← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام البخاري وأهل السنن الأربعة من رواية أبي هريرة ﵁ ورواه الإمام مسلم من رواية أنسٍ ﵃ أجمعين [أن رجلاً دخل النبي مسجد النبي ﵊ على عهد النبي ﵊ فبال في ناحية من المسجد فزجره الصحابة ونهروه فقال النبي ﵊ لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله، إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ثم دعا بسجل من الماء فصبه على بول الأعرابي وانتهى الأمر ثم قال أيها الرجل إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والنجاسات، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن إنما هي لذكر الله والصلاة قراءة القرآن] ، إذاً تصان عن كل دنسٍ حسي هذا من باب رفع المساجد معنى ولذلك سنن ابن ماجة بإسناد قال عنه الإمام المنذرين قابلٌ لتحسين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة] جعل إخراج الأذى من المسجد يعدل عمارة المسجد، من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة فهذا رفعٌ وذلك رفع، هناك رفعٌ له حسا وهنا رفعٌ لها معنىً عن طريق الحس، رفع قدرها بتنظيفها من النجاسات والقاذورات الحسية، من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة، والحديث إخوتي الكرام أصله ثابت في الصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ ورواه ابن خزيمة وابن ماجة في سننه من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁ وفيه أن النبي ﵊ [افتقد امرأة سوداء كانت تقم المسجد: أي تكنس وتنظفه، فلما سأل عنها قالوا يا رسول الله ﷺ ماتت في الليل فكرهنا أن نؤذنك فأنت نائم عليه صلوات الله وسلامه، ماتت في الليل فكرهنا أن نؤذنك فقال دلوني على قبرها، فأتى على قبرها وصلى عليها عليه صلوات الله وسلامه] .

стр. 3572

وفي رواية أبي الشيخ عن عبيد الله ابن مرزق بإسناد مرسلٍ صحيح أن النبي ﵊ [رأى قبراً بين المقابر قال قبر من هذا قالوا قبر أم محجن التي كانت تقم المسجد وتكنسه فقال ﵊: أفلا آذنتموني بموتها فقالوا ماتت بالليل فكرهنا أن نؤذنك فصلى عليها النبي ﵊ ثم قال لها يا أم محجن، يا أم محجن، يا أم محجن، فقال الصحابة الكرام يا رسول الله ﵊ وهل تسمعك يا رسول الله ﵊: قال ما أنتم بأسمع لما أقول منها يا أم محجن أي عملك وجدته أعظم أجراً عند الله فقالت قم المسجد] بعد موتها، قم المسجد، كنس المسجد، تنظيف المسجد، صون المسجد من القذر الحسي، هذا مما أمرنا به نحو بيوت ربنا ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ يرفع قدرها ومنزلتها بإخراج القاذورات منها وقد أمرنا نبينا ﷺ بتنظيف المساجد، وكنسها وتطيبها.

стр. 3573

ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربع باستثناء سنن النسائي والحديث رواه ابن حبان وابن خزيمة في صحيحه عن أمنا عائشة ﵂ قالت أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب [أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب] قال سفيان بن عيينة عليه رحمة الله المراد من الدور: القبائل، وإنما أطلق على القبائل لفظ الدور لأن كل قبيلة كانت تسكن في بيوتٍ متعددة بحيث تكون تلك البيوت كأنها بيت واحدٍ، فأمر إذاً أن تبنى المساجد في الدور: أي كل قبيلة تبني لنفسها مسجداً بحيث لا يشق عليها أن تذهب إلي مسجدٍ آخر يبعد عنها ففي ذلك مشقة أو ضياعٌ للجماعة، أمر أن تبنى المساجد في الدور: أي في القبائل، أي أحياء الناس وقال الإمام البغوي في الدور: أي في محال الدور، أي في الأمكنة التي توجد فيه الدور وتبنى فيها المساكن، أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وأن تطيب، إذاً ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ حسا ببناءها، ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ معنىً يرفع قدرها ومكانتها بأمرٍ حسي فتصان من كل دنسٍ وقذرٍ ونجسٍ، ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ أن ترفع معنىً بأمرٍ معنوي فلا يجري فيها لغط ولا كلام خسيسٌ باطلٌ، ولا بذاءةٌ ولا خنا، هذه بيوت الله جل وعلا ينبغي أن يكثر فيها ذكر الله والصلاة على رسوله ﷺ ، ولذلك كلُ في ما فيها من دنسٍ معنوي ينفر وينبغي أن تنزه المساجد عنه.

стр. 3574

ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، والحديث رواه أنسٌ وجابر وروايتهم في الصحيحين، والحديث رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيدٍ الخدري ﵄ أن النبي ﷺ [من أكل بصلاً أو ثوماً، وفي بعض الروايات أو كراثاً فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم] أكل شيئاً له رائحة منتنة إذا جاء إلى هذه البيوت ما رفعها إنما وضعها وامتهناها واحتقرها، ﴿أذن الله أن ترفع﴾ وهكذا يقاس عليها كل ما له رائحة ممتنةٍ من دخانٍ فشا في هذه الأيام فلا يجوز لك أن تدخل بيت الله إذا شربت هذا الدخان الذي تؤذي فيه الملائكة الكرام وعباد الرحمان، [إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم] ، رفع الصوت في بيت الله ما ينبغي أن يقع ولا أن يحصل. ثبت في صحيح البخاري عن السائب ابن يزيد ﵁ قال [كنت في مسجد النبي ﷺ فحصبني رجلٌ أي رماه بحصاة يقول فالتفت فإذا هو عمر ابن الخطاب أيام خلافته فدعاني ثم قال اتني بهذين فآتيته بهما فلما وقف عليهما قال من أين أنتما من أهل الطائف من ثقيف، قال والله لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً ترفعان صوتكما في مسجد رسول الله ﷺ ] رفع الصوت يقع في بيت الله، لكن تعذران لبعدكما عن ساحة العلم وساحة الأدب والجاهل يرفق به ويعلم، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﵊.

стр. 3575

وثبت في سنن النسائي بإسنادٍ صحيح أن رجلاً رفع صوته في مسجد النبي ﵊ فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه ويحك أتدري أين أنت، ويحك أتدري أين أنت، من جالس الملوك يجالسهم بالأدب فكيف من يجالس ملك الملوك رب العالمين في بيته الكريم، ويحك أتدري أين أنت، فبيوت الله جل وعلا ينبغي أن تصان عن كل لهوٍ ولغوٍ، ثبت في صحيح ابن حبان من رواية أنسٍ ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [سيكون في آخر الزما أقوامٌ حديثهم في مساجدهم ليس لله فيهم حاجة] . والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسل عن الحسن البصري ﵀ ورضى عنه قال [سيكون في آخر الزمان أقوامٌ يتحدثون في مساجدهم بأمور دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة] وقوله وليس لله فيهم حاجة: أي ليسوا من عباده الأخيار وبرئت منهم ذمة العزيز القهار، ليس لله فيهم حاجة، إذاً بيوت الله جل وعلا ينبغي أن ترفع أمرنا الله برفعها حساً، وينبغي أن ترفع معنىً بكل أمرٍ حسي وبكل أمرٍ معنوي بهذا أمرنا الله جل وعلا عباده ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتيَ للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ ، ﴿وإذ بوئنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئاً وطهر بيتيَ للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ فأذن الله جل وعلا برفع هذه البيوت ببناءها ورفعها حسا، بتعظيمها واحترامها بكل أمرٍ حسي، وبكل أمرٍ معنوي، هذا الأمر الأول الذي أمرنا به نحو بيوت ربنا جل وعلا. وأما الأمر الثاني والثالث: ﴿ويذكر فيه اسمه يسبحه له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ وحال عباد الله الأخيار في بيوت العزيز الغفار يأتي الكلام عليه إن شاء الله في المواعظ الآتية إن أحيانا الله، أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 3576

الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صلي على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، وارضى اللهم عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج كروبنا، واقضي حوائجنا يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم اغفر لآبائنا ولأمهاتنا ومشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، لمن أحسن إلينا، ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد رب العالمين. عباد الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .

стр. 3577

ثلاث مباحث للطاعات (الموعظة الخامسة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الموعظة الخامسة ثلاث مباحث للطاعات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، سَهِّل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعُنا، وانفَعنا بما علمتَنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علمنا نافعا وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. أما بعد إخوتي الكرام: تقدم معنا في المواعظ السابقة أن من آمن بالله --جل وعلا-- واتبع رسول الله ﷺ وأخلص في جميع أحواله لله سيذوق حلاوة الإيمان بلا شك، وهذه الحلاوة سيظهر لها أثرٌ في سلوكه وتصرفه فسيعرض عن الدار الفانية ويقبل على الدار الباقية، ويستعد للموت قبل نزوله ويكثر من ذكره ويفرح به إذا حل به. إخوتي الكرام: ولذلك كان الموتُ كما تقدم معنا تحفةً للمؤمنين. وقررت هذا بالأدلة والبراهين، وأريد أن أوضح أيضاً هذا بشيءٍ لم يتقدم ذكره -على سبيل الاختصار- إخوتي الكرام:

стр. 3578

الموت تحفة المؤمنين، وإذا آمن الإنسان برب العالمين، واتبع النبي الأمين ﵊ وأخلص لله في كل حين سيكثر من ذكر الموت، ويفرح به ويشتاق إليه، وإذا تعلق بهذه الحياة سيخاف من الموت ويفر منه ويعرض عنه، وهو آتيه ولابد، يقول العبد الصالح بشر الحافي بِشر بن الحارث -عليه رحمة الله- الذي توفي سنة ٢٢٧هـ، وهذا الأثر عنه منقول في حلية الأولياء لأبي نعيم، وتاريخ بغداد للإمام الخطيب البغدادي -عليهم جميعاً رحمة الله- قول هذا العبد الصالح: (ما من أحدٍ يحبُ الدنيا إلا ولن يحبَ الموت) (وما من أحدٍ يزهد في الدنيا إلا أحبَّ لقاء الله) حتماً من أحب الدنيا، وتعلق بها لن يحب الموت، ومن زهد في الدنيا وأعرض عنها أحب الموت وفرح به واشتاق إليه، وأكثر من ذكره، فما حالك أنت أيها العبد الصالح بِشر بن الحارث بشر الحافي؟! ثم قال: (اللهم إنك تعلم أن الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، وأن الذُلّ أحبُّ إليَّ من العز، وأن الموتَ أحبُّ إليَّ من البقاء) ، وكان هذا العبد الصالح ينطق بالحِكَم، ويتحدث عن حال الأيام التي نعيش فيها -ما مضى وما نعيش فيه وما سيأتي- فيقول: ما يقطع الأمل عن أهل الغرور يقول (أمسِ ماتَ) ما مضى مات وفات (واليومُ في السياق) أي أن اليوم يحتضر، ليموت كما مات اليوم الماضي، (وغداً لم يولد) ، أمس مات واليوم في السياق وغداً لن يولد. بشر الحافي -عليه رحمة الله- من كلامه ودرره وعظيم مراقبته وعلمه بأحوال القلوب وما يجري فيها كان يقول: (إن العبد ليرائي بعمله بعد موته) . قيل كيف مات ويرائي؟! قال: يحب أن يَكثُر الخلقُ في جنازته، -إذا توفي- يتمنى هذا من أجل أن يتحدث الناس عنه بعد موته أنه شهد في جنازته جمٌ غفير، فيكتب عليه جرم الرياء بعد موته.

стр. 3579

(إن العبد ليرائي بعد موته يحب أن يكثُر الخلقُ في جنازته) ، ومن حلم الله بنا ومغفرته لنا، أنه لم يخسف بنا الأرض، ونسأله --جل وعلا-- إذا دفنا فيها ألا يأذن للأرض بأن تلفظنا، ووالله لو أذن للأرض في حال حياتنا فوقها أن تبتلعنا لابتلعتنا، ولو أذن للأرض أن تلفظنا بعد موتنا لتقصيرنا وتفريطنا للفظتنا، وإذا سَتَرَنا فوق الأرض وتحت الأرض فنسأله أن يُتَمَ ستره علينا يوم العرض، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين. إخوتي الكرام: ما من أحدٍ يحب الدنيا إلا ولا يحب الموت، وما من أحدٍ زهد في الدنيا وأعرض عنها إلا أحبَّ لقاء الله، وتمنى الموت وفرح به، ولذلك إخوتي الكرام: إذا اتصف الإنسان بهذا المسلك على وجه التمام، عبد الله، واتبع رسول الله ﷺ وأخلص لله أعرض عن هذه الحياة، وتعلق بالحياة الباقية، تعلق بالدار الآخرة إذا -وجد فيه هذا- لا يفر من الموت إذا نزل به، ويموت على عز ويفرح به ولا يبالي إذا جاءه الموت على أي حال -ما دام مطيعاً لذي العزة والجلال-.

стр. 3580

ثبت في صحيح البخاري، وسنن أبي داود، من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أرسل بعثاً عينا أي ليتفقدوا أحوال المشركين، وليرصدوا أخبارهم، أرسل بعثاً (عينا) ، وهذا البعث مؤلف من عشرة أشخاص من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت ﵃ أجمعين- فلما وصل هذا البعث في طريقه بين -مكة وعُسفان- خرج لهم بعض القبائل من العرب من قبيلة لحيان واستنفروا له في (مائة رامٍ) وقيل في مائتين، والروايتان في الصحيح، فتبعوا هذا البعث الذين هم عشرة فلما علم عاصم بن ثابت بالأمر أراد أن يحترز في فدفدٍ من الأرض أي في مرتفعٍ وأرضٍ خَشِنةٍ (صعبةٍ وعرةٍ) ، لئلا يصل المشركون إليهم لكن المشركين وصلوا إلى ذلك الفدفدٍ ثم عرضوا على عاصم ومن معه الاستسلام، وقالوا لكم الأمان إذا استسلمتم ألا نقتل رجلاً منكم، فأما عاصم بن ثابت وهو أمير السرية فقال: ما كنت لأنزل في رعاية كافر ـ لا يمكن أن يرعاني كافر على الإطلاق، وأن أكون في ذمته، فقاتل بمن معه المشركين، فقتل في سبعة من أصحابه ﵃ أجمعين- وبقي من العشرة ثلاثة ـ خبيب بن عدي وزيد بن الدَثِنَّه ورجلٌ ثالث من الصحابة الكرام، فعرضوا عليهم الأمان مرة ثانية بعد أن قُتل عاصم في سبعة ممن معه عرضوا على هؤلاء الثلاثة الأمان فقبلوا الأمان، فلما استوثقوا منهم، وقبضوا عليهم فَك المشركون أوتار قسيهم وربطوا هؤلاء الصحابة الكرام بهذه الأوتار، وغدروا ونقضوا عهدهم فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، ولا أمشي معكم فحاولوا معه فأبى فقتلوه، فَلَحِق الثامن بالسبعة الذين لحقوا بجوار ربهم، بقي خبيب بن عدي وزيد بن الدَثِنَّه -رضي الله عن الصحابة أجمعين-، فأخذوا خبيباً وباعوه إلى أهل مكة إلى أولاد الحارث، وكان خبيب قد قتل الحارث في موقعة بدر فلما أُخذ خبيبٌ ﵁ وبقي عندهم أسيراً في مكة تقول

стр. 3581

امرأة من أهل ذلك البيت: كنت أرى عنقوداً من العنب كرأس الثور عند خبيب بن عدي يأكل منه ووالله ما في مكة حبة عنب، إنما ينزل عليه رزقٌ من السماء ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) فلما أجمعوا قتله وأخرجوه من الحرم إلى الحل إلى التنعيم ليقتلوه -سبحان الله- يريدون فتنته عن دينه ويريدون قتل مؤمن لأنه آمن بالله وبرسوله – ﷺ ومع ذلك لا زالوا يعظمون الحرم، فأرادوا أن يُخرجوه من ساحة الحرم ليقتلوه في الحل، فطلب منهم أن يصلي ركعتين، وهو أول من سنَّ لمن يُقتل في سبيل الله صَبْراً، -وقتل الصبر- أن يموت الإنسان في غير المعركة، أن يقبض عليه ثم بعد ذلك ينفذ فيه القتل إما عن طريق الصلب أو الشنق أو الرصاص أو السكين أو غير ذلك هذا يقال قتل الصبر - هو أول من سنَّ صلاة ركعتين لمن يُقتل صَبْراَ ثم قال: والله لولا أن تروا أن بي جزعٌ من الموت لزدت في الصلاة ثم التفت إلى المدينة المنورة كما في مغازي موسى بن عقبة وقال: اللهم بلغ رسولك مني السلام، فقال النبي ﵊ يقتل الآن خبيب ثم قال وعليك السلام يا خبيب ﵁ وأرضاه- وأنشد أبياته الجميلة الحلوة الرقيقة التي تدل على تعلق المؤمن بربه فقال: ولستُ أُبَالي حين أُقْتَلُ مُسْلِماً ... على أي جَنْبٍ كان في الله مَصْرِعي وذلك في ذات الإله وإن يشأْ ... يُبَارك على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعٍ ثم قتلوه ﵁ وأرضاه- ولا يقولن قائل -إخوتي الكرام- كيف أكرمه الله بعنقود من العنب، بقطف من عنب، ولم يكرمه بالسلامة من الأعداء؟، لو أراد الله أن يُسَلِّمَهُ لَسَلَّمَهُ وهو على كل شيءٍ قدير. لكن أراد أن يكتب له الظفر برتبة الشهادة.

стр. 3582

وعاصم بن ثابت الذي قُتل وهو أمير السرية ﵁، عاصم الذي قتل عندما أراد المشركون بعد قتله أن يأخذوا جسده وليمثلوا به ويكون دليلاً على أنهم قتلوه أرسل الله النحل (الدَبْر) لتحميه فصارت عليه كالظله، فما استطاع مشركٌ أن يقترب من بدنه، إذ حفظه الله كرامة له وكتب له الشهادة، كرامة أيضاً له ليزيد في أجره عندما يلقى ربه ، الشاهد إخوتي الكرام: أن المؤمن عندما يُعرِض عن الدنيا ويُقبل على الآخرة لا يبالي على أي جنبٍ كان في الله مصرعه، وهذا أوان لقاء الحبيب ولا أفلح من نَدِم، وإذا جاء الموتُ الرجلَ الصالح يقول: مرحباً بحبيبٍ جاء على فاقة غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه -عليه صلوات الله وسلامه-، ولما قيل لخبيب ﵁ عند قتله هل يسرك أن محمداً ﵊ مكانك وأنت في بيتك مع أهلك آمن؟ قال: يا قوم والله ما يسرني أن يَفْدِيَني محمدٌ ﵊ بشوكة في قدمه، لو أوشيك بشوكة في قدمه لكان أصعب علي من قتلي، أُقتل ويسلم رسول الله – ﷺ . إذاً -إخوتي الكرام- الموتُ تحفة المؤمنين، وإذا أخلص الإنسان لله وآمن به واتبع رسوله – ﷺ سيفرح بالموت ويتطلع إليه ويشتاق إليه وسيكون الموت حبيباً له. إخوتي الكرام: قررت هذا بأدلة كثيرة وبينت أن ما ورد من أدلة تبين أن المؤمن يكره الموت وينفر منه، فقلت: إن هذه النفرة نفرة طبيعيةٌ جبليةٌ غريزيةٌ والمؤمن يحب الموت حباً اختيارياً شرعيا، وهذا الحب يظهر على وجه التمام والكمال كما تقدم معنا عند السياق والاحتضار عندما يبشر بلقاء العزيز الغفار فيحب لقاء الله فيحب الله لقائه.

стр. 3583

والأحاديث التي دلت على أن المؤمن ينفر من الموت وطبيعته تكرهه ولا تميل إليه قلت: الحديث الثاني الذي رواه الإمام البخاري وغيره -عليهم جميعاً رحمة الله- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي – ﷺ قال: قال الله تعالى: [من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعْطِيَنَّهُ ولئن استعاذ بي لأُعِيِذَنَّهُ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه] يكره الموت كراهة طبيعية جبلية، ويحبه محبة اختياريةً شرعيةً، ويظهر هذا على التمام عند الاحتضار والسياق. تقدم معنا -إخوتي الكرام- شرح الجملة الأولى [من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب] وكنا في شرح الجملتين التاليتين للجملة الأولى [وما تقرب إلىَّ عبدي بشيء أحبَّ إلىَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه] وهاتان الجملتان هذان الأمران حولهما عدة مباحث. تدارسنا ثلاثة مباحث في الموعظة الماضية: فيما يتعلق بقول الله جل وعلا: [وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إلىَّ مما افترضته عليه] فقلت: إن الطاعات تتفاوت في الدرجات. والمبحث الثاني: أفضل الطاعات الواجبات المفروضات. والمبحث الثالث: أفضل الواجبات المفروضات توحيد رب الأرض والسماوات، هذه الأمور الثلاثة -مر الكلام عليها-.

стр. 3584

وسأتبعها بثلاثة أخرى لازالت المباحث تتعلق بالطاعات التي تدخل في هذه الجملة [وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إلىَّ ممَّا افترضْته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه] ، أما ما يتعلق بمحبة الله لعبده، وما يترتب على هذه المحبة من آثار فتحت ذلك مبحث طويل جليل جميل يأتي في المواعظ الآتية إن أحياناً ربنا الجليل، إنما في هذه الموعظة سندارس ثلاثة أمور تتعلق بالطاعات أيضاً نكمل بها المباحث الثلاثة المتقدمة، فيصبح مجموع المباحث معنا ستةُ فيما يتعلق بالطاعات. المبحث الأول الذي سنتدارسه: الطاعةُ المتعدية أعظمُ أجراً عند الله من الطاعة القاصرة. والأمر الثاني: فعل المأمور أعظم أجراً من ترك المحظور، كما أن ترك المأمور أشنع وأخبث وأبشع من فعل المحظور، وأقرر هذا بالأدلة والبيان -إن شاء الله-. والأمر الثالث: الصلة بين النوافل والفرائض. أما المبحث الأول: وهو أن الطاعة المتعدية أفضل من الطاعة القاصرة. إخوتي الكرام: يراد بالطاعة المتعدية ما يصل أثرها إلى عباد الله -جل وعلا-، ما يصل نفعُها خيرُها إلى عباد الله ـ ويراد بالطاعة القاصرة ما بينك وبين ربك -جل وعلا-، فالطاعة المتعدية التي يصل نفعها إلى العباد أعظم أجراً من الطاعة القاصرة التي بينك وبين ربك -جل وعلا-، وقد وضح هذا نبينا – ﷺ في أحاديثه الكثيرة.

стр. 3585

ثبت في الصحيحين، والحديث في سنن الترمذي، والنسائي، وإذا كان في الصحيحين فهو في أعلى درجات الصحة، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي – ﷺ [يا رسول الله أي الأعمال أحب عند الله -جل وعلا-؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله]﵊ وتقدم معنا قلنا هذا هو أعظم الأركان منزلة عند الله، شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊، وقبول كل عمل وكل طاعة متوقفٌ على تحقيق هذا الركن فهذا أفضل الشعب، [الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق] كما تقدم معنا -إخوتي الكرام-. [أيُّ العمل أفضل عند الله؟ إيمان بالله ورسوله ﵊: قلت هذا السائل: ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله، قلت ثم ماذا؟ قال: الحج المبرور] ، قدم النبي – ﷺ في هذا الحديث الجهاد في سبيل الله على الحج المبرور في المنزلة والأجر لأن الجهاد طاعة متعدية يصل نفعها إليك، وإلى عباد الله المسلمين، فتدفع عنهم ضُر الكافرين، وتجعلهم في حرزٍ مكينٍ أمين.

стр. 3586

فإذاً (الجهاد طاعة متعديةٌ) (والحج طاعة قاصرةٌ) ، فالجهاد أجره أعظم من أجر الحج المبرور، إذا تعين الجهاد عليك، فهو فرضٌ أفضل من الحج إذا تعين عليك، وإذا لم يتعين الجهاد، عليك، فهو نافلة فهو أفضل من حجٍ نافلةٍ، فرض الجهاد أفضل من فرض الحج، ونافلة الجهاد أفضل من نافلة الحج، وهكذا الصيام، ولذلك شرع للمجاهد أن يفطر في رمضان وإن كان مقيماً في بلده، وقد أفتى بهذا شيخ الإسلام الإمام ابن تيمة -عليه رحمة الله- عندما كان في دمشق وغزا جيش التتار بلدة دمشق فأفطر في رمضان، وأمر المسلمين بالفطر ليتقوْوا على قتال الأعداء، قال الإمام ابن القيم: -عليه رحمة الله- في كتابه (بدائع الفوائد) ناقلاً هذا عن شيخه، بأنه: أفتى بالفطر وأفطر، قال الإمام ابن القيم: وهذا من باب قياس الأولى، فإذا شرع للمرأة المرضع الفطر وشرع للحامل أن تفطر خشية على الولدين بالنسبة للمرضع والحامل فمن باب أولى يفطر المجاهد في سبيل الله، يفطر شهر رمضان ليتقوى على قتال أولياء الشيطان. إذاً الطاعة المتعدية أجرها أعظم من الطاعة القاصرة، وقد بين لنا نبينا – ﷺ أن الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام، وذروة الشيء أعلاه، أعلى شيء في الإسلام الجهاد في سبيل الرحمن، ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد.

стр. 3587

والحديث رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى وإسناد الحديث صحيح كالشمس عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: [كنا مع النبي – ﷺ في سفرٍ فلما اقتربت منه قلت: يا رسول الله – ﷺ دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار: فقال النبي ﵊: يا معاذ لقد سألت عن عظيم وإنه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه] نسأل الله أن ييسر لنا فعل الطاعات وترك المخالفات إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين [لقد سألت عن عظيم وإنه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُ البيت] ثم قال له النبي ﵊: [يا معاذ ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت بلى يا رسول الله – ﷺ : فقال النبي – ﷺ [الصوم جنة] وقاية لك من كل مكروهٍ ومن الخطايا والذنوب [الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل] في بعض نسخ الترمذي [وصلاة الرجل في جوف الليل شعارُ الصالحين، ثم تلا النبي – ﷺ ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) .

стр. 3588

ثم قال النبي ﵊ يا معاذ ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله – ﷺ : قال رأس الأمر الإسلام] وهو أن تسلم لله -جل وعلا- وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊ هذا رأس الأمر وأعلى الطاعات وأفضل القربات [رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال النبي – ﷺ يا معاذ ألا أخبرك بِمَلاك (بكسر الميم وفتحها) : وهو ما يملك عليك الأمر ويجعلك تحافظ على جميع شعائر الإسلام وخصال الإيمان [ألا أخبرك بملاك ذلك؟ قلت بلى يا رسول الله – ﷺ فأخذ بلسانه وقال كفَّ عليك هذا: قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به: قال ثكلتك أمك (كلمةٌ يقصد منها التعجب والاستغراب ولا يراد منها حقيقتها) [وهل يكب الناس في النار على وجوههم] أو قال [على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم] . الشاهد إخوتي الكرام: ذروة سنامه الجهاد، طاعة متعدية، وهناك أي العمل أفضل عند الله؟ إيمان بالله ورسوله، ثم ماذا؟ الجهاد في سبيل الله، ثم ماذا؟ الحج المبرور، وقد أخبرنا نبينا – ﷺ أن الطاعة المتعدية أعظم بكثير من الطاعة القاصرة. استمعوا لهذا الحديث الذي يحثنا على مساعدة بعضنا بعضا، ثبت في معجم الطبراني، والأوسط، وقال عنه الإمام الهيثمي في المجمع: إسناده جيد.

стр. 3589

والحديث رواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره عليه الذهبي، والحديث رواه البيهقي أيضاً في السنن ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن ابن عباس ﵄ أنه كان معتكفاً في مسجد النبي – ﷺ ] والاعتكاف طاعةٌ قاصرةٌ بين الإنسان وبين ربه -جل وعلا-، [فجاء بعض الصحابة الكرام بعض الحاضرين جلس بجوار ابن عباس وعليه أثر الحزن والكآبة فقال له ابن عباس ﵄: ما لي أراك كئيباً حزينا؟ فقال لفلانٍ عليَّ حقُ ولاءٍ] ولعله والعلم عند الله أنه كان رقيقاً فطلب من سيده أن يُعتقه مقابل مالٍ فيريد أن يدفع له أقساط الكتابة مقابل تحرير رقبته، [وليس عندي ما أعطيه] له عليَّ حقُ ولاءٍ: أي لأجل أن يحررني وليس عندي ما أعطيه، ولذلك عليه أثر الحزن والكآبة، [فقال ابن عباس ﵄ ألا أكلمه فيك؟] أي من أجلك، ليسامحك ليعفو عنك ليسقط عنك ليتجاوز تريد أن أكلمه [قال: إن شئت] يقول هذا الرجل [فانتعل ابن عباس ﵄] أي لبس نعليه وأراد أن يخرج من المسجد [فقلت له أنسيت ما أنت فيه؟] أنت معتكف في مسجد النبي ﵊[قال: ما نسيت، لكن حدثني صاحب هذا القبر -عليه صلوات الله وسلامه- والعهد به قريب] : أي قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى -عليه صلوات الله وسلامه- أنه قال: [من مشى في حاجة أخيه كان خيراً من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أعظم مما ما بين الخافقين] فعشر سنين كم فيها إذاً من الخنادق اليوم الواحد ثلاثة خنادق أعظم مما ما بين الخافقين، إذا اعتكفت لله يوماً واحداً يجعل بينك وبين النار ثلاثة خنادق أعظم مما بين المشرق والمغرب مما بين هذه المسافة، وأعظم مما بين السماء والأرض، ومن مشيَ في حاجة أخيه ليقضيها له ليس له أجر من اعتكف عشر سنين، إنما خيراً من اعتكاف عشر سنين، واعتكاف اليوم له هذا الأجر العظيم

стр. 3590

عن رب العالمين. ووجه ذلك: أن الاعتكاف طاعةٌ قاصرةٌ بينك وبين ربك -جل وعلا-، وأما هنا طاعةٌ متعديةٌ، وأحب العباد إلى الله أنفعهم لعباده، فهذا يمشي في حاجة أخيه، فترك اعتكافه وخرج من أجل أن يكلم صاحب الحق من أجل أن يتجاوز أو يَؤَخّر أو يسامح هذا الإنسان، واستدل بهذا الحديث الثابت عن نبينا ﵊ والحديث في معجم الطبراني، والأوسط، وهو في المجمع، والمستدرك، وسنن البيهقي، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن ابن عباسٍ ﵄. إذاً الطاعة المتعدية أعظم أثراً ومنزلةً عند الله من الطاعة القاصرة. يلتحق بهذا أمران أحب أن أنبه عليهما قبل أن أنتقل إلى الأمر الثاني، وهو أن فعل المأمور أعظم منزلةً من ترك المحظور. الأمر الأول: الذي يلتحق بالطاعة المتعدية، وهي أفضل من الطاعة القاصرة ويغفلُ عنه كثير من الناس ويظنونه أنه أمرٌ عادي- النكاح: النكاح طاعة متعدية ليس بينك وبين ربك، بينك وبين العباد: بينك وبين زوجك، أولاد، بينك وبين من تصاهرهم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ (١) في النكاح من الأجر ما لا يخطر ببال أحدٍ من الخلق إذا فعل هذا على حسب شريعة الرب -جل وعلا-.

стр. 3591

وتقدم معنا كلام ابن الجوزي في تلبيس إبليس وحددت لكم رقم الصفحة ٢٩٧ يقول رُبَّ جماعٍ خيرٌ من عبادة ألف سنة، ما وجه ذلك؟ طاعة متعدية، بهذا الجماع خرج ولدٌ كالإمام أحمد، كأبي حنيفة، كالإمام الشافعي، كصلاح الدين، صار إنقاذ الأمة الإسلامية وهدايتها على يديه: هذا أمرٌ عظيم، رب جماعٍ خيرٌ من عبادة ألف سنة، ورحمة الله على فقهاء الحنفية عندما قرروا في كتبهم وانظروا هذا في فتح القدير للكمال بن الهمام ٣/١٨٤، يقول: النكاح إذا لم يكن واجباً، أما محل الوجوب هذا متفقٌ عليه أنه صار فرضاً ينبغي أن يقوم به الإنسان، وهو إذا تاقت نفس الإنسان إليه ووجد المؤنة وخشي على نفسه من الوقوع في المحظور وهو الزنى: النكاح عليه فرضٌ إذا تركه في هذه الحال مع القدرة عليه آثمٌ عاصٍ لله ولرسوله ﵊، هذا بلا خلافٌ بين أئمتنا، هل محل إجماع.

стр. 3592

الحالة الأولى: وجد الأهبة، ونفسه مشتاقةٌ، وخشيَ من الوقوع في الزنى النكاح فرض، إنما وجد الأهبة ونفسه تشتاق، ويأمن على نفسه من الوقوع في الزنى يقول أبداً لو جاء نساء الدنيا بأسرهن إليَّ وراودنني لأعرض عنهن ولا نظرت لواحدة منهن، قلبي لا يتعلق بغير ربي، نعم نفسي تميل إليها عن طريق الحلال، لا عن طريق الحرام، فهو يأمن على نفسه من المحظور، فالنكاح في هذه الحالة الثانية عند الحنفية سنةً مؤكدة، أفضل من التعلم والتعليم، بل أفضل من الجهاد في سبيل رب العالمين، قالوا لو تزوج في هذه الحالة أفضل من أن يجاهد لم؟ قالوا ذاك طاعة متعدية، وهذا طاعة متعدية، لكن التعدي في النكاح أعظم، كيف هذا؟ انظروا لهذا التعليل وهذا الفقه الذي يستنبطه فقيهٌ الملة أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀ ورضي عنه- يقول: الإنسان إذا جاهد يحافظ على الصفة، وإذا تزوج يحافظ على الصفة والموصوف، وطاعةٌ تحافظ بها على الصفة والموصوف أعظم من طاعةٍ تحافظ بها على الصفة، ما معنى ذلك؟ أنت عندما تقاتل في سبيل الله تحافظ على عز الإسلام وبقاء الإسلام لئلا يندرس دين الرحمن، لئلا يقضيَ الكافرون على شرائع الإسلام فحافظت على الإسلام أي على هذه الصفة، لكن إذا تزوجت أنجبت مثله وحافظت على دين رب العالمين، أوجدت موصوفاً وصفةً، الإسلام فيهم وهم مسلمون، أما القتال لا يلزم منه إيمان من تقاتلهم، وإذا قاتلت أهل الذمة ورضوا أن يدخلوا في عهدك على أن يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ليس لك حقٌ بعد ذلك أن تكرههم على الدخول في الإسلام، وقد تقتلهم ويموتون على الكفر، فإذاً لا يلزم من الجهاد أن يسلم من تقاتلهم، لا يلزم، قال أئمتنا: ولو قدر إسلام من قاتل وهم بجهادنا، فعدد من يُسلم بجهادنا قليل، قليل بالنسبة لعدد من يحصل بتزاوجنا ونكاحنا، فواقع الأمر كذلك، يعني أفراد الأمة كثروا بسبب التناكح أو بسبب الجهاد في سبيل الله؟ بسبب التناكح، إذاً الزواج.

стр. 3593

فقال الحنفية عليهم رحمة الله إذا لم يكن الجهاد فرضاً واجباً في الحالة الثانية هو أفضل من التعلم والتعليم، وأفضل من الجهاد في سبيل رب العالمين، لما؟ أنت بالنكاح تحافظ على الموصوف والصفة، وأما في الجهاد فتحافظ على الصفة، وقد يوجد الموصوف قليل، أي المسلم قد لا يوجد، وأما النكاح مضمون، تزوج مثلاً زوجة أو أربعة زوجات، وواحدة أنجبت عشراً، والأربعة أربعون، فولد له أربعون ولد، كلهم مسلمون يوحدون الحي القيوم كم لك من الأجر عند الله -جل وعلا-؟ أجل ولو يخطر ببالك رُبَّ جماعٍ خيرٌ من عبادة ألف سنةٍ، وهذا ما قرره الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في بدائع الفوائد ومال إلى رأي الحنفية٠ فقال: النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة، ومما يروى في ترجمة العبد الصالح الأواه الإمام المبجل أحمد بن حنبل -عليه رحمة الله- أنه ذكر النكاح يوماً وحث عليه، فقال له تلميذه وصاحبه الذي تقدم معنا أبو بكر المروزي، يا إمام يذكرون عن إبراهيم بن أدهم، يعني أنه ما تزوج يريد أن يكمل الكلام، يقول: فصاح بي الإمام أحمد فقال: جئتنا ببنيات الطريق: أي بالطرق المتعرجة من الطريق العام إذا سلكتها وصلت إلى الهلاك والمهلكة، جئتنا ببنيات الطريق؟ أنظر -عافاك الله- ما كان عليه رسول الله – ﷺ وأصحابه فافعله، أما بشر الحافي، أما إبراهيم بن أدهم، أما ابن تيمية، أما الإمام النووي، أئمة أعلام، أئمة هدىً كونهم تركوا النكاح لعذرٍ عندهم يُسقط اللوم لا يوجب فضيلة، وشتان بين سقوط اللوم وبين أن نقول: إنه فضيلة، تركوا النكاح إما خشية عدم حصول القوت الحلال، خشية الاشتغال بالعيال عن رتبة الكمال، خشية عدم القيام بالحقوق الزوجية، اعتبارات كل هذه أعذار تسقط عنهم اللوم، ليس ما فعله يعتبر قدوة لنا فيه وينبغي أن نقتديَ بالإمام النووي، أو ابن تيمية، أو بشر الحافي، أو إبراهيم بن أدهم، لا نقتدي إلا بسيد الخلق -عليه صلوات الله وسلامه-،

стр. 3594

النكاح من سنته، ومن رغب عن سنته فليس منه كما أخبر النبي – ﷺ والحديث في الصحيحين [من رغب عن سنتي فليس مني] ومن سنته ﵊ هذا، فغايتنا عند هؤلاء الأئمة غايتنا عندهم كما قلت: أعذار يسقط بها اللوم عنهم، ولا يقتدى بهم في ذلك. إذاً -إخوتي الكرام-: النكاح له هذه المنزلة، ولذلك قال الإمام أحمد ع-ليه رحمة الله- لو تزوج بشرٌ الحافي لتمَّ أمره، بشر الذي تقدم معنا حاله، وهو من العلماء الربانيين، لو تزوج لتمَّ أمره، وكان بشرٌ يعترف بهذا يقول: فُضِّل عليَّ الإمام أحمد بثلاث، الأولى: طلب الحلال لنفسه ولعياله وأنا طلبته لنفسي فقط، والثاني: نصب إماماً للعامة، وأما أنا فإمام نفسي، والثالثة: اتسع في النكاح فتزوج وتسرى وأما أنا قصرت فيه، الإمام أحمد فضل عليَّ بهذه الأمور الثلاثة، يقول الإمام أحمد: لو تزوج بشرٌ الحافي لتمَّ أمره وبعد أن توفي بشرٌ الحافي -عليه رحمة الله- رؤيَ في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي ورحمني وأشرف بي على منازل الأنبياء، وقال لي: يا بشر، ما كنت أحب أن تلقاني وأنت عزبٌ، قيل له: فماذا فعل أبو نصر التمَّار؟ وتوفي بعد بشر الحافي سنة ٢٢٨هـ عليهم رحمة الله. قال: رفعه الله فوقي بسبعين درجةٍ، قالوا سبحان الله كنا نرى أنك أفضل منه وأعلا؟ قال بصبره على بناته.

стр. 3595

هذا عنده بنات فكان يصبر على لأوائهن وشدائدهن، والقيام عليهن رفعه الله فوقي بسبعين درجة، إذاً الطاعة متعديةٌ فأجرها أعظم من الطاعة المتعدية التي تتعدى كثيرا، ومن بابٍ أولى أجرها أعظم من الطاعة القاصرة من التخلي لنوافل العبادة، وما يقال في الواحدة يقال في الثانية، والثالثة والرابعة، وقد بوب الإمام البخاري في كتاب النكاح باباً يشير به إلى هذا فقال: باب كثرة النساء، ثم ساق بسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال لتلميذه سعيد بن جبير (هل تزوجت؟ فقال: لا، فقال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرهُم نساء) يعني -النبي ﵊ وما اختار له إلا أكمل الأحوال، وأكمل الأحوال من أمته من يكون عنده أربع، ثم الثلاث، ثم الثنيتين، ثم الواحدة، والواحدة حالة ضرورة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) (خير هذه الأمة أكثرهم نساء) ، في ذلك مصالح عظيمةٌ، ستر النساء المسلمات بعد رباط قوي بين الأمة الإسلامية عن طريق المصاهرة، ولذلك قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر: إذا عدد الإنسان الزوجات وأراد من التعدد إنجاب الأولاد (انتبه) يقول: هذا هو الغاية في التعبد، وإذا عدد الزوجات وأراد التلذذ فمباح، يندرج تحته من التعبد ما لا يحصى، من إعفاف نفسه وإعفاف زوجه وحسن عشرته لهن، و، و، تعبد كثير يأتي تبعاً، إن قصد التلذذ مباح تحته من التعبد ما لا يحصى، وإن قصد إنجاب الأولاد فهذا هو الغاية في التعبد. فإخوتي الكرام: النكاح طاعة متعدية فينبغي أن ننظر إلى هذه الشعيرة منزلتها الشرعية التي هي يعني فيه في شريعة الله -جل وعلا- المطهرة.

стр. 3596

قال الإمام ابن تيمية -عليه رحمة الله-: ولا ينبغي للإنسان أن يترك النكاح معللاً بأنه مقيمٌ على العبادة وأنه زاهدٌ في الدنيا، يقول: فما من عبادة فعلها ينفع في الآخرة، ومعنى الزهد ترك ما يضر في الآخرة، والنكاح لا يضر في الآخرة، وهو نافع في الآخرة ففعله عبادة، وليس الزهد في ترك النكاح، فليس الزهد في ترك النكاح فمن زهد فيه ليس بزاهد، إنما هو فعل ما يضر نفسه وأعرض عما ينفعه، النكاح طاعة متعدية. والأمر الثاني: الذي سأؤنبه عليه، عبادة الذكر ويستشكلها كثير من الناس، هذه العبادة التي فُضٌلت يعني على كثير من الطاعات واستشكلها بعض الناس فقالوا: هذه العبادة كيف فضلت كثيراً من الطاعات، واقع الأمر أنها هذه العبادة كعبادة النكاح تسببت في طاعات كثيرة سأتكلم على عبادة الذكر على وجه الاختصار، ثم أتكلم على الأمر الثاني هو فعل المأمور أعظم أثراً من ترك المحظور، ثم على الأمر الثالث هو الصلة بين الفرائض والنوافل في الموعظة الآتية إن أحيانا الله. استأذنكم الآن وأسأل الله -جل وعلا- أن يجمعنا في هذه الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 3597

صفة خروج المرأة إلى بيت الله الموعظة السادسة (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الموعظة السادسة صفة خروج المرأة إلى بيت الله ووجوب الجماعة على الرجال دون النساء الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما، وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) . وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عميا، وآذاناً صما، وقلوباً غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .

стр. 3598

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١) . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٢) . أما بعد معشر الإخوة المؤمنين: تقدم معنا أن أحب البلاد وأفضلها بيوت الله جل وعلا المساجد، ففيها نوره وهداه، أذن الله برفعها ليسبح ويذكر فيها، وقد نعت الله الرجال الذين يعمرون بيوته في هذه الحياة نعتهم بأربع خصال، هي أطيب الخلال لا تلهيهم البيوع والتجارات، ويعظمون رب الأرض والسموات، ويحسنون إلى المخلوقات، ويستعدون للقاء الله جل وعلا في جميع الحالات. ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهِ اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ (٣) وهذه الخلال التي نُعِتَ بها هؤلاء الكُمَّل من الرجال ينبغي قبل أن ندخل في شرحها، وتفصيل الكلام عليها، أن نتدارس في قول الله جل وعلا رجال من إشاراتٍ معتبرة. تقدم معنا، إخوتي الكرام أن هذا اللفظ الجليل الذي نعت الله به عباده الذين يعمرون بيوته في هذه الحياة، يحتمل أمرين اثنين كل منهما مراد: الأمر الأول: رجال كاملو الرجولة، فيهم مروءةٌ وشهامةٌ، فهم الرجال حقا، وعيبٌ أن يقال لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجلُ. نعم، إن الرجولة كل الرجولة، أن يتذلل المخلوق لخالقه، وأن يعبد العبد ربه، وإن الوضاعة كلَّ الوضاعة أن يتذلل المخلوقٌ لمخلوقٍ مثله، وأن يعبد العباد بعضهم بعضا.

стр. 3599

رجال: هؤلاء هم الرجال، وما عداهم أهل ضلال وخبال، فهم الأنذال هم الأنذال. وأما الدلالة الثانية في لفظ رجال، فيراد منها ما يقابل الأنوثة، فالرجال هم الذكور الذين يعمرون بيوت الله جل وعلا في هذه الحياة. ولفظ الرجال كما قال أئمتنا في أصول الفقه: إنه اسم جنسٍ جامد، وعليه فهو اسم لقبٍ، وليس له مفهوم مخالفة فلا يفيد أن النساء لسن كذلك بناءً على هذا الاصطلاح، وهذا التعبير، فالرجال اسم جنسٍ جامد وإذا كان كذلك فلا يدل على أن ما يقابل الرجال ليس لهنَّ هذا الوصف، لكن قال أئمتنا الكرام إن لفظ الرجال، وإن كان اسم جنسٍ جامد، وإن كان كذلك فما في الرجال من معنى الذكورة صالحٌ لإناطة الحكم به، والتفريق بين الرجال والنساء في ذلك، وعليه فلفظ الرجال هو صفةٌ وليس بلقب، ومفهوم الصفة معتبرٌ عند أئمتنا الكرام الشافعية والمالكية والحنابلة، وهذا المفهوم أن الرجال يسبحون في بيوت الله جل وعلا، ويذكرون الله في بيوت الله جل وعلا، يفيد أن النساء لسن كالرجال في هذا الحكم، وهذا ما دلت عليه سنة النبي ﷺ الصحيحة الصريحة، بأن النساء لا يطالبن بالجماعة التي طولب بها الرجال الذكور، فالجماعة لا تجب إلا على من كان ذكراً، عاقلاً، بالغاً، حراً، صحيحاً، مقيماً كما هو الحال في الجمعة تماماً، وعليه فلا تجب الجماعة على صنفين، لا تجب على ما يقابل الذكور، وهنَّ الإناث، ولا تجب على الذكر إن كان فيه عذر من مرضٍ أو سفرٍ أو غير ذلك.

стр. 3600

رجال: أي هم رجالٌ، يسبحون الله، ويذكرونه في هذه البيوت، طولبوا بذلك على سبيل الوجوب، والنساء لسن كذلك، وهذا ما صرَّحت به سنة النبي ﷺ ففي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحديث إسناده صحيح، ونص الحافظ في الفتح على تحسين إسناده، وله شاهدٌ "من حديث عبد الله بن مسعود في صحيح ابن خزيمة، وسنن أبي داود أذكر الشاهد بعد رواية الحديث الأول الذي رواه الإمام أحمد كما قلت في مسنده، وابن حبان في صحيحه وابن خزيمة في صحيحه عن أم حميدٍ ﵂ أنها جاءت إلى النبي ﷺ [فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معكَ: فقال ﵊: قد علمتُ أنكِ تحبين الصلاة معي وصلاتكِ في بيتكِ خيرٌ من صلاتكِ في حجرتكِ وصلاتكِ في حجرتكِ خيرٌ من صلاتكِ في داركِ، وصلاتكِ في داركِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خيرٌ من صلاتكِ معي"، فأمرت ﵂ أن يبنى لها مسجدٌ في أقصى بيت لها وأظلم فكانت تعبد الله فيه حتى ماتت ﵂ وأرضاها] .

стр. 3601

صلاتكِ في بيتك، وهو البيت الداخلي، خيرٌ من صلاتك في حجرتكِ؟ هو البيت العام كصالة وغيرها يدخلها الذكور والنساء، والصلاة في الحجرة خيرٌ من الصلاة في الدار، وفي فناءها وفي بقعتها إذا لم تجاوز المرأة سورها، والصلاة في الدار خير من الصلاة في مسجد الحي، والصلاة في مسجد الحي بالنسبة للمرأة خيرٌ من أن تشهد الصلاة جماعة في مسجد النبي ﷺ مع النبي ﵊، والتزاماً بهذا التوجيه النبوي هذه المرأة الصالحة القانتة أمرت أن يبنى لها مصلى، في أظلم مكانٍ وأبعده من بيتها، فلزمته حتى فارقت هذه الحياة، والحديث صحيح وكما قلت حسنه الحافظ وله شاهدٌ من رواية أبي داود وصحيح ابن خزيمة عن عب الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: [صلاة المرأة في بيتها خيرٌ من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها خيرٌ من صلاتها في بيتها] والمخدع بتثليث الميم كما قال أئمتنا: مِخْدَعٌ، ومُخْدَعٌ، ومَخْدَعٌ: وهو البيت الذي يكون داخل بيت، فبيت المرأة خاصٌ فيها، فإذا جعلت شيئاً فيه تستتر فيه عن غيرها يقال له مَخْدَعْ ... أخْدَعْتُ الشَّيءَ إذا خَبْيَّتُهُ وأخْفَيَّتُهُ، وهذا المخدع إذا صلت المرأة فيه خيرٌ من أن تصلي في بيتها الداخلي، وإذا صلت في بيتها فهذا خيرٌ لها من أن تصلي في دارها وفي حجرتها كما ثبت هذا عن نبينا ﵊.

стр. 3602

وعليه رجال: أي ذكوراً ليسوا بإناث، وهذا الأمر أعني أن المرأة لا تطالب بالجماعة ولا الجمعة ولا تكلف بالحضور إلى بيوت الله، وملازمتها لبيتها أفضل لها عند ربها تواتر عن نبينا ﵊، الأحاديث في ذلك كثيرة ففي مسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رواه ابن خزيمة، والحاكم في المستدرك، وإسناده حسن، عن أمنا أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: [خير مساجد النساء قعر بيوتهنَّ] وقد ذهب أئمتنا الكرام إلى أن تفضيل الصلاة في الحرمين الشريفين وفي بيت المقدس، -نسأل الله أن ينصر المسلمين على أعدائهم في كل مكان وزمان-، إلى أن الصلاة في هذه المساجد المشرفة المباركة، تضاعف في حق الرجال، وهذا في خصوص صلاة الرجال، وأما المرأة فصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في بيت الله الحرام بالنسبة للرجل وأفضل من صلاتها في مسجد النبي عليه الصلاة السلام بالنسبة للرجل، فإذا كانت صلاتنا تضاعف في مسجد النبي ﵊-بألف صلاة، وفي بيت الله الحرام بمائة ألف وفي المسجد الأقصى بخمسمائة، فالمرأة تضاعف صلاتها أكثر من ذلك إذا صلت في بيتها. ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 3603

والحديث رواه الإمام مسلم من رواية عبد الله بن عمر وأمنا ميمونة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [صلاة في مسجدي هذا خيرٌ (أفضل) من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام] قال إمام الأئمة الإمام ابن خزيمة في صحيحه: هذا الحديث محمولٌ على أن هذا في صلاة الرجال للأحاديث المتقدمة كحديث أم حميدٍ وغيرها بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد النبي ﵊-مع النبي ﵊، هذا في صلاة الرجال، فالرجل إذا صلى في مسجد الله الحرام تضاعف صلاته بمائة ألف وهكذا، أما المرأة فصلاتها في بيتها تزيد على هذا وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. إخوتي الكرام: قد يقول قائل: لما كان هذا الحال والحكم في النساء ولم يسوِّ النساء بالرجال في حضور الجمعة الجماعات، لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد قومها وصلاتها في مسجد قومها أفضل من صلاتها في مسجد النبي ﵊-أو في بيت الله الحرام، لما كان الأمر كذلك؟ والجواب عن هذا، المرأة فيها أمران معتبران من أجلهما جعل لها هذا الحكم الخاص بها مخالفة للرجل في هذا الأمر أعني حضور الجماعات والجمعات. الأمر الأول: المرأة عورة بجميع جسمها من رأسها إلى رجليها، فلا يجوز أن يُرى منها بشرةٌ، ولا شعرةٌ، ولا شيء من ظُفُر، وإذا كانت كذلك فأستر ما يكون لها عندما تكون في قعر بيتها بينها وبين ربها جل وعلا، "المرأة عورةٌ" كما ثبت هذا في سنن الترمذي بإسنادٍ حسنٍ صحيح من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [المرأة عورةٌ فإذا خرجت استشرفها الشيطان] أي تَطًلَّع إليها وفرح بها واغتنم خروجها ليوسوس لها وللناس بها فهي سهمه الذي يضرب به فلا يخيب، [المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان] .

стр. 3604

والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير وهؤلاء الثلاثة زادوا في الرواية [وما عبدت المرأة ربها بمثل أن تعبده في جوف بيتها] . [المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وما عبدت المرأة ربها بمثل أن تعبده في جوف بيتها] : في قعر بيتها، وفي معجم الطبراني بإسنادٍ حسن من رواية عبد الله بن مسعود مرفوعاً إلى النبي ﷺ والحديث رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد في أوله ورواه أيضاً في صحيحه لكن موقوفاً على عبد الله بن مسعود وله حكم الرفع إلى نبينا المحمود عليه، صلوات الله وسلامه ولفظ الحديث أن النبي ﷺ قال: [إن النساء عورة، وإن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس] : أي ليس فيها فتنةٌ وليس فيها شبهةٌ وليس فيها منكرٌ، ولا بليةٌ، [وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأسٌ فإذا خرجت استشرفها الشيطان ولا يزال يوسوس إليها فيقول إنكِ لا تمرين برجل إلا أعجبتِه وإن المرأة إذا لبست جلبابها قيل لها إلى أين يا أمة الله فتقول لأصل رحماً أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت المرأة ربها بمثل أن تعبده في جوف بيتها] إذاً قول الله جل وعلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ ذكور، فالذين طُولبوا بهذه الجماعات وهذه الجمعات هم الذكور الذين اكتملت فيهم الذكورة وهم العقلاء الكرام الفضلاء، ﴿رِجَالٌ﴾ وأما المرأة فلا تطالب بذلك لهذا الاعتبار الأول الذي فيها ألا وهو أنها عورة. وأما الاعتبار الثاني:

стр. 3605

إن هذا الخلق هو خلق الخالق جل وعلا، والله جل وعلا يعلم طبيعة خلقه ذكوراً وإناثا ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ (١) ويعلم الله جل وعلا أن النساء هنَّ فرع الرجال، وأن الرجال هم أصول النساء، وإذا كان الأمر كذلك فالأصل يميل إلى فرعه، ويحبه ويريده، والفرع يتعلق بأصله، ولا يستقر بدونه ولا يستريح إلا به، وعليه بين الذكور والنساء انجذابٌ وترابطٌ وميلٌ لا يوجد بين مخلوقين على وجه الأرض من التجاذب والميل كما بين الذكور والإناث. إن انجذاب الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل أعظم بكثير من انجذاب الحديد إلى المغناطيس، وهذا أشار إليه ربنا جل وعلا في كتابه بقوله في سورة الأعراف: ﴿هُوَ الذِّي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (٢) فلا يحصل السكن للرجل إلا بأن ينضم إلى المرأة، والمرأة فرعٌ للرجل لا تستقر إلا بأن تأوي إليه، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أزْوَاجَاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَةً وَرَحْمَةً إِنْ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لقومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن المرأة بعضٌ من الرجل وجزء منه، ولأجل هذا الترابط بين الصنفين ينبغي أن يحال بينهما، إلا في الاجتماع على خيرٍ وطُهر إلا في النكاح الحلال، وما عدا هذا فيستحسن ألا ترى المرأة رجلاً وألا يرى الرجل امرأة.

стр. 3606

ثبت في كتاب الرد على الجهمية للإمام ابن منده والحديث إسناده حسن وهو في صفحة خمسين عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فجرى من ظهره كل نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة ثم أخذ الله ضِلَعاً من أضلاع آدم فخلق منه حواء ثم أشهدهم على أنفسهم وأخذ عليهم العهد والميثاق ألست بربكم؟ قالوا بلى] . ﴿وَإِذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرْيَّتِهمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالَوا بَلَى، شَهِدْنَا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أشْرَكَ آبَائُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهمْ أفْتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) فالمرأة إذاً بعضٌ من الرجل، وهي ضٍلَعٌ من أضلاعه وثبت في تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير الإمام ابن المنذر وشعب الإيمان للإمام البيهقي، بسندٍ صحيحٍ، كالشمس عن حبر الأمة وبحرها، عبد الله بن عباس ﵁ موقوفاً عليه، وللأثر حكم الرفع إلى نبينا ﵊-أنه قال: [خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتُها فيه، وخُلق الرجل من الأرض فَجُعِلَت نهمته في الأرض فاحبسوا نساءكم] فاحبسوا نساءكم لأنها تتعلق بالرجل، وتتفنن في إغوائه وإغرائه وإذا كان الأمر كذلك، فالأولى ألا تشهد جمعةً ولا جماعةً وصلاتها في بيتها خيرٌ من صلاتها في بيت ربها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 3607

عباد الله: وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال [المرأة خلقت من ضلع] وهذا يقرر الحديث الذي رواه ابن منده، ويقرر كلام ابن عباس ﵃ أجمعين- ففي الصحيحين وموطأ الإمام مالك وسنن الترمذي والحديث في أعلى درجات الصحة من رواية أبي هريرة ﵁ والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، ورواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه الإمام الدارمي من رواية أبي ذرٍ ﵁ والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير ورواه ابن حبان والحاكم في مستدركه من رواية سمرة بن جندب من رواية أبي هريرة وأبي ذرٍ وسمُرةَ ﵃ أجمعين- أن النبي ﷺ قال: [استوصوا بالنساء خيراً فإنهنَّ خُلِقن من ضِلَعٍ وإن أعوج شيءٍ في الضلع أعلاه فإذا ذهبتُ تِقيمُه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا] المرأة خُلِقت من ضِلَع، من ضلع آدم أصلها القصير أو الأيسر خلقت منه كما وضحت هذا رواية الإمام ابن منده في كتاب الرد على الجهمية (المرأة خلقت من ضِلَع) والفرع يَحِنَّ إلى أصله ولا يستقر بدونه، إذاً ينبغي أن نحول بين الصنفين ما أمكن، ولذلك شُرع للمرأة أن تصلي في بيتها، وندبت إلى ذلك وهذا أفضل من أن تصلي في بيت ربها في المساجد. إخوتي الكرام:

стр. 3608

ولأجل هذه العلة التي أشار إليها نبينا ﷺ : أن المرأة بعضٌ من الرجل، وأن الرجل مخلوقٌ في الأصل من الطين، لأجل هذه العلة استنبط إمام الفقهاء وسيد المحدثين الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀، ونوَّر قبره وقبور المسلمين أجمعين، استنبط تعليلاً لحديث نبينا ﵊-الثابت في المسند، والحديث روي في السنن الأربعة باستثناء سنن الترمذي، فهو في سنن أبي داود، وابن ماجه، والنسائي، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك، عن أبي السَّمْح خادم النبي ﷺ ، وقيل اسمه إياد وليس له إلا هذا الحديث، عن المصطفى عليه صلوات الله وسلامه والحديث كما قلت: صحيحٌ أن النبي ﵊-قال: [يُغْسَلُ بولُ الجاريةِ ويُنْضَحُ بولُ الغلام] .

стр. 3609

والحديث رواه أبو داود، وابن ماجه، ورواه الحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، عن عليٍّ أيضاً ﵁ وروي من رواية لبابة بنت الحارث ﵃ أجمعين-: [يغسل بول الجارية ويُرشُ بول الغلام] إذا بالت الجارية قبل أن تَطْعَم وقبل أن تأكل بولها نجسٌ، لابد من غسله، وإذا بال الغلام قبل أن يَطْعَم وقبل أن يأكل إذا كان يرضع من ثدي أمه يكفى بأن تَرُش عليه ماءً وأن تنضحَه، وهذا الذي أخذ به الشافعي، والإمام أحمد، وجماهير المحدثين، -رضوان الله عليهم أجمعين- أنه يكفي في بول الغلام قبل أن يطعم، أي قبل أن يأكل شيئاً، غير لبن أمه أن يرش، إذا بال على الشيء وعلى الثياب، الإمام الشافعي -عليه رحمة ال-له استنبط تعليلاً لهذا، كما في سنن ابن ماجه في كتاب الطهارة عندما سأله أبو اليمان المصري وقال الحافظ في التقريب: هكذا وقع في سنن ابن ماجه أبو اليمان وإنما هو أبو لقمان، وهو محمد بن عبد الله الخراساني، إمامٌ مستور، كما قال الحافظ في التقريب: أبو اليمان، أبو لقمان، فقال: أبو لقمان الخراساني للإمام الشافعي: ورد في الحديث يُغْسَل بول الجارية ويرشُ من بول الغلام، ينضح من بول الغلام والماءان ماء واحد فعلام؟ فقال له أبو عبد الله الإمام الشافعي -عليهم جميعاً رحمة الله- إن بول الغلام من الماء والطين وإن بول الجارية من اللحم والدم فهمت لقِنْتَ؟ يعني وعيت هذا؟ فقال أبو اليمان الذي هو أبو لقمان قلت: لا، وضح لي كيف يكون بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم؟ والحديث كما قلت في سنن ابن ماجه، فقال أبو عبد الله الشافعي -عليه رحمة الله- إن الله لما خلق آدم خلق حواء من ضِلَعه القصير فصار بول الغلام من الماء والطين، لأنه يرجع إلى أبيه الذي خلق من الماء الطين وهو آدم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- وصار بول الجارية من اللحم والدم لأنها خلقت من لحمٍ ودم أصلها،

стр. 3610

وأما ذاك فخلق من ماءٍ وطين، وهذه العلة استنبطها الإمام الحبر الإمام التقي كما قلت في سنن ابن ماجه -رحم الله أئمة المسلمين أجمعين-. إذاً المرأة تميل إلى الرجل، والرجل يميل إليها، فلابد من فصلٍ بينهما ما أمكن وإذا أردت أن تتحقق، وأن تتأكد، وأن تعلم مدى تعلق كل من الصنفين بالآخر، لاسيما تعلق النساء الفرع بالرجال بالأصل، فاسمع إلى قول الله جل وعلا عندما تحدث عن النساء وأمرهنَّ بالحجاب في سورة النور فختم الآية بقوله: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بَأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلىَ اللهِ جَمِيعَاً أيُّه الْمُؤْمِنُونَ لَعْلَكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . وقد قرر أئمتنا الكرام عند تفسير هذه الآية، أن طبيعة كل من الصنفين، أن تتعرض للصنف الآخر، فما شعر رجل بأن امرأة تسمعه أو تراه إلا أحدث كلمةً، أو حركةً، أو همهمةً، هو في غُنيةٍ عنها، إنما من أجل أن تصل هذه الحركة إلى المرأة، وما علمت المرأة أن رجلاً يراها أو يسمعها إلا أحدثت كلمةً، أو حركةً، أو همهمةً، أو أسلوبا من الأساليب، لتصل إلى قلب الرجل هي في غُنية عن تلك الحركة والكلمة والهيئة، وهذا قول الله الذي يعلم السر وأخفى ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بَأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ سبحان الله عليها الجلباب والحجاب وتمشي، لكن إذا شعرت برجل، دقت الأرض برجلها لتجلب انتباهه إليها. إذا الأمر كذلك فيستحسن أن نفصل بينهما ما أمكن. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ﴾ اكتملت فيهم الرجولة هم أهل الشهامة والكمال، وهؤلاء الرجال ليسوا بإناثٍ ولا نساء، فالجماعة مطالب بها الذكور العقلاء. إخوتي الكرام:
следующие страницы →