Полный текст (6 674 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
أعظم أركان الإيمان الاعتقاد بالجنان وما فى الجنان لا يتطلع عليه إلا الرحمن ,هى ممكن أنها أبغضت زوجها وهاجرت من أجل فراق الزوج ممكن ,ممكن أنها هاجرت لتتزوج وإن لم تكن مزوجة ممكن أنها كرهت أرضها تريد أرضا أخرى, ممكن أنها هاجرت لأمر من الأمور لا يعلم هذا إلا العزيز الغفور لكن نحن لنا الظاهر إذا ثبت عندنا علمنا أنها هاجرت حبا فى الله ورسوله ﵊ لا يجوز أن نردها ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ هو الذى يعنى يعلم كل شىء وهل هذه آمنت حقيقة وهاجرت من أجل الله ورسوله ﵊ أو هاجرت من أجل عرض الدنيا مرد ذلك إلى الله وسيؤول العباد إليه ليوفى كلا بما يستحق لكن أنتم (الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) كما قلت علمتموهن غلب على ظنكم إيمانهن
قال الإمام النسفى فى تفسيره عند تفسير هذه الآية فى الطبعة التى عندى فى الجزء الخامس صفحة ثمان وثمانين المراد من العلم هنا (فإن علمتموهن مؤمنات) هو الظن الغالب بظهور الأمارات بظهور العلامات وهذا قرره المفسرون قاطبة
قال وتسمية الظن علما يؤذن بأن الظن وما يفضى إليه القياس جار مجرى العلم وصاحبه لا يدخل فى قول الله جل وعلا ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء/٣٦] تسمية الظن علما لأنه علمتموهن أى كما قلت غلب على ظنكم ولذلك يقول هنا علمتموهن هو الظن الغالب بظهور أمارات علامات
عندما تحلف أنها ما هاجرت إلا من أجل الله ورسوله ﷺ وفى تسمية الظن علما إيذان بأن الظن وما يفضى إليه القياس جار مجرى العلم وصاحبه لا يدخل فى قول الله جل وعلا ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾
وأكثر إخوتى الكرام الأمور العملية أكثرها مبنية على غلبة ظن
стр. 2977
عندما يقضى القاضى بقص الرقبة وقطعها لوجود شاهدين على أن فلانا قتل فلانا هذه الشهادة قطعية؟ خبر الإثنين قطعى أو غلبة ظن؟ غلبة ظن, ممكن أنهما تواطئا على الكذب ممكن ,ممكن هذا يعنى هو خبر ما دون العشرة لا يفيد القطع بل خبر العشرة والعشرين والمائة والمئات إذا كانت العادة لا تحيل تواطئهم على الكذب لا يفيد القطع لو شهد ألف لكنهم من قبيلة واحدة واضح هذا العادة
قل ممكن أن يتواطؤا على الكذب لكن عندما عشرة من جهات مختلفة ما بينهم رابط يربطهم لأمر دنيوى أما أنهم أسرة واحدة قبيلة واحدة أهل محلة واحدة ممكن أن يتواطؤا على الكذب العادة لا تحيل تواطئهم على الكذب فلو اجتمع مائة أو ألف والعادة لا تحيل تواطئهم على الكذب لا يكون خبرهم قطعيا فشهادة الإثنين من باب أولى سواء العادة تحيل أو لا تحيل واضح هذا يعنى سواء بينهما فى الأصل اتفاق ويمكن التواطؤ أو لا كل واحد من جهة خبر الإثنين لا يفيد القطع
فحكم القاضى بقص الرقبة لوجود شاهدين لوجود شهادة شاهدين هذا غلبة ظن وهذا كاف كما قلت فى الأحكام العملية وسيؤول العباد بعد ذلك إلى رب البرية ليجد كل واحد جزائه حسب ما يستحق ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة/٦-٧]
فإن علمتوهن مؤمنات كما قلت أن المراد من العلم هنا غلبة الظن
هذا معنى العلم فى اللغة اعتقاد جازم حق أو باطل والمعنى الثانى بمعنى غلبة الظن
ما معنى العلم فى الاصطلاح عند أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين؟
قالوا العلم هو صفة انكشاف يظهر بها المطلوب على ما هو عليه ,صفة انكشاف هذه الصفة تظهر المطلوب على ما هو عليه, يتضح لك عندما تعلم أن هذا رجل هذه العين انكشفت لك حقيقته وعندما تعلم بعد ذلك أركان الصلاة كيفية الصلاة انكشفت لك حقيقة الصلاة صفة ينكشف بها المطلوب على ما هو عليه هذا معنى كما قلت فى الاصطلاح
стр. 2978
وهذا التعريف إخوتى الكرام هو أسد ما قيل فى بيان العلم من أقوال كثيرة انظروها إن شئتم فى إرشاد الفحول للإمام الشوكانى فى صفحة أربعة إلى تحيق الحق من علم الأصول وقيل العلم هو إدراك الشىء على ما هو عليه إدراك الشىء بجملته لكن كما قلت صفة ينكشف بها المطلوب على ما هو عليه هذا معنى العلم
وأما الفقه,
الفقه معناه فى اللغة الفهم والذى يظهر والعلم عند الله أنه فهم دقيق فهم مستنير فهم معه تأمل وتدقيق
قال الإمام الفيروز آبادى فى بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز فى الجزء الرابع صفحة ثلاثين ومائتين الفقه هو العلم بالشىء والفهم له والفطنة, علم وفهم وفطنة إذا جتمعت يقال لمن حصل فيه ذلك إنه فقيه, علم فهم وفطنة
قال وغَلب يعنى لفظ الفقه على علم الدين لشرفه ولكن أن تقول غُلب أى ذلك اللفظ على علم الدين فى الإطلاق لشرفه الذى هو الفقه
الفقه إذاً الفهم علم وفهم وفطنة فهم كما قلت معه تدقيق تأمل علم معه فطنة معه وعى يقال له فقه
وأئمتنا فى كتب الفقه يعنى ذكروا شيئا من اللطائف فى ضبط كلمة فَقِهَ فَقَهَ فَقُهَ بالكسر والفتح والضم كما فى رد المحتار على الدر المختار فى الجزء الأول صفحة ست وثلاثين قال
فقِه بالكسر إذا فهم
وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم
وفقُه إذا صار الفقه له سجية وملكة وصار فقيها فقِه فهم فقَه سبق غيره إلى الفهم يقال بالضم إذا صار الفقه له سجية وملكة وطبيعة فقُه فقِه فقَه فقٌه
стр. 2979
وهذا المعنى إخوتى الكرام أى استعمال الفقه بمعنى الفهم, بمعنى الفهم الدقيق, بمعنى العلم والفهم والفطنة استعمل فى آيات كثيرة من كلام الله منها قول الله جل وعلا فى سورة النساء ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا﴾ [النساء/٧٨-٧٩]
(وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) الحسنة إخوتى الكرام المراد مهنا هنا الحسنة الدنيوية وهى الصحة والنعمة والعافية والخيرات من الغيث والبركات من مطر وخروج زرع وما شاكل هذا (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله)
والآية نازلة فى اليهود وفى المنافقين الذين كانوا يساكنون النبى الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فى المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه إذا أصيبوا بخير قالوا قدوم النبى ﵊ بركة علينا فالسماء أمطرت والأرض أنبتت والخيرات كثرت يقولون قدومه بركة وإذا نزل بهم ضر يقول هذا بشؤم محمد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) ولما جاءنا هذا الرجل عليه صلوات الله وسلامه الله أنعم علينا (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) بسببك (قل كل من عند الله) هو المقدر والمدبر وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)
انتبه ما نفى عنهم صفة الفقه إنما مقاربة الفقه يعنى هؤلاء بينهم وبين مقاربة الفقه درجات
стр. 2980
أما الفقه هذا لا يوصفون به فى وقت من الأوقات لا يكادون يفقهون وهذا أعظم من قولك لا يفقهون نفى عنهم مقاربة حصول الفقه لهم لا نفى حصول الفقه لهم فما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثا ما ولا يعون قضية ما ثم قرر ربنا جل وعلا الاعتقاد الحق فقال (ما أصابك من حسنة فمن الله) فالنعم منه وهو مسديها والمتفضل بها (وما أصابك من سيئة) حقيقة فمن نفسك (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وأنت الذى تسببت فى ذلك ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ وما وقعت عقوبة إلا بذنب ولا ترفع إلا بتوبة ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ هذا لا يقرر ما تقدم لا هناك (قل كل من عند الله) وهنا كذلك لكن الله جل وعلا هو المقدر وهناك كما يقال سبب بعد ذلك يعنى عادى وهو الإنسان الذى تسبب فى هذا ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا﴾ الشاهد إخوتى الكرام (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)
الآية الثانية فى سورة الأعراف وفيها يقول الله جل وعلا ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ [الأعراف/١٧٩]
(لهم قلوب لا يفقهون بها) لا يعلمون علما مع فهم وفطنة فلا يهتدون إلى الرشد والصواب (لهم قلوب لا يفقهون بها)
والآية الثالثة إخوتى الكرام فى سورة الأنفال وفيها يقول ذى العزة والجلال ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الأنفال/٦٥]
стр. 2981
لا يفقهون القليل منا يقابل الكثير لمَ لأنهم لا يفقهون لأنهم لا يقاتلون فى الأصل من أجل غاية معتبرة وهى الجهاد فى سبيل الله لينالوا رضوان الله وهم عندما يقاتلون فى سبيل الطاغوت لا يضعون فى حسابهم حسبانهم إلا الأمور الحسية والمادية وأما بعد ذلك لطف رب البرية فهذا ليس على اعتبارهم وليس فى أذهانهم وأما نحن فنرجو نصر الله ونؤمل رحمة الله ونطمع بالشهادة ونحصل الخيرات فى جميع الجهات عندما نقاتل
ولذلك هنا يقول الله جل وعلا (وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون)
هذ الفقه عن الله جل وعلا وهو أن الله جل وعلا ينصر جنده ويؤيد الصادقين من عباده ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾
الآية الرابعة إخوتى الكرام فى سورة نبى الله هود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود/٩١] علم مع فهم وفطنة
والآية الخامسة فى سورة الإسراء فيها يقول رب الأرض والسماء ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ [الإسراء/٤٤] لا تفقهون والسبب فى ذلك أننا لا نسمع صوت الجمادات والمخلوقات والتى نسمع صوتها من العجماوات يختلف عن صوتنا فلا نعلم ما تريد لكنها تسبح الله جل وعلا (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)
وهكذا قول الله جل وعلا فى سورة طه مخبرا عن نبيه وكليمه موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أنه قال ﴿قال رب اشرح لي صدري* ويسر لي أمري* واحلل عقدة من لساني *يفقهوا قولي﴾ [طه/٢٥-٢٨]
وفى سورة الحشر يقول الله ﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الحشر/١٣]
стр. 2982
والآية الأخيرة التى سأذكرها فى سورة المنافقون فى أولها وفى وسطها ,فى أولها الآية الثالثة (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) وفى آخرها يقول الله جل وعلا ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ [المنافقون/٧] يظنون أنهم إذا منعوا النفقة والمساعدة للمحتاجين من الصحابة الكرام الطيبين يعنى أن أولئك سيتضررون ,لا خزائن الله ملأى (ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون)
والآيات إخوتى الكرام فى ذلك كثيرة وفيرة
ومن استعمال لفظ الفقه بمعنى الفهم ويعنى طلب الفهم الدقيق علم مع فهم وفطنة
ما ثبت فى صحيح البخارى معلقا عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضى الله عنها وأرضاها والأثر وصله الإمام أحمد فى المسند والإمام مسلم فى صحيحه وهكذا الإمامان المباركان أبو داود وابن ماجة فى السنن وكما قلت هو معلق بصيغة الجزم فى صحيح البخارى فى كتاب العلم باب الحياء فى العلم ووصل الأثر فى الكتب التى ذكرتها فى المسند وصحيح مسلم وسنن أبى داود وابن ماجة والبخارى أورده معلقا بصيغة الجزم باب الحياء فى العلم فقال قال مجاهد (لا يتعلم العلم مستحى ولا مستكبر)
وقالت عائشة رضى الله عنها وأرضاها أمنا الصديقة المباركة (نعم النساء نصاء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين) والمراد من التفقه هو التفهم الواعى المستنير الدقيق بحيث تنجلى الصورة للإنسان على وجه التمام (نعم النساء نصاء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين) وأمنا الصديقة المباركة رضى الله عنها وأرضاها قالت هذا عقيب سؤال وقع من أنصارية وهى المباركة السيدة أسماء بنت يزيد رضى الله عنها وأرضاها كما فى المسند وصحيح مسلم وسنن أبى داود وابن ماجة أوليس كذلك
стр. 2983
جاءت أسماء بنت يزيد إلى نبينا ﵊ فقالت يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه كيف أتطهر من المحيض قال خذى فرصة من مسك فتطهرى بها قالت كيف أتطهر قال تطهرى قالت كيف أتطهر يا رسول الله ﵊ قال سبحان الله تطهرى قالت أمنا عائشة رضى الله عنها وأرضاها فاجتذبتها إلى وقلت لها تتبعى بها أثر الدم
والفرصة إخوتى الكرام القطعة من القطن أو الصوف أو القماش قطعة يوضع عليها شىء من المسك قطعة ممسكة يستحب للمرأة أن يعنى تفعل هذا عقيب غسلها من المحيض لأن الدم الذى يخرج أيام الحيض دم منتن له رائحة كريهة ولا سيما فى العصر الأول يعنى ماء قليل فالمرأة يعنى لا يمكنها أن تصب الماء الكثير من أجل يعنى التطهر الكامل يضاف إلى هذا يعنى قد يكون عند الإنسان شىء من الحاجة والفقر فلا يكون عنده شىء من ٠٠٠ يعنى المواد المطيبة
فالنبى ﵊ يقول المرأة إذا تطهرت تأخذ شيئا قليلا من المسك تضعه على قطنة على قطعة قماش على قطعةصوف تمسح ذلك المكان الذى أصابه الدم من أجل أن تستأصل الروائح وتكون على وجه التمام فهى تقول كيف سأفعل أين أضع هذا قال سبحان الله تطهرى, النساء أدرى يعنى بذلك من الرجال ولا يسمح المقام بكلام أكثر من هذا بين الرجل والمرأة
أمنا عائشة رضى الله عنها وأرضاها قالت لها تتبعى بها أثر الدم خذى فرصة
وفى بعض روايات أبى داود خذى قرصة بالقاف قرصة وهى التى تكون بين أصبعين قرصه يقرصه بأصبعيه كأنه يريد أن يقول خذى شيئا قليلا من المسك بمقدار ما يعلق بين الأصبعين كالقرصة اليسيرة يعنى قليل من المسك من أجل إزالة تلك الروائح الكريهة خذى فرصة من مسك خذى قرصة من مسك فتطهرى بها فقالت أمنا عائشة بعد ذلك (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين)
стр. 2984
والمراد من الحياء هنا إخوتى الكرام الحياء الطبيعى ليس الحياء الشرعى فالحياء الشرعى يجب على الإنسان أن يحافظ عليه فى جميع الأوقات إنما الحياء الطبيعى وهو الذى يقال له الخجل أحيانا من خوف ما يعاب به الإنسان على حسب أعراف الأنام يعنى امرأة تسأل الرجال لا سيما عن هذا الأمر هذا كما قلت فى الطبيعة البشرية يعنى غير محمود فقد المرأة تستحى من ذلك (ونعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين)
هذا إخوتى الكرام فى بيان معنى الفقه فى اللغة واضح هذا حسب ما استعمل فى القرآن وفى السنة
وأما معنى الفقه فى الاصطلاح فهو العلم بالأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية , العلم بالأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد من أى شىء من أدلتها التفصيلية
العلم ما الذى يراد به الجازم أو غلبة الظن؟ غلبة الظن
العلم بالأحكام الشرعية خرج معنا الأحكام العقلية ككون الواحد نصف الإثنين ما لنا علاقة بهذا وخرج معنا الأحكام الحسية ككون مثلا الثلج باردا والنارة حارة وما شاكل هذا , هذه أحكام ما لنا علاقة بها فى الفقه وخرج معنا الأحكام العادية كتوقع الناس نزول المطر عند حصول الغيوم وتلبد السماء بالغيوم هذه أحكام عادية أحكام عقلية أحكام حسية أحكام عادية لا دخل لنا بها فى علم الفقه
العلم بالأحكام الشرعية انتبه التى طريقها الاجتهاد خرج معنا ما يُعلم ضرورة من الدين بحيث لا يجهله أحد من المكلفين هذا أيضا لا يبحث فى كتب الفقه ككون الزنا حراما إنما يبحث عندنا عقوبة الزنا إنه حرام هذا معلوم من الدين بالضرورة وهذا النصوص قطعية فيه لا يحتاج إلى اجتهاد
وهكذا ككون الصلاة فريضة وواجبا
стр. 2985
إذاً العلم بالأحكام الشرعية العملية التى طريقها الاجتهاد فيها مجال للاجتهاد من أدلتها التفصيلية من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ والإجماع والقياس أن تلحق النظير بنظيره ما لم ينص عليه على مانص عليه لاستوائهما فى العلة من أدلتها التفصيلية
هذا هو إخوتى الكرام علم الفقه وهذا التعريف هو أسد ما قيل فى بيان حد علم الفقه العلم بالأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية هذا أسد ما قيل فى تعريف علم الفقه وقيل غير ذلك
قيل علم الفقه هو جملة من العلوم يعلم بالاضطرار أنها من دين الحى القيوم يعنى عندما تبحث فى العبادات فى المعاملات فى العقوبات نعلم أن هذه أحكام شرعيات ,جملة من العلوم يعلم بالاضطرار أنها من دين الحى القيوم لكن التعريف كما ترون هنا فيه شىء من العموم واضح هذا يعنى أدخل معنا الأحكام العملية التى طريقها الاجتهاد كما أدخل معنا العقائد الإسلامية كما أدخل معنا الأخلاق والآداب كلها دخلت فى هذا التعريف جملة من العلوم يعلم بالاضطرار أنها من دين الحى القيوم هذا شامل لعلوم العقائد لعلوم الآداب مثل علم الفقه
وقيل أيضا علم الفقه هو معرفة النفس ما لها وما عليها عملا ,ما الذى لها وما الذى يجب عليها من طريق العمل لا من طريق الاعتقاد
وقيل علم الفقه هو العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال ,
تعريفات إخوتى الكرام كما قلت أسدها وأدقها أولها وانظروا أيضا إرشاد الفحول فى مقدمته وبدايته فى صفحة ثلاثة
стр. 2986
وبذلك يختلف علم الفقه عن علم أصول الفقه ,أصول الفقه هذا قواعده علم الفقه قواعد فعلم أصول الفقه ضابطه وتعريفه كما قال أئمتنا علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الأجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد وهذا يختلف عن كما قلت تعريف علم الفقه ,يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية, علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية انتبه الأمر يفيد الوجوب النهى يفيد التحريم القياس حجة الإجماع حجة هذا يبحث فى أصول الفقه الأمر على شىء يدل للوجوب متى يفيد بعد ذلك الإباحة متى يفيد الاستحباب هذا يقرر هنا صيغة الأمر على أى شىء تدل هذا هو عمل الأصولى ثم تطبيق هذا بعد ذلك على نصوص الشرع التفصيلية هذا عمل الفقيه
القياس يستدل به أم لا عمل الأصولى أما الفقيه لا يأتى ليثبت حجية القياس يأتى يثبت حكما شرعيا عن طريق القياس لأنه حجة وأتى بعد ذلك ليثبت حكما شرعيا عن طريق الإجماع ولو قلت له هذا يعنى كيف تثبت دليلا بالإجماع يقول يا عبد الله اذهب وتعلم أصول الفقه واضح هذا لأنه ليس ممن شأنى أن أبين لك أن الإجماع حجة كما ليس من شأنى أن أبين لك أنه يستدل بالقرآن أو بأحاديث النبى ﵊ هذا مفروغ منه تلك أدلة يبحث عن مكانتها وعن رتبة الاستدلال بها فى علم أصول الفقه
إذا هنا علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية وطرق الاستفادة منها أدلة فى الظاهر تعارضت يأتى بعد ذلك يقول تقدم الإجماع تقدم النص القطعى من قرآن وسنة متواترة بعد ذلك الخبر الذى هو يفيد الظن ولا يفيد القطع هذا ترتيب الأدلة هذا يبحث فى أصول الفقه
وحال المستدل شروطه وأحوال الذى يبنغى أن يستدل وأن يأخذ الأحكام من أدلتها هذه تقرر فى كتب أصول الفقه علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الأجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد وأما علم الفقه العلم بالأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية
منزلة علم الفقه
стр. 2987
سأذكر آية واحدة وأربعة أحاديث فقط فى بيان علم الفقه وأتبعها ببعض الآثار عن أئمتنا الأخيار الأبرار
سؤال فى تعريف علم الفقه من أحد طلبة العلم؟
العلم بالأحكام الشرعية يا إخوتى الكرام لما قلنا التى طريقها الاجتهاد واضح هذا التى طريقها الاجتهاد ما دام طريقها الاجتهاد وللعقل فيها مجال هى أحكام عملية واضح هذا يعنى عندما تقول العلم بالأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد فقولك طريقها الاجتهاد لا دخل للإجتهاد فى أمور العقائد يعنى عندما ذُكر فى التعريف طريقها الاجتهاد أغنى عن ذكر العملية ,لا بد الأحكام العملية أن تدخل فيها أمور الاجتهاد يعنى هنا الاجتهاد لا بد منه لكن يعنى إذا ما ذكر العملية يعنى كلمة الاجتهاد تغنى فإذا ذكرت زيادة فى الإيضاح لأنه لو قال العلم بالأحكام العملية فقط دون أن يقول التى طريقها الاجتهاد دخلت معك الأخلاق والآداب وأيضا لا مجال للاجتهاد فيها إنما هنا أحكام شرعية ما بين راجح ومرجوح وتقديم أما بعد ذلك هناك أخلاق وآداب متفق عليها لذلك لا تدخل حتى فى دائرة النسخ
стр. 2988
يعنى الصدق فضيلة والأمانة والكذب بعد ذلك رزيلة والخيانة هذا مما لا يدخل فى دائرة النسخ ومما يعنى جاءت به جميع الشرائع المباركة فأيضا لا مجال للاجتهاد فيها إنما عندنا نحن أحكام شرعية وهى التى إخوتى الكرام تدور على أمور خمسة الفرض والمستحب والحرام والمكروه والمباح والأحناف بعد ذلك زادوا اثنين كما سيأتينا بعد ذلك ضمن أحكام الفقه فى موضوع الواجب الذى هو دون الفرض والمكروه تحريما الذى هو فوق المكروه ودون الحرام ما يخرج عن هذه القسمة أيضا الخماسية وإن صار شىء من التفريع فيه دقة فالفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعى لا شبهة فيه والواجب ما ثبت بدليل ظنى فانحط عن رتبة الفرضية لكن الإتيان به مطلوب ليس هو من بابا الاستحباب على كل حال كما قلت هذا أمر فعندما نقول العلم بالأحكام الشرعية وهى الخمسة من فرض وسنة وحرام ومكروه ومباح كما قلت التى طريقها الاجتهاد عُيِِِِِِِِِِِِن أن تكون تلك الأحكام أحكاما عملية فإن ذكرت الأحكام العملية لا بد من تُتبع أيضا بطريقها الاجتهاد لا بد من أجل أن تخرج يعنى أحكاما عملية لا اجتهاد فيها وهى كما يقال الأخلاق والآداب
أما الأدلة التى تقرر منزلة علم الفقه ومكانته سأذكر كما قلت آية كريمة واحدة وأربعة أحاديث
أما الآية فهى قول الله جل وعلا فى سورة التوبة ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة/١٢٢]
(وما كان المؤمنون لينفروا كافة) النفر هو الانزعاج عن الشىء وإلى الشىء كالفزع إلى الشىء وعن الشىء ,النفر لينفروا من النفر وهو الانزعاج وكما قلت الفزع, الانزعاج عن الشىء وإلى الشىء (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) يعنى بمعنى هنا ينزعجوا يخرجوا خروجا جماعيا إنما يخرج البعض ويبقى البعض كما سيأتينا فى بيان معنى الآية
стр. 2989
إذا الانزعاج عن الشىء إلى الشىء كما ذكر ذلك الراغب فى المفردات (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) الفرقة هى الطائفة من الناس أقلهم ثلاثة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) والطائفة القطعى من الفرقة أقلها واحد هى الواحد فما فوقه كما ثبت ذلك عن سيدنا عبد الله ابن عباس رضى الله عنهم أجمعين (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) أتى بصيغة التفعل يتفقه ولم يقل ليفقهوا للإشارة إلى أن طلب العلم والفقه يحتاج إلى جد واجتهاد وإلى صبر ومصابرة
تمنيت أن تمسى فقيها مناظرا بغير عناء فالفنون جنون
وليت اكتساب العلم دون مشقة تلقيتها فالعلم كيف يكون
يعنى من أراد أن يبنى بيت دجاجة يتعب ومن أراد أن يكون خليفة النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ينبغى أن يجد وينصب وأما بعد ذلك يعنى المراتب ستصل إليه وهو يعنى بطال فى النهار ونائم فى الليل هذا لا يمكن إخوتى الكرام أن يكون أبدا فلا بد إذا من جد واجتهاد
كان بعض شيوخنا الشيخ جمعة أبو زلام عليه وعلى أهل الإسلام رحمة الرحيم الرحمن ينقل عن والده الشيخ مصطفى أبو زلام وما أدركت عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه كان يقول لهم
العلم كالأسد لا يركبه إلا أسد والأسد لا يسيطر عليه إلا الأسد والتصوف كالحمار يركبه كل أحد ,كالأسد لا يركبه إلا أسد وأما التصوف هذا يركبه كل أحد الحمار كل واحد يركبه
إذا كان موضوع مجرد يعنى يريد أوراد وأذكار وبعد ذلك لا يفكر فى علم ولا فى سهر من أجل يعنى حمل هذا الإسلام والدعوة إلى الرحمن ,يا عباد الله هذا ما حصل كما قلت جدا واجتهادا مع أنه يعنى يمسك السبحة ويطقطق هو على خير لكن شتان يعنى من يركب الأسد وبين من يركب الحمار شتان
لذلك قال الله ليتفقهوا يحتاج إلى صيغة التفعل جد واجتهاد وتعب ونصب وواقع الأمر كذلك (ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
стр. 2990
الإنذار إخوتى الكرام إخبار مقترن بتخويف ويقال أيضا فى تعريفه زجر مقترن بتخويف ,إذا إخبار بأمر مخيف كما أن الإشارة إخبار بأمر مفرح هنا أمر سار وهناك أمر ضار (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) الحذر هو الاحتراز عن مخيف احتراز عن مخيف
إخوتى الكرام معنى الآية ير تبط بتحديد صلة الآية بما قبلها فتحتمل ثلاثة أمور انتبهوا لها واضبطوها أمران يرتبطان بصلة معينة وأمر يرتبط بصلة ثانية فانتبهوا صلة الآية بما قبلها تتحدد فى أمرين اثنين ينتج معنى ثلاثة معان للآية كلها مقبولة منقولة عن أئمتنا:
القول الأول فى بيان صلة الآية بما قبلها وتقدم معنا فى آخر مباحثنا فى تفسير سورة الفاتحة فى علم المناسبات بين السور والآيات وقلت إنه علم جليل شريف فاضل وأكثر لطائف القرآن مودعة فيه الترتيبات والروابط وقلت أُلف فى ذلك كتب مستقلة فى الحكمة من ترابط السور ترتيب السور مع بعضها وترابطها مع بعضها وترتيب الآيات ضمن السورة الواحدة, هنا ما صلة هذه الآية بما قبلها إما أن تكون إخوتى الكرام هذه الآية مرتبطة بما قبلها ولا زالت أحكام الجهاد تتلى علينا وقبلها ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين* ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ [التوبة/١٢٠-١٢١] ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾
فالآية لا زالت تتحدث عن أحكام الجهاد ومرتبطة بما قبلها إذا كانت الصلة كذلك فمعنى الآية يتحدد فى أمرين اثنين منقولان عن سلفنا الكرام:
стр. 2991
الأمر الأول:إذا كانت هذه الآية لا زالت مرتبطة بأحكام الجهاد بآيات الجهاد التى سبقتها فالتفقه التفقه سيحصل ويكون للفرقة المقيمة فلا بد من إضمار فى الآية ماذا يصبح تقدير الآية (فلولا نفر من كل طائفة منهم طائفة) نفر خرج من كل فرقة قلنا جماعة ثلاثة فأكثر منهم طائفة قطعة واحد فما زاد فلولا خرج من كل نفر جماعة بعضهم لأى شىء للقتال فى سبيل الله (فلولا نفر من كل طائفة منهم طائفة) طائفة نفرت وأقامت طائفة ليتفقهوا فى الدين والسبب فى هذا أن إقامة نبينا الأمين ﵊ كانت أكثر إقامته من غزواته وتقدم معنا غزا ستا وعشرين غزوة فقط وأرسل ستا وخمسين سرية والسبب فى ذلك أحيانا لا يستدعى أن يخرج بنفسه المباركة عليه صلوات الله وسلامه لأن الأمر لا يستدعى ذلك الأعداء قلة ,أحيانا يستدعى الأمر لكن ما عنده ما يحمل المستضعفين ويشق عليهم أن يتخلفوا عنه فى جميع غزواته فيخرج أحيانا مع من يخرج وأحيانا يبقى من يبقى ليجمع بين المصلحتين مصلحة من خرج معهم أحيانا ومصلحة من قعد معهم أحيانا وأولئك يسدون مسده عليه وعليهم صلوات الله وسلامه
إذا يصبح الآية (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) , طائفة نفرت إلى أى شىء إلى الجهاد وأقامت طائفة مع النبى ﵊ لتتفقه أما أن يخرج الكل ولا بيقى مع النبى ﵊ أحد فمن الذى يحمل دين الله ومن يبلغ رسالة الله وأقامت طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم من خرجوا ونفروا لعلهم يحذرون واضح هذا المعنى إخوتى الكرام
هذا المعنى الأول على الصلة الأولى لا زلنا من أوجه الصلة أنها مرتبطة بآيات الجهاد فرقة خرجت وفرقة قعدت لتتفقه
стр. 2992
المعنى الثانى وهو منقول عن سيدنا الحسن البصرى ومال إليه جم غفير من المفسرين منهم سيد قطب عليه وعلى المسلمين رحمة رب العالمين من المعاصرين أذكر لكم يعنى كلام الحسن البصرى فهو كلام كما قلت السلف المتقدمين رضوان الله عليهم أجمعين يقول التفقه هنا للفرقة النافرة لا للفرقة القاعدة يصبح معنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة هلا لولا كما سيأتينا بمعنى للتحضيض والحث وهو طلب الشىء بإلحاح وشدة فلولا هلا نفر من كل فرقة منهم طائفة هذه الطائفة هى ستتفقه فى الدين متى؟ فى حال نفيرها وخروجها للجهاد فى سبيل ربها كيف هذا؟ لما يرون من عظيم آيات الله كيف تنتصر القلة على الكثرة وكيف يثبت الله أولياءه وينزل السكينة عليهم ويلقى الرعب فى قلوب أعدائهم وهذه كلها مما يشهدها المجاهدون ويغفل عنها القاعدون ما باشروها إذا التفقه هنا كما قلت يعنى هذا التفهم لمعونة الله لنصر الله لتأييد الله لأوليائه
وحقيقة هذا تفقه عظيم لكن مرتبط بأى شىء ليقين المؤمن وقوة إيمانه لا أنه بذلك سيصبح فقيها يستنبط الأحكام لا ثم لا واضح هذا لكن تفقه فى أمر من الأمور وهو قوى إيمانه بربه وحقيقة يعنى وضع المجاهد يعنى من أقوى الخلق يقينا بالله جل وعلا إذا كان يجاهد من أجل إعلاء كلمة الله
стр. 2993
يا إخوتى الكرام روحه فى كفه وعنده أرخص عليه من بصقة ويعلم أن ما قدر كان وأن مغامرته لن تقدم أجله وأن جبنه لن يزيد فى عمره أوليس كذلك؟ ما بعد هذا اليقين يقين وأما القاعد قد أحيانا إن حركته يقول والأهل والأولاد والوظيفة وتراه يتعنت أين إيمانك هذا من إيمان ذاك يعنى هذا لا بد من وعيه هذا مثل الموظف والتاجر أضعف الناس يقينا بالله نحو أمر الرزق الموظفون هو فقط يعول على الراتب كل شهر لو تأخر عشر أيام المسكين لا يعرف كيف يعيش يدبر نفسه أما التاجر حقيقة هذا مثل الطير يغدو خماصا ويروح بطانا هو ما علق همته على شىء معلوم يأتيه من فلان وفلان يفتح الدكان يقول باسم الرحيم الرحمن ما جاءه نعمة وخير وبركة وهكذا المزارع أما أضعف الناس يقينا بامر الرزق الموظفون ولذلك تراه فى منتهى الخوف من أجل يعنى الفصل كأنه إذا فصل سيموت جوعا يا عبد الله أنت عبد لله وسيرزقك الله لو كنت فى مغرات ليس فى مغارة وعندما كنت فى ظلمات ثلاث كان يأتيك رزق من حيث لا تحتسب فبعد أن مشيت على الأرض وقلت لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊ سينساك ذو الجلال والإكرام لكن كما قلت ربط يقينه بشىء محسوس معلوم وكل شهر يستلم على تعبير الناس الفيزات إذا ما جاءت تكون مشكلة كيف سأطعم عيالى ولذلك كان دائما السلاطين فى جميع العصور يهددون الموظفين بقطع رواتبهم
الأب نعيم الفضل ابن ذكيل رضى الله عنه وأرضاه ما كان له راتب كما هو الحال فى هذه الأيام لكن لهم عطاء لما يعنى لما كُلم من أجل كلمه المأمون من أجل خلق القرآن ومحنة خلق القرآن ومن أجل أن يجيب وأن القرآن مخلوق فامتنع فلجلالته وكبر سنه ما يعنى بطشوا به ولا عذبوه إنما هدده فقط قال أقطع عطاءك فقطع زره من قميصه ورمى به وجه الخليفة وقال والله ما دنياكم عندى إلا أهون من هذا الزر إن قطعت عطائى قطع رزقى؟ دنيكم من أولها لآخرها مثل هذا الزر خذ هذه الدنيا نزعتها من يدى وذهب
стр. 2994
لكن التهديد هنا أقطع عطاءك وهنا إخوتى الكرام المجاهد إذا التفقه لمن للفرقة النافرة الخارجة فى سبيل الله أى لتقاتل من أجل إعلاء كلمة الله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة لمَ قال ليتفقهوا فى الدين ليشهدوا يعنى شهود العيان نصر ذى الجلال والإكرام لأهل الإيمان
يقول سيد قطب عليه رحمة الله وهذا الدين دين حركى وفقهه لا يظهر إلا فى الحركة وكلامه حق لكن كما قلت فى جانب معين وهو فى ما يتعلق بتقوية يقين الإنسان وإيمانه لا يعنى أنه إذا حضر غزوة سيصبح كأبى حنيفة وأن هذه الغزوة يعنى تفتح عليه آفاق العلم ليستنبط أحكاما شرعية من عبادات ومعاملات وعقوبات لا قف عند حدك أنت فى جانب كما قلت حقيقة تميزت على غيرك وشهدت كما قلت يعنى نصر الله لعباده فصار لك فقه ووعى وفهم فى الإيمان ما حصل لكثير من أهل الإيمان
هذا كله على أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها لا زالت آيات الجهاد تتلى علينا
وقيل وهو وجه الصلة الثانية إن هذه الآية كلام مبتدأ بعد أن ذكر الله عبادتين لا تحصلان إلا بسفر الهجرة ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ [التوبة/٤٠]
هذا نوع من العبادات لا يحصل إلا بسفر ونوع من العبادات وهو الجهاد وأكثر آيات التوبة تتحث عن ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [التوبة/٤١]
والآيات قبل هذه ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ﵊
إذا ذكر عبادتان لا تحصل واحدة منهما إلا بسفر هجرة وجهاد بعد هذا
стр. 2995
ذكر الله نوعا ثالثا من أنواع العبادات وهو طلب العلم أيضا لا يحصل إلا بالرحلة إلا بالسفر كما حصلت الهجرة بالسفر وحصل الجهاد بالسفر هنا طلب العلم أيضا يحصل بالسفر فذكر الله عبادة ثالثة فاضلة وهى طلب العلم التى أيضا تشارك العبادتين المتقدمتين فى طريق حصولها وهى السفر فقال وما كان المؤمنون انتبه لينفروا كافة فى أى شىء فى طلب العلم ليخرجوا جميعا ليتعلموا ويتركوا بلادهم ومصالحهم فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يكفى أن يذهب من هذا الحى واحد سيتعلم ثم يعود إليهم ينذرهم ويحذرهم فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم أى بعد تعلمهم لعلهم يحذرون
قال الإمام الرازى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا لفظ الآية دليل على السفر فى طلب العلم وإن كان الإنسان يحصل العلم فى بلده من غير سفر وإن كان يقول فيبقى وقد رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا بسفر ولذلك إخوتى الكرام يعنى عدد من أئمتنا دار الدنيا منهم الإمام المبجل أحمد ابن حنبل رضى الله عنهم أجمعين رحل أربع مرات يدور الدنيا وكلما كثرت رحلة الإنسان كلما كثر علمه وأخذ علم أهل المشرق وأهل المغرب عندما دار هذا حقيقة وإن كان العلم يحصله فى بلاده فالسفر أنفع له
العلم المبارك ما يحصله الإنسان عن طريق السفر والسبب أنه تعب فى تحصيله فإذا يجد ويجتهد فى العمل به وفى الدعوة إليه
أما فى زمن النبى ﵊ فالعلم واضح لا يحصل الأمر واضح لا يحصل العلم إلا بسفر فهو مشكاة العلم ﵊ فكأن الله يقول يا معشر العباد لا يلزمكم أن تهاجروا جميعا لو من كل قوم ذهب واحد أو اثنان إلى النبى ﵊ فتعلم أو تعلما ثم عاد أو عادا إليكم لكفى
стр. 2996
ولذلك اتفق أئمتنا على أن هذه الآية نص صريح فى قبول خبر الواحد والأحاديث فى ذلك متواترة كان النبى ﵊ يرسل رسله آحادا ليبلغوا دعوة الله جل وعلا وليبينوا أحكام الله فخبر الواحد الثقة كاف فى الحجة والعمل به وهنا فلولا نفر من كل فرقة كما قلنا أقلهم ثلاثة منهم طائفة يشمل الواحد فما فوقه إذا لو واحد خرج وتعلم وعاد ثم أنذر وحذر لقبل ذلك منه (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
إخوتى الكرام عندنا كان مبحث لطيف فيما يتعلق بلولا وكما قلت هى للتحضيض وبمعنى هلا وهى طلب الشىء بإلحاح ورغبة كيف تركب هذا المعنى فيها لأنها مركبة من هل الاستفهامية هل ولا النافية لا أشرح هذا فيما يأتى وماذا يكون معناها إذا دخلت على المضارع وعلى الأمر ضمن هذه الآية فلولا نفر من كل فرقة لولا هلا لو كلها بمعنى واحد تفيد طلب الشىء كما قلت بإلحاح بغضبة بشدة
هذا أتكلم عليه فيما يأتى إن شاء الله
وأما الأحاديث الأربعة أذكرها أيضا فى اول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه فى بيان فضل التفقه فى دين الله
كان فى نيتى أن ننتهى منها فى هذه الموعظة وقدر الله وما شاء فعل فلا أريد أن أطيل أكثر من هذا والموعد كما قلت سابقا من الساعة إلى الساعة والربع يعنى إذا زادت بعد العشاء فى ذلك شىء من المشقة
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
اللهم إنا نسألك من كل شىء أحاط به علمك فى الدنيا والآخرة ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك فى الدنيا والآخرة
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا
اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا
اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك اللهم اغفر لمن عبد الله فيه
اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين
стр. 2997
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا
والحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 2998
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الصادقين المفلحين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك الله وبحمدك على عفوك بعد قدرتك
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد إخوتى الكرام شرعنا فى مدارسة الأدلة التى تبين منزلة علم الفقه ومكانته وذكرت دليلا واحدا من كتاب الله جل وعلا يقرر هذا الأمر وهو قول الله جل وعلا فى سورة التوبة براءة
﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة/١٢٢]
تقدم معنا إخوتى الكرام بيان معنى هذه الآية الكريمة وتقدم معنا أن النفر معناه الانزعاج من الشىء وإلى الشىء والخروج عندما يخرج الإنسان يحصل له شىء من الانزعاج والمشقة والتعب والكلفة وقلت إخوتى الكرام إن معنى الآية يتحدد بناء على صلتها بما قبلها
فإن كانت الآية لا زالت مرتبطة بأحكام الجهاد فتحتمل معنيين اثنين:
إما أن التفقه يحصل للفرقة المقيمة والفرقة التى نفرت, نفرت للخروج فى سبيل ربنا المعبود يصبح تقدير الآية فلولا فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة نفروا لأى شىء ليقاتلوا فى سبيل الله وقعدت طائفة لأى شىء ليتفقهوا فى الدين ويتعلموا من نبينا الأمين ﵊ فإذا عاد إليهم إخوانهم المجاهدون علموهم ما تعلموه من نبينا الميمون على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
стр. 2999
والمعنى الثانى أنها لا زالت مرتبطة أيضا بأحكام الجهاد فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة نفرت لتجاهد ولتتفقه فيحصل لها صفتان متلازمتان جهاد وتفقه وقلت الفقه الذى سيحصل لهم كما تقدم معنا كلام سيدنا الحسن البصرى رضى الله عنه وعن المسلمين أجمعين أنهم سيرون عظيم آيات الله حيث سينزل السكينة على عباده المجاهدين وسيخذل أعداءه المجرمين وقلت فى ذلك تقوية لإيمان المؤمنين وهذا فقه عظيم فى الدين
تقدم معنا تقرير هذا إخوتى الكرام هذا على أن الآية مرتبطة لا زالت بأحكام الجهاد وقلت إخوتى الكرام يمكن يكون هناك معنى ثالث على أن الآية لا ارتباط لها بأحكام الجهاد ولا تتحث عن أحكام الجهاد إنما جاءت الآية لتتكلم عن عبادة ثالثة بعد أن ذُكر عبادتان عظيمتان لا تحصل واحدة منهما إلا بالسفر عبادة الهجرة وعبادة الجهاد وهنا ذر الله عبادة ثالثة وهى طلب العلم فلا يحصل العلم النافع كما تقدم معنا إلا بشد الرحل من أجل أن يتلقى العلم من أرجاء الأرض من الشيوخ الصالحين وعليه هنا فلاولا نفر من كل فرقة منهم طائفة هذا النفر الانزعاج الخروج من أجل أى شىء من أجل طلب العلم فقط بعد أن ذكر عبادتان كما تقدم معنا هجرة وجهاد تحصلان عن طريق السفر هنا عبادة ثالثة أيضا لا بد لها من سفر فلولا نفر خرج من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون
إخوتى الكرام مر معنا بيان الآية إنما عندى أمران أحب أن أنبه عليهما قبل أن أسرد الأحاديث الأربعة التى وعدت بسردها وذكرها فى هذه الموعظة وتدل على منزلة التفقه فى الدين ومكانة علم الفقه بين علوم الدين
стр. 3000
هذا الأمران إخوتى الكرام نهاية هذه الآية (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) هم خرجوا ليتفقهوا (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين) الأصل أن يقول وليفقهوا قومهم إذا رجعوا إليهم بعد أن تعلموا يعنى نفروا للتفقه فبعد أن حصلوا الفقه ينبغى أن يفقهوا الجاهلين هذا الأصل فذر الله بدل هذا وليفقهوا قولهم ولينذروا قومهم للإشارة إخوتى الكرام إلى كمال شفقة الفقيه والعالم وطالب العلم وأن مقصوده من تفقيه الناس فى دين الله الحذر عليهم من غضب الله ومن سخط الله لينذروا قومهم إذا هو منذر وتقدم معنا إعلام مقترن بتخويف وزجر ويكون هذا من أمر مخيف فإذا هو مشفق عليهم
كما قال العبد الصالح مالك ابن دينار عليهم رحمة العزيز الغفار (لو كان لى أعوان لأرسلتهم فى الأمصار ينادون النار النار)
وهنا لينذروا قومهم إذا مقصودهم شفقة عليهم فجاؤوا لينذروهم ليخلصوهم من غضب الله جل وعلا ومقصود من يتعلم منهم ما هو ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فمقصود أيضا أولئك ليكون مقصودهم من هذا الإنذار أيضا الحذر من غضب الله وسخطه
وحقيقة العلم إذا لم تكن هذه نتيجته فلا خير فيه نتعلم لنحذر الناس من سخط الله والناس يتعلمون من أجل أن يحذروا سخط الحى القيوم لا لمباهاة فى الدنيا ولا لمناصب ولا غير ذلك من عروضها الزائلة هذا المعنى الأول الذى أحب أن أنبه عليه فى بدء هذه الموعظة
المعنى الثانى إخوتى الكرام ذكرته فى الموعظة الماضية وقلت سأذكره فى أول هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه فيما تعلق بكلمة لولا (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)
كلمة لولا إخوتى الكرام تأتى فى القرآن الكريم لمعنيين اثنين
стр. 3001
المعنى الأول تأتى بمعنى حرف شرط غير جازم حرف امتناع لوجود ويكون هذا إذا وليها جملة اسمية إذا ولى لولا هلا لو ما جملة اسمية فهى حرف امتناع لوجود أى امتنع الحواب والجزاء لوجود الشرط لوجود الاسم المتقدم لولا زيد لعاقبتك امتنعت العقوبة لوجود زيد
قال أئمتنا فإذا كان الفعل مثبتا دخلت عليه اللام ومنه قول ذى الجلال والإكرام (فلولا أنه كان من المسبحين *للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون) [الصافات١٤٣-١٤٤] (فلولا أنه كان من المسبحين) نبى الله يونس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فى سورة الصافات ﴿وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون *فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات/١٣٩-١٤٤]
لبث هذا فعل مثبت دخلت عليه اللام للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون
وإذا كان الفعل منفيا لا تدخل عليه اللام ومنه قول الله جل وعلا فى سورة النور ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم﴾ [النور/٢١]
فاللام حذفت ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم يقل لما زكى منكم من أحد أبدا كما قال هناك للبث لما زكى إنما ما زكى منكم من أحد أبدا وعليه تقول لولا زيد لعاقبتك هذا مثبت لولا زيد ما عاقبتك عندما تأتى بالكلام منفيا لا تدخل عليه اللام
هذا لا علاقة لنا به الآن ضمن هذه الآية لأنه نحن معنا فى سورة لولا تحضيضية إنما هذا من باب يعنى الفائدة واستكمال معانى لولا
إذا لولا حرف امتناع لوجود إذا وليها فعل فهى للتحضيض ومعنى التحضيض طلب الشىء بإلحاح وحس ورغبة تحضيض ويقال لها تحضيضية هذا إذا وليها الفعل المضارع تفيد التحضيض الطلب الحث إذا وليها الفعل المضارع ومنه قول الله جل وعلا لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون لولا هلا يحصل منكم هذا يطلب منا أن نستغفره وأن نتوب إليه
стр. 3002
وهكذا قول الله جل وعلا فى آخر سورة المنافقون ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون/١٠] لولا بمعنى هلا يطلب من الله يعرض عليه يلح فى طلبه أن يؤخره من أجل أن يتدارك ما فاته لولا أخرتنى إلى أجل قريب إذا وليها الفعل المضارع فهى للتحضيض بمعنى كما قلت العرض وطلب الشىء بحث بإلحاح برغبة
وإذا وليها الفعل الماضى فهى للتحضيض لكن تفيد اللوم والتنديم والمعاتبة على أنه كان ينبغى أن يفعل وما فعل هذا إذا وليها الفعل الماضى ومنه قول الله جل وعلا فى سورة الواقعة ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم* وأنتم حينئذ تنظرون *ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين﴾ [الواقعة/٨٣-٨٦] لولا الثانية تأكيد للأولى (فلولا إن كنتم غير مدينين*ترجعونها إن كنتم صادقين) هل بإمكانكم هلا فعلتم هذا وإذا كنتم يعنى غير مقهورين لرب العالمين وأنكم تتصرفون فى أنفسكم كما تريدون أعيدوا هذه الروح إن كنتم تستطيعون (فلولا إن كنتم غير مدينين*ترجعونها إن كنتم صادقين) وواقع الأمر ليس بوسع أحد أن يمد فى حياته لحظة (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)
إذا تفيد اللوم والمعاتبة والتوبيخ
стр. 3003
قال الإمام الألوسى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا وإذا وليها الفعل الماضى تفيد هذا وإذا كان بالإمكان أن يتدارك الإنسان الأمر فى المستقبل فتفيد أيضا اللوم على الماضى وطلب هذا وحصوله وتداركه فى المستقبل أى الأمر به بالمستقبل كما هو الحال لو وليها الفعل المضارع ومنه معنى الآية التى فى سورة التوبة فلولا نفر, نفر فعل؟ نعم فإذا هى كأن الله يعاتب الذين لا ينفرون للجهاد فى سبيل الحى القيوم ولطلب العلم لكن بما أنه عندك فسحة وسعة من الأجل بإمكانك أن تتدارك ما فات وأن تجاهد وأن تتعلم فإذا وليها الفعل الماضى تفيد اللوم والتوبيخ على عدم حصول المطلوب لكن بما أنه بإمكانك أن تتدارك هذا فإذا يجب عليك أن تتداركه فى المستقبل
لولا إذا وليها فعل فهى للتحضيض إن كان الفعل مضارعا للتحضيض لطلب هذا بحث كما قلت وإلحاح فى المستقبل ,إن كان ماضيا ولا يمكن تداركه لوم وتوبيخ وهلا جرى منكم ذلك فى الزمن الماضى وإذا كان يمكن تداركه تفيد الأمر أيضا به فى المستقبل والعلم عند الله جل وعلا
قال الإمام الرازى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا وإنما كان معنى لولا هلا لو ما كان معناها التحضيض لأنها مركبة يقول من أمرين اثنين لولا لو ما بمعنى هلا للتحضيض أصلها هل لا هل فعلت سؤال تستفسر تسأل تستخبر هل فعلت بما أنه لم يفعل ولم يجر هذا منه فتنفى الفعل لا فإذا هلا أصلها هل فعلت لا لم تفعل وكان ينبغى عليك أن تفعل فأفادت التحضيض هل فعلت المطلوب لا للآن ما فعلته وهذا من لطافة العرب وظرافتهم, فلاختصار الكلام قالوا هلا لولا لو ما أصلها هل فعلت لا للآن لم تفعل وهذا مطلوب لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون هل استغفرتم ما جرى منكم هذا للآن فأتى ربنا جل وعلا بلولا بهلا بلو ما كما قلت التى تفيد التحضيض هل لا أصلها هكذا هل لا هل فعلت لم تفعل للآن ما ينبغى أن تفعله فتداركه فى المستقبل والعلم عند الله جل وعلا
стр. 3004
هذا إخوتى الكرام فيما يتعلق بالآية التى تدل على منزلة التفقه فى الدين
أما أحاديث نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه كما قلت سأقتصر على أربعة احاديث بعون الله جل وعلا
أولها حيث سيدنا معاوية رضى الله عنه وأرضاه وقد رُوى عن ستة من الصحابة الكرام وإنما عنونت على هذا الحديث بحديث معاوية رضى الله عنهم أجمعين لأن طريقه أصح الطرق وأقوى الطرق الثابتة فى كتب السنة المشرفة وإن كان روى هذا الحديث عن نبينا ﵊ من هو أفضل من سيدنا معاوية رواه سيدنا عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله ابن عمر وعبد الله ابن عباس وعبد الله ابن مسعود وأنس وأبو هريرة رضى الله عنهم أجمعين مع معاوية سبعة من ساداتنا الصحابة الكرام رووا هذا الحديث عن نبينا ﵊ لا أريد أن أخرج إلا حديث سيدنا معاوية رضى الله عنهم أجمعين فكما قلت هو أصح طريق من هذه الطرق السبعة رواه الإمام أحمد فى المسند والإمام مالك فى الموطأ والشيخان فى الصحيحين والحديث فى سنن ابن ماجة فهو فى ثلاثة كتب من الكتب الستة فى الصحيحين وسنن ابن ماجة ورواه ابن حبان فى صحيحه والدارمى فى سننه والإمام أبو داود الطيالسى فى مسنده ورواه الإمام ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله والخطيب فى كتابه الفقيه والمتفقه والإمام البيهقى فى المدخل إلى السنن والإمام الآجروى فى أخلاق العلماء ورواه الإمام الطحاوى فى مُشكل الآثار وهو فى غير ذلك من دوايين السنة وهو يعنى فى أعلى درجات الصحة فهو فى الصحيحين كما سمعتم وقلت من رواية سيدنا معاوية رضى الله عنه وعن الصحابة أجمعين عن نبينا الأمين ﵊ أنه قال
(من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولن تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتى أمر الله)
стр. 3005
والشطر الثالث من الحديث (ولن تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق) هذا الجزء إخوتى الكرام من الحديث متواتر عن نبينا ﵊ كما تقدم معنا بيان ذلك فى مواعظ الجمعة (من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين) وفى بعض روايات الحديث أيضا ويلهمه رشده (من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ويلهمه رشده) إذا من علامة الخيرية فى العبد ان يوفق فى التفقه فى دين الله وتقدم معنا يعنى الفارق بين الإنسان وبين الجمادات وبين بهيم الحيوان كما تقدم معنا هو العلم النافع الذى نتعلمه هذا هو الفارق بيننا وبين العجماوات فإذا فُقهت فى الدين حصل فيك معنى الإنسانية وحصلت فيك العبودية لرب البرية وقمت بالغاية التى من أجلها خُلقت (من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين)
ومفهوم الحديث أن الله إذا خذل العبد وغضب عليه يصرفه عن التفقه فى دين الله فيعيش جاهلا يعبد الله على حسب هواه أو لا يعبد مولاه وهو فى الحالتين على ضلال (من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين) والمفهوم المخالف من لم يُفقه فى الدين ما أراد الله به خيرا وخذله ووكله إلى نفسه
وهذا المفهوم إخوتى الكرام ورد به منطوق بسند صحيح فى مسند أبى يعلى كما فى الفتح فى الجزء الأول صفحة خمس وستين ومائة بسند صحيح عن سيدنا معاوية أيضا رضى الله عنه وأرضاه والحديث كما قلت فى مسند أبى يعلى عن نبينا ﵊ أنه قال (ومن لم يبال به لم يفقهه فى الدين) (ومن لم يفقه فى الدين لم يبال به)
стр. 3006
إذا من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين المفهوم إذا لم يرد بالعبد خيرا لا يوفق للفقه فى الدين ولا لطلب العلم وفهمه والعمل به هذا المفهوم كما قلت ورد بمنطوق بسند صحيح منطوق دل على المفهوم الذى فُهم من الحديث الثابت فى الصحيحين رواية أبى يعلى أيدت ذلك المفهوم وقلت المفهوم معتبر وهذا المنطوق شهد له والعلم عند الله (من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين) والحديث إخوتى الكرام كما ترون نص صحيح صريح فى بيان منزلة التفقه فى دين رب العالمين
الحديث الثانى من رواية سيدنا أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه وأرضاه رواه الإمام أحمد فى المسند والشيخان فى الصحيحين ورواه الإمام الراماهرمزى فى الأمثال وهكذا الإمام أبو الشيخ فى كتاب الأمثال أيضا وهو فى أعلى درجات الصحة فهو أيضا فى الصحيحين من رواية سيدنا أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه وأرضاه عن سيدنا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه أنه قال (مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقُه فى دين الله فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به) على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
نهاية الحديث إخوتى الكرام صنف النبى ﵊ إلى صنفين اثنين
الصنف الأول دخل تحته نوعان النوع الأول آمن بالله جل وعلا وعَلِمَ وعمل وعَلَََََََََّمَ فهذا الذى فقه فى دين الله ودعا إلى الله وحاله كحال الأرض الطيبة التى تفاعلت مع الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير فانتفع الناس بالخيرات والبركات التى أخرجتها هذه الأرض الطيبة
стр. 3007
هذا حال من آمن بالله واهتدى بهداه وتعلم وعلم فهذا الذى يُدعى عظيما فى مكوت السماوات وهذا أعلى المخلوقات وهو فى أعلى الدرجات
يليه الأرض الأجادب التى أمسكت الماء فنتفع الناس بها فسقوا ماشيتهم واستقوا منها وانتفعوا بهذا الماء لكن هذه الأرض ما تفاعلت مع الماء هذا حال من آمن بالله جل وعلا لكن انتبه قصر فى ناحية العمل فما عنده جد واجتهاد فى طاعة رب العباد وتعلم لكن هذا العلم ما تفقه فيه وما وصل لدرجة المتبحرين الراسخين الواعين المستنبطين فإذا هو مجرد ناقل يبلغ الناس ما سمعه من غيره دون أن يفقه فيه دون أن يستنبط منه فحاله كحال الأجادب التى أمسكت الماء فانتفع بها الناس هذا على خير وهو يدخل فى القسم الأول فذلك مثل من فقُه فى دين الله فعلم وعلم هذا علم وإن لم يعلم لكن وعلم وإن لم يستنبط ولم يصل إلى درجة الفقه لكن كما قلت هو على خير
وأهل الخير درجات عندنا عالم فقيه وعندنا عالم ناقل هذا على خير وهذا على خير هذا كما قلت فى الصنف الأول فذلك مثل من فقُه فى دين الله فعلم وعلم
ومثل من لم يرفع بذلك رأساولم يقبل هدى الله الذى أرسلت
ظاهر الحديث إخوتى الكرام أن المثل الثانى يشمل صنفا واحدا قال الحافظ ابن حجر بعد أن قرر هذا
стр. 3008
وظهر لى أنه فى كل مثل طائفتين المثل الأول أوضحته كيف دخل فيه طائفتان الأرض الطيبة التى أنبتت الكلأ والعشب الكثير والأجادب والمثل الثانى فيه طائفتان الطائفة الأولى وهى الظاهرة التى لم تقبل هدى الله وردته وما آمنت به ومن باب أولى ما تعلمت ولا علمت, هذه شر المخلوقات وشر الدرجات هناك صنف آخر آمن بالله جل وعلا وما معه من الإيمان إلا النطق بالشهادتين فقط يدخل فى هذا المثل أيضا لكنه انحرف عن سماع العلم ولا تعلم وإذا سمع لا يعمل ولا يُعلِّم فهذا ملحق بهذا الصنف الخسيس الخبيث وإن لم يصل إلى دركته تماما لكن معه مقترن فى الذم آمن بالله لكن كما قلت ما سمع العلم وأعرض عنه ولا يريده ولو قدر أنه سمع لا يعلم ولا يُعَّلم يعنى لو سمع وعلم لصار حاله كحال الأجادب لكن ما سمع مع أنه نطق بالشهادتين وكما قلت الذى قبله ما نطق ولا آمن بالله جل وعلا مطلقا أما هذا آمن ولم يسمع العلم أو سمع ولم يَعلم ولم يعمل ولم يُعَّلم فذلك مثل من فقُه فى دين الله فعلِم وعلَّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت
انظروا كلام الحافظ إخوتى الكرام فى الفتح فى الجزء الأول صفحة سبع وسبعين ومائة وكما قلت ظاهر الحديث يدل على أن المثل الثانى يعنى يشمل صنفا واحدا وهو من لم يؤمن بالله ولكن الذى يظهر أن ما استظهره الحافظ ابن حجر فى منتهى الوجاهة أنه يشمل صنفين كما أن المثل الأول يشمل صنفين:
المثل الأول كما قلت من آمن وعلم وعمل وعلم وصار فقيها ويشمل من آمن وعلِم وعلَّم لكن لم يتفقه أى لم يستنبط لم يصل إلى هذه الدرجة إنما هو مجرد ناقل دون أن يعى مدلول الكلام لا يعرف تفسير القرآن يحفظه ويعلم الناس القراءات ولا يعرف تفسير كلام رب الأرض والسموات يعرف الحديث وينقله لكنه لا يفقه فيه ولا يعرف معناه هذا إخوتى الكرام كما قلت يدخل فى الصنف الأول الذى هو صنف فيه خير لكن يتفاوتون فى الخيرية عند رب البرية
стр. 3009
والصنف الثانى شر يتفاوتون فى الشرية ما آمن بالله ومن باب أولى لا علم ولا علَّم صنف ثان آمن حصل إيمانا فى الجملة لكن هذا الإيمان ما قاده إلى شىء من الخيرات الحسان ما سمع العلم وإذا سمعه لا يعمل به ولا يعلمه بماذا استفاد إذاً منه إما أنه معرض وإما أنه يسمع كما قلت ولا يعمل ولا يعلم فهذا ملحق كما قلت بزمرة الكافرين وأمره إلى رب العالمين فذلك مثل من فقُه فى دين الله فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به
نعم إخوتى الكرام الذى ينقل العلم ويتفقه فيه يعرف معناه ما يراد منه ما يدل عليه حقيقة هذا فى درجة عالية فوق الذى ينقل العلم دون أن يعلم ما يدل عليه هذا العلم ينقل النصوص الشرعية ولا يعرف معناها يعنى يقرأ آية من القرآن تسأله عن معناها لا يعلم (تبت يدا أبى لهب وتب) ما معنى تبت يقول ما أعلم (فى جيدها حبا من مسد) يقرؤها وقد يعلمها تقول ما معنى فى جيدها فى عنقها يقول لا أعلم فعلى كل حال كما قلت فى درجة نازلة وإن حصل علما وعلمه لكن إذا فقِه فيه فحقيقة هذا يعنى فى درجة عالية وتقدم معنا إذا فقِه يعنى فهم فهو على خير وإذا فقَه سبق إلى الفهم سبق غيره إلى الفهم فالخير ازداد فيه وإذا فقُه فصار الفقه له سجية وملكة فحصل الخيرات من جميع الجهات
ولذلك حقيقة إخوتى الكرام يمتاز ساداتنا الفقهاء عن ساداتنا المحدثين وفى كل خير ولا يمكن أن يكون الفقيه فقيها حتى يكون محدثا نعم قد لا يصل الفقيه إلى درجة المحدث فى التحديث هذا موضوع آخر لكن هو ما صار فقيها إلا بعد أن صار محدثا وعرف حديث النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
стр. 3010
فأئمتنا أصحاب المذاهب الأربعة المتبعة كما سيأتينا فى تراجمهم كما وعدت كل واحد منهم محدث وفقيه لكن بعضهم قد تغلب عليه كما قلت إحدى الصفتين فالإمام مثلا أبو حنيفة رضى الله عنه تغلب عليه صفة الفقه والإمام أحمد تغلب عليه صفة الحديث فهو أرسخ منه فى الحديث من الفقه واضح هذا الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة أرسخ فى الفقه منه فى الحديث لكن كل منهما فقيه محدث
وأما بالنسبة للإمامين المباركين الإمام الشافعى ومالك فيمكن أن تقول يعنى فى درجة مستوية فى الفقه وفى الحديث, اجتمع فيهما يعنى التمام فى هذا وفى هذا وما غلبت واحدة منهما يعنى الأخرى فى هذا الإمام فهو فى الدرجة العليا فى الفقه وفى الدرجة العليا فى التحديث رضى الله عنهم وأرضاهم يعنى هو فقيه المدينة وهو محدث المدينة الإمام مالك رضى الله عنه وأرضاه وهكذا الإمام الشافعى رضى الله عنه وأرضاه فقيه محدث فى درجة واحدة والإمام أحمد تغلب عليه الصفة الحديثية والإمام أبو حنيفة تغلب عليه الصفة الفقهية لكن كل واحد منهم فقيه محدث قطعا وجزما
стр. 3011
قد هناك محدث من غير فقه كحال كثير من المحدثين منهم العبد الصالح يحيى ابن معين كما سيأتينا واضح هذا درجة الفقيه أعلى من درجة المحدث لأن الفقيه بمنزلة الطبيب والمحدث بمنزلة الصيدلى وأيهما أعلى رتبة؟ الطبيب قطعا والصيدلى ترى عنده الأدوية مكدسة ولو ذهبت يعنى تشتكى عنده ما بإمكانه أن يصف لك دواء بعلتك يقول هذا يحتاج إلى طبيب اذهب إلى الطبيب ليكتب لى الدواء الذى يناسب علتك حتى أصرفه لك الطبيب حقيقة هذا فوق الصيدلى وهذا ما قاله جهابذة المحدثين قال العبد الصالح سليمان ابن مهران الأعمش كما فى جامع بيان العلم وفضله وما ينبغى فى روايته وحمله للإمام ابن عبد البر عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه فى الجزء الثانى صفحة واحدة وثلاثين ومائة لسيدنا أبى حنيفة رضى الله عنه وأرضاه عندما كان يجيب عن الأسئلة الشرعية التى توجه إليه يسأله الإمام الأعمش عن مسأله فيجيب أبو حنيفة من غير توقف فيعجب الإمام الأعمش ويتعجب من فقهه يقول من أين لك يا إمام من أين لك هذا فاستمع فيقول أبوحنيفة مما رويتم لنا أنت رويت لنا هذا الحديث وأنا استنبطت منه هذا الحكم فيول الأعمش معلقا على كلام أبى حنيفة أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وبلغ من يعنى تقدير الإمام الأعمش وهو إمام الدنيا فى زمانه فى الحديث بلغ من تقديره لسيدنا أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين أنه عندما أراد الحج قال لسيدنا إبى حنيفة رضوان الله عليهم أجمعين اكتب لى المناسك حتى أحج بين لى مناسك الحج كيف سأعمل فى الحج أما أنا أملى لك من صدرى مجلدا فى الأحاديث الواردة فى يعنى حجة النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وعن الآثار عن الصحابة الأخيار والتابعين الأبرار فيما يتعلق بمناسك الحج لكن كيف سيتم ترتيبها وتمييز الركن من السنة وكيف سأفعل هذا فى الحقيقة يحتاج إلى فقيه اكتب لى مناسك الحج أنتم الأطباء ونحن الصيادلة
стр. 3012
وهذا الكلام أُثر أيضا عن الإمام الشافعى رضى الله عنه وأرضاه قال: الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة روى ذلك عنه الإمام البيهقى فى كتاب مناقب الإمام الشافعى ورواه الإمام ابن أبى حاتم فى كتاب آداب الشافعى ومناقبه وانظروا أيضا كلام الإمام الشافعى فى ذلك فى السير فى الجزء العاشر صفحة ثلاث وعشرين فى ترجمته وهذا قاله الإمام المبجل أحمد ابن حنبل أيضا رضى الله عنهم أجمعين الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة كما روى ذلك عنه الإمام ابن عساكر فى تاريخ دمشق
وهذا أيضا قاله إخوتى الكرام الإمام أبو جعفر الطحاوى كما فى تذكرة الحفاظ فى الجزء الثالث صفحة سبع وتسعين وتسعمائة قال للإمام أبى سليمان الدمشقى محمد ابن عبد الله قال له وكان من المحدثين الكبار قال أنتم الصيادلة ونحن الأطباء والإمام أبو جعفر الطحاوى رضى الله عنه وأرضاه يعنى إمام المحدثين فى زمانه لكن فقيه, أنتم الصيادلة, أى من جمعتم الحديث دون فقه صيدلى, وأما نحن أطباء أنتم الصيادلة ونحن الأطباء
ولذلك قال أئمتنا إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كالصيدلانى كأنه صيدلى هذا يعرف يعنى يجمع الأدوية وهنا يجمع النصوص الشرعية فإذا احتجتها خذها منه واستنبط منها ما تدل عليه وهذا الكلام المحكم إخوتى الكرام تناقله أئمتنا وهو حق انظروه فى الفتاوى الحديثية للحافظ ابن حجر فى صفحة ثلاث وثمانين ومائتين وفى شرح الإحياء للإمام الزبيدى فى الجزء السادس صفحة واحد وستين وثلاثمائة
وأورد الحافظ ابن حجر يعنى حكما شرعيا فى منتهى الطرافة والإحكام وقع بين فقيه وبين إمام المحدثين فى زمانه وهذا الفقيه هو يعنى من طلبة الفقه مع سيد المحدثين فاستمع لهذه المحاورة اللطيفة:
стр. 3013
كان بعض طلبة الفقه من تلاميذ سيدنا أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين مع شعبة وشعبة توفى سنة ستين ومائة وحديثه فى الكتب الستة الإمام شعبة ابن الحجاج وهو إمام الحديث وأمير المؤمنين فى الجرح والتعديل رضى الله عنه وأرضاه شعبة وكان يثنى على سيدنا أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين فاجتمع مع بعض تلاميذه فأراد شعبة يعنى أن يسأله, أن يختبر حاله قال إن جاءتكم معضلة فإلى من تلجأون إذا جاءتكم معضلة يعنى مسألة مشكلة مسألة عويصة تحتاج إلى بحث وجد واجتهاد إلى من تلجأون؟
فذاك كأنه فهم أنه يعرض به وأن طلبة العلم, طلبة الفقه درجتهم نازلة,
فقال نلجأ إليك وإلى أصحابك من أجل يعنى لو قال له نلجأ إلى أبى حنيفة أو إلى الفقه المقرر عند أبى حنيفة قد ذاك يقول قد مثلا يعنى كيف لا تلجأون إلى المحدثين قال نلجأ إليك وإلى أصحابك,
стр. 3014
يقول أنا جالس عنده جاءه مستفتى يستفتيه فقال له أبا بصتار لشعبة ابن الحجاج رضى الله عنه وأرضاه ما تقول فى رجل ضُرب على أم رأسه ضربه ضارب على أم رأسه فزعم أن حاسة الشم فقدت منه وما بقى شمُ فماذا تقول ماذا عليه إنسان ضرب على رأسه فالمضروب قال هذه الضربة أفقدتنى حاسة الشم وإذا فقد حاسة الشم فيه دية كاملة كما لو يعنى فقد البصر كما لو فقد السمع لو فقد بصر عين واحدة نصف دية فلو فقد حاسة الشم كما لو قتله خطأ فيه دية كاملة ما تقول فيمن ضُرب على أم رأسه فزعم أنه فقد حاسة الشم فما الحكم؟ هل يُصدق ويأخذ الدية أو ما الحل فى هذه القضية فبدأ شعبة رضى الله عنه يتشاغل يمينا ويسارا ولعل السائل ينصرف وذاك يلح يقول أبا بصتام ما الجواب ماذا نعمل ما تقول ما الحكم فى هذه القضية إنسان ضرب على أم رأسه وقال فقدت حاسة الشم ما بقيت أشم شيئا لا الروائح الطيبة ولا المنتنة ولا أشم شيئا على الإطلاق كما لو فقد حاسة الذوق نسأل الله العافية كما لو فقد البصر ما عاد يرى شيئا وهنا ما عاد يشم شيئا يعنى لا يشم الدخان ولا الطيب ولا البخور ولا شيئا على الإطلاق
فقال له افته أنت قال يسألك وأفتيه أنا قال إن البلاء موكل بالمنطق ليتنى أنا ما تعرضت لك فى البداية أنا قلت لك إذا جاءت معضلة إلى من تلجأ فأنا لو ما سألت أحسن
هذا كما وقع للإمام الكسائى مع اليزيدى اجتمعا مع هارون الرشيد فتقدم الإمام الكسائى ليصلى فقرأ سورة الكافرون فأخطأ فيها فى صلاة المغرب فالتفت بعد انتهت الصلاة إليه اليزيدى وقال إمام البصرة الكسائى من أئمة البصرة أوليس كذلك كوفة إمام القراء فى الكوفة يخطأ فى سورة الكافرون
فسكت الكسائى وما أجابه ماذا يعمل أخطأ أخطأ, فلما حضرت صلاة العشاء قدم هارون الرشيد قال والله لأتقدم تقدم اليزيدى فتقدم اليزيدى فقرأ فأخطأ فى الفاتحة فلما سلم اليزيدى قال له الكسائى:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق
стр. 3015
أنت تعيب على أخطأت فى الكافرون طيب أنت أخطأت فى الفاتحة الذى لا يخطأ فيها أحد
وهنا كذلك إلى من تلجأون؟ قال إليك وإلى أصحابك فلما جاءت هذه المسألة يعنى قال افته ماذا عندك أنت من أمور الفقه تعرف فيها فقال سمعت الزهرى والأوزاعى يقولا يدق الخردل دقا شديدا ويقرب منه ليشمه فإن عطس فقد كذب فى قوله وحاسة الشم لا زالت عنده وإذا لم يعطس فقد حاسة الشم فله دية كاملة
قال وقد جئت بها والله كما هى لا يمكن أن يعطس إلا إذا كانت حاسة الشم عنده وإذا ما عطس دل على أنه فقد حاسة الشم قال هذا هو الحكم الشرعى الخردل يدق وإذا شمه الإنسان وعنده حاسة الشم سيعطس شاء أم أبى بدون اختياره فقال ندق الخردل ونقدمه منه نقول استنشق فمتى ما عطس دل على أنه يشم وإذا ما عطس حقيقة فقد حاسة الشم الروائح كلها تستوى عنده فدل على أن هذه الحاسة فقدها وما عاد يميز بين الطعوم كما لو فقد حاسة الذوق حاسة الشم حاسة البصر حاسة السمع دل أنه فقد أما إذا عطس دل على أن الحاسة موجودة
انظروا إخوتى الكرام لهذا الفقه حقيقة وهذا كما يقول أئمتنا أن تبحث فى القضية الواقعة وهذا الذى هدى الله إليه أئمتنا الفقهاء فحاسة الشم إذا فقدت فيها دية كاملة كيف سنعلم أنها فقدت فلا بد لها من اختبار فالفقهاء هم الذين جاؤا وقالوا تختبر حاسة الشم بالخردل وبما يشبهه من الأمور التى إذا دقت واستنشقها الإنسان سيعطس ولابد فإذا عطس دل على ان الحاسة عنده
هذا موجود كما قلت فى الفتاوى الحديثية فهذا منزلة الطبيب وأما ذاك كما قلت شعبة أمير المؤمنين فى الحديث ولا تقدمه أحد ولعله أعلم من سيدنا أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين فى موضوع الحديث وحفظ طرقه لكن فى الفقه يعنى هو يعرف حاله ولذلك قال افته هذه مسألة لا بد لها الآن من مفتٍ يفتى فيها
следующие страницы →