إخوتى الكرام لابد من نعى هذا فى هذه الأيام على وجه الخصوص لأنه كثر لغط حول هذه القضايا ويأتيك بعد ذلك سفيه من السفهاء فيقول تقولون الأئمة الأربعة أصولهم واحدة لمَ اختلفوا؟
يا عبد الله لو أردنا أن نلغى مذاهبهم لتتفضلوا أنتم لتجتهدوا ستخبطون تخبيطا وتضعون من الأقوال ما يخطر على بال الخلق من خلافات فيما بينكم فاتقوا الله وقفوا عند حدكم, نص احتمل أكثر من معنى انتهى أئمتنا جاؤوا بعد ذلك التمسوا هذه المعانى لو أجمعوا على معنى من معانيه لكان حجة قاطعة عندما اختلفوا الحمد لله رحمة واسعة إثارة هذه المسائل والتشويش حولها كما قلت مرارا ما يفعله إلا من غضب الله عليه والتماس مثل هذه الزلل يأتى إنسان يقول الإمام مالك عندما خالف الحديث ابن أبى ذئب قال تضرب رقبته وهذا ينبغى أن نعمله مع من يخالف السنة ونقول لكم قال رسول الله ﵊ وتقولون قال أبو بكر وعمر يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء يا عبد الله قف عند حدك إنسان انفعل وقال ذلك الكلام غاية ما يقال يعنى انفعل وأخطأ يغفر الله لنا وله
стр. 3502
وتقدم معنا عندما قال عروة بن الزبير أوليس كذلك؟ لسيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهم أجمعين هما أعلم بالسنة منك يا عبد الله لا داعى الآن يعنى كما يقال لهذا الكلام المعسول الذى يُخدع به السامع إننا نتبع السنة ونترك ما عليه أبو بكر وعمر لا يا عبد الله هما أعلم بالسنة منك فعلها سنة وأما أنت فهمك دون فهمهم فسكت ابن عباس عند تلك المقولة وهنا كذلك فيأتى إنسان يستدل بهذا أو ينشر هذا بين المسلمين ولا ينشره بينهم إلا من غضب عليه رب العالمين ونحن إخوتى الكرام كما قلت مرارا أمام كفر بواح وردة عن دين الله جل وعلا فى هذه الأيام وإمام فسوق وانحلال بدل من أن تحارب تلك نُشغل الأمة بهذه الأشياء لعله لا يخلو بيت من بيوت المسلمين فى هذه الأيام من الجهاز اللعين أوليس كذلك؟ ألا نشغل دروسنا وتحذيرنا للمسلمين من هذا الفساد وأن من فى بيته هذا الجهاز هذا الفساد لا تقبل له صلاة ولا يقبل له صيام هذا إخوتى الكرام لابد من وعيه وكيف سيلقى الرحمن أما بعد ذلك هذا كله يترك ونأتى بعد ذلك فى هذه المشاكل والله يا إخوتى الكرام هذا الجهاز لو بُعث نبى من الأنبياء وهذا الجهاز فى البيوت لا يمكن لهذا النبى أن يؤثر ولا أن ينتفع بدعوته مادام هذا الجهاز فى البيوت فلنكن على علم بذلك هذا كله يُترك ثم بعد ذلك نأتى خلافات بين أئمة الإسلام
يا إخوتى الكرام ينبغى أن نتقى الله وأن نقف عند حدودنا وهكذا بقية المفاسد التى نخوض فيها إلى آذاننا كلها تُترك وتُشغل دروس العلم بعد ذلك كلها خلافات واتباع النص وعدم اتباع المذاهب واتباعها بدعة وهو يُشغل الناس بهذيان لا وجود له يعنى كما يقال فى هذا الزمان لا وجود له ثم بعد ذلك دعوة الاجتهاد دعوة التطوير ودعوة دعوة كأنه ما شاء الله الأمة فقط لا يلزمها إلا مجتهدون ليُحكم باجتهادهم ليكون شريعة مقررة فى العالم من أوله لآخره
стр. 3503
يا عبد الله ماذا تنفع الاجتهادات وماذا تنفع بعد ذلك وشريعة الله كلها نُحيت عن الحياة وبعد ذلك نأتى نثير هذه الخصومات بيننا وبين سلفنا
تقدم معنا كلام العبد الصالح يحيى بن عمار أبى زكريا توفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من العلماء الربانيين القانتين انظروا ترجمته فى السير فى الجزء السابع عشر صفحة اثنتتن وثمانين وأربعمائة وكلامه فى مجموع الفتاوى فى الجزء العاشر صفحة خمس وأربعين ومائة قال:
أنواع العلوم خمسة العلوم خمسة علم فيه حياة الدين وهو علم التوحيد وعلم هو قوت الدين وهو علم العظة والتذكير تقدم معنا فى أول دروس الفقه وعلم هو دواء الدين وهو علم الفقه وعلم هو داء الدين وهذا هو النزاع الذى جرى بين الناس وعلم هو هلاك الدين وهو علم الكلام والفلسفة وعلم الشعوذة والطلاسم
داء الدين أن تثير النزاع الذى كان بين سلفنا الكرام الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين
إخوتى الكرام هذه مسألة والمسألة الثانية كما قلت فى العبادات لابد من ذكرها أيضا على وجه الاختصار أشير إليها وأذكرها فى أول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه والإخوة الذين يحضرون معنا كانوا فى تفسير سورة الفاتحة كنت أشرت إليها باختصار أيضا فى آخر تفسير سورة الفاتحة
إخوتى الكرام اتفق أئمتنا أنه لابد من القراءة فى الصلاة هذا محل اتفاق واتفقوا على أنه إذا قرأ الفاتحة أحسن وأجزأه ذلك لكن انتبه هل تتعين الفاتحة أو لا؟
على قولين عند سيدنا أبى حنيفة رضى الله عنه وأرضاه لا تتعين ويجزىء غيرها وعند المذاهب الثلاثة تتعين
القول الثانى الذى يترتب على هذا هذا الشىء الذى يتعين ولابد منه وهو القراءة من فاتحة أو منغيرها على من يلزم هل يلزم كل مصلٍ أو بعض المصلين؟
فالإمام أبو حنيفة رضى الله عنه وأرضاه يلزم كل مصل إلا المأموم فلا يقرأ فاتحة ولا ما عداها فى جميع أحوال اقتدائه فى جهرية أو فى سرية كما تقدم معنا
стр. 3504
والإمام مالك والإمام أحمد ورضى الله عن أئمتنا أجمعين يريان أنه لا يتعين على المأموم قراءة من باب الوجوب لكن إن جهر الإمام يُكره للمأموم أن يقرأ الفاتحة ومن باب أولى ما عداها وإن أسر فيسن له يسن أن يقرأ والقول الثالث قول الإمام الشافعى رضى الله عنه وأرضاه القراءة واجبة فى جميع الركعات والفاتحة هى ويسن ما زاد عليها سواء إن كان إماما أو مأموما أو فذا
إذاً عندنا هذه الأحوال الخمسة القراءة لابد منها لكن هل تتعين الفاتحة على قولين وإذا تعينت القراءة الفاتحة أو غيرها هل هى على كل مصل على ثلاثة أقوال خمسة أقوال لا يوجد واحد منها إلا وعليه دليل أظهر وأضوأ من ضوء القنديل وأقوال معتبرة كل قول قال به إمام جليل فأنت ماذا تفعل نحو هذه الأقوال حقيقة ما تراه أحوط يطمئن قلبك إليه إن كنت تبحث فى الأدلة فلك أن تعمل به
أما أن تلزم أحدا بذلك وتقول من لم يقرأ الفاتحة إذا كان مأموما صلاته باطلة أو إذا قرأ صلاته مكروهة ليس من حقك هذا
وحقيقة كما قلت لكم مرارا يعلم ربى ما أمرت أحدا أو نهيته نحو هذه المسائل لا قلت اقرأ ولا لا تقرأ ولما يأتى معنا بحث أذكر حسب يعنى الأدلة التى قررها أئمتنا أحيانا أحيانا يعنى بعض الناس يسأل ما الذى تفعله أنت, أقول ما لك ولى يا عبد الله يعنى أنا لست بحجة على نفسى فضلا على غيرى هذه أقوال أئمتنا لكن من باب البيان قول كذا يعنى أراه فى حق نفسى أحوط أما أننى أدعو إليه ألزم الناس به أحمل كما يقال يعنى السلم بالعرض فى وجه الأمة إذا لم تفعلوا هذا ما صحت صلاتكم!!!
يا إخوتى هذا ضلال ليس من حق أحد أن يفرض نفسه على أمة نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أدلة كلها عليها أحاديث كما ستسمعون صحيحة صريحة فى المطلوب بقى بعد ذلك أئمتنا رجحوا هذه على هذه أوهذه على هذه على حسب ما قالوه من أقوال وهم مأجورون
стр. 3505
شروط قبول العمل
(الموعظة الأولى)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الموعظة الأولى
شروط قبول العمل
الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله تعالى عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد غضبك، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد إخوتي الكرام..
موعظتنا في هذه الليلة موعظة موجزة مختصرة بناءاً على رغبة إخوتي الكرام في الحي المبارك وعلى رغبة أخي الكريم إمام المسجد الشيخ محمد الصاروي تقبل الله منا ومنه والمسلمين أجمعين وهذا لا ينفي بأن دروس الشيخ بها علماً وتذكير وأن موعظتي في هذه الليلة إلا مشاركة لأخي الكريم بما يقوم به، نسأل الله أن يتقبل منا جميعاً.
إخوتي الكرام:
هذه الموعظة لم أذكر فيها شيئاً جديداً، كل واحد منا يعرفه ولعله أن ترجوه في سلوكه مع ربه في جميع شؤون حياته، إنما أريد أن أذكره من باب التذكير فقد أمرنا الله بذلك وأمرنا أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر فكل ما أذكره أغلب ظني معلوم عند المسلمين أجمعين لكن كما قلت ذلك من باب التذكير فلذلك نجالس هذه اللحظات القصيرة وتحصل له فائدة التذكير وما أظن أنه سيفوت منه شئ، ونسأل الله أن يرزقنا علماً نافعا وعملاً صالحا وأن يتقبل منا بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام..
стр. 3506
موعظة هذه الليلة تدور حول أمر كما قلت يعلمه كل أحد وينبغي أن يعظه كل أحد وهذا الأمر هو لو تأمل كل واحد منا الناس لرآهم يعملون أعملا ولا يخلوا أحد من عمل لكن يتفاوت الناس في أعمالهم فنهم من يغتنم حياته فيعمل الخيرات ومنهم من يتخبط في هذه الحياة ويبتلى بالمنكرات والقاذورات، لكن لا يخلو إنسان من عمل ولا تخلوا نفس من نية وقصد وهم وعزم، والنفوس جوالة فإما أن تجول نفس الإنسان حول العرش وإما أن تجول حول الحش وكل واحد سيعمل في هذه الحياة ولا بد فنهم من يعمل عملا صالحاً يفك رقبته من النار ومنهم من يعمل عملا خبيثا يوبقه في النار، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، وإذ كان الأمر كذلك فقد يسأل سائل ومن حقه أن يسأل متى يكون العمل صالحا فيقبل عند الله ويثاب عليه الإنسان.؟ ومتى يكون العمل بخلاف ذلك.؟ وحقيقة هذا الأمر إخوتي الكرام ينبغي أن يعيه كل فرد منا وهذا هو موضع موعظتنا في هذه الليلة المباركة العمل الصالح.
متى يكون العمل صالحا؟
الشروط التي إذا وجدت في العمل صار صالحا وقبله الله ، أعمالنا كثيرة فلابد إذاً من شروط لهذه الأعمال لتكون صالحة عند ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام:
لا يكون العمل صالحا مقبلا عند الله إلا إذا وجد فيه ثلاثة شروط سأوجز الكلام عليها إن شاء الله وكما قلت هي معلومة وهذا موضوع موعظتنا في هذه الليلة المباركة.
الشرط الأول:
стр. 3507
أن تصدر الأعمال من مؤمن لله جل وعلا، فلابد من الإيمان لله جل وعلا ولرسوله ﷺ ، فمن حَرِفَ عن الإيمان فوقع في الإشراك أو الكفر بالرحمن، فمهما عمل من الأعمال الحسان ترد عليه ولا تقبل عند ذي الجلال والإكرام، وقد قرر الله هذا في كثير من آيات القرءان فقال جل وعلا: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حبط عمله﴾ ، ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ وقال جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيما﴾ ، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدا﴾ .
أخبرنا الله جل وعلا أن من خرج عن الإيمان فهو من أهل الخسران ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ فإذا لم يتصف الإنسان بصف الإيمان أعماله مردودة عند ذي الجلال والإكرام، فلو قدر أنه قام بصدقة أو صلة رحم أو غير ذلك من أنوع البر كل هذا سيرد عليه ولا يقبل عند الله ، كما قرر الله جل وعلا في آيات القرءان الكريم يقول الله جل وعلا في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الذَّينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيرَا، يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرَاً مَحْجُوراً، وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوْا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ والهباء إخوتي الكرام هو الشعاع الذي يرى عند شدة حرارة الشمس هباء يتطاير عند شدة حرارة الشمس ذرات صغيرة هذه هي الهباء ﴿هباءً مَنْثُوراً﴾ .
стр. 3508
والهباء هو ذرات التراب الصغيرة التي تتطاير عند وجود الرياح، والهباء هو النار إذا احترقت وصارت رماداً ثم عبثت بها الرياح فتطايرت هنا وهناك هذا هو الهباء، والهباء هو رذاذ الماء عندما يتطاير إذا صب الإنسان ماءً فيخرج منه رذاذٌ خفيفٌ هذا هو الهباء.
يقول الله عن أعمال الذين لا يرجون لقاءه إذا قدموا عليه يوم القيامة ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ وهذا الهباء يكون متفرق متباعد بحيث لا تجتمع ذرة مع ذرة فلا ينفعهم عمل عند الله جل وعلا ﴿هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ والهباء في الأصل متفرقٌ إنما ليقرر الله المعنى أتم تقرير أردفه بالكلمة التالية الأخرى ﴿هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ وهذا الذي يسميه علماء البلاغة في علم البديع بالإغال والتتميم وهي أن يردف المتكلم كلامه بكلمة يزيل بها اللفظ ويقرر المعنى في النفس فيرفع عنها الوهم لتستقر في الفهم والأمر كذلك، الهباء هو الشيء المتطاير فأتبعه بهذه اللفطة ﴿مَنْثُوراً﴾ ليبن أنه لا يجتمع ولا يمكن أن تكون ذرة مع ذرة فجعلناه هباءً منثورا أي متفرقاً ضائعاً لا وجود له ولا ثبات ولا استقرار ولا نفعاً ولا مكاناً ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ وهذا إخوتي الكرام في الآخرة والله لا يظلم أحدا، فما يجري من الكافر من حسنات في هذه الحياة من صلة رحمٍ أو صدقةٍ أو غير ذلك يكافئه الله عليها في هذه الحياة من صحةٍ وطعامٍ وهواءٍ وشربٍ وغير ذلك كما ثبت ذلك في صحيح مسلمٍ من حديث أنس رضى الله عنه [عن نبينا ﷺ أنه قال: ﴿إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة﴾ هذا كرم الله على المؤمنين أي يعطا عليها مكافئةً وجزاءً في الدنيا من صحةٍ ونعمٍ لا تحصى وحياةٍ طيبةٍ مطمئنةٍ لكن يدخر له الأجر العظيم عنده يوم الدين، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر
стр. 3509
فيطعم بحسناته التي عمل بها في هذه الحياة الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يجزى بها] فأعطاه الله جزاء ما عمل في هذه الحياة عندما سخر له الهواء والماء والغذاء والكساء وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إذاً أم الثوب في الآخرة يضيع وكوفئ الكافر على عمله في هذه الحياة أما في الآخرة فلا ينتفع بعمل ما دام كافراً بالله مشركاً به جل وعلا كما قال الله جل وعلا ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ﴾ والرماد هو الحطب إذا احترق ﴿أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصفٍ لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد﴾ وضرب الله مثلاً أي ضل أعمال الكفار في سورة النور بل مثلين فقال جل وعلا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ هذا هو المثل الأول، أعمال الكافر في هذه الحياة يتوقع عليها نفعاً هو في ظنه ووهمه بعد الممات لا حقيقة لذلك حاله كحال من ينظر إلى السراب، وهو ما يتراء من ماءٍ لمن ينظر في شدة الحرارة عند الظهيرة في صحراء، لو نظر الإنسان إلى الصحراء إلى الأرض الممتدة الصحراء الواسعة عند الظهيرة لتراء له أنه يوجد أمواج من المياه يركب بعضها بعضا لكنه إذا اقترب من ذلك المكان الذي يخيل إليه أنه فيه ماء تبين أنه لا يوجد ماءٌ إنما هو سراب تراء له ولا حقيقة له، وهكذا عمل الكافر ﴿الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ﴾ بأرض ممبسطةً، والسراب ما يتراء للناظر أنه ماءٌ عند شدة الحر وليس بماءٍ ﴿كسراب بقيعةٍ حسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ والمثل الثاني ﴿أو كظلمات في بحر لجيٍ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحابٌ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾ .
стр. 3510
إذاً ظلماتٌ كثيرةٌ متداخلةٌ متطابقةٌ الظلمة الأولى بحر لجيٌ عميق فلا يرى ما في قعره يرتفع على هذا البحر أمواجٌ تمنع الرؤيا فلا يمكن أن ترى سطح البحر من كثرة الأمواج فضلاً عن رؤية قعره ويعلوا هذه الأمواج سحبٌ كثيفةٌ مظلمةٌ ظلماتٌ بعضها فوق بعض، وهكذا عمل الكافر ظلمةٌ في هذه الحياة ولا ينتفع به بعد الممات، إذا إخوتي الكرام الشرط الأول لقبول العمل عند الرحمن الإيمان بذي الجلال ولإكرام، نسأل الله أن يشرح صدورنا للإيمان به واتباع رسوله ﷺ .
الشرط الثاني:
стр. 3511
الشرط الثاني لقبول العمل ليكون صالحا وليقبل عند الله إتباع النبي ﷺ فيما نقوم به من أعمال، هذه الأعمال التي تصدر منا بعد أن أمنا بربنا ينبغي أن تكون حسب شرع رسولنا ﷺ المبلغ عن الله جل وعلا سواءٌ في عقائدنا سواءٌ في عبادتنا سواءٌ في معاملاتنا سواءٌ في أخلاقنا وآدابنا سواءٌ في عقوباتنا وتأديبنا لغيرنا وحبنا وبغضنا له كل هذا ينبغي يأخذ من مشكاة النبي ﷺ وأن يكون على حسب شرعه وأن لا يكون للإنسان إمام في هذه الحياة إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، ونسأل الله أن يدعونا به يوم القيامة ﴿يوم ندعو كل أناسٍ بإمامهم﴾ نسأله أن ينادينا يوم القيامة يا أمة محمد ﵊ ويا أتباع النبي ﵊ يوم ندعو كل أناس بإمامهم، فلابد من متابعة النبي ﷺ في جميع الحركات والسكنات فمن آمن بالله وعمل بعد ذلك على حسب رأيه وهواه وعرفه وعادته فعمله مردودٌ عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أمنا عائشة ﵂ قالت سمعت النبي ﷺ يقول [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] وفي رواية لمسلم [من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد] عمل عملاً ليس عليه هدي النبي ﵊ وهذا العمل لم يوافق شرع النبي ﵊ فهو مردودٌ على فاعله سواءٌ كان من المؤمنين أو لا، وهو مردودٌ على فاعله سواءٌ أرد به الترقب الله أو لا فلا يقبل العمل عند الله إلا إذا كان موافقاً لشرع النبي ﷺ في جميع الحركة والسكنات فإذا عمل الإنسان عملاً ليس عليه النبي ﷺ فعمله مردودٌ عليه.
إخوتي الكرام..
стр. 3512
ولا يتحقق الإيمان ولا يقبل إيمان الإنسان حتى يكون هواه تبعاً لشرع النبي ﵊، كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ فيما رواه عنه الأمام أبو نعيم في كتاب الأربعين وشرط ألا يرد في كتابه إلا حديثاً صحيحاً من نقل الثقة عن الثقة والحديث رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ورواه البغاوي في شرح السنة ورواه الأمام أبو نصر المقدسي في الحجة على تاركي المحجة وإسناد الحديث في درجة الحسن من حديث عبد الله ابن عمرو ابن العاص ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول [لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به] وهذا المعنى الذي قرره النبي ﷺ أشار إليه ربنا في كتابه فقال ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ هذا الشرط الثاني ليكون العمل صالحا وليقبل عند الله جل وعلا، إيمان بالله واتباع للنبي ﵊، إيمان بالرحمن واتباع للنبي ﵊.
الشرط الثالث:
стр. 3513
إخلاص لله جل وعلا في الأعمال التي نقوم بها، آمنا به واتبعنا شرع نبيه ﵊ وأردنا بجميع أعمالنا التقرب إلى ربنا دون حظ من الحظوظ النفسية أو الدنيوية كما أشار ربنا جل وعلا إلى هذا الشرط بقوله ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ وإذا كان الإنسان من المؤمنين واتبع في عمله هدي النبي الأمين ﵊ لكنه ما أراد بذلك وجه رب العالمين، أراد مراءت الناس حظاً من حظوظ الدنيا، حطاماً عاجلا فعمله لا يقبل عند أحكم الحاكمين ، كما قال جل وعلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يعملون﴾ من كان قصده وغايته في هذه الحياة أن يقوم بالطاعات ليحصل حطام الدنيا وعرضها وحظوظها من جاهٍ ومنزلةٍ وأي شيءٍ بعد ذلك من الأمور الدنيوية.
стр. 3514
حكم ما يدور في القلوب
(الموعظة الثانية)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الموعظة الثانية
حكم ما يدور في القلوب
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، وبيدك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب التوابين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ، عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله، أرسله اله رحمة للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به عيوناً عميا، وآذاناً صما، وقلوباً غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .
стр. 3515
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
تبين لنا في الموعظة السابقة أن القلوب ثلاثة أقسام:
١. قلب حي سليم نفسه مطمئنة راضية مرضية.
٢. ويقابل ذلك قلب ثانٍ وهو قلب ميت سقيم صاحبه نفسٍ أمارة بالسوء كحال الشيطان الرجيم.
٣. وهناك قسمٌ ثالث لم تكتمل الحياة في قلبه ولم تفارق الحياة قلبه. ففيه حياة ولكن فيها ضعف ونقص فهو في حالة مرض ونفس صاحب هذا القلب نفس لوامة تلومه وهي ملومة ومتلومة لا تثبت على حال، تتردد بين الخير والشر، والمعصوم من عصمه الله.
إخوتي الكرام:
وتقدم معنا أن ضابط النفس الطيبة الحية المطمئنة، انه يوجد فيها أمران، معرفة للحق وعمل به اكتملت القوة العلمية والقوة العملية فيه، وإذا فرط الإنسان في أحد هذين القسمين فقلبه ميت موتا لا حياة فيه، أو مريض مرضاً يفقد تمام الحياة عندما يصاب بالشبهات أو الشهوات، وقد خشي علينا نبينا ﷺ الوقوع في أحد هذين المرضين، وأخبرنا نبينا ﷺ أنه لا يخشى علينا إلا أحد هذين الأمرين، ففي مسند الأمام أحمد ومعاجم الطبراني الثلاثة والحديث رواه البزار وأبو يعلى بإسناد جيد عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى] فخشيت نبينا ﷺ من حصيلة في هذين الأمرين شهواتٌ أو شبهاتٌ تفسدان القوة العلمية أو القوة العملية في الإنسان.
إخوتي الكرام..
стр. 3516
وتقدم معنا في الموعظة السابقة، موقف الشيطان نحو أقسام قلوب بني الإنسان، فالشيطان لا يقترب من القلب الحي الطيب وليس له عليه سبيل ولا يقترب أيضاً من صاحب القلب الميت السقيم للإلا يضيع وقته فيه، فحال صاحب ذلك القلب كما قلت كحال الشيطان الرجيم، إنما مجال الشيطان في القلب المريض الذي لم يفقد تمام الحياة ولم تكتمل فيه الحياة، فهو يكر على ذلك القلب عندما يغفل الإنسان عن الرد وهو يفر عندما يذكر الإنسان ربه.
إخوتي الكرام:
وحال الشيطان الجني مع هذه القلوب الثلاثة كحال اللص الإنسي مع البيوت الموجودة في الأرض تماماً، فاللص من بني الإنسان تنقسم أمامه بيوت بني الناس إلى ثلاثة أقسام:
? بيت لا يستطيع أن يقربه مع أن له فيه مطمع والنفس تتطلع ما فيه من زينة الدنيا لكن إذا اقترب منه صرع وقتل وهذا هو بيت الأمراء فيه خيرات الدنيا شيء كثير لكن تلك البيوت قد حرست بالحرس فلا يستطيع اللص أن يقترب منها لما فيها من أهبة واستعداد، وهكذا العدو الجني الشيطان الرجيم لا يقترب من قلوب النبيين والصدقين.
? وهناك بيوت ثانية لا يقترب منها اللص الإنسي، لا لأنها فيها أهبة واستعداد وفيها مطمع، لكن لا يستطيع أن يصل إليه، لا ثم لا، ليس فيها أهبة واستعداد وهي مخلات لكل داخلٍ وخارجٍ لكم ليس فيها ما تتطلع إليه النفس في هذه الحياة وهي الخروب والبيوت المتهدمة الساقطة على عروشها التي تحولت إلى خرب ويقضي الناس فيها حوائجهم فحتماً لا يذهب اللص إليها ولا يقترب منها، وماذا يفعل فيها ولم يبقى فيها شيء وهكذا قلوب عتاد الإنس لا يقربها الشيطان الرجيم لما فيها من دنسٍ وفسادٍ وخبثٍ كحال قلب الشيطان الرجيم.
стр. 3517
بقيت هناك بيوت ثالثة ليست بخرب وليست كبيوت الأمراء، وهي بيوت الرعية فيها شيء من الخيرات، لكن ليست فيها حرسٌ كما هو الحال نحو بيوت الأمراء فاللص الإنسي ينظر إلى هذه البيوت فإن رأى غفلة من أصحابها دخل وسرق منها وإذا أوصدت الأبواب أمام وجهه واحترس أهل البيت من قِبَلِ هذا اللص لا يستطيع أن يقترب منها، هذه البيوت في الأرض أحوالها كحال القلوب في الصدر تماما والعدو الجني حاله كحال العدو الإنسي، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا.
إخوتي الكرام..
هذه القلوب بأقسامها الثلاثة، القلب الحي السليم، والميت السقيم، والقلب الذي فقد تمام الحياة وكمالها ولم يصل إلى حد العطب والموت، هذه القلوب الثلاثة لا تفتر من حركة ولا تتوقف عن عمل ولابد من شيء تشغل به ولابد من خير أو شر، طاعة أو معصية من نفع أو ضر، ولذلك كان نبينا ﷺ يلجأ إلى ربه في أن يثبت قلبه على الإيمان على الدوام وفي ذلك تعليم لنا.
إخوتي في الإسلام..
أن نلجأ إلى ربنا بأن يثبت الإيمان في قلوبنا على الدوام، ثبت في مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي بإسناد حسن عن شهب بن حوشب وهو من ءأمة التابعين أنه سأل أمنا أم سلمة ﵂ فقال ما كان أكثر دعاء النبي ﷺ إذا كان عندك في بيتك (إذا جاء ليلتك فما أكثر دعاء يدعوا به نبينا ﵊ فقالت أمنا أم سلمة ﵂ [كان دعاء النبي ﷺ [اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك] إي والله إن القلب ما سمي قلباً إلا أنه يتقلب ولا يفتر من حركة وهو دءوب العمل في الخير أو الشر.
стр. 3518
ثبت في الكتابين المتقدمين في المسند، وسنن الترمذي بسند صحيح عن ﵁ قال كان يكثر النبي صلى ﷺ من هذا الدعاء [اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك] فقلنا يا رسول ﷺ ، قد آمنا بك وصدقناك فهل تخاف علينا فقال عليه صلوات الله وسلامه وفدائه آباءنا وأمهاتنا [إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء] ، وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عن عبد الله عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال [إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال النبي ﷺ [اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك] .
إخوتي الكرام..
هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لابد لها من حركة وعمل، إما أن تجول في الشر، وإما أن ترتع في الخير، ولذلك أخبرنا نبينا ﷺ أن أصدق اسم ينطبق على حقيقة الإنسان ويوافق مسماه على التمام، حارس وهمام، حارس مكتسب فاعل، فالفارق بين الحي والميت هو الفعل، وهمام، وهو الهم، لا يخلو واحداً منا من هم وخطرة وإرادة، ولا يخلو واحداً منا من كسب وسعي، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
ثبت في مسند الأمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي، وأصل الحديث في صحيح مسلم، ولفظ الحديث في الكتب الثلاثة في المسند وسنن أبي داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي وهو من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين أن النبي ﷺ قال: [تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارس وهمام] أحسن الأسماء وأحبها إلى رب الأرض والسماء ما حمل اسم نبي أو دل على عبودية الله جل وعلا.
اسمه محمد، أو أحمد أو يوسف أو يونس أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد الحليم أو عبد العظيم.
стр. 3519
وأقبح الأسماء ما دل على فتنة أو كرهٍ، حربٌ يدل على فتنة ومشاكل، ومرة، يدل على شيء تستكره النفوس وتتقذر منه وهي المرارة.
وأصدق الأسماء. الأصدق يدل على مسماه وينطبق على حقيقته، حارس، أي فاعل مكتسب، لابد من كسب في الخير أو الشر، لابد، والنفس كما تقدم معنا إن لم تشغل بحق شغلت بباطل ـ وهذه النفوس والقلوب كالرحى، كالطاحون التي تفتر فإن وضعت فيها براً طحنته وأخرجت منه الطحنى دقيقاً، وإن وضعت فيها حجراً طحنته وأخرجت ترباً، وإن وضعت فيها شوكاً طحنته وأخرجت أذى وغماً وهماً، هذه النفوس لابد لها من حركة. أصدق الأسماء حارس وهمام، ولذلك قال أئمتنا الكرام هذه القلوب جوالة، فإما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش.
إما أن تجول في الملأ الأعلى حول عرش الرحمن وتذكر ذا الجلال ولإكرام، وإما أن تطوف حول مزابل الإنسان ووساوس الشيطان.
إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش.
إخوتي الكرام..
وإذا كانت هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لا تفتر عن العمل وخترة وحديث وهم فينبغي على العاقل أن يقف عند قلبه وأن يتأمل ما يدور في نفسه وأن يبحث فيه هل هو له أو عليه
إخوتي الكرام..
وهذا ما سنتدارسه في هذه الموعظة بإذن ربنا الرحمن، لأن أخوتي الكرام من مراقبة ما يدور في القلب ويجري في النفس فالإنسان بعمله القلبي يرتفع إلى درجة الصديقين أو يهوى إلى دركة الشيطان الرجيم،
إما أن يكون في أعلى عليين أو في أسفل السافلين بعمله القلبي وأكثر. شهداء هذه الأمة أصحاب الفرش ورُبَّ قتيلٌ بين الصفين الله أعلم بنيته، هذا القلب لابد من مراقبة ما يقع فيه وهذه النفس لابد من مراقبة ما يجري فيها.
إخوتي الكرام..
стр. 3520
إنما يدور في قلوب بني الإنسان ويخطر في نفوسهم ينقسم إلى خمسة أقسام أولها المرحلة الأولى: مرحلة الهاجس، وهذا الهاجس عرفه أئمتنا الكرام بأنه الشعور بأمر من الأمور في جانب الخير أو الشرور من غير اختيار من الإنسان ثم زال هذا الشعور من غير اختيار منك، ويقال على هذا الذي يقع في قلبك ويدور في نفسك إذا خطر وزال كان خطراته على قلبك ووقوعه بغير اختيارك وزواله بغير اختيارك يقال له هاجس، هذا الهاجس تكرم الله علينا فلم يعاقبنا عليه إذا كان في جانب السيئات وأيضاً لا ثواب عليه إذا كان في جانب الحسنات.
ويليه أيضاً الخاطر:
وهو استمرار ذلك الشعور جانب الخير أو الشرور فترة أطول من الهاجس ثم زوال ذلك الخاطر أيضاً دون اختيار منك، فالهاجس والخاطر هجما عليك بغير اختيارك وزولهما عنك بغير اختارك إن كانا في الخير أو الشر لا تثاب عليهما ولا تعاقب عليهما والسبب في ذلك أنه ليس منك كسبٌ وسعيٌ نحوهما ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، بما أن هذا جرى منك من غير اختيارك وزال من غير اختيارك فلا تثاب عليه ولا تعاقب.
المرحلة الثالثة:
حديث النفس المحدث نفسه بذلك الخاطر الذي استمر في نفسه فترة أن يحدث نفسه بحسنة أو بقبحة بفعله أو بتركه دون أن يرجح فعلاً على تركٍ أو تركاً على فعلٍ، إنما حدث نفسه فيه، خطر بباله أن يبني مسجداً لله، حدث نفسه بحسن ذلك العمل ومنفعته دون أن يرحج البناء على الترك ومن باب أولى دون أن يعزم على البناء على الترك، إنما حدث نفسه ببناء المسجد وأن فيه أجراً عظيماً عند الله جل وعلا، لكن ما مال على فعله ولا عزم على فعله، هذا يقال حديث النفس أستمر ذلك الخاطر في نفسه وبذل نحوه سعياً اختيارياً فبدء يتحدث به في داخله ثم زال عنه ذلك الخاطر أيضاً لانشغاله بغيره، فهذا من كرم الله وفضله يكتب لك في الحسنات ولا يكتب عليك في السيئات.
ويلي حديث النفس الهم:
стр. 3521
وهو ترجيح الفعل على الترك ما حدث به نفسه وراء حسنة هم بفعله وكان نسبة الهم تزيد على النصف وهذا هو ترجيح الفعل على الترك، عزماً لم يصل إلى درجة التصميم، إنما إلى درجة ستين أو سبعين بالمائة ٦٠ أو ٧٠ % إنه سيبني ذلك المسجد فمن باب أولى يكتب له أجر الهم كما يكتب له أجر حديث النفس، وقد أشار نبينا ﷺ إلى كتابة أجر حديث النفس والهم في الحسنات وعدم كتابة حديث النفس في السيئات في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال [إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن عملها كتبها الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبها الله بمثلها] .
وفي بعض رواية الأمام مسلم يقول الله تعالى في الحديث القدسي [إذا حدث عبدي بحسنة فلم يعملها فكتبوها له حسنة] حدث، وهناك هم، فإذا حدثت نفسك بطاعة تكتب لك، هممت بخير يكتب لك، حدثت نفسك بمعصية أو هممت بها لا تكتب عليك في جانب حديث النفس والهم، كرماً من الله وفضلا.
إخوتي الكرام..
وفي بعض رواية الحديث في الصحيحين [إذا حدث نفسه وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة] ولا تعارض بين الروايتين لان من يحدث نفسه بسيئة ومن يهم بسيئة ينقسم حاله بعد ذلك في تركها إلى حالتين، إما أن يتركها غفلة عنها واشتغالاً بغيرها فلا تكتب عليه سيئة، وليس له في ذلك أجر، وإما أن يتركها خشية من الله واستحضاراً لعظمته وطرد ذلك الحديث والهم عنه بعد ذلك، بعد أن حدث نفسه بمعصية وهم بها استحضر عظمة الله وخشي الله وجاهد نفسه في ذات الله وأزال ذلك عنه الخاطر الرديء فيكتب له على همه بالسيئة حسنة عندما تركها خشية من ربه جل وعلا.
стр. 3522
وأما المرتبة الخامسة التي تدور في القلوب وتجول في النفوس فهي مرحلة العزم: وهو التصميم الأكيد على فعل الشيء بحيث لو تمكن منه لفعله، بحيث لو لم يمنعه مانع خارجي عن نفسه لأوجد ما عزم عليه، ففي هذه الحالة يكتب على الإنسان ما عزم عليه في جانب الخير وفي جانب الشر مع أنه لم يباشره بجوارحه، فالنطفطن لما يقع في قلوبنا ما نعزم عليه من عزم على خير وجزم به كتب له، وإذا كان حديث النفس والهم يكتبان له فمن باب أولى أن يكتب العزم، وإذا عزم على شر كتب عليه كما لو فعله، لأنه لو لم يفعله، المانع عنه مانع خارجي، وقد دلت آيات القرآن وتواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ على أن العزم يؤاخذ عليه الإنسان ويكتب عليه، يكتب له في جانب الخير بلا خلاف، وهكذا يكتب عليه في الشر كما دلت على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ .
стр. 3523
فأما الآيات فسأقتصر على آية واحدة يقرر الله فيها الأمر في سورة النور فيقول العزيز الغفور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) إن الذين يحبون، والمحبة عمل قلبي، أحب في قلبه ومال قلبه إلى هتك ستر المسلمين وطار فرحاً عندما يهتك ستر مسلم، لم يتكلم بشفتيه ولا سعى بجوارحه، لكن إذا تُكلم على مسلم في حضرته فرح، هذا الفرح عمل قلبي ما حرك جوارحه، هذا العمل القلبي له هذه العقوبة عند الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ، هذا حال من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، نعم يجب عليك أن تستر عباد الله وأن تحب سترهم في هذه الحياة فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة وثبت عن نبينا الصلاة والسلام في معجم الطبراني والأوسط من رواية جابر عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال [من ستر على مؤمن فكأنما أحيا موؤدة] وفي رواية [من ستر عورة فكأنما استحي موؤدة] من ستر عورة من عورات المؤمنين فكأنما استحي موؤدة، أراد بوالدها أن يقتلها فأخذها حية ورباها فله أجر عظيم عند الله وهكذا حال من يستر عباد الله، فإذا أحب الإنسان هتك الستر عن المسلمين له هذه العقوبة، أما إذا سعى بجوارحه في هتك أستارهم فله من العقوبة ما يخطر ببال كثير من الناس.
стр. 3524
ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير وستدرك الحاكم بإسناد لا بأس به عن حذيفة بن اليماني ﵁ أن النبي ﷺ قال [إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة] إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، تكلم في عرض مؤمن أو مؤمنة حبط عمله مائة سنة بطاعات وعبادات.
إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة بن اليماني أيضاً رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال [لا يدخل الجنة نمام ينقل الكلام بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء لا يدخل الجنة] هو إذا أحب في قلبه هتك ستر المسلمين له عذاب أليم في الدنيا والآخرة فكيف إذا سعى بلسانه، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال
[والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن: قالوا من يا رسول الله: قال الذي لا يؤمن جاره بوائقه] لا يأمنون شروره وبوائله وفتنه وضره فليس عند الله من عتاد المؤمنين.
стр. 3525
إذا عزم، إذا وصل في القلب وجل به يكتب للإنسان وعليه في جانب الخير أو الشر، وقد دلت على ذلك أحاديث النبي ﷺ سأقتصر على حديثين من أحاديثه الكثيرة التي تقرر هذا الأمر، الحديث الأول في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار: قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول] أي دخل القاتل النار، هذا أمره معلوم لأنه قتل مؤمناً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ﵊، فما بال المقتول؟ فقال ﵊ [إنه كان حريصاً على قتل صاحبه] أي عزم على ذلك في قلبه لكن لم يتمكن بجوارحه، منعه مانع خارجي، إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، وثبت في مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح من رواية الصحابي أبي كبشة الأنماري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [ثلاثةٌ أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فحفظوه] أما الثلاثة التي أقسم نبينا ﷺ على صحتها ووقوعها ولابد [ما نقص مال من صدقة] فمن تصدق لا ينقص ماله بل يزيده الله أضعافاً مضاعفة، ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١) [ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا] ظُلم عبد في هذه الحياة فعفى يزيده الله عزاً ورفعة [ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر] إذا تعرض لسؤال الناس من غير حاجة يجعل الله فقره في قلبه ولا يأتيه إلا ما قدر له، هذه أقسم عليها النبي ﷺ ، وأما الحديث الذي ينبغي أن نعيه ويتعلق بأمرنا وهو أن من عزم على الخير كتب له كأنما فعله، ومن عزم على شر كتب عليه كأنما فعله، يقول نبينا ﷺ [وأحدثكم حديثاً فحفظوه هذه الدنيا لأربعة
стр. 3526
نفر] أي حال هذه الدنيا مع الناس إلى أربعة أقسام والناس ينقسمون فيها إلى أربعة أقسام لا خامس لهم [رجل أتاه الله مالاً وعماً فهو يعمل في ماله بعلمه فيتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم أن لله فيه حقاً فهو في أعلى المنازل، ورجل أتاه الله علماً ولم يؤتيه مالاً فقال يا ليتني مثل فلاناً حتى أعمل بمثل عمله] قال نبينا ﷺ [فهم في الأجر سواء،] ذاك بعمله، وهذا بنيته [ورجل أتاه اله مالاً ولم يؤتيه علماً فهو يخبط في ماله فلا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم أن لله فيه حقاً فهو في أخبث المنازل، ورجل لم يؤتيه الله علماً ولا مالاً فقال يا ليتني مثل فلان الذي] الذي نفق ماله على المسكرات والمخدرات والاعتداء على الأعراض [يا ليتني مثل فلان أعمل بمثل عمله] قال نبينا ﷺ [فهما في الوزر سواء] لم يعمل شيئاً من المنكرات لكنه عزم عليها ولو تمكن منها لفعلها، هناك فهما في الأجر سواء، وهنا فهما في الوزر سواء.
إخوتي الكرام..
لابد من مراقبة ما يدور في هذا القلب فالإنسان بإمكانه أن ينوي الخيرات وأن يحصل بذلك أعظم الدرجات عند رب الأرض والسماوات.
أسال الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله خير الخلق أجمعين، اللهم صلى علي محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله:
стр. 3527
إذا كان حال القلوب كما تقدم وما يدور فيها. حاله كما فصلت وذكرت فينبغي أن نعلم أن القلوب هي أصل الأعمال، والأعمال الظاهرة مرتبطة بما يقع في القلب، فاعمل الظاهري الذي يقع منك صحته وفساده، قبوله ورده، حصول الثواب أو العقاب عليه متوقف على ما يقع في القلب من عزم ونية، فقد قرر هذا نبينا ﷺ ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [إنما الأعمال بالنيات] صحة وفساداً، قبولاً ورداً، ثواباً وعقاباً، [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه] هو في الصورة مهاجر لكنه عند الله خاطبٌ أو تاجرٌ [فهجرته إلى ما هاجر إليه] .
إخوتي الكرام:
وإذا كان الإنسان إذا حدث نفسه بطاعة أو هم بها أو عزم عليها يكتب له أجرها فينبغي على الكيس في هذه الحياة أن يفعل بجوارحه ما استطاع من الحسنات وما يعجز عنه ينبغي أن ينويه وأن يهم به وأن يحدث نفسه به وأن يعزم عليه، فإذا عزم عليه وأتى بما في وسعه مما تتمكن منه جوارحه يكتب له أجر ما عزم عليه، فالعازم على الطاعة إذا لم يتمكن منها يكتب له أجر العامل الكامل ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ (١) .
إخوتي الكرام:
стр. 3528
إن الحديث بالحسنات والهم بها والعزم عليها يسيرٌ يسير وفعلها ليس بالعسير، وإن الحديث بالسيئات ثقيل وخيم وبيل وفعلها أشنع منها وقد أشار ربنا جل وعلا إلى هذا في آخر سورة البقرة فقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١) أنظر لدلالة الآية الكريمة على سهوله الحسنة وانتفاع العبد بها، وعلى ثقل السيئة وتضرر العبد بها، من وجهين أشار إليها ربنا جل وعلا بهذه الآية فقال ﴿لها﴾ تعجيلاً بالمسرة فهذا ﴿لها﴾ تنتفع به وتحوذه وتملكه، ثم في جانب الفعل ما كسبت ليس لها تكلف ولا ثقل ولما أتى للسيئات ﴿عليها﴾ تعجيلاً بالمضرة، فكأنها تحمل شيئاً يثقلها ويتعبها ويؤذيها وتتضرر به ولما أتى لجانب الفعل أتى بصيغة الافتعال ﴿ما اكتسبت﴾ وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، نعم إن الهم بالسيئة ثقيل، وهو خلاف الفطرة التي فطر الله عليها
عباده، وفعل السيئة أثقل منها، ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ .
أسأل الله جل وعلا أن يشرح صدورنا لطاعته ومحبته في جميع أحوالنا وأوقاتنا، إنه على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وإذا أردت فتنة بعبادك فقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك ومن المقربين لديك، الله اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وأصلح ذات بينهم ونصرهم على عدوك وعدوهم إنك على كل شيء قدير.
عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة الإيمان
(الموعظة الثالثة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الموعظة الثالثة
حقيقة الإيمان
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما وهدنا صراطاً مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة هو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله وبيدك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، اللهم صلي على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد إخوتي الكرام..
تدارسنا في الموعظة السابقة شروط قبول العمل عند ربنا الرحمن، وقلت أن العمل لا يقبل ولا يثاب عليه إنسان إلا إذا وجد فيه ثلاثة شروط، إيمان من فاعله بربه جل وعلا، إيمان بالله جل وعلا وإخلاص لله جل وعلا، واتباع للنبي ﵊، إيمان وإخلاص ومتابعة، إذا وجدت هذه الشروط الثلاثة في العمل فهو مقبول عند الله جل وعلا، وفي هذه الليلة المباركة سنتدارس أمراً يتعلق فيما مضى ويرتبط به ارتباطاً وثيقاً ألا وهو؟ ما هي الثمرة التي يجنيها الإنسان إذا حقق تلك الشروط في عمله في هذه الحياة؟ آمن بالله وأخلص له واتبع النبي ﵊، ما هي الثمرة التي يحصلها من ذلك؟ وماذا يستفيد من هذا؟ وسنتدارس بعد هذا أمراً يرتبط أيضاً بها بين الأمرين ألا هو ما هي علامة حصول تلك الثمرة في الإنسان؟
إخوتي الكرام..
стр. 3531
إن الإنسان إذا آمن بالله في هذه الحياة وأخلص لله واتبع رسول الله ﷺ سينال في هذه الحياة راحة وهداية وسينال بعد موته فوزاً وسعادة، أما في هذه الحياة فهو على نور من ربه ويكون في قلبه طمأنينة وفي نفسه بهجة، وفي صدره انشراح ويحصل قرة العين في هذه الحياة، ولذة لا يعدلها لذة، وسيسعد بعد ذلك بنعيم الجنات ورضوان رب الأرض والسماوات بعد الممات، وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذه الثمرة التي يحصلها من آمن بالله وأخلص له واتبع النبي ﵊، ففي مسند الأمام أحمد وصحيح مسلم من حديث العباس أن نبينا ﵊ ورضى الله عن العباس وعن سائر الصحابة الكرام، قال سمعت النبي ﷺ يقول [ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالسلام ديناً وبحمد ﷺ نبيا] ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا.
إخوتي الكرام:
стр. 3532
رضي بالشيء إذا قنع به ولم يطلب سواه، وعليه من قنع بأن معبوده هو الله فلم يعبد غيراً معه، وقنع ورضي أن يكون محمد ﷺ إماماً له في هذه الحياة فلم يتبع غيره، وقنع ورضي بأن يكون الإسلام شريعة له في هذه الحياة، فلا يحكم شريعة ولا نظاماً في حياته غير نظام الإسلام، حقيقة إذا وجدت هذه الأمور الثلاثة في الإنسان، عبد الله وحده لا شريك له فلم يعبد غيره، واتبع النبي ﷺ ، ولم يجعل له إماماً غيره في هذه الحياة، واحتكم إلى شريعة الإسلام في جميع شئونه في حركاته وسكناته، سيترتب على هذا ثمرة ولابد ألا وهي، أن يذوق طعم الإيمان، ذاق طعم الإيمان، وهذا الطعم هي الحلاوة التي تخالط قلب الإنسان، والشاشة التي تباشر نفسه، بحيث إذا وجدة تلك البشاشة والحلاوة في قلب الإنسان وفي نفسه ينقاد بعد ذلك طواعية لربه ولا يمكن في أن يرجع عن نور الله وعن هداه، وإنما رجع من رجع وارتد من ارتد، من ارتد، لأنه لم يصل، ولو وصل إلى هذه الحلاوة لما رجع، [ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيا] سيذوق للإيمان طعماً حلاوة تتضائل بجانبها جميع الحلوات الحسية التي يلتذ بها بنو آدم.
إخوتي الكرام:
لكن هذا الطعم للإيمان لا يذوقه إلا من وجدت فيه هذه الأمور، معبوده ربه هو الله وحده لا شريك له، وأما إذا عبد مع الله إلهاً آخر من درهم، فتعس عبد الدرهم، وهو في شقاء ونكد وبلاء، من زوجة، تعس عبد الزوجة، من ثوب وخميصة، تعس عبد الخميصة.
إذاً لابد أن يفرد الله في العبادة، ثم يفرد النبي ﷺ بالمتابعة، ويحتكم إلى الشريعة التي أنزلها الله على نبيه ﵊، فأفرد الله بالعبادة، وأفرد النبي ﵊ بالمتابعة، وعبد الله حسب ما يحب مريداً بذلك وجه.
стр. 3533
سيذوق، سيذوق للإيمان حلاوة ولابد، هذه الثمرة سيحصلها الإنسان عندما يلتزم في عمله بتلك الشروط الحسان الثلاثة. إيمان بالله وإخلاص له واتباع لنبيه ﵊.
إخوتي الكرام:
وهذه الأمور الثلاثة التي إذا حققها الإنسان يذوق بها طعم الإيمان، إذا رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا.
هذه الأمور الثلاثة بهذه الجمل الثلاثة أمرنا نبينا ﷺ أن نقولها في الصباح وفي المساء، بل أمرنا أن قولها في جميع أوقاتنا عند سماع الأذان في اليوم خمس مرات ورتب نبينا ﷺ على ذلك أجراً كثيرا ما ينبغي أن نغفل عنه ولا نضيعها.
стр. 3534
ثبت في مسند الأمام أحمد والسنن، وهو في سنن الترمذي من رواية ثوبان مولى نبينا ﵊ وفي السنن الأخرى سمي الصحابي لرجل خدم النبي ﷺ ولم يذكر اسمه في المسند والسنن عن ثوبان وغيره من أصحاب نبينا ﵊ والحديث أيضاً في صحيح ابن حبان، أن النبي ﷺ قال [من قال حين يصبح وحين يمسي] من قال حين يصبح وحين يمسي [رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا، كان حقاً على الله أن يرضيه] كان حقاً على الله أن يرضيه، وينال جائزة أكرم الله بها نبيه ﵊ وصديق هذه الأمة أبا بكر رضى الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام. أما نبينا ﵊ فالله يقول له: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ، أما أبو بكر ﵁ فيقول الله جل وعلا في سورة الليل في آخرها: ﴿ما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾ ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولسوف يرضى، وأنت إذا قلت هذا الدعاء في الصباح وفي المساء يرضيك الله جل وعلا في هذه الحياة وبعد الممات وتنال هذه الصفة والحديث كما قلت ثابت بإسناد صحيح [من قال حين يمسي وحين يصبح رضيت بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيا، كان حقاً على الله أن يرضيه] ولفظ الحديث في سنن الترمذي كما ذكرت، في كتب أخرى بمحمد ﷺ رسولا [من قال حين يصبح وحين يمسي رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد ﷺ رسولا، كان حقاً على الله أن يرضيه] في الرواية الأولى نعت بصف النبوة وفي الرواية الثانية نعت بصف الرسالة.
стр. 3535
وقد ذهب شيخ الإسلام الأمام النووي عليه رحمة الله في كتابه الأذكار إلى الجمع بين النعتين والوصفين فيقول القائل [رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد ﷺ نبياً ورسولا] في الصباح وفي المساء كان حقاً على الله أن يرضيه، قال شيخ الإسلام الأمام النووي (وإذا قال إحدى الصيغتين أجزئه فقد أتى بأصل الحديث) أي هذا وارد وهذا وارد، فلو قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد ﷺ نبيا نال تلك الفضيلة، ولو قال رضت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد ﷺ رسولا نال تلك الفضيلة، ولو جمع بينهما لكان أحسن، فهو النبي الذي أرسله الله إلى جميع العالمين عليه صلوات الله وسلامه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين.
إخوتي الكرام:
стр. 3536
وأمرنا نبينا ﷺ أن نقول هذه الجملة المباركة المؤلفة من هذه الجمل الثلاث عند سماع الأذان وأخبرنا أن من قالها عند سماع الأذان يغفر الله له ذنبه. ثبت في مسند الأمام أحمد وصحيح ومسلم والحديث في السنن أيضاً من رواية سعد ابن أبي وقاص ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول [من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد رسول الله عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه] هنا نعت النبي ﷺ بوصف الرسالة ولم يرد نعته في هذا الرواية بوصف النبوة، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه، وهذه الجملة تقال عندما ينطق المؤذن بالشهادتين فإذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وأتبعها بقوله أشهد أن محمد رسول الله ﵊ فقل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا يغفر لك ذنبك، والحديث كما قلت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وغير ذلك، إذاً إخوتي الكرام من حقق هذا المعنى فيه ذاق للإيمان وحلاوة وهذه هي الثمرة التي يحصلها الإنسان عندما يؤمن بالله ويخلص له في هذه الحياة ويتبع نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، ذاق طعم الإيمان من رضيا بالله ربا وبالإسلام دينا بالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وهذا الطعم طعم طيب حلو، طعم تتعلق به القلوب ولا تسخطه بعد ذلك في حالة من الأحوال.
стр. 3537
وقد ثبت وفي مسند الأمام أحمد والصحيحين من حديث أنس ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار] هذه الأمور الثلاثة تحقيق لتلك الأمور التي تقدمت معنا وينبغي أن توجد في العمل ليقبل عند الله ، أنت لا تذوق لا حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله ﵊ أحب إليك مما سواهما، فالله هو المعبود بالحق ولا معبود بالحق في الوجود سواه، ونبينا ﵊ هو الأمام وآخر الأنبياء والمرسلين ولا إمام للبشرية سواه، ينبغي أن توحد الله بالعبادة وأن توحد النبي ﷺ بالمتابعة، ينبغي أن تهاجر إلى الله جل وعلا عن طريق خلع ما يعبد من دونه، وأن تهاجر إلى رسوله الله ﷺ عن طريق نبذ ما يطاع من دونه، فلا معبود إلا الله ولا مطاع إلا المصطفى رسول الله ﷺ ، فإذا حققت هذا في نفسك تذوق حلاوة الإيمان [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما] وإذا كان الله معبودك والنبي متبوعك فينبغي أن تخلص لربك، [وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله] ليس بيننا بين أحد صلة إلا على حسب شرع الله نريد بذلك وجه الله وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وإذا تحقق هذا فيه فسيكره ما يسخط الله وسيبتعد عما يغضب الله وبالتالي يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما أن النفس البشرية تكره أن تقذف في النار، إذا وجدت هذه المعاني في نفس الإنسان سيذوق حلاوة الإيمان ولا شك.
إخوتي الكرام:
стр. 3538
من حقق تلك الأمور كما قلت حصل هداية وراحة في هذه الحياة وحصل فوزاً وسعادة بعد الممات وقد قرر ربنا هذا المعنى في كثير من الآيات فقال جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن هم مهتدون﴾ الذين آمنوا بالله وأتبعوا رسول الله ﷺ وما خلطوا إيمانهم بظلم، والمراد من الظلم هنا (الشرك) ، جحود الخالق أو الإشراك به، آمنوا وما خالطوا إيمانهم بشرك هؤلاء لهم جائزتان ﴿أولئك لهم الأمن﴾ في الحياة الآخرة عند الفزع الأكبر ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ ، ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا﴾ مما يستقبلكم، فلكم الأمن عند ربكم.
﴿ولا تحزنوا﴾ على ما خلفتم ورائكم فالله وليكم على من تتركونه ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ .
стр. 3539
﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ في الآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ في هذه الحياة الدنيا، فحصلوا في هذه الحياة راحة وهداية وحصلوا بعد الممات فوزاً وسعادة، ثبت في مسند الأمام أحمد والصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال لما نزلت هذه الآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، فأتوا إلى النبي ﵊ وجثوا على الركب وقالوا يا رسول الله ﷺ أينا لا يظلم نفسه وفهموا ﵃ من الظلم مطلق المعاصي، فكل إنسان يقع في شيء من الهفوات والزلات، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، قالوا أينا لا يظلم نفسه، أي أينا لا يقع في شيء من الخطأ والتقصير، فقال النبي ﵊ ليس الذي تعنون أي ليس المراد من الظلم ما تفهمون مطلق المعصية والمخالفة، لا، إنما الظلم الشرك نعم هو أشنع أنوع الظلم ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ ثم قال النبي ﵊ للصحابة ألم تسمعوا لقول العبد الصالح لقمان لابنه ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ فإذا حقق الإنسان ذلك المعنى في حياته، إيمان بالله وإخلاص له واتباع لرسوله ﷺ له الأمن في الآخرة وله الاهتداء في الحياة الدنيا ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك له الأمن﴾ في الحياة الآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ في الحياة الدنيا، فهم في هذه الحياة في على هداية تامة، وهم بعد الممات في أمنٍ سعادة، وهذا كما قال ربنا جل وعلا في سورة طه ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل﴾ في الدنيا ﴿ولا يشقى﴾ في الآخرة ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ .
стр. 3540
ثبت في مستدرك الحاكم وتفسير ابن أبي حاتم والأثر رواه الأمام البيهقي في شعب الإيمان وإسناده صحيح كالشمس عن حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس ﵄ قال تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وكيف يضل من كان على هدى ﴿فمن اتبع هداي﴾ كيف يضل من كان على هداية تامة، كيف يضل من هداه الله إلى أقوم الأمور، وأرشده إلى أحسن السبل، ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ .
إخوتي الكرام:
إن المؤمن إذا حقق تلك الأمور سيذوق للإيمان طعماً طيبا، سيذوق له حلاوة حلوة، وهذه الحلاوة هي حلاوة معنوية تدركه القلوب كما أن ألسنتنا تدرك الحلاوة الحسية، وشتان شتان ما بين الحلاوتين، شتان، الحلاوة المعنوية عندنا تقدم على الحلاوة الحسية، فإذا علمت أن حبيبك، أن والدك، أن ولدك سيقدم في ساعة كذا ودعيت إلى أطيب الأطعمة تترك ذلك الطعام من أجل لقاء ذلك الحبيب، لأنه لو اشتغلت بذلك الطعام سيفوتك لقاء حبيبك، لقاء الحبيب لذة معنوية تحصلها بهجة قلب، سرور نفس، قرة عين، انشراح صدر، أما الطعام لذة حسية، نحن نقدم في هذه الحياة اللذة المعنوية عند لقاء حبيب على اللذة الحسية، فكيف بحلاوة الإيمان ورضوان الرحمن التي تؤدي بنا إلى مصاحبة نبينا ﵊ في غرف الجنان، والتمتع بالنظر إلى ربنا لرحمن، كيف هذا.