Полный текст (6 674 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
والعباد فقراء لله جل وعلا ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ فإذا كانت العبودية الاضطرارية القصرية القهرية واقعة فانتقل منها أيها الذكى الذكى إلى العبودية الاختيارية فالثواب والمدح يحصل باتصاف الإنسان بعبوديته لربه عبودية اختيارية لا اضطرارية لأنه ليس فى العبودية الاضطرارية إلا الإشارة إلى أنه موجود والله يتصرف فيه كما يريد لكن العبودية الاختيارية التى تحصل بتذلل العبد لربه وحبه له من جميع قلبه هذه التى يرتبط بها الثواب وبتفريطها يحصل العقاب وبذلك يحصل المدح والذم يقول الله جل وعلا: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾ ينقاد له من فى السماوات ومن فى الأرض ذليل صاغر ثم قال جل وعلا: ﴿وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب﴾ سبحان الله كثير من الناس دخل فى اللفظ الأول ﴿ألم تر أن الله يسجد له من فى السماوات وما فى الأرض﴾ وفى الأرض دخل الناس فهم يسجدون لله رغم أنوفهم وينقادون له حسب مشيئته شاءوا أم أبوا فلم قال بعد ذلك وكثيرمن الناس وكثير حق عليه العذاب فلا يسجدون السجود الأول اضطرارى قسرى قهرى لايخرج عنه أحد فهم منقادون بمشيئته خلق هذا ذكرا ليس باستطاعة أهل الأرض أن يقلبوه إلى أنثى وخلق تلك أنثى ليس باستطاعة أهل الأرض أن يجعلوه ذكرا ﴿هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء﴾ ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير﴾ .
стр. 2452
لكن فى وسع الإنسان وإمكانه ومشيئته أن يكون صالحا وأن يكون طالحا يكون تقيا وأن يكون شقيا أن يكون صادقا وأن يكون كاذبا أن يعفر جبهته لربه فى التراب وأن يتذلل له وأن يتمرد على الله جل وعلا وأن يعاديه هذا باستطاعته لكنه لا يخرج عن مشيئة الله الكونية فالسجود الثانى غير الأول ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾ .
هؤلاء كلهم منقادون لقهره ومشيئته وإرادته ﴿وكثير من الناس﴾ يسجدون سجودا اختياريا فلهم الثواب وكثير من الناس يمتنعون من التذلل والحب لله فعليهم عقاب ﴿وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ .
ففقر العباد واحتياجهم إلى ربهم جل وعلا هذا اضطرارى فى المخلوقات فالله أخص أوصافه أنه غنى أخص أوصافه الغنى قائم بنفسه حى قيوم قائم بشؤون غيره وأخص أوصاف العباد أنهم فقراء فلا بد إذن من الإشارة إلى هذه القضية فى القرآن المكى ليعرف الإنسان قدره وموقعه فى هذه الحياة ولذلك العلة فى احتياج هذا العالم من عرشه إلى فرشه إلى ربه جل وعلا العلة فى احتياج العالم إلى الله فقر من عدا الله وغنى الله العباد محتاجون إلى الله لأنهم فقراء والعباد محتاجون إلى الله لأنه غنى الغنى الحميد فأخص وصف فى المخلوق أنه فقير وأخص وصف فى الخالق جل وعلا أنه غنى عن العالمين.
стр. 2453
ولذلك قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله فى طريق الهجرتين ومفتاح باب السعادتين ويقصد بالهجرتين هجرة إلى الله جل وعلا عن طريق عبادته وحده لا شريك له وهجرة إلى نبينا محمد ﵊ عن طريق متابعته دون اتباع إمام غيره عليه صلوات الله وسلامه بهاتين الهجرتين يحصل التوحيد الكامل الحق للمؤمن لعبادة الله وحده لا شريك له لا إله إلا الله حسبما شرع وبين وحسبما أحب وأراد محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه يقول فى طريق الهجرتين فى أوائل كتابه فى صفحة خمسة وستة وما بعدها علة احتياج العالم إلى ربه أن العالم بأسره فقير وأن الله غنى وليست العلة فى احتياج العالم إلى الله الإمكان ولا الحدوث كما يقول الفلاسفة والمتكلمون فالمتكلمون علماء الكلام يقولون العلة فى احتياج العالم إلى ربه أنه حادث مخلوق والحادث لا بد له من محدث والمخلوق لا بد له من خالق والفلاسفة يقولون العلة فى احتياج العالم إلى الله جل وعلا أنه ممكن وجوده ممكن وعدمه ممكن ولا يرجح أحد الممكنين إلا إرادة مريد وقدرة قدير وهو الله جل وعلا يقول الإمام ابن القيم وهذا غلط الإمكان والحدوث علامتان على الفقر فهذا العالم مخلوق لأنه فقير لو كان غنيا لكان خالقا فإذن المخلوقية فيه علامة على فقره وليست المخلوقية فى العالم علامة على احتياج العالم إلى ربه وكون العالم ممكنا حدوثه وعدمه ويتصور وجوده وفناءه فالذى رجح أحد الأمرين هو إله عظيم هذا علامة على فقره لأنه لما كان فقيرا يتصور أن يوجد وأن لا يوجد وأما الله جل وعلا فلا يتصور زواله طرفة عين ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ ، ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾ فإذن فى هذه السورة وفى السور المكية بعد أن أشار ربنا جل وعلا إلى ما يتعلق به وما يتصف به أشار إلى حال العباد فهم فقراء وفقرهم على قسمين.
стр. 2454
فقر قهرى اضطرارى: قسرى لا يخرجون عن مشيئته الكونية وإرادته القدرية فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ ، ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ .
وهناك فقر اختيارى: طلبنا به بعد أن عرفنا فقرنا الاضطرارى وعرفنا ربنا فهو خلقنا ويتصرف فينا يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان ينبغى أن نعبده وحده لا شريك له وأن نحكم شرعه فى جميع شؤون حياتنا وسنصير إليه ليوفينا جزاء أعمالنا ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ ونحن مقصورون لما يريد ولما يشاء إذن ينبغى أن نطيعه اختيارا وطوعا لننال الأجر الذى أشار إليه ربنا جل وعلا وكثير من الناس يسجد لله طواعية واختيارا وانقيادا لعظمة الله جل وعلا وكبريائه وألوهيته وربوبيته وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب فيمتنع عن هذا وهذا ما يشير إليه ربنا جل وعلا فى هذه السورة فى سورة لقمان فبعد أن قرر ربنا جل وعلا ربوبيته وأنه خالق هذا الكون ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم * هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين﴾ ماذا خلقوا هم فقراء ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ ، ﴿ما لهم شرك فى السماوات ولا فى الأرض﴾ هم ما خلقوا شيئا فى هذا الكون لا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم نفعا ولا ضرا ﴿هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين﴾ .
стр. 2455
وهذا الأمر يسلم به حتى المشركون ولا يوجد من يجحد توحيد الربوبية إلا من باب المكابرة والمغالطة وأما أنه يجحد هذا من حقيقة نفسه فلا ثم لا ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ ، ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ .
وهنا يقول الله جل وعلا فى سورة لقمان: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ ، ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ فإذا كان هو الخالق والمتصرف والمدبر وانت ومن معك وجميع ما فى هذا الكون لم تخلقوا فيه ذرة فينبغى أن تضعوا الأمور فى نصابها أنت عبد تهتدى بهدى الرب أنت مخلوق تعبد هذا الخالق ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ .
ويقول جل وعلا مقررا هذه الحقيقة: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾
﴿وإذا غشيهم موج﴾ لجأوا إلى الله جل وعلا ﴿دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾ .
إذن هذا الأمر الأول: الذى دار حوله القرآن المكى بيان ما يتعلق بربنا الرحمن وبيان لحال الإنسان وما يحيط به فى هذا الكون فالله جل وعلا رب العالمين يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان يجب أن يعبد وحده لا شريك له سنؤول إليه وأنت أيها الإنسان مخلوق لهذا الخالق لا تستطيع أن تخرج عن إرادته الكونية فالتزم بأمره الشرعى وحذار حذار أن تخرج عن ذلك طرفة عين.
стр. 2456
ولذلك القضية المقررة مما تقدم أنه إذا كان الأمر كذلك فلا أسعد ولا أحسن حالا ممن أفرد ربه بالعبادة وهذا ما أشارت إليه هذه السورة ﴿هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ ولا أتعس ولا أشقى ولا أخبث ولا أنكد معيشة فى هذه الحياة وهلاكا بعد الممات ممن أعرض عن عبادة الله وانحرف عن شرع الله ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين * وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ ثم بين مآل الصنف الأول ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم﴾ .
إذن هذا الأمر الأول الذى دار حوله القرآن المكى بناء القلوب لتتصل بعلام الغيوب عن طريق بيان الصلة بين الخالق والمخلوق سبحان ربنا جل وعلا.
أما الأمر الثانى: الذى دار حوله القرآن المكى التحدث عن أمهات الفضائل التى يطالب بها العباد بوصفهم عبادا لله فى جميع العصور على مر الأيام والدهور وهذا الفضائل لا يدخلها النسخ كما يقول علماء الأصول فى كتب الأصول أمهات الفضائل لا يقع فيها نسخ بر الوالدين الإحسان إلى المحسن الأمر بالفضيلة والتحذير من الرذيلة هذه أمهات فضائل وأخلاق عالية يستوى فى معرفة حسنها جميع الناس بغض النظر عن كونهم مؤمنين أو كافرين بر الوالدين مطلوب؟ مطلوب فهما محسنان حض الناس على الفضيلة وتحذيرهم من الرذيلة مطلوب كل واحد يقول مطلوب ونعم الفاعل.
стр. 2457
لذلك فالقرآن المكى كان يشير إلى هذه القضية ولذلك يقول ربنا جل وعلا فى سورة لقمان ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾ هذا من أمهات الأخلاق ومن الأخلاق العالية الفاضلة لا يتصور أن تنسخ شريعة من الشرائع هذا الحكم فهذا أمر به المسلمون والناس بوصفهم عبادا لله من عهد أبينا آدم إلى نبينا محمد على نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه.
وهكذا يقول الله جل وعلا فى هذه السورة مخبرا عن وصية لقمان الحكيم لابنه الكريم يابنى أقم الصلاة ثم يقول وأمر بالمعروف هذه فضيلة هذه فضيلة ينبغى أن توجد فى جميع العصور وأمر بالمعروف وانه عن المنكر يحضه على خلق الصبر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ثم يحذره من الأخلاق الرذيلة الدنيئة ومن سفاسف الأمور ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ كل عاقل بوصفه بشرا يقر بحسن هذه الوصية ﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ فهذا وجد فى القرآن المكى الإشارة إلى أمهات الأخلاق والفضائل.
ولذلك ثبت عن ابن عباس ﵄ فى تفسير الطبرى أنه قال جمع الله أحكام التوراة من أولها إلى آخرها فى خمس عشرة آية من سورة الإسراء أولها قول الله جل وعلا ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا *وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ .
стр. 2458
ثم انتقل إلى بقية الآيات خمس عشرة آية جميع أحكام التوراة فى هذه الآيات جمعها الله فى القرآن المكى وسورة الأسراء مكية والتوراة امتازت بذكر الأحكام بخلاف الإنجيل فالإنجيل كان فيه المواعظ وترقيق القلوب وهى تكمل ما فى التوراة فنبى الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يرجع إلى التوراة والمواعظ فى الإنجيل أحكام التوراة جمعها الله لهذه الأمة فى خمس عشرة آية من سورة الإسراء ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا * وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ .
ثم انتقل إلى بقية الخصال فى النهى عن قتل الأولاد وعن الزنا وعن التطفيف فى الكيل والميزان إلى غير ذلك من الخصال الحسان التى كما قلت لا يتصور فيها نسخ قتل النفس ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ فلا يتصور في هذا نسخ أمهات الفضائل والأخلاق ذكرت فى القرآن المكى.
الأمر الثالث: الذى ذكر فى القرآن المكى وعنى به القرآن المكى بكثرة القصص والإشارة إلى أحوال الأمم السابقة لأن القصص فى الحقيقة هو يقرر الأمرين المتقدمين والثانى فرع عن الأول فإذا طهرت القلوب وأفردت علام الغيوب بالعبادة ينبغى بعد ذلك أن تأمر بكل فضيلة وأن تبتعد عن كل رذيلة لأجل تقرير هذين المعنيين ذكر الله القصص ما جرى للأمم السابقة للإشارة إلى أن تلك الأمم أمروا بعبادة الله كما أمرنا وبهذه الأخلاق الكريمة كما أمرنا فكانت النتيجة أن من أعرض عن شريعة الله شقى فى الدنيا وما له من العذاب بعد موته أكبر وأفظع القصص وهنا ذكر الله فى هذه السورة المكية شأنا من القصص فيما يتعلق بالعبد الصالح لقمان ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾ .
стр. 2459
وفائدة القصص سيأتينا الكلام عليها إن شاء الله على وجه التفصيل بإسهاب عند قصة لقمان وأذكر الفوائد العشرة من مجىء القصة فى القرآن وأنواع القصة فى القرآن عند قصة العبد الصالح لقمان لكنى الان أشير إلى ثلاثة أمور تتعلق بموضوعنا فيما يتعلق بطبيعة القرآن المكى القصة أشارت إلى وحدة الأديان فالله جل وعلا أرسل رسله بدءا من نبى الله أبينا آدم وانتهاء وختاما بنبينا محمد على نبينا وعلى جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه بأمر واحد ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ وحدة الأديان هذه يستنبطها الإنسان من القصص وفى ذلك حكمة عظيمة وهى أن الثلة الطيبة فى مكة عندما تريد أن تؤمن ستكون معزولة غريبة عن أهل الأرض فالشرك خيم فى أرجاء المعمورة والظلام دامس والضلال منتشر الذى سيؤمن سيشعر بالغربة فالله جل وعلا سيسليه بذكر القصص فيقول له انتبه يا عبدى أنت ما تنتسب إلى شىء غريب أنت نسبك عريق عريق قديم قديم تنضم إلى قافلة عظيمة أول من ركبها أبوك آدم ثم أنبياء الله الذي جاءوا بعده والموحدون فأنت لست بمنقطع النسب وما أتيت بشىء محدث ولا مبتدع إنما هؤلاء الضالون هم الذين يسيرون فى بنيات الطريق وفى المتاهات والضلالات وأما أنت فعلى هدى وإذا كنت على هدى وتنتمى إلى نسب عريق شريف أصيل فلا يضيرك ولا يضرك بعد ذلك من عاداك ومن غمزك ومن آذاك ومن احتقر بك ومن استهزأ بك.
стр. 2460
فالقصص فى العهد المكى بمثابة تثبيت قلوب المؤمنين على الحق ولذلك يقول الله جل وعلا لنبيه ﵊ آمرا أن يقول ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل﴾ ما أتيتكم بشىء مبتدع وليس مجيئى ببدعة وحادث ما سبق له نظير ولا مثيل هذا الكون منذ أن أسس أسس على توحيد الله جل وعلا وعبادته وحده لا شريك له ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم إن أتبع ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين﴾ ، ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ ، ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ .
стр. 2461
ولذلك إخوتى الكرام: يقول الله جل وعلا فى سورتى فى سورة الأنبياء وفى سورة المؤمنون: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ ذكر الله جل وعلا هذه الآية في هاتين السورتين إن هذه أمتكم ملتكم ملة واحدة الأمة هنا بمعنى الملة دينكم واحد وهو الإسلام الحنيفية عبادة الله وحده لا شريك له كل نبى كان يقول هذا لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ ، ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ذكر الله هذه الآية فى هاتين السورتين لإشارة بليغة تظهر لى وهى أن من آمن بالله جل وعلا فقد آمن من عبد الله وآمن به فقد آمن بجميع الرسل واتبع جميع الرسل وانعقد بينه وبين المؤمنين الأخيار أخوة فى الله جل وعلا من سبقه ومن سيأتى بعده ممن يلحقه ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ومن انحرف عن هذا من كفر برسول من رسل الله الأنبياء فقد كفر بجميع الرسل من تبرأ من الأخوة الإيمانية فقد برأ منه المؤ منون وانفصل من هذه الرابطة الإسلامية فالإيمان برسول إيمان بجميع الرسل والكفر برسول كفر بجميع الرسل ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ كيف كذبوا رسل الله وهم ما أدركوا إلا نبيهم لأن ما أمر به نوح هو ما أمر به آدم وهو ما أمر به محمد على نبينا وعلى جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه فتكذيب نوح يعنى تكذيب الأنبياء أجمعين عليهم صلوات الله وسلامه والإيمان بنوح يعنى الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه فمن آمن بنبى آمن بالأنبياء وانعقد بينه وبين المؤمنين ولاء وإخاء ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ومن كفر بنبى كفر بالأنبياء وصار بينه وبين المؤمنين عداء وبغضاء فمن كفر بنبى ليس بمؤمن وليس بمتبع لنبى من الأنبياء ومن آمن بنبى آمن بالأنبياء وهو من عباد المؤمنين ذكر الله هذا فى هاتين السورتين المؤمنون
стр. 2462
يؤمنون بالأنبياء جميعا وبينهم وبين المؤمنين ولاية من تقدمهم ومن يلحقهم هؤلاء أهل التوحيد ينتسبون إلى حزب الله المجيد ألا أن حزب الله هم المفلحون هم الغالبون ومن كفر بنبى من الأنبياء فقد ابتعد عن هذه الخصلة الحميدة وعنة هذه الصفة السديدة فهو كافر بالأنبياء وليس بنه وبين المؤمنين محبة وولاء.
إذن القصة تشير إلى وحدة الأديان ولا بد إذن من ذكر هذا فى العهد المكى ليحصل هناك تقوية للقلوب التى ستكون غريبة فى ذلك الزمان فالمؤمن عندما يعلم أن الطريق الذى يسير فيه سار فيه أنبياء الله المطهرون وسار فيه المؤمنون المباركون يقول لى فيهم أسوة كون الناس ضلوا بعد ذلك ما له ولهم فإذن هذا تثبيت وتقوية لقلب المؤمن.
الأمر الثانى: ليشير الله فى القصص المكى فى السور المكية إلى أن قضية الكفر والضلال والانحراف والضياع والتياه موجودة على مر العصور منذ أن وجد البشرية كان يوجد من ينحرف منهم ويضل فإذا وجد ضال فما ينبغى أن نتأثر به وما ينبغى أن يحزننا ذلك بحيث نتخاذل ونجبن أمامه لا ﴿من كفر فعليه كفره﴾ ، ﴿فلا يحزنك كفرهم إلينا مرجعهم نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾ .
فإذن لا يضيرنا ولا نتأثر بكفره ولا يعنى أننا نهادنه أو نصالحه أو نحبه أو نوده أو نطلب معونة ونصرة منه أو أو لا لا إنما إذا كفر وقمنا نحوه بما يجب فى العصر المكى فلا حرج علينا من كفره كل نفس بما كسبت رهينة فهذه القضية موجودة ولذلك ما ينبغى أن يتأثر المؤمن فى العصر المكى بكفر من حوله ولا يبالى بهم ﴿يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون﴾ ، ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون * فتول عنهم فما أنت بملوم * وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ ولذلك يقول الله ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد﴾ .
стр. 2463
العبرة الثالثة والحكمة الثالثة: التى تتعلق بموضوع السور المكية من ذكر القصص فى السور المكية أن فى ذكر القصة فى القرآن المكى إشارة إلى حتمية تاريخية دينية وسنة اجتماعية مطردة تشبه اطراد سنن الله الكونية فى الآفاق وفى الأنفس لكن تلك سنن كما قلنا كونية هذا ذكر وتلك أنثى وليل يأتى يتبعه نهار شمس وقمر وهذا مطرد ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾ القصة تشير إلى سنة من سنن الله الكونية كما أن تلك كما قلنا سنن اجتماعية كونية فى الآفاق والأنفس ما هى؟
هذه السنة الدينية هى أن الله سيؤيد الحق وينصر أهله وسيخذل الباطل ويمحق أهله هذا لا بد فالله عندما كان يذكر على المسلمين فى مكة أخبار المتقدمين إذن فى ذلك تبشير لهم أن دولتهم عما قريب ستقوم على أركان متينة لكن لابد من الصبر والمصابرة ﴿ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ .
يقول الله جل وعلا: ﴿فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ .
﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ .
﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾ .
﴿ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون﴾ .
فإذن ينبغى أن يعتبر هؤلاء بالقصص الذى ذكر فى مكة ﴿لقد كان لسبأ فى مسكنهم آية﴾ كيف عاقبهم الله جل وعلا عندما عتوا وبغوا واستكبروا وانحرفوا عن شرع الله.
стр. 2464
قصة قوم عاد عندما عتوا ﴿فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون﴾ ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون﴾ .
ثمود ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون *ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ .
القصص يشير إلى هذه السنة الدينية والحتمية الشرعية التى لا تتبدل أن الله سينصر الحق وأهله ويعز الموحدين وسيخذل الباطل وأهله وسيذل الكافرين ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين *إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾ .
فهذه الأمور الثلاثة هى محور القرآن المكى ربط القلوب بعلام الغيوب عن بيان ما يتصف به ربنا جل وعلا وما له من حق على عباده وبيان حقيقة الإنسان وما ينبغى أن يكون بينه وبين ربه من صلة عن طريق ذكر أمهات الفضائل.
стр. 2465
الأمر الثالث: ذكر القصة فى القرآن المكى بكثرة لأمور كثيرة سأذكر كما قلت عشرة منها إن شاء الله عند ذكر قصة العبد الصالح لقمان والثلاثة منها الآن على وجه الإيجاز فيما يتعلق بالتمهيد للدخول فى تفسير هذه السورة إذن هذا هو محور القرآن المكى لهذه الأمور التى تقدمت غير الله الأفكار والمشاعر وأزال العقدة الكبرى عند بنى الإنسان وغير الطريقة التى تحصل بها تلك الأفكار والمشاعر أما الأفكار والمشاعر فقد غيرها الإسلام وجعل بهذا المنهج السديد الذى ذكر فى القرآن المكى أن فكر الإنسان وشعوره يدور حول الحلال والحرام حول رضوان الله وسخطه لا على منفعة عاجلة ولا على شهوة حاضرة يفكر ويبحث فى الأمر حلال أفعله يرضى الله أفعله حرام أبتعد وإن كان فيه من المصالح ما كان هذا متى بعد أن اتصلت الغيوب بعلام الغيوب عندما علم الإنسان أن الله ربه ورب كل شىء يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان أنت ينبغى أن تصرف شؤونك على حسب ما شرع ستؤول إليه ليحاسبك على فعلك.
إذن الحلال والحرام هو الذى يحركنا فى هذه الحياة وهذا المقياس كفر به فى هذا الوقت إلا من رحم ربك هذا المقياس نحى من الأنظمة والقوانين من فترة فالمقياس عند الناس فى الأنظمة وفى المعاملات الفردية إلا من رحم ربك المنفعة أينما وجدت المصلحة أينما وجدت المنفعة يميل الإنسان وجدت مضرة يبتعد شهوة يميل إليها هناك بعد ذلك شىء يرضى الله لا يناسب شهوته يبتعد عنه هذا خلاف المسلمين فى العصر الأول يقول الحق وإن كان سيؤدى إلى قطع الرقبة ويلتزم بدين الله وإن كان سيترتب على هذا ما يترتب وأما الآن فهذا المقياس نحى فالقوانين بدأت على حسب الفكرة الغربية تدور حول الأمور النفعية الدنيوية وصلة المؤمنين بين بعصهم إلا من رحم ربك حول النفع تحصل منه نفعا مغنما إذن بينك وبينه ود لا تحصل هذا بينك وبينه افتراق.
стр. 2466
هذا المقياس هدمه الإسلام فى العصر المكى عندما غير الفكرة والشعور ففكر الإنسان مرتبط بالحلال والحرام وبذلك ذاقوا حلاوة الإيمان [أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لايحبه إلا لله وأن يكره أن يعود فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف فى النار] .
ثبت فى صحيح البخارى عن أمنا عائشة ﵂ قالت أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل والمفصل على المعتمد يبتدأ من سورة ق إلى نهاية القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام دخلوا فى دين الله بعد أن طهرت القلوب وأخبروا بأنهم سيؤولون إلى الله والمحسن فى الجنة فى جنات النعيم وأولئك لهم عذاب مهين فبشره بعذاب أليم حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل من أول الأمر لا تزنوا لقالوا لا ندع أبدا ولو نزل من أول الأمر لا تشربوا الخمر لقالوا لا نترك الخمر أبدا أنزل على النبى ﵊ وأنا جارية ألعب بل الساعة موعدهم فى سورة القمر ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ .
وما نزلت البقرة وآل عمران إلا وأنا عنده فى المدينة ﵂ وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
فأول ما نزل سورة من المفصل أى من أول ما نزل وتعنى بها سورة المدثر وفيها يقول ربنا جل وعلا: ﴿فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير﴾ وهذه نزلت بعد صدر سورة العلق بعد خمس آيات من سورة العلق نزلت سورة المدثر وهى أول سورة اكتمل نزولها من القرآن وأول سورة كلف بها نبينا ﵊ بالقيام بالرسالة والدعوة والتبليغ ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ ثم يقول الله ﴿فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير* على الكافرين غير يسير﴾ فلما طهرت القلوب وتعلقت بعلام الغيوب نزل بعد ذلك الحلال والحرام.
стр. 2467
إذن الأفكار والمشاعر تغيرت كانت تدور حول شهوات حول ريالات حول لذائذ عاجلة صارت تدور بعد ذلك حول رضوان الله وتبتعد عن سخط الله وغضب الله يحركها الحلال والحرام حرام نبتعد عنه حلال نفعله وهذا مقياس وضابط سلوك الإنسان فى هذه الحياة حلال نفعله ففيه رضوان الله حرام نتركه ففيه سخط الله كون النفس تشتهيه أو لا تشتهيه تميل إليه أو لا تميل ليس هذا فى حسبان المؤمن على الإطلاق إذن غير الفكر والشعور أزال العقدة الكبرى المؤمن فى هذه الحياة يواجه أعظم مشكلة من أوجدنى لما وجدت إلى أى شىء سأصير ما الغاية من وجودى لابد من هذا هذه أعظم عقدة أعظم مشكلة تواجه الإنسان إذا أزالها بحل شرعى مقنع يقنع العقل ويطمئن القلب عاش الإنسان فى جنة عاجلة مع ما له من رضوان الله فى الدنيا ولآخرة وإلا فهو فى شقاء وبلاء.
من أوجدنى تقدم معنا فى القرآن المكى أن الله جل وعلا أخبرنا أنه رب الإنسان ورب كل شىء ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة﴾ فهو ربك ورب كل شىء لما وجدت ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾ ، إلى أى شىء ستؤول إليه وستصير إليه؟ ستصير إلى ربك جل وعلا إما فى جنات النعيم وإما فى عذاب مهين.
إذن هذه العقدة الكبرى أزيلت بأدلة فطرية لا تكلف فيها ولا مغالطة تدركها نساء البادية ويستوى فى فهمها من يحمل أعلى شهادة ومن كان أميا فى البادية يرعى الإبل قرر ربنا جل وعلا هذه الأدلة فجعل القلوب فى بهجة ونور.
من أوجدك؟ الذى أوجد كل شىء.
لما؟ لتقوم بوظيفة فى هذه الحياة ﴿وما خلفت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ، ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
стр. 2468
إلى أى شىء سيؤول إليه أمرك؟ إلى الله ليحاسبك على ما قدمت لذلك يستريح المؤمن، غير المؤمن عندما يبحث من الذى أوجدنى يقول وجدت فلتة وصدفة لو عرضنا هذا على العجماوات وعلى أحطها دركة على الحمار لرفع رأسه ونهق أعظم نهيق استنكارا لهذا وجدت فلتة وصدفة لا لابد لهذا المخلوق من خالق فأنت فقير كما تقدم معنا فقير فى وجودك فقير فى بقائك لا تملك لنفسك نفعا ولا ضرا وجدت بغير اختيارك ستزول بغير اختيارك فى صورة بغير اختيارك إذن هذا الفقر إذن لا بد من أن يستند إلى إله غنى بعد ذلك أوجدك ويدبر أمرك وهو الله رب العالمين .
إذن هذه العقدة لا بد من أن تزال أزالها القرآن فى العهد المكى، انظر لانحطاط البشرية فى هذا العصر المتقدم المتطور الآسن الردى انظر يقول شاعر الإلحاد فى هذه الأيام:
أتيت لا أدرى من أين أتيت ... ورأيت قدامى طريقا فمشيت
من أين جئت لست أدرى ... ولما لست أدرى لست أدرى
من الذى أوجده لا يدرى ولما لا يدرى لا يدرى.
إذن بأى شىء ستسلى نفسك حقيقة والله الذى لا إله إلا هو لو لم يكن لهذا الكون إله إله خلقنا وكلفنا وسنؤول إليه والله الذى لاإله إلا هو لقتل العاقل نفسه واستراح من شناعة الدنيا ومن بلائها إذا لم يكن لهذا الكون إله ننعم بذكره فى هذه الحياة وسنؤول إليه لنتلذذ برضوانه والنظر إلى وجهه فى نعيم الجنات والله لاستعجل العاقل الموت فى هذه الحياة وكلما اكتمل عقله كلما سارع إلى نحر نفسه يعنى هى الحياة فقط كالبهيمة ما له إلا أن يعبأ ويفرغ يعبأ ويفرغ ثم بعد ذلك تنظر للحياة صعلوك لا يسوى حذاء باليا بدأ يعربد ويتمرد ويتنمرد ويقطع رقاب الصالحين المتقين ويعيث فى الأرض فسادا هذه حياة، كان بعض الصالحين يقول والله لولا يوم القيامة لكنت أطق أطق أى أنفجر أتمزق.
стр. 2469
فإذن هذه العقدة الكبرى لا بد من إزالتها أزيلت فى العصر المكى يا عبد الله هذه دنيا متاع ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه فى اليم فلينظر بما ترجع.
فأنت كلفت هنا بغاية إذا قمت بها نلت سعادة الدارين سواء حصل لك بعد ذلك عز وتمكين فى هذه الحياة أو لم يحصل وكم من صحابى توفى فى العصر المكى ولم ير دولة الإسلام قائمة فى المدينة أجره وجب على الله وحصل السعادة فى ذلك العصر وما له من السعادة بعد موته أعظم.
إذن لا بد من إزالة العقدة الكبرى فى هذه الحياة من أوجدك لما وجدت إلى أى شىء ستصير وإلى من ستؤول القرآن المكى أزال هذا بأدلة كما قلت تقنع القلب وتشرح الصدر وتطمئن القلب وكما أن القرآن المكى غير الأفكار والشعور وأزال العقدة الكبرى فقد غير الكيفية التى تحصل بها الأفكار والشعور.
كنت أتمنى أن أنهى هذه المقدمة للقرآن المكى فى هذه المحاضرة وهذه الموعظة أقف عند هذا المقدار وأنتقل إن شاء الله إلى إكمال ...
стр. 2470
مقدمة التفسير (٨)
(دروس تفسير)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التفسير ٨
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ولى الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ [الأنعام/١٠٢] .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء/١] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
[آل عمران/١٠٢] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﷺ * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب/٧٠-٧١]
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
стр. 2471
كنا نتدارس فى الدرس الماضى الأسباب التى دعتنا لاختيار تفيسر سورة لقمان قبل غيرها وقلت إن الذى دعانى لذلك ثلاثة أسباب كنا نتكلم على السبب الثالث أن هذه السورة مكية وإذا كانت مكية فينبغى أن نبحث فى طبيعة القرآن الكريم لأن حال الناس فى هذه الأيام يشبه حال الناس فى الجاهلية فبل بعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه فالقرآن المكى نقلهم من السفاهة والضلالة إلى الهدى والرشاد فلعلنا نحذو حذوهم عندما نتعرف على طبيعة القرآن المكى وكيف ربى الله عباده فى العصر الأول.
إخوتى الكرام: قلت أن القرآن المكى دار محور حديثه على ثلاثة أمور.
الأمر الأول: ربط القلوب بعلام الغيوب عن طريقين اثنين عن طريق ما لله جل وعلا من صفات فهو رب العالمين له الأسماء الحسنى يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان ينبغى أن نفرده بالعبادة وحده لا شريك له فهذا حقه علينا سنؤول إليه بعد ذلك ليحاسبنا على أعمالنا ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ .
وأما الجانب الثانى: فى بناء القلوب فكان الإشارة إلى حال هذا الإنسان فهو ضعيف فقير قسرا واضطرارا فينبغى أن يتذلل لربه جل وعلا طوعا واختيارا لهذين الأمرين تبنى القلوب ويحصل فيها الخشية من علام الغيوب.
والأمر الثانى: الذى تحدث عنه القرآن المكى الإشارة إلى أمهات الفضائل ومكارم الأخلاق وقلت لا نسخ فيها بين الشرائع فهذه الأخلاق الفاضلة وصى بها الله النبيين ليبلغوها إلى أممهم على نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه ولا تختلف من شريعة إلى شريعة.
والأمر الثالث: القصص والإشارة إلى أحوال الأمم الغابرة والقرون البائدة وذكرت العبر من ذلك.
стр. 2472
إخوتى الكرام: بهذه الأمور الثلاثة من تربية القلوب وربطها بعلام الغيوب وبالأخلاق الفاضلة وبالإشارة إلى قصص الأمم البائدة وما فى ذلك من عبر حسبما تقدم معنا ووعدت بمزيد من التفصيل عند مدارسة قصة العبد الصالح لقمان عليه رضوان الله ورحمة الله عليه وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات فى جميع العصور والدهور لهذه الأمور الثلاثة غير الله جل وعلا فكر الإنسان فى العصر المكى وغير طريقة التفكير عند الإنسان أما الفكر فقلت كان الإنسان يلهث وراء الشهوة والمنفعة العاجلة فجعله الإسلام بهذه القيم والموازين الثابتة يطلب رضوان الله جل وعلا فصار مقياس عمله والذى يحركه ويسكنه رضوان الله فيفعله سخط الله وغضبه فيتركه حلال يفعله حرام فيتركه إذن هذا صار مقياس عمل الإنسان فى العصر المكى عند المؤمنين بالله جل وعلا وهذا ينبغى أن يكون هو المقياس عند المؤمنين فى جميع العصور الدافع لأفعالنا ولحركاتنا وسكناتنا وحبنا وبغضنا رضوان الله جل وعلا وسخظه فما يرضيه نفعله وما يغضبه نتركه ولا نبحث بعد ذلك فى شىء آخر على الإطلاق.
فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم عكفوا على هذا وهذا صار وصفا لهم ولذلك عندما رسخ هذا الأمر فى ذهنهم وفى قلوبهم نزلت بعد ذلك آيات الأحكام والحلال والحرام فنهوا عن الزنا وعن شرب الخمر وعن الربا وعن وعن بعد أن تطهرت القلوب ولو نهوا عن هذه القاذورات من أول الأمر كما قالت أمنا عائشة ﵂ لو قيل لهم فى أول الأمر لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو قيل لهم لا تزنوا لقالوا لا نترك الزنا أبدا أنزل على النبى ﵊ وأن جارية ألعب بل السعة موعدهم والساعة أدهى وأمر من سورة القمر وما نزلت عليه البقرة والنساء إلا وأن عنده فى المدينة رضوان الله عليها وصلوات الله وسلامه على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين والحديث كما قلت فى صحيح البخارى.
стр. 2473
فإذن لابد من غرس هذه الأمور فى قلوب الناس أن يكون الحلال والحرام رضوان الله وسخطه وغضبه مقياسا لأعمالهم ولأفعالهم فى هذه الحياة.
قلنا والشريعة الإسلامية وما نزل من قرآن فى مكة عن طريق تلك الأمور أزال العقدة الكبرى عند الإنسان فأخبره بمن أوجده ولما وجد وإلى أى شىء سيصير ولذلك عندما وعى المسلمون هذه المعانى قلنا أقبلوا على كتاب الله جل وعلا وعلى شريعته المطهرة فكانوا يتلونه ويحفظونه ويفهمونه ويعملون بما فيه ويحترسون من خصال الجاهلية كما تقدم معنا فى أول درس عند أحوال الصحابة الكرام وأثر القرآن فيهم.
إخوتى الكرام: فتغيرت أفكار الناس كانوا يبحثون عن دريهمات وعن متاع زائل فبدأوا يبحثون عن رضوان الله جل وعلا فطهر القلب فاستقامت بعد ذلك سائر الجوارح هذا التفكير كما تغير طريقة التفكير غيرها الله فى العصر المكى فالقرآن ما نزل جملة واحدة إنما نزل كما قلت شىء منه فى أول الأمر فيه ذكر الجنة والنار وربط القلوب بعلام الغيوب ثم بعد ذلك نزل الحلال والحرام طريقة التفكير تغيرت ليس من الحكمة أن تنزل آيات ومعلومات كثيرة ليطبقها الناس بعد عشر سنين لا فهذا ليس بكتاب ثقافة ولا ترف فكرى إنما هذه عقيدة وهذا منهاج حياة ينبغى أن يبنى هذا الدين فى الجماعة وينبغى أن تقوم الجماعة بهذا الدين ولذلك كان يأخذ الله جل وعلا بأيدى المؤمنين فى العصر المكى رويدا رويدا ليأسس الإيمان فى قلوبهم حتى إذا أمروا بأمر أو نهوا عن شىء بعد ذلك يستجيبون.
стр. 2474
أما أن تنزل الأوامر والنواهى وليس فى الإمكان تطبيقها فى أول الأمر لا على أنفسهم ولا على مجتمعهم فهذا بعيد من الحكمة فطريقة التفكير أيضا تغيرت لا يلزمهم فى ذلك الوقت كان الوحى ينزل على نبينا ﷺ به فيتدارسونه ويفهمونه ويعملون به هم عباد والله جل وعلا ربهم إذن ينبغى أن يطيعوه وأن يفردوه بالعبادة وأن يخلعوا عبادة ما دونه هذا ينبغى أن تأسس عليه القلوب فى العصر الأول فهذا الدين دين الأمة ليس بدين فردى إذن ينبغى أن يبنى الدين فى الجماعة وأن تقوم الجماعة على الدين وهذا الذى حصل فى العصر المكى.
ثبت فى المستدرك فى الجزء الأول فى صفحة خمس وثلاثين بسند صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبى والإمام العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء ذكر أن الحديث صحيح عن ابن عمر ﵄ قال عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن بنيت القلوب على علام الغيوب وما نزل قرآن كثير ليعملوا به فى المستقبل وكانت السورة تنزل على النبى ﵊ فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغى أن يوقف عندها كما تتعلمون أنتم القرآن نحن رسخ الإيمان فى قلوبنا فعندما تنزل السورة نتعلم ماذا يريد الله منا بهذه السورة فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغى أن يوقف عندها كما تتعلمون أنتم القرآن ولقد رأيت رجالا بعد أن لنتشر الإسلام وتوسع يؤتى أحدهم القرآن فيقرأه من فاتحته إلى خاتمته لا يدرى أمره ولازجره ولاما ينبغى أن يوقف عنده ينثره نثر الدقل أى ردىء التمر، فالله جل وعلا غير تفكير الناس فى مكة وغير طريقة التفكير.
إخوتى الكرام: يقول كثير من عتاة هذا العصر فى هذا الوقت من شياطين الإنس ماذا عندكم فى دينكم من حلول لهذه البنوك وماذا عندكم من حلول لمشاكل الناس كأنهم آمنوا بالله جل وعلا ودانوا له بالعبودية وعبدوه حقا وما بقى عندهم فى الحياة إلا مشكلة البنوك لتزال وتحل أو المشاكل الإقتصادية.
стр. 2475
إن مجاراة هؤلاء فى البحث فى هذه الأمور سفاهة خروج عن الطريق المستقيم أنت قبل أن تبحث فى الأمور الاقتصادية وفى مشاكل الإنسانية فى هذا الوقت هل أحكمت أصل الأصول لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊ وأنت عبد له ينبغى أن تفرده بالعبادة حسبما جاء عنده إذا كان هذا فى دينك وهو مسلم الحلول يسيرة وهى بين أيدينا لكن إذا ضيعت هذا وفرطت فى الواضحات الجليات ثم جئت لتلبس الأمر على المؤمنين والمؤمنات ماذا عندكم من حلول لتشغل المسلمين عن الأمر الحقيقى الذى ينبغى أن يصرفوا أذهانهم وجهدهم إليه وهو تعبيد الخلق لخلقهم وأن يكون الدين كله لله وحده لا شريك له المشاكل الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية كلها تزول عندما يعلم الإنسان أنه عبد لله جل وعلا وأن الله جل وعلا له عليه حق الطاعة والعبادة فى جميع شئون حياته لكن إذا كان الإنسان على ربه ظهيرا ويظاهر الشيطان فى العداوة ثم يريد أن يجرنا بعد ذلك إلى بنيات الطريق ماذا عندكم من حلول فى أمور الاقتصاد أو فى مسائل الاجتماع نحن أعلى من نخوض معك فى هذه الطرق المعوجة لا بد من إحكام أصل الأصول وهو أنك عبد لخالق إن كنت تقر بهذا وأن شريعته ينبغى أن تحكم فى شؤون الحياة فالحلول سهلة يسيرة موجودة هى فى متناول أيدينا لكن إذا كنت تضيع هذا فكل حل بعد ذلك لن تأخذ به ولن ترضاه.
إذن كانوا يؤتون الإيمان قبل القرآن فإذا نزلت السورة تعلموا حلالها وحرامها كما يتعلم من بعدهم القرآن ثم ما الذى حصل؟ لما دخل فى الإسلام من لم يدرك العصر المكى صار يقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته لا يعرف أمره ولا زجره ولا ما ينبغى أن يوقف عنده ينثره نثر الدقل أى ردىء التمر.
стр. 2476
وثبت فى سنن ابن ماجة بسند صحيح عن جندب ابن عبد الله ﵁ قال كنا مع النبى ﷺ ونحن فتيان حزاور [جمع حزور وهو الشباب الممتلىء شبابا وقوة ونشاطا] ونحن فتيان حزاور فتعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا.
ففى القرآن المكى فى أول الأمر نزلت الآيات لتربط القلوب بعلام الغيوب فإذا ربطت وينزل القرآن بعد ذلك افعلوا واتركوا واجتنبوا يتعلمون هذا فيزدادون إيمانا لكن الأصل إذا ضاع من القلوب وإذا ذكرت حكما للناس يؤلهون أنفسهم ويعترضون عليه بعقولهم فإذن ليس من الحكمة أن تذكر لهم الأحكام لا بد من أن يبحث معهم فى القضية الأولى وهى لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ .
стр. 2477
إخوتى الكرام: العصر المكى قام على هذه المعانى الإنسان عبد خلقه الله ينبغى أن يسعى لإرضائه فى هذه الحياة لينال رضوانه بعد الممات هذه غايتنا ما أشرفها من غاية إذا لم تكن هذه الغاية غاية الإنسان والله إن الانتحار أهنأ له فى هذه الحياة من أن يعيش عيشة العجماوات ولذلك ثبت فى تفسير ابن جرير وطبقات الإمام ابن سعد عن كعب القرظى ﵁ أن النبى ﷺ عندما بايع الأنصار بيعة العقبة على أن يهاجر إلى المدينة المنورة وحضر العباس ﵁ وكان لا زال على شركه مع نبينا ﵊ ليستوثق لابن أخيه وتسلل الأنصار من مضاجعهم فى ثلث الليل وفى وسط الليل إلى المكان الذى وعدوا فيه النبى ﵊ ثم تم الاتفاق بعد ذلك على أن يهاجر النبى ﵊ إلى المدينة ليقيم دولة الإسلام فى طيبة وطابا فقال عبد الله ابن رواحة يا رسول الله ﷺ اشترط لنفسك ولربك ماذا تريد من حقوق لك ولله لنلتزم بالوفاء بها قال اشترط لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا واشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم وأولادكم لا تخزلونى وأنا سأكون غريبا بينكم فإذا جئت إليكم تنصرونى ولا يصل الأعداء إلى وأما الله فله عليكم حق العبادة والطاعة لا إله إلا الله وحده لا شريك له فقال عبد الله ابن رواحة فما لنا إذا وفينا عبدنا الله وحده لا شريك له ونصرناك وما وصل إليك مكروه فما لنا قال الجنة والجنة ليست عاجلة ليست فى الدنيا هذه بعد الموت ما لكم على هذا إلا رضوان الله والجنة رحمته يرحم بها الله من يشاء الجنة فقالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ربح البيع هذه غاية عظيمة ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو
стр. 2478
الفوز العظيم﴾ الجنة فقط وقد كان نبينا ﵊ عندما يلقى الأذى من قومه يعرض نفسه على القبائل لينصروه فكان كثير من القبائل تعرض نفسها على النبى ﵊ ويقولون ننصرك ونمكن لك وتقوم دولة الإسلام لكن بشرط واحد على أن يكون لنا الأمر من بعدك فيقول لا الأمر لله يضعه حيث يشاء فما لنا إذن آمنا بك ونصرناك وعرضنا أموالنا ودماءنا وأولادنا للبلاء والعناء ما لنا يقول الجنة ما لكم على هذا إلا رضوان الله جل وعلا أما أن يكون بيى وبينكم شرط على تحصيل مغنم دنيوى لا وهذا الطريق حقيقة شاق ومكلف لكن عاقبته هنيئة مريئة لأنه لا يدخل معك فى هذا الطريق إلا من كان صادقا يريد الله والدار الآخرة وأما إذا أعلنتها وطنية فسيتجمع حولك الوطنيون ثم سرعان ما يتفرقون وإذا أعلتنها قومية فسيجتمع إليك أهل العرق ثم سرعان ما يتفرقون إذا أعلنتها دعوة للإصلاح ولمطالبة حقوق المستضعفين والفقراء فسينضمون إليك لكن الدعوة بعد ذلك سيقضى عليها كما هو حال الدعوات الهدامة التى قامت قبل بعثة نبينا ﵊ وبعد بعثته دعوات هدامة كثيرة كانت تقوم حول وطنية مزيفة وقومية منتنة وحول إصلاحية جزئية كلها تتلاشى ولا يبقى لها خبر والحق بعد ذلك ثابت ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون فهذا الطريق شاق لكن عاقبته هنيئة مريئة مثمرة نافعة الأمر لله يضعه حيث يشاء وما أظن أنه يخطر ببال أحد أنه سيلى أمر المؤمنين بعد نبينا الأمين ﵊ رجل من بنى تيم وبعده رجل من بنى عدى وبعده رجل من بنى شمس وبعده رجل من آل النبى ﵊ على ما أظن هذا كان يخطر ببال أحد من المسلمين الأمر لله يضعه حيث يشاء.
стр. 2479
إخوتى الكرام: فلابد ربط القلوب بعلام الغيوب فى سورة لقمان التى سنتدارسها أنزل الله فيها فى العصر المكى قبل أن ينزل تحريم الخمر والزنا أنزل تحريم الغناء سبحان الله الغناء حرم فى مكة قبل الخمر نعم لأن ضرر الغناء أعظم من ضرر الخمر فالغناء قرآن الشيطان إذا عشعش فى القلب وفسد هذا القلب فلن يدخله نور القرآن بعد ذلك ولا يجتمع قرآن الرحمن وقرآن الشيطان فى قلب أبدا القلب لا بد من أن يطهر من الساعة الأولى كما لو أردت أن تزرع أرضا لا بد من من تنقيتها من الشوك ومن الحجارة والبلاء ثم بعد ذلك تبذر فيها البذر ليؤتى ثماره وأكله.
الغناء محرم فى العصر المكى والخمر متى حرمت حرمت بعد فتح مكة فى العام الثامن بعد بعثة نبينا ﵊ بواحدة وعشرين سنة بقى المسلمون يشربون الخمر ومحمد عليه صلوات الله وسلامه رسول الله واحدة وعشرين سنة بعد بعثته ثم نزل التحريم قبل وفاته بسنتين عليه صلوات الله وسلامه فلما نزل قول الله ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قالوا انتهينا ولا تردد فى ذلك على الإطلاق القلوب طاهرة.
فالغناء فى العصر المكى يحرم لأنه يفسد القلب وهو أعظم سوقا إلى الفواحش والمنكرات من الخمر أما الخمر فذاك داؤه عارض عندما يشرب يفقد عقله وإذا فقد عقله غاب عن وعيه فإذا رجع إلى صحوه صار بعد ذلك فى حال الكمال والرشد بخلاف الغناء متى ما عشعش فى القلب فسد القلب فصار الإنسان شيطانا مريدا.
ورضى الله عن عمر ابن عبد العزيز عندما يقول لمؤدب أولاده ومعلمهم ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الغناء الذى بدايته من الشيطان ومآله إلى سخط الرحمن أول شىء تغرس فى قلوب النشء فى قلوب هذه الأولاد هؤلاء الأولاد عندما تعلمهم علمهم بغض الغناء والنفور منه بدايته من الشيطان ومآله سخط الرحمن.
стр. 2480
وحقيقة إذا ألف القلب الغناء والموسيقى فقد ضرب الران عليه فلا يعى بعد ذلك كلام الله ولاينتفع به وعندما يقرؤه ينثره نثر الدقل كما هو حال المسلمين فى هذا الحين وصل الانحطاط والبلاء والضلال أن مادة الموسيقى تقرر على أولاد المسلمين فى السنة الأولى الابتدائية فما بعدها سبحان الله وقد أجمع الفقهاء عن بكرة أبيهم أنه لا يجوز استئجار المغنى ولا يجوز أن يعطى أجرة ليعلم النشء الغناء والموسيقى فهذا حرام وسيأتينا البحث فى أمر الغناء عند قول الله جل وعلا: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين﴾ إذا اشترى لهو الحديث وعكف على الغناء ماذا يكون حاله ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ وهذا الآن هذا الحال ليس هو حال النضر ابن الحارث الذى كان يعكف على الغناء ويحضر المغنيات ليغنين لا هذا حال الدعاة الذين يستمعون الغناء فى هذه الأيام كم من رقيع يحسب على الأمة الإسلامية أنه من الدعاة وأنه من المصلحين المجددين يقول بكل وقاحة وبذاءة إنه يسمع الموسيقى لكن المويسقى الهادئة سبحان الله العظيم قرآن الشيطان وسخط الرحمن فيه هدوء الموسيقى الهادئة ماذا كان أثر السلوك فيه إن أردت أن ترى قول الله جل وعلا جليا واضحا فانظر إليه ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها﴾ تراه يتلبث بخصلة من خصال الجاهلية هو من الدعاة الكبار تقول له يا عبد الله لما لا تعفى لحيتك دعنا من القشور دعنا من القشور الأمة الإسلامية فى مشاكل والرقاب تضرب وأنت لا زلت تبحث فى هذا ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ .
стр. 2481
حجب نسائك وبناتك العبرة بالقلب لا بالظاهر سبحان الله كأن قلوبكم أطهر من قلوب الصحابة حتى أبحتم لأنفسكم التحلل الظاهرى بحجة أن قلوبكم طاهرة هذا يقوله الداعى فليست خاصة فى النضر عموم لفظها يشمل كل من عرض عليه أمر من أمور الشرع فأعرض عنه بحجة أن قلبه طاهر، وذاك ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ .
وماذا يرتجى من إنسان لا يعرف فى حياته إلا الغناء وقلة الحياء حقيقة لا يتوقع منه إلا هذه الأجوبة الفارغة والاعتراض على دين الله جل وعلا.
إذن الغناء يحرم فى العصر المكى والخمر لا تحرم إلا قبل وفاة نبينا ﵊ بسنتين ثمانى سنين الصحابة يشربون الخمر فى المدينة وحمزة أسد الله وأسد رسوله عليه صلوات الله وسلامه ومعه كبار الصحابة يستشهدون فى أحد والخمر فى بطونهم ولا يضيرهم ذلك ولا يضرهم عند الله جل وعلا فكانت فى حكم الإباحة وما نزل تحريمها ولو شهدوا قول الله ﴿فهل أنتم منتهون﴾ لقالوا انتهينا أما أنه يوجد عكوف على غناء وبذاء بحيث تتربى القلوب على الخنا والفحش ويصبح فيها ظلما فلا ثم لا.
إذن القرآن المكى كان يدور على هذا المحور هذا الخالق رب العالمين وهذا المخلوق هذا مخلوق ضعيف فقير وذاك إله قوى كريم جليل ينبغى لهذا الفقير أن يلتجأ إلى هذا الغنى وينبغى لهذا الضعيف أن يعبد ذلك القوى وأن يفرده بالعبادة وحده لا شريك له وأن يحكم شرعه فى جميع شؤون حياته.
القرآن المكى كان كله يدور حول هذا فالعبد سيؤول إلى ربه بعد ذلك ليحاسبه على أعماله.
стр. 2482
عباد الله القرآن المكى كله دار حول هذا إعلام الناس بحقيقة أنفسهم وإخبارهم بصفات ربهم جل وعلا ومن عرف نفسه عرف ربه ومن عرف ربه عرف نفسه وإذا التبس الأمر على الإنسان فجهل نفسه فهو لربه أجهل وإذا جهل ربه فهو جاهل أيضا فى أمر نفسه ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾ وهذه الجملة وهذه الحكمة من عرف نفسه عرف ربه ليست من كلام نبينا ﵊ إنما هى من الحكم المأثورة عن العلماء الصالحين وقد نص الإمام النووى فى فتاويه فى صفحة ثلاث وسبعين ومائة أن هذه اللفظة لا تعرف عن نبينا ﵊ وهكذا الإمام ابن تيمية فى مجموع الفتاوى فى الجزء السادس عشر صفحة تسع وأربعين وثلاثمائة والإمام الزركشى فى الدرر المنثرة فى الأحاديث المشتهرة نعم هذا من كلام يحيى الرازى كما قال الإمام الزركشى وورد الأثر فى الحلية من كلام سهل ابن عبد الله التسترى وورد الكلام عنه فى الحلية فى الجزء العاشر صفحة مائتين ثمانية كان يقول من عرف نفسه لربه عرف ربه لنفسه من عرف نفسه لربه وأنه مخلوق لله عرف نفسه لربه أى أن الله ربه ورب كل شىء من عرف نفسه عرف ربه والإمام ابن القيم عليه رحمة الله فى كتابه مدارج السالكين فى الجزء الأول صفحة سبع وعشرين وأربعمائة بحث فى هذه الجملة بحثا طيبا بعد أن أخبر أنها ليست من كلام النبى ﵊ وقال تروى أيضا فى الكتب السابقة أن الله يقول لابن آدم: اعرف نفسك تعرف ربك وبحث الإمام ابن القيم عليه رحمة الله فى معنى هذه الجملة وقال معناها صحيح وتحمل على ثلاثة أمور.
стр. 2483
إما أن تكون من باب الضدية أو الأولوية أو من باب النفى فى مدارج السالكين فى المكان الذى أشرت إليه فى الجزء الأول صفحة سبع وعشرين وأربعمائة فإذا كان من باب الضدية ما تقدم معنا فأنت فقير يقابل هذه ويضاده غنى الرب الجليل ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ أنت جاهل والله عالم أنت عاجز ضعيف والله جل وعلا قوى قدير إذن بالضدية إذن صفات النقص يقابلها صفات الكمال فى الله جل وعلا من عرف نفسه بأنه فقير ضعيف عاجز سيموت عرف الله بضد ذلك.
والمعنى الثانى: لهذه الجملة المباركة يقول معناها بالأولوية من عرف نفسه عرف ربه أى إذا كنت ترى أنك قابل لصفات الكمال وتتصف بالعلم والرحمة والحكمة والقدرة والغنى على حسب ما يناسبك وما يليق بك فالله أولى بالاتصاف بهذه الأمور منك على حسب ما يناسبه ويليق به فإذا كان العلم كمالا فيك فالله جل وعلا يتصف بهذه الصفة من باب أولى وله المثل الأعلى فى السماوات
والأرض وإذا كان الغنى كمالا فيك فالغنى فى الله جل وعلا كمال ويتصف به من باب أولى وهكذا القوة من باب الأولوية ما ثبت لك من كمال فالخالق أولى به.
والثالث: أن معنى هذه الجملة محمول على النفى من عرف نفسه عرف ربه أنت لا يمكن أن تعرف نفسك وما فيك من أسرار وعجائب لا يمكن أن تقف عليها والروح التى فيك أنت وأهل الأرض وجميع المخلوقات عاجزة عن إدراك كنهها وحقيقتها ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ فإذا كنت عن معرفة نفسك وعن إدراك نفسك وعن إدراك الأسرار التى فيك عاجز فأنت أعجز وأعجز عن إدراك حقيقة الذات الإلهية وحقيقة صفات رب البرية ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ .
стр. 2484
وقد ألف الإمام السيوطى عليه رحمة الله حول هذه الجملة كتابا سماه القول الأشبه فى بيان من عرف نفسه عرف ربه والرسالة مطبوعة فى ضمن الحاوى للفتاوى للإمام السيوطى فى الجزء الثانى صفحة ثمان وثلاثين ومائتين.
إذن القرآن المكى كان يعرف الناس بحقيقة أنفسهم كما يخبرهم بما يتصف به ربهم جل وعلا وهذه الجملة من عرف نفسه عرف ربه لا تثبت عن نبينا ﵊ لكن منقولة عن يحيى ابن معاذ الرازى وعن سهل ابن عبد الله التسترى سهل من أئمة هذه الأمة الصالحين توفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين قال الإمام الذهبى فى سير أعلام النبلاء فى ترجمته فى الجزء الثالث عشر صفغحة سبعين وثلاثمائة شيخ العارفين له كلمات نافعة ومواعظ حسنة ومن مواعظه وكلماته النافعة أنه كان يقول أمسى مات وغدا لم يولد واليوم فى النزع هذا حال الدنيا أمسى ما هو قبل اليوم وهو يوم السبت مات وغدا الإثنين لم يولد وهل تدركه أم لا العلم عند الله واليوم فى النزع يلفظ أنفاسه دقيقة بعد دقيقة وثانية بعد ثانية ليخرج هذا اليوم كما خرج أمسه أمسى مات وغدا لم يولد واليوم فى النزع ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التى أنت فيها.
стр. 2485
ومن تواضعه وإجلاله لحديث النبى ﵊ أنه ذهب إلى الإمام أبى داود صاحب السنن سنن أبى داود ذهب إليه وقال أريد أن تخرج لسانك الذى تحدث به عن البنى ﵊ قال وعلام قال حتى أقبله فأخرج له أبو داود لسانه فقبله إجلالا لحديث النبى ﵊ سهل ابن عبد الله التستترى كان يقول للمسلمين إذا استطعتم أن تلقوا الله بالمحابر أى بطلب الحديث فافعلوا هذه الأقلام لا تفارقوها حتى تلقوا الله وهى معكم لا تفارقوا هذه المحابر وكان يقول لا معين إلا الله ودليل إلا رسول الله ﵊ لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه ومن جميل حكمه كان يقول أمور البر يفعلها الصالح والطالح لكن المعاصى لا يتركها إلا صديقا أمور البر يفعلها الصالح والطالح لكن المعاصى والمخالفات لا يتركها إلا صديقا [وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم] فالنهى ينبغى أن يترك يصلى الإنسان فى جماعة ثم يذهب إلى الغناء فماذا استفاد من صلاته إذا لم تنهاه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا، أمور البر يفعلها الصالح والطالح وأما المعاصى فلا يتركها إلا صديق.
وكان يقول من سره أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، ومن كلامه أول الحجاب الدعوى فإذا أخذوا فى الدعوى هلكوا أى أن يدعى الإنسان أنه وأنه وأنه وأنه أول الحجاب الدعوى فإذا أخذوا الدعوى هلكوا هذا العبد الصالح هو الذى يقول من عرف نفسه لربه عرف ربه لنفسه.
стр. 2486
إخوتى الكرام: وحقيقة إذا علم الإنسان أن القرآن كلام الله وأن محمدا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه وأنه هو عبد الله فعليه إذن أن يعبد الله حسبما جاء عن رسوله عليه صلوات الله وسلامه لا يتصور من هذا الإنسان إذن خروج عن منهج الله وعن شريعة الله فلا يؤله عقله ولا يقلد ويتبع غيره ليفلسف الضلال ويجعله من شريعة ذى العزة والجلال لا ولا أقول إنه معصوم لن يقع فى معصية لا ثم لا لكن شتان شتان بين معصية تنقله إلى حظيرة الكفر عندما يؤله عقله ويجادل ربه أو يستحسن النظم الوضعية ويبررها بالحيل الشيطانية شتان شتان بين أن تغلبه نفسه فيقع فى نظرة محرمة أو فى شهوة محرمة فى بعض الأوقات شتان شتان ليس المؤمن بمعصوم لكن لا يمكن للمؤمن أن ينحرف عن منهج الله بحيث يفضل غير شريعة الإسلام على الإسلام أو يرى أن الإسلام لا يصلح لكل زمان ومكان لا كيف يصلح ويتأتى من المؤمن هذا إذا علم أن الله خالقه وخالق كل شىء وهذا كلامه وهو عبد الله وهذا المخلوق لا يصلحه إلا شريعة خالقه لكن إذا وقع فى هفوات وزلات هذا على حسب ما تقتضيه الجبلة الإنسانية والطبيعة البشرية فلا يخرج من دائرة الإيمان إيمانه يجذبه عندما يخرج عنه بمعصية غلبته فيها نفسه.
стр. 2487
ثبت فى مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبى سعيد الخدرى والحديث رواه أبو يعلى أيضا فى مسنده والحديث فى المسند كما قلت فى الجزء الثالث صفحة خمس وخمسين وثمان وثلاثين وقد نص الإمام الهيثمى على أن إسناد الحديث صحيح ورجاله ثقات عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس فى آخيته يجول ثم يرجع وهكذا المؤمن يسهو ثم يرجع فأطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس فى آخيته والآخية هى الحلقة التى تدق فى الجدار ويربط بها الفرس لئلا يشرد ولئلا يفلت ولئلا يهرب فالفرس ما دام مربوطا فى الآخية لا يستطيع الشرود ولا الهرب لكنه يجول هنا وهناك وهناك ثم بعد ذلك الآخية تجره إذا أراد أن يخرج عن الإطار المحدد له لا يستطيع الآخية تمسكه وهكذا المؤمن لا يخرج عن شريعة ربه بحيث يتعالى على الله ويستحسن غير شرع الله لا يتصور هذه من المؤمن قطعا ليس منع هذا أنه معصوم لا يجول أحيانا هنا وهناك لكن الإيمان يجره بعد ذلك كمثل الفرس فى آخيته يجول ثم يرجع وهكذا المؤمن يسهو ثم يرجع ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ .
стр. 2488
طائف يطيف عليهم ولا يسكن فى قلوبهم يتذكرون فإذا هم مبصرون وهكذا المسلم يسهو ثم يرجع فأطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين هذا المعنى رسخ فى القلوب فى قلوب المؤمنين فى العصر المكى فما كان يتصور من مؤمن شهد العصر المكى أن يستقبح شيئا من شريعة الله ولا أن يستحسن شيئا من أعراف الناس وأوضاعهم وعاداتهم إذا لم ينزل بها إلى شرع ووحى ويقرها وما كان أحد يعرض دين الله على رأيه ولا على عرفه ولا على أوضاع الناس ليرى هل هذا يتفق أم لا فإن اتفق أخذنا به وإلا طرحناه هذا ما كان يخطر ببال [فلا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به] ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ وكان أحدهم إذا دعا إلى دعوة جاهلية أراد أن يخرج بها عن إطار الشريعة الإسلامية قالول له لفظل فى منتهى الخشونة ليقف عند حده كما تقدم معنا أن واحدا منهم كانت إذا نفسه خرجت إلى شىء من خصال الجاهلية كما حصل فى أبى ذر ﵁ يطهر نفسه بمطهر شديد لئلا تفكر نفسه بالعودة إلى ذلك الفعل القبيح هذا أبو سفيان عندما عرض النبى ﵊ الإسلام فى فتح مكة وأقر أبو سفيان أن اللات والعزى وهبل ما أغنت عنهم شيئا وأن الإله الحق هو الله الذى لا إله غيره قال له أما آن لك أن تؤمن قال كيف أفعل باللات والعزى ورثتها عن آبائى وأنا أعظمها ليس منها فائدة لكن كيف أفعل بها فقال له عمر اخرأ عليها لا زلت تنتظر اللات والعزى اخرأ عليها لا زلت تتحدث عن اللات والعزى.
стр. 2489
ودعا مرة كما فى المسند بسند صحيح بعض الناس إلى شىء من خصال الجاهلية والافتخار بالأنساب والتفرقة بين المؤمنين الذين آخى الله بينهم فجعلهم إخوة متحابين ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فدعا ذاك إلى قومية وهذا إلى وطنية كما هو الحال فى هذه الأيام فبعض الناس ذكر نسبه وأراد أن يفتخر فقال له أبى ابن كعب كما فى المسند اعضد أير أبيك لا زلت تتحدث بخصال الجاهلية المؤمن إذا وقع فى زلة يقع فى زلة لكن لا يصل به الأمر إلى أنه يخرج عن منهج الإسلام فيفرق بين المسلمين أو يستحسن غير شريعة رب العالمين شهوة غلبتك أحيانا فنظرت نظرة محرمة بشر تتوب إلى الله أما تأتى لتدعونا إلى خصال الجاهلية والتفاخر بالأحساب والأنساب قال ﵊ من تعزى بعزاء الجاهلية هذا قاله أبى ابن كعب فى المسند فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا أى لا تكنى أى لا تقل كناية اللفظ الصريح كما قاله ابى ابن كعب اعضد كذا إلى كناية أنت تدعوا إلى جاهلية فى حال وجود الشريعة الإسلامية وطواغيت الأمة العربية ينبغى أن يقال لهم فى هذه الأيام اعضدوا أمتعة آبائكم الذين يدعون إلى وطنية ما أنزل الله بها من سلطان وفرقوا بين المؤمنين اعضد ولا تكنى.
إذن لا يتصور لمسلم أن يخرج عن ذلك المنهج بحيث يعرضه على عقله أو يستحسن غير شرع ربه هذا لا يمكن أبدا لكن ماذا حصل بعد ذلك فى الناس الذين لم تربى قلوبهم تربية مكية لنرى أحوال الأمة الإسلامية فى هذا الوقت:
стр. 2490
صنف: يدعوا إلى اتباع الغرب إلى اتباع الملحدين اتباعا أعمى ويقول الأمة لا يمكن أن تنهض ولا أن تتقدم إلا إذا اتبعناهم فحن عالة عليهم من هذا الجنس السافل الساقط الذين ينتسبون إلى الإسلام ويعدون من الأمة الإسلامية الخبيث طه حسين الذى هلك سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف يعنى من قرابة عشرين سنة أوليس كذلك أو سبع عشرة سنة طه حسين ولو قلنا طه الشين لكان أولى هذا الخبيث يقول فى كتابه مستقبل الثقافة فى مصر ينبغى أن نأخذ بالحضارة الغربية بخيرها وشرها حلوها ومرها ما يحمد منها وما يذم وما يحب وما لا يحب، نحن تبع فقط ولا يمكن للأمة أن تتقدم إلا بهذا أن تكون تبعا لهؤلاء.
صنف آخر: فى هذه الأمة شيخ أزهرى ذهب مع بعثة أرسلت إلى باريس ليعظهم وليوجههم وليربط قلوبهم بالله لئلا يذبوا فى الحضارة الغربية فذاب المربى قبل أن يذوب من سيربون ذاب المربى يا معشر القراء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد رفاعة الطهطاوى توفى سنة ألف ومائتين وتسعين لما ذهب إلى هناك له عمة وجبة لعل كمها يسع إنسانا لو دخل فيها محافظة على زيه القديم فتن فى الحضارة الغربية ومراقصة النساء ثم جاء بعد ذلك لينقل تلك القاذورات إلى مصر ألف كتابا سماه الإبريز فى تلخيص باريس هذا ذهب خالص نلخص به المدنية الغربية هناك وألف كتابه المرشد الخائن الذى سماه المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين وقرر فى هذا الكتاب أنه لا بد من تبعية الغرب لنرتقى ولنتقدم وعليه فلا ينبغى أن نعد الخلطة بين الذكور والإناث حراما ولا المراقصة بين الطلاب والطالبات عشقا إنما هذا نوع من التقدم والتطور فى هذه الحياة ينبغى أن نسلكه.
следующие страницы →