Полный текст (6 674 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
والأمر الثالث: الذى صاحب القرآن المجيد: فيه رحمة واسعة للعباد، فهذا تشريع من هو بعباده رؤوف رحيم وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، وهو أرحم بهم من أنفسهم ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ كما قال الله جل وعلا فى سورة الأعراف: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ ، وقال الله جل وعلا فى سورة العنكبوت: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ .
فهذا القرآن من رحمات الله بهذه الأمة بل هو من أعظم رحمة الله جل وعلا فى هذه الأمة إذا أخذت به وإنتفعت به. يقول الله لنبينا ﵊ فى سورة القصص: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين﴾ فقد ذكر أئمتنا عليهم ﵀ فى كتب التوحيد أن نعم الله على كثرتها تنقسم الى قسمين إثنين لا ثالث لهما.
القسم الأول: نعمة خلق وإيجاد ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون، وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ هذه النعمة الأولى، نعمة الخلق والإيجاد.
القسم الثانى: النعمة الثانية: نعمة الهداية والإرشاد، ونعمة الله على عباده بهدايتهم وإرشادهم للتى هى أقوم، أعظم بكثير من نعمته عليهم من خلقهم وإيجادهم، لأن غاية ما يقدر عند عدم النعمة الأولى أن الخلق فى العدم، وإذا كانوا فى العدم فلا حساب لاثواب ولا عقاب، وأما إذا لم تحصل النعمة الثانية فالخلق بعد وجودهم فسيتخبطون ويشقون ويضلون ﴿فمن إتبع هداى فلا يضل ولا يشقى، ومن أرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا وتحشره يوم القيامة أعمى﴾ .
стр. 2207
ولذلك قال الإمام السخاوى عليه ﵀: ومن عظيم منة السلام ولطفه بسائر الأنام أن أرشد الخلق الى الوصول مبينا للحق بالرسول ﵊.
فهذا من أعظم مننه ومن أكمل وأتم إحسانه وفضله ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ . ومن عظيم منة السلام ولطفه بسائر الأنام أن أرشد الخلق الى الوصول ميناً للحق بالرسول ﵊.
الأمر الرابع: الذى صاحب كلام الله جل وعلا، أن هذا القرآن هو كلام الله، وهذا التشريع مستمد من الله أى من خالق هذا الإنسان، ومن خالق الكون بأجمعه وأسره، وفى ذلك فائدتان عظيمتان.
أولاً: إذا كان هذا القرآن هو كلام الله ومستمد ممن خلق الإنسان فهذا العلاج وهذا النور هو الذى يسعد هذا الإنسان ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ .
ثانياً: والأمر الثانى يهون على الإنسان أن يأخذ بتشريع الله جل وعلا، وأن يلتزم بكتاب الله جل وعلا وبهديه ونوره، فهو كلام ربه وسيده فلا غضاضة على الإنسان أن يتملل لمولاه ولخالقه، إنما الغضاضة كل الغضاضة والعيب كل العيب أن تأخذ البشرية بشرع البشر، وإنهم ينفسمون عند ذلك الى قسمين، الى أرباب وإلى عبيد، الى عبيد يعبدون الأرباب من البشر ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ .
стр. 2208
فإذا كان هذا القرآن مستمداً من الله جل وعلا وهو كلامه وهو النافع لهذا المخلوق فالله يعلم ما يصلح هذا المخلوق ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ ، ثم بعد ذلك لا غضاضة ولا حرج إذا أخذ المخلوق بشرع خالقه وبهدى ربه وتذلل لمولاه جل وعلا ففى ذلك عز له وسعادة، إنما المنقصة تكون فى حق البشر عندما يعبد بعضهم بعضا ويأله بعضهم بعضا، ولذلك أول ما نزل على نبينا ﵊ صدر سورة العلق يشير الله جل وعلا الى هذا فى أول آية منها حيث يقول ﴿إقرأ باسم ربك﴾ فأنت ستتذلل وتستعين بالله وتتذلل لله، فلا حرج عليك والله سيعينك ويهديك الى الصراط المستقيم ﴿إقرأ بإسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فيقول ربنا فى سورة فصلت: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ .
وهذا القرآن من ربنا الرحمن ، وأخبرنا الله جل وعلا أنه يستحيل صدور هذا من غير الله جل وعلا فقال فى سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ .
وأخبرنا الله جل وعلا أننا إذا إختلفنا فى شىء فينبغى أن نرد هذا الأمر إليه لنعلم الهدى فيه فقال الله جل وعلا فى سورة الشورى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب. فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ هذه صفات المشرع وهذه صفات الحاكم، وهذه صفات ربنا جل وعلا الذى أنزل هذا القرآن، علم تام، حكمة تامة فى ذلك رحمة للعباد، هذا القرآن مستمد من خالقنا فهو كلامه ، عباد الله: وقد ترتب على هذه الأمور الأربعة أربعة أمور.
стр. 2209
أولها: لما تقدم من الأمور الأربعة كان فى كتاب الله جل وعلا الهدى والنور وإرشاد العباد الى أقوم الأمور، كيف لا وهو منزل من عند العليم بكل شىء، تام الحكمة رحيم بعباده، هو ربهم جل وعلا يعلم ما يصلحهم ففى هذا القرآن الهدى والنور وإرشاد العباد لأقوم الأمور ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ هو لعقولنا كالشمس لأعيننا، وإذا كانت الأعين لا ترى بنور حسى، ولا تهتدى بنور الشمس، فهكذا عقول البشرية لاتهتدى ولا تصل للرشد والصواب إلا بنور العزيز الوهاب، بهذا القرآن العظيم.
وكان هذا القرآن لحياتنا كالماء للسمك فكما أن السمك لا يحيى إلا فى الماء، فهذه البشرية لا تسعد فى هذه الحياة بدون كلام رب الأرض والسماء، يقول الله جل وعلا مخبراً عن هذا فى أول سورة البقرة: ﴿الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ ــ وفيه نور وفيه إضاء، هدى للمتقين، ويقول الله جل وعلا فى سورة النساء: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما﴾ .
стр. 2210
ولا يشكلن عليك أخى المسلم أن الله جل وعلا خصص هداية القرآن بالمؤمنين المتقين، لا يشكلن عليك هذا على الإطلاق فهداية القرآن هداية عامة تامة كاملة جليلة شاملة، لكن لما لم ينتفع بها إلا المؤمنون المهتدون قصرت الهداية عليهم ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ ، وأما هو نور لكل من يريد أن يهتدى ﴿ ... قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ وخصت هدايته هناك بالمتقين لأجل إنتفاعهم وتجسيد هذه الهداية ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لايؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى أوائك ينادون من مكان بعيد، وصدق الله إذ يقول ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً. وأما الذين لايؤمنون بالأخرة أعتدنا لهم عذاباً أليما﴾ إذاً ترتب على الأمور الأربعة المتقدمة أنه حصل فى هذا القرآن الهدى والنور وإرشاد العباد لأقوم الأمور.
الأمر الثانى: الذى ترتب على الأمور الأربعة المتقدمة لهذا القرآن خير، ومن أقبل عليه حصل عزالدنيا وسعادة الأخرة، وحصل حياة هنيئة مطمئنة فى الدنيا، وما لهم فى الأخرة من نعيم أعظم وأعظم.
هذا كتاب فيه خير وبركة يقول الله جل وعلا فى سورة الأنعام: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون. وهذا كتاب أنزلناه مبارك......﴾ .
وهكذا يقول الله جل وعلا فى سورة الأنبياء: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين. الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون. وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون﴾ .
стр. 2211
ففى المكانين المتقدمين فى سورة الأنعام وفى سورة الأنبياء، قال الله بين الكتابين العظيمين، بين التوراة وبين القرآن، كما يقرن الله كثيراً بين النبيين المباركين الصالحين بين نبيه موسى كليمه ومناجيه وبين نبينا محمد عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه، وذلك لقوة الشبه بين هذين الكتابين وبين هذين النبيين، ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها..﴾ .
وهكذا فى سورة الأنبياء: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين. الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون. وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون﴾ فنبى الله موسى عل نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قال: لأعتى أهل الأرض وأطغاهم وأشدهم بغياً وهو فرعون وصبر وصابر وتحمل وجاهد فى الله حق جهاده، وهكذا نبينا ﵊ حاله مع عتاة قريش كذلك، وهكذا الكتاب الذى نزل على نبى الله موسى على نبيا وعليه صلوات الله وسلامه وهو التوراة فيه تبيان كل شىء ﴿يحكم بالتوراة النبيون الذين أسلموا والذين هادوا والربانيون والأحبار بما إستحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ .، وهكذا القرآن أنزله الله جل وعلا فيه هدى ونور وتبيان لكل شىء، فلقوة الشبه بين هذين النبيين وبين هذين الكتابين يقرن الله بينهما كثيراً ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون﴾ .
стр. 2212
يقول الإمام الرازى عليه ﵀ فى تفسيره عند الآية الأولى المتقدمة فى سورة الأنعام فى الجزء الثالث عشر فى صفحة ٨٠، يقول: جرت سنة الله جل وعلا بين عباده إن من إشتغل بهذا القرآن وخدمه حصل عز الدنيا وسعادة الأخرة ".... ثم يخبرنا هو عن نفسه فيقول: ولقد إشتغلت بكثير من أنواع العلوم العقلية والنقلية، فما حصل لى بسبب شىء من العلوم من السعادات الدنيوية كما حصل لى بسبب خدمتى لهذا القرآن ...
وأنا أقول معلقاً على كلامه: والله إن الرازى غفر الله له ورحمه لو لم يعد الى رشده ولم يرجع الى كتاب ربه لما كان عداده عندنا إلا أنه من الفلاسفة الضآلين، لكنه بعد أن رجع عن ذلك وأقبل على كتاب الله وكلام الله ما حصلت له الشهرة إلا لخدمته القرآن وبتفسيره كلام ذى الجلال والإكرام.
وهو الذى يقول عن نفسه فى آخر كتاب ألفه فى أقسام اللذات: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلاً ولا تروى غليلاً، ولقد رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ فى الإثبات ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ ، وأقرأ فى المثل ﴿ليس كمثله شىء، هل تعلم له سمياً﴾ ..، ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى.
وقال الإمام الألوسى عليه ﵀ فى المثال الأول عند قول الله فى سورة الأنعام ﴿وهذا كتاب أنزلنا مبارك....﴾ من تفسيره فى روح المعانى فى الجزء السابع فى صفحة ٢٢٠ بعد أن نقل كلام الإمام الرازى يقول: وقد شاهدنا ثمرة خدمتنا لكلام ربنا فى هذه الحياة، ونسأل الله ألا يحرمنا سعادة الأخرة،،
والإمام الرازى توفى سنة ٦٠٦ للهجرة والإمام الألوسى توفى سنة ١٢٧٠ للهجرة عليهم جميعاً ﵀.،،
إذاً فى هذا الكتاب خير وبركة ومن أخذ به حصل عز الدنيا وسعادة الآخرة،
стр. 2213
والأمر الثالث: مترتب على الأمور الأربعة المتقدمة: أن هذا الكتاب هو أحسن الحديث وهو أصدق الحديث فهو منزل من العليم الحكيم الرحيم من ربنا ورب العالمين، فكلامه حق وصدق كما قال جل وعلا فى سورة الزمر: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين. الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ .
والأمر الرابع: التى ترتب على الأمور الأربعة المتقدمة: أن هذا القرآن هو حياة الهالم وهو روح الحياة فبدونه لايحيى الناس وبدونه لاتستقر الحياة، كما قال جل وعلا فى آخر سورة الشورى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ ، وقال الله جل وعلا فى سورة الأنعام: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ .
فترتب على الأمور على الأمور الأربعة الأولى أن هذا القرآن منزل من العليم الحكيم الرحيم من ربنا رب العالمين وترتب على هذا أن فيه الهدى والنور فيه الخير والبركة، هو أحسن الحديث هو حياة العالم وروح حياتهم، وهذه الأمور الثمانية أيضاً ترتب عليها أمران إثنان فمجموع الأمور عشرة توجد فى كلام الله جل وعلا لايوجد واحد منها فى كلام غيره.
الأمر الأول: مكن الأمرين الأخرين أن كلام الله جل وعلا لاشك فيه ولا تناقض، ولا تضارب فيه ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين﴾ ، ويقول الله جل وعلا فى سورة النساء: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ .
стр. 2214
الأمر الثانى: وهو عاشر الأمور أن هذا الكتاب هو المهيمن الرقيب المطلع الشاهد على ما عداه، مما تقدمه ومما يأتى بعده فهو الذى يقر ما فى غيره من حق، ويبطل ما فيها من باطل، وهو السند الرسمى وعليه المعتمد وعليه الإعتماد عند المؤمنين فى بيان الحق والباطل وتقييم الأفكار وتقييم الكتب وتقييم ما كان وما يكون، يقول الله جل وعلا مخبرا عن هذا فى سورة المائدة: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه.......﴾ ، ومهيمنا عليه مطلعاً رقيباً شاهداً يقر ما فيها من حق ويبطل ما فيها من باطل ﴿.... ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ ، ويقول الله جل وعلا فى سورة المائدة: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين.يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ .
ويقول الله جل وعلا فى سورة النمل: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين. إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم﴾ ، هذه الأمور العشرة التى صاحبت كلام ربنا جل وعلا وكتاب ربنا جل وعلا الذى سنتدارس تفسيره بحول الله وقوته.
стр. 2215
إخوتى الكرام: هذه المنزلة لكلام الله بأى شىء قابلها سلفنا، وكيف حصل أثرها فى نفوس سلفنا فإنتقلوا من الجاهلية الى الهدى والنور، ينبغى أن نعرف حال سلفنا لنسلك مسلكهم، وكما قلت فى بداية الكلام: نحن فى جاهلية لانقل على الجاهلية التى كان عليها الناس قبل بعثة نبينا ﵊، وإذا كانت تلك الجاهلية زالت بهذا القرآن فهذا القرآن الذى أنزله الله على نبينا ﵊ هو هو لم يتبدل فيه حرف واحد ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ لكن ينبغى أن نعرف موقف سلفنا الكرام الطيبين نحو كلام رب العالمين، لنقف نحو كلام الله كما وقفوا وليحصل فينا الأثر الذى حصل فيهم.
إخوتى الكرم: وقف سلفنا الكرام نحو تشريع الرحمن ونحو القرآن الذى أكرمهم به ذو الجلال والإكرام موقفا.
الموقف الأول: عولوا على كتاب الله جل وعلا واستقوا من ذلك النبع الصافى دون أن ينسخوه أو يحدقوه بشىء، فكانوا إليه يريدون وعنه يسطرون ويهتدون ببيان نبينا الميمون ﵊ ﴿وأنزلنا إليك الذطر لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم ولعلهم يتذكرون﴾ ، فإذاً يريدون الى القرآن ويسطرون عنه ويأخذون الحكم منه، أفكارهم عقائدهم مشاعرهم، تصورهم عن الحياة وعما بعد الحياة نظام حياتهم يدخل ويستمد من كلام خالقهم العليم الحكيم الرحيم الذى هو ربهم ورب كل شىء ، فإذا أخذوا به سيحصل لهم الخير والبركة وعز الدنيا وسعادة الأخرة، فعولوا على هذا القرآن كانوا يتلونه كما سنذكر هذا ونتدارسه إن شاء الله وكانوا يستمعونه وكانوا يتدارسونه ويفهمونه وكانوا يعملون به، تلاء وسماع يحرك لسانه به فيلهج به ولا يفتر، يسمع كلام الله ويعرض عن سماع كلام غيره، يتدارسون فيما بينهم إذا إجتمعوا كلام الله يعملون به بعد ذلك.
стр. 2216
أول هذه الأمور: تلاوة كلام العزيز الغفور هذا مطلوب وأنت إذا أن هذا القرآن كلام الرحمن جل وعلا أنزله بعلمه وفيه حكمته وفيه رحمته وهو من ربك، فما ينبغى أن يفتر لسانك منه ووالله لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا، وهذا أمر ضرورى إخوتى الكرام أن يعيه الناس لاسيما فى هذه الأيام لعل بعض المسلمين الذين يعدون من الأمة الإسلامية وأستغفر الله من قولى لعل أكثر ولعل الكبرة الكافرة من المسلمين فى هذه الأيام شغلهم قراءة الأخبار الكاذبة التى تنشر ها وسائل الكذب والزور وسائل الإعلام وسائل الريب والسفور، والأمة الإسلامية هذا حال أكثرها الجرائد الإذاعات أجهزة بعد ذلك التلفاز أخذت من الناس وقتا كثيرا بل لعل جلّ أوقاتهم سرقت فدى هذا، يقرأ فى اليوم الجريدة والجريدتين، وينظر فى المجلة والمجلتين ولعله يمر عليه عام كامل وما ختم فيه كلام الله جل وعلا، هذا حال الأمة الإسلامية ولم يكن هذا حال السلف، لم يكن هذا خير البرية رسول الله جل وعلا، آمراً المسلمين الذين وحدوا رب العالمين أن يتلوا كتابه وأن يقرأوه وأن يتدارسوه ﴿أتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم مكا تصنعون﴾ ، ويقول الله جل وعلا فى آخر سورة النمل: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين﴾ ، ويقول الله جل وعلا فى سورة فاطر: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور﴾ .
стр. 2217
وهذا القرآن ينبغى أن يتلى وينبغى أن يقرأ، وينبغى أن يتحرك اللسان به لتشتغل جميع الأعضاء به، كلام الله جل وعلا فضله على سائر الكلام كفضل الله على سائر المخلوقات، عكف الناس على غيره فى هذه الأيام كالجاهلية التى كانت ـ، وقد كان نبينا ﷺ يخص الصحابة والمسلمين بعده على تلاوة القرآن وقرأته ومدارسته وسماعه وفهمه والعمل به.
وفى سنن الترمذى بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: سمعت النبى ﷺ يقول: [من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف] سبحان الله..! نقرأ الم نحصل الثلاثين حسنة، وإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، يحصل مائة وتسعين حسنة، طيب لو قرأ المجلة من أولها لأخرها هو بين أمرين: إما أن يحصل لعانات وهذا هو الواقع لما يراه من صور وأمور مكذوبة، إما أن يحصل لعانات بعدد حروفها، وإذا سلم من اللعانات فكلام عارض صفر على الشمال ﴿أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير﴾ .
ترى حال ألأمة الإسلامية فى هذا الوقت أفضل من بنى إسرائيل، إذا كان بنوا إسرائيل عيرهم ربنا الجليل بأنهم طلبوا البصل والثوم بدلاً من المنّ والسلوى، نحن نطلب الجرائد والمجلات بدل كلام رب الأرض والسماوات، هذا أمر شنيع فظيع ...
إخوتى الكرام: هذا الأمر ينبغى أن نعيه، لو كانت الأمة تعظم كلام الله لما وجد من يبيع المجلات والجرائد على قارعات الطريق، لما وجد، لكنهم لما علموا أن الأمة مهمسة، وأن الأمة تائهة ضائعة، وأنها إستبدلت الذى هو أرذل بالذى هو أطيب وجد من يبيع هذه المجلات التى إن سلمت من اللعانات فلا تسلم من الكلام الفجر الذى لا وزن له ولا إعتبار.
стр. 2218
كتب عمر بن الخطاب ﵁ كما فى الإستعاب لإبن عبد البر عليه ﵀، والأثر أورده الحافظ بن عبد البر فى كتاب الإستعاب، وأورده الإمام القرطبى فى تفسيره أنظروه فى كتاب الإستعاب فى الجزء الثالث الصفحة ٣٢٥، وفى كتاب القرطبى فى الجزء الأول صفحة ١٠٣.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ الى أبى موسى الأشعرى عامله على بلاد البصرة، كان أميراً على البصر من قبل عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين، وقال " سل من قبلك من الشعراء هل يقولون الشعر، فجمعهم أبو موسى الأشعرى وفيهم لبيد الذى هو أشعر الشعراء وأعظمهم شكما، فقال: هل تقولون الشعر؟ فسكتوا، فقال: يا لبيد هل تقول الشعر؟ قال: كيف أقول شعراً وقد أكرمنى الله بسورة البقرة، عندنا كلام يحطم ما دونه، عندنا كلام الله له حلاوة وعليه طلاوة وأعلاه مثمر وأسفله مغدق، نقول الشعر الذى أعزبه أكذبه، ما كنت لأقول الشعر بعد أن أكرمنى الله بسورة البقرة، ولبيد عندما ذاق طعم الإسلام وهو أشعر الشعراء وأفحم الشعراء ما قال بعد أن أسلم إلا بيتاً واحداً من الشعر.
الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتى إكتسيت من الإسلام ثوباً
ويروى أنه قال بيتاً أخر:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القليل الصالح
إذاً هذه القضية ينبغى أن نعيها، كلام الله ينبغى أن يتلى بيوتنا ينبغى أن يفشوا فيها هذا الأمر، الرجل إذا صلى الفجر يجلس مع زوجه مع أولاده يقرأون القرآن كا واحد يقرأ ربع أو نصف حزب، على حسب المتيسر بحيث لا يمر الشهر إلا وقد ختم أهل البيت كلام الله ختمة جماعية يتدارسونها بينهم، وهذا على أقل تقدير، وهذا الذى كان حاصلاً فى سلفنا الطيبين، الذين نقلوا أنفسهم من الجاهلية الضآلة الى الهدى الى نور الله الى الإسلام، فلا بد من أن نعى هذا الأمر، وقد كان نبينا ﷺ يوضح لهذه الأمة حال الذين يقرأون كلام الله بأمثلة حسية يدركها كل أحد لنكون على بصيرة من أمرنا.
стр. 2219
ففى الصحيحين وغيرهما من حديث أبى موسى الأشعرى ﵁ قال: سمعت النبى ﷺ يقول: [مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، (هو طيب القلب لكنه إزداد طيباً عندما طيب هذا الفم وهذه الجارحة وجوارحه بتلاوة كلام الله، كمثل الأترجة: فاكهة تشبه التفاح رائحتها تفوح وطعمها حلو) ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن، (لكن أيضاً لا يقرأ الجرائد ولا يستمع الى الإذاعات ولا ينظر الى التلفاز، إنما هو يعمل الصالحات دون قرأة لكلام رب الأرض والسماوات) كمثل التمرة طعمها طيب لكن لا ريحها، (وإذا نظر فى المجلات والجرائد كمثل التمرة إذا صببت عليها خلاً، أو وضعت لها ملحاً فما عادت تؤكل، تحتاج بعد ذلك الى غسل وتطهير) كمثل التمرة لاريح لها وطعمها طيب، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن (منافق لكنه طيب فمه بكلام الله) كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذى لا يقرأ كمثل الحنظل لاريح لها وطعمها مر] فالمؤمن الذى يقرأ القرآن كالأترجة طمعها طيب وريحها طيب ...
أتدرى أخى الكريم: إذا قرأت القرآن من يستع لك؟ يستع ربنا العظيم ، إذا قرأنا القرآن يتمع لنا؟ نعم، والله إن الله يتمع لقارىء القرآن عندما يتلوا كما يستمع العاشق لقينته عندما تغنى، ولكن شتان شتان ما بين السماعين، فألا تحب أن يستمع لك ربنا جل وعلا؟.
стр. 2220
ثبت فى سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن فضالة بن عبيد ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لله أشد أذناً الى قارىء القرآن من صاحب القينة الى قينتها] لله أشد أذناً أى إستماعاً وإصغاءا الى قارىء القرآن من صاحب القينة الى قينتها، هذا عندما يستمع لمغنيته يفرح، وهكذا ربنا جل وعلا يفرح بتلاوتك ويثيبك ويستمع إليك، ألا تحب أن يستمع الله لك، وقد حزرنا نبينا ﷺ من عدم تلاوة القرآن ومن عدم حفظه فى الجنان، وأخبرنا أن الإنسان إذا خلا من ذلك فقلبه خرب يعشعش فيه الشيطان.
ففى سنن الترمذى ومستدرك الحاكم بسند صحيح، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول [إن القلب الذى ليس فيه شىء من القرآن كالبيت الخرب] ، قلب خربان فيعشعش فيه الشيطان بعد ذلك ويزين له كل سوء.
إخوتى الكرام: هذه النفوس جوالة إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش حول ــ، ولا يخلو الإنسان من هذا، والنفس إن لم تشغلها بحق شغلتك بباطل، إن لم تقع فيها كلام الله سيجول الشيطان فيها ويصول، [إن القلب الذى ليس فيه شىء من القرآن كالبيت الخرب] .
وقد كان نبينا ﷺ يحث الصحابة على حفظ القرآن وتلاوة القرآن ويضرب لهم أمثلة حسية لتحقيق ما يريده، ويبين لهم أن حفظ الآيات أعظم وأحسن وأحق من تحصيل عرض الدنيا ومتاعها.
стр. 2221
ففى صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج علينا النبي ﷺ ذات يوم ونحن فى السوق، فقال أيكم يحب أن يغدوا كل يوم الى بطحان أو الى العقيق (والحديث كما قلت إخوتى الكرام فى صحيح مسلم) وهما واديان (بطحان والعقيق من أودية المدينة المنورة) أيكم يحب أن يغدوا وأن يذهب فى الصباح كل يوم الى بطحان أوالى العقيق فيأتى بناقتين كوماوين (أى سنامهما مشرق ومرتفع وهذا من علامات الجودة فى الإبل ومما يرغب فيه الناس، بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم، قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله ﵊ (يذهب فى الصباح الى أحد هذين الواديين فيأتى بناقتين كوماوين دون أن يعصى الله وأن يرتكب إثما، كلنا يحب ذلك) ، قال: والذى نفس محمد بيده ﵊ لأ يغدوا أحدكم الى المسجد فيتعلم آياتين خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الأبل (ومائة خير من مائة وهكذا) ، هذا كلام الله جل وعلا ينبغى أن نتلوه وأن نقرأه وأن نطيب فمنا به، وقد حثنا رسول ﷺ على مدارسة هذا القرآن مع بعصنا وعلى تدارسه وعلى تلاوته بحيث يقرأ الواحد وينصت الأخرون ويتدارسون، وأخبرنا أن المسلمين إذا فعلوا ذلك حصلوا أجراً عظيماً.
стр. 2222
ففى صحيح مسلم وغيره من حديث ابى هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله، والله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً الى الجنة، وما إجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة (أى الطمأنينة راحة القلب، وليس المراد منها الملائكة لأن الملائكة سيأتى ذكرها فى نهاية الحديث وتنزلها عليه، نزلت السكينة ﴿هوالذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين﴾ قلوبهم تطمئن، صدورهم ترتاح نفوسهم تتنور عقولهم تزكو) إلانزلت عليه السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فى من عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به أسفه] .
ولذلك كان الصحابة إذا إجتمعوا لاـ ـ يجعجع ـ ولكن هذا ينظرون إليه وهم صمود ﴿ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون﴾ ، إنما كانوا إذا إجتمعوا يقول بعضهم لبعض ذكرنا ربنا، فيقرأوا القرآن كانوا إذا إجتمعوا يقول عمر بن الخطاب ﵁ لأبى موسى الأشعرى، وأحياناً لأبى بن كعب ذكرنا ربنا فيقرأ القرآن وهم يصغون ويستمعون لأنهم يحصلون هذا الأجر العظيم تنزل عليهم السكينة تغشاهم الرحمة تحفهم الملائكة، يذكرهم الله فيمن عنده.
إخوتى الكرام: وقد كان نبينا ﷺ وهوقدوتنا وإسوتنا وإمامنا يفعل هذا ويحثنا على فعله، فكان يطلب من الأمة أن تقرأ عليه القرآن ليستمع، لنطلب أيضاً نحن قرأة القرآن ونستمع لنحصل الأجر.
стр. 2223
ثبت فى الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال لى النبى ﷺ إقرأ على القرآن، قلت: أأقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إنى أحب أن أسمعه من غيرى، يقول: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت الى قول الله ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ فقال: حسبك، يقول: فالتفت إليه فإذا عيناه تزرفان، ﵊ وإذا قام الإنسان بهذا فلكلام الله، وشغل وقته به فهذا حقيقة ينبغى أن يغبط وينبغى أن يتمنى المسلمون حالة كحالته.
ثبت فى الصحيحين وغيرهما من حديث ابى هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا حسد إلا فى إثنتين، رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه فى حقه آناء الليل وأطراف النهار] .
وفى بعض روايات الحديث [ورجل أتاه الله الحكمة، أى القرآن، فهو حكمة ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ، فأتاه الله القرآن يقوم فيه آناء الليل وأطراف النهار، هذا نتمنى أن يحصل لنا كما له وينبغى أن ننافسه فى ذلك [لا حسد إلا فى إثنتين] لما يحصل هذا من الأجر العظيم.
وفى الجملة إخوتى الكرام: إن قارىء القرآن ومتعلم القرآن هو أفضل بنى الإنسان عند ربنا الرحمن كما شهد بذلك نبينا ﵊.،
ففى صحيح البخارى عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [خيركم من تعلم القرآن وعلمه] ، والحديث رواه بن ماجة فى باب: إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه.، فخير هذه الأمة وأفضلها هذه الأمة من عكف على كتاب الله جل وعلا، فتلاه ودرسه، وتعلمه وعلمه.
стр. 2224
كان أبو عبد الرحمن السلمى الذى تلقى القرآن عن عمر وعثمان وعن على وابن مسعود ﵃ أجمعين، وهو من أئمة التابعين الكبار ولد فى حياة النبى ﵊ ــ، يقول أبو عبد الرحمن: هذا الذى أجلسنى هذا المجلس أربعين سنة، أى أنه يقرىء الناس القرآن ويعلمهم كلام ذى الجلال والإكرام [خيركم من تعلم القرآن وعلمه] ، وقرأ على ابى عبد الرحمن السلمى الذى توفى سنة ٧٤ الحسن والحسين ﵄.
هذا الذى أجلسنى هذا المجلس أربعين سنة [خيركم من تعلم القرآن وعلمه] ، ولذلك أمير الجيش ينبغى أن يكون أقرأ أفراد الجيش للقرآن، هذا فى دولة الإسلام، وأما أمير الجيش لا يتقن قرأة الفاتحة فتباً وشقاء وهلاكاً لذلك الجيش الذى يقوده هذا الضآل، أمير لا يتقن قرأة الفاتحة، أمير الجيش هو أقرأ أفراد الجيش للقرآن وأعمهم بكلام الرحمن.
ثبت فى سنن الترمذى وابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابى هريرة ﵁، أن النبي ﷺ أراد أن يرسل بعثاً فى سرية ليقتلوا فى سبيل الله، فا ستقرأ أفراد البعث ماذا يحفظون من القرآن، حتى أتى على أحثهم سناً، فقال: ماذا تحفظ، قال: أحفظ سورة البقرة وكذا وكذا، قال: أنت تحفظ سورة البقرة، قال: نعم، قال: اذهب فأنت أميرهم، أمير أقرأ أفراد الجيش للقرآن،، إمام الصلاة اقرأ المصلين للقرآن.
كما ثبت فى صحيح مسلم عن ابى مسعود الأنصارى ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول [يأم القوم أقرأهم لكتاب الله] .
مجلس الشورى ينبغى أن يكون أكثره من القراء من حفظة كلام الله، وممن يتلون كتاب الله.
стр. 2225
كما ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عباس ﵄، قال: كان أصحاب مجلس الشورى عند عمر، أصحاب مجلس الشورى القرآء سواء كانوا شيوخاً أو شبانا، كل قارىء حفظ القرآن تلاه ودرسه وفهمه وعلمه كان عضواً فى مجلس الشورى عند الخليفة وعند أمير المؤمنين، أصحاب مجلس الشورى قرآء القرآن، إذا كثر الموتى والقتلى وأردنا أن ندفن ـ واحد للقبر، نقدم فى الدفن من يحفظ القرآن أكثر.، كما ثبت هذا فى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله ﵄، عندما قتل فى موقعة أحد سبعون من الصحابة دفن النبى ﵊ فى كل قبر اثنين و، ـ الصحابة، فكان إذا أراد أن يقدم واحد منهما فى اللحد وفى القبر يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن، فإذا أشير فى ذلك الى أحدهما قدمه من باب الإكرام لا أكثر.
كان سلفنا يجعل القرآن مهراً للزواج، كما ثبت فى صحيح البخارى وغيره أنكحتكها بما معك من القرآن.....
هذا كلام الله جل وعلا كان له هذه المنزلة عند السلف الصالح، والسبب فى هذا، وفى كون قارىء القرآن له هذه المنزلة، أن قارىء القرآن عندما يتلوا كلام الله ويفهم كلام الله، ويعلم كلام الله ينكسر الى الله ويصبح من أهله.
كما ثبت فى سنن ابن ماجة ومسند الإمام أحمد وسنن الدارمى بسند حسن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول [إن لله أهلين منّا إن لله أهلين من الناس، لله أهل فينا، ولله أهل منا، قالوا: من أهل الله فينا يا رسول الله ﷺ ، قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته.
وقد ضمن ربنا جل وعلا أن من صرف وقته فى قرأة القرآن وفى حفظه ومدارسته وفهمه، أن يعطيه أفضل ما يعطى السائل، وان يتولى أموره من حيث لا يحتسب.
стр. 2226
كما ثبت فى سنن الترمذى والدارمى بسند حسن بشواهده، والحديث قد حسنه الإمام الترمذى عن ابى سعيد الخدرى ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: قال الله تعالى [من شغله القرآن وذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين] ..، فإذا كان ذاك يقول: يارب أرزقنى، ويرزقه الله، وأنت ما سألت الرزق والعافية وتيسير الأمور والنجاح، إنشغلت بكلام الله، فالله سيعطيك أفضل ما يعطى السائل [من شغله القرآن وذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين] ، هذا هو الخير الذى يحصله تالى القرآن وقارىء القرآن فى هذه الحياة، وأما الإماتة فحدث ولاحرج، لأنه سيأتى الى ربه وهو من أهله فسيكرمه إكرام لا يخطر ببال.
وثبت فى صحيح مسلم عن ابى أمامة الدارمى ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [اقرأوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه] .
وثبت فى مسند الإمام أحمد وسنن ابى داود والترمذى بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [يقال لقارىء القرآن يوم القيامة اقرأ وارقى ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها] .
أثر عن سيدتنا عائشة ﵂، أنها قالت: عدد درج الجنة كعدد آي القرآن، فكلما حفظ الإنسان آية رقى درجة تلاها حفظها فهمها، قام بحدودها يرقى درجة عند الله جل وعلا [يقال لقارىء القرآن يوم القيامة اقرأ وارقى ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها] .
стр. 2227
إخوتى الكرام: الحديث ما زال له بقيه فى هذه المقدمة، وما أريد أن يطول المجلس عن الساعة والنصف ــ سأكمل هذه المقدمة، الأمر ألأول فيها منزلة كلم اله وأثره فى عباد الله، وأتعرض إذا ـ إن شاء الله ـ الطريقة القويمة لتفسير القرآن الكريم فى الدرس القادم إن أحيانا الله، ونسأله إن توفانا أن يتوفانا على الإيمان، وإن أمد فى حياتنا أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يكون راضيا عنا إنه أرحم الراحمين سيأتى التفصيل على هذا النمط ـ إن شاء الله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2228
مقدمة التفسير (٢)
(دروس تفسير)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التفسير ٢
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ولى الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ [الأنعام/١٠٢] .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته رضى الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء/١] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
[آل عمران/١٠٢] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﷺ * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب/٧٠-٧١] .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
لازلنا نتدارس المقدمة لدروسنا فى تفسير كلام ربنا جل وعلا وقلت إن المقدمة تقوم على أمرين.
الأمر الأول: فى منزلة كلام الرحمن وأثره فى عباد الله جل وقد انتهيت من هذا الأمر.
والأمر الثانى: فى الطريقة المثلى القويمة فى تفسير الآيات القيمة الحكيمة وهو ما سنتدارسه فى هذا الدرس بعون الله جل وع ﷺ .
стр. 2229
إخوتى الكرام: الطريقة القويمة فى تفسيرالآيات المحكمة القيمة العظيمة هذا الطريقة تقوم على أمرين اثنين.
الأمر الأول: على التفسير بالمأثور على التفسير بالمنقول والثانى على التفسير بالرأى المقبول المبرور فالطريقة المحكمة لتفسير آيات القرآن إما أن يكون عن طريق النقل وإما أن يكون عن طريق الرأى الحسن.
أما الطريقة الأولى: وهى التفسير بالمأثور فيعنى بها ويراد بها أن ينقل المفسر تفسير الآيات المحكمة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ومن أقوال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومن أقوال التابعين الطيبين عليهم رحمة الله جل وعلا فإذا نقل المفسر تفسير آيات القرآن من كتاب الله فسر كلام الله بكلام الله أوفسر كلام الله بكلام رسول الله ﵊ أو فسر كلام الله جل وعلا بكلام الصحابة رضوان الله عليهم أو فسر كلام الله جل وعلا بكلام التابعين الطيبين عليهم رحمة الله، هذه الطريقة بأقسامها الأربعة يقال لها تفسير بالمأثور وإنما جعلت الطريقين الآخرين من التفسير بالمأثور وهما ما نقل عن الصحابة وما نقل عن التابعين لثلاثة أمور معتبرة.
أولها: بعض ما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم جميعا له حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ كما سيأتينا.
стр. 2230
الأمر الثانى: مانقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم جميعا مما ليس له حكم المرفوع إلى نبينا ﷺ فالنفس تطمئن إليه والقلب يسكن لقبوله ويميل إلى ذلك ويقدمه عل ما سواه والأمر الثالث عمل المفسرين وأئمة الإسلام حيث جعلوا ما نقل عن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم جميعا من قبيل التفسير بالمأثور فالأمام السيوطى عليه رحمة الله عندما ألف كتابه العظيم النافع فى التفسير بالمأثور وهو المسمى بالدر المنثور فى التفسير بالمأثور ولم يرد به تفسيرا بالرأى على الإطلاق قصر هذا الكتاب على تفسير كلام الله جل وعلا بما نقل عن النبى ﵊ وبما نقل عن الصحابة الطيبين وبما نقل عن التابعين الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين، هذا عمله فى تفسيره الدر المنثور فى التفسير بالمأثور والكتاب عظيم ونافع جدا وهو فى ست مجلدات كبيرة ولو حقق لربما لوصل الكتاب إلى عشرين مجلدا فى التفسير بالمأثور المنقول فقط على أقل تقدير (الدر المنثور فى التفسير بالمأثور) .
وعلى هذا سار بعد ذلك من كتب فى التفسير من أئمة المسلمين فالشيخ الذهبى فى كتابه التفسير والمفسرون فى الجزء الأول فى صفحة اثنتين وخمسين ومائة اعتبر ما نقل عن الصحابة الطيبين وما نقل التابعين الطاهرين من طرق التفسير بالمأثور وهكذا أحمد أمين فى كتابه ظهر الإسلام فى الجزء الثانى فى صفحة سبعين وثلاثين وعليه فالتفسير بالمأثور هو: أن ينقل المفسر تفسير كلام الله جل وعلا من كلام الله ومن سنة رسول الله ﵊ ومن أقوال الصحابة الكرام رضى الله عنهم ومن أقوال التابعين عليهم رحمة الله جل وعلا فليس للمفسر فى هذه الطريقة إلا النقل من هذه المصادر الأربع.
стр. 2231
ولذلك قيل له تفسير بالمأثور من قولك أثرت الحديث آثره إذا ذكرته ورويته عن غيرى ومنه قول أبى سفيان والحديث فى صحيح البخارى عندما أرسل النبى ﷺ كتابه إلى هرقل عظيم الروم يدعوه إلى الإسلام فجمع هرقل من هم من مكة فى بلاد الشام جاؤا تجارا إلى بلاد الشام ليسألهم عن النبى ﵊ فلما اجتمعوا قال لهم أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى فقلت أبو سفيان أنا فقال قدموه وجعلوا أصحابه وراء ظهره ثم قال هرقل لقوم إبى سفيان إنى سائل هذا أى أبا سفيان عن هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى ﵊ فإن كذبنى فكذبوه فقال أبو سفيان والله لولا أن يأثروا عنى كذبا لكذبت عليه أى لافتريت وقلت فيه ما ليس فيه، يأثروا أى ينقلوا عنى كذبا وتتناقله الأجيال بأن أبا سفيان كذاب فالكذب منقصة فى بنى الإنسان فلذلك لن يتكلم إلا بحقيقة الأمر لولا أن يأثروا عنى كذبا لكذبت عنه فإذن تفسير المأثور أى منقول من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم ومن أقوال التابعين عليه رحمة الله هذه الطرق الأربعة للتفسير بالمأثور ينبغى أن نقف عندها وقفة يسيرة نوضح فيها هذه الطرق.
أولا تفسير القرآن بالقرآن: هذا أحسن طرق التفسير لأن هذا جار على البدهية المقررة بأن صاحب الكلام أدرى بمراد كلامه وصاحب البيت أدرى بما فى بيته وأهل مكة أدرى بشعابها وكلام الله جل وعلا أول من يعلم ماذا يراد به المتكلم وهو الله جل وعلا ولذا إذا وجدنا تفسيرا للقرآن بالقرآن فنعض على ذلك بالنواجذ فهذا تفسير لكلام الله بكلام الله ولهذا أمثلة كثيرة من ذلك قول الله جل وعلا فى سورة الفرقان ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ .
هذه الليلة التى هى كثيرة الخيرات عظيمة البركات نزلت فيها هذه الآيات المحكمات نزل فيها القران العظيم ما هى؟ وفى أى شهر من أشهر السنة هى؟
стр. 2232
نقل فى ذلك قولان: قول مهجور مردود وهو أنها ليلة النصف من شعبان ولم ينقل هذا إلا عن عكرمة من التابعين وهذا ثابت عنه بإسناد صحيح عليه رحمة الله لكن القول مردود ولم يرد فى ليلة النصف من شعبان حديث يسوى سماعه كما قال أئمتنا الكرام.
إذن نحن إذا أردنا أن نبين هذه الليلة نأتى لكلام الله هل وضح الله هذه الليلة فلنستعرض آيات القرآن الكريم فى بيان هذه الليلة ومتى هي يقول الله فى سورة القدر: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر *وماأدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ هذه هى البركة التى نزل فيها القرآن أن هذه الليلة مباركة فهى أفضل من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهى أفضل من ألف شهر من بضع وثمانين سنة يتعبد فيها الرجل من الأمم السابقة لقصر أعمار هذه الأمة.
كما ثبت هذا عن مجاهد رضى الله عنه فى موطأ مالك وغيره فإذن ليلة القدر عظيمة البركةومن بركتها أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهى خير من ألف شهر يتعبد فيها المكلف من الأمم السابقة فهذه الأمة أعمارها قصيرة فأعطاهم الله ليلة هى خير من ألف شهر إذا أحيوها كتب لهم ما يزيد على عبادة بضع وثمانين سنة والأجر لنا خير من تلك السنوات الكثيرة التى يقومها فرد من الأمم السابقة فى عبادة ربه جل وعلا.
إذن هذه الليلة المباركة هى ليلة القدر ليلة القدر التى لها هذا الشأن فى أى شهر شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هذا تفسيرللقرآن بالقرآن فالليلة المباركة التى لم تحدد فى أى شهر هى ولم تبين متى تكون فى سورة الدخان: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة مباركة﴾ بين الله فى سورة القدر أن هذه الليلة المباركة هى ليلة القدر وليلة القدر التى نزل فيها القرآن هى فى شهر رمضان كما قال ربنا الرحمن: ﴿شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن﴾ .
стр. 2233
هذا تفسير للقرآن بالقرآن ومن ذلك قول الله جل وعلا فى سورة الإسراء: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ لطلب تلك الآلهة طريقا الى الله هذا الطريق الذى يطلبه تلك الآلهة إلى الله ما هو؟
آيات القرآن دلت على أن ذلك الطريق محصور فى أمرين اثنين كل منهما حق, الأمر الأول لطلبو طريقا لمنازعة الله ولمخاصمته ولقتاله كما قال جل وعلا: ﴿قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ، ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ لحصل النزاع بين تلك الآلهه التى تزعمونها مع الله ومع الله كما قال جل وعلا: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ فلنازعت تلك الآلهه هذا الإله وبالتالى يختل نظام هذا الكون والإحكام الذى فيه دل على إنه إله واحد يسيره ويتصرف فيه ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ سبيلا الى منازعته ومخاصمته ومغالبته ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ .
والثانى: لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا، طريقا للتقرب إليه والسعى فى خدمته وعبادته لينالوا المنزلة عنده ولو كان هناك آلهة كما تزعمون لعبدت تلك الآلهة هذا الإله الحق الذى هو الإله العظيم وهذا أشار ربنا جل وعلا إليه فى سورة الإسراء فقال: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ .
هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله وتزعمونهم أنهم آلهة مع الله من الملائكة والمسيح ابن مريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه هم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ .
стр. 2234
والآية كما ثبت فى صحيح البخارى عن عبد الله ابن مسعود ﵁ نزلت فى أناس من العرب من الإنس كانوا يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وعبدوا الله وبقى المشركون من العرب على عبادتهم فأنزل الله هذه الآية يعيرهم بها فقال أولئك الذين يدعون ويدعونهم من دون الله ويعبدونهم ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ ، إذن قول الله جل وعلا: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ .
هذا السبيل مفسر فى آيات القرآن الكريم بأمرين لابتغوا سبيلا لمنازعته وبالتالى يفسد هذا الكون لابتغوا سبيلا إلى عبادته والتقرب إليه فكيف تعبدونهم من دون الإله الحق فاعبدوا من يعبده من تعبدونهم فمن تعبدونه يعبد الله فاعبدوا الله جل وعلا ولا تشركوا به أحدا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ .
ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ من سورة النحل إذا أردت المراد من هذه الآية إذا أردت أن تقرأ وإذا أردت الشروع فى القراءة فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولا يقال إن الفعل هنا فعل ماض ورتب الله جل وعلا الجزاء على الشرط فإذا قرأت القرآن وانتهيت استعذ بالله من الشيطان الرجيم كما وهم فى ذلك بعض المفسرين ويأتينا هذا إن شاء الله عند تفسير آيات الإستعاذة ونسبوا هذا القول إلى بعض الصحابة كإبى هريرة وغيره ﵃ بأن الاستعاذة تكون فى آخر القراءة لأن الله يقول: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ إذا انتهيت فاستعذ وهذا الكلام كما قال الإمام أبو بكر ابن العربى فى أحكام القرآن قال فى حق هذا الكلام انتهى العى بقوم إلى أن قالوا إن الإستعاذة بعد القراءة ونسب بعضهم ذلك إلى الإمام مالك.
стр. 2235
والله أعلم بسر هذه الرواية وفقه الإمام مالك وذكائه أعلى من أن ينسب إليه ذلك إذن: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ كيف تقولون إذا أردت أن تقرأ ونقول لهذا نظائر فى كلام الله وهذا بينته آيات القرآن يقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ الآية إذا قمتم إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فتطهروا وليس وهو يصلى يتوضأ هذا بينته آيات القرآن ووضحته.
ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ أى إذا أردتم مناجاة الرسول ﵊.
ومن ذلك قول الله ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ أى إذا أردتم سؤالهن لمتاع من أمتعة الدنيا ومتاع البيوت فاسألوهن من وراء حجاب إذا أردتم.
وهنا فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولهذا أمثلة كثيرة إن شاء الله عندما نتدارس تفسير كلام الله جل وعلا نطبق هذا فنبدأ بتفسيركلام الله بكلام الله فإن وجدنا هذا عضضنا عليه بالنواجذ وإلا انتقلنا إلى الطريقة التى بعدها.
إخوتى الكرام: أبرز من عنى بهذا النوع من التفسير وهو إيضاح القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالقرآن شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين الشنقيطى عليه رحمة الله ونور الله قبره وجعل قبره روضة من رياض الجنة وغفر له ولجميع المسلمين والمسلمات فى كتابه العظيم فى التفسير المسمى بأضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن، فذكر فى مقدمة كتابه وتفسيره فى الجزء الأول فى صفحة ثلاثة أن أهم المقصود بتفسيره أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن أمران:
стр. 2236
الأمر الأول: إيضاح القرآن بالقرآن وسلك حقيقة مسلكا لم يسلكه من قبله من المفسرين بالنسبة التى سلكها كانوا يفسرون كلام الله بكلام الله لكن أحيانا يقتصرون فى الإيضاح أما هو لايوجد آية بينت فى آية أخرى إلا واستعرض هذا وذكر النظائر التى توضح كلام الله جل وعلا بكلام الله جل وعلا.
والأمر الثانى: والغرض الثانى من تفسيره أنه يبين الأحكام الفقهية فى تفسير الآيات القرآنية ,فأهم المقصود بتفسيره أمران إيضاح القرآن بالقرآن وبيان الأحكام الفقهية عند الآيات المفسرة التى يوضحها عليه رحمة الله.
هذا النوع الأول من أنواع التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن والنوع الثانى تفسير القرآن بالسنة.
إخوتى الكرام: قبل النوع الثانى أحب أن أبين إلى أنه يدخل فى هذا النوع من البيان إيضاح القراءات ببعضها فالقراءة مع القراءة كالآية مع الآية كما قال أئمتنا فقد يكون المعنى فى قراءة من القراءات يحتمل لمعنيين ما المراد منهما تأتى قراءة ثانية توضح أن المراد من هذه القراءة من هذه الآية هو المعنى الأول أو الثانى كقول الله جل وعلا فى سورة النور: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ [النور/٢٢] .
стр. 2237
قرأ القراء التسعة العشرة باسثناء إبى جعفر يزيد ابن القعقاع قارىء المدينة المنورة وشيخ نافع عليهم جميعا رحمة الله قرأ التسعة ولا يأتل وقرا أبو جعفر ولا يتأل أولوا الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولوا القربى لايأتل ولا يتأل والقراءتان متواترتان ثابتتان عن نبينا ﵊ وقول الحافظ فى الفتح فى الجزء الثامن صفحة تسع وثمانين وأربعمائة لاتعرف هذه القراءة عن أهل المدينة وإنما قرأ بها الحسن البصرى فقط وهى من الشواذ هذا وهم منه غفر الله له ورحمه فالآية ثابتة عن إبى جعفر يزيد ابن القعقاع ولا يتأل أولوا الفضل قراءة ولا يأتل التى هى قراءة الجمهور والجم الغفير والقراءة الأكثر تحتمل معنيين تحتمل ولا يأتل من الألية بوزن عطية بمعنى اليمين والحلف والقسم, قليل الألايا حافظ ليمينه إذا صدرت منه الألية برة وعليه.
ولا يأتل أى لا يحلف أولوا الفضل منكم والسعة على ألا يأتوا إحسانهم وصدقاتهم ومعروفهم لأولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله والآية نزلت فى عتاب أبى بكر ﵁ عندما حلف ألاينفق على مسطح ابن أثافة ﵃ أجمعين وهو ابن الكبر خالته وقد خاض فى الإفك ﵁ وغفر له وهو من أهل بدر الكرام ﵃ أجمعين ,ولا يأتل ولا يحلف من الألية بوزن عطية بمعنى القسم واليمين.
стр. 2238
وتحتمل من الألو بمعنى التقصير ولا يأتل ولا يقصر فى النفقة ,فاحتملت قراءة الجمهور معنيين لا يأتل لايحلف ,لايأتل لايقصر فأى المعنيين هو المراد قراءة أبى جعفر توضح وترجح معنى من هذا المعنيين لاتحتمل قراءة إبى جعفر غيره ولا يتأل والتال هو الحلف وهذا الذى صدر من أبى بكر ﵁ عندما حلف ألا ينفق على مسطح ابن أثافة فنزلت الآية تعاتبه فقال بلى نحب أن يغفر الله لنا وأعاد نفقته على مسطح ضعف ما كان ينفق عليه ﵁ وأرضاه وهذه كما ثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله ابن المبارك هى أرجى آية فى القرآن العظيم فالذى جرى من مسطح ابن أثافة ذنب عظيم عظيم كبير كبير يتكلم على أمه عائشة أمنا أم المؤمنين ﵂ هى زوج النبى ﵊ هى بنت صديق هذه الأمة هى الصديقة الحصان الرزان حبيبة حبيب الله عليه صلوات الله وسلامه ﵂ هى قريبته فمسطح عندما تكلم بالإفك ارتكب جنايات عظيمة وأبو بكر ﵁ ما قابله بشىء إلا أنه قال كنت أحسن إليه سأقطع إحسانى عنه ولو قطع الإحسان دون جناية من مسطح لما كان عليه لوم إن شاء أن يحسن فله أجر وإن شاء ألا يحسن ضاع منه ذلك الأجر لكن الله ما رضى هذا من أبى بكر ﵁ فقال: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ فالجزاء جزاء من جنس العمل فإذا غفرت يغفر لك وإذا سامحت يسامحك الله فقال أبو بكر بلى وأعاد بالنفقة ضعف ما كان ينفق عليه.
стр. 2239
وفى صحيح مسلم عن عبد الله ابن المبارك يقول هذه أحب آية إلى فى القرآن لأن الله عندما عاتب عبدا من عباده عندما قطع إحسانه فالمؤمن أيضا يقول لربه يارب أحسنت إلى فى هذه الحياة فكيف تقطع إحسانك عنى بعد الممات أنا أحوج إلى الإحسان بعد موتى من إحسانك إلى فى حياتى فالشروع ملزم فى مذهب النعمان فكيف بكرم الرحمن إذا شرعت فى نافلة يجب عليك أن تتمها عند إبى حنيفة وإذا شرعت فى إحسان يجب عليك أن تتمه، فالله جل وعلا أولى بإتمام المعروف والكرم ولذلك قال أئمتنا فإن قدر الذنب من مسطح يحط قدر النجم من أفقه وقد جرى منه الذى قد جرى وعوتب الصديق فى حقه ﵁ وأرضاه إذن ولا يأتل ولا يتأل والقراءة مع القراءة كالآية مع الآية هذا النوع الأول من أنواع تفسير القرآن بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن.
والنوع الثانى: من أنواع تفسير القرآن بالمأثور تفسير القرآن بالسنة إذا لم تجد إيضاح كلام الله جل وعلا فى كلام الله فارجع إلى سنة رسول الله ﵊ فالله بعث نبيه ليبين للناس ما نزل إليهم من ربهم وكان يتلوا عليهم هذا القرآن ويوضح لهم معانيه عليه صلوات الله وسلامه ولذلك قال الإمام الشافعى كل ما حكم به رسول الله ﵊ فهو مما فهمه من القرآن ولذلك إذا أعياك طلب التفسير من القرآن فاطلبه من سنة النبى ﵊ قال الإمام ابن كثير والغرض أنك تطلب تفسير القرآن من القرآن فإن لم تجده ترجع إلى سنة النبى ﵊.
كما ثبت فى المسند والسنن بإسناد جيد فى حديث معاذ عندما أرسله النبى ﷺ إلى اليمن وقال له بما تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله ﵊ قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيى ولا آلوا قال الإمام ابن كثير والحديث فى المسند والسنن بإسناد جيد.
стр. 2240
وهذا فى مقدمة تفسير الإمام ابن كثير فى الجزء الأول فى صفحة ثلاثة وهذا الكلام الذى قاله الإمام ابن كثير مأخوذ من كلام شيخه شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية وهو موجود فى مجموع الفتاوى فى الجزء الثالث عشر فى صفحة ثلاث وستين وثلاثمائة يقول هذا الحديث فى المسند والسنن بإسناد جيد والحديث رواه الإمام أحمد فى مسنده والترمذى فى سننه وأبو داود فى سننه ورواه الإمام ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله ورواه الخطيب البغدادى فى كتابه الفقيه والمتفقه وقد كتب الإمام ابن القيم عليه ما يزيد على صفحة فى تفسير هذا الحديث وقبوله واعتماد أئمة الإسلام فى كتابه العظيم إعلام الموقعين ويقال بالهمزة من فوق أعلام الموقعين إعلام الموقعين الذين يوقعون عن رب العالمين يعلمهم وينبههم بالاحتياط وما ينبغى عليهم فى فتاويهم أعلام الموقعين المعالم البارزة التى يهتدى بها المفتون فى أمور الدين إعلام الموقعين أعلام الموقعين يقول فى الجزء الأول فى صفحة مائتين واثنتين هذا الحديث تلقاه الكافة عن الكافة وهو حديث عملت به الأمة وأخذت به.
والإمام ابن العربى عليه رحمة الله فى عارضة الأحوزى فى الجزء السادس صفحة اثنتين وسبعين بعد أن حكى اختلاف العلماء فى تصحيح هذا الحديث قال والدين القول بصحتة فإنه حديث مشهور، نعم فى الحديث شىء من الكلام على بعض الرواة فى الإسناد فى جهالة الحارث بن عمر وجهالة أصحاب معاذ وهل يسلم جهالة أصحاب معاذ أم هم من الشهرة بمكان وهذا أعلى مما لو ذكروا.
كما يقول الإمام بن القيم هذا مجال بحث، لكننى أقول الحديث إذا تلقته الأمة بالقبول لا يبحث عن إسناده.
стр. 2241
وقد ذكر هذا إمام المحدثين فى زمنه الإمام السخاوى فى الجزء الأول فى صفحة ثمان وستين ومائتين فقال إذا تلقت الأمة الحديث الضعيف بالقبول ينزل منزلة المتواتر لأن إجماع الأمة معصوم من الخطأ ثم نقل عن الشافعى عليه رحمة الله حديث لا وصية لوارث حديث ضعيف وتلقته الأمة بالقبول ونسخت به مدلول قول الله جل وعلا: ﴿كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ .
فحديث لا وصية لوارث إن الله قد أعطى لكل ذى حق حقه فلا وصية لوارث حديث ضعيف تلقته الأمة بالقبول وعملت به ونسخت الوصية للوالدين والأقربين فكل من يرث لا وصية له ولا تصح الوصية له مع أنه ضعيف وهو حديث معاذ على التسليم بوجود ضعف فى إسناده فالأمة تلقته بالقبول وإذا تلقت الأمة حديثا بالقبول ينزل منزلة المتواتر ولذلك قال شيخنا عليه رحمة الله فى مذكرته فى أصول الفقه فى صفحة ثلاث وثلاثين هذا حديث مشهور ومثله لا يحتاج للبحث عن إسناده وإن كان فيه ضعف أى تكلم فى إسناده وفيه ضعف هذا مثله لا يحتاج للبحث عن إسناده حديث مشهور وتلقته الأمة بالقبول إذن نطلب تفسير كلام الله جل وعلا من كلام الله فإذا لم نجده نرجع إلى سنة النبى ﷺ لنطلب تفسير القرآن من السنة.
стр. 2242
وما ثبت فى حديث معاذ ثبت مدلوله من كلام ابن مسعود وعمر ابن الخطاب رضى الله عنهم فى سنن النسائى والبيهقى ومن كلام أبى بكر فى سنن البيهقى ففى سنن النسائى فى الجزء الثامن صفحة مائتين وثلاثة فى سنن النسائى فى كتاب القضاء باب القضاء باتفاق أهل العلم وفيه فى هذا الحديث والإسناد هذا المكان سئل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه وأكثر عليه فى السؤال فقال قد مضى علينا زمان وما كنا نفتي ولسنا بأهل للفتيا والقضاء حتى صرنا إلى ما ترون فمن جاءه قضاء وعرض عليه مسألة فليقض بما فى كتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﵊ فإن لم يجد القضاء فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله ﵊ فليقض بما قضى به الصالحون ولا يقل إنى أخاف إنى أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات قال أبو عبد الرحمن الإمام النسائى عليه رحمة الله هذا حديث جيد جيد ومثل هذا قال أيضا عمر رضى الله عنه.
كما فى سنن النسائى والبيهقى عندما كتب له أبو موسى الأشعرى رضى الله عنهم جميعا يسئله فقال له اقض بما فى كتاب الله فإن لم تجد فاقض بما في سنة رسول الله ﵊ فإن لم تجد فاقض بما قضى به الصالحون فإن لم تجد فإن شئت فتقدم أى اجتهد وإن شئت فتأخر ولا أرى إلا التأخر خيرا لك أى أحجم وسل أهل العلم ولا تتجرأ بنفسك على الفتيا والإجتهاد حتى تأخذ رأى أهل الخير والصلاح فإذا وجدت قضاء فى كتاب الله فاقض به فى سنة رسول الله ﵊ فاقض به قضى به الصالحون قبلك فاقض به لن تجد إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولاأرى التأخر إلا خيرا لك، فمدلول حديث معاذ ثابت من كلام ابن مسعود وعمر وأبى بكر رضى الله عنهم أجمعين
стр. 2243
إخوتى الكرام: نحو الطريق الثانى من تفسير القرآن بالمأثور وهو تفسير القرآن بالسنة ينبغى أن نحذر التعويل على ما لا أصل له وعلى ما لا يثبت مما نسب إلى النبى ﵊ وقد وضع على نبينا ﵊ أحاديث كثيرة لاسيما فى التفسير ولذلك ثبت عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أنه قال ثلاثة كتب ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازى.
والغالب على هذه الكتب كما قال أئمة الإسلام الغالب عليها الإرسال وعدم الاتصال والضعيف والتفسير والملاحم والمغازى والملاحم مايتعلق بأمور الفتن والأمور التى ستقع والمغازى ما وقع فى الأمر الأول فينقل بلا إسناد ويتساهل فيه.
وهكذا التفسير قال الإمام ابن حجر فى مقدمة لسان الميزان وينبغى أن يضاف إليها الفضائل كتب الفضائل ثم قال فهذه أودية الحديث الضعيف ,التفسير والفضائل والملاحم والمغازى فانتبه وحذارى حذارى أن تأخذ بما لم يثبت عن النبى ﵊ فى تفسير كلام الرحمن فلا بد من أن تعول على أثر صحيح ثابت تداولته الأمة وأخذوا به فى تفسير كلام الله جل وعلا.
أخوتى الكرام: لهذا النوع من التفسير نماذج نذكر بعضها فى هذا الدرس قال الله جل وعلا فى كتابه: ﴿الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ من سورة الأنعام، الظلم يشمل كل معصية ولذلك لما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة.
стр. 2244
كما ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أجمعين يقول لما نزل قول الله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﵊ وقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه والله شرط الأمن والاهتداء الأمن فى الآخرة والاهتداء فى الدنيا بعدم خلط الإيمان بشىء من الظلم وكل معصية ظلم تجاوز الإنسان الحدود الشرعية ووضع الأمر فى غير موضعه وغير نصابه فإذن لايحصل له اهتداء فى الدنيا ولا أمنا فى الآخرة إذا خلطوا إيمانهم بشىء من المعاصى ومن ينفك عن معصية الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم وشق ذلك على أصحاب رسول الله ﵊ وقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه أينا لايظلم نفسه فقال ليس بالذى تعنون ليس المراد من الظلم مطلق المعاصى لا إنما المراد من الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ .
وعليه الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم أى لم يخلطوا إيمانهم بشرك وحدوا الله جل وعلا توحيدا حقيقيا أما أن الجبلة البشرية الطبيعة الإنسانية تنفك عن معصية فهيهات هيهات يا عبادى إنكم تخطئون فى الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم مؤمن لايخلط إيمانه بهفوة وبتقصير هذا لا يمكن أن يوجد هذا لعله يوجد فى الملأ الأعلى فى حال الكرام الكاتبين الذين لا يعصون الله ما أمرهم يفعلون ما يؤمرون أما هذا البشر الذى فيه ما فيه من أمور الغضب والغفلة والشهوة والسهو والنسيان وغير ذلك يقع.. يقع فى هفوات وزلات فإذ سلم من الشرك فليحمد الله الذين آمنوا ولم يلبثوا بظلم أى بشرك أولئك لهم الأمن فى الآخرة وهم على اهتداء فى هذه الحياة الدنيا ففسرت الأفراد فخص هذا العموم بنوع من أفراده وهو الشرك إن الشرك لظلم عظيم ليس المراد بالظلم ماتعنونه وتفهمونه مطلق المعاصى إنما المراد منه الشرك إن الشرك لظلم عظيم.
стр. 2245
ومن ذلك أيضا ماثبت فى الصحيحين وسنن الترمذى وأبى داود والحديث فى مسند الإمام أحمد عن ابن أبى مليكة من أئمة التابعين قال كانت أمنا عائشة ﵂ لاتسمع شيئا لاتعرفه إلا سألت عنه حتى تعرفه ﵂ وأرضاها وأكرم بها من أم واعية صالحة قانتة طيبة تقول أمنا عائشة سمعت النبى ﵊ يقول من نوقش الحساب عذب وفى رواية من حوسب هلك فقالت أمنا عائشة يا رسول ألم يقل الله فى كتابه: ﴿فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ بل سيحاسب وأنت تقول من حوسب هلك من نوقش الحساب عذب فقال يا عائشة إنما ذلك العرض ,الحساب اليسير وعرض الصحف على العامل فقط دون أن يحاسبه الله ودون أن يناقشه إنما ذلك العرض لكن من حوسب عذب ففسر ﷺ هنا قول الله: ﴿فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ بعرض الكتاب عليه يعرض عليه ثم لايناقش ولايحاسب ولايجادل ويقال له عبدى سترتك فى الدنيا وان أسترك فى الآخرة هذا هوالحساب اليسير لكن من حاسبه الله وناقشه وجرى بينه وبين عبده مجادلة هلك العبد وعذب ولابد من حوسب عذب من نوقش الحساب عذب من حوسب هلك والحساب اليسير فى قوله الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا هو العرض.
следующие страницы →