← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

يقول الإمام ابن كثير فى البداية والنهاية: قال ابو شامة فى كتاب الروضتين تكلم شيخنا أبو الحسن السخاوى عليه ﵀ على ما نقل عن ابى الحكم ابن برّجان بأنه سيقع فتح بيت المقدس سنة ٥٨٢ فى رجب عند تفسير سورة الروم ﴿آلم. غلبت الروم. فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. فى بضع سنين ... ﴾ ثم قال: شيخ الإمام ابى شامة أبو الحسن الإمام السخاوى عليه ﵀، أبو الحسن السخاوى يقول: وما نقل عن ابى الحكم ابن برّجان فهو نجابة وافقت إصابة إن صح أنه قال ذلك الكلام قبل فتح بيت المقدس، قال الإمام ابن كثير قلت: إن ابى الحكم ابن برّجان قد قال ذلك فى كتابه قبل فتح بيت المقدس وذكره ابن الزكىّ مخاطباً لصلاح الدين الأيوبى قبل فتح بيت المقدس، فقيل ذلك الكلام سنة ٥٢٢ أى قبل فتح بيت المقدس بستين سنة، والإمام ابو الحكم ابن برّجان وفاته كانت سنة٥٣٦ فتوفى قبل فتح بيت المقدس بفترة طويلة وفاته كانت سنة٥٣٦ كما ذكر ذلك الذهبى فى سير أعلام النبلاء فى الجزء العشرين صفة ٧٢ ونعته بأنه كان من العلماء الصالحين عبد السلام ابن عبد الرحمن ابن برّجان ابو الحكم وله تفسير للقران لم يكمله وله شرح أسماء الله الحسنى عليه ﵀ توفى ٥٣٦ والقصة أشار إليها أبو حيان فى البحر المحيط فى الجزء السابع صفحه ١٧٢ عند تفسير آيات سورة الروم، فقال وكان شيخنا الأستاذ ابو جعفر ابن الزبير يحكى عن ابى الحكم ابن برّجان، وكلّ من هؤلاء المشايخ ابن حيان وشيخه ابو جعفر ابن الزبير وابو الحكم ابن برّجان من بلاد الأندلس، يحكى عن الحكم ابن برجان أنه سيتم فتح بيت المقدس سنة ٥٨٢ فى رجب، وكما قلت أنه توفى قبل ذلك بكثير، وهذا الأمرنقله الإمام الألوسى فى روح المعانى عليهم جميعاً ﵀.

стр. 2557

إذاً هذا الأمرالذى إستنبطه ابو الحكم ابن ابن برّجان فى تفسيره وأنه سيقع فتح بيت المقدس سنة ٥٨٢ وقد جهز صلاح الدين الأيوبى جيشاً ابيت المقدس وحاصرها فى ١٥ رجب وفتحها فى نهاية رجب لكن أول جمعة أقيمت فيها فى ٤ شعبان سنة ٥٨٢ لكن المحاصرة والفتح كان فى شهر رجب، فقد يقال هذا إشكال وهذا الآن شىء من علم الغيب إستنبطه هذا لإنسان، الإمام السخاوى فيما نقله عنه ابو شامة، قال: لم يأخذ هذا من الحروف المقطعة وليس هذا من باب الكرامة إنما هو نجابة وافقت إصابة ... والذى يبدو لى والعلم عند الله جلّ وعلا أن هذا لم يؤخذ من الأحرف المقطّعة هذا محل إتفاق كما قلت ولايجوز أن نزعم بأن هذه الأحرف المقطّعة تدل حوادث فى المستقبل وهذا رجم بالغيب وادعاء علم نوع من الكهانة وهذا حرام، إذا الأمر كذلك فكيف علم ابو الحكم ابن برّرجان هذا الأمر قبل وقوعه اقول لعل ذلك من باب الكرامة والله جلّ وعلا يطتع الصالحين على بعض المغيبات وليس فى ذلك أى إشكال، فشتان شتان بين أن يدعى الإنسان بأنه يعلم شيئاّ من المغيبات عن طريق سبب من الأسباب التى يبذلها، أو عن طريق حيلٍ أو عن طريق جدٍ واجتهاد وبين أن يقول ألهمنى الله هذا الأمر وأنه سيقع بعد سنة كذا من أين لك يقول ألقى فى روعى وهجم على قلبلى وهذه فراسة إيمانية، هذا يقع؟ نعم يقع، لأن أمور الكمال كما قال أئمتنا فى كتب التوحيد مردها الى ثلاثة أمور لاتوجدمجتمة بل واحد منها واحد لايكون على وجه التمام والكمال إلاّ فى العزيز الغفور، وأمور الكمال هى: العلم، والقدرة، والغنى....

стр. 2558

علم فيعلم ما يجهله غيره، قدرة يقدر على مايعجز عنه غيره، غنى يستغنى عما يحاج إليه غيره، وهذه الأمور الثلاثة كما قلت لاتوجد مجتمعة بل واحد منها على وجه التمام إلاّ فى رب العالمين ، ثم يعطى الله شيئاّ منها لعباده حسبما يشاء فهو الفعّال لما يريد وقد أمر الله آخر الأنبياء نبينا محمد ﷺ أن ينفى عن نفسه إدّعاء هذه الأمور الثلاثة فقال جلّ وعلا أمراّ له أن يقول فى سورة الأنعام فى آية ٥٠ ﴿قل لا أقول لكم عندى خزائن الله﴾ أستغنى عما تحتاجون إليه ﴿قل لاأقول لكم عندى خزائن الله ولاأعلم الغيب ولاأقول لكم إنى ملك﴾ أقدر على مالا تقدرون عليه، أعلم الغيب، أعلم مايخفى عليكم أعلم المغيبات التى ستقع هذه أمور الكمال، خزائن الله أنى ملك أعلم الغيب فلا أستغنى عما تحتاجون إليه ولا أعلم المغيبات ولست بملك أقدر على مالا تقدرون عليه أنا بشر مثلكم إن أتبع ما يوحى إلىّ، وقد أمر الله نبه نوحاّ على نبينا وعلية صلوات الله وسلامه وهو أول رسول الى أهل الأرض بعد أبينا أدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه وكان بينهما عشرة قرون كلهم على التوحيد أمره أنينفى هذه الأمور الثلاثة عن نفسه فقال جلّ وعلا فى سورة هود آية ٣١ مخبراً عما قاله هذا العبد الصالح نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ﴿ولاأقول لكم عندى خزائن الله ولا أهلم الغيب ولاأقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعيونكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم﴾ .

стр. 2559

إذاً أمور الكمال مردها لثلاثة أمور: علم: فيكاشف بما يخفى على غيره.، قدرة: يمكن مما يعجز عنه غيره.، غنى: يستغنى عما يحتاج إليه غيره،، ولإيضاح هذا أضوح كل نوع بمثال، أما النوع الأول: وهو أنه يعلم ما يخفى على غيره، فهذا كما قلت سابقاً من جملته هذه القصة أنه سيتم فتح بيت المقدس سنة٥٨٢ فهذاعن طريق الكرامة أكرمه الله بهذا وأطلعه على أمر مغيب سيقع وقد وقع أىُّ حرج فى ذلك، هل لهذا نظائر مثبته عندأئمتنا فى كتب التوحيد لا ينكرها إلاّ مكابر، عمر ابن الخطاب ﵁ كان يخطب على منبر مسجد نبينا ﵊، وقد أرسل جيشه ليقاتل فى بلاد الفرس فى بلاد نهاواند، وأمر عليم سارية، فبينما هو يخطب كشف الله له عن بصيرته وهذه هى المكاشفة: أن يعلم ما يخفى على غيره يلقبه شىء من أمور الغيب التى تخفى على الحاضرين، كشف الله له عن حال الواقعة، فسارية فى أصل الجبل ومعه جيشه والعدو يتسلق من الناحية الثانية ليرقى الجبل وبالتالى سيهزم جيش الإسلام والتوحيد ويقتلون عندما يكونوا الجيش الكفرى فوقهم، فنادى عمر بأعلى صوطه وهو على المنبر: يا سارية الجبل الجبل إصعد الجبل، من المدينة الى بلاد نهاواند يرى الحادثة ثم ينادى فسمع سارية صوت عمر ورقى بجيشه الجبل ونصرهم الله جلّ وعلا على الفرس.

стр. 2560

وهذه القصة كما قال الإمام السخاوى فى المقاصد الحسنة: قال شيخنا (يعنى الحافظ ابن حجر) إسنادها حسن، وقد ألف الحافظ الحلبى جزء فى تصحيحها وتعداد طرقها وقد نقلها أئمتنا فى كتب التوحيد وذكرها الإمام ابن تيمة كتابه (الفرقان بين أةلياء الرمن وأولياء الشيطان) صفة ٧٤ وهى عندكم فى شرح الطحاوية، ورواهاالإمام ابن القيم فى (مدارج السالكين) صفحة ٢٢٨، يا سارية الجبل الجبل، جاء المعلق على كتاب (مدارج السالكين) فذكر تعليقاً يضحك السكلى وحقيقة هذا التعليق مما ينبغى ألاّ يقول به عاقل، يقول: إن عمر ابن الخطاب عندما كان يخطب على أخذته سنة، فنام وهو على المنبر فصاح فى نومه لما رأى سارية وجيشه: يا سارية الجبل الجبل، فعمر نام على المنبر..سبحان الله عمر ينام على المنبر، أنا أقول لو عمر نام على المنبر، فلو تغوط الخطباء بعده لكان قليلاً..لكان قليلاً حقيقة، عمر ينام على المنبر؟! الذى إذا رآه الشيطان سالكاً فجاً سلك فجاً غير فجه، عمر هذا الوقور المهيب ينام على المنبر ... سبحان ربى العظيم وهو يخطب!، كان عمر بعد أن قضى نسكه يحلق رأسه ليزين الحلاق فتنحنح فأحدث المزين فى سراويه من أثر تنحنح عمر ... عمر ينام على المنبر؟! هذه الهيبة، وبلغه عن إمرأة غيبة فاستدعاها، فجاءها الرسول وقال: أجيبى أمير المؤمنين، فولولت وصاحت قالت: عمر، مالى ولعمر؟ كيف سأقابله، ففى الطريق أسقطت وهى حامل، ثم بعد أن حصل منها ما حصل، قال عمر للصحابة: ما تقولون فى الجنين؟ فقالوا أنت مؤدب يا أمير الؤمنين وليس عليك شىء، فقال على: عليك ديتها ولابد من دفع دية، ولكن إختلف العلماء هل تدفع الدية من بيت المال، أوعلى عاقلة الخليفة أو القاضى إذا إستدعى إمرأة ومن هيبته أسقطته؟ وسقط الجنين الذى فى بطنها، عمر ينام على المنبر،؟! ثم سلمنا لك أنه نام ورأى تلك الموقعة وصاح فى نومه ... سلمنا، كيف سمع سارية ذلك الكلام؟ هل أيضاً سارية نام وسمع صوت عمر فى النوم؟

стр. 2561

يا إخوتى الكرام: لايجوز أن خرج الكرامة عن واقعها وظاهرها وحالها، هى كرامة أمر خارق للعادة، كالمعجزة، لكن تلك تقع على يد الرسول وهذه على يد العبد الصالح الولى القانت لله جلّ وعلا، تلك على يد نبى هذه على يد ولى..فقط، فهى خارق للعادة..خارق ما جرت العادة بمثله ولو كانت على حسب المعروف المألوف لما كانت كرامة كما لو كانت معجزة إذا وقعت على يد نبى. وقد ثبت فى مسند الإمام أحمد والصحيحين من حديث ابى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: [قد كان فى الأمم قبلكم محدثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن فى أمتى أحد منهم فعمر] ، ما معنى محدثون؟ ملهمون مكاشفون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن فى أمتى أحد منهم فعمر، قال الحافظ ابن حجر عليه ﵀ فى الفتح: وقول النبى ﷺ فإن يكن فى أمتى أحد فعمر لن يورده مورد الترديد، يعنى إذا فرض وجود واحد من هذا الصنف فى هذه الأمة فهو عمر ... لا، إنما أورده مورد التحقيق، فكأن النبى ﷺ يقول: الأمم السابقة كان فيها هذا الصنف وهذا النوع يكاشفون ويحدثون من غير أن يكونوا انبياء ومن غير أن ينزل عليهم وحى السماء، فهذه الأمة من باب الأولى أن يكاشف فيها الصالحون وأن يخبروا بشىء مما يقع عن طريق الكرامة وهى أمر خارق للعادة ... عن طريق الكرامة لما؟ لأهذه الأمة أكرم على من الأمم السابقة.

стр. 2562

فإذا كان هذا الأمر فى الأمم السابقة فهو فى هذه الأمة من باب الأولى، كما تقول لهذا العبد الصالح إن يكن لى صديق فأنت، وأنت لاتشك فى صداقته ولاتريد نفى الصداقة أيضاً عن غيره إنمل تريد أن تجزم بأنه صديق لك من غير تردد، فإذاً أورد مورد التحقيق لامورد التشكيك والترديد، وهناك قول ثانى لكنه ضعيف، أن الحديث أورد مورد الترديد، والسبب أن الأمم السابقة كانت تحتاج الى ما يثبت إيمانها ما بين الحين والحين بواسطة الكرامات، وأما هذه الأمة ففيهاهذا القران الذى تكفل الله بحفظه وفيه تبيان كل شىء وهو معجز، فهذا بمثابة معجزة تتكرر كل لحظة، ولذلك لاداعى لأن يوجد فيهم مكاشفون محدثون ملهمون كما كان فى الأمم السابقة ... يوجد لكن بقلة لكن الأمم السابقة بكثرة، وعلى التعليل الأول وهو الأقوى: يوجد فى هذه الأمة بكثرة أكثر مما وجد فى الأمم السابقة.. فهى أكرم على الله من الأمم السابقة إذاً ما جرى لاإشكال فيه وليس هذا عن طريق الحروف المقطعة ولا عن طريق النظر فى النجوم وإستنباط سعود ونحوس ولا عن طريق حساب الجُمّل ... أكرمه الله بهذا وأوقع الله ذلك كما أخبر وهو على كل شىء قدير،..كرامة يكاشف بها، وللإمام ابن تيمة ﵀ رسالة عظيمة ينبغى أن تقرأوها مراراً، قاعدة فى المعجزات والكرامات وهى غير رسالته (الفرقان بين أولياء الحمن وأولياء الشيطان) ، وهذه القاعدة التى فى المعجزات والكرامات موجودة ضمن (مجموع الفتاوى) فى الجزء الحادى عشر صفة ٣١١.. قاعدة فى المعجزات والكرامات وطبعت أيضاً هذه الرسالة مستقلة، إذاً هذا علم يخفى على غيره ...

стр. 2563

يا سارية الجبل الجبل، وهنا الأمر كذلك، مثال لما يكون فيه خارق العادة فى جنس القدرة، يقدر على ما يعجز عنه غيره، هل بإمكان أحد منا أن يحول التراب الى ذهب؟ لا، فقديقدر الله بعض الصالحين على أن يمسك قطعة التراب يضغط عليها هكذا تصبح ذهباً خالصاً، هذا وقع؟ وقع، ولاينكر هذا إلاّ من هو ضال مخرف، متى وقع هذا؟ يقول الحافظ ابن كثير فى تفسير هـ فى الجزء الثالث صفة ٣٩٩ عند تفسير قوله تعالى فى سورة القصص، حكاية عن العبد المخذول قارون، ﴿قال إنما أوتيته على علم عندى﴾ يقول: قال بعض الناس، على علم عندى فى صنعة الكيمياء، أى أنه يحول التراب والخشب الى ذهب.، يقول الإمام ابن تيمية: وصنعة الكمياء زغل وتلبيس وغش وتدليس وليست بحقيقة ولايمكن ان يقلب المعادن الى غير ماهيتها فالخشب خشب والحديد حديد والذهب ذهب ولا يمكن أن نقلب النحاس الى ذهب على الإطلاق، لكن بإمكاننا أن ندلس ونغش نطليه ذهب ونقول هذا ذهب، لكن إذا أخذه الصائغ يكشفه ويقول هذا نحاس مطلى بذهب من نقلبه حقيقة نقلب العين وأن التركيب أن تكون زرات نحاس تصبح زرات ذهب هذا مستحيل،. قال وأما قلب الأعيان، هذا كلام الإمام ابن كثير فى هذا المكان فى الجزء الثالث صفة ٣٩٩، (وأما قلب الأعيان عن طريق الكرامة فهذا جائز وواقع لأن ليس بقدرة المخلوقات إنما بمشيئة رب الأرض والسماوات، كما جرى لحيوة ابن شريح المصرى إمام الديار المصرية فى زمانه عليه ﵀، ورضي الله عن حيوة ابن شريح توفى سنة ١٥٨ وحديثه مخرج فى الكتب الستة وهو ثقة وفوق الثقة ترجمه الإمام الذهبى فى تذكرة الحفاظ فى الجزء الأول صفحة ١٨٥ وترجمه فى الكاشف فقال: له أحوال وكرامات، وهذا فى تفسير ابن كثير، وهو فى تذكرة الحفاظ.،

стр. 2564

من كراماته "أن سائلاً سأله ولم عند حيوة ابن شريح ما يعطيه، وعلم صدق السئل وحاجته، فأخذ مدرة من الأرض (قطعة طين يابسة متجمدة) فأجالها فى يده إش هى معمل، وألقاها فى يد السائل، فقلبها الله ذهباً خالصأ ". وفى تذكرة الحفاظ قصة أخرى وهى " أن رجلاً دخل عليه ورأى فقره وحاجته، فقال: أما يسأل حيوة ابن شريح ربه فليغنيه، يقول فنظر إلىّ فأخذ حصاة فرمانى بها وإذا هى ذهب خالص، فقلت: ما أفعل بها، قال أنفقها على نفسك " وأما بعد ذلك تريد أنت يعنى أننى أسأل ربى أن يكفينى، فأنا فى نعمة وستر وعافية، خذ هذه الحصاة، لا تظن أنى فقير لهوانى على الله لا أنظر الحصاة ارميها إليك فتصبح ذهبا، وأما أنا فى سترى معافيا.... وكان إذا أخذ عطائه كما فى تذكرة الحفاظ، وتهذيب التهذيب فى ترجمته، وكان عطائه ستين ديناراً " إذا أخذ عطائه يفرقه قبل أن يصل الى بيته، فإذا دخل الى البيت ونام وجده تحت فراشه ستون ديناراً، فعلم ابن عم له بذلك، فأخذ عطائه فوزعه، فذهب الى بيته فنام ثم قلب الفراش ما رأى شيئاً ونظر تحت الفراش بحيث كاد أن يحفر الأرض، فما حصل شيئا، فجاء لحيوة ابن شريح، وقال: أفسدت علىّ مالى وضيعته، قال: وما ذاك، قال: أنت تعطى عطائك للمحتاجين فإذا رجعت الى بيتك وجدت ففعلت مثل فعلك فلم أجد شيئاً، فقال: أنا أعطيت ثقة، وأنت أعطيت تجربة. أنا أعطيت ثقة واثق بالله جلّ وعلا، وأما أنت تريد أن تجرب رب العالمين فخذلك وأوكلك الى نفسك ﴿وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ أعطيتُ ثقة وأعطيتَ تجربة،....حقية قدر على ما يعجِز عنه أهل الأرض قاطبة، لاأقول إن الجهد البشرى الإعتيادى يعجِز عن هذا التكنولوجيا المتطورة فى هذه الحياة ليس بوسعها أن تحول الحديد الى ذهب ... نحن لا ننكر على الإطلاق لكن بمشيئة رب الأرض والسماوات ﴿إنما أمرنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ .

стр. 2565

والحقيقة الأمر كما قال الله ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل لكل شىء قدراً﴾ ، كيف هذا،. يا عبد الله كل العالم بما فيه من عرشه الى فرشه من جنود الله وطوع أمره فإذا كنت فى بيتك واحتجت وقال الله للوسادة التى تتوسدها كونى ذهبا أى شىء يعجزه، نحتاج الى ربط القلب بالله حلّ وعلا، ولو أخذ الناس بهذه الأية لوسعتهم هذه الأية ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا﴾ . يقول الإمام ابن تيمية عليه ﵀ فى الرسالة المشار إليها: (إذا صح الإيمان علماً وعملاً، إ عتقاد نظيف سليم وعمل صالح مستقيم، واحتاج صاحبه الى كرامة وخارق عادة فلا بد أن تخرق له العادة) ، لابد ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ ، ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾ ، إذا هذا خارق العادة فيما يتعلق بجانب القدرة، هذا من أمور الكمال، خارق العادة فيما يتعلق بجانب الغنى فيسغنى عما يحتاج إليه العباد، كيف هذا؟ العباد بحاجة الى طعام وشراب، وهل يسغنى أحد من البشر عن ذلك؟ لا، قد يجعل الله بعض عباده مستغنياً عن ذلك وهو على كل شىء قدير، وقع؟ وقع هذا.

стр. 2566

ذكر الإمام الذهبى فى ترجمة العبد الصالح إبراهيم التيمى، والقصة فى تذكرة الحفاظ فى الجزء الأول صفحة ٧ "توفى وما أكمل أربعين سنة علبه ﵀، وكان يقول: كم بينكم وبين القوم، أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فتبعتموها.، كم بينكم وبينهم، تقبل عليهم فيتركونها، وأنتم تولى عنكم فتلحقونها.. وكان يقول: إذا رأيت الرجل يتهون بتكبيرة الإحرام فاغسل يدك منه، وبلغ من شهامته ورجولته أن شرطة الحجاج..العبد المخذول عامله الله بما يستحق وقد أفضى الى ما قدم، ولا أحد يتعصب لأهل الباطل فيقول: ما فائدة التجريح؟، فالحب والبغض أوثق عرى الإيمان،، يقول الذهبى عليه ﵀ عندما ترجم الحجاج فى الجزء الرابع صفحة ٣٤٣، الذى قسمه الله سنة ٩٥، بعد أن ترجمه يقول: نبُغِضُه ولا نحبه، نسبه ولانحبه ونُبغِضُهُ فى الله. فإن الحب فى الله والبغض فيه أوثق عرى الإيمان، له حسنات مغمورة فى بحر ذنوبه. فإذاً نحب من أطاع الله ونُبغِض من عصى الله، ليس موضوع تجريح. أرسل الحجاج شرطته فى طلب إبراهيم النخعى وكان شيخاً كبيراً طاعناً فى العمر، فطلبت الشرطة إبراهيم النخعى، فقيل: فى المسجد..... أين إبراهيم، فقام إبراهيم التيمى ليقدم نفسه فدائاً لإبراهيم النخعى، وما خرج النخعى بعد ذلك حتى مات الحجاج، متوارياً منه، فقال: أنا إبراهيم، فأخذه الحجاج وحبسه فى الشمس حتى تغير وذبل، فجاءت أمه تزوره فما عرفته من تغير حالته حتى كلمها، ثم مات إبراهيم التيمى: صاحب الكرامات، حديثه فى الكتب الستة ﵁ وأرضاه ... ثم مات، فرأى الحجاج فى نومه، قائلاً يقول له: مات فى سجنك رجل من أهل الجنة، أما تتوب وتستحى من الله.، فلما إستيقظ من الذى توفى فى السجن هذه الليلة، فقالوا: إبراهيم التيمى.، قال: حُمُمٌ من الشيطان، ألقوه على مزبلة..... هذا الحجاج العبد المخذول، أنظر لهذه المروءة وهذه الشهامة عند هذا العبد إبراهيم التيمى.

стр. 2567

يقول الذهبى فى ترجمته، كما قلت فى تذكرة الحفاظ، وتوفى سنة ٩٢، يقول: كان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب، ليس فى وسع الإنسان هذا وهو محتاج الى الطعام والشراب، فهذا خارق للعادة وهو كرامة فى جنس الغنى، يستغنى عما يحتاج إليه العباد، وترجمه فى سير أعلام النبلاء أيضاً، فقال: دخل عليه بعض قرابته فقذف له حبة عنب، فقال: منذ ٤٠ يوماً لم أطعم ثم أخذ هذه الحبة فلاكها فى فيه ثم لفظها ... هذه كرامة، وكون الإنسان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب، هذا خارق للعادة..لكن كما قلنا هذا كرامة، فالكرامة تقع فى العلم فيطلع الله بعض عباده علي ما يخفى على غيره....تقع الكرامةفى القدرة فيمكنه الله من فعل ما يعجز عنه غيره، تقع فى الغنى فيستطيع أن يستغنى عمايحتاج إليه غيره.. وعليه فما وقع من أبى الحكم بن برّجان هو من الكرامة ولا إشكال فى ذلك مطلقاً.

стр. 2568

وأي غرابة أن يكرم الله ذلك العبد عبد السلام بن عبد الرحمن بن برّجان الذى توفى سنة ٥٣٦، وأن يخبره الله بأنه سيكون فتح بيت المقدس سنة ٥٨٢ رجب، وحصل هذا والله على كل شئ قدير ... أى غرابة، لاسيما كان هذا فى عهد عبدين صالحين..العبد الأول وهو ملك بلاد الشام فى ذلك الوقت التابع للخلافة العباسية.....من الذى يقال له شهيد وما أُستشهد، لكن حقق الله له أُمنيته كما يقول الذهبى، فلا ينطق أحد إسمه إلا وينعته بالشهادة مع أنه مات على فراش نور الدين الشهيد ... ما أحد يقول إلا نور الدين الشهيد محمود بن زنكى، وهو شيخ وأُستاذ وأمير صلاح الدين الأيوبى، كان صلاح الدين الأيوبى من قواده ومن جنوده، وفتح الله على يد هذا العبد الصالح محمود بن زنكى التركى، وصلاح الدين الأيوبى الكردى بلاد مصر بعد أن بقيت بلاد ردة وإلحاد ثلاثةقرون، من٢٧٠ على يد العبيديين الملعونين الذين يُسمَّون بالفاطميين، ومؤسس الدولة فى المغرب عبيد الله بن ميمون القدَّاح الذى إدعى أنه من آل البيت وهوهويهودى ربيب مجوسى ثم إدعى الرفض وحقيقته الكفر المحض ... من الذى قضى على هذه الدولة؟ صلاح الدين الأيوبى، فى عهد نور الدين زنكى ... كان ذلك سنة ٥٦٧،قبل وفاة نور الدين بسنتين، لأنه توفى سنة ٥٦٩،وأما صلاح الدين الأيوبى فإمتدت حياته حتى فتح الله على يديه بيت المقدس، وتوفى سنة ٥٨٩ بعد شيخه بعشرين سنة....وفتح بيت المقدس قلنا كان سنة ٥٨٢ أى بعد فتح بيت المقدس بسبع سنين.

стр. 2569

وقد أعد نور الدين محمود زنكى منبر، ونُجِّر فى حياته، وجعله فى بيته من أجل أن يتم فتح بيت المقدس ليكون ذلك المنبر فى المسجد الأقصى ... لكن ما حقق الله أُمنيته ومات قبل ذلك، فجاء بعد ذلك تلميذه قائده العبد الصالح صلاح الدين الأيوبى فحقق ذلك وأتى بذلك المنبر الذى عُمل فى عهد نور الدين، وخُطِب عليه فى ٤ شعبان سنة ٥٨٢،وحقق الله تلك الكرامة لذلك الرجل الصالح. محمود زنكى نور الدين، يقول علمائنا: ما جاء بعد الخلفاء الراشدين وعمر ابن عبد العزيز خير للمسلمين منه...... وكان يقول: وددت لو أن الله بعثنى فى بطون السباع وحواصل الطير.....فأى مانع أن يكرم الله ذلك العبد الصالح فى عهد إمارة هذا العبد الصالح بتلك المكاشفة وذلك العلم وقد كان هذا العبد الصالح: محمود بن زنكى نور الدين يطلعه الله جلّ وعلا على بعض الأمور عن طريق الكرامات.

стр. 2570

أنظروا الى هذه القصة التى أوردها الإمام الذهبى عليه ﵀ فى سير أعلام النبلاء فى الجزء العشرين فى ترجمته صفة ٥٣١.، " حاصل هذه القصة أن الفرنج النصارى لما حاصروا دمياط، فى عهد نور الدين الشهيد بقى عشرين يوماً لا يأكل شيئا إنما يقتصر على الماء حتى تغير من ضعفه وهو مدمن اللجؤ الى ربه فرأى إمام الجيش الذى يصلى بهم الصلاة النبى ﵊ فى الرؤية وقال له: بشر نور الدين بأن الفرنج سيغلبون ويخذلون ويولون وأنه سيحصل النصر والتمكين لنور الدين ... وقال النبى ﷺ هذا لإمام الصلاة بعد أن شكى إمام الصلاة حال المسلمين للنبى ﷺ كما قلت فى النوم، وقال: بلغ الأمر بهذا الإمام أمير نور الدين الشهيد أنه عشرين يوماً ما ذاق طعاما واقتصر على الماء، قال: بشره، فقال: يا رسول الله ﷺ أخشى ألاّ يصدقنى، فقال له النبى ﷺ : قل له علامة صدقى يوم حارم.... هذا سر يعرفه نور الدين الشهيد، يقول: فلما صليت الفجر جئت الى نور الدين الشهيد عليه جميعاً ﵀ فهبت أن أكلمه وكان له هيبة عظيمة، فقال: ما لك تخبرنى أو أخبرك، قلت: أخبرنى ما عندك، قال: رأيت النبى ﷺ فى النوم وأخبرك بكذا وكذا ... إذ هذا الإمام الصالح رأى النبى ﷺ أيضاً.، وهنيئاً لتلك الرعية بذلك الإمام، ثم قال إمام الصلاة لهذا القائد البطل المغوار: أريد أن تخبرنى عن سر يوم حارم..

стр. 2571

إنتهينا الآن من رؤيا أطلعك الله عليها وكاشفك الله بها، لكن مايوم حارم؟ ما هو هذا السر؟ أنا ما أعلمه لإنما قال لى النبى ﷺ : إذا لم يصدقك نور الدين، فقل: العلامة يوم حارم، قال: لما التقينى مع الفرنج فى تلك الموقعة إعتزلت عن العسكر وعفرت جبهتى فى التراب وقلت: يا رب إن الجند جندك، والبلاد بلادك، والعباد عبادك، ومن أنا بينهم؟ فأسألك أن تجبر خاطرهم وأن تعطيهم ما يليق بكرمك، أما أنا لا قيمة لى وشأن.. أنا لا شأن لى، من أنا؟ لكن هؤلاء عبادك وهذه بلادك فاجبرهم خاطرهم وأعطهم ما يليق بكرمك.. يقول: فغلب الله الفرنجة وكسرهم ونصرنا عليهم..هذا يوم حارم، هذا الدعاء الذى حصل هذا سر بينى وبين الله ما اطلع عليه أحد، والنبى ﷺ فى الرؤية يقول لك: هذا السر، كلمة السر، هل يعلمك بهذا الأمر؟ إذاً هنا مكاشفة عن طريق الرؤية وهذا كرامة، وأى غضاضة وغرابة فى هذا. يقول الإمام ابن تيمة عليه ﵀: الكرامة فى هذه الأمة كالمطر، وما نعرفه مما وقع عياناً فلا يحصى.. الكرامات فى هذه الأمة كالمطر..... فإذاً لا إشكال فى أن يقول ذلك العبد الصالح: إن فتح بيت المقدس يكون فى وقت كذا عن طريق خارق للعادة عن طرق كرامة يكرمه الله بذلك وهو على كل شىء قدير.... نعم ينبغى أن نفرق بين الكرامة وبين المخاريق والحيل، هذا لابد من التفريق بينه وبين الكرامات.، فإنسان يعمل لنا مخاريق وشعوذة ويدجل ويلبس..هذا ليس بكرامة، ولعل الله يمد فى الحياة لأتكلم على خوارق العادات وعلى ما فيها من عظات.، فما كان يجرى من الحلاج الحسين ابن منصور الذى قتل على الزندقة سنة ٣١١ خوارق للعادات لكن كلها مخاريق!!!

стр. 2572

وهكذا كان ما يجرى على يد العبد المخذول الثانى، محمد بن التمرت الذى توفى سنة ٥٢٤، وهو الذى كان يلقب جماعته بالموحدين ... وهم ضالون، معطلون، أول من دخل أدخل التعطيل الى بلاد المغرب، وكان يدعى أنه المهدى المعصوم المبشر به فى الوحى المعلوم محمد بن عبد الله بن التمرت..... بلغ من شطف الحلاج وهذا العبد المخذول،، أنهما يأخذان بعض الناس الى المقبرة فيدفنانه وهو حى ثم يقولان له بواسطة مواطئة بينه وبين هذا المدفون، سنحضر الآن الأحياء، وأنا أقول إننى أحيى بعض الموتى، فإذا ناديك أخرج، أخرج من قبرك وكلمنى على أنك ميت وبعثت.... ثم كما الإمام ابن كثير: من أعان ظالماً سلطه الله عليه، فكان يناديهم فبعد أن يخرجوا، ويقولوا نحن كنا أمواتاً وأنت أحييتنا وأنت وأنت، يعيده ويدس عليهم التراب ويقتلهم، جزاء وفاقا، ومن أعان ظالماً سلطه الله عليه ﴿كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه الى عذاب السعير﴾ ، هذا مخاريق وهذه شعوذة، لا يجوز أن ندخل هذا الآن فى شىء من الكرامات،، هكذا ما يقع أحياناً من حدق وفراسة وذكاء، ويخبر الإنسان ببعض الأمور عن طريق النظر فى الأسباب العادية هذا لايقال له كرامة ... وأنا أعرف بعض الناس ممن هو عادى ولا أتهمه وأقول هذه ليست كرامة له العلم عند الله، لكن مثل هذا ممكن أن يقال عن طريق الذكاء وعن طريق كما قلنا الفراسة إذا كان عند الإنسان حدق ومهارة بواسطة التأمل فى الحوادث الواقعة، فقيل له: طاغوت فى بعض البلاد....

стр. 2573

ستطول مدته أو ستقصر، فقال: ستطول جدا، أنا أذكر هذا الكلام قاله من سنين طويلة لعلها تلك الفترة عشرين سنة أو أكثر، وواقع الأمر حصل هذا، فهذا إما كرامة ولا مانع أو إما على حسب النظر فى الأسباب العادية إذا كان عنده ذكاء وحذق لابد أيضاً من التمييز ويمكن أن يكون هنا نظر، وهنا شىء من الحذق،، فكان بعض المنجمين، عندما يولد مولود، يقول: سيعيش كذا على حسب أعمال الغالب لأنه فى الغالب سيعيش، فإذا عاش واحد فقط، يقولون: صدقت فراستك، لكنه لو مات مائة لايقولون: كذبت فراستك..... يحفظون ما يؤيد قوله ولايحفظون ما يخلف هذا، فالأصل فى هذا أنه سيعيش والموت طارىء فيأتى على كل حى، لكن سيعيش الى عمر أمثاله، إذا كان الأمر كذلك،. أرى أن الأمة مخدرة وليس عند العباد فى هذه الأوقات روجوع الى رب الأرض والسماوات، إذاً هذا الطاغوت سيجلس مستريحاً دون مناوئة، ستطول إماعن طريق حذق والنظر فى الأسباب التى يمكن أن يدركها الذكى وإما عن طريق كرامة إذا كان رجلاً صالحاً والعلم عند الله..... إذاً، هذا لابد من التفريق كما قلنا بين الكرامة وبين بعد ذلك المخاريق والشعوذة، بين الكرامة وبين ما يمكن أن يستنبط عن طريق الذكاء والحذق والفراسة الرياضية الطبيعية، لابد من التمييز بين هذا وهذا. القول العاشر: وهو أخر ماقيل فى بيان معنى الحروف المقطعة أوائل بعض سور القران الكريم، وكما الثامن والتاسع والعاشر كلها مردودة مرفوضة أقوال لايجوز القول بها.. القول التاسع قلنا فيه شعبة من شعب الباطنية وادعاء الكهانة وعلم الغيب.......

стр. 2574

القول العاشر قال به العلماء محدثين فى العصر المنحط، قالوا: إن معنى هذه الحروف المقطعة معلوم ولا داعى أن نبذل جهداً ووسعاً وكلفة فى الوقوف على المراد منه، ما هو معناها؟ قالوا: هذه نغم موسيقى أودعه الله جلّ وعلا فى كتابه لتطرب له الأذان، هذا القران حوى جميع العلوم ومن جملة هذه العلوم، علم الموسيقى.... وعليه لما نأتى ب ﴿آلم﴾ نقول: لحن موسيقى نغم موسيقى الغرض من ذلك أن تطرب الأذان لسماع هذا النغم، هذا هو مغناها ولا يقصد منها غير ذلك، قال بهذا عبد الكريم الخطيب فى كتابه الذى سماه أيضاً وهذه بلية (التفسير القرآنى بالقرآن) وكان هذا رئيس قسم التفسير فى الرياض، وكان يدرس علم التفسير وعلوم القرآن فى الدراسات العليا ولعل التعبير الأدق لها سفلى ... يقول: ﴿آلم﴾ نغم موسيقى يقرر هذا فى كتابه فى الجزء الأول صفحة ٢٣ الى ٢٥ لا داعى للإجتهاد فى البحث عن معناها. يقول: فهى مطلع موسيقى تقوم عليه وحدة النغم فى ترتيل آيات السورة وكل حرف منها له نغم مستقل،،وهذا القول قال به ايضاً عبد الرزاق نوفل، صاحب كتاب (معجزة الأرقام والترقيم فى القرآن الكريم) ، وصاحب كتاب (أسئلة حرجة) ، وقد أفضى الى ما قدم.... أسئلة حرجة، وهل صدره سيكون حرجاً أو منشرحا ً العلم عند الله، أما كتبه فقد ملأها قاذورات وضلالات، يقول فى هذا الكتاب وهو من أوله الى آخره سفاهة وسخط، ولم يبنى على دليل معجزة الأرقام والترقيم، الحروف المقطعة ثم بعد ذلك، لما تسة عشر حرفاً؟، لما سبعة عشر حرفاً؟، ولما، ولما، (معزة الأرقام والترقيم) وهذا قاله قبله بعض الموهوسين فجاء هو وانتحله، وادعى أن المسألة لا زالت ذكرى وهو أول من استضها وأول من يبحث فيها ويلفت الأذهان الى الأرقام والترقيم.... لكن المسألة ذكرت قبله وأنها هوس قال به بعض الناس ورد عليه..

стр. 2575

يقول الراوى فى كتابه فى التفسير، فى تفسير سورة الفاتحة فى الجزء الأول صفحة ١٧٨ إ ن قيل لما خلت الفاتحة من سبعة أحرف وهى " التاء والجيم والخاء والزال والشين والظاء والفاء " يقول الفاتحة ليس فيها سبعة أحرف لما؟ ماذا ستقول أنت؟ قال: لأن هذه الحروف مشعرة بالخذى والعذاب، والله يقول عن جهنم ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ فكل حرف من هذه الأحرف يشعر بعذاب ... ففاتحة الكتاب سلمت من ألأحرف للإشارة الى أن من قرأ فاتحة الكتاب لا يدخل باباً من أبواب النار، ثم قال مقرراً هذا: التاء من السبور، (لاإله إلاالله!) والجيم من جهنم، والخاء من خذى، والزال من الزفير والزقوم، والشين من الشقاوة، واللام من لظى، والفاء من فراق، طيب يمكن أن نعكس عليك هذا، فنقول أيضاً الحروف المذكورة فى الفاتحة تدل على أسماء جهنم وعلى الشدة والخذى والعار، فنقول لك: الذال الذين تدل على الذلة، والغين غير: تدل على الغواش، ﴿لهم منجهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ ، والنون إهدنا: تدل على النار، والحاء: تدل على الحميم، والميم: تدل على المهاد،، هذا بحث هذا؟ هذا تفسير؟، أو هذا تكسير؟!

стр. 2576

لا إله إلا الله......الفاتحة خلت من سبعة أحرف لأن أبواب جنهم سبعة هذه تشعر بالخذى، طيب ما الفارق بين الجيم والحاء؟ الجيم من جنهم والحاء من حميم، لما ذكرت الحاء ولم تذكر الجيم؟ هذا لايقال، ولا يجوز أن ندخل العقل فى غير مجاله، الكتاب من أوله الى أخره كله حول هذا الهوس، ذكر الأيات وجعل جزء الآية أية من أجل أن يأفق أنها تسعة عشرحرفاً أو سبعة عشر حرفاً ليوفق بينها وبين أيات زعم أنها بهذه الأحرف، طيب الأية لما لا تكملها من أولها لتأخذ جزء منها، تتلاعب.. يقول فى صفحة ٤٨: هناك من اوجه الإعجاز الأخرى ما هو سابق فى الزمان كإعجازه الموسيقى، ثم ذكر أن الحروف التى جاءت فى فواتح السور رمزاً لحركة السورة الموسيقية وما زالت أوجه إعجازه الموسيقية تترا وهذا كما قلت له كتب كثيرة كلها تحمل الجيف والقاذورات والبلاء..إعجاز موسيقى، لما جاء فى كتابه أسئلة حرجة الى حديث الدجال ونزول عيسى ابن مريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، تقدم أن محمد عبد الرشيد رضا، وبعد ذلك الآن صاحب كتاب (مواعظ العلم والإيمان) وإنتقل من الشك الى الإيمان، والله أعلم بالإيمان الذى إنتقل إليه المخذول مصطفى محمود.. كلهم ينكرون موضوع خروج الدجال ونزول عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، يقول فى صفحة ٩٩،: أحاديث الدجال كلها خرافة وأحاديث نزول عيسى ابن مريم كلها مدسوسة، ثم بعد ذلك فى مكانين صفحة ٢٨و٦٤، سؤال حرج أين الله؟ يقول: من الضلال ما يعلمه الناس لأولادهم أن فى السماء....، النبى ﷺ يقول للجارية: أين الله، قالت: فى السماء،. يقول: لأنه فى عصر الفضاء بقى الأولاد يتناقضون مع ما يتلقونه فى بيوتهم، ومع ما يشاهدونه فى حياتهم، فقد غزى الناس الفضاء ووصلوا للقمر، وما رأوا الله فلو كان فى السماء لرأوه، هذا كقول فرعون تماما، ﴿يا هامان ابنى لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع الى إله موسى﴾ ..

стр. 2577

أيها المخذول، هل الإله جل وعلا عندما نقول فى السماء يعنى فى هذه الأجرام السماوية السبعة؟ إذا كان كرسيه وسع السماوات والأرض، المراد من السماء العلو المطلق، أأمنتم من فى السماء، إما أن تقول السماء بمعنى العلو ففى ظرفية على حقيقتها،،وإما أن تقول: أأمنتم من على السماء وهو فوقها لأن السماء كالأرض، فكيف يكون الله فى داخلها، السماء والأرض سواء، والله جل وعلا ليس فى شىء من مخلوقاته، ﴿ليس كمثله شىء وهو السيع البصير﴾ والله منفصل مباين لخلقه فى ذاته وصفاته وأفعاله وعلى عرشه بائن من خلقه لا ذاته فى شىء من المخلوقات ولا المخلوقات فى شىء من الخالق، منفصل عنهم هو العلى العظيم، فالسماوات والأرض سواء، أنه يكون فى السماوات ولا يكون فى الأرض نعوذ بالله من هذا الخذلان، أما هنا، من فى السماء، عندما أقول أين الله؟ فى السماء نقصد من السماء العلو المطلق، وإذا كنا نقصد من السماوات الأجرام المعروفة فهنا يكون معنى ﴿فى﴾ بمعنى على، ﴿لأصلبنكم فى جذوع النخل﴾ أى على جذوع النخل، ﴿فامشوا فى مناكبها﴾ على مناكبها، ﴿فسيحوا فى الأرض﴾ على الأرض سيحوا عليها وامشوا عليها، وماتمشى فى داخلها وتكون فى وسطها، وهنا كذلك على السماء أو فيها بمعنى العلو، فيقول: الآن بدأ يتناقض الجيل عندما نقول له الله فى السماء، وغزى الفضاء وما حصل هذا، ومثل هذا كثير وكثير، فبقول: هذا إشارة الى علم الموسيقى.

стр. 2578

وهذا القول قاله ايضاً محمد صبيح فى كتابه (بحث جديد عن القرآن) فى صفة ٩٥، فنقل عن زكى مبارك، إنتبهوا إخوتى الكرام من أين جاء هذا القول اللعين، أن الأحرف المقطعة هى نظم موسيقى، نقل زكى مبارك عن المسيوبلانشو، هذا كما تقدم معنا نقل عن مصطفى محمود عن الكاتب البولاندى، أن المراد من الدجال هو التكنولوجيا والعلم الحديث، لأنه أعور، يقول: ليس له صلة بربه، هذا العور الذى فيه، وهنا ينقل عن المسيوبلانشو، صار يعنى المستشرقون سيتكلمون فى تفسير كلام الله ونرجع إليهم، يقول: الحروف المقطعة هى مطلع موسيقى يقوم عليه وحدة النغم فى ترتيل أيات السورة،، يقول هو عن المسيوبلانشو، يقول: الحروف المقطعة إشارات وبيانات موسيقية يتبعها المرتلون، وكانت الموسيقى القديمة بسيطة ليست كالموسيقى الحديثة معقدة آلات كثيرة، فكانت الموسيقى القديمة، يقول من حرف أو حرفين أو ثلاثة لا تتجاوز خمسة أحرف ... فجاء إذاً القران موافقاً للموسيقى البسيطة، وهذا وراءه بعد ذلك أنه من صنع البشر وأن النبى ﷺ حاك الناس فى هذا الأسلوب الذى كانوا يفعلونه، فلأن الموسيقى القديمة كانت بسيطة بدائية فجاء القرآن على هذه الوتيرة وعلى هذه الشاكلة، يقول زكى مبارك: ونحن مع إعترافنا وإعتدادنا بهذا القول نتوقف حتى تظهر الكنائس الحبشية والكنائس الشامية فى بلاد الحبشة والشام مدى صحة هذا القول وهذه الموسيقى كانت عندهم بسيطة ليست معقدة من حرف أو حرفين إلى خمس، فإن كان كذلك فيصح تفسير الحروف المقطعة بأنها موسيقى موافقة للموسيقى القديمة، مع إعتزازنا بهذا القول نتوقف فى من الحكم ظ الكنائس الحبشية والكنائس الشامية لتبحث لنا وتقرر لنا ماذا كان فى القديم من نغم يتبع فى الكنائس قبل تطور آلات الموسيقى.....

стр. 2579

نعوذ بالله من هذا الخذى،، هذا القول الذى وقف زكى مبارك عنده لهذا الحد، قال: نتوقف حتى تحكم الكنائس، ماإرتضاه أيضاً محمد صبيح وقال: نحن نتفق بأن له قيمة لكن هذا القول لا ينبغى أن يهمل إنما هو قول معتبر وهو يقرب من قول المتقدمين: إنها حروف لتنبيه السامعين، أين هذا من ذاك؟ فهناك قلنا التنبيه كما يكون بلفظ يفهم يكون بلفظ لايفهم، فنقول: ياأيها الذين أمنوا،.ياأيها النبى، ياأيها الناس، يا بنى آدم، ونقول أيضاً: ﴿آلم﴾ أما قياس هذا على هذا، هذا فى منتهى الفساد الشقاء، فإذاً هذا تفسير عاشر وهو باطل منكر..

стр. 2580

السيد قطب عليه ﵀ وغفر الله له ولجميع المسلمين والمسلمات فى تفسيره (فى ظلال القرآن) وقع أحياناً عليه رحمة الله من غير قصد فى شىء من هذا، ولم يتنبه له عليه ﵀، فمثلاً فى كتاب فى تفسير سورة النجم.. يقول عنها: منظومة موسيقية علوية منغمة يسرى النغم الموسيقى في دمائها المقطعى وفى إقاع فواصلها ... وأنا أقطع قطعاً بأن هذا العبد الصالح ولا نزكى أحدأً على الله جل وعلا، ونسأل الله أن يجعله فى جنات النعيم بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين: أنه ما يقصد من أن هذه على أوتار الموسيقى، إنما يقصد هنا من الموسيقى: صوت يلتذ منه السامع، عندما يقرأ ﴿والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ ، صوت يلتذ منه السامع، لكن يبقى، هل يجوز أن نعبر عنه بأنه نغم موسيقى وإيقاع موسيقى؟ يبقى ذلل يرد على قائله مهما كان شأنه، لكن شتان أن ترد خطأ المخطىء إذا كان صالحاً وتعثر، وبين أن ترد خطأ من يضلل ويفسد فى دين الله، شتان بين هذا وذاك، هذا ترد خطائه برفق وتلتمس له عذراً وتدعو له.، وأما ذاك تحذر الأمة منه، فينبغى أن نفرق بين هذا وذاك،، فإذاً هذا حاله عندما قال هذا، هذه فى الحقيقة ذلل ينبغى أن يحذف، ويكرر سيد قطب عليه ﵀ هذا فى تفسيره، يقول إقاعها الموسيقى ونغمها الموسيقى، هذا لايجوز أن يقال فى تشبيه هذه الأمور المستحسنة بهذه الأمور السترذلة، لاسيما والموسيقة لها فى العصر شأن لايخفى علينا.

стр. 2581

وقد عملت مقابلة مع بعض المشايخ الزائغين، فقال مدللاً على حل الموسيقى (وسيدقطب عليه ﵀ لا يقول الموسيقى حلال يقول حرام، لكن يعبر عن إيقاع فواصل الأيات بأنها نغم موسيقى، يأخذ من الموسيقى تشبيهاً معروفاً وهو اللذة والطرب وابتهاج الأذن بسماع هذا الترتيل المبارك، لايقصدأن الموسيقى حلال، فبض الزائغين عملت له مقابلة، فقال: الموسيقى حلال وقد ثبت عن النبى ﷺ أنه قال لأبى موسى الأشعرى: [إننى إستمعت الى قرأتك وقد أوتيت مزماراً من مزامير داود] ، وهذا مما يدل على حل الموسيقى، ثم أخبر عن نفسه بأنه يطرب لفلانة وفلانة ويسمع لفلانة ... أيها العبد المضل بعد أن كنت ضالاً: من الذى أباح لك أن تستمع لغناء المرأة، لو قلنا إن الموسيقى حلال، وعندك عود تضرب به فى بيتك أو تضرب لك زوجتك، لو قلنا: من الذى أباح لك أن تسمع لإم جرثوم وشادية وبلية، من الذى أباح لك؟ أوريد أن أعلم؟ منالذى أباح لك أن تسمع للمغنيات الفاجرات؟، فكون الموسيقى تقول حلال، وتتلاعب بمدلولات النصوص هذا خذلان ... خذلان ثانى: تسمع للنساء، أوليس الغناء والموسيقى هو من الخضوع بالقول بالإتفاق، وهل المرأة عندما تغنى يكون كلامها جذلاً فصلاً أو بترقيق تنطيط، والله يقول للنساء عندما تكلم الرجال دون غناء ﴿فلا تخضعن بالقول﴾ ، فماذا بعد الغناء والموسيقى من خضوع وعندما تسمع لتلك الخبيثة وتستدل بأن ابى موسى الأشعرى ﵁ أوتى مزماراً من مزامير آل داود، نعوذ بالله من الخذلان وإنطماس البصيرة..

стр. 2582

إخوتى الكرام: الحديث رواه الإمام أحمد ورواه الشيخان فى صحيحيهما والترمذى والنسائى وابن ماجة عن ابى موسى الأشعرى ﵁، أن النبى ﷺ مر عليه وهو يقرأ القرآن فى الليل، وقال [له لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود] ثبت فى رواية المستدرك للحافظ فى الجزء الثالث صفحة ٤٦٦، أن ابى موسى الأشعرى ﵁، قال: لو علمت بمكانك لحبرت لك تحبيرا، المراد من مزامير آل داود: أى أوتيت صوتاً حسناً، كصوت نبى الله داود وأوتاره عندما كان يقرأ الزبور، قيل لذلك مزمار: تشبيهاً باللذة المطربة التى تقع فى المزمار، لكن ما كان عند نبى الله مزمار. المراد مزمار من مزامير آل داود: أوتيت صوتاً عذباً رطباً ندياً، كما كان يقول لذلك العبد الصالح عندما كان يجلس ويقرأ الزبور فى الصحراء الطيور تظله من عذوبة صوته، فأوتيت صوتاً حسناً، كما أوتى ذلك العبد الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، ليس المراد بالمزمار والموسيقى.

стр. 2583

ولذلك ثبت فى الحلية عن ابى عثمان النهدى أنه قال: دخلت على ابى موسى الأشعرى، فسمعته يقرأ القرآن فكان صوته ألذ وأحسن من الصنج والبربطى، والناى، الصنج: حديدتان يضرب بهما، والبربط يقول العلماء: ألة تشبه العود، والناى: الزمارة، صوته ألذ من هذه، أى إذا كان أهل الفجور يتلذذون بهذه والطبيعة الإنسانية تتلذذ بهذا، كما يتلذذ الإنسان بالزنا، وليس فى هذا دليل على حله، وليس اللذة مقتضية للحل، كون الإنسان إذا سمع المزمار يطرب لا يدل على أنه حلال، كما أنه إذا زنا يلتذ ... إنما صوت ابى موسى الأشعرى ألذ من صوت العود والزمار ة والصنج، كما ثبت هذا فى الحلية عن ابى عثمان النهدى بسند صحيح، فإذا ليس المراد: مزمار أنه كان عنده ألة يزمر بها، صوت حسن، صوتك يشبهه فى الحسن والعذوبة، وبهذا ينتهى الكلام على الأحرف المقطعة فى بعض سور القرآن، وأما تفسير أية سورة لقمان سنتدارسه فى الموعظة الأتية إن شاء الرحمن وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام ورحمة الله وبركاته..

стр. 2584

تفسير (١٨) (تفسير) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان تفسير (١٨) قولاً سديداً الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاًمستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، انت رب الطيبين، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، ولى الصالحين وخالق الناس أجمعين ورازقهم ﴿وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌ فى كتاب مبين﴾ ﴿ياأيها الناس أُذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ . وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وشرح به الصدور وأنار به العقول، وأفتح به آذاناً صماً وأعيناًعمياً وقلو باًغلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به الله نبياً عن أُمته، ورضى الله عن أصحابه الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ ، ﴿ياأيها الذين آمنوا إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ ، ﴿ياأيها الذين آمنوا إتقوا الله وقو لح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاًعظيماًْْْْ﴾ . أما بعد معشر الأخوة الكرام..

стр. 2585

انتهينا من مدارسة وبيان معنى الحروف المقطعة المذكورة فى أوائل بعض سور القرآن الكريم ونحن نتدارس فى الأصل تفسير سورة لقمان ﵁ وعن سائر الصالحين والصالحات، وبدايتها ﴿آلم. تلك آيات الكتاب الحكيم. هدى ورحمة للمحسنين﴾ وذكرت أن الحروف المقطعة الموجودة فى بعض سور القرآن الكريم أجمع أئمتنا الكرام على أن لها معنى وذكرت لحكمة لأمرين معتبرين ... ثم بينت بعد ذلك هذا المعنى الذى من أجله ذُكرت الحروف المقطعة، وتلك الحكمة التى من أجلها وردت الحروف المقطعة فى أوائل بعض سور القرآن الكريم.... هل يدرس فى ذلك المعنى ويوقف على تلك الحكمة من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه؟، فقلت هذا محل الخلاف بين أئمتنا الكرام على قولين.... القول الأول: لايمكن أن ندرس الحكمة من جميع الوجوه ولا أن نقف على المعنى على وجه التمام والكمال، فغاية مانعلمه فى الأحرف المقطعة: أنها حروف من حروف الهجاء من حروف لغة العرب، إذ فتح الله بها بعض السور من كتابه جل وعلا، فهى حروف من حروف اللغة العربية، لكن ماذا يقصد بها وما الحكمة التى من أجلها ذكرت من أجلها هذه الأحرف فى أوائل بعض السور، هذا ما نقف عنده ولا نتكلم فيه. القول الثانى: أنه يمكن الوقوف على ذلك المعنى وإدراك تلك الحكمة، وقلت: كما تعددت أقوال القائلين بهذا القول الى ما يزيد على ثلاثين قولاً، ذكرت منها عشرة أقوال، سبعة ممكن أن تقبل. وهى متفاوتة فى درجات القبول، وثلاثة مردودة، ختمت الكلام على الأحرف المقطعة بها فى أخر موعظتى المتقدمة. وأما الآن سنشرع فى مدارستنا بعد الأحرف المقطعة فى أول سورة لقمان ﴿آلم. تلك آيت الكتاب الحكيم﴾ نتدارس إن شاء الله تفسير الأية الثانية من سورة لقمان وهى ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ المؤلفة من أربعة كلمات....

стр. 2586

إخوتى الكرام.. تقدم معنا أن الحروف المقطعة الموجودة فى بعض سور القرآن الكريم تعتبر آية فى مصاحف الكوفة، ونحن نسير على هذا الإختلاف فى مصاحفنا، وقراءتنا فى الأصل تنتمى لقراءة حفص عن عاصم إلى بلاد الكوفة، وعاصم كان هناك وفى مصاحفنا ﴿آلم﴾ تعتبر آية، وقلت ما عدى الحروف المقطعة فى أوائل السور آية إلا الكوفيون فى مصاحف الكوفة، وهذا ثابت عن نبينا ﷺ ، وما بدؤه حرف التهجى فآية لكوف وطس كما تقدم معنا عند بيان آيات سورة لقمان، فى هذه راء، هى هذه الراء من الأحرف المقطعة ﴿آلر﴾ هذا لا يعتبر آية فى مصاحف الكوفة، وطس، وهكذا المثل للتى أُبتدئت بحرف واحد من ن وق وقال: هذه الآية تعتبر الفواتح فيها آية فى مصاحف الكوفة، إذاً ﴿آلم﴾ الآية الأولى، والآية الثانية هى التى نتدارسها الآن ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ تلك إسم الإشارة، وآيات جمع آية والكتاب الذى نُعت بعد ذلك بالحكمة ﴿آيات الكتاب الحكيم﴾ ، هذه الكلمات الأربعة سنتدارسها، ونسأل الله العظيم بفضله ورحمته أن يلهمنا رشدنا وأن يبصرنا بعواقب أُمورنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 2587

إخوتى الكرام.. أما الكلمة الأولى واللفظة الأولى فهى ﴿تلك﴾ تلك إسم إشارة، ووضع هذا الإسم فى اللغة العربية للإشارة به إلى بعيد غائب إذا كان مؤنثا، كما أن ذلك يشار به إلى البعيد الغائب إذا كان مذكرا، بعكس هذا وهذه ... فهذه يشار بها إلى القريب الحاضر إذا كان مؤنث، وهذا يشار بها إلى القريب إذا كان مذكراً..... وعليه تلك يشار بها إلى الشئ البعيد، وإلى الشئ الغائب إذا كان مؤنثاً، لكن أسماء الإشارة تتناوب، فيعبر أحياناً فى لغة العرب عن الحاضر القريب الموجود المشاهد بإسم الإشارة البعيد، كما يُعبر عن البعيد الغائب بإسم الإشارة القريب...... فما المراد هنا من إسم الإشارة؟ هل يُراد شئ حاضر قريبأ أُشير به بإسم الإشارة الذى وُضع كما قلنا للبعيد، أو أن المراد بهذا الإسم شئ غائب بعيد؟ لعلمائنا الكرام فى هذه المسألة قولان، القول الأول: أن المراد من إلإشارة هنا شئ حاضر قريب وليس بشئ غائب بعيد ﴿آلم. تلك ... ﴾ فماذا نقول إذاً فى معنى (تلك) (هذه) ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ أى (هذه آيات الكتاب الحكيم) تلك بمعنى هذه، والذين قالوا بهذا إختلفوا أيضاً فيما بينهم في توجيه هذا القول وتعليلهم إلى ثلاثة أقوال: إذا فسرنا إسم الإشارة الذى هو للبعيد بما يشار به إلى شئ حاضر قريب، هؤلاء قالوا تعليل هذا القول إلى ثلاثة أقوال إختلفوا فى تعليلهم، القول الأول.

стр. 2588

القول الأول: ذهب إليه الإمام ابن كثير عليه ﵀ وعدد من أئمة اللغة كمعمر ابن المثنى ابى عبيدة فى كتابه (مجاز القرآن) ويقصد بالمجاز تفسير القرآن، لا يقصد بالمجاز المعنى الإصطلاحى عند المتأخرين، كتاب ابى عبيدة معمر بن المثنى فى مجاز القرآن وتفسير القرآن وتأويل القرآن وشرح القرآن وبيان معنى القرآن، ولا يقصد بالمجاز، المجاز الإصطلاحى عند المتأخرين الذى يقابل الحقيقة، لا ثم لا، المجاز بمعنى التفسير.، زلذلك يقول البخارى عليه ﵀ فى صحيحه عندما ينقل قول ابى عبيدة معمربن المثنى ﴿آلم﴾ مجازها، مجاز أوائل الصور، ما معنى مجازها؟ تفسيرها، والقول فيها كما يقال فى أوائل السور، قد تقدم معنا الإشارة الى هذا، وهنا ابو عبيدة معمر بن المثنى عليه ﵀ فى الجزء الأول صفحة ٢٨ عند مطلع ومفتتح وبداية سورة البقرة ﴿آلم. ذلك﴾ إسم إشارة للبعيد لكنه بصيغة المذكر، ﴿ذلك الكتاب﴾ وهنا إسم إشارة للبعيد تلك، لكن المراد آيات، هناك كتاب مذكر وهنا آيات مؤنث، والصيغتان للبعيد الغائب، يقول ابى عبيدة: ذلك الكتاب، هذا الكتاب، والعرب قد تخاطب الشاهد، أى الحاضر القريب، فتظهر له مخاطبة الغائب. والإمام ابن كثير عليه ﵀ عندما فسر تلك بهذه ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ، هذه آيات الكتاب الحكيم، ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه﴾ ، هذا الكتاب لاريب فيه، قال عليه ﵀ فى الجزء الأول صفحة ٣٩: العرب تعاوض بين إسمى الإشارة، أى تجعل واحدا عوضاً عن الأخر، فهما يتعاقبان فهذا يحل مع هذا فأحيانا تستعمل صيغة إسم الإشارة التى هى للبعيد، تقصد بها القريب الحاضر، وأحيانا تستعمل إسم الإشارة التى هى للقريب الحاضر وتريد بها مشارا إليه غائبا بعيدا، تعاوض بين إسمى الإشارة، قال معمر بن المثنى والشاهد على هذا ما ورد فى كلام العرب، يقول خُفاف بن نُدبة من شعراء العرب: أقول له والرمح يقطر مثنه ... تأمل خفافا إننى أنا ذلك

стр. 2589

يقطر (يأطر) مثنه: أى يقطع مثنه وظهره، ويفصله عن بعضه، مثنه: مثن هذا المضروب. إننى انا ذلك: ما الأصل أن يقول؟ إننى أنا هذا، أى أنا حاضر بين يديك، أنا خفاف الذى أضربك هذه الضربة التى تقطع ظهرك. أشار إليه بإسم الإشارة الذى هو للبعيد وهو حاضر موجود، إننى أنا هذا. لكن الإمام الألوسى فى روح المعانى عليه ﵀ فى الجزء صفحة ١٠٥، قال: وليس هذا بنص صريح على أن المراد من قول خفاف بن ندبة: إننى أنا ذلك، أنا هذا، أى أشار بإسم الإشارة الذى هو للبعيد الى حاضر قريب، لإحتمال أن يريد خفاف، إننى أنا ذلك الرجل الذى كنت تسمع به وتحدث عنه، فهو إذاً غائب بعيد، كان يسمع به هذا المضروب، إننى أنا ذلك، فكأن الإمام الألوسى عليه ﵀ يقول: صيغة إسم الإشارة هنا التى هى للبعيد على بابها وعلى حقيقتها يقصد منها ما هو بعيد غائب ليس بحاضر شاهد، إننى أنا ذلك، ذلك الرجل الذى كنت تسمع به وتحدث عنه خذ هذه الضربة منه التى تأطر مثنك وتقطع ظهرك.

стр. 2590

أقول: لكن ما قاله الإمام ابن كثير عليه ﵀ وهكذا قبله معمر بن مثنى على علماء الإسلام جميعا ﵀ ورضوانه، إن ما قاله هؤلاء العلماء، هذان وغيرهما له شواهد كثيرة فى كتاب الله جل وعلا، وقد جاءت صيغة إسم الإشارة للبعيد ويراد منها الحاضر الشاهد القريب، فمن ذلك قول الله جل وعلا فى سورة الأنعام آية ٨٣ ﴿وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾ ، قال هذا بعد ذكر الحجة التى منحها الله ووهبها لخليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، ﴿فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الأفلين. فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضآلين. فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا ياقوم إنى برىء مما تشركون. إنى وجهت وجهى للذى فطر السواوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. وحآجه قومه قال أتجاجونى فى الله وقد هدان ولاأخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شىء علما أفلا تتذكرون. وكيف أخاف ما أشركتن ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ .

стр. 2591

ماذا قال بعد ذلك ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾ ، تلك: بعيدة غائبة أو حاضرة قريبة إشير إليها، الإصل: وهذه حجتنا متقدمة التى منحها الله لخليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، الأصل: وهذه حجتنا التى تقدم ذكرها وسردها واستمعتم إليها وبينت بيانا شافيا وافيا، هذه الحجة آتيناها لخليلنا إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فعبر عنها بإسم الإشارة الذى هو للبعيد لكن المشار إليه حاضر مشاهد قريب ليس بغائب بعيد، وتلك حجتنا: معناها هذه حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء، وهكذا فى سورة السجدة آية ٦ ﴿الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون. يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ . ماذا قال بعد ذلك ﴿ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾ ، ذلك: إسم إشارة يشار به للغائب البعيد، والأصل هنا أن يقال: هذا المتحدث عنه ﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون﴾ والأصل أن يقول: هذا عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذى ذكرت أوصافه ةنعوته وما قام به من أعمال وأفعال وخلق وتدبير هذا هو الله العزيز الرحيم، فعبر عنه بذلك كما تقم معنا: العرب يعاوضون بين أسماء الإشارة فيجعلون إسم الإشارة الذى هو للبعيد للحاضر القريب المشاهد، ذلك: بمعنى هذا عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم.

стр. 2592

ومثل هذا قول الله جل وعلا فى سورة الممتحنة فى آية١٠ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا....﴾ ماذا قال بعد ذلك ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ ما الأصل أن يقول: هذا حكم الله يحكم بينكم، هذا هو الذى تقدم ذكره، وهو أننا نمتحن المؤمنات إذا جئن مهاجرات، لإنها هاجرت رغبة فى الله ورسوله خالصة صادقة، ما هاجرت ل ... زوج، ولا رغبة فى أرض أو التزوج من غير زوجها، إنما هاجرت مؤمنة بالله ورسوله ﷺ ، فإذا إستبان لنا هذا فلا يجوز أن نعيدها الى الكفار، ولايجوز أيضاً أن نمسك بعصم الكوافر زوجة كافرة، ثم بعد ذلك نعطى مهور النساء اللآتى هاجرن الينا وهن مؤمنات لى الكفار عندما هاجرت هذه المؤمنة من ذلك المكان، ألأصل أن يقول: هذا حكم الله يحكم بينكم، أشير إليه وذكر ووضح وهو حاضر، فقال: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ .

стр. 2593

ومثل هذا الكثير الكثير وإن أردت أن تتحقق من هذا فانظر الى هذا الأمر الذى يوضح هذه القضية غاية الأيضاح، كيف أشار ربنا جل وعلا الى الحاضر القريب بصيغة إسم الإشارة التى هى للبعيد، ثم بين أن المراد من تلك الصيغة التى هى للبعيد الحاضر الموجود القريب، يقول الله جل وعلا ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ ، بعد أن قص قصة عبدة عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، الأصل: هذا نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. ﴿الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. إن هذا ... ﴾ ، مع أنه قال فى أول الآيات، ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ ذلك، وهنا ﴿إن هذا لهو القصص الحق..﴾ ذلك هو هذا وهذا هو ذلك، فذكر إسم الإشارة الذى هو للبعيد فى أول الأمر ثم بين المراد منه وأنه حاضر أشير إليه وهو قريب موجود مشاهد بيننا ليس بغائب عنا ﴿إن هذا لهو القصص الحق....﴾ ، أى: إن ذلك الذى تلوناه عليك وأخبرناك عنه بصيغة إسم الإشارة التى وضعت للبعيد يراد منها ما هو حاضر موجود بين يديك، ﴿إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ .

стр. 2594

هذا القول الأول: أن أسماء الإشارة تتعاقب ويحل بعضها محل بعض وينوب بعضها عن بعض، لكن هذا القول كما ترون مع سلامته وظهور الأدلة عليه يبقى فى نفسى نحوه شىء فهو كما يقال جاف جاف ماسخ ماسخ، وماعندنا شك فى أن صيغة إسم الإشارة التى للبعيد يعبر بها عن الحاضر القريب المشاهد المحسوس، لكن نقول هل من ذلك نكتة لما عبر عن الأمر القريب بإسم إشارة وضع للبعيد؟ نحن معكم فى هذا، وهذا وارد فى كلام الله جل وعلا ولغة العرب بكثرة.، لكن ما الحكمة وما النكتة وماالسبب وما العلة فى هذا التعبير؟ حقيقة القول الثانى الذى قال به كثير ممن أئمة اللغة العربية وإرتضاه جمهور المفسرين هو أظهر وأقوى من القول الأول، الذى ذكره الإمام السكاك فى (مفتاح العلوم) توفى سنة ٦٢٦ عليه ﵀، يقول: ﴿تلك أيات الكتاب الحكيم﴾ تلك بمعنى هذه، لكن أشير بإسم الإشارة الذى هو للبعيد الى حاضر قريب تنزيلاً للبعد الرتبى منزلة البعد الحقيقى. وحقيقة هذا القول تطرب له الآذان وتبتهج به النفوس وتنشرح القلوب لقبوله.، يقول: هذه الآيات آيات جليلة سخيمة لها شأن عظيم، فإذا رتبتها ليست هى من حيث تلاوتها من حيث رسمها بعيدة أو قريبة، لا، من حيث منزلتها من حيث رتبتها منحيث مكانتها من حيث رفعة قدرها، هل منزلتها قريبة سهلة أم عالية عالية عالية؟ فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر الخلق، وهذا الكلام يعلو ولا يعلى، ويحكم ما دونه، أعلاه مثمر وأسفله مغدق، وما هو من كلام البشر...... إذا كان الأمر كذلك فنحن عندنا البعد ينقسم الى قسمين.. بعد حسى: يشار إليه بإسم الإشارة الذى هو للبعيد، تلك.

стр. 2595

بعد معنوى: وهو الذى عبر عنه السكاك ببعد الرتبة والمنزلة، فإذاً نزل البعد المعنوى فى الرتبة والمنزلة منزلة البعد الحسى، فعبر عنه بتلك، إذاً ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ، هذه آيات الكتاب الحكيم تتلى عليكم، لما ذكر إسم الإشارة الذى هو للبعيد والغائب؟ نقول نزل هذه الآيات فى رتبتها وعلو شأنها ورفعة قدرها لمنزلة البعد الحسى، فبعد الرتبة كالبعد الحسى فلذلك هنا يشار إلى بعدها فى الرتبة والمنزلة وجلالة القدر لا فى البعد الحسى، وحقيقة هذا القول أوجه وألطف من القول الأول، ولذلك قال الإمام الألوسى عليه ﵀ فى (روح المعانى) : هذا هو تعليل البعد، يعنى كيف أشار الى القريب بصيغة البعيد هذا هو تعليل البعد فى إسم الإشارة، أى البعد فى الرتبة والمنزلة، ونور القرب يلوح عليه، يعنى هذا القول هو القريب المستضاء وهو المقبول أننا نقول هنا، تلك بمعنى هذه أشير الى ما هو حاضر قريب بإسم إشارة لبعيد غائب تنزلة للبعد الرتبى منزلة البعد الحسى الحقيقى.
следующие страницы →