Полный текст (6 674 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات ما نقل عن بعد سلفنا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال كفر دون كفر، لا يتعارض مع قولنا بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر يخرج من الملة فالحكم بغير ما أنزل الله له حالتان.
حالة: يجور القاضى فيها الحكم هو كتاب الله وسنة نبيه ﵊ ولا يوجد فى القضاء مصدر آخر لكنه جار وتقدم معنا القضاة ثلاثة قاضيان فى النار وقاض فى الجنة علم الحق وقضى بخلافه لأجل رشوة هذا كافر ليس بكافر إلا إذا استحل.
عندنا حاكم آخر نسف كتاب الله برجله قصم الله ظهره وظهور أمثاله ووضع قانونا وضعيا يحكم فى البلاد هذا الآن عندنا كفر دون كفر هذا أتى بشرع مبدل مغير طمس نور الله وحذفه وأتى بعد ذلك بقوانين وضعية يحكمها فى الرعية هذا لا شك فى كفره، الكفر الذى يقول عنه أئمتنا دون كفر أى يقصدون بأنه كفر عملى القاضى شيخ صالح ملم بالكتاب والسنة لكنه ليس بمعصوم حابى صديقه أو أخذ رشوة من بعض الناس فحكم بغير ما أنزل الله كقر دون كفر أما أنه نسف هذا الكتاب وأتى بقوانين وضعية من شرقية أو غربية والأمة الإسلامية الآن لا شرقية ولا غربية ولا مسلمة ولا كتابية ليس لهم شىء خارجين هم أذناب فقط لغيرهم.
حذف كتاب الله من الحياة وأتى بقوانين وضعية لتحكم فى رقاب العباد والله إن الذى يشك فى كفر هذا الحاكم ليس فى قلبه مثقال ذرة من إيمان فقول الله ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ كفر مخرج من الملة أو كفر دون كفر نقول لا منافاة لأن الذى يحكم بغير ما أنزل الله له حالتان.
أحيانا يجور على حسب الهوى وعلى حسب ضغوط الحياة وعلى حسب ما فى نفسه من تقصير وكل بنى آدم خطاء فيأخذ رشوة ويقضى بخلاف الحق فإذا ما استحل ذلك لم يكفر وإذا استحله كافر.
стр. 2417
وتارة ينحى كلام الله جل وعلا ويقطع رقبة من يطالبه بالحكم بكتاب الله ويحكم بقوانين وضعية إن استحل هذا أو لم يستحل لاداعى الآن للبحث فى أمره لأنه فى الأصل لا يحكم بشريعة الله لا يوجد دستور يتحاكم إليه هو الشرع المطهر إنما الدستور الموجود دستور الشيطان ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ فلا خلاف بين أئمتنا فى هذه الأمور، وما نقل عنهم من أقوال فى ظاهرها تباين.
لابد كما قلت إخوتى الكرام: من أن نعرف مرادهم فكيف قالوا كفر دون كفر هذا لحالة معينة كفر يخرج من الملة لحالة معلومة العلماء يعلمون تأويل المتشابه على أن التأويل بمعنى التفسير لايعلمون تأويل المتشابه على أن التعويل بمعنى الحقيقة التى يأول إليها الشىء، التفسير بالرأى جائز التفسير بالرأى حرام لا تناقض بين هذه الأقوال لا بد من الجمع بينها لأننا إذا عرفنا مرادهم علمنا بعد ذلك المقصود والمراد من حكمهم ولا خلاف بين أئمتنا فى هذه المسألة.
стр. 2418
إخوتى الكرام: للإمام الشاطبى عليه رحمة الله فى كتابه الموافقات فى آخر الجزء الثالث فى صفحة واحد وعشرين وأربعمائة كلام طيب يتعلق بتفسير القرآن بالرأى يقول: المسألة الرابعة عشرة إعمال الرأى فى فى القرآن جاء ذمه وجاء أيضا ما يقتضى إعماله وحسبك من ذلك ما نقل عن الصديق ﵁ فإنه نقل عنه أنه قال وقد سئل فى شىء من القرآن أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إن أنا قلت فى كتاب الله ما لا أعلم وبما روى فيه أنه قال إذا قلت فى كتاب الله برأيى فى ذلك اللفظ بما لا أعلم أو برأيى ثم سئل عن الكلالة المذكورة فى القرآن فقال أقول فيها برأيى وفى الطباعة عندكم إخوتى الكرام لا أقول فيها برأيى ولا مفسدة للكلام زائدة لا وجود لها أقول فيها برأيى وقد كنت ذكرت كلام أبى بكر ﵁ سابقا أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان الكلالة كذا وكذا وتقدم معنى أن الكلالة قلنا هم الورثة الذين ليس فيهم أصل ولا فرع مأخوذة من تكاله إذا أحاط به وهو الإكليل وهؤلاء يحيطون الورثة قلنا بالميت من أطرافه والحواشى لا من الأصول ولا من الفروع وقلنا من الكلال بمعنى الإعياء فيرثون هم بأنهم حواشى لاأصول ولا فروع وهذا إرث سببه ضعيف ولذلك لو وجد أحد من الأصول والفروع لحجب الإخوة.
ويسألونك عن الكلالة هى ... انقطاع النسل لا محالة
لا ولد يبقى ولا مولود ... انقطع الأبناء والجدود
إذن هنا كيف أبو بكر ﵁ قال أى أرض تقلنى أى سماء تظلنى إذا قلت فى كتاب الله برأيى ثم قال أقول فى الكلالة برأيى لا تعارض يقول فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأى وتركه فى القرآن وهما لا يجتمعان والقول فيه أن الرأى ضربان.
أحدهما: جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما لأمور
стр. 2419
أحدها: أن الكتاب لابد من القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد ولن يأتى جميع ذلك كما تقدم معنا فى الأدلة التى تدل على جواز تفسير القرآن بالرأى فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها وذلك غير ممكن فلا بد من القول فيه بما يليق.
والثانى: أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول ﷺ مبينا ذلك كله بالتوقيف فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول والمعلوم أنه ﵊ لم يفعل ذلك فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه بل بين منه ما لايوصل إلى علمه إلا به وترك كثيرا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم فلم يلزم فى جميع تفسير القرآن التوقيف.
والثالث: أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه والتوقيف ينافى هذا فاطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأى لا يصح.
والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن لأن النظر فى القرآن من جهتين من جهة الأمور الشرعية فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأى والنظر جدلا ومن جهة المآخذ العربية وهذا لا يمكن فيه التوقيف وإلا لزم ذلك فى السلف الأولين، وهو باطل فالازم عنه مثله وبالجملة فهو أوضح من اطناب فيه وأما الرأى غير جارى على موافقة العربية أو الجارى على الأدلة الشرعية أو غير جارى على الأدلة الشرعية فهذا هو الرأى المذموم من غير إشكال كما كان مذموما فى القياس حسبما هو مذكور فى كتاب القياس لأنه تقول على الله بغير برهان فيرجع إلى الكذب على الله تعالى وفى هذا القسم جاء من التهديد بالقول بالرأى فى القرآن ما جاء ثم ختم هذا الجزء بقوله فصل فالذى يستفاد من هذا الموضع أشياء منها التحفظ من القول فى كتاب الله تعالى إلا على بينة فإن الناس فى العلم بالأدوات المحتاج إليها فى التفسير على ثلاث طبقات.
стр. 2420
إحداها: من بلغ فى ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومن يليهم رضوان الله عليهم أجمعين وهؤلاء قالوا مع التوقى والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم فحن أولى بذلك منهم إن ظننا بأنفسنا أننا فى العلم والفهم مثلهم وهيهات وأف وتف وتبا وشقاء لمن يقول فى هذا العصر عندما يذكر سلفنا من الصحابة والتابعين هم رجال ونحن رجال نقول هيهات أن نصل إلى تلك الدرجة.
والحالة الثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه.
والثالث: من شك فى بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد أو ظن ذلك فى بعض علومه دون بعض فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه لأن الأصل عدم العلم فعندما يبقى له شك أو تردد فى الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال وكل أحد فقيه نفسه فى هذا المجال كما سأل بعض الإخوة الدرس الماضى ما هى الشروط التى ينبغى للإنسان والعدة التى تكون عنده ليفسر كلام الله وقلت الإنسان على نفسه بصيرة وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره فحسن ظنه بنفسه ودخل فى الكلام فيه مع الراسخين ومن هنا افترقت الفرق وتباينت النحل وظهر فى تفسير القرآن الخلل.
وصفوة الكلام إخوتى الكرام: لتفسير القرآن طريقان طريق مأثور منقول وطريق عن طريق تفسير القرآن بالرأى المبرور وهو مقبول فكل منهما يكمل الآخر ثم بعد ذلك إذا كانت عندك العدة وأهلية البحث والاجتهاد فتستنبط من الآيات ما يلوح لك من حكم وأحكام فلا حجر ولا حظر.
قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله فى القاعدة التى جمعها فى أصول التفسير يقول الطريق لتفسير القرآن طريقان.
إما نقل مصدق أى يصدق تفسيره وتعول عليه وإما استدلال محقق تحقق به ما تقول
стр. 2421
أما النقل فإما أن يكون عن المعصوم عليه صلوات الله وسلامه وإما أن يكون عن غيره فإن كان عن المعصوم أخذ بالصحيح الثابت عنه وطرح ما سواه وإن كان النقل عن غيره وهذا يلخص لنا ما تقدم معنا فى طرق التفسير وإن كان النقل عن غيره فإما أن يكون عن الصحابة فإذا ثبت التفسير عنهم فالنفس تميل إلى قبول ذلك وتسكن إليه وإما أن يكون عن التابعين فإذا نقل التفسير عنهم وثبت فالنفس تسكن لقبوله أقل من سكونها لتفسير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وأما أخبار أهل الكتاب مما ليس فى أيدينا ما يشهد بصدقها أو كذبها فعامة ذلك لا فائدة منه فالأولى عدم الاشتغال به هذا النقل عن غير المعصوم والنقل الأول عن المعصوم عليه صلوات الله وسلامه وأما الاستدلال المحقق فالخطأ يقع فيه من جهتين أن يكون عند المفسر المستدل اعتقاد وعنده ميل إلى معنى من المعانى فيحمل القرآن على هذا المعنى فتارة يكذب ما دل القرآن عليه وتارة يحمل القرآن ما لا يدل عليه وهو فى الحالتين إما أن يقصد حقا أو باطلا فإن قصد باطلا أخطأ فى الدليل والمدلول كما تقدم معنا فى تفسير الشيعة ويوم يعض الظالم على يديه أبو بكر يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا عمر لقد أضلنى عن الذكر بعد إن جاءنى على أخطأوا فى الدليل والمدلول قصدوا باطلا واستدلوا بما لا دلالة فيه على هذا، وإما أن يخطأوا فى الدليل لا فى المدلول هم يريدون حقا لكن استدلوا بما لا يدل عليه اذهب إلى فرعون إنه طغى إلى نفسك.
стр. 2422
قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أنفسكم لا بد من جهاد النفس لكن الاستدلال بهذه الآيات خطأ فى الدليل، فإذا قصدوا باطلا أخطأوا فى الدليل والمدلول وإذا قصدوا حقا أخطأوا فى الدليل والمدلول صحيح لم يخطأوا فيه فنصوص الشرع تدل على ما ذكر لكن هذا النص لا يدل على ذلك فحملوه ما لا يحتمل وكما تقدم معنا فى تفسير قول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ تقدم معنا مثل هذا فإذن إما أن يخطأوا فى الدليل والمدلول وإما أن يخطأوا فى الدليل لا فى المدلول
إخوتى الكرام إذا علمنا ما تقدم عندنا تنبيه نختم به الكلام على هذه المقدمة ثم نشرع بعد ذلك فى تفسير سورة من كلام ربنا جل وعلا.
إذا علمنا أن التفسير بالرأى بالصفات والاعتبارات والشروط المتقدمة متفق على جوازه فما ينبغى أن يحصل عندنا شىء من التوقف فيما نقل عن بعض العلماء من التفرقة بين التفسير والتأويل بأن التفسير ينصرف إلى حالة معينة والتأويل ينصرف إلى حالة معينة فذلك اصطلاح بهم يقول الإمام البغوى عليه رحمة الله وهو متوفى سنة ست عشرة وخمسمائة عليه رحمة الله وسليمان الجمل فى حاشيته على الجلالين توفى سنة ألف ومائتين وأربعة للهجرة وبينهما الإمام الزركشى فى البرهان متوفى سنة أربع وتسعين وسبعمائة يقول هؤلاء الأئمة:
? التفسير تعيين معنى اللفظ بواسطة قرآن أو سنة أو أثر أى من كلام منقول عن الصحابة والتابعين.
? وأما التأويل فهو ترجيح أحد المحتملات بلا قطع وقالوا التأويل صرف الآية إلى معنى محتمل يوافق ما قبلها وما بعدها ولا يخالف الكتاب والسنة عن طريق الاستنباط.
стр. 2423
فما قالوه من التفرقة بين التفسير والتأويل هذا اصطلاح لهم إذا قلنا تفسير بالرأى هم يقولون لا لا يجوز أن نطلق عليه تفسيرا التفسير تعيين معنى اللفظ بواسطة سنة أو كتاب أو أثر وإذا فسرنا القرآن عن غير هذه الطريقة فنقول لهذا إنه تأويل نقول هذا اصطلاح لكم لكن صنيع جمهور العلماء أن التفسير والتأويل بمعنى واحد وهذا الذى مشى عليه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير عليه رحمة الله فى تفسير جامع بيان القرآن جامع البيان فى تفسير القرآن وهذا الذى نقله الإمام ابن الجوزى فى زاد المسير فى الجزء الأول صفحة أربعة عن الجمهور فقال التفسير والتأويل بمعنى واحد وقال الشيخ محمد الطاهر عاشور فى كتابه التفسير والتحريف فى الجزء الأول صفحة إحدى عشرة اللغة والآثار تشهد أنهما بمعنى واحد لأن التأويل مصدر أوله يأوله تأويلا وهو أرجعه إلى معناه إلى الغاية التى يعود إليها إلى المعنى الحقيقى له، والتفسير من الفسر وهو الكشف والبيان وهذا هو بمعنى التأويل فكل تفسير تأويل وكل تأويل تفسير فالتاويل والتفسير بمعنى واحد وأما اصطلاح بعض العلماء على أن التفسير خاص بالرواية بتفسير القرآن بالقرآن أو السنة أو الأثر وأما التأويل فهذا خاص بالدراية عن طريق إعمال الرأى والاستنباط هذا اصطلاح لأولئك الأئمة والعلماء ولا مشاحة فى الاصطلاح كما يقول أئمتنا عليهم رحمات ربنا.
إخوتى الكرام: بعد هذه المقدمة التى أخذت منا بعض الدروس فى بيان منزلة كلام الله جل وعلا وأثره فى بنى الناس وبيان الطرق المحكمة لتفسير كلام الله جل وعلا نعود لنشرع فى تفسير سورة من السور وقد استشرت عددا من الإخوة فى اختيار سورة نبدأ بها تكفينا لنهاية هذه السنة ثم إن أحيانا الله بعد ذلك لسنوات أخرى نأخذ سورة أخرى وأشار على عدد من الإخوة بعدد من السور كل واحد يشير إلى سورة إلى أن اخترت سورة من السور سبب اختيارى لها ثلاثة أمور.
стр. 2424
أولها: علم الله ما قرأته فى الأسبوع الماضى فى الجزء الذى فيه ترجمة الإمام أحمد عليه رحمة الله فى سير أعلام النبلاء وهو الجزء الحادى عشر كنت أقرأ فى ترجمة إمام أهل السنة والجماعة وشيخهم بلا نزاع فلفت نظرى ترجمة بعض علماء هذه الأمة اطلق عليه بأنه لقمان هذه الأمة فقلت لعل فى ذلك إشارة إلى نبدأ بتفسير سورة لقمان وهذا العبد الصالح الذى قيل أنه لقمان هذه الأمة وهذا الأسم يفشو ويسمى به كثير من العجم فى هذه الأيام أما العرب فقد أهملوه ما رأيت عربيا يسمى ولده بلقمان ولا سمعت لما وقفت أما العجم فكانوا بكثرة كان عدد من الإخوة الطلاب من بلاد ساحل العاج فى كلية الشريعة فى أبها اسمه لقمان وهكذا من الصومال لقمان يسمون أنفسهم بهذا فالتسمية بهذا الإسم المبارك سبقونا إليه فهذا الإسم الذى مر معى فى سير أعلام النبلاء فى لقب عالم من علماء هذه الأمة نعت بلقمان وهو حاتم الأصم توفى سنة سبع وثلاثين ومائتين للهجرة وسمى بالأصم لا لصمم وثقل فى أذنيه تتلى عليه آياتنا ولى كأن لم يسمعها كأن فى وقرا فى سورة لقمان التى سنتدارسها ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا﴾ أى ثقلا ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا﴾ فالصمم ليس فى أذنيه خلقة لا إنما نعت بذلك لصفة جليلة فيه ولا غرو فى ذلك فهو لقمان هذه الأمة والحكمة وضع الشىء فى مواضعها جاءت امرأة تستفتيه عن بعض أمورها وهى جالسة عنده تستفتيه أحدثت وخرج صوت من تحت ثيابها وحقيقة الموقف فى غاية الإحراج امرأة أمام رجل تستفتيه فخرج منها هذا الأمر بغير قصد ولا شعور فقال ماذا تقولين قالت أسألك عن كذا قال ارفعى صوتك فلا أسمع فرفعت فقال لا أسمع حتى رفعت صوتها بحيث ارتجت الغرفة فعلمت أنه لم يشعر بها فما انكسر خاطرها هذا لقمان هذه الأمة وضع الشىء فى موضعه لقمان هذه الأمة حاتم الأصم لا لصمم فى أذنيه إنما هو أظهر
стр. 2425
لها الصمم لئلا تحرج مما جرى منها بدون قصد رحم الله علماء سلفنا الأبرار.
حاتم الأصم نعته الذهبى فى سير أعلام النبلاء لما رأيت هذه النعت هذا اللقب له لقمان هذه الأمة يقول هو الإمام الزاهد القدوة الربانى إذا كنا سنتدارس السورة التى تسمى باسم هذا الإنسان وباسم حكيم فى الزمن القديم وهو لقمان فلنعرف شيئا من حكمة لقمان هذه الأمة لنتتقل بعد ذلك إلى حكمة لقمان الأمم السابقة زاهد قدوة ربانى قال له الإمام أحمد سائلا مسترشدا وناهيك بذلك منقبة لحاتم الأصم كيف الخلاص من الناس وتوفى قبل الإمام أحمد بأربع سنين وأما الإمام أحمد عليه رحمة الله توفى سنة واحد وأربعين ومائتين وهذا قلنا سنة سبع وثلاثين ومائتين قال كيف الخلاص من الناس قال بثلاثة أمور ولا أراك تسلم منهم، تعطيهم مالك فلا تأخذ من مالهم شيئا أنت ساعدهم وأحسن إليهم وإياك أن تطلب الإحسان من أحد، تقضى حقوقهم ولا تستقضى من أحد منهم حقا لك الحقوق التى للناس اقضيها وقم بها على أتم ما يكون ولا تستقضى من أحد حقا ولا تطلب منه قضاء حاجة، تتحمل مكرهم وضرهم وأذاهم ولا تقابلهم بشىء من ذلك فإذا آذوك حملوك مكروها تتحمل فأما أنت فلا تقابلهم بشىء من ذلك ولا أراك تسلم إذا قمت هذا نحو الناس لا أراك تسلم.
وحقيقة هذا من الحكم من الحكم التى أنطق الله بها هذا الإنسان فأعطهم ولا تأخذ واقض حقوقهم ولا تطلب منهم قضاء حقك آذوك لا تقابلهم بالمثل مع ذلك تسلم لا أراك تسلم، وكان يقول اصحب الناس كما تصحب النار انتفع منها واحذر ضررها وهكذا الناس.
لاتشتغل بالعتب يوما للورى ... فيضيع وقتك والزمان قصير
وعلام تعتبهم وأنت مصدق ... إن الأمور جرى بها المقدور
هم لم يوفوا للإله بحق ... أتريد توفية وأنت حقير
فاشهد حقوقهم عليك وقم بها ... واستوف منك لهم وأنت صبور
стр. 2426
فالإمام أحمد عليه رحمة الله يسأل هذا العبد الصالح الذى لقب ونعت بلقمان عن كيفية الخلاص من الناس أرشده إلى هذه الأمور الثلاثة ثم قال له ولا أراك تسلم
وقال له مرة رجل عظنى فقال إذا أردت أن تعصى الله فاعصه فى مكان لا يراك وهذا لا يمكن أن يكون وعليه احذر معصية الحى القيوم هذا المعنى الذى يشير إليه هذا العبد الصالح كما يقول شيخنا عليه رحمة الله فى أضواء البيان هو أعظم زاجر وأبلغ رادع نزل من السماء إلى الأرض ولا تقلب ورقة من ورقات المصحف إلا وترى هذا المعنى فيه لأن الله يعلم سرنا ونجوانا وهو معنا أينما كنا ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور﴾ .
هذا المعنى لا تخلو منه صفحة من صفحات القرآن إذا أردت ان تعصى الله فاعصه فى مكان لا يراك.
وكان يقول هذا العبد الصالح إذا جلس إلى واحد منا صاحب خبر أى ينقل الأخبار نحترز يقول وخبرك وكلامك يعرض على الله أفلا تحترز قال الإمام الذهبى معلقا على هذا هكذا كانت إشارات القوم ونكتهم لا كما أحدث المتأخرون أى ممن ينتمون إلى التنسك والعبادة والزهد والتقشف من المحو ومن الفناء ومن ومن بحيث أداهم بعد ذلك إلى القول بالحلول أو اتحاد الخالق مع المخلوق.
стр. 2427
أحدنا إذا جلس إليه صاحب ينقل الخبر يحترز فكلامك يعرض على الله جل وعلا أفلا تحترز إذا قيل لك هذا من المخابرات جلس إليك وسينقل الكلام ومعه شريط تسجيل فى تلك الجلسة لا أقول أنك تداهن لكن تحترز بعض الشىء تقول لا داعى أن أعطيه ممسكا على أرج هذا لجلسة أخرى فإذا أنت بين يدى الله ولا تخفى عليه منك خافية فاحترز يا عبد الله يا عبد الله احترز واتق ربك جل وعلا فهو معك أينما كنت لا تخفى عليه خافية من أمرك وكان يقول تعاهد نفسك عند ثلاث إذا عملت فاعلم أن الله يراك وإذا تكلمت فاعلم أن الله يسمعك وإذا سكت فاعلم أن الله جل وعلا يعلم ما فى قلبك فى حال عملك أو نطقك أو سكوتك راقب هذه الأمور.
وكان يقول وهذا من الحكم التى تخرج من مشكاة اتباعه لنبوة نبينا ﵊ العجلة من الشيطان إلا فى خمس إطعام الضيف ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين﴾ لا تقل العجلة ولا داعى لأن نقدم ضيافة بحيث يجلس عندك ساعة وينصرف وما شربوا ماء وإذا أراد الانصراف تقول نضيفك لا فراغ والروغان ذهاب بسرعة مع خفية بحيث لا يشعر الضيف إلا وقد حصل أمامه الضيافة مما قسم الله وقدر إطعام الضيف.
والتوبة من الذنب وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين.
стр. 2428
العجلة من الشيطان إلا فى خمس وهذا مأخوذ من كلام نبينا ﵊، ثبت فى مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبى فى الجزء الأول صفحة ثلاث وستين عن سعد ابن أبى وقاص ﵁ والحديث رواه أبو داود فى سننه رواه البيهقى فى شعب الإيمان عن سعد ﵁ وأرضاه أن النبى ﷺ قال التؤدة من الله إلا فى عمل الآخرة التؤدة أى التأنى والتمهل التؤدة من الله إلا فى عمل الآخرة التؤدة تمهل وعدم العجلة التؤدة من الله إلا فى عمل الآخرة أى فى القربات فهذه سارع فيها كما قال الله ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ وأما ماعدا ذلك ﴿فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ التؤدة من الله إلا فى عمل الآخرة.
وورد فى سنن الترمذى وقال إنه غريب وما أرى إسناده بمتصل عن على ﵁ ومعناه يشهد له حديث سعد أن النبى ﷺ قال لعلى [يا على ثلاثة لا تؤخر الصلاة إذا آنت أى حضرت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت لها كفئا] وعليه العجلة من الشيطان هذا فى غير طاعة الرحمن وأما فى طاعة الله فعجل وسارع ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ وهذا لفظ حديث أيضا قال عنه الترمذى غريب عن سهل ابن سعد [العجلة من الشيطان] وقلنا هذا فى غير طاعة الرحمن جل وعلا ففى طاعة الله سارع وعجل ما استطعت، هذا العبد الصالح نعت بلقمان هذه الأمة ولذلك هذا أحد أسباب ثلاثة دعتنى إلى البدء بتفسير سورة لقمان.
стр. 2429
إخوتى الكرام: عندنا عبد صالح آخر فى هذه الأمة نعت بحكيم هذه الأمة لا بلفظ لقمان بلفظ الحكمة وقيل له إنه ممثل هذه الأمة حكيم هذه الأمة ممثل هذه الأمة نعته بذلك كعب الأحبار كما ثبت هذا فى الحلية وتاريخ دمشق لابن عساكر بسند صحيح والأثر منقول فى سير أعلام النبلاء ذاك العبد الثانى الصالح الذى نعت بحكيم هذه الأمة وبممثل هذه الأمة هو أبو مسلم الخولانى الذى توفى سنة اثنتين وستين وبعد معاوية ﵃ أجمعين بسنتين وقيل توفى قبل الستين أى قبل معاوية ﵃ أجمعين سنة اثنتين وستين للهجرة قال عنه الذهبى فى سير أعلام النبلاء سيد التابعين وزاهد العصر وشيخنا عليه رحمة الله فى أضواء البيان فى الجزء الرابع صفحة خمسة عند تفسير قول الله ﴿فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار﴾ أطلق هذا اللقب على عون ابن عبد الله فرجعت إلى ترجمة عون ابن عبد الله فما رأيت أحدا نعته بهذا النعت إنما نعت حكيم هذه الأمة أطلق على أبى مسلم الخولانى ونعت لقمان أطلق على حاتم الأصم أبو مسلم الخولانى أسلم فى حياة النبى ﵊ فى اليمن ولم ير النبى ﵊ وأخذه الأسود العنسى الذى ادعى النبوة وأحرقه بالنار وقبل أن يحرقه قال أتشهد أن محمدا رسول الله ﵊ قال نعم قال أتشهد أنى رسول الله قال لاأسمع فأوقد نارا عظيمة وألقاه فيها فجعلها الله عليه بردا وسلاما ثم قال له قومه إذا بقى هذا فى اليمن سيفتن عنك أصحابك فنفاه من اليمن فجاء إلى المدينة المنورة فى خلافة أبى بكر بعد موت النبى ﵊ فعمر الذى هو سيد المحدثين فى هذه الأمة كما ثبت فى الصحيحين بشهادة نبينا ﵊ قد كان فى الأمم قبلكم محدثون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن فى أمتى أحد منهم فعمر رآه عمر لما دخل المسجد ورأى فى وجهه أثر النور فجاء إليه وقال من أين الرجل قال من اليمن قال أتعرف عبد الله ابن ثوب وهو
стр. 2430
اسم أبو مسلم الخولانى قال وماذا تريد منه قال أسألك عنه قال أنا هو فقام عمر ﵁ وعانقه وأخذه إلى أبى بكر وأجلسه بينه وبين أبى بكر وبدئا يبكيان وقال عمر الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أرانى فى هذه الأمة رجلا يشبه خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أى كيف ألقى فى النار وجعلها الله عليه بردا وسلاما.
وهكذا هذا العبد الصالح حكيم هذه الأمة أبو مسلم الخولانى الذى توفى سنة اثنتين وستين على أبعد تقدير نعت أيضا بأنه حكيم هذه الأمة هذا الأمر الأول إخوتى الكرام الذى دعانى لاختيار تفسير سورة لقمان.
أما الأمر الثانى: فهو فى الحقيقة ليس وليد هذه الأسبوع وليس قريب حديث إنما معانى تدور فى نفس الإنسان فى معنى الحكمة والحكمة ضيعت من زمن ولا أسفه ولا أحمق ولا أغبى من العصر الذى نعيش فيه وما أظن أنه مر على هذه الدنيا حواكم ركب الناس فيها رؤوسهم وهم يحسبون أنهم على خير كالحياة التى نعيش فيها بلاء وانحراف وشطط وكفر خيم فى أرجاء المعمورة ومع ذلك يراد منا أن نقول إننا فى صحوة ووعى والأمة كلمتها ظاهرة ودين الله جل وعلا قوى ويتحاكم إليه وقد نبذه الناس وراء ظهورهم وظهر الكفر البواح فى أرجاء المعمورة.
الحكمة تتلخص فى أنها وضع الشىء فى موضعه فلا بد إذن من أن نتعرف على هذه السورة التى عالجت هذه الحكمة وبينت معناها لنرى واقعنا هل يسير على حكمة أو على سفاهة وعته؟
إخوتى الكرام: الحكمة كما قلت وضع الشىء فى موضعه وهذا العبد ينبغى أن يضع نفسه موضعها فهوعبد لرب فله إله جل وعلا خلقه وأوجده فينبغى أن تكون بين هذا العبد وبين ذلك الرب صلة قائمة على دينونة هذا العبد لربه جل وعلا، وهذا هو رأس الحكمة ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة إن اشكر لله ومن يشكر فأنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنى حميد﴾ .
стр. 2431
أعرض الناس عن دين الله فى هذا الوقت فالأخلاق ضاعت لضياع الدين لأن الأخلاق بلا دين لا يمكن أن تثبت ولا أن تحصل ولا أن توجد والأمة بلا أخلاق حياتها حياة غابة لا رباط بينهم وبين ربهم ولا صلة بينهم وبين بعضهم وهذا هو حالنا إذا وجد الدين فى الناس وجد عندهم خلق ووجد عندهم حياء من ربهم فرأس الحكمة مخافة الله ومخافة الله لا تحصل إلا إذا تدين الإنسان تدينا صحيحا فأفرد الله بالعبادة حسبما جاء به نبيه ﷺ .
إخوتى الكرام: حالنا مرير مرير وإذا كان الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول فى القرن الثالث إذا رأيتم شيئا مستقيما فتعجبوا فما أعلم ماذا يقول لو أدرك حالنا إذا رأيتم شيئا مستقيما فى القرن الثالث فتعحبوا والله إن الأصل فينا الكذب والخيانة والاعوجاج وإظهار خلاف ما نبطن والاحتيال والنكر والخديعة ولا ينجو من هذا إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
стр. 2432
إذا رأيت شيئا مستقيما فتعجب قال مرة بعض الآباء لابنه إبغينى ايتنى بقثاءة مستقيمة القثاء معروف من فصيلة الخيار قثاء تؤكل والقثاء قل أن تحصل واحدة مستقيمة لابد من وجود التواء فيها وأحيانا تكون ملتوية كالدائرة تماما طرفاها يجتمعان والوسط فارغ فذهب الولد يبحث فى بستان القثاء حتى وجد واحدة فيها شىء من الاستواء ولا التواء فيها فقال لوالده هذه قثاءة مستقيمة قال يا ولدى هذه معوجة قال لا يوجد فى البستان من هى مستوية أكثر من هذه قال أنا آتيك بقثاءة مستوية مستقيمة فذهب وأتاه بقثاءة منحنية كالحية عندما تلف على نفسها قال هذه مستقيمة قال سبحان الله هذه فيها ميل يسير تقول منحرفة وهذه مدورة تقول مستقيمة قال يا ولدى الأصل فى القثاء الاعوجاج فالاعوجاج فيه مستقيم والمستقيم فيه معوج والأصل فى حالنا كذلك وتعارف القوم الذين عرفتهم بالمنكرات فعطل الإنكار أستغفر الله وتعارف القوم الذين عرفتهم بالمنكرات فأنكر الإنكار ليس عطل إذا أنكرت منكرا ينكر عليك إنكارك ليس التعطيل التعطيل لإنكار هذا ذهب من فترة إنما صار إنكار على المنكر ينكر المنكر فينكر عليه وتعارف القوم الذين عرفتهم بالمنكرات فأنكر الإنكار.
إخوتى الكرام: زمن وضعت فيه الأمور فى غير مواضعها الرجال تخنثوا النساء ترجلوا امرأة تترجل رجل يتخنث أيها الرجل ابقى رجلا يقول لا لازم أغير خلقتى التى خلقنى الله عليها أتخنث فى حلق اللحية وجر الثوب يا أمة الله أنت أنثى حافظى على الأنوثة تقول لازم أترجل الحكمة وضع الشىء فى موضعه الرجل أمر بتقصير ثوبه وأزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه يجر تحت كعبيه.
المرأة أمرت أن تجر ترفع فوق الركبة أمرت أن تسدل شعرها تستأصله أمر أن يعفى شعر لحيته يستأصله.
الرجل يتخنث والمرأة تترجل هذه حكمة وضع الشىء فى غير موضعه.
стр. 2433
الظلم والغصب كان معنا من أيام مبحث الغصب فى أبواب الفقه قلت لهم إخوتى الكرام ما أعلم بقعة على وجه الأرض سلمت من الغصب والغصب كان سابقا بحالة فردية لكنه صار الآن بحالة نظامية.
المكث الضرائب لا يتحرك الإنسان إلا ويدفع ضريبة على جواز سفره على إقامته على تسجيل عقاره على تسجيل ولده على تسجيل نكاحه حتى لو أراد أن يقدم دعوة للمحكمة الشرعية لا بد أن يدفع عليها مكثا وضريبة باسم الرسوم.
قد أفسدوا فى الأرض باسم ... صلاحها إذ بدلوا أحكامه بنظام
وكنا نتدارس أحكام الموات وأنه يحق لأهل الذمة فضلا عن المسلمين ان يحيوا الموات فى مذهب الحنابلة ومذهب الإمام أبى حنيفة وهذا المعتمد من حيث الدليل [فمن أحيا أرضا ميتة فهى له] الأرض التى ليست مختصة بالعامر ولا يملكها معصوم للذمى يملك الحق أن يحيها دون إذن الإمام عند الجمهور هذا متى عندما كان الناس ينتمون إلى الإسلام ولا رابطة بينهم إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊ وأما الآن فلا يسمح للمسلم بدخول البلدة الإسلامية وإذا سمح فيحدد له الإقامة وإذا أراد أن يتملك تضرب رقبته فكيف سيحيى مواتا فى بلاد الإسلام.
قلت كان بحث إحياء الموات موجودا عند الأمة الإسلامية عندما كان يوجد أحياء لكن الأمة ماتت ,ماتت فى الحكم لا فى الواقع ولو ماتت فى الواقع لكان أسلم لها وأخف عاقبة, لو أراد أجنبى أن يحيى مواتا فى بلاد الإسلام وهو مسلم لكن على تعريف تلك البلاد أجنبى متى كان المسلم أجنياعن بلاد الإسلام؟ والله يقول ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ومن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذى له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله فى ذمته هذه حكمة.
стр. 2434
كنت اسافر فأنزل فى صالة المطار المسلم الموحد يعذب بحيث هو آخر من يخرج من المطار إلى البلدة عندما يأتى إلى تلك البلدة وهو آخر من يخرج من المطار من ذلك المطار إلى الطائرة عندما يريد أن يسافر ثم أسرح نظرى إلى هؤلاء الكفرة الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا صالات خاصة لا تفتش أمتعتهم معنا لئلا يجدون شيئا من نتنا هؤلاء لهم ميزة علينا صلات لا يفتح الوحد منهم شنطة وتؤخذ لهم التحيات وهؤلاء سادة البلاد وهم قدوة مثلى للناس وأما المسلم الذى على رأسه عمة وفى وجهه لحية هذا احترس منه وانظر إليه وراقبه بما استطعت من أسلحة هذه حكمة.
أمة إسلامية تعامل المسلمين بهذه الحالة وأمام الكفرة تطأطأ رؤوسها هذه حكمة.
فلابد من أن نقف عند الحكمة بعض الوقفات.
إخوتى الكرام: مع هذه الحالة التى نحن فيها يأتى الكاتب الضال المضل خالد محمد خالد ليتكلم على الشباب الذين يطالبون بإعادة حكم الله فى أرض الله بين عباد الله فيقول يوجد إيه من خصال الجاهلية فى هذه الحياة ماذا يوجد من خصال الجاهلية الناس يخرون لله ركعا وسجدا وكونه يوجد سفور وزنا هذا وجد فى زمن النبى ﵊ ثم يقول هذا الضال المجرم الذى أثنى على لينين بكلام يندى له الجبين ولا يستطيع أن ينطق به مسلم يقول هذا فى جريدة الوفد يقول قد يعترضون بأن بعض الأحكام كالحدود وغيرها لا توجد فى القوانين فنقول لهم إن القوانين وإن أهملت بعض الأحكام فهى أيضا إسلامية كيف هذا والله قال كلاما لو قلنا لإبليس ترضاه لقال لا ولو عرضناه على الحمار الذى يقول الله عنه فى سورة لقمان ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ تقر هذا الكلام لرفع صوته وقال لا لا لا كيف هذه القوانين إسلامية قال لأنها تمشى مع روح الشريعة.
ما هى روح الشريعة فى تعطيل الحدود وإباحة العهر والزنا والسفور والبنوك الربوية قال روح الشريعة المصلحة.
стр. 2435
فالشريعة جاءت لرعاية مصالح العباد والقوانين الوضعية وإن ألغت نصوصا جزئية فقد أخذت بروح الشريعة فهى إسلامية فى حال إلغائها لكلام خير البرية ﵊ كفر يستحى منه الشيطان ولا ينزل الحمار إلى هذا المستوى مع هذا الضلال يقال هذا الكلام ثم عندما نقول يا عباد الله الأمة وصل الأمر بها إلى هذا الأمر يقولون لا تتشائم الصحوة قائمة والأمة فى يقظة وفى وعى وفى وفى ... لهذا السبب الثانى أردت أن أبدأ بسورة لقمان لنضع أيدينا على الحكمة وهل نحن نسير على حكمة أو على سفاهة؟
أما السبب الثالث فهو فى الحقيقة جدير بالاعتبار جدا وهى أن هذه السورة مكية فلا بد من البحث فى طبيعة القرآن المكى وسأتكلم على طبيعة القرآن المكى وكيف كان النبى ﵊ يقرر تلك الطبيعة ثلاث عشرة سنة فى قلوب العباد حتى آتت بعد ذلك هذه القلوب ثمارها فكانوا خير أمة أخرجت للناس نتكلم على الأمر الثالث وندخل فى تفسير السورة فى أول الدرس الآتى إن شاء الله وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2436
مقدمة التفسير (٧)
(دروس تفسير)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التفسير ٧
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ولى الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ [الأنعام/١٠٢] .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء/١] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
[آل عمران/١٠٢] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﷺ * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب/٧٠-٧١] .
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
انتهينا من دراسة المقدمة لتفسير كلام الله جل وعلا والمقدمة دارت على أمرين اثنين:
? على منزلة كلام الله جل وعلا وأثره فى قلوب العباد.
стр. 2437
وعلى بيان الطرق الحكيمة فى تفسير الآيات القيمة الكريمة.
وهذان الأمران أخذ معنا مدارستهما سبعة دروس متتالية ونبدأ الآن فى تفسير سورة لقمان التى وقع الاختيار على البدء بها وقلت إن الذى دعانى للكلام عليها دون غيرها ثلاثة أمور.
أولها: ما كنت أشرت إليه سابقا فى الدرس الماضى وهو أمر قريب قريب أننى كنت أتصفح سير أعلام النبلاء فى الجزء الحادى عشر فى الجزء الذى فيه ترجمة إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ﵀ ونضر وجهه ونور قبره وقع نظرى على ترجمة عبد صالح وهو حاتم الأصم نعت بأنه لقمان هذه الأمة فقلت لعله فى ذلك إشارة إلى أن نبدأ بتفسير هذه السورة قبل غيرها وتقدم معنا شىء من الإشارة إلى أحوال هذا العبد الصالح الذى لقب بلقمان هذه الأمة المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه كما وجد لقمان فى الأمم الماضية هذه الأمة نعت عبد صالح بهذا التعت ووجدت فيه الحكمة كما وجد فى ذلك العبد الصالح وتقدم معنا أنه توفى سنة سبع وثلاثين ومائتين للهجرة عليه رحمة الله.
قلت وقد نعت فى هذه الأمة عبد آخر صالح مبارك بأنه حكيم هذه الأمة وهو أبو مسلم الخولانى عبد الله ابن ثوب وتوفى سنة اثنتين وستين على المعتمد وقيل كانت وفاته قبل الستين قبل موت معاوية ﵃ أجمعين.
стр. 2438
أما السبب الثانى: فقلت هذه السورة التى سميت باسم هذا العبد الصالح لقمان فتشير إلى حكمة هذا العبد الصالح ونحن فى وقت ينبغى أن ننتبه إلى الحكمة لنضع الأمور فى مواضعها وقلت لاأعلم عصرا جرى فيه الخلل والفساد والاضطراب وانقلبت فيه الموازين كالعصر الذى نعيشه فى هذا الحين رحمة الله على الإمام أحمد عندما يقول إذا رأيتم شيئا مستقيما فتعجبوا فكيف يكون حاله لو رأى زماننا أسأل الله العافية والسلامة وحسن الخاتمة وأن يثبتنا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.
وأما السبب الثالث: فهذا ما سنتدارسه فى هذا الدرس إن شاء الله السبب الثلث قلت إن سورة لقمان سورة مكية وحقيقة ينبغى على المفسر إذا أراد أن يبدأ بتفسير كلام الله جل وعلا أن يوجه أنظار المستمعين وأنظار من يتدارس معهم إلى طبيعة القرآن المكى لا سيما فى هذا العصر كيف كانت الأمة ضالة حائرة تائهة ضائعة فاهتدت بهذا القرآن بالقرآن المكى الذى نزل عليها فترة إقامة النبى ﷺ فى مكة رسولا ونبيا مدة ثلاث عشرة سنة فسورة لقمان سورة مكية وحالنا كما قلت يزيد على حال الجاهلية قبل بعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه فى الفوضى والاضطراب فينبغى أن نبدأ بسورة مكية لعلها تعالج داءنا ويكون فيها دواؤنا سورة لقمان سورة مكية والقرآن ينقسم إلى قسمين إلى مكى ومدنى ولعلمائنا الكرام فى ضبط كل منهما ثلاثة أقوال.
منهم من لاحظ [الإخوة الكرام الذين هم فى مؤخرة المسجد إن شاؤوا أن يحضروا معنا وإن شاؤوا فليتفرقوا عن أنفسهم ولا يشوشوا علينا] .
لهم فى ملاحظة المكى فى ضبط المكى والمدنى ثلاثة أقوال إما على ملاحظة المكان أو الزمان أو المخاطب.
стр. 2439
فقيل بناء على ملاحظة المخاطبين ما فيه يا أيها الذين آمنوا مدنى وما فيه يا أيها الناس يا بنى آدم مكى والسبب فى هذا أن أهل المدينة مجتمع إيمانى مسلم فخوطبوا بوصف الإيمان والإسلام وأما فى مكة فالأمة مشركة ضالة تائهة يخاطبهم [يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم] ، [يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا وريشا لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير] ، [يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان] فيخاطب أهل مكة بما ليس فيه وصف الإيمان لأن أكثرهم ليسوا على صفة الإيمان.
فقيل ما فيه يا أيها الذين آمنوا مدنى وما فيه يابنى آدم يا أيها الناس مكى، وهذا فى الحقيقة ليس بمسلم وهو ضابط غير سديد وهو مردود لأنه ليس بجامع وليس بمانع فعندنا سور ليس فيها يا أيها الذين آمنوا وليس فيها يا بنى آدم وليس فيها يا أيها الناس ففى أى الأقسام سندخلها فما جمع إذن جميع أنواع التعريف فى المعرف عندنا سور ليس فيها يا بنى آدم ولا يا أيها الذين آمنوا فإذن لا تدخل فى المكى ولا فى المدنى وعندنا سور فى كتاب الله جل وعلا فيها يا أيها الناس وهى مدنية بالإجماع كسورة النساء ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ وعندنا سور فيها يا أيها الذين آمنوا وهى سور مكية فإذن هذا غير جامع لا يجمع جميع أنواع التعريف فى المعرف، وهو غير مانع لا يمنع من دخول المكى فى المدنى ولا المدنى فى المكى وعليه فهو ضابط غير معتبر.
стр. 2440
وقيل فى تعريف المكى والمدنى ما نزل فى مكة وفى ضواحيها فهو مكى وما نزل فى المدينة وضواحيها فهو مدنى وهذا لاحظ المكان كما أن التعريف الأول لاحظ المخاطبين وهذا أيضا تعريف غير سديد لأن هذا وإن كان مانعا من دخول غير المعرف فى التعريف فما نزل فى مكة مكى وما نزل فى المدينة مدنى لكنه ليس بجامع هو مانع لا يدخل القسم المكى فى المدنى ولا المدنى فى المكى لكنه لا يجمع أيضا جميع سور القرآن فى هذا التعريف فعندنا سور فى القرآن نزلت لا فى مكة ولا فى المدينة نزلت فى أسفار النبى ﵊ كسفرته إلى تبوك عليه صلوات الله وسلامه فإذن هذا فى أى القسمين ستدخل ستبقى إذن خارجة من القرآن المكى والمدنى فهو وإن كان مانعا من دخول غير المعرف فى التعريف لكنه ليس بجامع.
ويشترط فى قبول التعريف أن يكون جامعا مانعا يجمع أنواع المعرف فى التعريف ويمنع من دخول غير هذا النوع فى هذا النوع.
وعليه الاعتبار الثالث هو المعتمد فى تعريف القرآن المكى والمدنى فما نزل قبل هجرة النبى ﵊ فهو مكى وما نزل بعد هجرته عليه صلوات الله وسلامه فهو مدنى وإن نزل فى مكة لأن الملاحظ فى هذا التعريف الزمان لا المكان ولا المخاطبين وهذا فى الحقيقة جامع مانع جمع جميع سور القرآن وقسمها إلى قسمين مكى ومدنى ومنع من دخول غير المعرف فى التعريف فالمكى مكى قبل الهجرة والمدنى مدنى بعد الهجرة فى أى مكان نزل وهذا التعريف كما قلت هو المعتمد بناء على ملاحظة الزمان.
стр. 2441
السور المكية المتفق على أنها نزلت فى مكة اثنتان وثمانون سورة والمدنية المتفق على أنها نزلت فى المدينة أى بعد هجرة النبى ﵊ على حسب الضابط الذى اعتمدنا عليه وعولنا عليه الذى نزل بعد الهجرة عشرون سورة باتفاق وقبل الهجرة اثنتان وثمانون بالاتفاق والمجموع مائة وسورتان بقى معنا اثنتا عشرة سورة اختلف فيها هل هى مكية أو مدنية؟ مكية أو مدنية اثنتان وثمانون مكية بالاتفاق عشرون مدنية بالاتفاق ثناتا عشرة سورة جرى الخلاف فيها هل هى مكية أو مدنية؟
وقد ثبت أن ابن عباس ﵄ كما فى طبقات ابن سعد سأل أبى ابن كعب عن السور المدنية فقال إنها سبع وعشرون سورة وعليه زاد على العشرين سبع سور من الذى اختلف فيه فيصبح إذن عدد المدنى سبع وعشرون وزد خمسة على الاثنتين والثمانين سبع وثمانون سبع وعشرون مدنى وسبع وثمانون مكى على هذا والعمدة فى كون هذه السورة مكية أو مدنية عند العلماء النقل لا العقل والرواية لا الرأى ولا دخل للاجتهاد فى هذا على الإطلاق والنقل يؤخذ من طريقين لا ثالث لهما إما من الصحابة وكلامهم فى هذا له حكم الرفع المتصل إلى النبى ﵊ فهم الذين شهدوا وقائع التنزيل ونزول القرآن الجليل أو من أقوال التابعين فلكلامهم حكم الرفع لكن المرسل حكم الرفع المرسل لعدم الاتصال وتقدم معنا يؤخذ بقول التابعي فى التفسير إذا كان من أئمة التفسير أو إذا لم يكن من أئمة التفسير وتعزز بمرسل آخر كما تقدم معنا.
стр. 2442
والسورة تسمى بأنها مكية أو مدنية بأحد اعتبارين عند أئمتنا من الصحابة والتابعين إما باعتبار الفاتحة وبداية السورة فإذا نزلت بدايتها فى مكة قلنا مكية وقد لا تكتمل وينزل آيات منها فى المدينة كما هو فى سورة لقمان كما سيأتينا منها ثلاث آيات نزلت فى المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه إنما هذا باعتبار الفاتحة ,الفاتحة كما قلت نزلت فى مكة وكل سورة ابتدأت بحروف التهجى بالحروف المقطعة فهى مكية باستثناء الزهراوين البقرة وآل عمران.
وفى الرعد خلاف أما ماعدا هذا من سور القرآن تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة طه كهيعص طه المص جميع هذه السور التى افتتحت بالحروف المقطعة فهو مكية وسيأتينا لم وما وجه الحكمة من هذا وكون هذه السور نزلت فى مكة ولم ينزل منها بكثرة بهذا الأسلوب فى المدينة غير سورتين كما قلت البقرة وآل عمران سيأتينا وجه الحكمة فى هذا عند تفسير سورة لقمان إن شاء الرحمن.
إذن إما باعتبار الفاتحة فالفاتحة نزلت فى مكة مكية نزل شىء من السورة فى مكة لكن فاتحتها وبدايتها تأخر نزولها فنزلت فى المدينة فيقال لها مدنية مع أن بداية نزولها آيات هذه السور نزل فى مكة لكن لم تنزل الفاتحة إنما الذى نزل شىء من وسطها وأما الفاتحة نزلت فى المدينة فقال النبى ﵊ ضعوها فى أول سورة لقمان.
إذن إما باعتبار الفاتحة وإما باعتبار كثرة الآيات فإذا كانت نزلت آياتها فى مكة أو فى المدينة فإما على حسب الفاتحة كما قلت وإما على حسب كثرة الآيات فيقال لها مكية أو مدنية.
стр. 2443
إخوتى الكرام: ترتيب هذا القرآن بهذه الكيفية معجز بلا شك ومن تأمل حال ترتيب القرآن وجمعه وتأليفه يعلم إذا كان عنده أدنى شىء من عقل أن هذا القرآن كلام الرحمن وليس لمحمد عليه صلوات الله وسلامه فيه أى مدخل إلا البلاغ كيف هذا؟ نبينا عليه صلوات الله وسلامه أمى لا يقرأ ولا يكتب فكان ينزل عليه الوحى ويقول للكتبة من الصحابة ضعوا هذه الآية فى سورة كذا وكذا وضعوا هذه الآية فى سورة كذا وكذا ما نزلت السورة إذن متتابعة سورة البقرة أول ما هاجر نبينا عليه صلوات الله وسلامه إلى المدينة نزل شىء منها ما اكتملت إلا قبل وفاته بتسعة ليال عليه صلوات الله وسلامه إذن مدة عشر سنين ينزل آيات فى سورة البقرة وآخر شىء من القرآن آية فى سورة البقرة.
كما ثبت فى تفسير ابن أبى حاتم عن قتادة ﵀ ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ آخر آية نزلت من القرآن وضعت فى سورة البقرة وسورة لبقرة من أوائل ما نزل على نبينا ﵊ فى المدينة إذن فى عشر سنوات آية توضع هنا على رأس مائتين وثمانين وآية على رأس ثمانين وآية على رأس خمسين ثم تنظر بعد ذلك فى ترتيب هذه السورة فتراه فى غاية الإحكام والإتقان كأنها صيغت فى هذا الوقت بهذه السورة.
стр. 2444
هذا فى الحقيقة ليس من جهد بشر إنما هذا من كلام رب العالمين فهذا هو الإعجاز وترتيب الآيات فى سورها هذا توقيفى عن طريق ما أخبر به جبريل نبينا ﵊ بالإجماع ولا خلاف بين العلماء فى هذا لكن اختلف فى تفسير السور فى القرآن هل هو توقيفى أو هو توفيقى باجتهاد الصحابة؟ ولا خلاف بين العلماء فى الحقيقة كما قال الإمام الزركشى فمن قال إنه توفيقى أشار أراد أن النبى ﵊ رمز للصحابة وأشار إليهم بترتيب السور لكن لم يقل لهم اجعلوا الفاتحة فى البداية ثم البقرة ثم آل عمران ثم ثم لم يقل هذا لكن رمز لهم وأشار إليهم بهذا فهو توقيفى لكن ليس عن طريق القول عن طريق الأشارة والرمز.
والقول الأول يقول توقيفى عن طريق القول فلا خلاف فى المآل بأن جميع سور القرآن ترتيبها توقيفى.
وأما الآيات فى السورة فهذا توقيفى من قبل النبى ﵊ عن جبريل عن ربنا الجليل بلا خلاف فإذن هذه السور ينزل بعضها فى مكة لا تكتمل إلا فى المدينة لا ترى فيها خللا ولا فجوة ولا فاصلا إنما هى متلاحق بعضها ببعض الآخر يمسك بما قبله كأنها حلقة متصلة ببعضها لا تعلم أين طرفاها.
هذا كلام الله جل وعلا فهذا فى الحقيقة من أوجه إعجاز القرآن العظيمة ونبينا ﵊ كما قلت أمى يقول اكتبوا هذه الآية فى مكان كذا فى السورة التى يذكر فيها البقرة على رأس ثمانين ومائتين ثم هم يكتبون هذا فينظرون بعد ذلك فى الترتيب فى غاية الإحكام والإتقان ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ فهذا الترتيب فى كلام الله جل وعلا معجزا من أنواع الإعجاز العظيمة.
إذن سورة لقمان مكية نزلت على نبينا عليه صلوات الله وسلامه قبل الهجرة هذه السورة المكية كما قلت ينبغى أن نبدأ فى تفسيرها وفى مدارستها لنعرف طبيعة القرآن المكى ليكون ذلك الدواء علاجا للداء الذى نعيش فيه فى هذه الأيام.
стр. 2445
إخوتى الكرام: القرآن المكى عنى بثلاثة أمور هى محور القرآن المكى وهذه الأمور حقيقة بها حصلت تربية القلوب وطهارتها على وجه التمام والكمال.
الأمر الأول: الذى عنى به القرآن المكى ودار حديث القرآن المكى حوله ربط القلوب بعلام الغيوب ربط القلوب بعلام الغيوب هذه القلوب لا بد من بنائها لأنها إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله فلا بد إذن من بنائها وتطهيرها من آفاتها ورعوناتها.
القرآن المكى بنى القلوب فى مكة وطهرها عن طريقين اثنين:
الأمر الأول: تعريف هذه القلوب وتعريف هؤلاء الناس بخالقهم جل وعلا انظر لسورة لقمان التى معنا كيف يعرفهم ربنا جل وعلا به أشار فى هذه السورة وفى سائر السور المكية إلى أنه رب العالمين ومالكهم وسيدهم وخالقهم المتصرف فيهم وليس لأحد عداه شىء من ذلك يقول ربنا جل وعلا فى سورة لقمان ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم * هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين﴾ ، ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها﴾ هذا هو الخالق ﴿وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم﴾ الجبال لتستقر الأرض ولتثبت ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ تدب وتمشى على ظهر الأرض ﴿وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم*هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين﴾ .
ويقول جل وعلا مقررا هذه الحقيقة ﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير * ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ .
стр. 2446
ويقول جل وعلا: ﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ إذن هو الخالق هو الرب هو المدبر لهذا المخلوق ولأمر هذا الكون فلا رب سواه يبنى القلوب هو يطهرها عن طريق لفت أنظار الناس إلى هذه القضية فهذه المخلوقات لها خالق وهو رب البرية هذا الرب الذى قرر ربنا جل وعلا فى هذه السور ربوبيته فى السور المكية أشار إلى أنه يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان فهو الذى يعلم كل شىء فى هذا الكون كيف لا وهو ربه وخالقه وهو الغنى عما سواه ومالك لكل ما فى هذا الكون.
يقول جل وعلا: ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ .
ويقول جل وعلا: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾ .
ويقول جل وعلا فى آخر السورة: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ إذن هذه صفات ربنا الجليل يعلم كل شىء فى هذا الكون وإذا أيقنت بأنه ربك وخلقك ويعلم جميع تصرفاتك يبنى على هذا أمور فى المستقبل حصلت فى الجيل الأول فى الصحابة الكرام فى العصر المكى رضوان الله عليهم أجمعين.
يخبرنا الله جل وعلا فى هذه السورة المكية بأن له ما فى السموات وما فى الأرض ﴿لله ما فى السماوات وما فى الأرض إن الله هو الغنى الحميد﴾ فله ما فى السماوات وما فى الأرض خلقا هو خلقهم وملكا وتدبيرا لا يخرجون عن قبضته ولا عن مشيئته طرفة عين.
стр. 2447
إذن رب العالمين وخالق المخلوقات أجمعين يعلم كل شىء وهو الغنى عما سواه وله كل شىء إذا كان الأمر كذلك فينبغى أن نفرده بالعبادة وأن نشكره على نعمه التى أسداها إلينا وهذا ما أشار إليه ربنا جل وعلا فى سورة لقمان: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾ ، ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ .
﴿أن اشكر لله﴾ ورأس الشكر أن توحد الله جل وعلا وأن تفرده بالعبادة وأن تسير جميع شؤونك على حسب ما يريد ربك الذى خلقك ﴿ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه﴾ لا ينتفع بطاعتك ولا يتضرر بمعصيتك ﴿ومن كفر فإن الله هو غنى حميد﴾
وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾ .
فكما أحسنت إليك إحسانا لا تظير له فينبغى أن تشكرنى وأن تفردنى بالعبادة ينبغى أن تشكر أيضا من أحسن إليك بعد ذلك بتدبيرى وتقديرى ومشيئتى وهو الأبوان ﴿أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير﴾ فإذا تعارضت طاعة الله مع طاعة الأبوين.
﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ رب العالين خالقهم مالكهم يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان ينبغى أن يفرد بالعبادة فلا نلجأ إلى غيره .
انتهى الأمر عند هذا الحد لاالقلوب لا زالت بحاجة إلى أمر رابع وهو أن هذا الرب جل وعلا الذى خلقنا وغنى عنا ومالكنا وأمرنا بعبادته وتسيير جميع شؤون حياتنا حسب شرعه سنأول إليه ليحاسبنا على أعمالنا ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ .
стр. 2448
يقول الله جل وعلا فى أوائل هذه السورة: ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ فسيأولون إلى الله جل وعلا وليست المسألة تكليف وينتهى إلى ضياع وفوت وموت لا بعث بعده لا ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ .
هذا سوء ظن برب العالمين إذا خلقنا من غير تكليف وإذا خلقنا وكلفنا ولم يبعثنا هذا سوء ظن بربنا فيسوء ظننا به ولا نقدره حق قدره إذا ظننا أننا خلقنا هملا وإننا لم نبعث بعد موتنا لنحاسب على أعمالنا ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ يترك سدى هملا من غير تكليف يترك سدى يموت فيفوت ولا يبعث أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا للعبث والتلهى بلا تكليف بلا أمر ونهى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا تكلفون ولا تبعثون ولا تحاسبون كل من الأمرين يستحيل فى حكمة الحى القيوم فلم نخلق عبثا إذن رب عظيم خلقنا ويملكنا يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان ينبغى أن نفرده بالعبادة سنؤول إليه فإذا رجعنا إليه المؤمن له ثواب والجاحد له عقاب يقول جل وعلا ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ هؤلاء الذين هم بالآخرة هم يوقنون مع ما قاموا به من الأعمال الصالحات وأولئك هم المفلحون فى هذه الحياة على صراط وبينة فالضلال انتفى عنهم وهم على صراط الله المستقيم وهم يفوزون فى الآخرة بجنة النعيم.
стр. 2449
صنف آخر يقابل هذا ومن الناس من يشترى لهو الحديث عندما انحرف عن صراط الله المستقيم وأقبل على لهو الحديث الذميم العقيم ذل وتاه وضاع لعقوبة أولى فى الدنيا والثانية ﴿ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين﴾ مع ضلاله وضياعه فى الدنيا له ما يهينه فى الآخرة والجزاء من جنس العمل فعندما أهان الحق أهانه الحق فى يوم القيامة ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ .
وهكذا آيات كثيرة فى هذه السورة عاد بعد ذلك إلى جزاء المؤمنين فقال ﴿إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم *خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم﴾ ثم جاء بعد ذلك إلى آخر السورة فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور *إن الله عنده علم الساعة﴾ إلى آخر الآية.
إذن هذا الأمر الأول من الأمرين فى بناء القلوب الإشارة إلى هذا الخالق وما يتصف به وجل شأنه رب العالمين خالق هذا الكون مالكه يتصرف فيه يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان ينبغى أن يفرد بالعبادة سنؤول إليه ليحاسبنا على أعمالنا هذا الركن الأول من الأمرين فى بناء القلوب.
стр. 2450
أما الركن الثانى: فهو تعريف العباد بقدر نفوسهم كان القرآن المكى يضرب على هذا الوتر ويدور على هذا المحور باستمرار فى بيان وصف الرب جل وعلا وشأنه وفى بيان وصف هذا العبد وبيان حقيقته وما ينبغى أن يحصل من صلة بين الخالق والمخلوق وبين العبد والرب فأنت أيها الإنسان وما حولك وجميع ما فى هذا الكون مقصورون مقهورون مضطرون لما يريده الحى القيوم لا يملك واحد أن يخرج لنفسه خروجا عن هذا طرفة عين خرج إلى الدنيا من غير اختياره وسيخرج منها على غير اختياره وصار فى صورة شاءها الله على غير اختياره إذن عبوديتنا لربنا جل وعلا واقعة قصرا وجبرا.
стр. 2451
والعباد فقراء لله جل وعلا ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ فإذا كانت العبودية الاضطرارية القصرية القهرية واقعة فانتقل منها أيها الذكى الذكى إلى العبودية الاختيارية فالثواب والمدح يحصل باتصاف الإنسان بعبوديته لربه عبودية اختيارية لا اضطرارية لأنه ليس فى العبودية الاضطرارية إلا الإشارة إلى أنه موجود والله يتصرف فيه كما يريد لكن العبودية الاختيارية التى تحصل بتذلل العبد لربه وحبه له من جميع قلبه هذه التى يرتبط بها الثواب وبتفريطها يحصل العقاب وبذلك يحصل المدح والذم يقول الله جل وعلا: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾ ينقاد له من فى السماوات ومن فى الأرض ذليل صاغر ثم قال جل وعلا: ﴿وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب﴾ سبحان الله كثير من الناس دخل فى اللفظ الأول ﴿ألم تر أن الله يسجد له من فى السماوات وما فى الأرض﴾ وفى الأرض دخل الناس فهم يسجدون لله رغم أنوفهم وينقادون له حسب مشيئته شاءوا أم أبوا فلم قال بعد ذلك وكثيرمن الناس وكثير حق عليه العذاب فلا يسجدون السجود الأول اضطرارى قسرى قهرى لايخرج عنه أحد فهم منقادون بمشيئته خلق هذا ذكرا ليس باستطاعة أهل الأرض أن يقلبوه إلى أنثى وخلق تلك أنثى ليس باستطاعة أهل الأرض أن يجعلوه ذكرا ﴿هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء﴾ ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير﴾ .
стр. 2452
لكن فى وسع الإنسان وإمكانه ومشيئته أن يكون صالحا وأن يكون طالحا يكون تقيا وأن يكون شقيا أن يكون صادقا وأن يكون كاذبا أن يعفر جبهته لربه فى التراب وأن يتذلل له وأن يتمرد على الله جل وعلا وأن يعاديه هذا باستطاعته لكنه لا يخرج عن مشيئة الله الكونية فالسجود الثانى غير الأول ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾ .
هؤلاء كلهم منقادون لقهره ومشيئته وإرادته ﴿وكثير من الناس﴾ يسجدون سجودا اختياريا فلهم الثواب وكثير من الناس يمتنعون من التذلل والحب لله فعليهم عقاب ﴿وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ .
ففقر العباد واحتياجهم إلى ربهم جل وعلا هذا اضطرارى فى المخلوقات فالله أخص أوصافه أنه غنى أخص أوصافه الغنى قائم بنفسه حى قيوم قائم بشؤون غيره وأخص أوصاف العباد أنهم فقراء فلا بد إذن من الإشارة إلى هذه القضية فى القرآن المكى ليعرف الإنسان قدره وموقعه فى هذه الحياة ولذلك العلة فى احتياج هذا العالم من عرشه إلى فرشه إلى ربه جل وعلا العلة فى احتياج العالم إلى الله فقر من عدا الله وغنى الله العباد محتاجون إلى الله لأنهم فقراء والعباد محتاجون إلى الله لأنه غنى الغنى الحميد فأخص وصف فى المخلوق أنه فقير وأخص وصف فى الخالق جل وعلا أنه غنى عن العالمين.
стр. 2453
ولذلك قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله فى طريق الهجرتين ومفتاح باب السعادتين ويقصد بالهجرتين هجرة إلى الله جل وعلا عن طريق عبادته وحده لا شريك له وهجرة إلى نبينا محمد ﵊ عن طريق متابعته دون اتباع إمام غيره عليه صلوات الله وسلامه بهاتين الهجرتين يحصل التوحيد الكامل الحق للمؤمن لعبادة الله وحده لا شريك له لا إله إلا الله حسبما شرع وبين وحسبما أحب وأراد محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه يقول فى طريق الهجرتين فى أوائل كتابه فى صفحة خمسة وستة وما بعدها علة احتياج العالم إلى ربه أن العالم بأسره فقير وأن الله غنى وليست العلة فى احتياج العالم إلى الله الإمكان ولا الحدوث كما يقول الفلاسفة والمتكلمون فالمتكلمون علماء الكلام يقولون العلة فى احتياج العالم إلى ربه أنه حادث مخلوق والحادث لا بد له من محدث والمخلوق لا بد له من خالق والفلاسفة يقولون العلة فى احتياج العالم إلى الله جل وعلا أنه ممكن وجوده ممكن وعدمه ممكن ولا يرجح أحد الممكنين إلا إرادة مريد وقدرة قدير وهو الله جل وعلا يقول الإمام ابن القيم وهذا غلط الإمكان والحدوث علامتان على الفقر فهذا العالم مخلوق لأنه فقير لو كان غنيا لكان خالقا فإذن المخلوقية فيه علامة على فقره وليست المخلوقية فى العالم علامة على احتياج العالم إلى ربه وكون العالم ممكنا حدوثه وعدمه ويتصور وجوده وفناءه فالذى رجح أحد الأمرين هو إله عظيم هذا علامة على فقره لأنه لما كان فقيرا يتصور أن يوجد وأن لا يوجد وأما الله جل وعلا فلا يتصور زواله طرفة عين ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ ، ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾ فإذن فى هذه السورة وفى السور المكية بعد أن أشار ربنا جل وعلا إلى ما يتعلق به وما يتصف به أشار إلى حال العباد فهم فقراء وفقرهم على قسمين.
стр. 2454
فقر قهرى اضطرارى: قسرى لا يخرجون عن مشيئته الكونية وإرادته القدرية فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ ، ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ .
وهناك فقر اختيارى: طلبنا به بعد أن عرفنا فقرنا الاضطرارى وعرفنا ربنا فهو خلقنا ويتصرف فينا يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان ينبغى أن نعبده وحده لا شريك له وأن نحكم شرعه فى جميع شؤون حياتنا وسنصير إليه ليوفينا جزاء أعمالنا ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ ونحن مقصورون لما يريد ولما يشاء إذن ينبغى أن نطيعه اختيارا وطوعا لننال الأجر الذى أشار إليه ربنا جل وعلا وكثير من الناس يسجد لله طواعية واختيارا وانقيادا لعظمة الله جل وعلا وكبريائه وألوهيته وربوبيته وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب فيمتنع عن هذا وهذا ما يشير إليه ربنا جل وعلا فى هذه السورة فى سورة لقمان فبعد أن قرر ربنا جل وعلا ربوبيته وأنه خالق هذا الكون ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم * هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين﴾ ماذا خلقوا هم فقراء ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ ، ﴿ما لهم شرك فى السماوات ولا فى الأرض﴾ هم ما خلقوا شيئا فى هذا الكون لا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم نفعا ولا ضرا ﴿هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين﴾ .
стр. 2455
وهذا الأمر يسلم به حتى المشركون ولا يوجد من يجحد توحيد الربوبية إلا من باب المكابرة والمغالطة وأما أنه يجحد هذا من حقيقة نفسه فلا ثم لا ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ ، ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ .
وهنا يقول الله جل وعلا فى سورة لقمان: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ ، ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ فإذا كان هو الخالق والمتصرف والمدبر وانت ومن معك وجميع ما فى هذا الكون لم تخلقوا فيه ذرة فينبغى أن تضعوا الأمور فى نصابها أنت عبد تهتدى بهدى الرب أنت مخلوق تعبد هذا الخالق ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ .
ويقول جل وعلا مقررا هذه الحقيقة: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾
﴿وإذا غشيهم موج﴾ لجأوا إلى الله جل وعلا ﴿دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾ .
إذن هذا الأمر الأول: الذى دار حوله القرآن المكى بيان ما يتعلق بربنا الرحمن وبيان لحال الإنسان وما يحيط به فى هذا الكون فالله جل وعلا رب العالمين يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان يجب أن يعبد وحده لا شريك له سنؤول إليه وأنت أيها الإنسان مخلوق لهذا الخالق لا تستطيع أن تخرج عن إرادته الكونية فالتزم بأمره الشرعى وحذار حذار أن تخرج عن ذلك طرفة عين.
следующие страницы →