← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

إن أعظم ما يميز المسلمين عن غيرهم موضوع المرأة، عرضٌ يُصان، جوهرةٌ مكنونة، درةٌ مصونة. إن الأمة الإسلامية في هذه الأيام بحاجة إلى أن تُعيد البحث عن عرضها وأن تصون أعراضها. إننا نريد امرأة مقصورة، إننا نريد امرأة تَقْصُر طرفها إلا على زوجها، إننا نريد زوجاً يقصر طرفه إلا على زوجه، فبهذا تَصْلُح الحياة، ووالله إذا ضاع الحياء من الحياة فلا خير في الحياة، فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء. يعيش المرء ما استحيى بخيرٍ ... ويبقى العود ما بقي اللحاء اللهم ألهمنا رشدنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأصلح أحوالنا، واجعل الجنة دارنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسأل فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين. اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تُهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا يا رب العالمين. اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغارا واجزهم عنا خير الجزاء فضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لشيوخنا ولمن علمنا وتعلم منا وأحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾ .

стр. 3642

فيه رجال (الموعظة الثامنة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الموعظة الثامنة فيه رجال الحمد لله نحمه ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، وبيدك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب التوابين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، لا إله إلا هو فأنى تؤفكون، وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به عيوناً عميا، وآذاناً صما، وقلوباً غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما﴾ . أما بعد: معشر اخوة الكرام.. تبين لنا في الموعظة السابقة أن القلوب ثلاثة أقسام: ١. قلب حي سليم نفسه مطمئنة راضية مرضية. ٢. ويقابل ذلك قلب ثانٍ وهو قلب ميت سقيم صاحبه نفسٍ أمارة بالسوء كحال الشيطان الرجيم.

стр. 3643

٣. وهناك قسمٌ ثالث لم تكتمل الحياة في قلبه ولم تفارق الحياة قلبه. ففيه حياة ولكن فيها ضعف ونقص فهو في حالة مرض ونفس صاحب هذا القلب نفس لوامة تلومه وهي ملومة ومتلومة لا تثبت على حال، تتردد بين الخير والشر، والمعصوم من عصمه الله. إخوتي الكرام.. وتقدم معنا أن ضابط النفس الطيبة الحية المطمئنة، انه يوجد فيها أمران، معرفة للحق وعمل به اكتملت القوة العلمية والقوة العملية فيه، وإذا فرط الإنسان في أحد هذين القسمين فقلبه ميت موتا لا حياة فيه، أو مريض مرضاً يفقد تمام الحياة عندما يصاب بالشبهات أو الشهوات، وقد خشي علينا نبينا ﷺ الوقوع في أحد هذين المرضين، وأخبرنا نبينا ﷺ أنه لا يخشى علينا إلا أحد هذين الأمرين، ففي مسند الأمام أحمد ومعاجم الطبراني الثلاثة والحديث رواه البزار وأبو يعلى بإسناد جيد عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى] فخشيت نبينا ﷺ من حصيلة في هذين الأمرين شهواتٌ أو شبهاتٌ تفسدان القوة العلمية أو القوة العملية في الإنسان. إخوتي الكرام.. وتقدم معنا في الموعظة السابقة، موقف الشيطان نحو أقسام قلوب بني الإنسان، فالشيطان لا يقترب من القلب الحي الطيب وليس له عليه سبيل ولا يقترب أيضاً من صاحب القلب الميت السقيم للإلا يضيع وقته فيه، فحال صاحب ذلك القلب كما قلت كحال الشيطان الرجيم، إنما مجال الشيطان في القلب المريض الذي لم يفقد تمام الحياة ولم تكتمل فيه الحياة، فهو يكر على ذلك القلب عندما يغفل الإنسان عن الرد وهو يفر عندما يذكر الإنسان ربه. إخوتي الكرام..

стр. 3644

وحال الشيطان الجني مع هذه القلوب الثلاثة كحال اللص الإنسي مع البيوت الموجودة في الأرض تماماً، فاللص من بني الإنسان تنقسم أمامه بيوت بني الناس إلى ثلاثة أقسام، بيت لا يستطيع أن يقربه مع أن له فيه مطمع والنفس تتطلع ما فيه من زينة الدنيا لكن إذا اقترب منه صرع وقتل وهذا هو بيت الأمراء فيه خيرات الدنيا شيء كثير لكن تلك البيوت قد حرست بالحرس فلا يستطيع اللص أن يقترب منها لما فيها من أهبة واستعداد، وهكذا العدو الجني الشيطان الرجيم لا يقترب من قلوب النبيين والصدقين. وهناك بيوت ثانية لا يقترب منها اللص الإنسي، لا لأنها فيها أهبة واستعداد وفيها مطمع، لكن لا يستطيع أن يصل إليه، لا ثم لا، ليس فيها أهبة واستعداد وهي مخلات لكل داخلٍ وخارجٍ لكم ليس فيها ما تتطلع إليه النفس في هذه الحياة وهي الخروب والبيوت المتهدمة الساقطة على عروشها التي تحولت إلى خرب ويقضي الناس فيها حوائجهم فحتماً لا يذهب اللص إليها ولا يقترب منها، وماذا يفعل فيها ولم يبقى فيها شيء وهكذا قلوب عتاد الإنس لا يقربها الشيطان الرجيم لما فيها من دنسٍ وفسادٍ وخبثٍ كحال قلب الشيطان الرجيم. بقيت هناك بيوت ثالثة ليست بخرب وليست كبيوت الأمراء، وهي بيوت الرعية فيها شيء من الخيرات، لكن ليست فيها حرسٌ كما هو الحال نحو بيوت الأمراء فاللص الإنسي ينظر إلى هذه البيوت فإن رأى غفلة من أصحابها دخل وسرق منها وإذا أوصدت الأبواب أمام وجهه واحترس أهل البيت من قِبَلِ هذا اللص لا يستطيع أن يقترب منها، هذه البيوت في الأرض أحوالها كحال القلوب في الصدر تماما والعدو الجني حاله كحال العدو الإنسي، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا. إخوتي الكرام..

стр. 3645

هذه القلوب بأقسامها الثلاثة، القلب الحي السليم، والميت السقيم، والقلب الذي فقد تمام الحياة وكمالها ولم يصل إلى حد العطب والموت، هذه القلوب الثلاثة لا تفتر من حركة ولا تتوقف عن عمل ولابد من شيء تشغل به ولابد من خير أو شر، طاعة أو معصية من نفع أو ضر، ولذلك كان نبينا ﷺ يلجأ إلى ربه في أن يثبت قلبه على الإيمان على الدوام وفي ذلك تعليم لنا. إخوتي في الإسلام.. أن نلجأ إلى ربنا بأن يثبت الإيمان في قلوبنا على الدوام، ثبت في مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي بإسناد حسن عن شهب بن حوشب وهو من ءأمة التابعين أنه سأل أمنا أم سلمة ﵂ فقال ما كان أكثر دعاء النبي ﷺ إذا كان عندك في بيتك (إذا جاء ليلتك فما أكثر دعاء يدعوا به نبينا ﵊ فقالت أمنا أم سلمة ﵂ [كان دعاء النبي ﷺ [اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك] إي والله إن القلب ما سمي قلباً إلا أنه يتقلب ولا يفتر من حركة وهو دءوب العمل في الخير أو الشر. ثبت في الكتابين المتقدمين في المسند، وسنن الترمذي بسند صحيح عن ﵁ قال كان يكثر النبي صلى ﷺ من هذا الدعاء [اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك] فقلنا يا رسول ﷺ ، قد آمنا بك وصدقناك فهل تخاف علينا فقال عليه صلوات الله وسلامه وفدائه آباءنا وأمهاتنا [إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء] ، وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عن عبد الله عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال [إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال النبي ﷺ [اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك] . إخوتي الكرام..

стр. 3646

هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لابد لها من حركة وعمل، إما أن تجول في الشر، وإما أن ترتع في الخير، ولذلك أخبرنا نبينا ﷺ أن أصدق اسم ينطبق على حقيقة الإنسان ويوافق مسماه على التمام، حارس وهمام، حارس مكتسب فاعل، فالفارق بين الحي والميت هو الفعل، وهمام، وهو الهم، لا يخلو واحداً منا من هم وخطرة وإرادة، ولا يخلو واحداً منا من كسب وسعي، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، ثبت في مسند الأمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي، وأصل الحديث في صحيح مسلم، ولفظ الحديث في الكتب الثلاثة في المسند وسنن أبي داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي وهو من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين أن النبي ﷺ قال [تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارس وهمام] أحسن الأسماء وأحبها إلى رب الأرض والسماء ما حمل اسم نبي أو دل على عبودية الله جل وعلا. اسمه محمد، أو أحمد أو يوسف أو يونس أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد الحليم أو عبد العظيم. وأقبح الأسماء ما دل على فتنة أو كرهٍ، حربٌ يدل على فتنة ومشاكل، ومرة، يدل على شيء تستكره النفوس وتتقذر منه وهي المرارة.

стр. 3647

وأصدق الأسماء. الأصدق يدل على مسماه وينطبق على حقيقته، حارس، أي فاعل مكتسب، لابد من كسب في الخير أو الشر، لابد، والنفس كما تقدم معنا إن لم تشغل بحق شغلت بباطل ـ وهذه النفوس والقلوب كالرحى، كالطاحون التي تفتر فإن وضعت فيها براً طحنته وأخرجت منه الطحنى دقيقاً، وإن وضعت فيها حجراً طحنته وأخرجت ترباً، وإن وضعت فيها شوكاً طحنته وأخرجت أذى وغماً وهماً، هذه النفوس لابد لها من حركة. أصدق الأسماء حارس وهمام، ولذلك قال أئمتنا الكرام هذه القلوب جوالة، فإما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش إما أن تجول في الملأ الأعلى حول عرش الرحمن وتذكر ذا الجلال ولإكرام، وإما أن تطوف حول مزابل الإنسان ووساوس الشيطان، إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش. إخوتي الكرام: وإذا كانت هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لا تفتر عن العمل وخترة وحديث وهم فينبغي على العاقل أن يقف عند قلبه وأن يتأمل ما يدور في نفسه وأن يبحث فيه هل هو له أو عليه. إخوتي الكرام: وهذا ما سنتدارسه في هذه الموعظة بإذن ربنا الرحمن، لأن أخوتي الكرام من مراقبة ما يدور في القلب ويجري في النفس فالإنسان بعمله القلبي يرتفع إلى درجة الصديقين أو يهوى إلى دركة الشيطان الرجيم، إما أن يكون في أعلى عليين أو في أسفل السافلين بعمله القلبي وأكثر. شهداء هذه الأمة أصحاب الفرش ورُبَّ قتيلٌ بين الصفين الله أعلم بنيته، هذا القلب لابد من مراقبة ما يقع فيه وهذه النفس لابد من مراقبة ما يجري فيها. إخوتي الكرام..

стр. 3648

إنما يدور في قلوب بني الإنسان ويخطر في نفوسهم ينقسم إلى خمسة أقسام أولها المرحلة الأولى: مرحلة الهاجس، وهذا الهاجس عرفه أئمتنا الكرام بأنه الشعور بأمر من الأمور في جانب الخير أو الشرور من غير اختيار من الإنسان ثم زال هذا الشعور من غير اختيار منك، ويقال على هذا الذي يقع في قلبك ويدور في نفسك إذا خطر وزال كان خطراته على قلبك ووقوعه بغير اختيارك وزواله بغير اختيارك يقال له هاجس، هذا الهاجس تكرم الله علينا فلم يعاقبنا عليه إذا كان في جانب السيئات وأيضاً لا ثواب عليه إذا كان في جانب الحسنات. ويليه أيضاً الخاطر: وهو استمرار ذلك الشعور جانب الخير أو الشرور فترة أطول من الهاجس ثم زوال ذلك الخاطر أيضاً دون اختيار منك، فالهاجس والخاطر هجما عليك بغير اختيارك وزولهما عنك بغير اختارك إن كانا في الخير أو الشر لا تثاب عليهما ولا تعاقب عليهما والسبب في ذلك أنه ليس منك كسبٌ وسعيٌ نحوهما ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، بما أن هذا جرى منك من غير اختيارك وزال من غير اختيارك فلا تثاب عليه ولا تعاقب. المرحلة الثالثة: حديث النفس المحدث نفسه بذلك الخاطر الذي استمر في نفسه فترة أن يحدث نفسه بحسنة أو بقبحة بفعله أو بتركه دون أن يرجح فعلاً على تركٍ أو تركاً على فعلٍ، إنما حدث نفسه فيه، خطر بباله أن يبني مسجداً لله، حدث نفسه بحسن ذلك العمل ومنفعته دون أن يرحج البناء على الترك ومن باب أولى دون أن يعزم على البناء على الترك، إنما حدث نفسه ببناء المسجد وأن فيه أجراً عظيماً عند الله جل وعلا، لكن ما مال على فعله ولا عزم على فعله، هذا يقال حديث النفس أستمر ذلك الخاطر في نفسه وبذل نحوه سعياً اختيارياً فبدء يتحدث به في داخله ثم زال عنه ذلك الخاطر أيضاً لانشغاله بغيره، فهذا من كرم الله وفضله يكتب لك في الحسنات ولا يكتب عليك في السيئات. ويليه حديث النفس الهم:

стр. 3649

وهو ترجيح الفعل على الترك ما حدث به نفسه وراء حسنة هم بفعله وكان نسبة الهم تزيد على النصف وهذا هو ترجيح الفعل على الترك، عزماً لم يصل إلى درجة التصميم، إنما إلى درجة ستين أو سبعين بالمائة ٦٠ أو ٧٠ % إنه سيبني ذلك المسجد فمن باب أولى يكتب له أجر الهم كما يكتب له أجر حديث النفس، وقد أشار نبينا ﷺ إلى كتابة أجر حديث النفس والهم في الحسنات وعدم كتابة حديث النفس في السيئات في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال [إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن عملها كتبها الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبها الله بمثلها] وفي بعض رواية الأمام مسلم يقول الله تعالى في الحديث القدسي [إذا حدث عبدي بحسنة فلم يعملها فكتبوها له حسنة] حدث، وهناك هم، فإذا حدثت نفسك بطاعة تكتب لك، هممت بخير يكتب لك، حدثت نفسك بمعصية أو هممت بها لا تكتب عليك في جانب حديث النفس والهم، كرماً من الله وفضلا. إخوتي الكرام: وفي بعض رواية الحديث في الصحيحين [إذا حدث نفسه وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة] ولا تعارض بين الروايتين لان من يحدث نفسه بسيئة ومن يهم بسيئة ينقسم حاله بعد ذلك في تركها إلى حالتين، إما أن يتركها غفلة عنها واشتغالاً بغيرها فلا تكتب عليه سيئة، وليس له في ذلك أجر، وإما أن يتركها خشية من الله واستحضاراً لعظمته وطرد ذلك الحديث والهم عنه بعد ذلك، بعد أن حدث نفسه بمعصية وهم بها استحضر عظمة الله وخشي الله وجاهد نفسه في ذات الله وأزال ذلك عنه الخاطر الرديء فيكتب له على همه بالسيئة حسنة عندما تركها خشية من ربه جل وعلا.

стр. 3650

وأما المرتبة الخامسة: التي تدور في القلوب وتجول في النفوس فهي مرحلة العزم: وهو التصميم الأكيد على فعل الشيء بحيث لو تمكن منه لفعله، بحيث لو لم يمنعه مانع خارجي عن نفسه لأوجد ما عزم عليه، ففي هذه الحالة يكتب على الإنسان ما عزم عليه في جانب الخير وفي جانب الشر مع أنه لم يباشره بجوارحه، فالنطفطن لما يقع في قلوبنا ما نعزم عليه من عزم على خير وجزم به كتب له، وإذا كان حديث النفس والهم يكتبان له فمن باب أولى أن يكتب العزم، وإذا عزم على شر كتب عليه كما لو فعله، لأنه لو لم يفعله، المانع عنه مانع خارجي، وقد دلت آيات القرآن وتواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ على أن العزم يؤاخذ عليه الإنسان ويكتب عليه، يكتب له في جانب الخير بلا خلاف، وهكذا يكتب عليه في الشر كما دلت على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ -

стр. 3651

فأما الآيات فسأقتصر على آية واحدة يقرر الله فيها الأمر في سورة النور فيقول العزيز الغفور ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ إن الذين يحبون، والمحبة عمل قلبي، أحب في قلبه ومال قلبه إلى هتك ستر المسلمين وطار فرحاً عندما يهتك ستر مسلم، لم يتكلم بشفتيه ولا سعى بجوارحه، لكن إذا تُكلم على مسلم في حضرته فرح، هذا الفرح عمل قلبي ما حرك جوارحه، هذا العمل القلبي له هذه العقوبة عند الله ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ ، هذا حال من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، نعم يجب عليك أن تستر عباد الله وأن تحب سترهم في هذه الحياة فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة وثبت عن نبينا الصلاة والسلام في معجم الطبراني والأوسط من رواية جابر عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال [من ستر على مؤمن فكأنما أحيا موؤدة] وفي رواية [من ستر عورة فكأنما استحي موؤدة] من ستر عورة من عورات المؤمنين فكأنما استحي موؤدة، أراد بوالدها أن يقتلها فأخذها حية ورباها فله أجر عظيم عند الله وهكذا حال من يستر عباد الله، فإذا أحب الإنسان هتك الستر عن المسلمين له هذه العقوبة. أما إذا سعى بجوارحه في هتك أستارهم فله من العقوبة ما يخطر ببال كثير من الناس. ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير وستدرك الحاكم بإسناد لا بأس به عن حذيفة بن اليماني ﵁ أن النبي ﷺ قال [إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة] إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، تكلم في عرض مؤمن أو مؤمنة حبط عمله مائة سنة بطاعات وعبادات.

стр. 3652

إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة بن اليماني أيضاً رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال [لا يدخل الجنة نمام ينقل الكلام بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء لا يدخل الجنة] هو إذا أحب في قلبه هتك ستر المسلمين له عذاب أليم في الدنيا والآخرة فكيف إذا سعى بلسانه، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال [والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن: قالوا من يا رسول الله: قال الذي لا يؤمن جاره بوائقه] لا يأمنون شروره وبوائله وفتنه وضره فليس عند الله من عتاد المؤمنين.

стр. 3653

إذا عزم، إذا وصل في القلب وجل به يكتب للإنسان وعليه في جانب الخير أو الشر، وقد دلت على ذلك أحاديث النبي ﷺ سأقتصر على حديثين من أحاديثه الكثيرة التي تقرر هذا الأمر، الحديث الأول في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار: قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول] أي دخل القاتل النار، هذا أمره معلوم لأنه قتل مؤمناً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ﵊، فما بال المقتول؟ فقال ﵊ [إنه كان حريصاً على قتل صاحبه] أي عزم على ذلك في قلبه لكن لم يتمكن بجوارحه، منعه مانع خارجي، إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، وثبت في مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح من رواية الصحابي أبي كبشة الأنماري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [ثلاثةٌ أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فحفظوه] أما الثلاثة التي أقسم نبينا ﷺ على صحتها ووقوعها ولابد [ما نقص مال من صدقة] فمن تصدق لا ينقص ماله بل يزيده الله أضعافاً مضاعفة، ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا] ظُلم عبد في هذه الحياة فعفى يزيده الله عزاً ورفعة [ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر] إذا تعرض لسؤال الناس من غير حاجة يجعل الله فقره في قلبه ولا يأتيه إلا ما قدر له، هذه أقسم عليها النبي ﷺ .

стр. 3654

وأما الحديث الذي ينبغي أن نعيه ويتعلق بأمرنا وهو أن من عزم على الخير كتب له كأنما فعله، ومن عزم على شر كتب عليه كأنما فعله، يقول نبينا ﷺ [وأحدثكم حديثاً فحفظوه هذه الدنيا لأربعة نفر] أي حال هذه الدنيا مع الناس إلى أربعة أقسام والناس ينقسمون فيها إلى أربعة أقسام لا خامس لهم [رجل أتاه الله مالاً وعماً فهو يعمل في ماله بعلمه فيتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم أن لله فيه حقاً فهو في أعلى المنازل، ورجل أتاه الله علماً ولم يؤتيه مالاً فقال يا ليتني مثل فلاناً حتى أعمل بمثل عمله] قال نبينا ﷺ [فهم في الأجر سواء،] ذاك بعمله، وهذا بنيته [ورجل أتاه اله مالاً ولم يؤتيه علماً فهو يخبط في ماله فلا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم أن لله فيه حقاً فهو في أخبث المنازل، ورجل لم يؤتيه الله علماً ولا مالاً فقال يا ليتني مثل فلان الذي] الذي نفق ماله على المسكرات والمخدرات والاعتداء على الأعراض [يا ليتني مثل فلان أعمل بمثل عمله] قال نبينا ﷺ [فهما في الوزر سواء] لم يعمل شيئاً من المنكرات لكنه عزم عليها ولو تمكن منها لفعلها، هناك فهما في الأجر سواء، وهنا فهما في الوزر سواء. إخوتي الكرام: لابد من مراقبة ما يدور في هذا القلب فالإنسان بإمكانه أن ينوي الخيرات وأن يحصل بذلك أعظم الدرجات عند رب الأرض والسماوات. أسال الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله. الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله خير الخلق أجمعين، اللهم صلى علي محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين عباد الله..

стр. 3655

إذا كان حال القلوب كما تقدم وما يدور فيها. حاله كما فصلت وذكرت فينبغي أن نعلم أن القلوب هي أصل الأعمال، والأعمال الظاهرة مرتبطة بما يقع في القلب، فاعمل الظاهري الذي يقع منك صحته وفساده، قبوله ورده، حصول الثواب أو العقاب عليه متوقف على ما يقع في القلب من عزم ونية، فقد قرر هذا نبينا ﷺ ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [إنما الأعمال بالنيات] صحة وفساداً، قبولاً ورداً، ثواباً وعقاباً، [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه] هو في الصورة مهاجر لكنه عند الله خاطبٌ أو تاجرٌ [فهجرته إلى ما هاجر إليه] . إخوتي الكرام: وإذا كان الإنسان إذا حدث نفسه بطاعة أو هم بها أو عزم عليها يكتب له أجرها فينبغي على الكيس في هذه الحياة أن يفعل بجوارحه ما استطاع من الحسنات وما يعجز عنه ينبغي أن ينويه وأن يهم به وأن يحدث نفسه به وأن يعزم عليه، فإذا عزم عليه وأتى بما في وسعه مما تتمكن منه جوارحه يكتب له أجر ما عزم عليه، فالعازم على الطاعة إذا لم يتمكن منها يكتب له أجر العامل الكامل ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ . إخوتي الكرام:

стр. 3656

إن الحديث بالحسنات والهم بها والعزم عليها يسيرٌ يسير وفعلها ليس بالعسير، وإن الحديث بالسيئات ثقيل وخيم وبيل وفعلها أشنع منها وقد أشار ربنا جل وعلا إلى هذا في آخر سورة البقرة فقال ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ أنظر لدلالة الآية الكريمة على سهوله الحسنة وانتفاع العبد بها، وعلى ثقل السيئة وتضرر العبد بها، من وجهين أشار إليها ربنا جل وعلا بهذه الآية فقال ﴿لها﴾ تعجيلاً بالمسرة فهذا ﴿لها﴾ تنتفع به وتحوذه وتملكه، ثم في جانب الفعل ما كسبت ليس لها تكلف ولا ثقل ولما أتى للسيئات ﴿عليها﴾ تعجيلاً بالمضرة، فكأنها تحمل شيئاً يثقلها ويتعبها ويؤذيها وتتضرر به ولما أتى لجانب الفعل أتى بصيغة الافتعال ﴿ما اكتسبت﴾ وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، نعم إن الهم بالسيئة ثقيل، وهو خلاف الفطرة التي فطر الله عليها عباده، وفعل السيئة أثقل منها، ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ . أسأل الله جل وعلا أن يشرح صدورنا لطاعته ومحبته في جميع أحوالنا وأوقاتنا، إنه على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وإذا أردت فتنة بعبادك فقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك ومن المقربين لديك، الله اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وأصلح ذات بينهم ونصرهم على عدوك وعدوهم إنك على كل شيء قدير، عباد الله ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ .

стр. 3657

رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع الموعظة العاشرة (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الموعظة العاشرة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما، وهدانا صراطا مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) . وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عميا، وآذاناً صما، وقلوباً غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .

стр. 3658

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) . أما بعد: معشر الإخوة المؤمنين.. أفضل البقاع وأحبها إلى رب الأرض والسماء المساجد، فهي بيوت الله في الأرض، وفيها نوره وهداه، وقد وصف الله الذين يعمرونها ويتواجدون فيها بأنهم رجال، ثم نعتهم بأربع خصال تدل على أنهم أهل الرشد والعقول والكمال ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وإِقَامِ الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ (٢) لا يلهيهم عرض الدنيا ومتاعها، هذه الصفة الأولى يعظمون الله، فيصلون له، ويذكرونه ، يشفقون على عباد الله، ويحسنون إليهم، فيتصدقون عليهم، ويواسونهم، ثم هم في أتم استعدادٍ ليوم الميعاد ﴿يَخَافُونَ يَوْمَاً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ والأبْصَارُ﴾ وهذه الصفات التي نعت الله بها الرجال الذين يعمرون بيوته في هذه الحياة ينبغي أن نقف عندها، لنتصف بها، ونسأل الله أن يجعلنا من أهلها، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. الصفة الأولى: يلهي من يعمرون بيوت الله عرض الدنيا ومتاعها، لا يلهيهم ذلك ولا يشغلهم عما أوجب الله عليهم، وعن الغاية التي خلقوا من أجلها ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ وعند هذه الآية المباركة يوجد تنبيهان ينبغي أن نقف عندهما على وجه الاختصار.

стр. 3659

التنبيه الأول: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ فأثبت الله لهم التجارات والبيوع في هذه الحياة، وهذا من كمال رجولتهم، لئلا يحتاجوا إلى غير ربهم جل وعلا؛ فهم يزاولون البيوع والتجارات في هذه الحياة؛ لكن لا يشغلهم ذلك طرفة عين عن الحقوق والواجبات، وعن طاعة رب الأرض والسماوات، وهذا المعنى هو المعنى الحق الذي ينبغي أن تفسر به الآية، ولا يجوز أن تحمل على غير ذلك، وما ذهب إليه بعض الناس، من أن الله جل وعلا نفى التلهي والالْتِهَاءَ عن من يعمرون بيوته لعدم وجود تجارةٍ وبيعٍ عندهم؛ فهو معنىً ركيك، ينبغي أن يتنزه عنه كلام الله جل وعلا، قال الإمام الألوسي عليه رحمة الله: "إنما أثبت الله لهم البيوع والتجارات، وأخبر أن هذه البيوع، وتلك التجارات لا تلهيهم عن طاعة رب الأرض والسماوات؛ فهذا أمدح لهم وأحسن في أوصافهم، فعندهم عرض الدنيا لكن في الأيدي، ولا أثر له في القلوب، وإذا نادى منادي طاعة الله جل وعلا أسرعوا إليه ولبوه". وقال الإمام الرَّازي: "هذا المعنى الذي قاله بعض الناس فاسدٍ باطل؛ فلا يقال فلانٌ لا تلهيه تجارته ولا بيعه إلا إذا كان يزاول البيع والشراء؛ فهم يزاولون البيوع ويعملون التجارات في هذه الحياة، لكنَّ ذلك لا يشغلهم عن طاعة رب الأرض والسماوات.

стр. 3660

الأمر الثاني: أما ما يتساءل عنه كثيرٌ من الناس، لمَ ذكر الله البيع بعد التجارة وما البيع إلا نوعٌ من التجارة؛ فالتجارة بيعٌ وشراء، وأخذٌ وإعطاء، فلم خُصَّ البيع مع أنه يدخل في ضمن التجارة؟ وهل تكون التجارة دون أن يبيع الإنسان ويشتري؟ لا، ثم لا؛ فالتجارة قائمة على أمرين؛ يشتري التاجر ما يشتريه، ثم بعد ذلك يبيعه لحصول ربحٍ فيه، فعلامَ خص الله البيع بعد التجارة وهو داخلٌ في التجارة؟ ولِمَ لَمْ يذكر الله جل وعلا الشراء بعد التجارة كما ذكر البيع؟ فالبيع يدخل في التجارة والشراء يدخل في التجارة فعلامَ ذكر الله البيع بعد التجارة دون الشراء؟ وما الحكمة من ذكر هذا الخاص بعد دخوله في لفظ التجارة؟ إنما ذكر الله البيع بعد التجارة لثلاثة أمورٍ معتبرة: (١) لأن البيع هو أدخل في الإلهاء من الشراء من ثلاثة أوجه: فالتجارة بيعٌ وشراء؛ لكنَّ التلهي والاشتغال يكون في البيع أكثر ما يكون في الشراء وذلك من ثلاثة أوجه كما قرر هذا أئمتنا العلماء: أولها: البيع في الغالب الربح فيه مضمونٌ متيقنٌ، وأما الشراء فربح فيه غيبٌ مستقبل، وذلك مظنونٌ أو مشكوكٌ فيه. التاجر عندما يبيع السلعة في الغالب حصل ربحاً، وأما عندما يشتري الأمر موقوف على المستقبل، قد يباع السلعة بربحٍ وقد تباع بخسارة، وأما البيع فهذا ربحٌ متيقنٌ؛ فلا يلهيه البيع والشراء، لا تلهيه التجارة، ثم ذكر ما هو أدخل في الإلهاء، وما ينبغي أن يُنَصَّ عليهُ لبيان قدر هؤلاء الرجال، وكمال عقولهم، وطاعتهم لربهم. هذا البيع الذي فيه الربح متيقن إذا حان وقت طاعة الله جل وعلا والإحسان إلى عباد الله، يقومون بذلك على وجه التمام، ولا يشتغلون بالبيع الذي الربح فيه - كما قلنا - حاضر متيقنٌ لا شك فيه.

стр. 3661

الأمر الثاني: البيع في الغالب يكون مقابل إعطاء سلعة وأخذ نقد، وأما الشراء ففي الغالب أن يعطي الإنسان نقداً ويأخذ سلعة، والنفوس البشرية تتعلق بالنقد وتميل إليه أكثر من ميلها إلى السلع، إذاً البيع محبوبٌ إلى النفس أكثر من الشراء؛ من أجل أن يحصِّل الدراهم والدنانير ويملأُ جيبه من هذه الفلوس، فالتلهي في البيع أكثر من التلهي بالشراء؛ ولذلك خصه الله جل وعلا بعد التجارة بالذكر. والأمر الثالث: وهو معتبرٌ أيضا، التجارة يمكن أن تكون عن طريق الجلب، وأن يجلب الإنسان البضائع والسلع من أماكن أخرى بواسطة من يحملها له، وأما البيع فيكون عندما يُصَرِّفُها عن طريق يديه وبيديه، فالإلهاء بالبيع أكثر من التجارة التي تجلب من كل جهةٍ، ومن كل مكان، عن طريق من يحملها، ومن يُوصلها إليه. ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ إذاً عروض: الدنيا أمتعتها، زخرفها، زينتها، لا يشغلهم ذلك عما أوجبه الله عليهم. عباد الله: كيف ينتهي هؤلاء الرجال العقلاء بمتاع الدنيا وزينتها، وكلها سريعة الزوال إلى فناءٍ، لا تبقى ولا تدوم، وليس لها عند الحي القيوم أي وزنٍ وأي اعتبار، كيف يتلهى هؤلاء الرجال، الذين نُعِتُوا بأنهم رجال؟ كيف يتلهون ويشغَلَون بمتاع الدنيا وزينتها؟ والدنيا من أولها وآخرها ليس لها قدرٌ عند ربها جل وعلا.

стр. 3662

ثبت في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه، والحديث رواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، الطبراني في معجمه الكبير، وأبي نعيم في الحلية، البيهقي في شعب الإيمان، وإسناده صحيح من حديث سهل بن سعد ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء] سبحان ربي العظيم؟؟ الدنيا من أولها لآخرها بجميع أمتعتها وزخارفها، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كان لها هذا المقدار عند العزيز القهار، ما سقى الكفار في هذه الحياة شربة ماء، ولا جرعة ماء، لهوانهم على ربهم جل وعلا، لكنَّ هذه الدنيا لا وزن لها، ولا قدر لها، فيعطيها الله لمن يحب ولمن يكره، [لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافر منها شربة ماء] فكيف يتلهى العقلاء بالتجارة والبيوع عن طاعة رب الأرض والسماوات؟ وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن كل ما في هذه الدنيا ملعون، إلا ما أريد به وجه الحي القيوم، فكيف يتلهى هؤلاء المؤمنون الموحدون، الذين يعكفون في بيوت الله، ويذكرون الله، كيف يتلهون ويُشْغَلون بالبيوع والتجارات؟ ثبت في سنن الترمذي، وابن ماجه، من رواية أبي هريرة ﵁، والحديث روي عند عدة من الصحابة الكرام روي عن عبد الله بن مسعود عن أبي الدرداء، وعن جابر بن عبد الله، ﵃ أجمعين، والحديث إسناده صحيح عن نبينا ﷺ أنه قال [الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، وما والاه، وعالماً، أو متعلما] .

стр. 3663

الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالماً، أو متعلما، وفي بعض رواة الحديث [الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما أريد به وجه الله منها] وفي بعض الروايات [الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما أريد به وجه الله منها، إلا ما ابتغي به وجه الله] وفي بعض الروايات [الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا أمر بمعروفٍ، أو نهيٍ عن منكر، أو ذكر الله جل وعلا] وخلاصة الكلام كل ما في هذه الدنيا ملعون، إلا من أطاع الحيَّ القيوم، الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، وما والاه، وعالماً، أو متعلما، فكيف يتلهى هؤلاء الأخيار بهذه الدنيا التي ليس لها قدر واعتبار عند العزيز الغفار . إخوتي الكرام: أخبرنا الله في كتابه في كثير من الآيات عن حقيقة هذه الدنيا، وعن أحوالها، فكيف يركن إليها من يعمرون بيوت الله، ونُعِتُوا بأنهم رجال؟ يقول الله جل وعلا في سورة الأنعام ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلْذِينَ يَتْقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١) الحياة الدنيا في سرعة زوالها وقصر أيامها، حالها كحال من يلعب بشيءٍ ويتلهى به، سرعان ما يزول، وسرعان ما ينقضي، وهكذا الحياة الدنيا.

стр. 3664

والمعنى الثاني للآية الكريمة ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ما أمرها من أولها لآخرها، وما حال من يركن إليها إلا لعبٌ ولهوٌ، كحال لاعبين عندما يلعبون هم يلعبون فسيزولون ولعبهم، لا قيمة له، ولا وزن، ولا اعتبار ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلْذِينَ يَتْقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قال أئمتنا المفسرون: في ذلك إشارة إلى أن أمور التقوى في هذه الحياة ليست من الدنيا ﴿وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلْذِينَ َيَتْقُون﴾ اتقوا الله في هذه الحياة؛ فعظموه وأطاعوه؛ فهؤلاء ما بِاللَّهْوِ ولا باللعب. إخوتي الكرام: وإذا قرن الله بين اللعب وبين اللهو في كتابه، فيفترقان من حيث المعنى افتراقاً لطيفاً، مع أن كل منهما يدل على أن صاحب اللعب وصاحب اللهو اشتغلا بالباطل، لكن بينهما مفارقةً عندما يقترنان؛ إذا قرن اللعب باللهو، فمراد من اللعب أن الإنسان يشتغل بالباطل، وقد يفعل الحق، وقد لا يفعله، قد يقوم بالواجب، وقد لا يقوم به، وأما إذا ذكر اللهو بعده، دل على أنه اشتغل بالباطل مع إعراضه عن الحق وعدم المبالاة به، وأما اللعب فقط، فقد يلعب الإنسان ويشتغل بالباطل، ثم يقوم بالواجبات وبالحقوق، ويقوم بشيءٍ منها، ولا يلزم من ذلك أن يعرض عنها، أما اللهو فقد لهى قلبه عنه، وأعرض قلبه عن هذا الحق، بحيث اشتغل بالباطل مع نفرةٍ من الحق وكراهيةً له، وهكذا حال الحياة الدنيا

стр. 3665

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا لَعِبٌ﴾ : اشتغالٌ بأمور الباطل، ﴿ولهو﴾ : إعراضٌ عن الحق مع اشغال بالباطل، هذا حالها، وهذا أمرها، وهذا حال من يركن إليها، ويستقر فيها، إلا المتقين، ﴿وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتْقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقال جل وعلا في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدَّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِي الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ، ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ .

стр. 3666

حيوان: أي حياة كاملةٌ تامة، من حيَّ، والأصل أن يقول: حَيَيَان قال أئمتنا قلبت الياء الثانية واواً، فصارت حيوان، حياة كاملة، وإنما أتى بصيغة فَعَلان؛ ليدل على الحياة والإطراب والبهجة والكمال والتمام، لأن ذلك يقابل السكون الذي يكون عن طريق الموت (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) ؛ أي الحياة الكاملة التي فيها بهجةٌ وحيويةٌ ونشاطٌ على وجه التمام والكمال ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (١) ، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِي الْحَيَوَانُ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إذاً هذه الحياة الدنيا لهو ولعب، ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنَّ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكَمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (٢) كما قال الله في سورة محمد، على نبينا صلوات الله وسلامه، وهكذا قَصَّ الله علينا حال الدنيا في كثيرٍ من الآيات في كتابه فقال جل وعلا في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأمْوَالِ وَالْأوْلَادِ كَمَثِلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُه ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣) يتمتع بها على وجهٍ ما، ثم تنقضي وتزول، لكنَّ هذا المتاع الزائل يَغْتَرُّ به كثيرٌ من ضعاف العقول، لا يغتر بذلك الرجال الذين يذكرون الله في بيوته في هذه الحياة، ﴿رِجَالٌ﴾ ، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ لا يغتر بها إلا من اغتر عقله، ولم يكن رجلاً ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكَمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ

стр. 3667

زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١) . عباد الله: ولذلك نهانا الله جل وعلا من التلهي بها، والاشتغال بها، والعكوف عليها، بحيث يشغلنا ذلك عما أوجبه الله علينا، فقال جل وعلا في سورة المنافقون: ﴿يَا أَيَّهَا الذِّينَ آمَنُوْا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا أَوْلَادَكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وأَنْفِقُوْا مِنْ مَا رَزَقْنَاكَمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إِلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ *وَلَنْ يُؤَخِّرُ اللهُ نَفْسَاً إِذَا جَاءَ أجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقد أخبرنا الله جل وعلا عن حال الضعفاء ضعاف العقول عن حال الأنذال في هذه الحياة، أنهم أقبلوا على اللهو واللعب، واشتغلوا بذلك عن طاعة الله جل وعلا قال الله جل وعلا في أول سورة الأنبياء - على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه -: ﴿اقْتَربَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) لفظ الناس من أسماء العموم، وكل ما ورد من صيغ الذم بألفاظ العموم في كلام الحي القيوم يخرج منه المهتدون، يخرج منه الصالحون، فلا يدخلون في ألفاظ الذم العامة، إنما تلك تنال العُصَاةَ والكافرين ﴿وَالْعَصَرَ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الذِّينَ آمَنُوْا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَبِر﴾ (٤) ، ﴿لَقَدْ خَلَقَنَا الإنْسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ فِي أسْفَلِ سَافِلِينَ * إِلا الذِّينَ آمَنُوْا وَعَمِلُوا

стр. 3668

الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (١) ، ﴿اقْتَربَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبَّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) .

стр. 3669

سبحان ربي العظيم؟؟ لعبوا فاشتغلوا بالباطل، ثم أعرضوا بعد ذلك عن الحق، على وجه التمام والكمال، وعادوه ونفروا منه عندما اشتغلوا بالتلهي، ﴿لاهية قلوبهم﴾ ، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبَّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (١) فجمعوا بين اللعب واللهو، اشتغلوا بالباطل، ثم أعرضوا بعد ذلك عن الحق، على وجه التمام والكمال، ليتهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم، إنما لعبوا واشتغلت قلوبهم بعد ذلك باللهو والأعراض والنُفْرَةِ عن كلام رب العباد، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبَّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وأسَرُّوا النَّجْوَى الذِّينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) وأخبرنا الله جل وعلا عن مثل هذا في أول سورة الحجر فقال جل وعلا: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الذِّينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) وذلك عندما يرون عصاة الموحدين، الذين عملوا الباطل، ومن انحرف بعد ذلك عن الحق، ولا أعرضوا عنه على وجه التمام، إنما خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عندما يخرجون من نار الجحيم، بعد أن يعذبوا، يتمنى الكفار لو أسلموا في هذه الحياة، ونطقوا بتوحيد رب الأرض والسماوات ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الذِّينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِيهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) .

стр. 3670

إذاً عباد الله: الأبرار الرجال العقلاء، أهل الكمال، الذين يوحدون الله في بيوته، ويشهدون الصلوات، ومجالس الخير في هذه البيوت، لا تلهيهم البيوع، ولا التجارات، وهذان الوصفان ينبغي أن نقف عندهما، آخذ الوصف الأول؛ ألا وهو وجود بيوعٍ وتجارات واكتساب رزق من قبل المؤمنين الذين يعبدون الله في المساجد، وأما الوصف الثاني، وهو متعلق بعدم الالتهاء من هذا المال، وعدم الانسياق معه في جميع الأحوال، يأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في الموعظة الآتية، إن أحيانا الله. عباد الله: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (١) لهم تجارات، وعندهم بيوعٌ يقومون بها، فهم يعبدون الله، ثم يكدحون في هذه الحياة، وهذه من صفات الكمال فيهم، وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن طلب الرزق -في هذه الحياة عن طريق ما أحل الله- واجبٌ واجبٌ على كل مسلم، فمن فرط في ذلك، وهو مستطيع ثم تعرض لهذا أو ذاك؛ فهو عاصٍ لله جل وعلا معجم الطبراني الأوسط بإسنادٍ حسن من حديث أنس ابن مالك ﵁: قال سمعت النبي ﷺ يقول: [طلب الحلال فريضة على كل مسلمٍ] طلب الحلال فريضةٌ على كل مسلم، كما أن العلم ينور قلوبنا، نطلب الحلال والقوت؛ من أجل أن نغذيَ أبداننا، لئلا تكون بنا حاجةً إلى أحدٍ من خلق الله، حاجتنا إلى ربنا جل وعلا.

стр. 3671

[طلب الحلال فريضة على كل مسلم] وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن خير لقمةٍ يدخلها الإنسان جوفه هي ما يكتسبه عن طريق يده، ثم بين لنا أن أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، كانوا يتصفون بهذا الوصف، فكانوا يكدحون ويعملون، ويأكلون من كسب أيدهم، ومن عمل يمينهم، ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، والحديث رواه الإمام ابن ماجه، وغيرهم، والحديث صحيحٌ صحيح، فهو ثابت في صحيح البخاري، من حديث المقدام بن معد كرب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [ما أكل أحدٌ طعاماً قطُ خيراً من أن يأكل من عمل يده وإنَّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده] . نعم كان الأنبياء ينزلون إلى الأسواق، ويعملون، وليس في ذلك منقصةٌ، ولا ابتذال، إنما المنقصة والابتذال أن يكون الإنسان عالة على غيره، ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الْطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرَاً أوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إنَّ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ (١) وأي منقصة إذا دخل الإنسان إلى السوق، وباع واشترى، وقد كان أنبياء الله الكرام -عليهم جميعاً الصلاة والسلام- وهذا أفضل الكسب [ما أكل أحدٌ طعاماً قطُ خيراً من أن يأكل من عمل يده وإنَّ نبي الله داود -عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه- كان يأكل من عمل يده] .

стр. 3672

فإذا كنا ندخل بيوت الله لذكر الله، وعبادة الله، فعلينا واجبٌ آخر؛ ألا وهو السعي من أجل تحصيل الرزق والإحسان إلى عباد الله بعد ذلك، فنحن ممن يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ونحن ممن يعظمون الله، ويحسنون إلى عباد الله، ويشفقون على خلق الله، وأما أن يمد الإنسان يديه إلى غيره، فهذه النذالة، وهذا هو النقصان ولا يمكن أن يتصف المؤمن بهذا، إلا إذا وصل إلى حد الضرورة، بحيث لو لم يجد لمات، ومع ذلك فلو مات لكان عدم سؤاله أولى، لو مات وما سئل غير الله، لكان هذا خيراً له في هذه الحياة، وبعد الممات، وإذا جاع الإنسان ولم يسأل حتى مات، فلا إثم عليه، ولا حرج، نعم إذا كان عنده طعام، وما أكله حتى مات، فهو من أهل النار، أما إذا ما سئل أحداً من خلق الله وقال السؤال ذل، أنا عندما أسأل غير الله جل وعلا أضيع حق الله فقد أمرني الله أن أسأله [إذا سئلت فسأل الله] ، فكيف أصرف هذا السؤال إلى عبدٍ لا يملك لنفسه -فضلاً عن غيره- نفعاً ولا ضرا؟ ثم بعد ذلك أظلم هذا العبد، وأعتدي عليه، وأضجره، فأحب ما عند الناس من أموالهم التي اكتسبوها، وأنا عندما أحرجهم بالسؤال، وآخذ منهم هذه الأموال؛ فقد آذيتهم، وأضجرتهم، ولذلك قال الله: ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ * إِنَّ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ (١) ، أي أن الله جل وعلا، ما أمرنا أن نتصدق بجميع أموالنا، وإذا بالغ في الطلب، وطلب منا أن نتصدق بجزءٍ كبير، بخل بذلك عددٌ كثير، إنما فرض الله نصيباً معلوماً، مقدراً يسيراً، فأنت كيف إذاً تضجر هؤلاء الناس، وتأخذ منهم ما جمعوه وما أخذوه، إن أعطوك عن طيب نفسٍ فبها ونعمة، وأما الإلحاح هذا، في حال حاجة النقص فكيف في عدم الحاجة؟ والأمر الثالث تذل نفسك أيها الإنسان، أنت عبدٌ للرحمن ما يرضى الله أن تتذلل إلا له، كيف تريق مال وجهك من أجل أن تأخذ من فلانٍ، أو من غيره، ولذلك [ما أكل أحدٌ طعاماً

стр. 3673

قط خير من أن يأكل من عمل يده] إذا كنا نشهد بيوت الله؛ فينبغي أن يكون عندنا عزاً، وينبغي أن يكون عندنا مروءة، وينبغي أن يكون عندنا شهامة، نحن عباد الله في هذه الحياة، ليس لنا إلى غير الله حاجة. ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وإِقَامِ الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ (١) وقد أخبرنا نبينا أن الذين يحرزون المال من طريقٍ حلال، ويكون عندهم ثروةٌ طائلة ينتفعون وينفعون، فنعم ما فعلوا، ولهم أجرٌ كبيرٌ عند الله جل وعلا، ثبت في مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، ورواه ابن سعدٍ في الطبقات، والبيهقي في شعب الإيمان، وإسناده صحيحٌ كالشمس من رواية عمرو بن العاص، قال سمعت النبي ﷺ يقول: [نِعِمَّا المال للرجل الصالح] ، [نعم المال الصالح للرجل الصالح] ، فهؤلاء العباد لهم تجارات، ولهم بيوع، ولكن ذلك لا يشغلهم عن طاعة الله جل وعلا [نِعِمَّا المال للرجل الصالح] .

стр. 3674

عباد الله: إن استغناء الإنسان عن غيره، عندما يبيع ويشتري، هذا عزٌ له في هذه الحياة، ورفعةً لقدره بعد الممات، ثبت في مستدرك الحاكم، ومعجم الطبراني الأوسط، من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أتاني جبريل فقال لي يا محمد -على نبينا صلوات الله وسلامه- عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وأن عز المؤمن استغنائه عن الناس] وأن عز المؤمن استغنائه عن الناس، فأنت أيها العبد الذي تدخل في بيت سيدك في هذه الحياة، ينبغي أن يكون لك حرفة، وينبغي أن يكون لك مهنة، ولا عار ولا منقصة إذا دخلت السوق، أو إذا ذهبت لتحتطب، أو إذا سافرت لتتاجر، فهذا نعت المؤمنين الذين يعبدون رب العالمين في هذه البيوت، ﴿لا تُلهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (١) عندك بيوع، وعندك تجارات تكتسب وتنتفع وتنفع، لكنَّ هذه التجارات لا تشغلك ولا تلهيك عن الواجبات. [عز المؤمن استغنائه عن الناس] .

стр. 3675

عباد الله: إن الرزق مقسوم كما يقال، وإن العمر محتوم، وإذا كان الأمر كذلك، فنحن نتعرض لنفحات الحي القيوم، نكدح في الأسواق، ونعمل في المزارع، ونزاول التجارات، ونبيع ونشتري، لكن كما قال الله: ﴿لا تُلهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (١) ، إننا عندما نتعرض لتحصيل فضل الله ورزق الله، نعلم أنه لن يأتينا إلا ما قسم لنا، ولن يأتينا إلا ما تَفضَّل به ربنا علينا، فهذا المقسوم محض فضلٍ من الحي القيوم، وهذا يكسب أبداننا راحةً، فلا نلهث وراء المال، كما تلهث السباع الضارية في البرِّيَّة، ويكسب قلوبنا قناعةً، فنعلم أن ما قدر لنا سيأتينا، إنما حالنا كما قال الله: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢) ، ذَلْلَّهَا ويسرها من أجل أن نمشي عليها، فلا نقاسي فيها عنتاً ولا شدةً، من أجل أن نحصل الرزق والخير والبركة ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ هذا من رزق الله، ومن فضل الله، والرزق الذي يحصله الإنسان في هذه الحياة محض فضلٍ وكرمٍ من رب الأرض والسماوات، كما قال جل وعلا في سورة الجمعة: ﴿يَا أيَّهَا الذِّينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنَّ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٣) فالرزق الذي نحصله محض فضلٍ وكرم من الله جل وعلا، ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرَاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) وهكذا أخبر الله عن الرزق في كثير من الآيات بأنه محض فضلٍ وكرم، يعطيه الله من يشاء من عباده، فقال جل وعلا: ﴿

стр. 3676

رَبُّكُمُ الذِّي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحَرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيِمَا﴾ (١) لتبتغوا من فضله: لتحصلوا الرزق والتجارة في البر والبحر، ﴿رَبُّكُمُ الذِّي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحَرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيِمَا﴾ . والله جل وعلا فاوت بين عباده في أمر الرزق، لتتم مصلحة الكون، وليتم أمر الناس والعالم، فهذا غنيٌ، وذاك فقير، وهذا الغني يستعمل الفقير في عملٍ، فيعطيه عليه أجرة، وينتظم نظام الكون، ولله جل وعلا حكمة في ما خلق وقدر، كما قال جل وعلا في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرَآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعَضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً سُخْرِيَّا﴾ (٢) أي بالتسخير والعمل، والقراء والأجرة ﴿لِيَتَخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً سُخْرِيَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمِّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣) .

стр. 3677

ثم أخبرنا الله جل وعلا أن ذلك في هذه الحياة لا وزن له عند رب الأرض والسماوات، فقال جل وعلا: هذه الدنيا حقيرةٌ مهينة، ولو أردت أن أعطيَ الكافر ما يستحقه في هذه الحياة، لجعلت له من النعيم ما يخطر ببال أحد، لهوان الدنيا على الله جل وعلا، فقال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمِّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلا أنَّ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١) أي: على الكفر، فيكفر ضعاف العقول عندما يعطى للكافر من النعيم؛ لأنه كفر ﴿وَلَوْلا أنَّ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجْعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفَاً مِنْ فِضَةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلبيوتهم أبواباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفَاً وَإِنَّ كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَقِينَ﴾ (٢) إذاً عباد الله نحن بهذا الرزق نتعرض لطلبه، نتعرض لنفحات الله جل وعلا، ونوقن أن ما قدر لنا سيأتينا فلا ننصب ونتعب أبداننا، ولا ندخل القلق والهم إلى قلوبنا، قلوبنا فيها القناعة، وأبداننا فيه الراحة، وما قدر لنا سيأتينا، وزاولنا بعد ذلك أمور البيوع والتجارات، والرزق.

стр. 3678

كما أخبرنا نبينا ﷺ أنه سيأتي الإنسان حسب ما قدر له، كما سيأتيه أجله، كما أنك لا يمكن أن تفر من أجلك، لا يمكن أن تفر من رزقك، ولذلك ثبت في مستدرك الحاكم بسندٍ صحيح، عن عبد الله ابن مسعودٍ ﵁، والحديث رواه الحاكم، وابن حبان، ورواه الإمام ابن ماجه في سننه، من رواية جابر بن عبد الله، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، وأبو نعيم في الحلية، من رواية أبي أمامة ﵃ أجمعين- من رواية عبد الله بن مسعودٍ ﵁، ومن رواية جابر، ومن رواية أبي أمامة، ولفظ الحديث عن نبينا ﵊ أنه قال [إن روح القدس نفث في روعي] أي: في قلبي [أنه ليس من نفسٍ تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] ما قدر لك سيأتيك، فخذه بعز، وخذه بطاعة الله جل وعلا، ولا داعي بعد ذلك أن تتعرض لما يسخط الله جل وعلا. [إن روح القدس نفث في روعي، أنه ليس من نفسٍ تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] وثبت في صحيح ابن حبان، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والبزار في مسنده من رواية أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله] .

стр. 3679

وفي رواية الطبراني [إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله] فكما أنك لا تفر من أجلك، وأينما كنت سيوافيك الموت، ولو كنت في بروجٍ مشيدة، والله لو كنت في جحر ضب لجاءك ما قسم لك وما قدر لك، نعم أنت مأمورٌ بالسعي والكسب والتعرض لنفحات الله عن طريق ما أحل الله، فهذا وصف عباد الله، يبيعون ويتاجرون ويعبدون الحي القيوم [إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله] وقد جعل الله الرزق بين الحياة وبين الممات، فوسط الرزق بين الأمرين، وكما أننا لا نشك في خلقنا، ولا نشك في موتنا، ولا نشك في بعثنا، فما ينبغي أن يعترينا شك نحو رزقنا ﴿اللهُ الذِّي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثَمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مِنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) وأنت الواجب عليك -كما قلت- أن تتعرض لنفحات الله، فإذا قدر لك رزقٌ كثيرٌ جاءك، إذا قدر عليك في الرزق، جاءك ما قدر لك، وأنت على الحالتين راضٍ بما قسم لك، لكن الرزق لا ينال بمعصية الله، ولا بشطارة، ولا باحتيال، ما قدر لك سيأتيك، فإما أن تأخذه من طريقٍ حلال، وإما أن تأخذه من طريقٍ حرام، ورحمة الله على من قال: كَمْ مِنْ قَوِّيٍ وَقَوِّي فِي تَقَلْبُهِ ... مُهَذَّبُ الرَّأْيَ عَنْهُ الرِّزْقَ يَنْحَرِفُ وكم من ضَعِيفٍ ضَعِيفٍ فِي تَقَلْبُهِ ... كَأَنَّهُ مِنْ خَلِيجِ الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ هذا دَلِيلٌ على أنَّ الإلِهَ لَهُ ... فِي الْخَلْقِ سِرٌ خَفِيٌ لَيْسَ يَنْكَشِفُ إذاً هؤلاء العباد الرجال الأبرار الذين يذكرون الله في بيوته رجال ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (٢) لا تلهيهم تجارة ولا بيع يتاجرون ويبايعون، لكن ذلك لا يشغلهم عن طاعة الحي القيوم.

стр. 3680

عباد الله: وإذا كانت لنا تجارات وبيوع في هذه الحياة -كما قلت- نتعرض لنفحات رب الأرض والسماوات، لتحصيل هذا الرزق الذي أحله الله، هذا ينبغي أن يكون في قلبنا عند تحصيلنا قناعة، ولا داعي بعد ذلك للجشع، ولا لطمع، ولا للحرص، كم سيأتينا تفصيل هذا في الموعظة الآتية، فالقناعة الحقيقةً هي غنىً في هذه الحياة، وهي زخرٌ لك بعد الممات، والقناعة أن ترضى بما يكفيك، وأن لا تكثر من أمانيك، ما جاءك وما فيه كفاية فاحمد الله عليه، وهذا غنىً ليس بعده فقر، ثبت في مسند الإمام أحمد، والصحيحين، والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجه، من رواية أبي هريرة ﵁، وروي عن أنس، وأبي ذر ﵃ أجمعين- أن النبي ﷺ قال: [ليس الغنى عن كثر العرب إنما الغنى عنى النفس] ليس الغنى عن كثر العرب، إنما الغنى عنى النفس، فأنت إذا كان في قلبك هذه القناعة، ما جاءك يكفيك، وبعد ذلك تتفرغ لطاعة الله جل وعلا، ولا يلهيك البيع ولا التجارة عن طاعة الله جل وعلا، ورحمة الله على شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عندما ينشد، ويردد هذا كثيراً فيقول: رأيتُ القناعة ثَوبَ الغَنَى ... فَصِرْتُ بِأَذْيَالِها أَنْتَسِكُ فَأَلْبَسَنِي جَاهُهَا حُلَّةً ... يَمُرُ الزَّمَانَ وَلَنْ تُنْتَهَكُ فَصِرْتُ غَنِيَاً بِلا دِرْهَمٍ ... أَمُرُّ عَزِيزَاً كَأَنَّنِي مَلِكُ هذا حال عباد الله ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (١) يكدحون في هذه الحياة، وما جاءهم رضوا به، ثم بعد ذلك تفرغوا لطاعة الله جل وعلا. أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء، أن يربينا بما قسم لنا، وأن يجعل غنانا في نفوسنا، ونسأله أن يجعل نعمته عوناً لنا على طاعته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.
следующие страницы →