الكرسي: (وهو العلي العظيم) ، وهكذا قوله تعالى: (إن الله كان علياً كبيراً) وهناك آيات كثيرة تصف الله بالعلو وتسميته بأنه عليّ وهذا يفيد علو الذات وعلو الصفات وعلو المنزلة والقدر، ويقال فيه ما يقال في الفوقية، فهو فوقهم وهو عليّ عليهم وإذا ثبتت الفوقية والعلو فكيف تقولون يا مبتدعة لا يجوز أن نقول إنه فوقنا وأعلى منا؟!.
стр. 2179
الوجه الرابع: تصريح الله جل وعلا في كتابه بتنزيل أشياء من عنده، قال جل وعلا: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) ، (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ، (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) إلى غير ذلك من الآيات، والنزول ضد الصعود فهو هبوط من أعلى إلى أسفل، فالقرآن نزل من الرحمن أي هبط من أعلى إلينا، لذلك قال أئمتنا:
لفظ الإنزال للقرآن يدل على فوقية ذي الجلال والإكرام.
الوجه الخامس: إخبار الله جل وعلا عن الملائكة بأنهم عنده في جواره الكريم، والملائكة فوقنا وأعلى منا ومسكنها السموات المباركة، قال الله جل وعلا في آخر آية من سورة الأعراف: ( ... إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) ، وفي سورة حم السجدة (فصلت) آية ٣٨ (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون) وهكذا في سورة الأنبياء (وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستسحرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وهكذا في سورة الزخرف (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ... ) هذه قراءة، وقرأ المدنيان نافع وشيخه يزيد بن القعقاع وابن عامر وابن كثير قارئ مكة ويعقوب قارئ البصرة: (وجعلوا الملائكة هم عند الرحمن) وكلا القراءتين متواترتان، فهم عباده وهم عنده.
... وهذه العندية تحدد لنا أين رب البرية، فالملائكة في السموات العلى والله هو العلي الأعلى ولو كانت هذه العندية الثابتة لهم عنديتنا لما كان لهم ميزة علينا ولما كان لتخصيصهم بالعندية فائدة، بل لهم مزيد من قرب إلى الرب جل وعلا.
стр. 2180
الوجه السادس: تصريح الله جل وعلا بأنه في السموات في آيات كثيرة متواترة غراء: (أأمنتم من في السماء (١)) .
... علماء الكلام أصحاب الثرثرة والهذيان أكثروا اللغظ والشغب والخصام حول هذا الدليل من القرآن فقالوا: الآية لا تدل على علو الله وفوقيته، لأنه ليس المراد من كون الله في السماء وذاته في العلو بل المراد سلطانه وقهره.
... وهذا التأويل أبرد من الثلج كتأويل الضالين السابقين في الفوقية، لأنه إن كان هو السلطان في السماء فمن إذن السلطان في الأرض؟!!.
... السلطان هو الله في السماء والأرض لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، لذلك يقول الله جل وعلا (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) أي بسلطان منه وتمكين وقوة وقدرة إذا أمدكم بذلك فيمكنكم لكن هو جعلكم ضعفاء وعاجزين لا يخرج أحد منكم من سلطانه .
стр. 2181
.. ومما يقرر هذا أن العاتي فرعون عليه لعنة الله قال لقومه عندما أراد أن يلبس على قومه: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) فهذا يفيد أن نبي الله موسى أخبر قومه ومنهم فرعون بأن الله في العلو على السموات فوق العرش فاستغل فرعون هذه الدعوى فطلب من هامان أن يبني له بناءً عالياً لينظر إلى إله موسى الذي هو في السماء.
ولو كان كلام فرعون باطلاً لرد عليه موسى ﵇ بأن الله ليس في السماء وفرعون يكذب وهذه القصة التي جرت من فرعون جرت من بعض المشايخ المصريين وقد أفضى لما قدم إذ أنه لما تناقل الناس خبر الصعود إلى القمر فسُأل هل الصعود للقمر ممكن أم لا؟ فقال لهم: أخبركم بالجواب غداً. ففي اليوم التالي امتلأ جامع الأزهر بالناس وجلس الشيخ وقال: هؤلاء كذابون دجالون لأني بقيت البارحة أنظر إلى القمر فلم أر شيئاً!!.
... ولا أعلم جوابه هذا كان من باب البله والغفلة أم هو من باب العتو كفرعون إذ كيف سيرى القمر وهو في الأرض؟! كيف سيراه بعينه المجردة؟ فالأفضل لو أنه سكت عن الجواب ولم يجب بهذا.
ولذلك قال أئمتنا: من نفى علو الله فهو فرعوني، ومن أقر بعلو الله فهو موسوي (١) محمدي بعد أن قالوا إن المراد بمن في السماء أي بمن في السماء سلطانه قالوا: توجد آيات تعكر على قولكم تدل على أن الله في السموات وفي الأرض كقوله تعالى في سورة الأنعام: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) ، فلماذا تقولون إنه فوق عرشه على سمواته وهذه الآية ترد عليكم؟.
نقول: من سوء فهمكن أتيتم وجعلتم الآيات تتضارب ويرد بعضها بعضاً فهذه الآية تحتمل ثلاث معان ٍ كلها صحيحة:
стр. 2182
المعنى الأول: عليه جمهور السلف أن الوقف لازم على لفظ (السموات) فيكون معنى (في) أي ظرفية أي في العلو المطلق، والأرض متعلقة بيعلم أي ويعلم سركم وجهركم وما تكسبون في الأرض، أي مع علوه لا تخفى عليه خافيه من أمركم، وانظر هذا المعنى الذي نقل عن جمهور السلف تدل عليه آية الاستواء في سورة الحديد (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) فهذه الآية كآية سورة الأنعام حث أخبرنا بأنه فوق السموات على العرش ومع ذلك يعلم ما يلج في الأرض، وهذا الوجه هو أرجح الوجوه وأقواها.
المعنى الثاني: (في السموات وفي الأرض) متعلق بيعلم، والآية لم تسق لبيان أين الله بل لبيان إحاطة الله وعلمه بكل شيء، والتقدير: وهو الله يعلم سركم وجهركم أينما كنتم في السموات أو في الأرض فهو يعلم ما تكسبون ولهذا قال أئمتنا هذا وقف حسن على لفظ الجلالة (وهو الله) ثم تستأنف كلاماً آخر يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ... ، وانظروا هذا في كتاب منار الهدى في الوقف والابتداء للإمام الأشموني، يقول: الوقف على لفظ الجلالة، ويتم المعنى بذلك.
المعنى الثالث: الآية لم تسق لبيان أين الله ولا لبيان إحاطة علمه بكل شيء، إنما سيقت لبيان أنه هو الإله الحق المعبود الذي يجب على أهل السموات وأهل الأرض أن يألهوه ويعبدوه ولا يشركون به شيئاً فالإله هو المألوه أي المعبود، والتقدير: وهو المعبود في السموات وفي الأرض....فأين الفهم الذي فهمتموه؟!! وهذه المعاني الثلاثة أمامكم ليس في واحدة منها أن الله موجود في الأرض كما تزعمون وأوردوا آية ثانية ليقروا هذا الضلال وهي قوله تعالى في سورة الزخرف (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم) يقولون: إذن فهو موجود في السماء والأرض وليس في السماء كما تقولون.
стр. 2183
والجواب: هذه الآية معناها كالمعنى الثالث لآية سورة الأنعام، أي وهو المعبود في السماء وفي الأرض وهو إله من في السماء وإله من في الأرض وهو المألوه في السماء وهو المألوه في الأرض، فلا إله إلا هو.
... ونحن نقول لهم أيضاً إن كان في الأرض فعلام يصعد الكلم الطيب إليه وعلام يعرج إليه أشياء ويرفع أشياء؟!! ولو كان الله في الأرض فلماذا عرج بالنبي ﷺ إلى ما فوق السماء السابعة؟!!.
الوجه السابع: تصريح الله في كتابه بأنه استوى على عرشه في سبع آيات من كتابه ضمن سبع سور:
١) آية سورة الأعراف آية ٥٤: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) .
٢) آية سورة يونس: آية رقم ٣.
٣) آية سورة الرعد: آية رقم ٢.
٤) آية سورة طه: آية رقم ٥.
٥) آية سورة الفرقان: آية رقم ٥٩.
٦) آية سورة السجدة: آية رقم ١٧.
٧) آية سورة الحديد: آية رقم ٤.
والمفسرون بحثوا مسألة الاستواء عند أول آية وهي آية سورة الأعراف إلا شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فإنه تكلم على الاستواء في الآية الثالثة من سورة يونس (الموضع الثاني) في أضواء البيان.
والاستواء معناه في اللغة: يأتي لأربعة معان ٍ: استقر، وارتفع، وعلا، وصعد، وقد ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد أنه قال (الرحمن على العرش استوى) قال: علا، انظر صحيح البخاري في كتاب التوحيد (١٣/٤٠٣- مع الفتح) وفيه أيضاً – أي في صحيح البخاري – قال أبو العالية: (الرحمن على العرش استوى) : ارتفع، وقد ورد هذا في التفسير الثاني في معالم التنزيل للبغوي عن ابن عباس ﵄.
стр. 2184
هذا تفسير الاستواء في اللغة فله العلو والارتفاع والفوقية على سائر مخلوقاته، وهذا الدليل والواضح (سبع آياتٍ) جاء المؤولة وتلاعبوا فيه وقالوا: استوى أي: استولى وقال فريق منهم: كناية عن الهيمنة والسيطرة وتدبير الملك. هذا تفسير باطل قطعاً وجزماً لغةً ومعنىً.
أما اللغة فلا تشهد لهذا قطعاً، أي تفسير استوى باستولي لا يعرفه علماء اللغة كما قال الأزهري في تهذيب اللغة وابن الأعرابي وهو من أئمة اللغة. وقد أبطل الإمام ابن القيم تفسير استوى باستولي باثنين وأربعين وجهاً في كتابه الصواعق المرسلة في الرد على الجهنمية والمعطلة، انظروا مختصر الصواعق (٢/١٢٦-١٥٢) ، أما المعنى فهو معنىً باطل بل هو أبطل من بطلانه من ناحية اللغة لأن الاستواء أخذ الشيء بعد غلبة ومنازعة، فهل كان العرش في ملك أحد غير الله حتى نازعه الله فقهره حتى غلبه وانتصر عليه وأخذ العرش واستولى عليه؟!! لا، يقولون: هذا استيلاء بلا غلبة ولا منازعة، كما قال الأخطل:
стр. 2185
قد استوى بِشْرٌ (١) على العراق ... من غير سيف ودم مراق
فهو استوى على العراق من غير منازعة بالسيف أو بقتل وإراقة الدماء.
نقول: لا زلنا معكم، يعني هل كان في يد غيره ثم أخذه منه؟ يعني هل خرج العرش عن ملك الله طرفة عين حتى تقول إنه استولى عليه إذن فكلا جوابيكم باطل وقلتم استولي بغلبة ومنازعة أو بدون ذلك، ثم إنه لا يجوز الاستدلال بهذا البيت على تفسير استوى باستولى لأن هذا مخلوق والله ليس كمثله شيء، ولأن البصرة حقيقة لم تكن في أمرته ولا تحت ولايته بل عهد إليه أخوه عبد الملك بذلك فيصح أن نقول إنه استولى، لكن هل كان العرش كذلك؟ لا والله، فهو لم يخرج عن ملكه طرفة عين، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:
قبحاً لمن نبذ الكتاب وراءه ... وإذا استدل يقول قال الأخطل
ويقول الإمام ابن القيم:
стр. 2186
ولهم في ذلك بيت قاله ... فيما يقال الأخطل النصراني
نون اليهود ولام جهميًّ هما ... في وحي رب العرش زائدتان
(نون اليهود) قال الله لهم قولوا حطة أي حُط َّ الذنوب عنا، فلم يقولوها وزادوا نوناُ فقالوا: حنطة أو حبة حنطة أو حنطة في شعرة استهزءوا بكلام الله جل وعلا، وهذا حال اليهود، فانظر كيف بدلوا كلام الرب المعبود.
والجهمية زادوا لاماً، فهى استوى فزادوها استولى، ومعنى (هما في وحي رب العرش زائدتان) أي لم ينزل رب العالمين لا نون اليهود ولا لام الجهمية.
ولذلك قال الإمام مالك وشيخه ربيعة وأمنا أم سلمة ﵂ والإسناد ثابت إلى مالك وإلى ربيعة ولكنه ضعيف عن أمنا أم سلمة ﵂ وثبت عن الإمام أبي جعفر الترمذي ليس صاحب السنة أبو عيسى الترمذي، قالوا: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
(الاستواء معلوم) أي معلوم في اللغة استقر، ارتفع، علا.
(والكيف مجهول) أي كيفية استواء الرب مجهولة لان الصفة تتبع الموصوف، فإذا كانت الذات مجهولة فالصفات كذلك ولذلك إيماننا بصفات ربنا كإيماننا بذاته، والمخلوقات تتفق في مسمى الصفة وتختلف في حقيقتها، فمثلاً لك يد للقط يد لكن لم تشبه اليدان بعضهما، فكيف ستشبه يد المخلوق الخالق!! فلكل موصوف ما يناسبه من الصفات (ليس كمثله شيء) .
(والإيمان به واجب) لأنه ورد في كتاب الله وإذا تركته فقد ضللت.
(والسؤال عنه بدعة) وكان بدعة لأمرين: الأمر الأول: لأنه سؤال عما لا يمكن لعقول البشر أن تدركه، والأمر الثاني: لأنه لم يجر هذا السؤال في عهد خير هذه الأمة وأطهرها وأبرها، والبدعة ما حدث بعدهم فلم يسأل الصحابة رضوان الله عليهم النبي ﷺ عن كيفية صفة بل يسألون عن الإيمان بها وثبوتها وهكذا المؤمن يسأل في القدر – كما تقدم معنا – من الحكم ووجوده لا عن العلة من الحكمة، ولذلك لا تقل لم؟ بل قل بم؟.
стр. 2187
ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه بسند حسن عن أبي رزين أن النبي ﷺ قال: [ضحك ربنا عند قنوط عباده وقرب غِيَرِه (١) ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب فقال أبو رزين: أوَ يضحك ربنا؟ فقال النبي ﷺ : نعم، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيراً] ، فسأل أبو رزين هنا عن ثبوت صفة الضحك لا عن الكيفية ومن ضحك الله له لن يحاسبه كما ورد في الحديث، أي من فعل فعلاً أضحك به الرب فلن يحاسبه الله، وهذا الاستواء كما يليق بربنا.
مبحث العرش والكرسي
(هما مبحثان مستقلان لكن ندخلهما في هذه الآيات)
العرش في اللغة: سرير المَلِك، والمراد كرسي عظيم مرصع بالجواهر والأحجار الكريمة كحال الملوك القدماء.
стр. 2188
وقد ذكر الله في القرآن ثلاث عروش: عرشين لمخلوقين وعرش له استوى عليه: أحد عرشي المخلوقين عرش ملكة سبأ (١) وهو عرش بلقيس: ( ... وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) والثاني عرش نبي الله يوسف ( ... ورفع أبويه على العرش) والله جل وعلا استوى على هذا العرش بكيفية يعلمها ولا نعلمها.
ثبت عن ابن عباس ﵁ أنه قال [سمي العرش عرشاً لارتفاعه] ، والله يشير لهذا المعنى في كتابه يقول: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) أي مرتفعة (وغير معروشات) أي منبسطة ليس لها ساق تقوم عليه وذكر العرش معلوم في أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، قال أمية بن أبي الصلت (جاهلية) :
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا
شرْجَعَنْ (٢) لا يناله ناظر العين ... ترى دونه الملائكة صورا (٣)
стр. 2189
وقال عبد الله بن رواحة (قال الإمام ابن عبيد ابن عبد البر في الاستيعاب وهذه القصة ثابتة رُويناها من أوجه صحيحة مشهورة) ، وذلك أنه عندما جاءته سٌرِّيته وواقعها على فراش زوجته، فعلمت زوجته بالأمر فاعتراها شيء من الغيرة، فقالت في حجرتي وعلى فراشي، فقال: ما فعلت شيئاً؟ أي لم أفعل شيئاً حراماً، فقالت اقرأ القرآن إن كنت صادقاً لأن الجنب لا يقرأ القرآن، فقال: عبد الله ﵁:
شهدت بأن الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين
وأن العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش رب العالمين
وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسوِّمين (١)
وقال أيضاً:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطعا
وبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استقلت بالمشركين المضاجع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
فقالت زوجته: آمنت بالله وكذبت بصري والكلام أو سع من أن يكذب ظريف كما قال أئمتنا، فإذا اضطررت للكذب فلا تكذب بل استعمل التورية (٢) كما كان إبراهيم انخعي يعمل حيث كان يطلب من ابنه أن يقول لمن يطرق بابه في وقت لا يريد فيه مقابلة أحد، يا بني قل لهم إن إبراهيم ليس هنا، أي ليس موجود في المكان الذي يتكلم فيه أي يشير إلى مكان ليس فيه والده إبراهيم موجوداً فيه، والسامع يظن أن إبراهيم ليس في البيت والدار، وولده صادق، وهو لو قال لهم مشغول فقد يلحون عليه بطلب الدخول أو قد يتضايقون من هذا الجواب (أي لو قال لهم مشغول) فيصرفهم بالتي هي أحسن.
стр. 2190
.. وصفة الاستواء على العرش نقول فيها ما نقول في سائر الصفات فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وتقدم معنا أن إيماننا بصفات ربنا إقرار وإمرار (ليس كمثله شيء) إمرار (وهو السميع البصير) إقرار فنقر بالصفة دون البحث في كنها وكيفيتها وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
والعجز عن درك الإدراك إدارك ... والبحث في كنه ذات الإله إشراك
والصفات تختلف باختلاف الموصوفات، فلكل موصوف معنىً يناسبه من تلك الصفة على حسب ذاته، فمثلاً اليد تختلف فينا بني الإنسان عنها في الكلاب عنها في الأبواب فمن بابٍ أولى أن تختلف يد الخلاق جل وعلا.
стр. 2191
وعرش الرحمن فوق المخلوقات كلها، ولا يوجد فوقه شيء مخلوق لا يوجد إلا الخالق جل وعلا، فالمخلوقات كلها تحت العرش ولذلك يُقال "العالم من عرشه إلى فرشه مخلوق" أو من علوه إلى سفله وهو الأرض السابعة. قال رسول الله ﷺ [والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه] ، والعرش هو أكبر المخلوقات تحمله ثمانية من الملائكة، كما أخبرنا الله عن ذلك في كتابه (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وهؤلاء الثمانية يتجاوبون بصوت رقيق رخيم فأربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك ويجيبهم الأربعة الآخرون سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، هذا هو تسبيح حملة العرش، وهذا ثبت بإسناد صحيح عن حسان بن عطية وله حكم الرفع إلى النبي ﷺ ، ومعنى هذا: الله يعلم ما نعمل، ولولا حلمه لما ترك على الأرض من دابة، وهو قدير على عقوبتنا فلولا عفوه لأهلكنا، وثبت في تفسير ابن جرير أن الله خلق حملة العرش قالوا ربنا لم خلقتنا؟، قال: لتحملوا عرشي، قالوا: ومن يقوى عليه وعليه جلالك ووقارك وأنت رب العالمين؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالوا هذه الكلمة وبها أطاقوا حمل العرش، وقد قال أئمتنا هذه الكلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله) لها تأثير عجيب وخاصية مجربة بأن من قالها ذلل الله له الصعاب وفرج عنه الكروب وأعانه على الشدائد ومعنى هذه الكلمة لا تحول من حالٍ إلى حال من معصية إلى طاعة ومن ضعف إلى قوة ومن فقر إلى غنىً ... ولا تحصل قوة إلا بالله جل وعلا.
وأما الكرسي:
... فهو دون العرش أي أنزل منه وأصغر، والعرش أكبر المخلوقات وأولها وهو موضع قدمي الرب ,
стр. 2192
.. وقد ثبت تفسير الكرسي بذلك في مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين وكتاب التوحيد لابن خزيمة والأسماء والصفات للبيهقي وتفسير ابن جرير، والأثر رواه الإمام الخطيب في تاريخ بغداد والطبراني في معجمه الكبير بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: [الكرسي موضع القدمين والعرش لا يعلم قدره إلا الله] .
... قال الله في وصف الكرسي (وسع كرسيه السموات والأرض) فهذا الكرسي يسع السموات والأرض وهو أعظم منها.
... والكرسي ذكر في موضعين فقط في القرآن:
١) آية الكرسي من سورة البقرة (وسع كرسيه السموات والأرض) .
٢) في سورة ص (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) ، فالكرسي الأول له جل وعلا، والثاني في سورة ص والكرسي واحد الكراسي وهو معروف كما قال علماء اللغة.
وهذا التفسير – الأول – الذي نقل عن ابن عباس، ثبت أيضاً عن أبي موسى الأشعري في تفسير ابن جرير والأسماء والصفات للبيهقي، وفي تفسير ابن المنذر بإسناد صحيح قاله الحافظ في الفتح (٨/١٩٩) وثبت في تاريخ بغداد عن أبي ذر مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أثبت وله حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأنه مما لا يدرك بالرأي.
... وهذا هو المعتمد عند أهل الحق أن الكرسي هو موضع قدمي الرب، وهناك أربعة أقوال باطلة في تفسير الكرسي احذروها وكونوا على علم بها:
أولها: - وهو أرذلها – نُقل عن الزمخشري المعتزلي، وهو من شر ما قاله في صفات الله – يقول "الكرسي: تخييل حسي " أي لا يوجد هناك كرسي لا صغير ولا كبير، لكن الله أراد أن يظهر لنا عظمته ويقرب لنا شأنه فذكر هذا الأمر لذلك يعني المراد من الآية: لو كان له كرسي لوسع السموات والأرض، لكنه لا يوجد، ومعنى قول الزمخشري (حسي) أي أتى بتعبير محسوس ليقرب المراد.
стр. 2193
.. وهذا التفسير الذي ابتدعه الزمخشري هنا في الكرسي عول عليه في كثير من آيات الصفات في الكشاف فانظر مثلاً تفسير قول الله تعالى في سورة الزمر (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: [إن الله يقبض الأرضين بشماله ويطوي السموات بيمينه، ويقول أنا الملك أين ملكوم الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟] .
... فالزمخشري يستعمل هذا الأسلوب أيضاً في نفي صفة اليمين والشمال والقبض والطي، فيقول هو في هذه الآية: هذا تخييل حسي فالله يريد أن يخيل لنا عظمته فجاء بهذا المثال الحسي الذي فيه كأن السموات بيمينه وكأن الأرض بشماله وليس له لا طي ولا قبض وليس له يمين ولا شمال، وهذا كما قلت لكم من أشنع ما قيل في صفات الله لأن مؤداه أن الله يكذب علينا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ثانيهما: الكرسي بمعنى العرش فهما سواء، ونقل هذا عن الحسن البصري، وروي هذا عنه من طريق جويبر عن الضحاك، وهذا الأثر لا يثبت عن الحسن البصري (١) ، لأنه فيه علة وهي: ضعف الأسناد فجويبر تالف.
... قال الإمام ابن كثير والإمام البيهقي في الأسماء والصفات، والصحيح عن الحسن وغيره من السلف أن العرش غير الكرسي.
ثالثهما: قيل الكرسي بمعنى العلم، (وسع كرسيه السموات والأرض) أي علمه، نقل عن ابن عباس ﵁ بإسناد – قال عنه ابن كثير والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة إنه شاذ أي هذا الإسناد شاذ والرواية المحفوظة عنه الثابتة أن الكرسي موضع القدم.
стр. 2194
.. وهذا التفسير رده الإمام ابن جرير في أول الأمر وقال: "إن الرواية الثابتة عن ابن عباس في تفسير الكرسي وهو موضع القدمين، هي المعتمدة" ثم انتكس الإمام ابن جرير عليه رحمة الله في تفسيره عند آية الكرسي فنقل هذه الرواية الشاذة وقال هي المعتمدة في تفسير الكرسي، فبعد أن قرر أن القول الأول هو المعتمد نقضه وقال القول الثاني هو المعتمد وهذا عجيب من مثل الإمام ابن جرير، وقد قرر الإمام ابن جرير هذا القول الشاذ بقوله تعالى حكاية من الملائكة (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) ، وهذا الاستدلال في الحقيقة لا يتناسب مع حذق الإمام ابن جرير وفهمه لأنه يلزم على قوله أن يفسر الكرسي بالرحمة كما فسر بالعلم، لأن ذكرت الآيتين، ثم إنه لا مناسبة بين الكرسي والعلم، لأن الكرسي واحد الكراسي وهو معروف، والعلم معروف فلا مناسبة بينهما ولو صح تفسير الشيء بما لا يدل عليه في لغة العرب لصح أن نفسر بعد ذلك الأحكام الشرعية كما نريد (١) وهذا التفسير تبناه محمد عبده في هذا العصر وعليه جمهور المؤولة.
رابعهما: تبناه الرازي في تفسيره فقال: لا يصح تفسير الكرسي بالعرش ولا تفسيره بالعلم فقد دلت الآثار على أنه جسم عظيم أعظم من السموات والأرض – وهذا كله حق مقبول لكن انظر بعد ذلك للانتكاس يقول: لكن الرواية الثابتة عن ابن عباس موهمة مشكلة فيجب أن نقف نحوها موقفين:
стр. 2195
الموقف الأول: أن نردها، لأنها توهم التشبيه.
الموقف الثاني: وإذا قبلناها فلابد من تأويلها (١) ، وقال: موضع القدمين أي موضع قدمي الروح الأعظم الذي هو جبريل أو موضع قدمي ملك آخر غيره (٢) وهذا تأويل باطل يجب طرحه.
... والأقوال الثلاثة قبله باطلة أيضاً والمعتمد هو قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وأبي ذر، وتقدم ذكره وقد ورد أن الكرسي بجانب العرش كحلقة في فلاة والسموات السبع والأراضين السبع بجانب الكرسي كحلقة في فلاة.
٢- وأما السنة:
... تواترت الأحاديث عن نبينا ﵊ بأن الله فوق عرشه على سمواته بائن من خلقه ، وهذه الأحاديث المتواترة لن أفيض فيها إنما سأذكر ثلاثة منها:
стр. 2196
أولها: الأحاديث بمجموعها متواترة، لكن هذا الحديث متواتر بنفسه، قال الإمام الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار) صـ١٦: من الأحاديث المتواترة في علو الله وفوقيته حديث معاوية بن الحكم السُّلمي، وحديثه ثابت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي – وهو حديث متواتر – وخلاصة الحديث: يقول معاوية ﵁ [كانت لي جارية ترعى غنماً لي فجاءت في يوم من الأيام وقد أخذ الذئب شاة منها، يقول: وأنا امرؤ من بني آدم (١) – آسف كما يأسفون فحزنت على هذه الشاة، وصككت الأمة ثم ندمت فذهبت إلى النبي ﷺ وأخبرته بالقصة وقلت له: ألا أعتقها، (وفي رواية: إن عليّ كفارة ألا أعتقها؟) فقال النبي ﵊: ادعها لي، فجاءت فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟ فقالت في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله، فقال اعتقها فإنها مؤمنة] .
قال الذهبي والحديث فيه أمران:
١- جواز السؤال عن الله بأين (٢) ، فهو شرعي سأل بهذا نبينا ﷺ .
٢- والجواب عن هذا السؤال، أن الله في السماء كما تواترت الأحاديث بذلك.
ولفظ السماء تقدم معناها إن كان المراد العلو فـ (في) ظرفية على حقيقتها أي في العلو، وإن كان المراد من السماء الأجرام السبعة فـ (في) بمعنى على أي على السماء وهذا الحديث فيه رد على المؤولة لأن النبي ﷺ لم يسأل عن سلطانه وقهره ﷻ فلم يقل أين سلطان الله؟.
стр. 2197
ثانيها: حديث نزول ربنا الجليل وهو حديث قال عنه الإمام الذهبي: هو حديث متواتر أقطع بذلك وأُسأل أمام الله، وقد رواه الشيخان البخاري ومسلم – وأبو داود والترمذي وابن ماجه ورواه الإمام أحمد ومالك في الموطأ الدارمي وغيرهم من أئمة الحديث ولفظه عن النبي ﷺ قال: [ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له] . فربنا يتصف بأنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، ولفظ النزول في اللغة لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، فهو ينزل بكيفية تليق بجلاله من غير تشبيه ولا تعطيل ولا يلزم من نزوله أن تكون السموات فوقه، فهو في حال نزوله مستو ٍ على عرشه، ولا تقل كيف؟ فهذا السؤال ارفعه ولا تسأل به، هذا ولله المثل الأعلى – كالإنسان عندما ينام لا يسمع ولا يجيب مع أن روحه فيه فمع أن روحه معه إلا أنه كمن رفعت روحه.
ثالثها: حديث رواه الإمام الترمذي وحسنه، وابن خزيمة في كتاب التوحيد والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمران بن حصين ﵁: [أن والده حصين لما جاء إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله: إنك أشأم رجل على قومه فرقت جماعتنا وعبت آلهتنا وسفهت أحلامنا وكفرت من مضى من آبائنا فقال النبي ﵊: يا حصين اجلس، فجلس، فقال له: كم إلهاً تعبد؟ فقال له: سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء (١) ، فقال: من الذي تُعدُّه لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال: اترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك كلمتين إذا أسلمت، فأسلم فعلمه أن يقول: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي] . فكرروا هذا الدعاء إخوتي الكرام.
٣- وأما الإجماع الصحيح:
стр. 2198
.. والإجماع على هذه المسألة ليس في هذه الأمة بل هو إجماع بين المِليين أي الموحدين منذ آدم إلى يوم القيامة، أجمعوا على هذا وأن الله على عرشه فوق سماواته.
... قال الشيخ عبد القادر الجيلاني – كما في الذيل على طبقات الحنابلة – (١/٢٩٦) : "العلو لله جل وعلا مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل" أي ذكر الله جل وعلا هذا في الكتب المنزلة على الرسل التي أرسلهم عليهم الصلاة والسلام، فهو متفق عليه في الكتب، كل رسول يشير بهذا إلى قومه.
... وثبت عن الإمام الأوزاعي أنه كان يقول: "كنا نقول والتابعون متوافرون الله فوق عرشه على سمواته بائن من خلقه" أي منفصل عن خلقه ليس حالاً فيهم ولا حالون فيه.
... ولذلك قيل للإمام أبي حنيفة: ما تقول فيمن لم يعرف أين الله؟ فقال: إنه كافر، فقيل له: ما تقول فيمن قال إن الله على العرش لكن لا أعلم أين العرش؟ فقال: هو كافر.
... وقال الإمام ابن خزيمة في كتابه التوحيد: من أنكر العلو يستتاب – فإن تاب وإلا ضربت رقبته، ثم لا يدفن في مقابر المسلمين ولا اليهود ولا النصارى.
٤- وأما العقل الصريح:
... وقد دل على علو الله على مخلوقاته، على مرحلتين وبخطوتين:
المرحلة الأولي: العقل يقول ويقرر "كل موجودين لابد لهما إما من الاتصال أو الانفصال، واتصال الخالق بالمخلوقات أو المخلوقات بالخالق وامتزاج أحد الموجودين بالآخر مستحيل لأنه يؤدي إلى جعل المخلوق عين الخالق وجعل الخالق مخلوقاً، ويؤدي إلى القول بالحلول ووحدة الوجود وأن كل شيء هو الله.
فإذا انتفى الاتصال ثبت الانفصال، وأفضل كلمة قالها أئمتنا في التوحيد ما قاله الإمام الجنيد: "إفراد الحادث عن القديم" أي تمييز الحادث المخلوق عن القديم الخالق، فكلاهما منفصل عن الآخر ولا يحل واحد منهما في الآخر.
стр. 2199
المرحلة الثانية: إذا ثبت انفصال الرب عن مخلوقاته، فإما أن يكون فوقهم أو تحتهم، أما التحتية فمستحيلة لأنها صفة ذم ونقص وهي مأوى القاذورات، ويتنزه الله عن ذلك فثبتت له الفوقية ولذلك لو لم يرد نص شرعي ولو لم يأت رسول للبشر يخبرهم بأن الله جل وعلا فوقهم لجزم العقل بعلو الله وفوقيته على عباده، ولذلك من يقول خلاف هذا فهو ضال بلا شك.
وقد وجدت شبهتان في هذا الدليل لعلماء الكلام:
الشبهة الأولي: تولاها الجهمية أن الله في كل مكان أي بذاته (لا بعلمه فهذا موضع اتفاق) أي أن الله بذاته في كل مكان في البيوت وفي المساجد وفي الأسواق وفي المزابل وفي الحمامات - تعالى الله عما يقولون – ولذلك كان يقول غلاة الجهيمة من الصوفية:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلا راهب في كنيسة
فالكلب والخنزير والراهب وكل شيء إله لأن الله في كل مكان – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً – فكفر هؤلاء أشنع من كفر اليهود والنصارى لأن اليهود قصروا الحلول في عزير، وأما النصارى فقصروا الحلول في عيسى وأمه، وأما هؤلاء فقالوا إنه حل في كل نقيصة وقذر.
الشبهة الثانية: بعض علماء الكلام لا يجوز أن تقول أين الله؟ يقول: لأن الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال لا أمام ولا وراء، لا داخل العالم ولا خارج العالم، نقول له: يا مسكين أنت بهذا لم تثبت الحي القيوم بل جعلته موهوماً معدوماً، ولذلك لما تناظر أبو بكر ابن فورك في مجلس محمود بن سُبُكْتَكِين وهو من الأمراء الصالحين، تناظر هذا المؤول أي بن فورك مع بعض أهل السنة فقال: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا وراء ولا داخل العالم ولا خارجه، فقال هذا السني للأمير: ايها الأمير اطلب إلهاً غير إلهك، فهؤلاء قد ضيعوا إلهك.
إذن فقولهم بفضي إلى أن نجعل الله عدماً، فجعلوا العلي الأعلى الذي كرسيه أعظم من السموات والأرض جعلوه معدوماً صرفاً وموهوماً محضاً، فانتبهوا لهذا!!!.
стр. 2200
كلا الشبهتين باطلتان.
... ولذلك عندما جلس أبو المعالي أمام الحرمين – غفر الله له ورحمه وقد رجع عن هوسه – يقرر نفي علو الله على مخلوقاته فقال كان الله ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان، فقام الإمام الهمذاني وقال: يا إمام دعنا من العرش والزمان والمكان دعنا من هذه الأمور وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في أنفسنا ما قال أحد يا رب إلا وطلب المعونة ممن فوقه فبماذا نؤول هذا الشعور الذي في داخل نفوسنا؟ فلطم إمام الحرمين رأسه وقال حيرني الهمذاني، فرجع إمام الحرمين عن قوله.
٥- وأما الفطرة المستقيمة:
وتقدم معنا أن الأدلة على الفطرة قسمان:
أ) سلفي شرعي، والسلفي الشرعي قسمان
١. نصوص الكتاب والسنة.
٢. الفطرة المستقيمة.
ب) وخلفي بدعي وهو قسمان:
١) عقل متكلف فيه متعمق.
٢) كشف خيال.
فالفطرة السوية تقرر علو رب البرية، ووجه ذلك: أنه لا يلجأ أحد إلى الله إلا واتجه إلى فوق، فهذا مركوز في أذهان وقلوب نساء البادية فضلاً عن غيرهن، فهذه فطرة ولذلك عندما ندعو نمد أيدينا إلى فوق أو إلى الوراء أو إلى أسفل إلى العلو إلى فوق، وعندما نسجد نقول سبح
стр. 2201
مقدمة التفسير (١)
(دروس تفسير)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
مقدمة التفسير (١)
نحمد الله ونستعينه ونستهديه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدى الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمدكله ولك الملك كله وإليك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله انت رب الطيبين وأشهد ألاّإله إلاّ الله وحده لا شريك ولىّ الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿وما من دآبة فى الأرض إلاّ على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌُ فى كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلاّ هو فأنا تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينامحمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين وشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عمياً وأذاناًصماً وقلوباً غلفاً، فجزاهُ الله عنا أفضل ما جزى به نبىٌ عن أمته ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان الى يوم الدين.
﴿ياأيها الناس أتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أمابعد: معشرالإخوة الكرام..
حديثنا ومدارستنا فى مثل هذا اليوم من أيام هذه السنة المباركة إن شاء الله ستكون مدارستنا ويكون حديثنا فى تفسير كلام ربنا جلّ وعلا ويحسن بنا بل يجب علينا قبل الشروع فى تفسير كلا م الله جلّ وعلا أن نتحدث عن أمرين اثنين.
الأمر الأول: حول منزلة كلام الرحمن جلّ وعلا وأثره فى بنى الإنسان.
стр. 2202
والأمر الثانى: حول الطريقة القويمة فى تفسير الآيات المحكمات.
فلابد من التنبه على هذين الأمرين لنعلم منزلة هذا الكلام الذى سنتدارس تفسيره إن شاء الله ولنعرف الطريقة المثلى السديدة السليمة فى تفسيره.
إخوتى الكرام: تأمل حال الناس فى هذه الأيام لا يرتاب أنهم فى جاهلية كالجاهلية التى كان الناس فيها قبل مبعث خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، وإذا كان الله جلّ وعلا قد نكس الناس قبل مبعث نبينا ﵊ إلاّ بقايا من أهل الكتاب كالذين كانوا يلتزمون بالدين الحق الذى كان عليه نبى الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فإن الحال فى هذه الأيام كذاك فالله قد نكس الناس عربهم وعجمهم إلاّ من تمسك بملة نبينا محمد ﵊ بالدين الحق وهم الغرباء فى هذا الوقت وقليل ما هم.
ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن عياض بن عمار النجاشعى رضى الله عنه، قال: قام فينا نبى الله ﷺ خطيباً ذات يوم، فقال: (إن الله أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم فى يومى هذا) ، أى أمرنى أن أعلمكم من يومى هذا ما جهلتم وما تجهلونه كل مال أحدثه عبداً فهو حلال، أى قال الله تعالى: كل مال أحدثه عبداً فهو حلال، وإنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرموا عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر الى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، والمقت: هو أشد أنواع الغضب والسخط ﴿ياأيها الذين أمنوا لما تقولون ما لاتفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون الى الإيمان فتكفرون﴾ .
[وإن الله نظر الى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا يقايا من أهل الكتاب، وقال الله: إنما بعثتك لأبتليك وأبلى بك وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظاناً] .
стр. 2203
هذا كان حال الناس فى الجاهلية قبل مبعث خير البرية ﵊، جاهليةٍ يعيشونها من أجل ذلك مقتهم الله جل وعلا كانوا فى الجاهلية هم يلهثون وراء الدنيا فهى غايتهم وهى مطلبهم، وكانوا يتدينون تديناً معوجاً كما هو حال الناس فى هذه الأيام تماماً والدنيا هى الغاية الأولى والأخيرة فى حياة الناس إلا من رحم ربك ثم يتدينون بعد ذلك تديناً معوجاً، فهذا القرآن الكريم الذى أنزله الله علينا وأكرمنا به صار حال الناس نحوه، أنهم يذكرونه ويتغنون به فى الحفلات والمواسم الرسمية، وأعرضوا بعد ذلك عن تحكيمه فى جميع شئون حياتهم.
وبلغ الإنحطاط فى بعض بلاد عدة أنهم عرضوا على مسألة يندى لها جبين المسلم حقيقة وهى، هل تستفتح الحفلات بالأناشيد الوطنية أو بالقرآن العظيم بكلام ربى الكريم،؟ وهل إذا بدأنا حفلنا بالأناشيد الوطنية وعلى تعبيرهم الأناشيد الرسمية؟ نقول فى هذا إساءة أدب مع القرآن العظيم، قلت له: ياأخى الكريم الى هذا الحد وصل بنا الإنحطاط، الأمران مستويان فى الشناعة والفسق والفساد.... إذا بدأتم حفلة بالأناشيد الوطنية فقد أخبرتم عن حقيقة أنفسكم وأنكم تقمون الجاهلية على كتاب ربكم، وإذا بدأتم بكتاب الله جل وعلا فالبلية لا تنقص أبداً لأنكم بعد أن تقرأوا شيئا من القرآن تنسخونه بجاهلية الشيطان، وقد صدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ .
إخوتى الكرام: حالة الجاهلية التى كان عليها الناس قبل مبعث خير البرية ﵊ هى حال الناس فى هذه الأيام إلا من رحم ربك، جرىٌ ورآء الشهوات ثم تدين معوج لا يرضاه الله جل وعلا وما أنزل به من سلطان.
إخوتى الكرام: لا يقبل الله من العمل إلا ما كان صالحا.
стр. 2204
والوجه الخامس: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ كان الجاهلية المشركون فى جاهليتهم إذا حجوا يقولون "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ملكته وما ملك" وحال الناس فى هذه الأيام بل كما قلت لكم حال بعض طلبة العلم، هل نبدأ بالأناشيد الوطنية أو نبدأ بكلام ربنا القويم؟
لا يختلف الأمر عن شعارات الجاهلية "لبيك لاشريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك " لكن هناك كانت التلبية لهبل أو لللات أو للعزى، وإن صارت التلبية للوطن ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال. وأن هذا صراطاً مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ .
إخوتى الكرام: وما من شك عند بنى الإنسان أن حياة الجاهلية تغيرت بمبعث خير البرية ﵊، والذى غير تلك الحياة الآثمة الخبيثة الضآلة التائهة الضائعة، كلام الله جل وعلا الذى أنزله على عبده ونبيه محمد ﵊، فماذا فى كلام الله جل وعلا من الأمور؟ وما الأمور التى صاحبت كلام الله جل وعلا حتى صار لمن أخذ به ذلك الأثر، فخرجوا من الجاهلية الى الهدى ومن الضلال الى الرشد.
إخوتى الكرام: إن تشريع الله وكتاب الله وكلام الله وهذا القرآن المجيد الذى أنزله على نبينا ﵊ صاحبه أربعة أمور لا يوجد واحد منها فى تشريع ولا فى نظام ولا فى قانون هذه الأمور الأربعة.
أولها: علم تام واسع محيط، كيف لا وقائله ومنزله هو العليم بكل شىء ، يقول الله جل وعلا فى سورة الفرقان: ﴿وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما وزورا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما﴾ .
стр. 2205
فهذا الكلام المتكلم به عليم بكل شىء محيط بكل شىء فى هذا الكلام تبيان للكل شىء ﴿لكن الله يشهد بما أنزل أليك أنزله بعلمه واللائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾ ، يقول الله جل وعلا فى أول سورة غافر: ﴿حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم﴾ فهذا الكتاب صاحبه علم تام محيط بكل شىء، فهو كلام العليم بكل شىء ، العلم بالرحمن ﷻ ، هو الثياب فى جهلانه يتغمغم. لاللـ وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لايعلم سبحان ربى العظيم، هذا تشريع العليم، هذا تشريع الخبير وما عداه تشريع الجاهلين الذين أخبر الله عن شأنهم ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ ، فهذا الأمر الأول الذى الذى صاحب القرآن العظيم.
والأمر الثانى: صاحب القرآن العظيم حكمته التامة، فذلك العلم الكامل التام وضع فى مواضعه، والحكمة هى وضع الأمور فى مواضعها يقول ربنا جل وعلا فى أول سورة هود: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ ، ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ فلا تناقض ولا إضطراب ولاخلل فيها ولا فيما بينها ﴿أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ ، ويقول الله جل وعلا فى أول سورة لقمان: ﴿الم. تلك آيات الكتاب الحكيم. هدى ورحمة للمحسنين﴾ ، ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ، الحكيم: المحكم المتقن فى لفظه وفى معناه وضعوا الأمور فى مواضعها ﴿ومن أحسن من الله قولا لقوم يقنون﴾ ، هو الحكيم لأنه إشتمل على الحكمة، هو الحكيم: لأنه يحكم بين الناس ويبين الأمور على وجه التمام والسداد، ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ .
стр. 2206
والأمر الثالث: الذى صاحب القرآن المجيد: فيه رحمة واسعة للعباد، فهذا تشريع من هو بعباده رؤوف رحيم وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، وهو أرحم بهم من أنفسهم ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ كما قال الله جل وعلا فى سورة الأعراف: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ ، وقال الله جل وعلا فى سورة العنكبوت: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ .
فهذا القرآن من رحمات الله بهذه الأمة بل هو من أعظم رحمة الله جل وعلا فى هذه الأمة إذا أخذت به وإنتفعت به. يقول الله لنبينا ﵊ فى سورة القصص: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين﴾ فقد ذكر أئمتنا عليهم ﵀ فى كتب التوحيد أن نعم الله على كثرتها تنقسم الى قسمين إثنين لا ثالث لهما.
القسم الأول: نعمة خلق وإيجاد ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون، وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ هذه النعمة الأولى، نعمة الخلق والإيجاد.
القسم الثانى: النعمة الثانية: نعمة الهداية والإرشاد، ونعمة الله على عباده بهدايتهم وإرشادهم للتى هى أقوم، أعظم بكثير من نعمته عليهم من خلقهم وإيجادهم، لأن غاية ما يقدر عند عدم النعمة الأولى أن الخلق فى العدم، وإذا كانوا فى العدم فلا حساب لاثواب ولا عقاب، وأما إذا لم تحصل النعمة الثانية فالخلق بعد وجودهم فسيتخبطون ويشقون ويضلون ﴿فمن إتبع هداى فلا يضل ولا يشقى، ومن أرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا وتحشره يوم القيامة أعمى﴾ .
стр. 2207
ولذلك قال الإمام السخاوى عليه ﵀: ومن عظيم منة السلام ولطفه بسائر الأنام أن أرشد الخلق الى الوصول مبينا للحق بالرسول ﵊.
فهذا من أعظم مننه ومن أكمل وأتم إحسانه وفضله ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ . ومن عظيم منة السلام ولطفه بسائر الأنام أن أرشد الخلق الى الوصول ميناً للحق بالرسول ﵊.
الأمر الرابع: الذى صاحب كلام الله جل وعلا، أن هذا القرآن هو كلام الله، وهذا التشريع مستمد من الله أى من خالق هذا الإنسان، ومن خالق الكون بأجمعه وأسره، وفى ذلك فائدتان عظيمتان.
أولاً: إذا كان هذا القرآن هو كلام الله ومستمد ممن خلق الإنسان فهذا العلاج وهذا النور هو الذى يسعد هذا الإنسان ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ .
ثانياً: والأمر الثانى يهون على الإنسان أن يأخذ بتشريع الله جل وعلا، وأن يلتزم بكتاب الله جل وعلا وبهديه ونوره، فهو كلام ربه وسيده فلا غضاضة على الإنسان أن يتملل لمولاه ولخالقه، إنما الغضاضة كل الغضاضة والعيب كل العيب أن تأخذ البشرية بشرع البشر، وإنهم ينفسمون عند ذلك الى قسمين، الى أرباب وإلى عبيد، الى عبيد يعبدون الأرباب من البشر ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ .
стр. 2208
فإذا كان هذا القرآن مستمداً من الله جل وعلا وهو كلامه وهو النافع لهذا المخلوق فالله يعلم ما يصلح هذا المخلوق ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ ، ثم بعد ذلك لا غضاضة ولا حرج إذا أخذ المخلوق بشرع خالقه وبهدى ربه وتذلل لمولاه جل وعلا ففى ذلك عز له وسعادة، إنما المنقصة تكون فى حق البشر عندما يعبد بعضهم بعضا ويأله بعضهم بعضا، ولذلك أول ما نزل على نبينا ﵊ صدر سورة العلق يشير الله جل وعلا الى هذا فى أول آية منها حيث يقول ﴿إقرأ باسم ربك﴾ فأنت ستتذلل وتستعين بالله وتتذلل لله، فلا حرج عليك والله سيعينك ويهديك الى الصراط المستقيم ﴿إقرأ بإسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فيقول ربنا فى سورة فصلت: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ .
وهذا القرآن من ربنا الرحمن ، وأخبرنا الله جل وعلا أنه يستحيل صدور هذا من غير الله جل وعلا فقال فى سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ .
وأخبرنا الله جل وعلا أننا إذا إختلفنا فى شىء فينبغى أن نرد هذا الأمر إليه لنعلم الهدى فيه فقال الله جل وعلا فى سورة الشورى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب. فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ هذه صفات المشرع وهذه صفات الحاكم، وهذه صفات ربنا جل وعلا الذى أنزل هذا القرآن، علم تام، حكمة تامة فى ذلك رحمة للعباد، هذا القرآن مستمد من خالقنا فهو كلامه ، عباد الله: وقد ترتب على هذه الأمور الأربعة أربعة أمور.
стр. 2209
أولها: لما تقدم من الأمور الأربعة كان فى كتاب الله جل وعلا الهدى والنور وإرشاد العباد الى أقوم الأمور، كيف لا وهو منزل من عند العليم بكل شىء، تام الحكمة رحيم بعباده، هو ربهم جل وعلا يعلم ما يصلحهم ففى هذا القرآن الهدى والنور وإرشاد العباد لأقوم الأمور ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ هو لعقولنا كالشمس لأعيننا، وإذا كانت الأعين لا ترى بنور حسى، ولا تهتدى بنور الشمس، فهكذا عقول البشرية لاتهتدى ولا تصل للرشد والصواب إلا بنور العزيز الوهاب، بهذا القرآن العظيم.
وكان هذا القرآن لحياتنا كالماء للسمك فكما أن السمك لا يحيى إلا فى الماء، فهذه البشرية لا تسعد فى هذه الحياة بدون كلام رب الأرض والسماء، يقول الله جل وعلا مخبراً عن هذا فى أول سورة البقرة: ﴿الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ ــ وفيه نور وفيه إضاء، هدى للمتقين، ويقول الله جل وعلا فى سورة النساء: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما﴾ .
стр. 2210
ولا يشكلن عليك أخى المسلم أن الله جل وعلا خصص هداية القرآن بالمؤمنين المتقين، لا يشكلن عليك هذا على الإطلاق فهداية القرآن هداية عامة تامة كاملة جليلة شاملة، لكن لما لم ينتفع بها إلا المؤمنون المهتدون قصرت الهداية عليهم ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ ، وأما هو نور لكل من يريد أن يهتدى ﴿ ... قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ وخصت هدايته هناك بالمتقين لأجل إنتفاعهم وتجسيد هذه الهداية ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لايؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى أوائك ينادون من مكان بعيد، وصدق الله إذ يقول ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً. وأما الذين لايؤمنون بالأخرة أعتدنا لهم عذاباً أليما﴾ إذاً ترتب على الأمور الأربعة المتقدمة أنه حصل فى هذا القرآن الهدى والنور وإرشاد العباد لأقوم الأمور.
الأمر الثانى: الذى ترتب على الأمور الأربعة المتقدمة لهذا القرآن خير، ومن أقبل عليه حصل عزالدنيا وسعادة الأخرة، وحصل حياة هنيئة مطمئنة فى الدنيا، وما لهم فى الأخرة من نعيم أعظم وأعظم.
هذا كتاب فيه خير وبركة يقول الله جل وعلا فى سورة الأنعام: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون. وهذا كتاب أنزلناه مبارك......﴾ .
وهكذا يقول الله جل وعلا فى سورة الأنبياء: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين. الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون. وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون﴾ .