Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
وأمرنا نبينا ﷺ أن نقول هذه الجملة المباركة المؤلفة من هذه الجمل الثلاث عند سماع الأذان وأخبرنا أن من قالها عند سماع الأذان يغفر الله له ذنبه. ثبت في مسند الأمام أحمد وصحيح ومسلم والحديث في السنن أيضاً من رواية سعد ابن أبي وقاص ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول [من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد رسول الله عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه] هنا نعت النبي ﷺ بوصف الرسالة ولم يرد نعته في هذا الرواية بوصف النبوة، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه، وهذه الجملة تقال عندما ينطق المؤذن بالشهادتين فإذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وأتبعها بقوله أشهد أن محمد رسول الله ﵊ فقل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا يغفر لك ذنبك، والحديث كما قلت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وغير ذلك، إذاً إخوتي الكرام من حقق هذا المعنى فيه ذاق للإيمان وحلاوة وهذه هي الثمرة التي يحصلها الإنسان عندما يؤمن بالله ويخلص له في هذه الحياة ويتبع نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، ذاق طعم الإيمان من رضيا بالله ربا وبالإسلام دينا بالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وهذا الطعم طعم طيب حلو، طعم تتعلق به القلوب ولا تسخطه بعد ذلك في حالة من الأحوال.
стр. 3537
وقد ثبت وفي مسند الأمام أحمد والصحيحين من حديث أنس ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار] هذه الأمور الثلاثة تحقيق لتلك الأمور التي تقدمت معنا وينبغي أن توجد في العمل ليقبل عند الله ، أنت لا تذوق لا حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله ﵊ أحب إليك مما سواهما، فالله هو المعبود بالحق ولا معبود بالحق في الوجود سواه، ونبينا ﵊ هو الأمام وآخر الأنبياء والمرسلين ولا إمام للبشرية سواه، ينبغي أن توحد الله بالعبادة وأن توحد النبي ﷺ بالمتابعة، ينبغي أن تهاجر إلى الله جل وعلا عن طريق خلع ما يعبد من دونه، وأن تهاجر إلى رسوله الله ﷺ عن طريق نبذ ما يطاع من دونه، فلا معبود إلا الله ولا مطاع إلا المصطفى رسول الله ﷺ ، فإذا حققت هذا في نفسك تذوق حلاوة الإيمان [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما] وإذا كان الله معبودك والنبي متبوعك فينبغي أن تخلص لربك، [وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله] ليس بيننا بين أحد صلة إلا على حسب شرع الله نريد بذلك وجه الله وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وإذا تحقق هذا فيه فسيكره ما يسخط الله وسيبتعد عما يغضب الله وبالتالي يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما أن النفس البشرية تكره أن تقذف في النار، إذا وجدت هذه المعاني في نفس الإنسان سيذوق حلاوة الإيمان ولا شك.
إخوتي الكرام:
стр. 3538
من حقق تلك الأمور كما قلت حصل هداية وراحة في هذه الحياة وحصل فوزاً وسعادة بعد الممات وقد قرر ربنا هذا المعنى في كثير من الآيات فقال جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن هم مهتدون﴾ الذين آمنوا بالله وأتبعوا رسول الله ﷺ وما خلطوا إيمانهم بظلم، والمراد من الظلم هنا (الشرك) ، جحود الخالق أو الإشراك به، آمنوا وما خالطوا إيمانهم بشرك هؤلاء لهم جائزتان ﴿أولئك لهم الأمن﴾ في الحياة الآخرة عند الفزع الأكبر ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ ، ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا﴾ مما يستقبلكم، فلكم الأمن عند ربكم.
﴿ولا تحزنوا﴾ على ما خلفتم ورائكم فالله وليكم على من تتركونه ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ .
стр. 3539
﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ في الآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ في هذه الحياة الدنيا، فحصلوا في هذه الحياة راحة وهداية وحصلوا بعد الممات فوزاً وسعادة، ثبت في مسند الأمام أحمد والصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال لما نزلت هذه الآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، فأتوا إلى النبي ﵊ وجثوا على الركب وقالوا يا رسول الله ﷺ أينا لا يظلم نفسه وفهموا ﵃ من الظلم مطلق المعاصي، فكل إنسان يقع في شيء من الهفوات والزلات، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، قالوا أينا لا يظلم نفسه، أي أينا لا يقع في شيء من الخطأ والتقصير، فقال النبي ﵊ ليس الذي تعنون أي ليس المراد من الظلم ما تفهمون مطلق المعصية والمخالفة، لا، إنما الظلم الشرك نعم هو أشنع أنوع الظلم ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ ثم قال النبي ﵊ للصحابة ألم تسمعوا لقول العبد الصالح لقمان لابنه ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ فإذا حقق الإنسان ذلك المعنى في حياته، إيمان بالله وإخلاص له واتباع لرسوله ﷺ له الأمن في الآخرة وله الاهتداء في الحياة الدنيا ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك له الأمن﴾ في الحياة الآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ في الحياة الدنيا، فهم في هذه الحياة في على هداية تامة، وهم بعد الممات في أمنٍ سعادة، وهذا كما قال ربنا جل وعلا في سورة طه ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل﴾ في الدنيا ﴿ولا يشقى﴾ في الآخرة ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ .
стр. 3540
ثبت في مستدرك الحاكم وتفسير ابن أبي حاتم والأثر رواه الأمام البيهقي في شعب الإيمان وإسناده صحيح كالشمس عن حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس ﵄ قال تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وكيف يضل من كان على هدى ﴿فمن اتبع هداي﴾ كيف يضل من كان على هداية تامة، كيف يضل من هداه الله إلى أقوم الأمور، وأرشده إلى أحسن السبل، ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ .
إخوتي الكرام:
إن المؤمن إذا حقق تلك الأمور سيذوق للإيمان طعماً طيبا، سيذوق له حلاوة حلوة، وهذه الحلاوة هي حلاوة معنوية تدركه القلوب كما أن ألسنتنا تدرك الحلاوة الحسية، وشتان شتان ما بين الحلاوتين، شتان، الحلاوة المعنوية عندنا تقدم على الحلاوة الحسية، فإذا علمت أن حبيبك، أن والدك، أن ولدك سيقدم في ساعة كذا ودعيت إلى أطيب الأطعمة تترك ذلك الطعام من أجل لقاء ذلك الحبيب، لأنه لو اشتغلت بذلك الطعام سيفوتك لقاء حبيبك، لقاء الحبيب لذة معنوية تحصلها بهجة قلب، سرور نفس، قرة عين، انشراح صدر، أما الطعام لذة حسية، نحن نقدم في هذه الحياة اللذة المعنوية عند لقاء حبيب على اللذة الحسية، فكيف بحلاوة الإيمان ورضوان الرحمن التي تؤدي بنا إلى مصاحبة نبينا ﵊ في غرف الجنان، والتمتع بالنظر إلى ربنا لرحمن، كيف هذا.
стр. 3541
والله إن ذلك يتضاءل بجانبه كل لذة وكل حلاوة حسية، وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا المعنى فقال في سورة التوبة: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ وعدهم جنات وفيها ما تشتهه الأنفس وتلذ الأعين، لكن أكبر من ذلك النعيم الحسي واللذة محسوسة ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ ولذلك عندما يكشف الله الحجاب بينه وبين أهل الجنة ويروا نور وجه الكريم لم يعطوا شيء من النعيم ألذ عندهم من النظر إلى وجه ربنا العظيم ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ والحسنى: هي الجنة، وزيادة عليها النظر إلى نور وجه ربنا جل وعلا، والله إن هذه الحياة ما طابت إلا بمعرفة الله ومحبته، وإن الجنة ما طابت إلا بالنظر نور وجه ربنا جل وعلا ومشاهدة، إذاً إخوتي الكرام من حقق هذا المعنى لا يضل في هذه الحياة ولا يشقى بعد الممات.
إخوتي الكرام:
стр. 3542
إن المؤمن في سعادة عظيمة في هذه الحياة فأمره لا يخرج عن واحد من أمور ثلاثة: إما أن يكون في حالة يأمر فيها فيطيع أوامر سيده أوامر ربه جل وعلا، وإما في حالة ينهاه الله عنها فينتهي عما نهاه الله عنه، وإما في حالة قدره الله عليه وأمره أن يصبر عليها وأن يرضى بها فهو راض صابر. نفذ المأمور ويترك المحظور ويصبر ويرضى بالمقدور، ليس بعد هذه السعادة سعادة، وأحوال المؤمن لا تخرج عن هذه الأمور الثلاثة، وإذا حقق هذا فو الله إنه يذوق طعم الإيمان وحلاوته ويكون قرير العين مبتهج النفس مطمئن القلب، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية صهيب ﵁ والحديث رواه أحمد عن سعد ابن أبي وقاص وأبو يعلى عن أنس ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال [عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له] فعل المأمور، ترك المحظور، ثم هو بعد ذلك نحو المقدور إن جاءه ما يسره شكر الله، إن جاءه ما يسوئه ويضره صبر وحمد الله، أي سعادة بعد هذه السعادة، يختلف هذا عن حال الجزوع المنوع، ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين﴾ [عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له] .
إخوتي الكرام:
стр. 3543
إذا حقق الإنسان هذا المعنى ارتاح واهتدى في هذه الحياة وفاز وسعد بعد الممات، وقد كان نبينا ﷺ يوجه أنظار الأمة إلى هذا المعنى في كثير من الأحاديث وفي عدد من المناسبات، ثبت في سنن الترمذي وابن ماجة والحديث رواه الأمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وإسناد الحديث صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال [أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ قول الله ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتيه منها، وما له في الآخرة من نصيب﴾ ثم قال ﷺ قال الله تعالى يعني في الحديث القدسي ابن آدم تفرغ لعبادتي، إرضى بي ربا واتبع نبي ﵊ وأخلص بعملك وجهي ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غناً وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك،] أبن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غناً وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتيه منها، وما له في الآخرة من نصيب﴾ وتقدم معنا معنى العبادة إخوتي الكرام في الموعظة السابقة وقلت هي العمل الصالح، وهي باختصار كما قلت أن يكون عملك على حسب شرع ربك وتريد به وجه الله في جميع حركاتك وسكناتك وقلت حذاري حذاري أن تقصر العمل الصالح والعبادة على مفهوم العبادة بين الناس في هذه الأيام، لا، ينبغي أن تعتقد كما أمرك الله، وأن تعبده كما أمرك الله، وأن تتعامل كما أمرك الله، وأن تخالق الناس كما أمرك الله، وأن تعاقب وتأخذ على أيدي السفهاء كما أمرك الله، ودين الله يقوم على هذا وكل هذا عبادة، أي حكم شريعة الله في جميع في شؤون حياتك يملأ الله قلبك غناً ويسد وفقرك وإلا ستشقى في هذه الحياة وستهلك بعد الممات.
إخوتي الكرام:
стр. 3544
هذا المعنى أشار إليه ربنا أيضاً في كثير من آيات كتابه فقال جل وعلا في سورة النعم وهي التي تسمى بسورة النحل وذكر الله فيها أصول النعم ومتمماتها ذكر الله فيها نعمة الهداية والإرشاد ونعمة الخلق والإيجاب يقول في هذه السورة ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ من عمل صالحاً، وهو العمل المشروع الذي تتبع فيه نبيك ﵊، فإذا عملت عملاً على غير هديه فهو ردٌ عليك، ثم حققت الشرط الثاني، إيمان بالله وإخلاص له.
﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ وهذه الحياة الطيبة مصاحبك أخي المؤمن في دورك الثلاث التي تسكنها ولا تخرج عنها في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ .
стр. 3545
ثب هذا عن ابن عباس ﵄ قال حياة طيبة في هذه الحياة يطمئن قلبك بذكر الله وأمرك كله خير وتنشرح نفسك وتقر عينك، وتذوق طعم الإيمان، وتخالط حلاوة الإيمان وبشاشته قلبك، فأي إذاً حياةٌ أفضل من هذه الحياة، ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ نعم في هذه الحياة يحصل المؤمن حياة طيبة ولا يحصلها غير المؤمن كما قال نبينا ﷺ في الحديث المتقدم [إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن] ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ قال الأمام الرازي عليه رحمة الله (إن المؤمن في هذه الحياة يشعر بالسعادة واللذة ولا يحصل هذا سواه ثم قرر هذا بعدة أمور فقال أولاً: المؤمن يعلم رزقه بتقدير الله وتدبيره فلا يزيد ولا ينقص ويعلم أن الله محسن في ذلك التقدير وذلك التدبير، ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء، سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ وإذا علم الإنسان هذا يرضى عن الله ويرضى بما قسم له، الأمر الثاني: المؤمن في هذه الحياة يعلم طبيعة الدنيا وتقلباتها ونتنها ومرارتها فلا يجزع على يصيبه فيها، ولا هو كما قال أئمتنا:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذار والأكدار
ومكلفٌ الأيام ضد طباعها داعِ ... متطلب في الماء جذوة نار فيها
فإذا أصبت بضر، بأذى، بموت حبيب، لا يضر صدر، هذه طبيعة الدنيا، هذه طبيعة الدنيا، ولذلك يلهج المؤمن بالحمد لله وترى قلبه راضياً عن الله وهو مسروراً في جميع أحواله.
الأمر الثالث: يقول الإمام الرازي: غاية المؤمن في هذه الحياة، أن ينال رضوان رب الأرض والسماوات، ولذلك يكرر هذه المقولة المباركة [إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي] أصيب بضر، بنكبة، بأذى إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ويعذب ويقول أحدٌ أحد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
стр. 3546
الأمر الرابع: المؤمن يعلم أن لذات الدنيا أن هذه اللذات لذات خسيسة زائلة منقضية، الطعام الذي نأكله يقول أئمتنا ما جاوز اللسان فهو نتان. هذه اللذة التي نتلذذ بها ما دامت في الفم تمضغ إذا ذهبت بعد اللسان إلى المعدة تتحول إلى شيء كريهٍ المنظر قبيح الرائحة، ولو أخرج الإنسان الطعام الذي من جوفه وطرحة على المائدة لعفا الناس الطعام وقاموا عنه، ما جاوز اللسان نتان، إذا كانت لذات الدنيا لذات خسيسة، لذات زائلة لا ينهمك فيها ولا يفرح بها إن أقبلت ولا يحزن عليها إن أدبرت ﴿لكي لا تأسو على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ .
المؤمن بعد ذلك وهذا خامس التعليلات لبيان طيب الحياة في المؤمنين والمؤمنات في الحياة الدنيا يعلم أن الدنيا زائلة منقضية فلا يميل إليها ولا يعانقها معانقة العشاق، إنما يأخذ منها ما يحتاجه إليه، وإذا جاءه شيء منها جعله مطية له إلى آخرته، فحقيقة هو في سعادة وفي حياة طيبة ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ فعل المأمور ـ ترك المحذور ـ صبر ورضي بالمقدور حقيقة في حياة طيبة، إذا خرج عن صراط الله المستقيم تنكد في هذه الحياة وأبى الله إلا أن يزل من عصاه عاجلاً وآجلاً.
стр. 3547
ثبت في سنن ابن ماجة ومستدر الحاكم بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول [يا معشر المهاجرين خصال خمس أعوذ بالله أن تدركوهن، خصال خمس، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم] سبحان الله أرادوا أن يتلذذوا بالمعاصي فنكد الله عليهم حياتهم وأشقاهم قبل مماتهم، وسلوا الأطباء عن الأمراض التي تنتج من المعاصي في هذه الأيام، مرض الإيدز الذي يحارب الآن ما سببه: معصية الرحمن، تشمع الكبد والسرطان: شرب الخمر والعكوف عليه، وذاك سببه الزنى والعهر، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، حقيقة إن الإيمان حصناً للإنسان وإن المؤمن في حياة طيبة في هذه الحياة، ولم ينقص المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله فلم يعبدوا الله ولم يتبعوا رسول الله ﵊، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، أن ينتزع أملاكهم وبلادهم.
стр. 3548
والخامس: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم عندما انحرفوا عن شريعته تخبطوا في هذه الحياة مع الشقاء الذي سيحصلونه بعد الممات، ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ ، حياة في هذه الحياة، حياة طيبة في الدار الثانية التي يسكنها الإنسان وهي دار البرزخ، وثبت هذا عن السُدَّي وعن شريك بن عبد الله النخعي قال حياة طيبة نعيم القبر، والقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وأنا أقول الحياة الثانية مترتبة على الأولى فمن لم يحيى حياة طيبة في الدنيا لن يحيى حياة طيبة في البرزخ، ولذلك كان أئمتنا يقولون في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وجنة الدنيا محبة الله والإيمان به واتباع رسوله ﵊.
والمعنى السادس: روي عن مجاهد وقتادة والحسن البصري وجمع غفير من التابعين، حياة طيبة في الآخرة ـ قال الحسن البصري: والله لا تطيب الحياة إلا في الجنة، ونعم ما قال وهذه أكمل الدور التي تحصل فيها أطيب حياة، لكن الحياة الطيبة في الجنة من يحصلها؟ الطيبون: الذين طابت حياتهم في الدنيا ونعموا في البرزخ فيسعدون بعد ذلك عند لقاء ربهم كما ثبت في المسند والصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال قال الله تعالى [أعدت لعبادي الصالحين ما لا يعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر] إن هذه الدار هي أكمل الدور وأطيب الدور، إنما من لم تطب حياته في هذه الحياة لن تطيب حياته بعد الممات، حياة طيبة في الدنيا، حياة طيبة في دار البرزخ، حياة طيبة في دار الآخرة.
اخوتي الكرام..
стр. 3549
هذه الثمرة التي يحصلها من آمن بالله وأخلص له واتبع رسوله ﵊ هل لها علامة؟ حتماً لها علامة سأذكرها بإيجاز ثم أفصل الكلام على هذه العلامة في الموعظة الآتية إن شاء الله، هذه العلامة: وهي الراحة في هذه الحياة والهداية والفوز والسعادة بعد الممات، هذه اللذة هذه الطمأنينة إذا دعاها الإنسان وقال أنا في راحة وهداية وسينال فوزا وسعادة في الآخرة هذه هل هذا يصدق وهل إذا وسوس له الشيطان بذلك ليزين له عمله حال يصدقه، أم هناك علامة؟. حتماً هناك علامة.
وكل شيء له علامة، فإذا تحققت هذه العلامة فيك فاعلم أنك آمنت بالله حقاً وصدقا، واتبعت نبيه ﵊ حقاً وصدقا، وأخلص لله في أمورك.
هذه العلامة أشار إليها نبينا ﵊ في الحديث الذي رواه بن مردوية في تفسيره بسند متصل عن جابر بن عبد الله ﵄، ورواه أيضاً بن مردوية بسند مرسل برواية محمد بن كعب القرظي هو من أئمة التابعين ﵃ أجمعين، كعب القرظي صحابي وولده تابعي، هذان الأثران المتصل المرفوع والمرسل المرفوع إلى نبينا ﵊، الأول كما قلت من رواة عبد الله بن مسعود، والثاني من رواه محمد بن كعب القرظي ﵃ أجمعين.
стр. 3550
يذكر عبد الله بن مسعود في أثره وفي حديثه أن النبي ﷺ تلا قول الله جل وعلا ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلالٍ مبين﴾ ثم قال النبي ﷺ [إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر] إن النور إذا دخل القلب سكنه، ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ هذا النور إذا دخل قلب الإنسان ينشرح له صدره، فقال الصحابة الكرام يا رسول الله ﷺ [هل لذلك الشرح من علامة؟] إذا انشرح صدر الإنسان ذاق طعم الإيمان، ذاق حلاوته، اطمئن قلبه، هل لذلك من علامة يختبر بها تلك الدعوة؟ قال ﵊: [نعم] لذلك علامة لذلك الشرح عند حصول النور في القلب، [التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله] ومن عزفت نفسه عن الدنيا، والدنيا هي باختصار كل ما شغلك عن الله، وليس معنى الدنيا أنك لا تملك مالاً، أو تسكن في بيت، لا ثم لا: كل ما شغلك عن الله فهو دنيا مذموم من مالٍ من لباسٍ من زوجةٍ من ولدٍ من عقارٍ من غير ذلك، وإذا كان هذا في يدك لا في قلبك فلا حرج عليك ولا لوم ونعما المال الصالح لرجل الصالح، كل ما شغلك عن الله مذموم فهو شؤمٌ عليك،
تجافى عن دار الغرور لكن شتان بين سكنت الدنيا قلبه وجعلته مطية لها، وبين من كانت في يده وهي مطية له، شتان شتان، شتان من يعبد الدنيا وبين من تكون الدنيا عبداً عنده وخادماً له.
التجافي عن دار الغرور يبتعد عنه لا يركن إليها، لا تشغله عما أمر الله به.
стр. 3551
والإنابة إلى دار الخلود يشتاق إلى مسكنه الحقيقي: نحن خلقنا ربنا إخوتي الكرام لا لنستقر في هذه الحياة، الدار ممر ليست دار مقر، دارنا التي سنستقر فيها هي الآخرة، والدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له والإنابة إلى دار الخلود، ولاستعداد للموت قبل نزوله: وعليه إذا أردت أن تعلم هل سكن النور قلبك، وهل حصل الشرح في صدرك فاعرض نفسك على الموت، هل تحب الموت، وإذا قيل لك ستموت هذه الليلة تقول مرحباً بلقاء الله، إذا كان هذا فيك حقيقةً فقل لنفسك وبشرها وقل آمنت بالله حقاً ورضيت بنبيه ﵊ إماماً صدقا، وأنا أعبد الله ولا أشرك في عباده شيئا، وإذا قيل لك ستموت هذه الليلة فقل يا عباد الله هاتوا الأطباء وابحثوا عن طريقة لعل الحياة تمتد ... إعلم أن حالتك ليست مرضية وعندما تموت ﴿ستقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً﴾ فيقال لك ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها﴾ ﴿أولم نعمَّركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾
إخوتي الكرام:
إن أعظم ما يزفه إلينا ربنا الرحمن ويتحفنا به في هذه الحياة بعد أن رضينا به ربا وبنبيه ﵊، وبالإسلام دينا، بعد أن آمنا به واتبعنا نبيه ﵊، وأخلصنا العمل له، إن أعظم ما يتحفنا به الموت، وكيف لا وهو يجسرٌ يوصل الحبيب إلى حبيبه، ولذلك ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير والحديث في كتاب الحلية لأبي نعيم رواه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، وإسناد الحديث صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت النبي ﷺ يقول [تحفة المؤمن الموت] تحفة المؤمن الموت يعني الهدية العظيمة التي تأتيه من الله أن يموت، وكان بعض الصالحين يقول (والله ما مؤمن إلا الموت خير له، اقرؤوا ما شئتم ﴿وما عند الله خيرٌ للأبرار﴾ .
стр. 3552
أخي الكريم: إذا كنت ستوقع جائزة من مسؤول أو شهادة ستأخذها بعد نجاحك هل تكره يوماً اليوم تتسلم فيه الشهادة، هل تكره اليوم الذي ستقابل فيه المسؤول لتنال الجائزة؟ والله لا تكره هذا، وإذا كنت عبدت الله على بصيرة وأرت بالعبادة وجهه واتبعت نبيه ﵊ على ما تفر من لقاءه؟ ليعرض كل واحد منا نفسه على هذه النقطة. هل تجافى عن دار الغرور وأناب إلى دار الخلود واشتاق إليها ويردد في مجلسه اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، هل إذا نزل به الموت يرفع صوته ويهلل ويقول حبيبٌ جاء على فاقه؟ هل يقول إذا قال أهله وحزناه عند نزول الموت به يقول وقرباه وشوقاه غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه عليه صلوات الله وسلامه؟ لنعرض أنفسنا إخوتي الكرام على هذه القضية، هذا ما سأفصَّلُ الكلام فيه إن شاء الله في موضوع الموت وأن العلامة تدل على صدق الإيمان في قلبه أنه لا يجزع من الموت إذا حل به، بل يفرح بقدومه ويستبشر.
قد قلت إذ مدحوا الحياة وأكثروا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها آمان عذابه بلقائه ... وفراق كل معاشرٍ لا ينصف
هذه العلامة كما قلت ندارس الكلام عليها وتفصيلها في الموعظة القادمة إن شاء الله.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام وإن أمتنا أن يتوفانا على الإيمان، ونسأله أن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، ونسأل أن يغفر لنا ولوالدينا ولمن له حقٌ علينا ولمن علمنا وتعلمنا منا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3553
أحب البقاع إلى الله المساجد
(الموعظة الرابعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الموعظة الرابعة
أحب البقاع إلى الله المساجد
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، وبيدك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب التوابين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله، أرسله اله رحمة للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيوناً عميا، وآذاناً صما، وقلوباً غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما﴾ .
أما بعد معشر اخوة الكرام..
стр. 3554
من المقرر عند المقرر عند عباد الله الأكياس أن الله جل وعلا خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص فهو الذي يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ومن خواص الله تعالى في الأمكنة التي فضلها على غيرها من البقاع بيوت الله المساجد التي أمرنا الله جل وعلا برفعها ذكره فيها وتسبيحه بالغدو والآصال في تلك البيوت الجليلة المعتبرة وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن هذا الأمر وأن الله فضل المساجد على غيرها من الأماكن والبقاع.
ثبت في صحيح مسلم وصحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أحب الله البلاد الله المساجد وإن أبغض البلاد إلى الله الأسواق] إن أحب البلاد إلى الله المساجد وإن أبغض البلاد إلى الله الأسواق، والحديث رواه الأمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه والأمام أبو يعلى والبزار ﵏ جميعاً عن جبير بن مطعم ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: [أي البلدان أحب إلى الله، وأي البلدان أبغض إلى الله فقال النبي ﷺ : لا أدري حتى أسأل جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فلما جاء جبريل إلى نبينا الجليل عليهما صلوات الله وسلامه سأله أي البلدان أحب إلى الله أبغض البلدان إلى الله فقال جبريل يا محمد عليه صلوات الله وسلامه أحب البلدان إلى الله المساجد وأبغض البلدان إلى الله الأسواق] .
стр. 3555
والحديث رواه بن حبان في صحيحه أيضا الطبراني في معجمه الكبير من رواية بن عمر ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله: [أي البقاع خير وأي البقاع شر فقال لا أدري حتى أسأل جبريل فسأل النبي ﷺ جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فقال لا أدري حتى أسأل ميكائيل فسأل جبريل ميكائيل فأخبره أن أحب البلاد الله وأن خير البلاد عند الله المساجد وأن أبغض البقاع عند الله وشر البقاع الأسواق] .
والحديث إخوتي الكرام بطرقه الثلاث من رواية أبي هريرة وجبير بن مطعم وبن عمر ﵃ أجمعين صحيحٌ صحيح.
وروي من طريق رابع وفيه شيء من الضعف، وشهد له ما تقدم رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ [أن النبي ﷺ سأل جبريل عن أحب البلاد إلى الله وعن أبغض البلاد إلى الله فقال لا أدري فقال سل ربك فبكى جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فقال يا محمد ومن يستطيع أن يكلمه هو يأمرنا من أمره بما شاء فأوحى ربنا إلى جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أن أحب إلى الله وخير البقاع عند الله المساجد وأن أبغض البقاع إلى الله وشرها عند الله الأسواق] وهذه الرواية الرابعة يشهد لها ما تقدم إخوتي الكرام.
والجمع بين هذه الروايات [أن نبينا ﷺ سأل عن أحب البلاد إلى الله وعن أبغض البلدان عند الله وعن خير البقاع وشرها فتوقف فسأل جبريل ميكائيل فأوحى الله إليهما بأن خير البقاع وأحبها عند الله المساجد وأن شر البقاع أبغضها عند الله الأسواق فأخبر جبريل النبي ﵊ بذلك] وهذا هو الذي يجمع بين الرواية الأربعة المتقدمة.
стр. 3556
عباد الله: هذه المساجد هي خير البقاع وأحبها عند الله كما أن الأسواق هي شر البقاع، فهذه المساجد تدعوا إلى عبادة الله جل وعلا وإلى الإقبال على الآخرة والدنيا بعكس ذلك هي مأوى الشياطين وتدعوا إلى الكرون إلى الدنيا، ليست الأسواق مذمومة إذا اتقى الإنسان فيها ربه لكنها معطل غفلة، وإذا حول الإنسان السوق إلى مكان شرعي يبيع فيه ويشتري حسب شريعة الله فلا حرج، لكن على الإنسان أن يتقي الله في سوقه فلا يكوننَّ أول داخل ولا آخر خارج، إنما ينبغي أن يكون أول داخل إلى بيوت الله وآخر خارج من بيوت الله، وأما الأسواق فأمرها كما قال الله: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور﴾ والأسواق سميت بذلك لأن الأرزاق تساق إليها ولأن الناس يمشون إليها على سوقهم جمع ساق أي على أرجلهم فالأرزاق تأتي إليها من كل جهةٍ والناس يسعون إليها على سوقهم، فيقال لها الأسواق هي مواطن غفلة، وإذا ذكر الإنسان ربه في مواطن الغفلة واتقى الله له أجرٌ عظيمٌ عظيم، فذكر الله بين الغافلين كثابت عند التقاء الجيشين عند فرار الفارين، هو ثبت وأولئك فروا، وهكذا أهل السوق في غفلة، فمن ذكر الله في سوقه له أجر عظيم.
стр. 3557
ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجة وسنده صحيح كالشمس ورواه الدارمي في مسنده والإمام ابن السن في العمل اليوم الليلة، وابن أبي الدنيا وأبو نعيم وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألفِ حسنة ومحا عنه ألف ألفِ سيئة، ورفع له ألف ألفِ درجة، وبنى له بيتاً في الجنة] والحديث صحيح إخوتي الكرام لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير إذا قال هذا الذكر في تلك البقاع التي يسيطر عليها الغفلة وتلوح فيها رايات الشياطين يكتب له ألف ألفِ حسنة، أي مليون حسنة، ويمحوا الله عنه ألف ألفِ سيئة، ويرفع له ألف ألفِ درجة، ويبني له بيتاً في الجنة.
وثبت في هذا الحديث عن أزهر القرشي ﵁ وأرضاه وهو من أئمة التابعين أنه عندما ذهب إلى خرسان دخل على أمير خرسان قتيبة بن مسلم الباهلي فقال جئتك بهدية: قال وما هي: فروى له هذا الحديث فكان هذا الأمير الذي هو تابعي أيضاً أدرك عمران بن حصين وأبى سعيدٍ الخدري ﵃ أجمعين كان هذا الأمير يركب كل يوم في موكبه إلى السوق وليس له حاجة فإذا وصل إلى السوق قال هذا الذكر وانصرف إلى محل إمرته، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أما نذهب إلى الأسواق إخوتي الكرام باستمرار ألا نذكر الله في تلك المواطن، فإذا دخلنا السوق فنذكر هذا الذكر الذي علمنا إياه ﷺ .
стр. 3558
أحب البقاع إلى الله وخير البلدان عند الله المساجد، ولا غرَّ في ذلك ولا عجب فالمساجد هي محل نور الله جل وعلا ومكان هدايته وفيها المهتدون الذين أنعم عليهم وهداهم إلى صراطه المستقيم، وقد ذكر ربنا العزيز الغفور في سورة النور بعد آية النور مكان وجود النور فقال جل وعلا: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكبٌ دريٌ يوقد من شجرة مباركة زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم * في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ .
الله نور السماوات والأرض أين يطلب ذلك النور وأين يوجد وفي أي مكان نحصل، ومن يهتدي به ومن يتنور به؟ في بيوت أذن الله أن ترفع ... فإذا أرت أن نور الله فذهب إلى بيوت الله فهي مكان نوره وهي موضع هداه، وإذا أرت أن تتعرف على عباد الله المهدين الذين هداهم الله إلى صراطه المستقيم فبحث عنهم في بيوت رب العالمين، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال، فذكر الله بعد آية النور المكان الذي يوجد فيه نوره وهداه وذكر المهتدين مبيناً أعمالهم القلبية والقالبية، السرية والجلية كما سيأتينا في تفسير الآيات الكريمة إن شاء الله.
عباد الله: كيف لا تكون المساجد أحب البقاع إلى الله وخير البلدان عند الله وهي موضع نوره ومكان هداه، وفيها يجتمع عباده الذين ﵃ وهداهم إلى صراطه المستقيم، هذه المساجد وصفها الله جل وعلا بثلاثة أمور في آية النور ووصف بعد ذلك الذين هم فيها بصفات جليلة عظيمة.
стр. 3559
أول هذه الصفات التي ينبغي أن تكون من العباد نحو بيوت الله جل وعلا ونحو المساجد، في بيوت أذن الله أن ترفع، أذن: الإذن في اللغة: الإعلام والترخيص في الشيء، رخص الله وأعلم أنه أباح للناس وجوز لهم رفع المساجد، أذن: الإذن معناه الإعلام والترخيص كما قال جل وعلا في آخر سورة النور: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفورٌ رحيم﴾ .
إذا كان المؤمنون مع رسول الله عليه صلوات الله وسلامه أو مع وليَّ الأمر المسؤول عنهم لا يجوز لواحد منهم أن يتخلف ولا أن يفارق إلا بعد أن يستأذن وأن ترخص وأن يستأذن له النبي ﵊ أو وليُّ أمره المسؤول عنه، ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ أعلمهم بالترخيص وأنك أحبت لهم الذهاب، ولكن هذا الذهاب مهما كان لضرورة ملجئة مهما كان في ذلك حرمان اجتماع بالنبي ﵊ وحرمان هذا الخير العام الذي يكون عباد الرحمن وهم على خير جامعٍ إذاً هناك شيء من التقصير من المستأذن فأتبع الإذن بالاستغفار ﴿فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفورٌ رحيم﴾ الأذن معناه الأذن بالترخيص في الشيء. ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ رخص لهم في قتال أعدائهم بعد أن منعوا ذلك بقول الله جل وعلا ﴿ألم تر الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ .
стр. 3560
عباد الله: ولا يراد من الإذن هنا الترخيص وإعلام الله لعباده بأنه أجاز لهم بناء المساجد لا ثم لا. فقد قرر أئمتنا الكرام أن معنى أذن هنا بمعنى حكم وألزم، وأوجب وفرض، حكم الله وألزم عباده وفرض عليهم بناء المساجد ورفعها، فالإذن هنا بمعنى الأمر كقول الله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليطاع بإذن الله﴾ بأمره وحكمه وإيجاب الله على عباده ذلك إلا ليطاع بإذن الله ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ أي أمر الله برفعها، وإنما أخبر الله جل وعلا وخبر الله جل وعلا عن الأمر بالإذن لنقطة لطيفة ذكرها أئمتنا وهي أن حال المأمورين وهم عباد الله المؤمنون ينبغي أن يكون حالهم، ينبغي أن يكون حالهم المسارعة إلى بيوت الله جل وعلا إلى بناء المساجد إلى تشيدها وإقامتها ورفعها قبل أن يوجه إليهم الأمر من ربهم جل وعلا بوصفهم عباداً لله لابد لهم من مكان يجتمعون فيه يعبدون الله، ويتدارسون الغاية التي من أجلها خلقوا وأن ينصح بعضهم بعضا، إذاً هذه الغاية من المفروض في حقهم أن يقوموا بها قبل أن يأمروا بها فينبغي على المأمور أن يتوجه إلى ذلك قبل أن يصدر إليه الأمر من الآمر من الله جل وعلا، فإذا أرادوا بناء المساجد قبل أن يأمروا يكون حالهم كحال المستأذن ربه جل وعلا، ربنا هل تأذن لنا في بيت نعبدك فيه ونتناصح فيه؟ فجاء الأمر على حسب حال عباد الله كأنهم يستأذنون الله في بناء المساجد، فقال الله لهم ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر اسمه﴾ نعم إن مناجاة الله جل وعلا تحتاج إلى استئذان وإذا أردت أن تناجيَ الكريم المنان فينبغي أن تقول له عبد ربي هل تقبلني؟ أريد أن نبنيَ مكاناً أجتمع فيه مع عباد الله لعبادته والتناصح في دينه فهل يرضيك ذلك؟ فجاء الإخبار من الله مع بشارة عظيمة ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه﴾ .
إخوتي الكرام:
стр. 3561
وهذه البيوت هي المساجد قطعاً وجزما، وقد اقتصر كثير من المفسرين على ذلك كالإمام ابن كثير وغيره عليهم جميعاً رحمات ربنا الجليل، ولم يذكر قولاً آخر، وذكرت بعض كتب التفسير أقوال كثيرة مردها إلى أمرين.
الأمر الأول: بيوت غير المساجد ذكرت في تلك الأقوال لكنها لا تتعارض مع هذا وتدخل في القول الأول، فقال عدد من المفسرين، وهذا منقول من السلف.
﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ في مسجد الكعبة، في مسجد النبي ﵊، في مسجد البيت المقدس في المسجد الأقصى ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ هذه المساجد الثلاثة، بعضهم أضاف إليها مسجداً رابعاً مسجد دمشق، هذا كله لا يتعارض مع ما تقدم بل يدخل فيه، وهو من باب التفسير العام كما قال أئمتنا ببعض أفراده تمثيلاً على ما يدخل في هذا العام لا ما باب الحصر أي من البيوت التي أمر الله برفعها؟ المسجد الحرام، ومسجد النبي ﵊، وبيت المقدس، ومسجد دمشق، وغير ذلك من المساجد، فهذا القول يدخل في القول الأول، إنما ذكر نوعاً خاصاً واللفظ أعم من ذلك، وهناك أقوالٌ يمكن أن تجمع في ضابط معين وهو أنه ذكر ما يتعارض مع القول الأول من حيث التفسير لكن مع ذلك إن عرضه من حيث الظاهر لا ينافيه ولا يلغيه.
فقال مجاهد عليه ﵀ ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ هي بيوت النبي ﵊ لقول الله جل وعلا لأمهاتنا أزواج النبي عليه وعليهم صلوات الله وسلامه ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ فهي بيوت مرفوعة حساً ومعنى ينبغي أن تكرم وأن تعظم وأن تحترم بيوت النبي ﵊ وينبغي على من فيها أن يكثر من ذكر الله وقراءة القرآن.
стр. 3562
ووسع الأمر عكرمة ﵀ ورضا عنه فقال ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ هي كل ما يبنى على وجه الأرض ينبغي أن يرفع من أجل الله وأن يذكر فيه اسم الله، وأن يسبح في تلك البيوت بالغدو والآصال. ولعله يريد بذلك أن بيوت الناس ينبغي أن تكون على غرار المساجد فيها نوراً وهدىً وذكرٌ لله وتسبيحاً له بالغدو والآصال. والتفسير الذي ينبغي أن يعتمد وأن يعول عليه فيه معنى الآية ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ هي المساجد، والأمران حاصلان فيها، فهي التي أمر الله برفعها وتعظيمها حساً ومعنى كما سيأتينا، ولا يوجد مكان يحصل فيه من كثرة ذكر الله والصلاة على رسول الله ﵊ كما يحصل في خير البقاع ألا وهي المساجد.
﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ أذن الله أن ترفع: هذا الأمر الأول أعلم وحكم وألزم وفرض وأخبر عن هذا الأمر بالإذن تنبيهاً على المأمورين ينبغي أن يسارعوا إلى تنفيذ هذا الأمر قبل أن يوجه إليهم هذا الأمر من الآمر فيكون حالهم كحال المستأذن فالله يقول أذنت لكم برفع هذه البيوت وعمارتها.
стр. 3563
والرفع إخوتي الكرام شامل لأمرين كل منها تدل عليه الآية الكريمة ﴿أذن الله أن ترفع﴾ أن ترفع حساً: أي أن تبنا وأن تشيد وأن ترفع على وجه الأرض كما قال جل وعلا ﴿ءأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها﴾ ، ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ أذن الله أن ترفع وأن ترفع وأن تكون بيوت الله في الأرض كالنجوم في السماء يهتدي إليها أهل الأرض فلا تكون كالمغارات والسراديب والمناجم والمخابئ لا يهتدي الناس إليها، لا هذه بيوت لها شأن ومنزلة وعظمة. ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ ينبغي يتميز بناءها عن الأبنية الأخرى وأن تكون ظاهرة للأعين على مرأى الناس ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ وإذا عمِّرت هذه البيوت ورفعت فهيئاً ثم هيئاً لمن يرفعها ويبنيها ويشيدها ويقيمها، ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان بن عفان ذو النورين الخليفة الراشد ﵁ وأرضاه أنه عندما وسَّع مسجد النبي ﷺ وأكثر الناس الكلام فيه قام ﵁ ورقى النبر وقال يا أيها الناس إنكم أكثرتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة] من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة.
стр. 3564
وفي بعض الروايات: [من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة] وعثمان ﵁ هو ثاني من وسَّع مسجد النبي ﷺ ، الموسِّع الأول عمر بن الخطاب ﵁، فلما وسع المسجد لهيبة عمر وشدته في الحق ﵁ وأرضاه ما تكلم المتكلم وما حرك أحدٌ شفتيه، فلما وسَّع عثمان مسجد النبي ﵊ كثر اللغط وأنه غيَّر معالم المسجد، وأنه زاد، وأنهُ وأنه، فقام ﵁ كأنه يعتذر إليهم لحلمه ورحمته وعفوه وصفحه ﵁ وأرضاه فقال إنكم أكثرتم، تكثيرون من الكلام واللغط، وتقعون في عرضي وقد سمعت النبي ﷺ يقول: [من بنى مسجداً لله يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة] فماذا عمل ذو النورين إلا أن وسَّع مسجد النبي ﵊.
إخوتي الكرام:
إذا قام الإنسان بهذا ببناء المساجد ورفعها حسا له هذا الأجر عند الله جل وعلا بنى الله له بيتاً في الجنة، بنى الله له مثله في الجنة، ولا يشكنَّ عليك أخي الأمر حديث النبي ﵊ الذي فيه التصريح بالمثلية مع قول رب البرية: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ وهنا بنى الله بيتاً في الجنة، بنى الله له مثله لما لم يقول عشر بيوت؟ إنَّ بيت الجنة وإن ساوى بيت الدنيا في الاسم فيخالفه في الحقيقة في السعة والمساحة، وفي الجودة والإتقان، فهو بيتٌ له سمى البيت لكن الفارق بين بيت الجنة والبيت الذي تبنيه وترفعه في هذه الحياة لعبادة رب الأرض والسماوات أعظم بكثير من الفارق بين بيت الأمير والفقير، فهو بيت وهذا بيت لكن ذاك بيتٌ فيه ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ومسافته ومساحته لا يعلمها إلا الكريم الذي يبني لك هذا البيت في جنات النعيم.
إخوتي الكرام:
стр. 3565
وهذا البيت الذي يبنيه الإنسان لله يبني الله له بيتاً في الجنة سواء صغر هذا البيت في هذه الحياة أو كبر، ثبت سنن الترمذي وغيره وإسناد الحديث حسن عن أنسٍ ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [من بنى مسجداً صغيراً كان أم كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة] من بنى مسجداً صغيراً كان أم كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة، والحديث رواه الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وابن ماجة في السنن من رواية جابر بن عبد الله ﵄، والحديث رواه أيضاً الإمام أبو يعلى والبزار الطبراني في معجمه الكبير وابن حبان من رواية أبي ذر ﵁ ورواه البزار من رواية بن عباس ﵃ أجمعين، من رواية جابرٍ وابن عباس وأبي ذر رضوان الله عليهم أجمعين أن النبي ﷺ قال: [من بنى بيتاً لله ولو قدر مفحس قطاطٍ بنى الله له بيتاً في الجنة] ومفحس القطاط: مكان صغير تجسم فيه وتجلس فيه وتكون فيه، فإذا بنيت بيتاً لله بحجم مكان القطاط بنى الله له بيتاً في الجنة وهذا يكون إذا شارك الإنسان بريال واحد في بناء مسجد فيكون له هذا الضمان عند الكريم الرحمان، من بنى مسجداً بيتاً لله ولو قدر مفحس قطاط بنى الله له بيتاً في الجنة.
إخوتي الكرام:
стр. 3566
ولا يشترط في الباني إلا أن يخلص النية لرب البرية في هذا البناء إذا كان من المؤمنين الموحدين ثبت في سنن النسائي وغيره عن عَمْرِ ابن عبسة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من بنى مسجداً لله ليذكر الله بنى الله له بيتاً في الجنة] من بنى بيتاً لله، حجَّ لله، صام لله، جاهد لله، فلا يقبل العمل من غير إخلاص ولا متابعة لرسوله ﵊، لابد من إيمان وإخلاص ومتابعة للنبي ﵊، فعمل المساجد عمل صالحٌ، فإذا أخلص الباني لله من بنى بيتاً لله مسجداً لله يذكر فيه الله بنى الله له بيتاً في الجنة ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ .
إخوتي الكرام:
ولا يلزم من هذا الرفع زخرفة وزركشة وألوان متعددة لا ثم لا، بل إن ذلك منهي عنه في شريعة الإسلام، ينبغي أن يكون بناءُ المساجد بدون زخرفة، والزخرفة مأخوذة من الزخرف، وهو الذهب الذي يلمع، ويطلق هذا على الألوان الزاهية التي تشتت البصر وتشغل القلب من حمرة وصفرة وألوان أخرى براقة، فما ينبغي أن يكون في هذا الرفع وهذا البناء زخرفة وزركشة فهذا مما نهينا عنه في شريعة ربنا جل وعلا، ثبت في سنن أبي داود والترمذي وسنن الإمام النسائي والحديث رواه الإمام ابن حبان في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد] حتى يتباهى الناس في المساجد: أي في زركشتها وفي تزينها وفي زخرفتها وفي وفي، لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد] فلتكن مساجد بصفة شرعية لعبادة رب البرية، وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن القوم إذا انحرفوا عن شريعة الله بزخرفة المساجد وزينوها.
стр. 3567
ففي سنن ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب ﵁ والحديث في إسناده شيء من الضعف لوجود جبارة ابن المغلس فيه وهو ضعيف، عن عمر بن الخطاب ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال [ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم] ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم: أي زينوها وموَّهُوهَا بالألوان التي تشتت النظر وتفرق القلب، ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم، وفي صحيح البخاري معلق بصيغة الجزم عن ابن عباس ﵄ قال (لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى) أي ستتبعون آثر من قبلكم في معابدكم لعبادة ربكم فتجعلون فيها الألوان التي تشتت الأنظار وتفرق القلب فلا يجتمع حال عبادة الرب جل وعلا، (لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى) ، ونقل البخاري عن أنس معلقاً بصيغة الجزم أيضاً قال (يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً) ونقل البخاري عن أبي سعيدٍ الخدري ﵃ أجمعين أنه قال: (كان مسجد النبي ﷺ مبنياً بلبن وسقفها من جريد النخل، فأمر عمر ﵁ ببناءه وتوسعته وقال: أكِنَّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) أكنَّ الناس: إما أنه يريد أن يخاطب نفسه فجرد من نفسه شخصاً آخر يخاطبه فقال: أكنَّ الناس: أي أبنيَ لهم كنَّن يقيهم من المطر ومن حر الشمس، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وإما أنه قال هذا لعامله الذي أمره بتوسيع مسجد النبي ﵊ أكنَّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.
стр. 3568
عباد الله: تشيد المساجد له حالتان الحالة الأولى أن يكون البناء محكماً قوياً متقناً متناسباً له فرشٌ جيد يريح المصلي إذا دخل إليه ليس فيه بعثرة ليس فيه ألوانٌ تشتت النظر فهذا مشروع جائز وهذا من الرفع الذي أمرنا به وهذا الذي فعله الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وهناك تشيدٌ منهيٌ عنه أن يكون هناك صورٌ وألوانٌ وزهورٌ وورود وغير ذلك تصبغ بها الجدران بحيث من نظر إليها تشتت ذهنه وتفرق قلبه فهذا منهي عنه ثبت في صحيح البخاري معلقاً والأثر وصله الإمام أبو داود بسند صحيح كالشمس في سننه من رواية عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كان مسجد النبي ﵊ مبني بلبن وهي البن التي تصنع من الطين، مبني بلبن وكان سقفه من جريد النخل، وكان عموده من خشب النخل، فبقيَ على ذلك في عهد أبي بكر ﵁ ولم يغير فيه شيء،) وثبت في سنن أبي داود أن أبي بكر ﵁ غير السواري فقط عندما دخل فيها السوس ونخرت فغيرها بمثلها، غيَّر السواري التي هي الأعمدة من خشب النخل بسواري أيضاً من خشب النخل، لكنه ما زاد في مسجد النبي ﵊ شيئا، السواري نخرت فغيَّرها، فلما جاء عمر ﵁ وكثر الناس وسَّع المسجد مسجد النبي ﵊ لكن حافظ عليه كما كان بناءٌ بلبن والسام والأعمدة من خشب النخل وسقفه من جريد النخل، فلما كان عثمان ﵁ وعن الصحابة الكرام أجمعين وكثر الناس وفي سنن أبي داود ونخرت أيضاً السواري بواسطة السوس الذي فيها وسَّع المسجد توسعة عظيمة وغيَّر البناء الذي كان عليه فبناه بالحجارة المنقوشة في سنن أبي داود بإسناد صحيح بالحجارة المنقوشة والقصة: وهي الجس في لغة أهل الحجاز وجعل أعمدته من حجارة منقوشة وجعل سقفه من خشب الساج.
стр. 3569
فأكثر الناس من الكلام فنبههم وحذرهم، وإنما بناءه عثمان ﵁ وأرضاه بحجارة منقوشة المرتبة بأشكال حسنة ليس فيها ألوانٌ تشتت الأذهان، النقش الذي فيها إما أن تكون الحجارة مربعةً، مستطيلةً، مثلثةً، مُسَدسةً بحيث تكون الحجارة في هذا المسجد متزنة متسقة مرتبة ليس في ذلك بعثرة ولا تشويش، ليس في ذلك حرج، هذا من باب الترتيب ببيوت الله وتعظيمها، بنها بحجارة منقوشة، ليست منقوشة بألوان وزخارف، إنما هي أشكال مرتبة في هذا المسجد لا يوجد ما يفرق النظر ولا ما يشغل القلب لكن إذا نظرت رأيت ترتيباً وإحكاماً وصنعاً عجيباً بديعا هذا من التعظيم الذي أمرنا رب العالمين نحو بيوته التي ينبغي أن نبينها له في هذه الأرض ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ أن ترفع حسا، أن تشيد وأن تبنا بهذه الصفة الحسنة المكرمة فإذا دخلت إلى بيت الله فرشه مريح، إذا كانت البلاد في بحاجة إلى تكييف التكييف فيه مريح الإضاءة فيه جميلة جليلة كافية، وهكذا كل ما فيه يريح المصلي ولا داع بعد ذلك بألوانٍ ولا لإشغال أذهان المصلين.
إذاً التشيد على نوعين تشيد فيه تعظيم لبيت الله وإحكام صُنْعَةٍ وإتقانها فحسنٌ لا محذور فيه، وتشيد يقصد منه زخرفة وزركشة وانشغال المصلي فهذا الذي جاءت أدلت الشرع بالنهي عنه والتحذير منه وهو الذي نهانا عنه نبينا ﷺ كما في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من رواية ابن عباس ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [إني لم أؤمر بتشيد المساجد] أي بزخرفتها وتزينها بحيث شتت ذلك ذهن الإنسان ويفرق قلبه، ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ ترفع حسا، تبنى تتميز عن بيوت الناس وترفع معنى ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ ورفع هذه البيوت معناً أن تعظم وأن تقدر وأن تحترم وأن تصان من كل دنس وقذر حسي ومعنوي وأن يجري فيها كل فضيلة وأن تحترم في حال الدخول والخروج والمكث فيها والبقاء فيها.
стр. 3570
﴿أن ترفع﴾ ، أن ترفع عن كل نقص بحيث يكون لها قدر لا يكون لمكانٍ آخر.
﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ حسا ومعنى ورفع هذه البيوت معنى ينظم فيه أيضاً أمران رفعها معناً بأمرٍ محسوس، رفعها معناً بأمرٍ معنوي، أما رفعها حساً تقدم معنا أن نرفع بنائها، وأما هنا نرفع قدرها بشيء محسوس: أي نصونها عن كل قدرٍ حسي، فبيوت الله لا ينبغي لها أن يقع فيها شيء من الروائح المنتنة ولا شيء من النجسات والقذر ولا شيء من البصاق بحيث يكون عليها ويشوه منظرها ويجعل الناس يتأففون من بيوت رب العالمين، كل هذا مما نهينا عنه.
стр. 3571
ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام البخاري وأهل السنن الأربعة من رواية أبي هريرة ﵁ ورواه الإمام مسلم من رواية أنسٍ ﵃ أجمعين [أن رجلاً دخل النبي مسجد النبي ﵊ على عهد النبي ﵊ فبال في ناحية من المسجد فزجره الصحابة ونهروه فقال النبي ﵊ لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله، إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ثم دعا بسجل من الماء فصبه على بول الأعرابي وانتهى الأمر ثم قال أيها الرجل إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والنجاسات، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن إنما هي لذكر الله والصلاة قراءة القرآن] ، إذاً تصان عن كل دنسٍ حسي هذا من باب رفع المساجد معنى ولذلك سنن ابن ماجة بإسناد قال عنه الإمام المنذرين قابلٌ لتحسين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة] جعل إخراج الأذى من المسجد يعدل عمارة المسجد، من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة فهذا رفعٌ وذلك رفع، هناك رفعٌ له حسا وهنا رفعٌ لها معنىً عن طريق الحس، رفع قدرها بتنظيفها من النجاسات والقاذورات الحسية، من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة، والحديث إخوتي الكرام أصله ثابت في الصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ ورواه ابن خزيمة وابن ماجة في سننه من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁ وفيه أن النبي ﵊ [افتقد امرأة سوداء كانت تقم المسجد: أي تكنس وتنظفه، فلما سأل عنها قالوا يا رسول الله ﷺ ماتت في الليل فكرهنا أن نؤذنك فأنت نائم عليه صلوات الله وسلامه، ماتت في الليل فكرهنا أن نؤذنك فقال دلوني على قبرها، فأتى على قبرها وصلى عليها عليه صلوات الله وسلامه] .
стр. 3572
وفي رواية أبي الشيخ عن عبيد الله ابن مرزق بإسناد مرسلٍ صحيح أن النبي ﵊ [رأى قبراً بين المقابر قال قبر من هذا قالوا قبر أم محجن التي كانت تقم المسجد وتكنسه فقال ﵊: أفلا آذنتموني بموتها فقالوا ماتت بالليل فكرهنا أن نؤذنك فصلى عليها النبي ﵊ ثم قال لها يا أم محجن، يا أم محجن، يا أم محجن، فقال الصحابة الكرام يا رسول الله ﵊ وهل تسمعك يا رسول الله ﵊: قال ما أنتم بأسمع لما أقول منها يا أم محجن أي عملك وجدته أعظم أجراً عند الله فقالت قم المسجد] بعد موتها، قم المسجد، كنس المسجد، تنظيف المسجد، صون المسجد من القذر الحسي، هذا مما أمرنا به نحو بيوت ربنا ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ يرفع قدرها ومنزلتها بإخراج القاذورات منها وقد أمرنا نبينا ﷺ بتنظيف المساجد، وكنسها وتطيبها.
стр. 3573
ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربع باستثناء سنن النسائي والحديث رواه ابن حبان وابن خزيمة في صحيحه عن أمنا عائشة ﵂ قالت أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب [أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب] قال سفيان بن عيينة عليه رحمة الله المراد من الدور: القبائل، وإنما أطلق على القبائل لفظ الدور لأن كل قبيلة كانت تسكن في بيوتٍ متعددة بحيث تكون تلك البيوت كأنها بيت واحدٍ، فأمر إذاً أن تبنى المساجد في الدور: أي كل قبيلة تبني لنفسها مسجداً بحيث لا يشق عليها أن تذهب إلي مسجدٍ آخر يبعد عنها ففي ذلك مشقة أو ضياعٌ للجماعة، أمر أن تبنى المساجد في الدور: أي في القبائل، أي أحياء الناس وقال الإمام البغوي في الدور: أي في محال الدور، أي في الأمكنة التي توجد فيه الدور وتبنى فيها المساكن، أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وأن تطيب، إذاً ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ حسا ببناءها، ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ معنىً يرفع قدرها ومكانتها بأمرٍ حسي فتصان من كل دنسٍ وقذرٍ ونجسٍ، ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ أن ترفع معنىً بأمرٍ معنوي فلا يجري فيها لغط ولا كلام خسيسٌ باطلٌ، ولا بذاءةٌ ولا خنا، هذه بيوت الله جل وعلا ينبغي أن يكثر فيها ذكر الله والصلاة على رسوله ﷺ ، ولذلك كلُ في ما فيها من دنسٍ معنوي ينفر وينبغي أن تنزه المساجد عنه.
стр. 3574
ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، والحديث رواه أنسٌ وجابر وروايتهم في الصحيحين، والحديث رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيدٍ الخدري ﵄ أن النبي ﷺ [من أكل بصلاً أو ثوماً، وفي بعض الروايات أو كراثاً فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم] أكل شيئاً له رائحة منتنة إذا جاء إلى هذه البيوت ما رفعها إنما وضعها وامتهناها واحتقرها، ﴿أذن الله أن ترفع﴾ وهكذا يقاس عليها كل ما له رائحة ممتنةٍ من دخانٍ فشا في هذه الأيام فلا يجوز لك أن تدخل بيت الله إذا شربت هذا الدخان الذي تؤذي فيه الملائكة الكرام وعباد الرحمان، [إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم] ، رفع الصوت في بيت الله ما ينبغي أن يقع ولا أن يحصل.
ثبت في صحيح البخاري عن السائب ابن يزيد ﵁ قال [كنت في مسجد النبي ﷺ فحصبني رجلٌ أي رماه بحصاة يقول فالتفت فإذا هو عمر ابن الخطاب أيام خلافته فدعاني ثم قال اتني بهذين فآتيته بهما فلما وقف عليهما قال من أين أنتما من أهل الطائف من ثقيف، قال والله لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً ترفعان صوتكما في مسجد رسول الله ﷺ ] رفع الصوت يقع في بيت الله، لكن تعذران لبعدكما عن ساحة العلم وساحة الأدب والجاهل يرفق به ويعلم، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﵊.
стр. 3575
وثبت في سنن النسائي بإسنادٍ صحيح أن رجلاً رفع صوته في مسجد النبي ﵊ فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه ويحك أتدري أين أنت، ويحك أتدري أين أنت، من جالس الملوك يجالسهم بالأدب فكيف من يجالس ملك الملوك رب العالمين في بيته الكريم، ويحك أتدري أين أنت، فبيوت الله جل وعلا ينبغي أن تصان عن كل لهوٍ ولغوٍ، ثبت في صحيح ابن حبان من رواية أنسٍ ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [سيكون في آخر الزما أقوامٌ حديثهم في مساجدهم ليس لله فيهم حاجة] .
والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسل عن الحسن البصري ﵀ ورضى عنه قال [سيكون في آخر الزمان أقوامٌ يتحدثون في مساجدهم بأمور دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة] وقوله وليس لله فيهم حاجة: أي ليسوا من عباده الأخيار وبرئت منهم ذمة العزيز القهار، ليس لله فيهم حاجة، إذاً بيوت الله جل وعلا ينبغي أن ترفع أمرنا الله برفعها حساً، وينبغي أن ترفع معنىً بكل أمرٍ حسي وبكل أمرٍ معنوي بهذا أمرنا الله جل وعلا عباده ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتيَ للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ ، ﴿وإذ بوئنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئاً وطهر بيتيَ للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ فأذن الله جل وعلا برفع هذه البيوت ببناءها ورفعها حسا، بتعظيمها واحترامها بكل أمرٍ حسي، وبكل أمرٍ معنوي، هذا الأمر الأول الذي أمرنا به نحو بيوت ربنا جل وعلا.
وأما الأمر الثاني والثالث: ﴿ويذكر فيه اسمه يسبحه له فيها بالغدو والآصال
رجال﴾ وحال عباد الله الأخيار في بيوت العزيز الغفار يأتي الكلام عليه إن شاء الله في المواعظ الآتية إن أحيانا الله، أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أقول هذا القول وأستغفر الله.
следующие страницы →