← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ففى سنن النسائى فى الجزء الثامن صفحة مائتين وثلاثة فى سنن النسائى فى كتاب القضاء باب القضاء باتفاق أهل العلم وفيه فى هذا الحديث والإسناد هذا المكان سئل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه وأكثر عليه فى السؤال فقال قد مضى علينا زمان وما كنا نفتي ولسنا بأهل للفتيا والقضاء حتى صرنا إلى ما ترون فمن جاءه قضاء وعرض عليه مسألة فليقض بما فى كتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﵊ فإن لم يجد القضاء فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله ﵊ فليقض بما قضى به الصالحون ولا يقل إنى أخاف إنى أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات قال أبو عبد الرحمن الإمام النسائى عليه رحمة الله هذا حديث جيد جيد ومثل هذا قال أيضا عمر رضى الله عنه كما فى سنن النسائى والبيهقى عندما كتب له أبو موسى الأشعرى رضى الله عنهم جميعا يسئله فقال له اقض بما فى كتاب الله فإن لم تجد فاقض بما في سنة رسول الله ﵊ فإن لم تجد فاقض بما قضى به الصالحون فإن لم تجد فإن شئت فتقدم أى اجتهد وإن شئت فتأخر ولا أرى إلا التأخر خيرا لك أى أحجم وسل أهل العلم ولا تتجرأ بنفسك على الفتيا والإجتهاد حتى تأخذ رأى أهل الخير والصلاح فإذا وجدت قضاء فى كتاب الله فاقض به فى سنة رسول الله ﵊ فاقض به قضى به الصالحون قبلك فاقض به لن تجد إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولاأرى التأخر إلا خيرا لك ,فمدلول حديث معاذ ثابت من كلام ابن مسعود وعمر وأبى بكر رضى الله عنهم أجمعين.

стр. 2277

إخوتى الكرام: نحو الطريق الثانى من تفسير القرآن بالمأثور وهو تفسير القرآن بالسنة ينبغى أن نحذر التعويل على ما لا أصل له وعلى ما لا يثبت مما نسب إلى النبى ﵊ وقد وضع على نبينا ﵊ أحاديث كثيرة لاسيما فى التفسير ولذلك ثبت عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أنه قال ثلاثة كتب ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازى الغالب على هذه الكتب كما قال أئمة الإسلام الغالب عليها الإرسال وعدم الاتصال والضعيف والتفسير والملاحم والمغازى. الملاحم مايتعلق بأمور الفتن والأمور التى ستقع والمغازى ما وقع فى الأمر الأول فينقل بلا إسناد ويتساهل فيه وهكذا التفسير قال الإمام ابن حجر فى مقدمة لسان الميزان وينبغى أن يضاف إليها الفضائل كتب الفضائل ثم قال فهذه أودية الحديث الضعيف ,التفسير والفضائل والملاحم والمغازى فانتبه وحذارى حذارى أن تأخذ بما لم يثبت عن النبى ﵊ فى تفسير كلام الرحمن فلا بد من أن تعول على أثر صحيح ثابت تداولته الأمة وأخذوا به فى تفسير كلام الله جل وعلا.

стр. 2278

أخوتى الكرام: لهذا النوع من التفسير نماذج نذكر بعضها فى هذا الدرس قال الله جل وعلا فى كتابه ﴿الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ من سورة الأنعام الظلم يشمل كل معصية ولذلك لما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة كما ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أجمعين يقول لما نزل قول الله ﴿الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﵊ وقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه والله شرط الأمن والاهتداء الأمن فى الآخرة والاهتداء فى الدنيا بعدم خلط الإيمان بشىء من الظلم وكل معصية ظلم تجاوز الإنسان الحدود الشرعية ووضع الأمر فى غير موضعه وغير نصابه فإذن لايحصل له اهتداء فى الدنيا ولا أمنا فى الآخرة إذا خلطوا إيمانهم بشىء من المعاصى ومن ينفك عن معصية الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله ﵊ وقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه أينا لايظلم نفسه.

стр. 2279

فقال ليس بالذى تعنون ليس المراد من الظلم مطلق المعاصى لا إنما المراد من الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ وعليه الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم أى لم يخلطوا إيمانهم بشرك وحدوا الله جل وعلا توحيدا حقيقيا أما أن الجبلة البشرية الطبيعة الإنسانية تنفك عن معصية فهيهات هيهات يا عبادى إنكم تخطئون فى الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم مؤمن لايخلط إيمانه بهفوة وبتقصير هذا لا يمكن أن يوجد هذا لعله يوجد فى الملأ الأعلى فى حال الكرام الكاتبين الذين لا يعصون الله ما أمرهم يفعلون ما يؤمرون أما هذا البشر الذى فيه ما فيه من أمور الغضب والغفلة والشهوة والسهو والنسيان وغير ذلك يقع ,يقع فى هفوات وزلات فإذ سلم من الشرك فليحمد الله الذين آمنوا ولم يلبثوا بظلم أى بشرك أولئك لهم الأمن فى الآخرة وهم على اهتداء فى هذه الحياة الدنيا ففسرت.. الأفراد فخص هذا العموم بنوع من أفراده وهو الشرك إن الشرك لظلم عظيم ليس المراد بالظلم ماتعنونه وتفهمونه مطلق المعاصى إنما المراد منه الشرك إن الشرك لظلم عظيم.

стр. 2280

ومن ذلك أيضا ماثبت فى الصحيحين وسنن الترمذى وأبى داود والحديث فى مسند الإمام أحمد عن ابن أبى مليكة من أئمة التابعين قال كانت أمنا عائشة ﵂ لاتسمع شيئا لاتعرفه إلا سألت عنه حتى تعرفه ﵂ وأرضاها وأكرم بها من أم واعية صالحة قانتة طيبة تقول أمنا عائشة سمعت النبى ﵊ يقول من نوقش الحساب عذب وفى رواية من حوسب هلك فقالت أمنا عائشة يا رسول ألم يقل الله فى كتابه ﴿فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ بل سيحاسب وأنت تقول من حوسب هلك من نوقش الحساب عذب فقال يا عائشة إنما ذلك العرض ,الحساب اليسير وعرض الصحف على العامل فقط دون أن يحاسبه الله ودون أن يناقشه إنما ذلك العرض لكن من حوسب عذب ففسر ﷺ هنا قول الله ﴿فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ بعرض الكتاب عليه يعرض عليه ثم لايناقش ولايحاسب ولايجادل ويقال له عبدى سترتك فى الدنيا وان أسترك فى الآخرة هذا هوالحساب اليسير لكن من حاسبه الله وناقشه وجرى بينه وبين عبده مجادلة هلك العبد وعذب ولابد من حوسب عذب من نوقش الحساب عذب من حوسب هلك والحساب اليسير فى قوله الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا هوالعرض وهكذا قول الله جل وعلا فى سورة الزلزلة والزلزال يومئذ تحدث أخبارها سألوا النبى ﵊ عن أخبارها التى تتحدث بها الأرض ما هذه الأخبار التى تتحدث بها الأرض يوم القيامة.

стр. 2281

والحديث ثابت فى مسند الإمام أحمد والترمذى ومستدرك الحاكم وهو بسند حسن قالوا يا رسول الله ﵊ ما أخبارها قال أن تشهد على ابن آدم بما عمل على ظهرها من خير أو شر أن تشهد على ابن آدم بما عمل على ظهرها من خير وشر سبحان الله الجوارح تشهد والأرض تشهد العمر ينقص والذنوب تزيد وتقال عثرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب واحد رجل جوارحه عليه شهود الجوارح تشهد والبقعة التى عصيت الله عليها تشهد عليك والبقعة التى أطعت الله فيها تشهد لك هذه الأخبار تتحدث بها الأرض يوم القيامة يومئذ تحدث أخبارها ما أخبارها أن تشهد على ابن آدم بما عمل على ظهرها من خير أو شر وهكذا قول الله جل وعلا ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ما السبيل سألوا النبى ﵊ فقالوا يا رسول الله ما السبيل الذى إذا استطاعه الإنسان وجب عليه الحج. والحديث ثابت فى سنن الترمذى وابن ماجة وسنن البيهقى والدار قطنى ومستدرك الحاكم بسند صحيح لكثرة طرقه وشواهده قال شيخنا عليه رحمة الله فى أضواء البيان الذى يظهر أن الحديث ثابت لكثرة طرقه وقال الإمام الشوكانى فى نيل الأوتار ولايخفى أن كثرة هذه الطرق تفيد ثبوت الحديث والحديث ثابت عن ثمانية الصحابة الكرام عن على وابن عمر وابن عباس وأنس وابن عمرو وابن مسعود وجابر ابن عبد الله وأمنا عائشة ﵃ أجمعين قالو ما السبيل قال الزاد والراحلة فإذا ملك زادا وراحلة فاضلتين عن حوائجه الأصلية وجب عليه أن يذهب إلى الحج ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ولذلك إذا لم يملك الزاد والراحلة الزاد وأجرة الطريق ونفقة عياله فلا يجب عليه الحج وبهذا قال الأئمة الثلا ثة الحنفية والشافعية والحنابلة والإمام مالك عليه رحمة الله اعتبر تفسير النبى ﵊ من باب التفسير بالأمر الغالب.

стр. 2282

ولذلك يجب الحج عند الإمام مالك على المسلم إذا كان مكلفا ولم يملك زادا وراحلة وتفسير النبى ﵊ يقول جرى هذا على حسب الأغلب لأن غالب الحجاج آفاقيون وإذا كانوا من بلاد بعيدة فسيتكلفون المشى على أرجلهم وفى الغالب يشق عليهم فإذا كان يشق عليهم فلا بد إذن من زاد وراحلة أما من تمكن من الحج لقرب المكان كما لو كان من أهل المدينة المنورة أو من بلاد الشام مثلا ماشيا على رجليه والطريق يقرب منه مدة أسبوع ليس كما هو الحال من بلاد المغرب ,كان شيخنا عليه رحمة الله يقول إذا عيدوا عيد الأضحى فى بلاد موريتانيا التى هى شنقيط يخرجون إلى الحج فيبقون فى الطريق سنة كاملة حتى يدركوا عيد الأضحى فى السنة الآتية فى بلاد الحجاز فى مكة المكرمة سنة كاملة فهذا يشق عليه أن يمشى على رجليه فغالب الحجاج آفقيون ولذلك إذا كانت المسافات بعيدة فلابد من زاد وراحلة لكن إذا كانت المسافة قريبة وبإمكانه أن يمشى على رجليه فوجب عليه أن يحج وإن لم يملك زادا ولا راحلة لأن تفسير النبى ﵊ جرى على الأمر الغالب وإذا جرى على الأمر الغالب فليس له مفهوم مخالفة أى لايفهم منه أنه إذا لم يملك زادا وراحلة لا يجب عليه الحج.

стр. 2283

هذا كقول الله جل وعلا ﴿وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن﴾ فالربيبة بنت الزوجة تحرم عليك سواء كانت فى حجرك أو لم تكن فى حجرك إذن لما هذا القيد قال أئمتنا أغلبى لأن الغالب أن بنت الزوجة تكون مع الزوجة فى حجرك وفى بيتك لكن لو تزوجت امرأة ولها بنت ولم ترها ولم تربى فى حجرك يحرم عليك أن تجمع بين المراة وابنتها فلا يجوز إذن لما قال الله فى حجوركم قالوا هذا قيد أغلبى الغالب الربيبة تكون فى حجر الزوج ولذلك ليس له مفهوم مخالفة أى إن كانت فى حجرك تحرم عليك وإن لم تكن فى حجرك تحرم عليك وهنا كلام النبى ﵊ الزاد والراحلة هذا باعتبار الأمر الغالب ولذلك قال الإمام مالك عليه رحمة الله إذا أمكنه أن يحج على رجليه وجب عليه ذلك فإذا لم يمكن وكان من بلاد بعيدة ويصعب عليه أن يحج على رجليه فهناك لا بد من زاد وراحلة أما إن أمكنه المشى وجب عليه وإن لم يكن عنده زاد نقول له حالتين فإن كان من أهل المروءات الذين يصعب عليهم أن يعملوا فى كل منطقة يذهبون إليها فلا يجب عليه حتى يجد زادا وإن لم يكن من أهل المروءات واحد عادى وليس عنده نفقة وعنده القدرة أن يمشى على رجليه فيجب عليه أن يمشى وأن يشتغل بكل بلدة يصل إليها ليحصل قوته ليؤدى هذه الفريضة التى أوجبها الله عليه ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ هو الزاد والراحلة هل هذا التفسير أغلبى او لبيان شرط وجوب الحج , اختلف الأئمة فى ذلك بعد اتفاقهم على ثبوت هذا التفسير عن النبى ﵊ ,إذن هذا من أنواع تفسير القرآن بسنة نبينا ﵊ وهذا الطريق الثانى من طرق التفسير بالمأثور.

стр. 2284

والطريق الثالث: تفسير القرآن الكريم بأقوال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فهذا أيضا يأتى فى المرتبة الثالثة فالصحابة أكثرهم عرب خلص والقرآن نزل بلسان عربى مبين فيفهمون المراد من كلام الله جل وعلا على حسب لغتهم وهم حضروا وقائع التنزيل وشهدوا أسباب نزول الآيات الكريمات فيعرفون ماذا يراد بتلك الآيات وماذا يعنى بها ثم لهم من الفهم ورسوخ القدم فى الدين ما ليس لغيرهم فكلامهم يقدم على كلام من بعدهم ولا شك لهذه الاعتبارات الثلاثة رضوان الله عليهم أكثرهم عرب خلص ,شهدوا نزول القرآن, لهم من الفهم فى دين الرحمن والمنزلة ما ليس لغيرهم فكلامهم مقدم على كلام من بعدهم.

стр. 2285

وأقوال الصحابة فى تفسير كلام الله جل وعلا أقوالهم لها حالتان: الحالة الأولى أن يكون لأقوالهم حكم الرفع إلى نبينا ﷺ وذلك يكون إذا قال الصحابى قولا فى تفسير كلام الله وهذا القول لا يدرك بالرأى وليس طريقه اللغة وليس مأخوذا عن أخبار أهل الكتاب إذا كان ذلك الصحابى يأخذ عنهم كعبد الله ابن عمرو ابن العاص رضى الله عن الصحابة أجمعين فإذا قال الصحابى قولا فى تفسير الله ذلك القول لا يدرك بالرأى وليس طريقه اللغة وليس معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب إذا كان ذلك الخبر يحتمل أخذه عنهم فإذا خلا عن هذه الأمور فلقول الصحابى فى تفسير كلام الله حكم الرفع إلى النبى ﵊ كما لو قال قال رسول الله ﷺ كذا فى تفسير الآية وهذا ما أشار إليه أئمتنا عليهم رحمة الله بلا خلاف بينهم يقول الشيخ عبد الرحيم ابن الحسين الأثرى فى الألفية الشهيرة بألفية الأمام العراقى عليه رحمة الله وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأيا حكمه الرفع على ما قال فى المحصول نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبت وماأتى عن صاحب بحيث لا يقال رأيا أى لا يمكن أن يكون ذلك القول مصدره الاجتهاد ولا اللغة ولا الأخذ عن أهل الكتاب إن كان الصحابى معروفا بالأخذ عنهم حكمه الرفع على ما قال فى المحصول كتاب فى أصول الفقه للإمام الرازى نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا اثبتا من أتى أى من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﵊.

стр. 2286

والأثر مروى عن عبد الله ابن مسعود موقوفا عليه فى هذه الرواية من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﵊ هذا الأثر موقوف من ناحية اللفظ لكنه مرفوع من ناحية الحكم إلى النبى ﵊ فالصحابى لا يمكن أن يقول هذا الحكم فى دين الله عن طريق رأيه وهواه واجتهاده هذا مأخوذا عن النبى ﵊ لكنه ما صرح بإضافة هذا الكلام إليه ,وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأيا حكمه الرفع على ماقال فى المحصول نحو من أتى أى من أتى كاهنا أو عرافا كلام ابن مسعود نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبت أى جعله مرفوعا إلى النبى ﷺ فإذن إذا قال الصحابى قولا لا يدرك بالرأى له حكم الرفع إلى النبى ﵊. إخوتى الكرام: وهذا الأثر الذى ثبت موقوفا عن ابن مسعود رواه الإمام فى مسنده عن أبى هريرة مرفوعا صراحة إلى النبى ﷺ وعن الحسن ابن على رضى الله عنهم أجمعين أن النبى ﷺ قال من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﵊ والأثر رواه الإمام أحمد ومسلم فى صحيحه عن بعض أزواج النبى ﵊ بلفظ [من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين ليلة] هذه رواية مسلم والرواية الأولى كما قلت رواية الإمام أحمد عن أبى هريرة وعن الحسن وهى موقوفة عن ابن مسعود ﵃ أجمعين فإذن إذا قال الصحابى قولا لا يدرك بالرأى له حكم الرفع إلى النبى ﵊.

стр. 2287

مثال هذا فى تفسير كلام الله ما ثبت فى الصحيحين ومسند الإمام أحمد وسنن الترمذى عن جابر ابن عبد الله ﵄ قال [كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول] أى أن يجامعها من وراءها بشرط أن يكون الإيلاج والإدخال فى القبل الذى أحل الله الجماع فيه ,إذا أتى الرجل امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول ,فأنزل الله جل وعلا ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فهذا الأثر الثابت عن جابر ابن عبد الله ﵁ فى سبب نزول هذه الآية له جكم الرفع إلى نبينا ﵊ لا يدرك بالرأى كانت اليهود تقول كذا فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم فإذن هذا له حكم الرفع إلى النبى ﵊ كأن النبى ﵊ يقول نزلت هذه الآية للرد على اليهود الذين يقولون إذا جامع الرجل امرأته من وراءها بشرط أن يكون الجماع فى قبلها يأتى الولدأحول هم يكذبون فى ذلك ولا حرج أن يأتى الرجل زوجته على أى جهة كانت بشرط أن يقع الإيلاج والإدخال فى القبل الذى أحل الله جل وعلاالجماع فيه فهذا هو موضع البذر وهذا هو موضع الزرع ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ وأما الدبر فليس هو بموضع الزرع ولا إخراج الذرية التى تعبد رب البرية فمحرم الوطء فيه باتفاق وملعونا من فعل ذلك كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ وهذا هو اللوطية الصغرى وإذا فعل الإنسان هذا بزوجه ورفعت أمره إلى الحاكم يستتيبه فإن تاب وإلا يفرق بينه وبين زوجه وإذا أعلن توبته ثم عاد إلى ذلك يفرق القاضى والحاكم بينهما رغم أنفه فإذن هذا الأثر ثابت ابن عبد الله ﵄ له حكم الرفع إلى نبينا ﵊.

стр. 2288

ومن ذلك ما رواه الحاكم فى معرفة علوم الحديث بسنده إلى أبى هريرة ﵁ فى تفسير قول الله جل وعلا ﴿لا تبقى ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر﴾ فى سورة المدثر أوليس كذلك فقال أبو هريرة ﵁ لواحة للبشر فى تفسير لواحة للبشر أى تلوح لهم وتلوح وتظهر لهم وتترائى لهم وتخيفهم وتفزعهم وتفعل وتفعل بهم يقول تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لهم لحما على عظم إلا ألقته على العراقيب وهى جمع عرقوب العصب الغليظ الذى يكون فوق العقب ويمسك القدم العراقيب العصب الغليظ ويل للعراقيب من النار فى مؤخرة الرجل عصب غليظ عرقوب تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحا فلا تترك لهم لحما على عظم إلا ألقته على العراقيب أى تسقط لحمهم ويبقى هيكل عظمى فقط وتلك العظام تسقط على أرجلهم وعلى عراقيبهم.

стр. 2289

هذا التفسير الثابت عن أبى هريرة ﵁ لا يمكن أن يقال من قبل الرأى فهو يتعلق بأمر مغيب بأمر يوم القيامة وما يكون فيها وهى غيب فأبو هريرة ﵁ ما أخذ هذا عن أهل الكتاب ولايمكن أن يؤخذ هذا منهم ولم يعرف بالأخذ عنهم ,هل قال هذا من طريق رأيه واجتهاده لا الكلام فى أمور الغيبيات عن طريق الرأى بدعة ضلالة وليس فى الصحابة مبتدع رضوان الله عليهم إذن من أين لأبى هريرة هذا الكلام ,تلقاه عن النبى ﵊ لكن ما صرح برفعه إلى النبى ﵊ لواحة للبشر تلوح لهم وتلفحهم تلك اللفحة فلا تترك لهم لحما على عظم إلا ألقته على العراقيب هذا تفسير له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ فهو ملحق بالطريق الثانى من أنواع التفسير بالمأثور والنوع الثانى من تفسير الصحابة مما له حكم الوقف عليهم وليس له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ وذلك إذا قال الصحابى قولا عن طريق الاجتهاد والاستنباط أو عن طريق تفسير الكلام حسب مدلولات اللغة أو أخذ شيئا من أخبار أهل الكتاب فى إيضاح بعض الأمور السابقة عنهم كما فعل عبد الله ابن عمرو ابن العاص رضي الله عن الصحابة أجمعين فكان أصاب يوم اليرموك زاملتين من أهل الكتاب وكان يحدث بما فيهما من الأمور التى وقعت للأنبياء السابقين والأمم السابقة ويدخل هذا فى تفسير كلام الله أى فى إيضاح وتفصيل بعض ماجرى للأنبياء مع أممهم فإذا جرى هذا فهذا ليس له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ فهو موقوف عليهم من أقوالهم.

стр. 2290

مثال هذا ما رواه الطبرى فى تفسيره عن على ﵁ فى تفسير قول الله ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ فقال هم القسيسون القسيسون وهم علماء النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى هذه الحياة الدنياوهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا هذا القسيس الذى هو ضال مضل يزعم أنه يتقرب إلى الله بحب عيسى وأن عيسى ابنا لله وما شاكل هذا وهذا هو أخسر الناس عملا يظن أنه على شىء وهو على ضلال ويظن أن عمله مقبول وهو عليه مردود يقول على هم القسيسون. وثبت فى تفسير الطبرى ومستدرك الحاكم عن سعد ابن أبى وقاص مثل هذا فقال القسيسون وثبت فى صحيح البخارى عن سعد ابن أبى وقاص ﵃ أجمعين أنه قال هم اليهود والنصارى عمم فى هذا القول هناك قسيسون فقط علماء النصارى وهنا فرقتان ملعونتان يهود ونصارى ثابت فى صحيح البخارى عن سعد الأخسرون أعمالا اليهود والنصارى هذا التفسير ليس له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ لأن هذا من باب ما يدخل فى هذه الآية وما تشمله هذه الآية فالآية تشمل القسيسين تشمل اليهود تشمل النصارى أقول تشمل المنافقين والمبتدعين والضالين فى هذه الأمة أيضا ولفظها عام ولذلك قال الإمام ابن كثير فى تفسيره عند هذه الآية فى الجزء الثالث صفحة سبعة ومائة الآية عامة فى كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب وأن عمله مقبول وهو مخطأ وعمله مردود عامة فى اليهود والنصارى فى القسيسين فى المنافقين فى المبتدعين كل هؤلاء يشملهم قول الله ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبوننهم يحسنون صنعا﴾ هذا الطريق الثالث من طرق تفسير القرآن بالمأثور.

стр. 2291

والطريق الرابع: تفسير القرآن بكلام التابعين الطيبين عليهم رحمة رب العالمين وأقوال التابعين فى التفسير لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يجمعوا على قول فى تفسير آية من الآيات فلا بد من الأخذ بهذا القول لمحل الإجماع والله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة ولا على خطأ وهل لهذا مثال ,لهذا أمثلة كثيرة من ذلك ما ثبت عن الإمام الأوزاعى بسند صحيح أنه قال كنا نقول والتابعون متوافرون إن الله فوق عرشه وعلمه فى كل مكان فعن سفيان الثورى وغيره فى تفسير قول الله ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بعلمه ,معية الله العامة ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بعلمه فى كل مكان المراد من المعية معية العلم والإحاطة طلاع والرقابة وعدم خفاء شىء عن الله جل وعلا ﴿ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ بأى شىء بعلمه واطلاعه ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا بعلمه ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم هذا التأويل أجمع عليه التابعون وأن تفسير المعية هنا معية علم وإحاطة واطلاع فالأوزاعي كنا نقول والتابعون متوافرون الله فوق عرشه وعلمه فى كل مكان فآيات المعية العامة معية علم وإحاطة وإطلاع ومراقبة وليست بمعية ذاتية فيستحيل أن يكون الخالق فى شىء من مخلوقاته كما يستحيل أن تكون المخلوقات فى شىء من ذات الخالق وأفضل ما قيل وأحسن ما قيل فى بيان حقيقة التوحيد إفراد الحادث عن القديم والحدوث عن القدم والمفاصلة بينهما فالله ليس كمثله شىء وهو السميع البصير فلا يمكن أن تكون ذات الخالق فى شىء من المخلوقات ولا أن تكون المخلوقات فى شىء من ذات الخالق.

стр. 2292

إذن ما المراد بالمعية معية علم وإحاطة وهذه المعية العامة وأما المعية الخاصة فأجمع السلف على أن المراد منها معية نصر وتأييد وتوفيق ورعاية وحفظ وكلائة وعناية ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ ، ﴿لاتحزن إن الله معنا﴾ ، ﴿إن معى ربى سيهدين﴾ ليست المعية هنا هى المعية فى قول الله ﴿مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ فبما سيمتاز المؤمن عن الكافر إذن إذا كانت معيته لنبيه ﵊ كمعيته لعدوه أبى جهل وغيره فما ميزة النبى ﵊ على غيره حتى يقول إن الله معنا معنا بنصره وتأييده وتوفيقه ورعايته وحفظه وكلائته ومعونته وهناك معية عامة بعلمه وإحاطته واطلاعه ورقابته إذن هنا تفسير أجمع عليه التابعون فلا بد من الأخذ به ومخالفة هذا هوعين الضلال ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ . كما ثبت هذا عن التابعين ﵃ آيات المعية ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بعلمه كنا نقول والتابعون متوافرون الله فوق عرشه وعلمه فى كل مكان هذا نوع من أنواع التفسير إذا وجدته فعض عليه بالنواجذ وحذارى حذارى من تركه فلا يتركه إلا من كان ضالا وغضب الله عليه لأن مخالف الإجماع ضال ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ .

стр. 2293

النوع الثانى: من أنواع التفسير المنقول عن التابعين أن يكون تفسير منقول عن التابعين ولا إجماع عليه ما حصل هناك إجماع ونقل وإتفاق عليه قال بعض التابعين قولا فى تفسير كلام الله لكن ذلك القول له الحالات التى قيلت فى تفسير الصحابة فى الحالة الأولى ذلك القول لا يدرك بالرأى وليس طريقه اللغة ولم يؤخذ عن أهل الكتاب إذا كان يمكن أخذ ذلك الخبر عن أهل الكتاب فتابعى قال قولا فى تفسير كلام الله لا يمكن أن يكون ذلك القول مصدره الرأى فليس باجتهاده ولا عن طريق اللغة ولم يأخذه عن أهل الكتاب إذا كان يحتمل أخذه ذلك الخبر عن أهل الكتاب فهنا له حكم المرفوع الى النبى ﵊ أيضا لكن يختلف هذا عن حكم مرفوع الصحابة مرفوع الصحابة حكما متصل ومرفوع التابعين حكما مرسل فنقول لقول التابعي إذا صدر منه قول فى تفسير كلام الله ولا يدرك بالرأى فله حكم الرفع المرسل إلى النبى ﵊ حين احتجوا به نقول لهذا المرفوع المرسل حالتان:الحالة الأولى أن يتعزز ويتقوى بمرسل آخر فيوافقه تابعى آخر على هذا القول أو أن يتقوى بحديث مسند مروى عن الصحابة وله حكم الرفع إلى النبى ﵊ ففى هاتين الحالتين نقبل قول التابعى فى تفسير كلام الله القوى بلا خلاف بين أئمة الإسلام أئمة تفسير القرآن قال التابعى قولا لا يدرك بالرأى له حكم الرفع المرسل نقبله إذا تعزز بمرسل آخر أو وافقه حديث مسند هذه الحالة الأولى فإذا تقوى مرسل التابعى بمرسل آخر يقبل لأن الضعيف بغير سبب انخرام العدالة وضياعها إذا جاء من طريق آخر يرتفع لدرجة الحسن لغيره فيقبل لكن الضعيف الذى لا ينجبر هو الذى سبب ضعفه فقدان العدالة فذاك لا ينجبر بحال أما الضعيف بسبب خفة ضبط أو بسبب كما هنا عدم اتصال جاء من طريق آخر فيزول ما فى هذا الطريق من ضعف لأن الضعيفين يعدلان قويا, مرسل تعزز بمرسل أو شهد له مسند يقبل هنا كلام التابعي فى

стр. 2294

تفسير كلام الله جل وعلا ولذلك يقول الإمام عبد الرحيم بن الحسين الأثرى فى ألفيته الشهيرة فإن يقل يحتج بالضعيف فقل إذا كان من الموصوف رواته بسوء حفظ يجبروا بكونه من غير وجه يذكروا وإن يكن لكذب أو شذ أو قوى الضعفوف لم يجبرذا ألا ترى المرسل حيث أسند أو أرسلوا كما يجىء اعتضدا. فالضعيف من غير انخرام العدالة وضياعها يتقوى إذا جاء من طريق آخر وهنا مرسل التابعى ضعيف فإذا تعزز بمرسل آخر نقبله تعزز بمسند نقبله وهناك شرط آخر يقبل فيه قول التابعى الذى له حكم الرفع إذا كان قائل هذا التفسير من أئمة التابعين الذين تلقوا تفسيرهم عن الصحابة كسعيد ابن جبير عندما تلقى التفسير عن ابن عباس ﵃ أجمعين فكونه تلقى غالب تفسيره عن الصحابة فعندما يقول قولا لا يدرك بالرأى عندنا ما يشعر بأن هذا القول مأخوذ عن شيخه الصحابى وبما أنه لايدرك بالرأى فله حكم الرفع إلى النبى ﵊ فيقبل فإذا القائل من أئمة التفسير من التابعين الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة هذا لايحتاج إلى تعزز بمرسل آخر أو بمسند يأتى من طريق آخر هذه الحالة الأولى لكلام التابعين فى تفسير كلام رب العالمين إذا كانت كلامهم تفسيرهم لا يدرك بالرأى فإذا لم يتعزز بمرسل ولا كان قائل التفسير من أئمة التفسير الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة هل نحتج بتفسيره وبقوله أم لا وقلنا له حكم الرفع إلى النبى ﵊ لكنه مرسل فذهب الأئمة الثلاثة إلى الاحتجاج بخبر التابعى إذا كان مرسلا أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد والإمام الشافعى ما قبل مرسل التابعى إلا بشروط كما تقدم أن يكون متعززا بمرسل آخر أن يشهد له مسند وما شاكل هذا كما تقدم أما الأئمة الثلاثة فاحتجوا به دون أن يأتى له طريق آخر ولذلك يقول الإمام عبد الرحيم ابن الحسين أثرى عليه رحمة الله واحتج مالك كذا النعمان وتابعوه ما به ودانوا ورده جماهر النقاد للجهل بالساقط فى الإسناد

стр. 2295

ومسلم صدر الكتاب أصل عندما قال فى مقدمة صحيح المرسل فى قولنا وقول أهل العلم ليس بحجة وصاحب التمهيد عنهم نقلا أى نقله عن أئمة الحديث لأن المرسل فى هذه الحالة لا يقبل. الحالة الثالثة: من أقوال التابعين أن يكون قول التابعي ليس له حكم الرفع إلى النبى ﵊ كالحالة الثانية من أقوال الصحابة فهذا الذى هو قول ليس له حكم الرفع إلى النبى ﵊ هل نعول عليه أم لا؟ تقدم معنا أن قول الصحابى نعول عليه إن لم يكن له حكم الرفع أما هذا فجرى حول كلام التابعين فى تفسير كلام رب العالمين إذا لم يكن لكلامهم حكم الرفع خلاف على قولين. القول الأول: نعول عليه وذهب إلى هذا سفيان الثورى وغيره وكان يقول إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وبعض أئمة الإسلام قالوا لا نعول علي ما جاء عن التابعين فى تفسير كلام رب العالمين مما هو موقوف عليهم وليس له حكم الرفع قال شعبة ابن الحجاج أقوال التابعين ليست حجة فى الفروع فكيف تكون حجة فى التفسير قال الإمام ابن كثير عليه رحمة الله يعنى لا تكون حجة على من خالفهم وعند ذلك يرجع علماء الإسلام إلى لغة العرب وإلى عمومات القرآن لبيان المراد من كلام الرحمن جل وعلا. هذه هى طرق التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن تفسير القرآن بالسنة تفسير القرآن بأقوال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تفسير القرآن بأقوال التابعين حول هذه الطرق عندنا تنبيه مهم نتكلم عليه فى أول الدرس الآتى إن شاء الله وأكمل الكلام على الطريق الثانى من طرق التفسير وهو التفسير بالرأى المقبول المبرور. صلى الله علي نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما معنى المعية بتفصيل؟ لعلنى فصلت المعية تنقسم إلى قسمين:

стр. 2296

معية عامة مع البر والفاجر والمؤمن والكافر ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ فهذا معناها قلنا العلم والإحاطة والاطلاع والمراقبة. ومعية خاصة تكون مع من رضى الله عنهم وأحبهم وهم عباده المؤمنون المتقون فمعية نصر وتأييد وحفظ وكلائة ومعونة. كيف يتم إحياء ليلة القدر؟ يتم بأن يشغلها الإنسان بالطاعات ولا يشترط أن يحيى الليلة وأن يقومها من أول الليل إلى آخرها وليلة القدر ممتدة كما قال الله ﴿سلام هى حتى مطلع الفجر﴾ فممتدة إلى طلوع الفجر فمن وفق فى تلك الليلة للتقرب إلى الله جل وعلا بطاعة ومناجاته حصل له ذلك القيام ولا يشترط أن يقوم الليلة من أولها إلى آخرها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الإنبياء والمرسلين

стр. 2297

مقدمة التفسير (٣) (دروس تفسير) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التفسير ٣ الحمد لله نحمده ونتستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ولى الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. ﴿ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ [الأنعام/١٠٢] . وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته رضى الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء/١] . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران/١٠٢] . ﴿يا أيها أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﷺ * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب/٧٠-٧١] . إخوتى الكرام.. لازلنا فى مقدمة دروس التفسير التى سنتدارسها عما قريب إن شاء الله وهذه المقدمة التى ستكون مفتاحا لدروس التفسير الآتية قلت تقوم على أمرين وتدور حول أمرين.

стр. 2298

الأول: فى منزلة كلام الله جل وعلا وأثره فى الناس وقد مضى الكلام على هذا. والأمر الثانى: وهو فى بيان طرق التفسير المقبولة المحمودة فى بيان الطريقة المثلى فى تفسير كلام الله جل وعلا وقلت فى الدرس الماضى إن الطريقة المحكمة لتفسير كلام الله الحكيم تقوم على طريقين أيضا. الطريق الأول: تفسير كلام الله بالمأثور. والثانى: تفسير كلام الله جل وعلا بالرأى المقبول المبرور. أما الطريق الأول: وهو تفسير كلام الله جل وعلا عن طريق الأثر والنقل فقلت له أربعة طرق مضى الكلام عليها. الطريق الأول: تفسير كلام الله بكلام الله. والطريق الثانى: تفسير كلام الله بحديث رسول ﷺ . والطريق الثالث: من طرق التفسير بالمأثور تفسير كلام الله بأقوال الصحابة الكرام رضوان عليهم أجمعين وقلت هذا الطريق الثالث الذى هو تفسير القرآن بأقوال الصحابة له حالتان أقوال الصحابة فى التفسير أقوالهم لها حالتان. الحالة الأولى: ما يكون لأقوالهم حكم الرفع إلى نبينا ﵊ وذلك إذا قالوا قولا لا يدرك بالرأى ولم يكن هذا القول مأخوذا عن بنى اسرائيل إذا كان الصحابى يأخذ عنهم وعن أخبار أهل الكتاب وذلك الخبر يحتمل أخذه منهم فإذا قال الصحابى قولا لا يدرك بالرأى ولم يؤخذ عن أهل الكتاب إذا كان يمكن أخذه منهم فله حكم الرفع إلى النبى ﵊. والحالة الثانية: أقوال الصحابة موقوفة عليهم رضوان الله عليهم أجمعين ليس لهاحكم الرفع إلى نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه. الحالة الأولى من أقوالهم قلت حكمها حكم ما ثبت عن نبينا ﵊ والحالة الثانية نأخذ بأقوالهم لاعتبارات ذكرتها فهم أكثرهم عرب خلص شهدوا وقائع التنزيل ولهم من رسوخ القدم فى الإيمان وطهارة الجنان ما ليس لغيرهم من بنى الإنسان فيعول على أقوالهم فى تفسير كلام الرحمن وإن لم يكن لتلك الأقوال حكم الرفع إلى نبينا ﵊.

стр. 2299

والطريق الرابع: من طرق التفسير بالمأثور تفسير كلام رب العالمين بأقوال التابعين الطيبين الطاهرين عليهم جميعا رحمة الله وقلت أقوال التابعين فى التفسير لها ثلاثة أقوال. الحالة الأولى: أن يجمعوا على تفسير آية بأن معناها كذا فهذا القول الذى أجمعوا عليه يجب الأخذ به لمحل الإجماع وهذا كما يشمل التابعين يشمل من بعدهم من المسلمين فالإجماع حجة فى جميع العصور وإن كان الإجماع الذى ينضبط ويقع ,يقع فى العصر الأول فى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وأما بعد ذلك فقد افترقت الأمة واختلفت وقل أن يحصل إجماع إنما الإجماع الذى ينضبط ما كان فى الصدر الأول كما قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله فى رسالته الواسطية الإجماع الذى ينضبط ما كان فى القرون الأولى وأما بعد ذلك فاختلفت الأمة وتفترقت وتعددت آراؤها ونحلها فقل أن يجمعوا على قول وقل أن يحصل هذا لكن يبقى الحكم أن الإجماع حجة فى جميع العصور فإذا أجمعوا على قول فى تفسير الآية فلا بد من الأخذ به لمحل الإجماع وذكرت لهذا أمثلة منها إذا كان بعضكم يستحضر شيئا مثالا لهذه الحالة فيكم من يستحضر تفسيرا أجمع عليه التابعون فيجب الأخذ به لمحل الإجماع نعم يا أخى الكريم بأى شىء فسروها وأجمع التابعون على ذلك وعلمه فى كل مكان فتفسير المعية هنا بأن المراد منها معية العلم والإحاطة والاطلاع هذا مما أجمع عليه التابعون. يقول الأوزاعى كنا نقول والتابعون متوافرون الله فوق عرشه بائن من خلقه علمه فى كل مكان فالمعية بالذات مستحيلة وليست المعية هنا معية خاصة لتكون معية تأييد ونصر وتوفيق فإذن هى معية عامة بمعنى الإحاطة والاطلاع والمراقبة والمشاهدة والعلم وعدم خفاء شىء عن الله جل وعلا.

стр. 2300

قلت وفى الآية قرينة إلى هذا أن الله أفتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ﴿ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولاأكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملو يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم﴾ . والحالة الثانية: من أقوال التابعين فى تفسير كلام رب العالمين مما لم يجمعوا عليه إنما قالوا قولا لا يدرك بالرأى وفيه الإحترازات المتقدمة فى تفسير الصحابة إذا كان لا يدرك بالرأى قولا لا يدرك بالرأى ولم يعرف التابعى بالأخذ عن بنى إسرائيل إذا كان ذلك الخبر محتمل أخذه من أهل الكتاب وليس طريق التفسير اللغة فإذا قال التابعى قولا فى التفسير بهذا المحترزات فله حكم الرفع إلى نبينا ﵊ لكن تقدم معنا مرفوع الصحابى متصل ومرفوع التابعى مرسل فلذلك إذا قالوا قولا فله حكم لا يدرك بالرأى بهذه المحترزات التى ذكرتها لها حكم الرفع المرسل إلى نبينا ﵊ فهل يقبل فى التفسير؟ قلت هذا الذى له حكم الرفع من أقوالهم له حالتان. الحالة الأولى: يقبل باتفاق أئمة الإسلام إذا تعزز بمرسل آخر أوكان قائلهم من أئمة التابعين الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة كسعيد بن الجبير وغيره رضى الله عنهم أجمعين فهنا يؤخذ بكلام هذا التابعى فى تفسير كلام الله جل وعلا. والحالة الثانية: أن لا يتعزز بمرسل آخر وأن لايكون هذا التابعى من أئمة التابعين الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة كالأعمش مثلا أوكغيره فإذا قال قولا فى تفسير كلام الله جل وعلا هذا القول الذى نقل عن الأعمش عن الحسن البصرى فى تفسير كلام الله جل وعلا ولا يدرك بالرأى وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊ ولم يتعزز بمرسل.

стр. 2301

وقلت ليس هو ممن أخذ التفسير عن الصحابة هل يقبل أم لا؟ قلت احتج به الجمهور أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد والشافعى عليه رحمة الله له شروط فى قبول المرسل فلا يقبل مرسل التابعى فى هذه الحالة. وكنت فصلت الكلام على هذا فيما مضى إذن أقوال التابعين التى هى لها حكم الرفع إلى نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه إن كانت أقوالهم معززة بمرسل آخر أو كان القائل من أئمة التابعين الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة يقبل مرسلهم وإلا فجرى خلاف بين أئمة الإسلام هل يقبل أم لا؟ والجمهور إلى القبول لأن عصر التابعين لم يفش فيه الكذب ولأنه من المستبعد غاية البعد أن يقول التابعى الثقة الإمام الصالح القانت قولا لا يدرك بالرأى عن طريق التخرس والظن والحسبان فإذا قال قولا لا يدرك بالرأى فإذن هذا أخذه عن صحابى آخر لم يصرح بذلك لاعتبارات خاصة الله أعلم بها وقرنهم خير القرون بعد قرن الصحابة بشهادة النبى ﵊ كما ثبت فى الصحيح [خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم] فعصر الصحابة والتابعين وتابعيهم خير قرون هذه الأمة وهم القرون المفضلة بشهادة النبى ﵊ فإذن يقبل قوله عند الجمهور. الحالة الثالثة: من أقوالهم ليس لأقوالهم حكم الرفع إلى النبى ﵊ فهل نأخذ بأقوالهم هنا فى التفسير أم لا؟ قلت هذا الذى أيضا جرى حوله نزاع فى هذه الحالة فسفيان الثورى عليه رحمة الله وعددا من أئمة الإسلام قالوا يؤخذ بقول التابعى فى هذه الحالة. وكان سفيان الثورى يقول إذا جاءك التفسير عن مجاهد عليهم جميعا رحمة الله فحسبك به وذهب بعض أئمة الإسلام لعدم الإحتجاج بأقوال التابعين فى هذه الحالة أقوالهم كأقوال غيرهم.

стр. 2302

قال شعبة بن الحجاج عليه رحمة الله أقوال التابعين ليست حجة فى الفروع فكيف تكون حجة فى الأصول أى لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم ولذلك إذا اختلفوا أو لم يرتض الإنسان قول تابعى فى تفسير الآية وذهب إلى قول آخر فلا مانع أن يعول على لغة العرب فى بيان كلام معنى الرب جل وعلا وأن يرجع إلى العمومات لبيان معنى الآية لأن أقوال التابعين فى هذه الحالة كأقوال غيرهم لكن النفس مع ذلك تميل إلى تقديم كلام التابعين مما ليس لأقوالهم حكم الرفع على أقوال من جاء بعدهم فمثلا لهذه الحالة الأخيرة. يقول الله جل وعلا فى كتابه: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون *من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ الآية فى سورة الصافات ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ . أزواجهم قال الحسن البصرى أزواجهم يعنى المشركات أى يحشر الزوج وزوجته إن كانت مشركة احشروا الذين ظلموا وأزواجهم أى المشركات ففسر الأزواج هنا بالزوجات وهذا متى يكون إذا كانت على دين زوجها لتخرج الزو جة المؤمنة إذا كان زوجها كافرا كحال مثلا فرعون وزوجه ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ قال أى المشركات وقال قتادة: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أى أشباههم وأشياعهم أتباعهم ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أشياعهم أى أتباعهم من تبعوهم وساروا على طريقهم. هذا المنقول عن التابعين ليس له حكم الرفع إلى نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه ولذلك ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم والأثر ثابت عن عمر ﵁ فى المستدرك وغيره بسند صحيح على شرط مسلم وأقره عليه الذهبى والأثر عزاه الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية فى زوائد المسانيد الثمانية لابن منيع وقال إسناده صحيح ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أى أمثالهم من كان على شاكلتهم.

стр. 2303

فحكمة الله تقتضى بأن يقرن ويجمع بين المتماثلين فالخبيث مع الخبيث والطيب مع الطيب ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أى أشباههم وأمثالهم ممن كان ظالم فهؤلاء يجمعون ويقيدون ويصفدون ويلقون فى النار. ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون *من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ ولذلك كان أئمتنا يستدلون بعموم هذه الآية إلى شىء آخر فكان كثير منهم يحذر أخذ وظيفة أو منصب يبعده عن صفة العلماء كما هو الحال فى ابن جرير فى شيخ أئمة التفسير بلا نزاع المتوفى سنة ثلاثمائة وعشرة عليه رحمة الله الإمام ابن جرير عرض عليه القضاء فأبى فلامه أصحابه وتلاميذه وقالوا تحيى به السنن وتميت به البدع فبكى عليه رحمة الله وقال كنت أخشى إذا قبلت القضاء أن تلومونى فإذا رفضت القضاء صرتم تلومونى قالوا وعلام يا إمام قال أما بلغكم أن القضاة يحشرون مع الأمراء وأن العلماء يحشرون مع الأنبياء أتريدون أن أحشر مع الأمراء عليه رحمة الله ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ . فبما أن ذاك من فصيلة الحكم يحشر مع الحكام بعد ذلك يفكه عدله أو يوبقه جوره وأما العلماء فهؤلاء مع الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط﴾ فتريدون منى أن أحشر مع الأمراء ولا أحشر مع الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. كانوا يستدلون بعموم هذه الآية على ما هو أوسع من هذا كل صنف يحشر مع صنفه وكل شكل يجمع إلى شكله ففصيلة القضاة الحكام فى مكان فصيلة الأنبياء وأتباعهم العلماء فى مكان فكانوا يستدلون بعموم هذه الآية على هذا الأمر وهذه حكمة الله تقتضى بأن يجمع بين المتماثلين وأن يفرق بين المختلفين المتباينين فإذن أقوال التابعين فى الحالة الثالثة مما ليس له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ يستأنس بها ولا تكون حجة على غيرهم.

стр. 2304

إخوتى الكرام: إلى هنا وصلنا فى الدرس الماضى هذه الطريقة فى تفسير كلام الله وهى تفسير القرآن بالمأثور طريقة سديدة ليس فيها شىء من المحذور وكيف يكون فيها محذور والتفسير فيها عن طريق المأثور تفسير القرآن بالقرآن تفسير القرآن بالسنة بأقوال الصحابة الطيبين والتابعين الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين كيف يكون هناك محذور. لكن قد يقع أحيانا توهم وشىء من القصور فى أذهان بعض الناس فى هذا النوع من أنواع التفسير وهذا المحذور وهذا القصور له وجهان واعتباران ذكرهما الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله فى مقدمة التفسير فانتبهوا لهما إخوتى الكرام. الأمر الأول: قد يرد تفسير بالمأثور وذلك التفسير الوارد هو تفسير للعام ببعض أفراده تفسير للعام ببعض أنواعه على سبيل التمثيل وعلى سبيل التوضيح وعلى سبيل ما يدخل فى ذلك العام لا على سبيل الحصر بأن المراد من هذا العام فرد من أفراده ونوع من أنواعه فيتوهم بعض الناس أن ذلك العام الذى ثبت تفسيره بالمأثور بفرد من أفراده ونوع من أنواعه. أن هذا النوع هو المراد دون ما عداه فينبغى أن يحذر هذا طالب العلم عام ورد تفسيره فى التفسير بالمأثور من السنة أو أقوال الصحابة والتابعين ببعض أفراده وهذا الذى ورد لا على سبيل الحصر إنما على سبيل المثال فهو نوع يدخل فى ذلك العام فانتبه لهذا ولا تقصر عموم ذلك اللفظ على هذا التفسير.

стр. 2305

مثال هذا ماثبت فى مسند الإمام أحمد وسنن الترمذى بسند حسن عن عدى ابن حاتم رضى الله عنه أن النبى ﵊ قال [اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون] ففسر نبينا ﵊ قول ربنا جل وعلا: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ باليهود والنصارى فاليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال هذا من باب تفسير العام لنوع من أنواعه ومن باب التمثيل لما يدخل فى هذا العام لكن يعنى بذلك القصر لا فكل من اتصف بالانحراف عن العلم وتحريف كلام الله عن مواضعه فهو مغضوب عليه كحال العلماء الفجرة الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا من هذه الأمة والأمم السابقة وكل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مهتد ومصيب وهو مأجور والأمر بخلاف ذلك فهو ضال فالمبتدعون فى هذه الأمة العباد الذين عبدوا الله على رأيهم وهواهم حكمهم كحكم الضالين من النصارى طريقتهم ضالة والعلماء الفاجرون من هذه الأمة حكمهم كحكم اليهود عليهم غضب الله. وهذا ما قرره ربنا جل وعلا فى كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ ، والمقت أعظم أنواع الغضب فالعالم عندما يحرف كلام الله ويخلف عمله علمه ويتصف بوصف اليهود هو مغضوب عليه ويدخل فى عموم قول الله: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ علم بلا عمل طريقة اليهود عمل بلا علم طريقة النصارى ولذلك من اتصف بأحد هذين الوصفين يدخل فى عموم الآية وليس هذا من باب قصر وحصر الآية فى اليهود والنصارى فكل من عبد الله على حسب رأيه وهواه فهو ضال سواء كان فى الأمم السابقة أو فى هذه الأمة وكل من ضل على علم وانحرف عن العمل بعلمه فهو مغضوب عليه يحرف كلام الله عن مواضعه ويشترى بآيات الله ثمنا قليلا فهذا تفسير العام بنوع من أنواعه وفرد من أفراده.

стр. 2306

فإياك أن تقصر ذلك العموم على هذا النوع وأول ما يدخل فى المغضوب عليهم اليهود ويدخل بعد ذلك من سار على طريقتهم ممن علم ولم يعمل وأول ما يدخل فى الضالين فى معنى ذلك اللفظ النصارى ويدخل فى ذلك العموم ويشمل ذلك العموم من عبد الله على حسب رأيه وهواه وعلى حسب بدعته ورأيه ولم يعبد الله على حسب ما جاء عن رسول الله ﵊ فأولئك طريق المغضوب عليهم وهؤلاء ضالون فذلك العموم الذى ورد تفسيره بنوع من أنواعه لاتقصره على هذا النوع هو أشمل من ذلك بكثير ولذلك كان أئمتنا يستدلون بعموم ذلك اللفظ على ما يدخل تحته وأن لم يكن الداخل من هذين الصنفين أى من اليهود والنصارى. ثبت عن سفيان ابن عيينة عليه رحمة الله أنه قال كان العلماء يقولون من ضل من علمائنا ففيه شبه باليهود زمن ضل من عبادنا ففيه شبه بالنصارى فحصل إذن هنا دخول فى المغضوب عليهم ودخول فى الضالين من غير اليهود والنصارى. والله جل وعلا يحاسب العباد على حسب أعمالهم فمن كان عالما وضل حكمه وحكم اليهود سواء فالنبي ﵊ فسر هذا اللفظ غير المغضوب عليهم باليهود لبيان نوع ما يدخل لبيان بعض الأنواع التى تدخل فى هذا اللفظ وأنت بعد ذلك تطبق ما فى هذا النوع من معنى ومافيه من حقيقة ووصف على الأنواع الأخرى وعلى الناس الآخرين إذا وجد فيهم هذا فكل من ضل على علم غضب الله عليه ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير﴾ فضلوا على علم وأولئك عبدوا الله على حسب رأيهم وهواهم فضلوا فهم ضالون وهؤلاء مغضوب عليهم والمغضوب عليهم فيهم صفة الضلال والضالون فيهم صفة الغضب أيضا لكن أخص أوصاف من ضل على علم الغضب كما أن أخص أوصاف من عبد الله على جهل الضلال لكن كل ضال مغضوب عليه وكل مغضوب عليه ضال لكن أخص أوصافه أنه مغضوب عليه وذاك أخص أوصافه أنه ضال.

стр. 2307

فالآية تشمل هاتين الأمتين الملعونتين من اليهود والنصارى وتشمل من كان على شاكلتهما ممن ضل على علم أو عبد الله على غير بصيرة ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ هذا النوع الأول تفسير العام ببعض أنواعه بنوع من أنواعه من باب التمثيل لا من باب الحصر فلا تقصر عموم ذلك اللفظ على هذا النوع الثابت فى التفسير بالمأثور. الأمر الثانى: الذى ينبغى أن ينتبه له طالب العلم لئلا يقع فى التقصير ولئلا يقع فى المحذور نحو التفسير بالمأثور إذا وردت عبارات مختلفة فى التفسير بالمأثور تدل على معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى عبارات مختلفة تدل على معنى فى المسمى هذا المعنى هو غير المعنى الآخر لكن مآل المعنيين إلى شىء واحد فإياك أن تعد تلك الأقوال أقوالا متعددة كلها شىء واحد لكن بعضهم عبر عن ذلك العام بلازمه بنظيره بفرد من أفراده ومآل تلك العبارات إلى شىء واحد فإياك أن تقول اختلف الصحابة أو التابعون أو تعددت أقوالهم فى تفسير هذه الآية إلى عشرة أقوال العشرة كلها قول واحد. قال الإمام ابن الجوزى فى زاد المسير فى تفسير سورة التكاثر ﴿ألهاكم التكاثر﴾ فى آخر السورة ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ يقول فى النعيم الذى نسأل عنه عشرة أقوال عشرة أقوال حكاها عن الصحابة والتابعين هذه الأقوال العشرة هى قول واحد قلنا كل واحد عبر عن معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى فى النهاية تتحد فبعضهم يقول ﴿ثم لتسئلن عن النعيم﴾ عن الماء البرد, نعيم ,عن الظل الذى نتظلل به ,نعيم, عن الكساء ,نعيم, عن الطعام, نعيم, قال بعضهم ﴿ثم لتسئلن عن النعيم﴾ عن محمد ﵊ وحقيقة هذه أعظم نعمة امتن الله بها علينا سنسأل عن هذه النعمة وهل قمنا بشكر الله عليها وتلقيناها بالقبول أم جحدنا هذه النعمة.

стр. 2308

هذه الأقوال الواردة فى تفسير النعيم كماقلت هى من باب ما يدخل فى ذلك اللفظ فأقوال مختلفة متعددة لكن مآلها شىء واحد اختلفت فى اللفظ لكن لا تخرج عن كون هذه الأقوال كلها من النعيم الذى نسأل عنه ولذلك قال الإمام ابن الجوزى فى نهاية الأمر والصحيح أن الآية عام فى كل نعيم أنعم الله به علينا ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ وسنسأل عن هذه النعم يوم القيامة وهذا الصحيح يشير إلى أنه تلك الأقوال إذن فيها قصور والواقع لا قصور فى تلك الأقوال لأننى كما قلت أراد السلف أن يوضحوا النعيم والشىء إذا ضرب له المثال يتضح فلو قال النعيم كل ما أنعم الله علينا من نعم حسية أو معنوية سنسأل عنها لكن هذا هو التعريف المطابق لقول الله ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ لكن هذا الكلام يبقى نظريا فيقول ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ ما المراد بالنعيم يقول الماء البارد وذاك يقول ما المراد بالنعيم يقول الخبز. ما المراد بالنعيم النبى ﵊ هذا من باب تقريب المعنى لأذهان الناس لأنه بالمثال يتقرب المعنى أى كل ما أنعم به علينا سنسأل عنه فهنا الأقوال متعددة مختلفة من حيث الظاهر لكن مآلها إلى شىء آخر فإياك أن تعد هذه الأقوال أقوالا مستقلة وأن تقول فى الآية عشرة أقوال لا قل معنى النعيم كذا وعبر سلفنا عن بعضهم بلازمه بعضهم نظيره بعضهم بنوع من أنواعه فقالوا كذا وكذا وكذا اثبت أقوالهم بعد أن تبين المعنى المطابق للآية الذى تدل عليه الآية وأما أن تقول فى الآية عشرة أقوال فلا.

стр. 2309

مثال آخر قول الله جل وعلا فى سورة الفاتحة ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ يقول الإمام ابن كثير عليه رحمة الله فى تفسيره اختلفت عبارات السلف والخلف فى بيان الصراط المستقيم الذى أمرنا الله أن نسأله إياه ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ يقول ومآل تلك العبارات إلى شىء واحد وهو المتابعة لله ولرسوله ﵊ عبادة الله حسبما جاء عن رسول الله ﵊ هذا هو حاصل تلك العبارات فإذا عبدت الله حسبما جاء عن رسوله ﵊ وهذا هو مدلول لا إله إلا الله لا معبود بحق سواه محمد رسول الله ﵊ تلك العبادة حسبما شرع هذا هو الصراط المستقيم لأنك لو علمت ولم تعمل هذا صراط أهل الجحيم صراط المغضوب عليهم ولو عملت دون علم وبينة وهدى هذا صراط الضالين صراط النصارى الذين لعنهم الله فإذن حاصل تلك الأقوال إلى المتابعة لله ولرسوله والطاعة لله ولرسوله ﵊ الله يعبد ورسوله يتبع عليه صلوات الله وسلامه. لكن تلك الأقوال ما هى ذكرها ابن كثير وغيره من أئمتنا ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ الإسلام ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ القرآن طريق الحق طريق السنة والجماعة طريق الشيخين أبى بكر وعمر ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ .

стр. 2310

العلم والعمل وهل بين هذه الأقوال منافاة لا منافاة بينها فلا تقل فلى الصراط المستقيم ستة أقوال عن سلفنا الطيبين هى قول واحد لكن كما قلت من باب المثال ومن باب إيضاح الحال الإسلام الحق طريق القرآن طريق السنة والجماعة طريق الشيخين أبى بكر وعمر العلم النافع والعمل الصالح هذا كله يرجع إلى شىء واحد فالقرآن هو الإسلام والإسلام هو القرآن والحق هو القرآن وطريق الشيخين أبى بكر وعمر هو الإسلام وهو القرآن وطريقة أهل السنة والجماعة ترجع إلى هذا والعلم النافع والعمل الصالح هذا هو ما يأمر به القرآن وهذا هو مدلول القرآن وهذا هو الإسلام أن يعبد الإنسان ربه على بصيرة وبينة فلا منافاة بين هذه الأقوال إذن كل واحد عبر عن معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد تلك المعانى فلا تظن أن تلك التفسيرات الواردة عنهم مختلفة متعددة هى فى المآل شىء واحد فانتبه لهذا ولا تحكى تلك الأقوال أقوالا متعددة أنما هى قول واحد فانتبه له. مثال على هذ أيضا قول الله جل وعلا: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير *جنات عدن يدخلونها﴾ إلى آخر الآيات. هؤلاء الأصناف الثلاثة الذين أورثوا هذا القرآن العظيم وأورثوا العمل به وهم من أمة محمد ﵊ وفيهم هذه الأصناف الثلاثة ظالم النفسه مقتصد سابق بالخيرات هؤلاء الأصناف الثلاثة نقل عن أئمة السلف عن المفسرين الكرام أقوال فى إيضاح الأصناف الثلاثة هى من باب التمثيل وكل واحد يعبر عن معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد تلك المعانى فى نهاية الأمر فيقول بعضهم الظالم لنفسه هو الذى يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت والمقتصد يصلى فى وسط الوقت والسابق بالخيرات يصلى فى أول الوقت هذا قول من باب التمثيل والتنويع لما يدخل فى هذه الآية من الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات.

стр. 2311

ويقول أيضا بعض السلف فى بيان هؤلاء الأصناف الثلاثة يقول الظالم لنفسه هو الذى يمنع الزكاة أو يتعامل بالربا والمقتصد هو الذى يؤدى الزكوات الواجبة ولا يقرب الحرام لا يتعامل بالربا والسابق بالخيرات هو الذى يؤدى الزكاة ويتصدق ولا يقرب الحرام ولا الشبه هذا قول ثان ,قول ثالث فى بيان هؤلاء الأصناف الثلاثة الظالم لنفسه هو الذى يفرط فى صيام الفريضة فى صيام شهر رمضان والمقتصد هو الذى يقتصر على صيام الفريضة والسابق بالخيرات يصوم الفريضة ومعها النوافل هذه الأقوال وما شابهها هل تعتبر أقوالا متعددة؟ مآلها شىء واحد فأنت فى أول الأمر قلت المقتصد هول الذى يحافظ على الواجبات والسابق بالخيرات يضم إليها المستحبات والظالم لنفسه هو الذى يفرط فى ما أوجب الله عليه مثال على هذا قال أئمتنا كذا وكذا فى إيضاح هؤلاء الأصناف الثلاثة فتلك الأقوال لا تعتبر أقوالا متعددة فى التفسير كما قلت هى من باب المثال ومن باب ما يدخل الآية فإياك أن تعد تلك الأقوال أقوالا مستقلة فى تفسير كلام الله جل وعلا لا هى من باب ما تشمله تلك الآيات لكن بعضهم عبر عنه بمثال فى بعض الطاعات وبعضهم بمثال آخر فى طاعة أخرى ومآل تلك الأقوال إلى شىء واحد فلا تعد تلك الأقوال أقوالا متعددة.

стр. 2312

إخوتى الكرام: من باب تعليق القلوب بربنا الرحمن هذه الاية كان شيخنا عليه رحمة الله الشيخ محمد الأمين الشنقيطى يقول هى أرجى آية فى كلام الله جل وعلا وهى فى سورة فاطر: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير﴾ إلى آخر الآية يقول هذه أرجى آية فى القرآن والسبب فى هذا حرف واحد فى هذه الآيات وهو فى قول الله يدخلونها هذه الواو التى هى ضمير الفاعلين جنات عدن يدخلونها تعود على الأصناف الثلاثة على الظالم لنفسه وعلى المقتصد وعلى السابق بالخيرات ولذلك كان شيخنا عليه رحمة الله يقول لو قدر الناس هذه الآية لكتبوا هذه الواو بماء العينين ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ لكتبوا هذه الواو بماء العينين ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ قال الشيخ عليه رحمة الله وإنما بدأ الله بالظالم لئلا يقنط وأخر السابق لئلا يعجب ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير*جنات عدن يدخلونها﴾ الأصناف الثلاثة. وثبت عن عمر ابن الخطاب ﵁ فى تفسير الطبرى أنه خطب على المنبر فقال سابقنا مقرب ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له. فيقول هذه أرجى آية فى كلام الله جل وعلا وهذه الواو من الظلم أن تكتب بالمداد إنما ينبغى أن تكتب بماء العينين لما فيها من الرجاء لرحمة الله جل وعلا.

стр. 2313

إخوتى الكرام: فانتبهوا لهذين الأمرين نحو التفسير بالمأثور إذا ورد قول فى التفسير بالمأثور وهذا القول يفسر العام ببعض أنواعه ولا يريد قصر العام عليه إياك أن تقصره عليه والحالة الثانية وردت أقوال متعددة فى التفسير بالمأثور كل واحد عبر فى قوله عن معنى الآية بلفظ يختلف عن لفظ الآخر ويوجد فى لفظه معنى لا يوجد فى لفظ الآخر مع اتحاد تلك المعانى إن هذا ضرب مثالا فى ما يتعلق بأمر الصلاة وذاك فيما يتعلق بالبيوع وذاك فيما يتعلق بالزكاة مآل تلك الأقوال إلى شىء واحد فلا تعد تلك الأقوال أقوالا متعددة فلا تقل فى النعيم الذى نسأل عنه عشرة أقوال قول واحد ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ كل ما أنعم الله به علينا سنسأل عنه يدخل فى هذا ما ورد عن أئمة السلف فى تفسير كلام الله من باب كما قلنا المثال والنوع لما يدخل فى هذه الآية لا من باب أن هذا القول هو المطابق لذلك اللفظ فيعتبر قولا يخالف الأقوال الأخرى فانتبه لهذا. إخوتى الكرام: النوع الثانى من أنواع التفسيرو هو التفسير بالرأى المقبول المبرور الأول تفسير بالأثر والنقل والثانى قلنا تفسير بالرأى المعتبر قبل أن ننتقل إلى هذا يلتحق بالتفسير بالمأثور ما يتعلق بأخبار أهل الكتاب فلا بد من بيانها لأنها تنقل وتؤثر وتروى وليست هى من باب التفسير بالرأى فنذكر الموقف السديد من أخبار أهل الكتاب بعد ان انتهينا من بيان طرق التفسير بالمأثور لأنها ملحقة بها فهى مأثورة ومروية فما موقفنا نحوها؟ إذا نقلت أخبار عن أهل الكتاب تتضمن توضيح وتفصيل أخبار الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه مع أممهم هل نقبلها أم لا؟ فهذه الأقوال ملحقة بالتفسير بالمأثور فما موقفنا نحوها؟

стр. 2314

إخوتى الكرام: ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح البخارى وسنن الترمذى عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص والحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبى هريرة ورواه الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى ﵁ عن عبد الله ابن عمرو وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى ﵃ أجمعين والحديث فى صحيح البخارى كما تقدم فى أول التخريج فهو صحيح صحيح أن النبى ﷺ قال [بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار] الشاهد حدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج هذه الجملة الشريفة من حديث نبينا ﵊ تحتمل خمسة أمور كما وضح هذا الحافظ ابن حجر فى فتح البارى فى الجزء السادس فى صفحة ثمان وتسعين وأربعمائة أولها: وحدثوا عن بنى اسرئيل ولا حرج أى لاضيق عليكم ولا حرج عليكم ولا لوم عليكم فى التحديث عنهم ولما لأنه سبق النهى من النبى ﵊ عن الحديث عن بنى اسرئيل فنهى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أن يحدثوا عنهم أو يأخذوا منهم ثم بعد ذلك رخص فقال لاضيق عليكم ولا محذور فى أن تحدثوا بعد ذلك عنهم عندما رسخ الحق فى قلوبكم فإذن حدثوا عن بنى اسرئيل ولا حرج ولا حرج فى التحديث عنهم وإن سبق النهى فذلك النهى منسوخ بهذه التوسعة الواردة عن النبى ﵊ حدثوا بعد أن منعتم من أن تحدثوا عنهم حدثوا عن بنى اسرئيل ولا حرج وقد كان النبى ﷺ نهى الصحابة فى أول الأمر أن يحدثوا عن أهل الكتاب أو يسمعوا منهم.

стр. 2315

والنهى ثابت عنه عليه صلوات الله وسلامه وارد فى مسند الإمام أحمد ومعجم الطبرانى الكبير ومسند البزار وأبى يعلى والحديث فى درجة الحسن عن عدة من الصحابة الكرام عن عمر ابن الخطاب وعن عبد الله ابن ثابت الأنصارى وعن أبى الدرداء وعن جابر ابن عبد الله ﵃ أجمعين وخلاصة الحديث أن عمر ابن الخطاب ﵁ مر على يهودى من أهل الكتاب ومعه صحيفة من التوراة فنسخها عمر ابن الخطاب ﵁ ثم ذهب إلى النبى ﵊ وعرضها عليه وقال نزداد علما إلى علم أى نطلع على أخبار الكتب السابقة مع ما اطلعنا من أخبار هذا القرآن فنزداد علما على علم فغضب النبى ﵊ من هذا حتى احمر وجهه الشريف ﵊ فقال عبد الله ابن ثابت لعمر ألا ترى ما فى النبى ﵊ أى كيف انزعج وتأثر من كلامك فقال عمر ابن الخطاب بعد أن جلس على ركبتيه رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا فسرى عن النبى ﵊ وذهب عنه ما اعتراه من الشدة والكرب والهم والغم عليه صلوات الله وسلامه وورد فى بعض الروايات أن النبى ﵊ أمر بأن ينادى الصلاة جامعة فقال الأنصار غضب نبيكم غضب نبيكم حتى أمر بأن نجتمع للصلاة من الذى أغضب النبى ﵊ خذوا أسلحتكم فأخذ الصحابة رضوان الله عليهم أسلحتهم وجاؤوا إلى المسجد فقال النبى ﵊ لا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون أى لا تتحيروا ونحن على بينة من أمرنا وعلى هدى فى حياتنا وقد أكرمنا الله بهذا القرآن فلا داعى للحيرة ولا لأخذ فائدة من هنا أو هناك ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ لا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون أنتم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين والذى نفس محمد بيده ﵊ لو كان موسى حيا وتبعتموه وتركتمونى لضللتم والذى نفس محمد بيده عليه
следующие страницы →