← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

رَبُّكُمُ الذِّي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحَرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيِمَا﴾ (١) لتبتغوا من فضله: لتحصلوا الرزق والتجارة في البر والبحر، ﴿رَبُّكُمُ الذِّي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحَرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيِمَا﴾ . والله جل وعلا فاوت بين عباده في أمر الرزق، لتتم مصلحة الكون، وليتم أمر الناس والعالم، فهذا غنيٌ، وذاك فقير، وهذا الغني يستعمل الفقير في عملٍ، فيعطيه عليه أجرة، وينتظم نظام الكون، ولله جل وعلا حكمة في ما خلق وقدر، كما قال جل وعلا في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرَآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعَضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً سُخْرِيَّا﴾ (٢) أي بالتسخير والعمل، والقراء والأجرة ﴿لِيَتَخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً سُخْرِيَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمِّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣) .

стр. 3677

ثم أخبرنا الله جل وعلا أن ذلك في هذه الحياة لا وزن له عند رب الأرض والسماوات، فقال جل وعلا: هذه الدنيا حقيرةٌ مهينة، ولو أردت أن أعطيَ الكافر ما يستحقه في هذه الحياة، لجعلت له من النعيم ما يخطر ببال أحد، لهوان الدنيا على الله جل وعلا، فقال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمِّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلا أنَّ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١) أي: على الكفر، فيكفر ضعاف العقول عندما يعطى للكافر من النعيم؛ لأنه كفر ﴿وَلَوْلا أنَّ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجْعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفَاً مِنْ فِضَةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلبيوتهم أبواباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفَاً وَإِنَّ كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَقِينَ﴾ (٢) إذاً عباد الله نحن بهذا الرزق نتعرض لطلبه، نتعرض لنفحات الله جل وعلا، ونوقن أن ما قدر لنا سيأتينا فلا ننصب ونتعب أبداننا، ولا ندخل القلق والهم إلى قلوبنا، قلوبنا فيها القناعة، وأبداننا فيه الراحة، وما قدر لنا سيأتينا، وزاولنا بعد ذلك أمور البيوع والتجارات، والرزق.

стр. 3678

كما أخبرنا نبينا ﷺ أنه سيأتي الإنسان حسب ما قدر له، كما سيأتيه أجله، كما أنك لا يمكن أن تفر من أجلك، لا يمكن أن تفر من رزقك، ولذلك ثبت في مستدرك الحاكم بسندٍ صحيح، عن عبد الله ابن مسعودٍ ﵁، والحديث رواه الحاكم، وابن حبان، ورواه الإمام ابن ماجه في سننه، من رواية جابر بن عبد الله، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، وأبو نعيم في الحلية، من رواية أبي أمامة ﵃ أجمعين- من رواية عبد الله بن مسعودٍ ﵁، ومن رواية جابر، ومن رواية أبي أمامة، ولفظ الحديث عن نبينا ﵊ أنه قال [إن روح القدس نفث في روعي] أي: في قلبي [أنه ليس من نفسٍ تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] ما قدر لك سيأتيك، فخذه بعز، وخذه بطاعة الله جل وعلا، ولا داعي بعد ذلك أن تتعرض لما يسخط الله جل وعلا. [إن روح القدس نفث في روعي، أنه ليس من نفسٍ تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] وثبت في صحيح ابن حبان، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والبزار في مسنده من رواية أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله] .

стр. 3679

وفي رواية الطبراني [إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله] فكما أنك لا تفر من أجلك، وأينما كنت سيوافيك الموت، ولو كنت في بروجٍ مشيدة، والله لو كنت في جحر ضب لجاءك ما قسم لك وما قدر لك، نعم أنت مأمورٌ بالسعي والكسب والتعرض لنفحات الله عن طريق ما أحل الله، فهذا وصف عباد الله، يبيعون ويتاجرون ويعبدون الحي القيوم [إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله] وقد جعل الله الرزق بين الحياة وبين الممات، فوسط الرزق بين الأمرين، وكما أننا لا نشك في خلقنا، ولا نشك في موتنا، ولا نشك في بعثنا، فما ينبغي أن يعترينا شك نحو رزقنا ﴿اللهُ الذِّي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثَمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مِنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) وأنت الواجب عليك -كما قلت- أن تتعرض لنفحات الله، فإذا قدر لك رزقٌ كثيرٌ جاءك، إذا قدر عليك في الرزق، جاءك ما قدر لك، وأنت على الحالتين راضٍ بما قسم لك، لكن الرزق لا ينال بمعصية الله، ولا بشطارة، ولا باحتيال، ما قدر لك سيأتيك، فإما أن تأخذه من طريقٍ حلال، وإما أن تأخذه من طريقٍ حرام، ورحمة الله على من قال: كَمْ مِنْ قَوِّيٍ وَقَوِّي فِي تَقَلْبُهِ ... مُهَذَّبُ الرَّأْيَ عَنْهُ الرِّزْقَ يَنْحَرِفُ وكم من ضَعِيفٍ ضَعِيفٍ فِي تَقَلْبُهِ ... كَأَنَّهُ مِنْ خَلِيجِ الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ هذا دَلِيلٌ على أنَّ الإلِهَ لَهُ ... فِي الْخَلْقِ سِرٌ خَفِيٌ لَيْسَ يَنْكَشِفُ إذاً هؤلاء العباد الرجال الأبرار الذين يذكرون الله في بيوته رجال ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (٢) لا تلهيهم تجارة ولا بيع يتاجرون ويبايعون، لكن ذلك لا يشغلهم عن طاعة الحي القيوم.

стр. 3680

عباد الله: وإذا كانت لنا تجارات وبيوع في هذه الحياة -كما قلت- نتعرض لنفحات رب الأرض والسماوات، لتحصيل هذا الرزق الذي أحله الله، هذا ينبغي أن يكون في قلبنا عند تحصيلنا قناعة، ولا داعي بعد ذلك للجشع، ولا لطمع، ولا للحرص، كم سيأتينا تفصيل هذا في الموعظة الآتية، فالقناعة الحقيقةً هي غنىً في هذه الحياة، وهي زخرٌ لك بعد الممات، والقناعة أن ترضى بما يكفيك، وأن لا تكثر من أمانيك، ما جاءك وما فيه كفاية فاحمد الله عليه، وهذا غنىً ليس بعده فقر، ثبت في مسند الإمام أحمد، والصحيحين، والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجه، من رواية أبي هريرة ﵁، وروي عن أنس، وأبي ذر ﵃ أجمعين- أن النبي ﷺ قال: [ليس الغنى عن كثر العرب إنما الغنى عنى النفس] ليس الغنى عن كثر العرب، إنما الغنى عنى النفس، فأنت إذا كان في قلبك هذه القناعة، ما جاءك يكفيك، وبعد ذلك تتفرغ لطاعة الله جل وعلا، ولا يلهيك البيع ولا التجارة عن طاعة الله جل وعلا، ورحمة الله على شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عندما ينشد، ويردد هذا كثيراً فيقول: رأيتُ القناعة ثَوبَ الغَنَى ... فَصِرْتُ بِأَذْيَالِها أَنْتَسِكُ فَأَلْبَسَنِي جَاهُهَا حُلَّةً ... يَمُرُ الزَّمَانَ وَلَنْ تُنْتَهَكُ فَصِرْتُ غَنِيَاً بِلا دِرْهَمٍ ... أَمُرُّ عَزِيزَاً كَأَنَّنِي مَلِكُ هذا حال عباد الله ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ (١) يكدحون في هذه الحياة، وما جاءهم رضوا به، ثم بعد ذلك تفرغوا لطاعة الله جل وعلا. أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء، أن يربينا بما قسم لنا، وأن يجعل غنانا في نفوسنا، ونسأله أن يجعل نعمته عوناً لنا على طاعته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 3681

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده الله ورسوله، خير خلق الله أجمعين. اللهم صلي على نبينا محمدٍ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمّن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. عباد الله: إذا جمع الإنسان المال، وأحرزه من طريقٍ حلال، ينبغي ألا يتعلق به، وألا يحبه، كما سيأتينا، وألا يبخل به، وألا يمنع الواجب فيه، وينبغي ألا يحرص عليه، وألا يتعلق به، وألا يشغله عن طاعة الله، وينبغي أن يقنع بما قسمه الله له. هذه أمورٌ خمسةٌ، نتدارسها في الموعظة الآتية إن شاء الله، والقناعة راحة الإنسان في هذه الحياة، وسعادة له بعد الممات. وقد أخبرنا خير البريات ﵊ أن من هداه الله للإسلام، وجعل في قلبه في هذه الحياة فهنيئاً له هنيئاً له، ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم، والحديث رواه ابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [قد أفلح من أسلم ورُزِق كفافا وقَنَّعَهُ الله بما آتاه] ، قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، والكفاف هو: ما كف على السؤال، وكان بمقدار الكفاية، فإذا هديت للإسلام، ورزقت رزقاً حلالا يكفك عن السؤال، وعن الاحتياج إلى الإمام ووجدت في قلبك القناعة، فهنيئاً لك يا عبد الرحمن. [قد افلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه] والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً، والترمذي، والإمام النسائي، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، عن نبينا ﵊ بلفظ [طوبى] عن فضالة بن عبيد الله ﵁، عن نبينا ﵊ بلفظ [طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافاً وقنع] ، طوبى لمن أسلم وكان عشه كفافاً وقنع، فهذه الأمور هي راحة لك في هذه الحياة وسعادةٌ بعد الممات.

стр. 3682

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، بفضلك ورحمتك يا أرحم الرحمين، اللهم صلي على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا، وآثرنا، ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، اللهم صلي على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم إنا نعوذ بك من نفسٍ لا تشبع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن علمٍ لا ينفع، ومن دعاءٍ لا يسمع، اللهم صلي على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا يا أرحم الراحمين، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما رَبَّوْنا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ﴾ (١)

стр. 3683

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله الذي أكمل لنا الدين. وأتم علينا بذلك النعمة، وجعل أمتنا بفضله ورحمته خير أمة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من توحد بجلال ملكوته، وتفرد بجمال جبروته، أتقن ما صنع وأحكمه، وأحصى كل شيء وعلمه، وخلق الإنسان وعلمه، ورفع قدر العلم وعظمه، ومنعة من أسترذله وحرمة، وخص به من خلقه من كرمه، فسبحانه من إله أذهل العقول عن الوصول إلى كنه ذاته الأبدية. وأدهش الخواطر عن الإحاطة بجليل صفاته السرمدية.

стр. 3684

وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء، وصفوة الأولياء، وإمام العلماء، وأكرم من مشى تحت أديم السماء، صل اللهم وسلم وبارك عليه في كل ساعة ولحظة وحين على دوام الأبد ما لا يدخل تحت الحصر والعدد ولا ينقطع عنه المدد، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، والصحابة الكرام الميامين، والتابعين لهم بأحسن إلى يوم الدين، صلاتا وسلاما تامين لا يعتريها انصرام، دائمين بإحسان على ممر الدهور والأيام. وبعد فإن الله بعث نبيه محمدا ﷺ بجوامع الكلم وحواصر الفهم ـ واتاه ـ دون خلقه كنوز الحكم ففي الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ بأن النبي ﷺ قال ((بعثت بجوامع الكلم)) فأبان الله به الحق للأمة، وكشف عنها ستر الغمة، وصانها من الزلة، ووقاها من النقمة، وحض عبادة المؤمنين على النفير للنفقة والتبصر في الدين فقال جل من قائل ((فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) (١) ووجههم إلى إنذار بريته، كما ندب إلى ذلك أهل رسالته، ومنحهم ميراث أهل نبوته، ورضيهم للقيام بحجته، ولنيابة عنه في الإخبار بشريعته واختصهم من عبادة بخشيته فقال ﵎ ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)) (٢) ثم أمر جميع الخلق بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم وجعل علامة زيغهم وضلالهم ذهاب علمائهم وتنصيبهم الرؤوس عليهم من جهالهم فقال ﵊ ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) (٣) .

стр. 3685

صدقت والله يا رسول الله، إن العصر الذي نعيشه قد نصب فيه الجهال رؤوسا، والعلماء المضلون إلا من رحم الله مفتونا، بعد أن قبض مخلصوا العلماء منا، ولم يبق إلا من إذا سألناهم بجوابهم أضلونا واغوونا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل. نسأل الله العلى القدير أن يلهمنا طريق الرشد ويبعد عنا كل فاجر وأن يكلألنا من فتن الغدايا والعشايا والهواجر وان يصلح حالنا، وأن يخلصنا له وممن قيل فيهم: إن لله عباد فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا ج نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحى وطنا جعلوها لجة وأتحذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا وأنا سائل أخا ألا ينسى في صالح دعوته في خلواته أن يدعوا لي ولوالدي ومشايخي وسائر المسلمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وبالله التوفيق والمستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. ١٣ ربع الأول ١٤١٣ ١٠ أيلول ١٩٩٢ أنس بن حامد العبد لله تعريف بهذا الكتاب لقد منا الله على بان وفقني لنيل شرف كتابه هذا الكتاب لفضيلة شيخنا المبارك أبى حمزة عبد الرحيم بن احمد الطحان. حفظة الله وأطال في طاعته بقاءه، وأناله في الحق مبتغاة، ورجاءه، أسائل ربى ﵎ أن يمهلني إلى إنهاء هذا الكتاب المبارك ليكون ذخرا للآخرة ((يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ)) (١)) ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) (٢) وأسأله تعالى أن يجعله من صالحات باقيات الأعمال وخالصات الآثار. وخالدات الحسنات إلى آخر الأعمار فإنه إذا أراد بعبد خيرا حسن عمله في الناس وأهله لخيرات هي بمنزلة العين من الرأس. وأساله سبحانه الرشاد والسداد فيما أنقل وفيما اكتب، وبالله أستعين هذا....ولقد اتبعت الخطوات التالية في إعداد هذا الكتاب.

стр. 3686

اعتمدت في كتابة متن الكتاب على السماع من شيخنا وذلك بطريقتين، الأولى عن طريق أشرطة الكاسيت: التي تم تسجيل محاضرات شيخنا فيها والمتعلقة بتلك الموضوعات. والثانية: عن طريق سماعي مشافهة لتلك المحاضرات وبذلك تم تدقيق المتن ? قمت بتخريج الآيات القرآنية. وجعلتها ضمن أقواس مزدوجة هكذا ((.....)) وقمت بمراجعة تخريج الأحاديث النبوية التي خرجها شيخنا والآثار وإن كان هناك بعض إضافة ذكرتها وقمت بتخريج الأحاديث والآثار التي لم يذكر شيخنا لها تخريجا من مصادرها من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم ونسبتها إليها وعنيت بضبط النص بشكل كامل بقدر المستطاع. وإذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بنسبته إليهما أو إليه في الغالب لأن في ذلك الكفاية. وكذا الأحاديث التي خرجها شيخنا إذا كان قد نسب الحديث إلى احد الصحيحين أو لكليهما اكتفيت بذلك غالبا وجعلت الحديث في ذلك كله ضمن أقواس مفردة هكذا] ..... [والحديث الذي خرجته صدرته بكلمة. قلت. لئلا يختلط مع تخريج شيخنا ولئلا ينسب له إن كان فيه خطأ. ? هناك بعض الألفاظ والكلمات قالها شيخنا باللغة العامية أو غير العربية أحيانا تسهيلا لفهمها ولاشتهارها بين الناس بذلك اللفظ، وضعتها ضمن قوسين مزدوجين صغيرين هكذا "...." ? قمت بوضع بعض التعليقات والشروح لبعض الجمل التي قالها شيخنا والتي ربما يكون فيها بعض الغموض على قارئها وبينت مقصود شيخنا منها قمت بتقوية بعض الآراء التي ذكرها شيخنا من المسائل المهمة وذكرت على بعضها الأدلة المقررة لتلك المسألة ولحكمها ? قسمت الكتاب إلى أبواب وفصول ومباحث ومطالب لتسهيل مراجعة الموضوعات وضعتها ? هناك بعض الأحاديث والآيات ذكرها شيخنا ولم يشر إلى أنها حديث أو آية وضعتها بين الأقواس وخرجت ذلك الحديث وتلك الآية في الهامش

стр. 3687

هناك بعض النقاط التي ذكرها شيخنا والتي تندرج تحتها نقط اصغر منها وفروع لها متعددة قمت بوضع أرقام لها فالنقطة الكبرى أطلقت عليها أولا والتي تحتها أعطيتها أرقام مثل: ٣,٢,١ التي تتفرع عن هذه الأرقام رمزت لها بـ أ , ب ? قمت بوضع فهرس الفبائي للأحاديث النبوية والآثار وفهرس آخر للموضوعات تسهل على قارئه الإطلاع على محتويات الكتاب واهم أبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه..... وبعد ... فأرجو من الله أن يوفق الجميع لأحسن الانتفاع بما في هذا الكتاب وان يستفيدوا منه في الخير والرشد ويسلكوا سبيل الرسول ﷺ الأفوم إلى الله على نور في كل الأمور وقد يكون هناك شيء من الخطأ في هذا العمل الذي لا يخلوا منه إنسان كائن من كان إلا من عصم الله فالمرجوا من الله أن يغفر لنا ويعفوا عنا ويلهمنا رشدنا إنه سميع قريب مجيب للدعوات وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وأجمعين. قال رسول الله ﷺ ﴾ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ﴿ الباب الأول التقوى تمهيد المبحث الأول: في بيان معنى التقوى المبحث الثاني: في بيان الأمور التي تحصل بها تقوى الإنسان لربه جل وعلا المبحث الثالث: ما الطريق الذي يوصلنا إلى التقوى المبحث الرابع: منزلة التقوى المبحث الخامس: ما هي علامة قبول التقوى؟ وما هو البرهان على صدق صاحبها؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعن ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتننا انك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا بفضلك ورحمتك يا ارحم الراحمين.

стр. 3688

إخوتي الكرام أخرج الإمام الترمذي في سننه والإمام احمد في مسنده والإمام الحاكم في مستدركه ﵏ جميعا بسند صحيح عن أبى ذر جندب ابن جناده وأبى عبد الرحمن معاذ بن جبل ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال لكل منهما أعنى لأبى ذر ولمعاذ بن جبل ﵄] اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن (١) [حديث جليل من جوامع الكلم التي من الله بها على نبينا محمد ﷺ وقد ثبت في الصحيحين عن نبينا ﵊ انه قال] أوتيت جوامع الكلم] (٢) وفى غير الصحيحين] أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا [ (٣) .

стр. 3689

والكلام الجامع هو ما قل لفظه وكثر معناه. وهذا الحديث كذلك فهذا الحديث جمع جميع أنواع المعاملة فلا تخرج معاملة للإنسان مع غيره عن هذا الحديث فمعاملة الإنسان لغيره تنقسم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما إما معاملة مع الخالق جل وعلا وقد أشار إلى معاملة الإنسان مع خالقه وربه جل وعلا جملتان في هذا] اتق الله حيثما كنت [وإذا قدر أنك وقعت في شيء من التفريط والخطأ في حق الله جل وعلا] فأتبع السيئة الحسنة تمحها [تب إلى ربك جل وعلا فهو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، هذا فيما يتعلق معاملة الإنسان مع خالقه. وأما معاملة المخلوق مع مخلوق آخر وخالق الناس بخلق حسن أن تكف عنهم الأذى وأن تبذل لهم الندى أي المعروف والإحسان ولذلك معاملة الإنسان لغيره لا تخرج عن هذين القسمين: معاملة المخلوق مع الخالق فيجب عليه أن يعظمه وان يتقيه بفعل ما أمر الله وترك ما عنه نهى الله وإذا وقع المخلوق في خطأ مع خالقه فعليه أن يصحح الطريق وأن يرجع إلى الله جل وعلى] وأتبع السيئة الحسنة تمحها [ومعاملة المخلوق مع المخلوق تكون عن طريق الشفقة والإحسان على هذا المخلوق واليه] وخالق الناس بخلق حسن [. إخوتي الكرام: والحديث ـ كما قلت ـ أشار إلى معاملة هذين الصنفين. هذين القسمين معاملة المخلوق لخالقه ومعاملة المخلوق لمخلوق مثله. ولذلك كان هذا الحديث من جوامع الكلم التي اختص بها نبينا ﷺ وفضله ربنا بذلك على أنبياء الله ورسله على نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه.

стр. 3690

وقد يقول قائل أن معاملة الإنسان لغيره من بنى جنسه بالمعروف تدخل في تقوى الله جل وعلا فلا يبلغ الإنسان حقيقة التقوى حتى يقوم بفعل المأمور وترك المحظور ومن ذلك معاملة الإنسان لغيره فلم أفرد نبينا ﷺ معاملة المخلوق المخلوق في قسم مستقل وجملة مستقلة؟ لِمَ لمْ يقتصر على قوله:] اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها [ويدخل في التقوى كما قلت في معاملة الإنسان لغيرة عن طريق تحكيم شرع ربه جل وعلا في تلك المعاملة فلا تحقق التقوى إلا بذلك إنما افرد نبينا ﷺ معاملة المخلوق عن التقوى مع أنها فرد من أفرادها وتدخل في ضمنها تتضمن معاملة المخلوق بالتي هي أحسن افردها لئلا يظن ظان أن تقوى الله مجرد صلة بين الإنسان وبين ربه جل وعلا ليبتعد بنا نبينا ﷺ عن المفاهيم التي ضل بها الأمم السابقة كما هو الحال عند النصارى وغيرهم عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة فالله عندهم لا يعرف إلا في المسجد والتدين عندهم صله بين الإنسان وبين ربه ولا دخل للشريعة في شئون الحياة لئلا يقع الناس في المحظور بين نبينا ﷺ أن أمر الإنسان لا يتم ولا يقبل الإنسان عند الله جل وعلا إلا إذا اتقى ربه ومن ضمن ذلك معاملة الإنسان لغيره على حسب شرع ربه ولذلك قال: [وخالق الناس بخلق حسن] وقد أشار ربنا جل وعلا إلى أن من ضمن التقوى ويدخل في مفهومها معاملة الإنسان لغيره بالتي هي أحسن أن يخالقهم بالحسنى يقول جل وعلا ((وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ- من هم المتقون؟ - الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء (١) وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ (٢)

стр. 3691

وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ (١) جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)) (٢) .

стр. 3692

فمخالفة الناس بالحسنى هي من مفهوم التقوى ومما يدخل في عداد التقوى زاد النبي ﷺ الجملة الثالثة أن عبادة الله لا تتم إلا إذا اتقيناه فيما بيننا وبينه واتقيناه فيما بيننا وبين خلقه جل وعلا فحكمنا شريعته جل وعلا في جميع شئون الحياة وقد كان نبينا ﷺ يركز على هذا المعنى في كثير من الأحاديث وبين أن مخالقة الناس بالتي هي أحسن ضرورية لينجوا الإنسان في الآخرة وكما قلت هذا مما يدخل في التقوى ثبت في سنن الترمذي وبن ماجه ومسند الإمام احمد وصحيح ابن حبان ﵏ جميعا بسند صحيح عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال ﵊ [تقوى الله وحسن الخلق] وحسن الخلق هو من تقوى الله وهو من أعظم أفراده ولا يحصل للإنسان صفة التقوى إلا إذا فعل ما أمره الله وترك ما نهاه عنه فإذا كان حسن الخلق هذا مما أمرت به لكن كثيرا من الناس يظن إذا حسن صلته بينه وبين ربه قام الليل وصام النهار وآذى الجار سيدخل الجنة هيهات هيهات كما ثبت في الصحيحين عن نبينا ﵊ [والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا من يا رسول الله ﷺ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه [أي شروره وبلاياه واعتدائه لا يأمن شره هذا ليس عند الله من عداد المؤمنين فكيف إذا سيحصل فيه صفة التقوى إذا آذى عباد الله ولم يحسن صلته بهم على حسب ما شرع الله جل وعلا؟ أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق فقيل للنبي ﷺ وما أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال] الأجوفان الفم والفرج (١) [وقد كان نبينا ﷺ ينبه على هذا المعنى أيضا في أحاديثه

стр. 3693

الكثيرة ففي سنن الترمذي وغيره بسند حسن من حديث أبى حاتم المزني ﵁ والحديث روي عن أبى هريرة وأمنا عائشة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال] إذا جاءكم- وفى رواية ولفظ -إذا أتاكم ـ من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير قالوا يا رسول الله ﷺ وإن كان فيه؟ (١) قال:- إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنه في الأرض وفساد كبير [أعاد النبي ﷺ هذه الجملة ثلاث مرات. الشاهد: دينه وخلقه ومتى انفصل الخلق عن الدين؟ هو من الدين. وهو كما قلنا من أجزاء الدين وهو بعض من أبعاض التقوى ولا يكمل دين الإنسان ولا تحصل التقوى فيه إلا إذا قام بذلك الجزء وحسن المعاملة وصلته مع عباد الله. إذن لم أفرد النبي ﷺ بالذكر؟ كما قلت: ليبين لنا أن التقوى وان دين الله لا يتم في حقنا إلا إذا حسنا صلتنا بيننا وبين خالقنا وحسنا صلتنا بيننا وبين المخلوقين [اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنه تمحها] . هذا خاص فيما بينك وبين ربك ثم تأتي بعد ذلك ما بينك وبين العباد [وخالق الناس بخلق حسن] . إخوتي الكرام فلنأخذ الجملة الأولى من هذا الحديث ولنبدأ بمدارستها نسأل الله جل وعلا أن يفتح علينا وان يعلمنا وان ينفعنا بما من به علينا انه ارحم الراحمين وأكرم الاكرمين. قوله ﷺ [اتق الله حيثما كنت] المبحث الأول: في بيان معنى التقوى. التقوى مأخوذة من الوقاية وهى أن تجعل وقاية وحاجزا وسدا وحصنا وحائلا ومانعا بينك وبين ما يؤذيك وما تكرهه وما يضرك، ما يضرك تجعل بينك وبينه حاجزا هذا يقال له وقاية.

стр. 3694

والتقوى: أن يقي الإنسان نفسه من سخط الله وغضبه عن طريقين اثنين: بفعل ما أمر وترك ما عنه نهى وزجر إذن إذا اتقى الإنسان غضب الله وحذر من سخطه وفر من لعنته بواسطة فعل أوامره واجتناب نواهيه فهو متقى لله جل وعلا إذن اصل التقوى من الوقاية يقال، اتق المكروه ودفع المكروه عنه قال النابغة الذبياني في وصف امرأة من العرب ليت المسلمين في الجاهلية يتخلقون بهذا الخلق الجليل الذي كانت تقوم به أمراه في الجاهلية يقول: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه (١) ... فتناولته واتقتنا باليد معنى اتقتنا: يعنى من التقوى اتقتنا أي جعلت بين نظرنا ووجهها وقاية وهو اليد وهذا حقيقة ما أدركت عليه النساء في المزارع وفى القرى في بلاد الشام فعندما كان الإنسان في طهارة وعندما كانت الانسانيه في طهارة وإسلام وإحصان يمر الإنسان بالمزرعة فبمجرد ما ترى إنسانا تضع يدها على وجهها هذه هي التقوى.

стр. 3695

قال عمر بن الخطاب لأبى بن كعب ﵃ أجمعين يا أبى يا أبا المنذر ما معنى التقوى؟ وأبى سيد القراء كما ثبت في المسند وسنن الترمذي بسند صحيح عن نبينا ﵊ انه قال [أقرؤكم أبى] أبى بن كعب هو اقرأ هذه ألامه لكلام الله وقد ثبت في صحيح البخاري عن نبينا انه قال لأبى بن كعب [يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقلت- بعد أن فكر- آية الكرسي فضرب النبي ﷺ في صدري وقال ليهنك العلم أبا المنذر] أي هنيئا لك بالعلم وبهذا التوفيق ومنة الله عليك أنك اهتديت إلى المطلوب أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي. فعمر ابن الخطاب ﵁ قال لسيد القراء أبى ابن كعب ما حقيقة التقوى؟ وما معنى التقوى التي أكثر الله من ذكرها في كتابه؟ فقال أبى يا أمير المؤمنين ﵃ أجمعين أما سلكت طريقا ذا شوك قال بلى قال فماذا كنت تفعل قال كنت أشمر ثيابي وأحترز قال هذه هي التقوى نشمر في طاعة الله وأحترز من معاصي الله شمر وجد في طاعة الله واحترز من سخط الله احترز وابتعد هذه هي التقوى قال الإمام ابن كثير في تفسيره عليه رحمة الله وقد اخذ ابن معتز هذا المعنى من أبى ابن كعب فنظمه في أبيات من الشعر فقال- ونعم ما قال: خلى الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى وصنع كماش فوق ... ارض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن ... الجبال من الحصى

стр. 3696

إخوتى الكرام: والتقوى تضاف إلى الله جل وعلا وقد أضافها إليه وامرنا أن نتقيه في آيات كثيرة في كتابه فقال جل وعلا ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم)) (١) ((اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)) (٢) في آيات كثيرة وإذا أضيفت التقوى إلى الله فالمراد منها ومعناها أن نتقى غضبه وسخطه وأن نحذره جل وعلا فلا نترك ما أمرنا به ولا نرتكب ما نهانا عنه وأحيانا تضاف التقوى إلى سبب سخط الله ولعنته وغضبه أو إلى الزمان الذي يحصل فيه ذلك وبكل من الأمرين ورد الأمر في كتاب الله جل وعلا قال الله جل وعلا ((وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ)) (٣) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ)) (٤) وفى ذلك اليوم يظهر السخط والمقت واللعنة والغضب على من عصى الله بفعل ما نهاه أو ترك ما أمره به فأضيفت التقوى إلى الزمان الذي يظهر فيه سخط الله على أتم وجه وأكمله في ذلك اليوم على العصاه ((وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ)) وأضفيت إلى المكان الذي تحصل فيه لعنة الله وسخطه وغضبه ومقته وهو نار جهنم ((فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)) (٥) وقد أضيفت التقوى في كتاب الله إلى هذه الأمور الثلاثة: ١. إلى الله ((اتقوا الله)) (٦) . ٢. إلى مكان سخط الله ولعنته فهي غضبه وعذابه النار يعذب بها من شاء من عباده الفجار ((فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)) . ٣. إلى اليوم الزمن الذي ظهر فيه ذلك السخط ((وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)) .

стр. 3697

هذا فيما يتعلق بمعنى التقوى وبإضافتها إلى الله جل وعلا والى الزمن الذي يحصل فيه سخط الله والمكان الذي يتجلى فيه غضب الله. المبحث الثاني في بيان الأمور التي تحصل بها تقوى الإنسان لربه جل وعلا إخوتي الكرام: للتقوى أركان أساسية ومتممات تحسينية، فإذا ذهب شيء من الأركان الأساسية خرج الإنسان عن حيز التقوى وسيناله الخوف والفزع والله جل وعلا يتخلى عنه ويكله إلى نفسة وأما الأمور التحسينية إذا وجدت في الإنسان واتصف بها ترفعه درجات عالية. وإذا فرط فقد تعرض لشيء من الخطر لكن إذا لم يتجاوزها فلا زال ضمن عباد الله المتقين.

стр. 3698

أما الأركان الأساسية فلا تحصل التقوى في الإنسان إلا بنوعين اثنين: فعل ما أمر الله به أمر إيجاب. وترك ما نهاه الله عنه نهى تحريم إذن يفعل ما أوجبه الله عليه ويترك ما حرمه عليه. هذا من أركان التقوى الأساسية بحيث إذا فرط في شيء من ذلك لا ينال وصف المتقين ولا يدخل في عداد المتقين. ثبت في مسند الإمام احمد وصحيح مسلم عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ [قال اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإنه اهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم] الظلم: هذا من الكبائر والشح هذا من الكبائر إذا كان البخل من الكبائر فكيف بالشح؟ والشح هو زيادة بخل وقيل: الشحيح هو الذي يبخل بمال غيره. والبخيل هو الذي بمال نفسه. يعنى هذا لا يجود ولا يؤدى ما علية ولا يريد أحدا أيضا أن يحسن إلى فقير. سبحان الله إلى هذا الحد: هو ما دفع ما عليه. هذا بخل وإذا رأى أن إنسانا دفع ما أوجبه الله عليه وساعد به محتاجا يغضب ويضيق صدره. فهذا شح فإذن أعظم من البخل. فإذا كان الأمر كذلك لا يريد أن يرى إحسانا على وجه الأرض. اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم إما هو أعظم البخل وإما هو كما قلنا _ بخيل يبخل بمال نفسه وشحيح يبخل بمال غيره فالشح من الكبائر، والظلم من الكبائر فمن وقع في شيء من ذلك خرج عن وصف التقوى.

стр. 3699

وقد أشار نبينا ﷺ في أحاديثه الكثيرة إلى وجوب ترك ما حرمه الله علينا لننال وصف المتقين فمن فعل شيئا من ذلك خرج عن عداد المتقين وفي مسند الإمام احمد وسنن الترمذي وابن ماجه (١) عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:] من يأخذ عنى هذه الكلمات فيعمل بها أو يعلم من يعمل بها؟ فقال أبى هريرة ﵁ أنا يا رسول الله ﵁[وهو حقيقة أحرص الصحابه على العلم بشهادة النبي ﷺ كما في صحيح البخاري قال: قلت يا رسول الله ﷺ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال [لقد ظننت ألا يسألني هذا السؤال أحد غيرك لما رأيت من حرصك يا أبى هريرة أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله صدقا من قلبه – وفى رواية: خالصا من قلبه] هذا أبو هريرة ﵁ فالنبي ﵊ عندما عرض هذا الأمر. من يأخذ هذه الكلمات فيعمل بها أو يعلم من يعمل بها. فقال أنا يا رسول الله ﵊ هو الذي جند نفسة لتلقى العلم ونشره ﵁ وعن سائر الصحابه الكرام. فقال النبي ﷺ [اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب الناس ما تحب لنفسك تكن مسلما وإياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب] صدق نبينا ﷺ الشاهد في الجملة الأولى اتق المحارم تكن أعبد الناس ما حرمه الله عليك ابتعد عنه ولذلك كان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول ليس التقى بمن يقوم الليل ويصوم النهار ثم يخلط فيما بين ذلك ـ أي يعتدي ويطلق نظره وسمعه ولسانه وأحيانا يده إلى ما حرم الله.

стр. 3700

هذا ليس بمتقى إنما المتقى من يؤدى الفرائض ويجتنب المحارم فإن فعل بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير أي من أمور التطوع أما هذه فلابد منها لينال وصف المتقين. وقالت أمنا عائشة ﵂ من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب. دائب مجتهد لكنه لا يحترس من المحارم. ماذا نفعه جده واجتهاده. وكل صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لا تزيد صاحبها من الله إلا بعدا من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب وهنا: اتق المحارم تكن أعبد الناس. فهذا من خصال التقوى الأساسية ومن أركانها الأساسية لا بد من فعل الواجبات وترك المحرمات لينال الإنسان وصف التقوى وليكون من المتقين لله رب العالمين.

стр. 3701

وهذا الأمر الذي وضحه نبينا ﷺ في هذين الحديثين أشارت إليه آيات القرآن الكثيرة ففي مطلع القرآن وأول سورة فيه بعد الفاتحة وهى سورة البقرة وأول ما نزل في المدينة المنورة يقول ربنا جل وعلا في بداية السورة [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] (١) ثم ذكر نعوت المتقين وبأي شيء يحصل ذلك الوصف فيهم وكما قلنا لا بد من القيام بما أوجبه الله وترك ما نهانا عنه نهي تحريم ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ُينفِقُونَ. والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (٢) وقال ربنا جل وعلا في سورة البقرة بعد آيات منها ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (٣) إذا أردتم أن تكونوا من المتقين فلا بد من عبادة رب العالمين ولما اخبرنا في وسط السورة أنه شرع ما شرع لنا من الأحكام والحدود.

стр. 3702

أخبرنا انه فعل ذلك لنقوم لهذه الأمور التي شرعها لننال وصف التقوى فإذا فرطنا في ذلك فلسنا من المتقين بقول الله جلا وعلا ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (١) فإذا فرطتم في هذا وأهملتم حدود الله وما نفذتم ما شرعة الله خرجتم عن المتقين وهكذا بعد آيات تعرض الله جل وعلا لفرضية الصيام فأخبرنا انه شرع لنا هذه الفريضة ليحصل فينا وصف التقوى فمن تركها فليس من المتقين ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (٢) وهكذا في سائر سور القرآن يخبرنا الله جل وعلا في سورة الأنعام مثلا انه انزل علينا هذا القرآن وامرنا بالالتزام بالإسلام ليحصل فينا وصف التقوى لربنا الرحمن ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (٣) فالإنتماء إلى غير الإسلام من وطنية أو قوميه أو حزبية مهما كان شأنها خروج عن التقوى ومن دعيا إلى ذلك فهو من دعاة الجاهلية كما قال خير البرية ﷺ ووضح أن من دعيا لغير الإسلام فهو من دعاة الجاهلية [انك امرئ فيك جاهلية] عندما عير أبو ذر بلالاً ﵁ أجمعين بأمه [أعيرته بأمه؟ انك امرئ فيك جاهلية] (٤) فإذن (بياض) ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ)) بدعوى الجاهلية مهما كان شأنها وطنية قومية أحزاب ردية وجدت في هذه الأوقات من دعي إلى شيء منها فهو من دعاة الجاهلية وليس من المتقين وبالتالي ليس من المؤمنين كما سيأتينا لأن الذي يساوي التقوى والإيمان

стр. 3703

كما سيأتينا إيضاح هذا بآيات القرآن وأخبرنا الله جل وعلا انه انزل علينا هذا القرآن ليحصل لنا به وصف التقوى يقول الله جل وعلا ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) (١) ليحصل لهم وصف التقوى لريهم جل وعلا إذن هذه أركان أساسية أن يفعل الإنسان ما أمرة الله به أمر إيجاب آو ارتكب ما نهاه الله عنه نهى تحريم وعليه فمن فرط بما أمره الله به أمر إيجاب أو ارتكب ما نهاه الله عنه نهى تحريم فليس هو عند الله من المتقين، لابد من القيام بهذين الأمرين ركنان أساسيان لحصول التقوى في الإنسان فعل الواجب وترك المحرم.

стр. 3704

نعم هناك بعد ذلك متممات كما قلنا محسنه تزيد تقوى ورسوخا في صفة التقوى وترفعك درجات عالية عند المولى جل وعلا وهى أن تفعل ما أمرك الله به أمر إيجاب وأمر استحباب وان تترك ما نهاك الله عنه نهى تحريم ونهى كراهية تنزية وان تضيف إلى ذلك ألا تنهمك في المباحان واللذائذ خشية أن تجرك إلى شيء من المفاسد والقبائح فإذن هذه متممات: فعل المستحبات ترك المكروهات. يزيد على هذين في الرتبة: عدم الانهماك في الفضول المباحات لان المباح سترة بينك وبين المكروه سترة بينك وبين الحرام، فمن توسع في المباح وقع في المكروه ومن توسع في المكروه وقع في الحرام. بعد ذلك سلسلة متصل بعضها ببعض. وبعضها يجر بعضاً وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا ففي سنن الترمذي وابن ماجة ومستدرك الحاكم وسنن والبيهقي ﵏ جميعا بسند صحيح عن عطية السعدي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول لا يبلغ العبد درجه المتقين ـ أي الراسخين في التقوى المتمكنين منها الذين نالوا أعلاها وأرفعها ـ] حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس [هذا كلام النبي ﷺ أي يترك شيئا من المباحات خشية أن تجره إلى المكروهات ثم إلى المحرمات] حتى يدع ملا بأس به خذرا مما به بأس [وقد ثبت في صحيح البخاري في أول كتاب الإيمان في أول باب فيه وهو باب أمور الإيمان معلقا بصفة الجزم عن ابن عمر ﵁ أنه قال] لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يترك ما حاك في الصدر [أي ما تردد في صدرك هل هو حرام أو حلال هل هو حلال أو فيه شائبة بمجرد ما تردد بين الحظر والإباحة تغلب جانب الحظر وتطلب الاحتياط ولا تفعله لأنك لو رتعت فيه لربما كان محرما وأنت لا تدرى.

стр. 3705

وهذا الذي نقل عن ابن عمر ثبت معناه مرفوعا عن نبينا ﷺ في صحيح مسلم لكن لما يكن الحديث على شرط البخاري لم يورده في صحيحة وهو عن النواس بن سمعان عندما قال له النبي ﷺ ] جئت تسأل عن البر ثم قال له النبي ﷺ : البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس وان أفتوك وأفتوك [والحديث روى أيضا في غير صحيح مسلم في المسند والدرامي عن وابصه بن معبد] البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس [ (١) وواقع الأمر كذلك فأولا قلبه غير مطمئن تراه يقدم رجلا ويؤخر أخرى ثم يستحى من أن يطلع عليه الناس هذا إثم] والإثم ما حاك في صدرك ما تردد في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس [ولذلك] الإثم حزاز القلوب] (٢)

стр. 3706

أي يحزها ويؤثر فيها ويغيرها بينما البر هذا يطمئن إليه القلب والنفس. الشاهد في صحيح البخاري كلام ابن عمر ﵁ لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في صدره. وثبت في كتاب " التقوى " لابن أبى الدنيا ألف كتابا أسمة التقوى عن أبى الدرداء ﵁ انه قال: تمام التقوى أن يدع الإنسان شيئا من الحلال خشيه الحرام. هذا التمام والكمال. وكما قلنا هذه محسنات وثبت في سنن الترمذي بسند متصل عن ميمون بن مهران وهو من أئمة التابعين ﵏ جميعا قال: لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكة من أين مطعمة ومن أين ملبسة؟ فيقف عند هذه الدقائق وبحاسب نفسة لينال كمال التقوى وقال الحسن البصري ما زالت التقوى بأهلها حتى تركوا شيئا من المباح خشية الحرام. إذن المبحث الثاني يتلخص في أركان التقوى وفى الأمور التي تحصل بها التقوى أركان أساسية إذا ضاع شيء منها خرج الإنسان عن وصف التقوى. إن يترك واجبا أو يفعل محرما لا تحصل التقوى إلا بفعل جميع ما أوجبه الله عليك وبترك جميع ما نهاك عنه ثم بعد ذلك إن أردت أن تنال الدرجة العالية في التقوى فضم إلى الواجبات المستحبات وضم إلى ترك المحرمات ترك المكروهات وضم إلى هذين الأمرين عدم التوسع في المباحان خشية أن تجرك إلى الشوائب والمكروهات. المبحث الثالث ما الطريق الذي يوصلنا إلى التقوى؟

стр. 3707

إخوتي الكرام: هذا المبحث هو مبحث موجز لكنه مهم. لا يمكن للإنسان أن يتقى ربه إلا إذا عرف الأمور التي يحصل بها تقوى الإنسان للعزيز الغفور. أي إذا عرف الحلال وعرف الحرام وهذا لا يكون إلا عن طريق العلم وعليه فلا يمكن للجاهل أن يتقى ربه والجاهل أن يتقى ربه يبعد عنه وهو لا يدرى، ومن عبد الله علي جهل فما يفسده أكثر مما يصلحه فلذلك لا بد من تعلم العلم النافع لتعرف كيف تتقى ربك جل وعلا، فكم من انسان يأكل الربا وهو لا يدرى الحكم فيه؟ كم؟ والتبايع بالعينة كثير من الناس يقعون فيه وهو يظن انه نوع من المبايعات ولما وقع فيه زيد بن أرقم قالت أمنا عائشة: أخبروه أن حجه وجهاده قد بطلا مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. والبيع بالعينة ما أكثر ما يفعله الناس في هذه الأيام ولربما يخرج من الصلاة ويتبايع بالعينة على باب المسجد، إن لم يجر العقد أيضا داخل المسجد بعد الصلاة، فيرتكب محظورين.

стр. 3708

أولا: باع واشترى. لا أربح الله تجارته. ثم باع واشترى بيعا فاسدا خبيثا محرما. البيع بالعينة: أن يبيع هذه السلعة نسيئة ــ أي إلى أجل ــ بثمن معلوم أبيعك هذا الكتاب بمائة درهم إلى شهر ثم اشتريه منك نقدا حالا بثمن معلوم. أبيعك هذا الكتاب بمائة درهم إلى شهر ثم اشتريه منك حالا بثمن أقل فعاد الكتاب إلى وسآخذ فرق الثمن. أنا بعتك إياه بمائه إلى شهر واشتريته منك بخمسين نقدا إذن الكتاب عاد لي أو ليس كذلك؟ وأعطيتك خمسين وأنت ماذا سترد لي بعد شهر مائه هذه هي العينة هذه ليست ربا واضحة. هذه ربا بعد لف دوران مثل ما يفعل ألان الشركات الإسلامية. يأتي هذا المسكين يريد أن يشترى سيارة طيب إما باعدوه وإما تركوه يمشى على رجليه أو يركب حمارا يعنى لازم تسلخون جلدة باسم المعاملات الإسلامية يقولون: أي سيارة تريد من أي نوع؟ اذهب وابحث في المعارض فيذهب ويأتي ويقول حصلت سيارة بثمانين ألفا يقولون تعال نحن نشتريها لك بثمانين لكن بكم سنة ستدفع لنا الفلوس؟ يقول لسنة يقولون: إذن بتسعين ــ القيمة لسنتين إذن بمائة لثلاث سنوات إذن بمائة وعشرة على حسب ما تحدد والسيارة لا زالت في المعرض عند صاحبها. بعد ما يتفق صاحب المؤسسة الإسلامية مع المشترى على السعر يقول اشتريها وأنا ادفع الثمن والبطاقة أو الاستمارة تخرج باسم المشترى لا باسم ـ أيضا ــ الشركة الإسلامية. طيب يا عباد الله هذا بأي شريعة بحق؟ ! يقول هذا بيع وشراء إذا كان الإنسان لا يعرف ما أحل الله وما حرم يقع في الربا وهو لا يدرى. إذا كان لا يعرف ما احل الله وما حرم تخرج النساء. يقول الذي حرم الله هو الزنا. كما يقول الناس في هذا العصر الهابط. يقول الإنسان يصون فرجة. أما ينظر. يجلس يحادث يتكلم كل هذا لا حرج فيه. على تعبيرهم القلب نظيف.

стр. 3709

إذن من الذي قلب خبيث خسيس؟ يعنى قلوب الصحابة فقط كانت قلوب فاسدة ونحن قلوبنا طاهرة: تراه يجلس ويفعل كل رذيلة تقول عبد الله اتق الله يقول أنا أصون فرجي وأحفظ عرضي. القلب نظيف. وابنته تخرج تجول ذات اليمين وذات الشمال نقول: يا عبد الله كيف تترك ابنتك وزوجتك ومحارمك تذهب هنا وهناك؟ يقول أنا أعرفها عفيفة تصون فرجها. لو قلنا صانت فرجها وأنت صنت بياض يجوز فعل هذا الأمور التي هي بياض الذي حرم الزنا حرم بياض حرم الخلوة وبياض إبداء المرأة لشيء من زينتها. وقال جل وعلا (( ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)) (١) ما قال احفظوا الفروج فقط. إذن عندما حفظ للبصر وحفظ للفرج إذا لم تعرف كيف تتقى الله ستتقيه؟!] النظرة سهم مسموم من سهام إبليس [ (٢) والنظرة تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنة، يخرج من الصلاة وينظر إلى هذه وتلك. ماذا استفاد من صلاته؟ ما استفاد من صلاته شيئا.

стр. 3710

آمر آخر: الإنسان عندما لا يعرف الأمور التي ينبغي أن يفعلها والأمور التي ينبغي أن يتركها وأن يقف عند حد الله وعند حدود الله وألا ينتهك محارم الله وقد يخرج من الإسلام وهو لا يدرى. أحينا عن طرق حمية الجاهلية. وأحيانا عن طريق التأويل الخاطىء الذي تعج به الحياة في هذه الأوقات] إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قلت يا رسول الله ﷺ هذه القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصا على قتل صاحبة [ (١) سرح نظرك في أحوال المسلمين وانظر كيف يمدون أيديهم بغير حساب في الدم الحرام. مع انه يظن انه يصلى وأحيانا يطلق الرصاص وهو بعد ذلك يصلى على إخوانه المؤمنين كيف هذا يقول: أنا أمرت بأن أخرب هذه البلدة وأن أدمرها على من فيها باغي وفيها تقي وفيها صديق وفيها زنديق وفيها امرأة وفيها رجل فيها كبير وفيها صغير كل هذا لا تبالي به؟ يقول: أوامر! أي أوامر؟ أوامر عسكرية طيب أين أوامر رب البرية؟ إذا كان صعلوك من البشر يأمرك فتنفذ أمرة. كيف لا تنفذ أمر الله بأي شرعية تستحل قتل مؤمن وإراقة دم مؤمن بأنك أمرت!! حالنا الان كما قال النبي ﷺ والحديث قي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول] يأتي على الناس زمان لا يدرى القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل [تسأل الناس لم قتلتم؟ يقولون ما ندرى. جاءت قنابل مثل المطر قتلتنا لم؟ ما ندرى وتسأل ذلك لم ألقيت القنابل يقول مأمور. مأمور لم؟] لا يحل دم امرىء مسلم يشهد ألا اله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينة المفارق للجماعة [ (٢)

стр. 3711

فكيف قتلته؟ إذا لم. إذا لم تعرف كيف ستتقى الله قد تفهم وتفسر التقوى بما خافه وخشيه علينا نبينا ﷺ ومن أجله ذكر الجملة الثالثة فقال.] وخالق الناس بخلق حسن] تظن أنك إذا صليت اتقيت الله. لا يا عبد الله ثبت في سنن أبى داود بسند صحيح كالشمس عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول [من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله ـ وضبط بالعين المهملة: إعتبط بقتله ـ لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً] قال يحي الغساني: هذا كما يكون في الفتن بين المسلمين يقتل بعضهم بعضاً ثم لا يتوبون. فكيف سيتقي الله، قتل مؤمنا وهو فرح مسرور بياض عادت ـ على تعبيرهم ـ الطائرات إلى قواعدها سالمة، بعد أن دمرت بلاد المسلمين وقتلت النساء والصبيان. من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله أي قتله اعتباطاً بلا مبرر ولا سبب ولا حق، إنما أمر على زعمه فينفذ الأوامر. لا يقبل الله منه فريضة ولا نافلة.

стр. 3712

فإخوتي الكرام: لا بد للإنسان من معرفة ما يتقى به ربه، الآن الفتن التي حصلت بين المسلمين والجماعات والأحزاب. وكل واحد يكيد للآخر باسم الإسلام أيضاً فيصل الأمر في كثير من الأحيان إلى استحلال إراقة الدماء. هذا فضلاً عن العداوة والبغضاء التي دون ذلك هذا مما خشية علينا نبينا ﷺ ففي مسند أبى يعلى ومسند البزار بسند صحيح عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول [إن مما أخشى عليكم رجلاً قرأ القرآن حتي إذا رؤيت عليه بهجته ونضارته وكان ردء الإسلام اعتزل إلي ما شاء الله ثم انقلب على جارة ورماه بالشرك وقاتله بالسيف (١) قلت: يا رسول الله ﷺ من أحق بالشرك الرامي أو المرمي؟ قال: بل الرامي] فإذن لا بد من معرفة خصال التقوى.

стр. 3713

إخوتي الكرام: عقد الله بين المؤمنين إخاءً من خرج عنه يوليه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا. فقال: ((اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) (١) وكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ فهو أخوك سواء كان في أمريكا أو بلدتك. أو كان في مجاهيل أفريقيا. وإذا لم تحزن لحزنه ولم تفرح لفرحه فلست عند الله من عداد المؤمنين. فإذا كان الأمر كذلك فكيف إذا نفرق بين المؤمنين. وكيف يستحل بعضنا دم بعض؟ فلا بد إذن من معرفة الأمور التي تحصل بها التقوى. ولا تظنوا كما ـ قلت ـ إن هذه الكلمة يسيره. هي قليلة، لابد لمعرفة التقوى، لا بد لحصول التقوى معرفة ما نتقى به ربنا من العلم الذي فرضه الله علينا أن نتعلمه. ولذلك لا بد من تعلم العلم الذي أمرنا به. جاءني بعض الإخوة الطلاب يقول لي: يا شيخ تكلمت أنت عن تعلم الأنجليزى وما شاكل هذا. وأنا مضطر لتعلمه ما رأيك؟ قلت: لا حرج في تعلم الانجليزى فقال: إذا أخذت دورات في تعلم الانجليزى علىّ حرج؟ قلت لا حرج إن شاء الله تصبح أعلم الناس في اللغة الإنجليزية لا حرج في ذلك. وإذا قصدت خيرا لعلك أن شاء الله تثاب ذلك. جاءني بعد فترة يقول يا شيخ أنا سجلت في دورة يُدَرّس فيها رجل وامرأتان واحدة متهتكة بريطانية ـ في هذه البلدة هنا والأخرى يقول مسلمة؟. يعنى ليست متهتكة. على تعبيره تغطى رأسها وكاشفة. ورجل معنا يدرسنا ـ الأستاذ ـ ثم ذهب وانفرد الآن المرآتان بتدريسنا فماذا اعمل؟ هذا حلال أم حرام؟ قلت يا عبد الله أنت كنت في تعلم إنجليزي وإذ ذهب بعد ذلك لتتلقى دين الإنجليزى!! يعنى يقول تعلم لغتهم لا تتلقى دينهم كيف تأخذ العلم عن هذه المرأة إن كانت على تعبيرك عندها شيء من الاحتشام أو متهتكة تمام التهتك كيف هذا؟ البلاء ـ يقول لي: ـ استفتيت عدداً من الناس في هذه البلدة فقالوا لا حرج هذا في سبيل العلم وتحصيل العلم.

стр. 3714

قلت: هكذا؟ أفتوك؟ ! قال نعم لا إله إلا الله! يجلس يتلقى العلم من امرأة كاشفة عن صدرها وعن رأسها وعن وجهها، وكل حركة منها تزرع في القلب شهوة. (بياض) من اجل أن يتعلم بعد ذلك شيئا مباحاً يقع في أعظم المحظور. كيف سيتقى ربه من لا يعرف كيف سيتقيه؟ ثم يقول: عندما استفتى قالوا هذا في سبيل العلم؟ في سبيل العلم لا حرج. وأحكى لكم قصة أشنع من هذه بكثير. أخبرني بعض الإخوة. يقول لي كنت في بلاد الشام وكلمت بعض اقاربى في أنه يرسل بناته في دورة في الصيف إلى خارج البلدة التي فيها أهلها باسم الفتوة والشبيبة (..!!) يبقون شهرا هناك طلاب وطالبات ما يفصلون الذكور عن الإناث إلا في الليل فقط. مخيمات هذه للإناث وهذه للذكور والذي يفصل الطلاب عن بعضهم ليس المدربون، المدربون يدخلون إلى اى خيمة أرادوا لان هؤلاء منة غير أولى الأربة. وهؤلاء من الطوافين يطوفون أيمنا أرادوا. لا إله إلا الله!! يقول لي: أكلم بعض أقاربي وعنده بنتان كل واحدة أجمل من القمر. قلت: كيف ترسل ابنتك شهرا إلى ذلك المكان شهرا كاملاً في العراء على شاطىء البحر باسم المدرسة. رحلة مدرسية. نشاط وتوجيه مدرسي شهراً كاملاً!؟ قال له بكل برود ـ كما قال الله جل وعلا: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ)) (١) إذا لم يكن عن الإنسان قلب فاسمع ماذا يقول وبكل لا مبالاة: قال: هذا في سبيل العلم العلم!. في سبيل تعلم العلم يخدش حياء المرأة أن لم يعتدي على عرضها في سبيل تعلم العلم؟ ! فإخوتي الكرام: لا بد من أن نعطى هذا الأمر ما يستحقه من العناية. التقوى لا تحصل إلا بمعرفة الأمور التي تحصل بها تقوى العزيز الغفور. عن طريق العلم النافع الذي فرض الله علينا أن نتعلمه. المبحث الرابع منزلة التقوى

стр. 3715

إخوتي الكرام: التقوى هي وصية الله لجميع خلقه: وهى وصية بنبينا لامته قال الله جلا وعلا ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ)) (١) وأخبرنا الله جل وعلا في كتابه في سورة الشعراء أن كل نبي مكان يقول لقومه ((أَلَا تَتَّقُونَ)) فقال جل وعلا في السورة ((كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ )) (٢) ((كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ)) (٣) . ((كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ)) (٤) ((كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ)) (٥) ((كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ)) (٦) وفى أول السورة عندما اخبرنا الله جلا وعلا أنه أوحى إلى نبيه ونجيه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يذهب إلى فرعون فقال له ((أَلَا تَتَّقُونَ)) (٧) قل لهم ألا يتقوني ويوحدوني ويعبدوني ويطيعوني فيمتثلوا أوامري ويجتنبوا ما نهيتهم عنه! إذا كان كل نبي كان يطلب من أمته وقومه تقوى الله جل وعلا وهذا يوضح لنا أن التقوى هي الدعوة التي أرسل بها كل نبي فكل نبي كان يقول لقومه ((يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) (٨) وعبادة الله جل وعلا تقوم على ركنين: أولهما اكتساب والثاني: اجتناب. الاكتساب ما هو؟ هو فعل المأمور. والاجتناب هو ترك المحظور.
следующие страницы →