ولذلك ثبت في سنن الترمذي وسنن أبي داود من حديث أم ثروة وهي أخت أبي بكر الصديق ﵁ وعنها وعن سائر الصحابة الكرام وهي أخته من أبيه أنها قالت سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلي الله فقال: أحب الأعمال إلي الله الصلاة في أول وقتها فحافظ علي هذا الأمر أعني الصلاة في وقتها وبادر إلي ذلك وإياك،إياك أن تؤخر الصلاة إلي آخر الوقت أو إلي خروج الوقت فهذا مضيعة للصلاة فالله بعد أن ذكر المنعم عليهم من عباده المخلصين في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ (١) .
ويقول ربنا العظيم في سورة الماعون: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصلينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) وإضاعة الصلاة والسهو عنها شامل لأمور ثلاثة كما حقق أئمتنا المفسرين وفي مقدمتهم الإمام المبارك ابن كثير في تفسيره عليه وعلي أئمتنا جميعا رحمات رب العالمين.
إضاعة الصلاة والسهو عنها شامل بالترك عنها كلية وشامل لتأخيرها إلي آخر الوقت وشامل لعدم إيقاعها علي الوجه المطلوب فإذا صليتها في أول الوقت دون خشوع وإتمام لها فقد ضيعتها وقد سهوت فيها وعنها أي عن فعلها علي وجه التمام والكمال تضيع الصلاة والسهو عنها شامل في هذه الأمور الثلاثة.
стр. 4027
وقد ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا في صحيح البخاري في كتاب مواقيت الصلاة بابا يشير إلي هذا فقال باب تضييع ساق بسنده المتصل أصح إسناد عن الإمام الزهري أنه دخل علي أنس بن مالك ﵁ يشكو الحجاج إلي عبد الملك بن مروان يقول دخلنا علي أنس بن مالك وهو يبكي فقلت له ما يبكيك يا أبا حمزة فقال: لا أعلم شيئا مما كان علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا قد ضيع إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة عملتم فيها ما عملتم أي من التأخير عن وقتها والحجاج يؤخر الصلاة إلي آخر وقتها وكان هو الذي يؤم المسلمين فذهب أنس بن مالك إلي بلاد الشام من البصرة يشكو الحجاج ويخبر الخليفة عبد الملك بن مروان بأن الحجاج غير سنة النبي صلي الله عليه وسلم وأضاع الصلاة وفي رواية الترمذي أنه قال ـ أي أنس بن مالك ﵁ ما أعلم شيئا مما نحن عليه علي عهد النبي صلي الله عليه وسلم إلا وقد ضيع فقال له أبو عمران الجوني وهذه الصلاة أي نحن نصلي فكيف نقول كل شيء قد ضيع منا أليس قد عملتم فيها ما عملتم أي من تأخيرها عن وقتها التي هي أحب الأوقات إلي الله جل وعلا أخرتم الصلاة عن أول الوقت أليس قد عملتم فيها ما عملتم إذا تضييع الصلاة والسهو عنها شامل لهذه الأمور الثلاثة لتركها بالكلية كتأخيرها إلي آخر الوقت لعدم إيقاعها علي الوجه المطلوب فكل من حصل صفة من هذه الصفات فله من الذم بمقدار الصفة التي فيه.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ (١) ، ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصلينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) .
стр. 4028
وقد أخبرنا نبينا صلي الله عليه وسلم أن من أخر الصلاة حتى خرج وقتها فقد حبط عمله ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والحديث رواه الإمام النسائي وابن ماجه من حديث بريدة ﵁ قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم (من ترك صلاة العصر حبط عمله) والمراد من الترك أن يؤخرها حتى يخرج وقتها.
كما ثبت هذا في بعض روايات الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) أي يوم الغيم لا تظهر الشمس فقد تغرب وأنت تظن أن النهار باق ولذلك باكروا بالصلاة لئلا تغرب الشمس عنه فاتته صلاة العصر.
وقد ثبت في الكتب الستة إلا صحيح البخاري وسنن ابن ماجه فهو في صحيح مسلم والكتب الثلاثة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله صلي عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافقين، وفي بعض روايات الحديث تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان حتى إذا كانت صفراء قام فنقر أربعا حتى لا يذكر الله فيهن إلا قليلا فهي صلاة المنافق سبحان الله يصلي وهو منافق يصلي والويل له نعم ما أقام الصلاة ليس المقصود من الصلاة تأديتها إنما المقصود من الصلاة إقامتها وتقدم معنا أن لفظ الإقامة توفية الشيء علما وعملا ولذلك قال سفيان هذه الآية في سورة المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (١) هي أشد آية في القرآن أخوف آية في القرآن ليسوا علي شيء ولا وزن لهم عند الرحمن وإذا ما وفوا ما أنزل الله إليهم حقه علما وعملا.
стр. 4029
وهكذا يا أمة محمد على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وسنة نبينا محمد ﷺ توفوا هذين الشيئين علما وعملا عباد الله فلابد من المحافظة على الصلاة في وقتها ليتحقق فيك شيء من إقامة الصلاة ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.
وأخبرنا نبينا محمد ﷺ أن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ثبت الحديث في المسند والصحيحين والسنن الأربعة والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ والدارمي في المسند ورواه ابن خزيمة في صحيحه وهو في أعلى درجات الصحة من حديث ابن عمر ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله الوتر هو النقص والضياع أي كأنما أضاع أهله وماله أو ضاع منه أهله وماله الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر من فاتته صلاة العصر إذا أضاع الصلاة حتى خرج وقتها هذا حاله وتلك عقوبته فلابد من المحافظة على وقت الصلاة.
والأمر الثاني الذي ينبغي أن نحافظ عليه يتحقق فينا أيضا شيء من إقامة الصلاة حضور القلب عند مناجاة الرب في هذه الصلاة فينبغي أن تتأمل فيما تقرأ فيما تذكر وأن يحضر قلبك وأن لا يشرد ذهنك والله جل وعلا أخبرنا أن المؤمنين فازوا بالرضوان العظيم والنعيم المقيم لصفات كريمة فيهم أولها يخشعون في صلاتهم ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) وإنما قدم هذه الصفة لأنها أصل لما عداها فإذا خشعت في صلاتك واستقامت صلاتك استقامت سائر أعمالك وإذا فسدت الصلاة فبقية الأعمال أفسد وأشنع.
стр. 4030
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) وقد أخبرنا النبي صلي الله عليه وسلم أن الإنسان إذا خشع في صلاته يتلذذ بها فتصبح هذه الصلاة قرة عين له ثبت في المسند والسنن والحديث رواه الإمام البيهقي في السنن والحاكم في المستدرك وقال: (صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
وهذا الحديث يرويه الكثير من الوعاظ بلفظ حبب إلي من دنياكم ثلاث وهذه الزيادة باطلة لم تثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ومع بطلانها وعدم ثبوتها هي مفسدة للمعنى فمناجاة الله وذكره والأنس بمناجاته وحلاوة عبادته ليست من أمور الدنيا حبب ألي من الدنيا الطيب فهو غذاء للعقل والنساء ففي ذلك راحة للعقل والجسم ونشاط وصحة للبدن وإخراج ذرية تعبد رب البرية توحد الله وتجاهد في سبيله ولكن اللذة العظمى وجعلت قرة عيني في الصلاة نعم من خشع في صلاته كانت الصلاة قرة عين له.
стр. 4031
وقد أخبرنا الصحابة الكرام عن حال نبينا صلي الله عليه وسلم عندما كان يصلي ويناجي الرحمن أن قلبه وصدره كان يخفق من خشية الرحمن وخشوعه في صلاته عند مناجاته ربه جل وعلا ثبت في الحديث في ذلك في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والحديث رواه الإمام الترمذي في الشمائل النبوية على نبينا محمد صلوات الله وسلامه ورواه أعني الحديث الإمام النسائي في السنن أيضا وهو في صحيح ابن حبان والسنن الكبرى للإمام البيهقي عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال أتيت النبي صلي الله عليه وسلم وهو يصلي فسمعت لصدره أزيزا كأزيز المرجل من البكاء أي كأزيز القدر الذي عليه الماء يغلي ويفور فكان قلب النبي صلي الله عليه وسلم يخفق في صدره فيظهر هذا الصوت منه صلوات الله عليه وسلامه فسمعت لصوته أزيزا كأزيز المرجل.
وفي بعض روايات أبي داود وصحيح ابن حبان فسمعت لصدره صوتا كصوت الرحى أي كصوت الطاحون عندما تدور وتطحن البر هذا حال نبينا صلي الله عليه وسلم عندما يتلذذ بمناجاة الله وعى هذا درج الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان ولن يزال هذا الوصف في عباد الرحمن إلى لقاء ذي الجلال والإكرام.
стр. 4032
قيل للعبد الصالح عامر بن عبد قيس وهو من أئمة التابعين أدرك الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين قيل له إذا قمت تصلي هل تحدث نفسك في صلاتك تكلمها تبحث معها تفكر في شيء فقال أو شيء أحسن من الصلاة حتى أحدث نفسي به يوجد أحلى من الصلاة ومن مناجاة الله حتى أحدث نفسي به فقالوا إنا نحدث أنفسنا في صلاتنا قال بأي شيء يذكر الجنة والنار والحور والولدان إذا قمتم إلى الصلاة تحدثون أنفسكم بما يكون في الآخرة قالوا لا بالأهل والأولاد والأموال نحدثها بأمر الدنيا قال سبحان الله أو يفعل ذلك مسلم يقع هذا في قلبه والله لأن تختلف الأسنة في صدري أحب إلي من أن تحدث نفسي بشيء من ذلك مسلم يفعل هذا بين يدي الله والله جل وعلا ينظر لي قلوبنا وهي في كل واد تهيم نصلي صلاة لو قدمت لزبال لردها علينا وما قبلها فكيف بذي العزة والجلال من تكبيرة الإحرام إلي الإنتهاء منها بالسلام لا يعقل منها شيئا أي صلاة صليتها أي صلاة فعلتها.
إخوتي الكرام: الذي حصل أن النبي صلي الله عليه وسلم قد أخبرنا أول ما سيرفع من هذه الأمة الخشوع وهذا الذي حصل ونسأل الله أن يلطف بأحوالنا وأن يذيقنا حلاوة مناجاته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند حسن كما قال الهيثمي في المجمع والمنذري في الترغيب والترهيب عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع فلا ترى فيها أحدا خاشعا) نعوذ بالله من هذا.
стр. 4033
والحديث إخوتي الكرام مرفوع في هذه الرواية وروي عن صحابيين اثنين موقوف عليهما روي عن عبادة بن الصامت وعن شداد بن أوس ﵃ أجمعين أما حديث عبادة فهو في آخر حديث أبي الدرداء الثابت في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم والحديث صحيح صححه الحاكم ووافقه عليه الذهبي عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنا جلوسا مع النبي صلي الله عليه وسلم فشخص ببصره ألي السماء ثم قال هذا أوان يختلس فيه العلم أي يضيع العلم ويذهب فقال زياد بن لبيد الأنصاري ﵁ كيف يختلس العلم يا رسول الله وقد قرأنا القرآن وأقرأناه أولادنا ونساءنا والله لنقرأن القرآن ولنقرأن أولادنا ونساءنا فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا زياد كنت أعدك من أفقه أهل المدينة هذه التوراة والإنجيل عند أهل الكتاب فما أغنت عنهم أي إذا ذهب الخشوع من القلب وذهب تعظيم الرب من صدر الإنسان فما ينفعه إذا قرأ القرآن أو حفظ حديث النبي صلي الله عليه وسلم هذه التوراة والإنجيل عند أهل الكتاب فما أغنت عنهم نعم إذا فقد الخشوع حرف الإنسان الكلم عن مواضعه ويشتري بآيات الله ثمنا قليلا ويتأول ويترخص ويخرج من دين الله وهو يظن أنه يعبد الله قال جبير بن نفير لما سمع هذا الحديث من أبي الدرداء فذهب إلى عبادة بن الصامت ﵁ فقلت ألا تسمع ما يحدث به أخوك أبو الدرداء ﵃ أجمعين قال وما ذاك فحدثه بهذا الحديث قال صدق أبو الدرداء ألا أخبرك بأول شيء يرفع من هذه الأمة أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى أنك لتدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا نعوذ بالله من هذا والحديث إسناده صحيح وفي هذه الرواية موقوفا على عبادة بن الصامت وله حكم الرفع وروي عن شداد بن أوس أيضا أخرج الحديث عنه من رواية عوف بن مالك الأشجعي ﵁ وأرضاه الإمام الطبراني في معجمه الكبير والإمام البزار وابن خزيمة في صحيحه ﵃ وساق
стр. 4034
عوف بن مالك الأشجعي الحديث كنحو رواية أبي الدرداء قال جبير بن نفير فذهب به إلى شداد وقلت ألا تسمع ما يحدث به أخوك عوف بن مالك وهناك ذهب إلى عبادة قال صدق عوف بن مالك أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع نعم سيأتي على الناس زمان كما ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا عليه وله حكم الرفع إلى نبينا صلي الله عليه وسلم سيأتي على الناس زمانا يجتمعون فيه في المسجد ليس فيه مؤمن يؤذنون ويصلون وليس فيهم من يؤمن بالحي القيوم) .
والحديث ثابت في المستدرك بسند صحيح كالشمس أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى إنك لتدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا هذا أول ما يرفع من هذه الأمة إخوتي الكرام ولا يتعارض هذا الأثر مع الأثر المصرح فيه بأن أول ما يرفع في هذه الأمة وينقض من أحكام الإسلام الحكم بما أنزل الله وفساد جهاز الحكم لا تعارض بين الأمرين وقد أشار نبينا صلي الله عليه وسلم إلى الأمر الثاني أذكر دليله وأقرره ثم أجمع بين الأمرين إن شاء الله.
стр. 4035
أخرج الإمام أحمد في المسند والحديث في معجم الطبراني وصحيح ابن حبان من رواية أبي أمامة الباهلي ﵁ وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن فيروز الديلمي ورواية أبي أمامة في درجة الحسن عن نبينا صلي الله عليه وسلم أنه قال لتنقضن عرى الإسلام عروة،عروة فأولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة أول ما ينقض من حيث الظاهر الحكم وآخر ما يبقى من شعائر الإسلام الصلاة لكن ليصلين أقوام ولا دين لهم فأول ما رفع الخشوع وهذا أمر بين العبد وربه لا يطلع عليه إلا الله وما فساد الحكم إلا من ضياع هيبة الرب من القلب عندما لم يخشع الناس في صلاتهم ولم يعظموا الهيبة لربهم جل وعلا وأفسدوا الصلة بينهم وبين ربهم سلط عليهم الفاسدين ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (١) فأول ما يرفع الخشوع وهذا أمر باطني وأما هذه الصلاة أي التي هي شعيرة ظاهرة بحركات واضحة معلومة مرئية تبقى وهي آخر شعائر الإسلام بقاءاََ أما الحكم فسيضيع بعد الخشوع لكن فساد الحكم واضح ظاهر للعيان ولذلك أولها نقضاََ أي من حيث الظاهر وأما من حيث الواقع أول ما يفقد في هذه الأمة الخشوع وأنك لا ترى في المسجد خاشعا وكون الحاكم سيفسد والأمانة ستضيع.
стр. 4036
ثبت هذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه فقام رجل فقال يا رسول الله متى الساعة فمضى في حديثه سمع ما قال فكره ما قاله وقال بعضهم بل لم يسمع فلما انتهى النبي صلي الله عليه وسلم من حديثه قال أين السائل عن الساعة قال ها أنا ذا يا رسول الله صلي الله عليه وسلم قال إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال وما إضاعتها يا رسول الله قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة حقيقة الأوضاع العامة ستخل وما اختلت الأوضاع العامة إلا بعد فساد القلوب وخرابها إلا بعد ظلمها وعشش الشيطان فيها فلما ضاعت هيبة الرب من القلب سلط الله من يسومهم سوء العذاب من يعاقبهم لعلهم يرجعون فسد الحكم بعد أن فسد الناس الصلة بينهم وبين أحكم الحاكمين بين رب العالمين .
إخوتي الكرام..
لابد من الأمر الثاني ألا وهو حضور القلب بين يدي الله صلاة في وقتها مع حضور القلب ومناجاة الله فيها الأمر الثالث الذي ينبغي به الإنسان في صلاته ليتحقق فيه وصف إقامة الصلاة إذا خشع قلبك فينبغي أن تخشع جوارحك وأن يسكن بدنك وأن لا تتحرك خلال صلاتك واضبط عينيك واضبط سائر جوارحك واضبط فمك أتدري بين يدي من أنت،أنت بين يدي رب العالمين بين يدي أحكم الحاكمين بين يدي الإله العظيم الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون أنت بين يدي من لو عذب الخليقة بأسرهم لما اعترض عليه معترض ولا منعه مانع اعلم أنت بين يدي من بين يدي الجبار بين يدي العزيز القهار فتأدب إذا كان الناس يتأدبون في مناجاة الملوك والأمراء فتأدب عند مناجاة رب الأرض والسماء حذار من حركة اليد والرجل أو نظرة عين كل هذا نهينا عنه وإذا لم يخشع الظاهر فسلام، سلام على خشوع الباطن إن خشوع الظاهر لعله يدل على خشوع الباطن أما عدم خشوع الظاهر فهذا دليل قوي على عدم خشوع الباطن حركات في الصلاة هذه ما كانت أن تفعل.
стр. 4037
ثبت في صحيح البخاري والحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك ﵁ والحديث ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة ومن رواية جابر بن سمرة ﵃ أجمعين وروي عن عدة من الصحابة الكرام عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وهو حديث صحيح،صحيح في أعلى درجات الصحة ولفظ الحديث عن نبينا صلي الله عليه وسلم أنه قال: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم لينتهين عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم.
نعم إذا كنت تصلي فما ينبغي أن ترفع النظر إلى العلي الأعلى سبحانه فهو القاهر فوق عباده وهو العلي العظيم وإذا كنت تكلم كبيرا فلا نحد النظر فيه ولا تصعد النظر إليه بل تطرق وتنظر إلى جهة السفل فكيف إذا كنت تناجي من قلت في أول صلاتك في تكبيرة الإحرام الله أكبر لا ثم لاثم بعد ذلك كما قال الإمام أحمد بن حجر عليه رحمة الله الأنوار تنزل على المصلي عندما يصلي فإذا رفعت بصرك ربما لمع هذا البصر وربما اختطف وذهب من هذه الأنوار التي تنزل عليك فإذا ليس من الأدب أن تحد النظر فيمن تكلمه وتناجيه وتخاطبه ثم هذه الأنوار بعد ذلك تفقد بصرك إذا أدمت النظر إليها ولذلك لينتهين عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم وإذا تلفت الإنسان بنظره يمينا وشمالا فالويل له وقد أعرض الله عنه وما تحقق فيه وصف إقامة الصلاة.
ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث إخوتي الكرام صحيح رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وهو كما قلت من رواية أبي ذر ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول إن الله لا يزال مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه انتبه لبصرك عندما تصلي البصر لا يجاوز محل السجود محل سجودك أنظر إليه خاشعا ذليلا أما أن تبعثر ذات اليمين وذات الشمال وكل ذلك دليل على عدم حضور القلب عند مناجاة الرب.
стр. 4038
وقد ثبت في صحيح البخاري وفي مسند الإمام أحمد والنسائي وسنن أبي داود والحديث في صحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم أيضا عن أمنا عائشة ﵂ قالت سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الإتفات في الصلاة فقال تلك خلسة يختلسها الشيطان والخلسة هي أخذ الشيء في خفية أي أن الشيطان يوسوس لك أن تنظر يمينا أو شمالا ليسرق من صلاتك وليخرجك من وصف إقامة الصلاة فاضبط النظر ثم اضبط هذه الجوارح حذار، حذار وإياك، إياك من أن تمد يدك إلى رأسك وإلى لحيتك وإلى انفك واليد على طول الصلاة كأنها مراوح تشتغل أي صلاة هذه أما تتقي الله في نفسك عندما تناجي ربك.
ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة من حديث خادم نبينا الحبيب عليه صلوات الله وسلامه أن النبي قال لا تمسح الحصى فإن كان ولابد فواحدة تسوية الحصى سبحان الله ومسح الحصى يكون عندما يسجد الإنسان على الأرض والأرض ليست مستوية أن يسويها لأجل أن يضع جبهته مع ذلك يقول النبي ﷺ لا تمسح الحصى فإن كان لابد فواحدة وقال الحافظ ابن حجر ضبط بالرفع فواحدة تجزؤك وهي مقدار الضرورة مسحت مكان السجود لأجل أن تضع جبهتك عليه واحدة تسوية الحصى أي من أن تسوي الحصى هذا إذا كان ولابد فمسحة واحدة.
وقد ثبت في صحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة فقال النبي صلي الله عليه وسلم واحدة يرخص لك واحدة وإذا كثرت الحركات في الصلاة كما ضبط ذلك أئمتنا الفقهاء رضوان الله عليهم فوصل إلى ثلاث حركات متتابعات بطلت الصلاة وأنك لم تصلي كما لو أحدث الإنسان في صلاته سألت رسول الله ﷺ عن مسح الحصى فقال واحدة وقال لأن تدعها خير لك من مائة ناقة سود الحدق أي فإذا كنت تصلي فحذار حذار من الحركات.
стр. 4039
إخوتي الكرام: وما يشيع في كتب الوعظ ويتناقله الوعاظ لأن نبينا ﷺ رأى رجلا يعبث في لحيته فقال له لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه الحديث لم يثبت عن نبينا ﷺ وإسناده ضعيف تالف حكم عليه بعض أئمتنا بالوضع لوجود وضاع في إسناده نعم رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والغالب في ما ينفرد به هذا الإمام في هذا الكتاب شديد الضعف أو موضوع ما يروى في نوادر الأصول مما ليس في كتب أئمتنا التي عول عليها واعتمدت ففي إسناد الحديث الضعف نعم معناه صحيح لو خشع قلب الإنسان لخشعت جوارحه.
ولذلك أثر هذا الكلام عن العبد الصالح سعيد بن المسيب عليه وعلى أئمتنا جميعا رحمة الله ثبت في سنن البيهقي معلقا عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يعبث في فقال له لو خشع قلبك لخشعت جوارحك ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ورواه الإمام عبد الله بن المبارك في الزهد والرقائق عن سعيد بن المسيب ولا يثبت رفع هذا الأثر إلى نبينا ﷺ لكن معناه صحيح فاضبط عينيك واضبط جوارحك واضبط فمك من التثاؤب إذا كنت تصلي فالتثاؤب مكروه في محل وقت وليس من صفات الرجال ليس من صفات أهل الجزم أن يتثاءبوا هذا من خصال الشيطان.
وقد ثبت في صحيح البخاري والسنن الأربعة والحديث في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ـ إذا لم يكن العطاس بسبب الزكام والمرض ففيه شحن للذهن وتنشيط للهمة ـ فإذا تثاءب أحدكم في صلاته فليرد ذلك ما استطاع ولا يقل ها كما يتثاءب المتثائب فإذا قال ها ضحك منه الشيطان) .
стр. 4040
وقد نص أئمتنا الفقهاء على أن من تثاءب فخرج منه هذا اللفظ فقد بطلت صلاته أيضا لأنه كلام الناس ها يرفع صوته وهذا الصوت يشبه صوت الكلب كما قال النبي ﷺ والحديث في سنن ابن ماجه وغيره إذا تثاءب أحدكم فليرد ذلك ما استطاع ولا يعوي كالكلب نعم عندما يعوي الكلب يرفع رأسه ثم يفتح فاه ثم يصوت هذا الصوت الذي يشبه صوت الكلب هل يليق بك وأنت تناجي الرب أن تخلط في مناجاتك صوتا كصوت الكلب لا ثم لا.
فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال إذا نتثاءب أحدكم فليرد ذلك ما استطاع وفي رواية فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل إلى جوفك عندما تتثاءب وتفتح فاك.
إخوتي الكرام..
لابد من مراعاة هذا الأدب ألا وهو الأدب الثالث ضبط الجوارح بعد أن ضبطت القلب ثم بعد ذلك المحافظة على المواقيت وأما الأدب الرابع وهو متعلق بتعديل هيئات الصلاة وأركانها وإتمام ركوعها وسجودها فأترك الكلام عليه في أول الموعظة الآتية إن شاء الله وأسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحينا على الإسلام وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان وأسأله أن يجعلنا من الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله.
стр. 4041
النظر إلى موضع السجود
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النظر إلى موضع السجود
رقم ١٤
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما، وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، (ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين) .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١)
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣)
стр. 4042
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١)
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
خير بقاع الأرض وأحبها إلى الله جل وعلا المساجد فهي محل نور رب العالمين وهي موطن عباد الله المهتدين وقد نعت الله جل وعلا من يعمرونها ويتواجدون فيها بأنهم رجال ثم وصفهم بأربع خصال لا تلهيهم هذه الدنيا عن طاعة ذي العزة والجلال يعظمون الله جل وعلا فيذكرونه ويصلون له يشفقون على عباد الله ويُحسنون إليهم فيعطونهم قسطاً من أموالهم ثم هم على أتم الاستعداد ليوم المعاد في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يُسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.
стр. 4043
إخوتي الكرام: كنا نتدارس الصفة الثانية من صفات عباد الرحمن الذين يعمرون بيوت ذي الجلال والإكرام في الأرض ألا وهي إقامة الصلاة وقد مضى الكلام على هذه الصفة في موعظتين اثنتين وقلت إن المراد من إقامة الصلاة توفية الصلاة حقها علماً وعملاً فإذا قام الإنسان بذلك قرت عينه وابتهجت نفسه وذاق للصلاة حلاوة تتضاءل بجانبها جميع الحلوات واللذائذ والمشتهيات ويستعين الإنسان بعد ذلك بهذه الصلاة على شدائد الحياة وهذا ما كان يشير إليه نبينا ﷺ ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن بعض الأنصار والأبرار ﵃ أجمعين- والحديث رواه الإمام الداراقطني في العلل عن بلال ﵃ أجمعين- أن -النبي ﷺ قال: يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها أقم هذه الصلاة لنستريح فيها ولنتلذذ بها فنحن نناجي الحي القيوم عندما نصلي له أقم الصلاة أرحنا بها نعم إن الراحة تحصل بالصلاة على خلاف الكُسالى والمنافقين الذين يستريحون من الصلاة وشتان شتان بين من يستريح بها وبين من يريد أن يستريح منها فيراها كأنها ضريبة وإذا قام إليها يقوم وهو متثاقل فيريد أن يستريح منها وأن يتخلص من عناءها وكأنه ما فهم من الصلاة إلا هذه الحركات المتتابعات فهو يريد الراحة منها وحال المتقين يستريحون بها [يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها] .
نعم تحصل الراحة بالصلاة فهي قرة العين كما تقدم معنا -إخوتي الكرام- وقد كان نبينا ﵊ إذا اعتراه هم ودهاه حزن يفزع إلى الصلاة ويشرع لنا ذلك لنستعين بهذه الصلاة على كل شدة في هذه الحياة ثبت في المسند أيضاً، وسنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمر فزع إلى الصلاة أي نزل به أمرٌ مهم وشدة وحزن وكرب وغم فزع -عليه صلوات الله وسلامه- إلى الصلاة.
стр. 4044
نعم إن الصلاة هي مفزع المؤمنين كيف لا وبها يناجون رب العالمين ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١) وقد كان السلف الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- عندما كانوا يقيمون هذه الصلاة كما يريد ربنا -جل وعلا- وكما أمر كانوا يتلذذون بها وكانوا يتسلون بها عن كل شدة تطرأ على أبدانهم وأجسامهم أخرج أبو داود في سننه، والحديث رواه الإمام ابن حبان، وابن خزيمة في صحيحهما، ورواه الحاكم في المستدرك، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى ودلائل النبوة على نبينا -صلوات الله وسلامه- وعلقه الإمام البخاري في صحيحه والحديث صحيح نص على تحسينه الإمام النووي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والإمام الحاكم، والذهبي -عليهم جميعاً رحمة الله-.
стр. 4045
ولفظ الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزونا مع النبي ﵊ في غزوته ذات الرقاع وسميت بذلك لأمور كثيرة أبرزها أمران أولهما: لف الخرق على أرجلهم فوضعوا الخرق على أرجلهم من شدة وعورة الطريق وعناء السفر فتنقبت أرجلهم فلفوا عليها الخرق وراياتهم تمزقت أيضاً وتقطعت فرقعوها غزوة ذات الرقاع يقول فلما دخل الليل قال النبي ﷺ هل من رجل يكلئنا أي من يكلؤنا من يكلؤنا هذه الليلة، يحفظنا يحرصنا في هذه الليلة فانتدب لذلك صحابيان أنصاري عباد بن بشر، ومهاجري عمار بن ياسر -رضي الله عن الصحابة أجمعين- فقال النبي ﷺ لهذين الصحابيين المباركين عباد بن بشر، وعمار بن ياسر كونا بفم الشعب أي في هذا المنفتح والطريق بين الجبلين كونا في أوله حتى إذا جاءنا طلب من المشركين تخبروننا فهذا هو الطريق الذي يأتون منه كونا بفم الشعب وأخذ النبي ﵊ والصحابة الكرام بعد ذلك مضاجعهم ليستريحوا في الليل فقال عمار بن ياسر لعبَّاد بن بشر تريد أن أكفيك أول الليل وتكفيني آخره أو أنت تكفيني أول الليل وأكفيك آخره أي نتناوب في الحراسة فقال عباد بن بشر أنا أحرس أول الليل فقام يحرس وبجواره عمار بن ياسر مضجع نائم فجاء بعض المشركين فلما نظر إلى هذا الرجل وهو عباد بن بشر وجده قائماً يصلى فعلم أنه هو ربيئة القوم أي هو حارسهم وهو الذي يحفظهم ويكلؤهم ويراقبهم ويراقب الأعداء إذا جاءوا عليهم فسدد إليه السهم فضربه بسهم وقع في صدره وعباد بن بشر يصلي وورد أنه كان يقرأ سورة الكهف -رضي الله عنهورحم الصحابة والمسلمين أجمعين- فنزع عباد بن بشر هذا السهم وما التفت ولا قطع صلاته وبدأ في صلاته فسدد إليه ذاك الرجل سهماً آخر فوقع في صدره والدماء تنزف منه ﵁ وأرضاه- فنزع هذا السهم وما قطع صلاته فسدد إليه سهماً ثالثاً فوقع في صدره فنزعه فلم اثخنته الجراح
стр. 4046
وخشي أن يسقط على الأرض ميتاً وبعد ذلك يكشف المسلمون ولا يوجد من يحرصهم ولا من يوقظهم إذا داهمهم المشركون أيقظ عمار بن ياسر وجراحاته تنزف من صدره ﵃ أجمعين- فقال له عمار هلا أنبهتني في أول الأمر أي عندما شعرت بهذا العدو لِمَا لم تخبرني ولِمَا لم توقظني قال عباد بن بشر كنت في سورة فكرهت أن أقطعها سبحان الله كنت في سورة أنا أناجي الله وأتلذذ بحلاوة كلامه كيف أقطعها وهذه الجراحات لا نشعر بشدائدها في صلاتنا ووالله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي أو أنفذها إعلم يا عمار ما أيقظتك من أجلى ولا من أجل هذا المشرك لتطرده ما أيقظك إلا لأنني مؤتمن على هذا الثغر ولولا هذه الأمانة لما قطعت صلاتي حتى أُُنهي هذه السورة بتمامها أو أن أقتل وأنا في الصلاة [وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر] .
الفائدة التي تحصلها من ذكر الله الفائدة التي نحصلها من صلاتنا بذكر الله عندما نذكره أكبر من كل شيء أكبر من كون الصلاة تنهانا عن الفحشاء والمنكر وأكبر من كل طاعة ومن كل لذه ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. -إخوتي الكرام- إذا أقام الإنسان الصلاة وفاها حقها علماً وعملاً نال بها الراحة وقرة العين وحصل بهجة النفس وانشراح الصدر وطمأنينة القلب عباد الله وتقدم معنا أنه لا بد لإقامة الصلاة من أمور قلت جماعها ينحصر في أربعة أمور أولها أن نؤدي الصلاة في وقتها وثانيها أن يحضر قلبنا عند أداء الصلاة لربنا وثالثها أن تسكن جوارحنا وأعضائنا الظاهرة ورابعها وهو الذي لم يتيسر الكلام عليه في الموعظة الماضية وقلت سأتكلم عليه في هذه الموعظة إن شاء الله إتمام أركانها من ركوعها وسجودها.
стр. 4047
إخوتي الكرام: وهذا الأمر الرابع قبل أن أتكلم عليه تكلمت على الأمر الثالث وهو أن الجوارح ينبغي أن تسكن وأن تخشع كما خشع الباطن ينبغي أن يخشع الظاهر وعليه ينبغي أن تضبط عينيك وأن تضبط فمك وأن تضبط جميع جوارحك وأن تكون في سكون وخشوع وإخباتٍ لله -جل وعلا- وكنت أشرت على سبيل الإجمال أن النظر ينبغي أن يكون إلى محل السجود وقد سأل عدد من الأخوة عن هذا الأمر ولذلك أرى أن أتكلم عليه وهو يتعلق بالأمر الثالث ثم نتدارس الأمر الرابع إن شاء الله -عباد الله- إذا قام الإنسان للصلاة فينبغي ألا يُفَرِق نظره كما تقدم معنا إلى أي جهة من الجهات وينبغي أن يكون نظره موضع سجوده وقد وردت في ذلك أحاديثَ وآثارً ضعيفة تعتضد ببعضها فترتقي إلى درجة القبول بإذن الله -جل وعلا- من هذه الآثار ما رواه الإمام الطبري في تفسيره، ورواه ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد في تفاسيرهم، رواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن والأثر، ورواه الإمام الحازمي في الناسخ والمنسوخ، وسعيد بن منصور في السنن أيضاً عن محمد بن سيرين شيخ الإسلام والأثر مرسل وإسناده صحيح إلى محمد بن سيرين -عليهم جميعاً رحمات رب العالمين- قال: كان الصحابة الكرام ومعهم نبينا ﵊ في أول الأمر إذا قاموا إلى الصلاة رفعوا رؤوسهم ونظروا فوقهم وتَلَفَّتوا يميناً وشمالاً فأنزل الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول محمد بن سيرين في هذا الأثر فلما نزلت هذه الآية طأطأو رؤوسهم وفي رواية طأطأ رسول الله ﷺ رأسه ونكّس رأسه والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين كانوا على هذا الأمر فحنَوْ رؤوسهم كما في بعض الروايات.
стр. 4048
وهذا الأثر رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن أيضاً عن محمد بن سيرين متصلا عن أبي هريرة ﵁ فهو متصل لكن كما قال البيهقي المحفوظ هو المرسل وقال الإمام الذهبي هو الصحيح هذا الأثر الأول طأطأو رؤوسهم حنَوْ رؤوسهم نكسوا رؤوسهم ونظروا محل سجودهم، وورد في سنن البيهقي وإسناد الأثر فيه ضعف كما قال الإمام النووي في المجموع عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال له: [يا أنس ضع نظرك حيث تسجد] أي إلى موضع السجود هذا النظر ما ينبغي أن يزيد على ذلك وهذا الأمر نقل عن السلف الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين-.
стр. 4049
ثبت في سنن البيهقي والأثر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق وإسناد الأثر فيه ضعف أيضاً وكما قلت الآثار تعتضد ببعضها عن أبي قلابة ﵁ وهو عبد الله بن زيد الجَرْمَي من أئمة التابعين توفي سنة ١٠٤هـ أخرج حديثه أهل الكتب الستة كما قال عنه الإمام الحافظ بن حجر في التقريب ثقة فاضل عابد أخرج حديثه أهل الكتب الستة إلا أبا داود فأخرج عنه في كتاب القدر لا في كتاب السنن وهو عبد صالح أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ومن مناقبه وفضائله واحتياطه وحزمه وعزمه أنه عندما أريد على القضاء في بلاد البصرة هرب وشرد إلى بلاد الشام وتوفى هناك وكان يقول ما مثل القاضي العالم إلا كمثل رجل وقع في البحر فما عسى أن يسبح ثم يغرق هذا العبد الصالح يقول حدثني عشرة من أصحاب النبي ﵊ أن صلاة رسول الله ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده وقراءته كانت كصلاة هذا الأمير يعني الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا- يقول الراوي عن أبي قلابة وهو سليمان بن داود الخولاني إمام ثقة حديثه في سنن أبي داود، وسنن الإمام ابن ماجه يقول سليمان بن داود الخولاني نظرت إلى صلاة عمر بن عبد العزيز وتأملتها فكان لا يجاوز بصره موضع سجوده هذا الأثر يدل على هذا الأمر وهو أن الإنسان إذا قام إلى الصلاة ينبغي ألا يجاوز هذا النظر موضع السجود وهذه الآثار كما قلت تعتضد ببعضها وتتقوى وهو أن الإنسان إذا قام إلى الصلاة ينبغي أن يكون نظره موضع سجوده.
стр. 4050
إخوتي الكرام: وهذا الأمر الذي دلت عليه هذه الآثار وتعتضد ببعضها هو الذي أفتى بموجبه أئمتنا الأبرار هو الذي أفتى بُموجبها أي بموجب الآثار أئمتنا الأبرار -عليهم جميعاً رحمات العزيز الغفار- فهذا قتادة والأثر ثابت عنه في سنن البيهقي بإسناد صحيح أنه كان يقول الخشوع في القلب وإلباد البصر في الصلاة أي: يحصل الخشوع بهذين الأمرين أن يخشع القلب وأن يتفكر وأن يتدبر والباد البصر في الصلاة وإلباد البصر أي سكونه بحيث يكون إلى موضع السجود ولا يتجاوز ذلك فهو مستقر ثابت الخشوع في القلب والباد البصر في الصلاة وروى مثل هذا عن شيخ الإسلام محمد بن سيرين أيضاً -عليهم جميعاً رحمة الله- أنه كان إذا صلى لا يجاوز بصرُه موضع سجوده وكان يعجبه ذلك للمصلى أي إذا صلى الإنسان أن لا يجاوز بصره موضع سجوده وهذا الذي نص عليه أئمتنا الفقهاء -عليهم جميعاً رحمة الله-.
كما قرر هذا شيخ الإسلام الإمام النووي في المجموع، وشيخ الإسلام الإمام ابن قدامه في المغنى وعلى هذا أيضاً كتب المذاهب الأخرى كما في الفقه الحنفي في رد المحتار على الدر المختار للإمام محمد بن عابدين -عليهم جميعاً رحمات رب العالمين- وحاصل ما ذكروه أن الإنسان ينبغي في صلاته أن يضع بصره موضع سجوده في جميع أحوال صلاته سواء كان قائماً أو راكعاً أو ساجداً أو جالساً وهذا هو الذي نقل عن الإمام أحمد وقال الإمام النووي إنه أصح القولين وهناك قولٌ حكى في كتب الفقه أيضاً وهو أن هذه الآثار التي تدل على وضع البصر موضع السجود تُحمل على حاله الوقوف والقيام فإذا كان الإنسان قائماً يضع بصره موضع سجوده وأما إذا ركع فينبغي أن ينظر إلى قدميه وأما إذا سجد فينبغي أن ينظر إلى أرنبة أنفه وأما إذا جلس فينبغي أن ينظر إلى حجره بحيث لا يتجاوز نظره رؤوس أصابعه وهذه الكيفية منقوله عن شريك بن عبد الله ورجحها الإمام البغوي -عليهم جميعاً رحمة الله-.
стр. 4051
ولا يقولن قائل ما الدليل على هذا الدليل؟ على هذا كما قال أئمتنا أن هذه الكيفية فيها قصر للنظر وإعانة على الخشوع عند أداء الصلاة لأن النظر كلما امتد وتبعثر تفرق القلب فبين العين والقلب صلة عجيبة فإذا امتدت العين إلى مكان بعيد تشوش القلب وعليه أنت إذا كنت قائماً تنظر إلى محل سجودك فإذا ركعت تنظر إلى قدميك فإذا سجدت لا يتجاوز النظر أرنبة الأنف وإذا جلست بعد ذلك تنظر إلى حجرك بحيث لا يتجاوز النظر أصابع اليدين اللتين على الفخدين إلى منتهى الركبتين وكل من القولين كما قلت إخوتي الكرام قرره أئمة الإسلام والأخذ بأيهما كان حسن إما أن تنظر إلى محل سجودك على الدوام في جميع أحوال صلاتك وإما أن تفعل هذا فانظر أيهما أخشع لقلبك فافعله ولا حرج إخوتي الكرام وكسر البصر وغضه ينبغي أن يصاحب الإنسان في جميع الأحوال سواء كان في حال الصلاة أو في غيرها من العبادات والأذكار ينبغي للإنسان ألا يَمُد نظره وألا يفرق بصره وكلما قصره كان خيرا له.
стр. 4052
ولذلك ثبت في المستدرك والحديث رواه البيهقي في السنن وإسناد الحديث على شرط الشيخين صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي وهو صحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت عجبت للمرء المسلم عندما يدخل البيت وتعني بالبيت بيت الله الحرام الكعبة المشرفة إذا دخل الإنسان إلى داخلها عجبت للمرء المسلم عندما يدخل البيت كيف ينظر قبل السقف وهو في غير صلاة دخل إلى بيت الله دخل إلى الكعبة المشرفة فبدأ يتأملها وينظر إلى سقفها تقول عجبت للمرء المسلم إذا دخل إلى البيت كيف ينظر قبل السقف ينبغي أن يدع ذلك تعظيما لله وإجلالاً له إن رسول الله ﷺ عندما دخل البيت ما جاوز بصره موضع سجوده أي كان مطرقاً -عليه صلوات الله وسلامه- عندما دخل الكعبة المشرفة دون أن تقع صلاة إنما هذا من علامات السكينة من علامات الخشوع من علامات الأدب إذا كنت تذكر الله -جل وعلا- في غير صلاة إذا كنت تقرأ القرآن إذا كنت تصلي أيضاً فما ينبغي أن تفرق بصرك بيمين وشمال وخلفك وفوقك ينبغي أن تَقْصُر بصرك فكلما فعلت هذا كان أخشع لقلبك واتقى لربك عجبت للمرء المسلم إذا دخل البيت كيف ينظر قبل السقف ينبغي أن يدع ذلك تعظيماً لله -جل وعلا- وإجلالاً له إن رسول الله ﷺ عندما دخل البيت ما تجاوز نظره موضع سجوده.
стр. 4053
والأثر كما قلت -إخوتي الكرام- صحيح على شرط الشيخين صححه أئمة الإسلام وقد ورد في سنن ابن ماجه ما يدل على حاله رفيعة كريمة للصحابة الكرام في صلواتهم والحديث حوله شيء من الكلام أذكره وأبين ما فيه إن شاء الله ولفظ الحديث عن أمنا أم سلمة ﵂ وأورده الإمام ابن ماجه في كتاب الجنائز ومن العجيب أن يورد هذا الحديث في كتاب الجنائز في باب وفاة نبينا ﵊ ودفنه مع أنه في ظاهر الأمر ليس له صلة بوفاة النبي ﵊ ودفنه لكن أمنا أم سلمة ﵂ تشير بهذا الحديث إلى تغير الناس بعد نبينا ﵊ ولفظ الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ إذا قاموا إلى الصلاة لم يعدو بصر أحدهم موضع قدميه فهو يصلي مطرق الراس لا يتجاوز بصره موضع قدميه تقول فلما قُبض النبي ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁ وأرضاه- صار أحدهم إذا قام للصلاة لم يعدو بصر أحدهم إذا قام يصلي موضع سجوده فتوسع الناس إلى هذا الأمر ولا زالوا ضمن المشروعية والجواز تقول فلما كان عمر واستخلف عمر ﵁ وقبض أبو بكر ﵃ أجمعين- صار أحدهم إذا قام يصلي لم يعدو بصرهم موضع القبلة لم يعدو بصر أحدهم موضع القبلة فتوسعوا تجاوزوا القدمين ومحل السجود لكن لا ينظرون إلا إلى جهه القبلة إلا إلى الجهه الأمامية تقول أمنا أم سلمة ﵂ فلما قتل عمر واستُخلف عثمان ووقعت الفتنة -رضي الله عن الصحابة الكرام أجمعين- تَلَفّت الناس في صلاتهم فنظروا يميناً وشمالاً أي تغيروا عن الهدى الصالح الذي كانوا عليه.
стр. 4054
وهذا الحديث إخوتي الكرام فيه موسى بن عبد الله انفرد الإمام ابن ماجه بالإخراج عنه فلم يروي عنه أحد من الكتب الستة موسى بن عبد الله والإمام المنذري لما ذكر الحديث في الترغيب والترهيب قال إسناده حسن وليس فيه إلا موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي ولم أقف على جرحٍ أو تعديلٍ فيه ولا يحضرني جرحٌ أو تعديل فيه وهذا الحديث عندما تعرض له أئمتنا كما فعل الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد المَنْبِجيّ الحلبي في كتابه تسلية أهل المصائب قال إسناده مقارب بفتح الراء وكسرها مقارَب مقارِب أي رجال الإسناد يقاربهم غيرهم في الحفظ وهم يقاربون غيرهم في الحفظ إسناده مقارَب إسناده مقارِب وتبعه على هذا الاصطلاح الإمام السفاريني في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب فقال إسناد الحديث مقارِب إسناد الحديث مقارَب أما الإمام المنبجي فتوفي سنة ٧٨٥هـ وأما الإمام السفاريني الذي جاء بعده توفي سنة ١١٨٨هـ -عليهم جميعاً رحمات رب العالمين- موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي انفرد الإمام ابن ماجه بالإخراج عنه وقد حكم عليه الحافظ بن حجر العسقلاني في التقريب بأنه مجهول لأنه لم يرو عنه إلا واحد نعم ليس فيه كما قلت توثيق ولا تجريح والحديث كما قلت يعطينا سورة واضحة لأحوال السلف الكرام في العصر الأول وكيف كانت الأحوال تتغير في كل مرحلة فهم في عهد النبي ﵊ لهم هذه الحالة لا يجاوز بصر أحدهم موضع قدميه في عهد أبي بكر ﵁ لا يجاوز بصر الواحد منهم موضع سجوده في عهد عمر ﵁ لا يجاوز بصر أحدهم القبلة فلما وقعت الفتنة وتغيرت القلوب نظر الناس يميناً وشمالاً وكيف يفعل الناس في هذه الأيام من النظر إلى سائر الجهات وكل هذا كما تقدم معنا اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الإنسان.
وخلاصة الكلام إخوتي الكرام:
стр. 4055
إذا صلى الإنسان ينبغي أن ينظر موضع سجوده ولا يجوز أن يرسل نظرة زيادة عن ذلك ولا بمقدار أنمله وإذا فعل هذا فقد شوش ذهنه وتسبب في تشويش قلبه ونقص من الخشوع بمقدار ما يُطلق بصره هذا فيما يتعلق بالنظر الذي سأل عنه عدد من الأخوة الكرام وكما قلت ينبغي للإنسان أن يقصر من نظره في الصلاة وفي غيرها ذكر أئمتنا في ترجمة العبد الصالح الربيع بن خثيم وهو تابعي مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرى النبي ﵊ وهو من شيوخ التابعين الكرام توفي سنة ٦٥هـ حديثه مخرج في الكتب الستة الربيع بن خثيم ﵁ وأرضاه- يقول هذا العبد الصالح وكان تلميذاً لعبد الله بن مسعود كان إذا جاء إلى بيت شيخه عبد الله بن مسعود يقول أهل عبد الله بن مسعود لعبد الله بن مسعود جاء صاحبك الأعمى وما كان به عمى ﵁ وأرضاه- كان منور البصر والبصيرة لكنه كان يطرق الراس في مشينه وفي جميع أحواله ولا يُفَرِّق نظره إلى سائر الجهات فكان إذا جاء إلى بيت شيخه يقول أهل عبد الله بن مسعود لعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين- جاء صاحبك الأعمى وكان إذا قام إلى الصلاة وسجد كأنه ثوب مُلقى فكانت العصافير تأتي وتقف على ظهره وهو ساجد لربه -جل وعلا- ومع ذلك كان يقول أدركنا أناساً ما كنا بجنبهم إلا لصوصاً يعني الصحابة الكرام كنا بجنبهم إلا لصوصاً نحن كاللصوص مع الصحابة الكرام فماذا نقول في هذه الأيام نسأل الله أن يتوب علينا وأن يعفو عنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين إطلاق النظر والبصر إلى سائر الجهات وحتى توسع الناس من رجالٍ ونساء بحيث تجلس المرأة أحياناً على البلكونه على الشرفة أو تفتح النافذة لتسرح نظرها إلى هذا وذاك يا أمة الله يا عبد الله غضوا أبصاركم واقصروا أعينكم فهذا أزكى لكم.
стр. 4056
وأما ما يتعلق بالأمر الرابع الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان لتحصل فيه إقامة الصلاة على التمام المحافظة على الوقت خشوع القلب خشوع الظاهر بعد ذلك ينبغي أن توفي الأركان حقها من قيام وركوع وسجود ينبغي أن تأخذ هذه الأركان حقها من اطمئنان ومن رفع من الركوع ومن رفع من السجود وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن الذي لا يؤدي هذه الأركان حقها ولا يطمئن فيها ولا يرفع ظهره وصلبه بعد ركوعه وبعد سجوده بحيث يواصل الركن الثاني بالأول دون أن يعتدل وأن يطمئن بأن هذا لا صلاة له ولا تجزئه صلاته ولو مات على هذه الحالة يموت على غير ملة نبينا محمد ﵊.
ثبت في مسند الإمام أحمد، والسنن الأربعة والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، ورواه الطبراني في معجمه الكبير وأبو يعلى في مسنده وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي مسعود الأنصاري البدري ﵁ وأرضاه- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول [لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود] إذا ركعت ثم أردت ان تسجد أقم الصلب وأقم الظهر واعتدل قائما مطمئناً حتى تستوي تماماً ويحصل عندك شيء من الراحة والاطمئنان ثم تهوي إلى السجود وأما أنك ترفع بحيث لا يعتدل الارتفاع ثم تهوي إلى السجود لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع وفي السجود.
стр. 4057
والحديث -إخوتي الكرام- روى عن عدة من الصحابة الكرام رواه الإمام أحمد أيضاً في المسند، وابن ماجه في السنن، وابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان عن علي بن شيبان ﵁ وأرضاه وهو من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا صلاة لرجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود] والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير عن طلق بن علي ورواه الإمام أحمد في المسند بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا ينظر الله إلى صلاةٍ لا يقيم الرجل فيها صلبه بين ركوعه وسجوده] وفي رواية [لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه في صلاته بين ركوعه وسجوده] لا ينظر الله إلى هذه الصلاة ولا إلى فاعلها ولا صلاة له ولا يقبل الله صلاته إذا لم يسوي هذه الأركان ولم يطمئن فيها على وجه التمام.
وقد ثبت في معجم الطبراني الكبير، ومسند أبي يعلى، وصحيح ابن حبان من رواية أبي عبد الله الأشعري وهو يعرف بكنيته تابعي صالح قال: حدثنا أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشُرَحبِيل بن حسنه ﵃ أجمعين- أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده فقال له النبي ﷺ : [لو مت لمت على غير ملة محمد ﵊ لا تتم الركوع وتنقر السجود كما ينقر الديك الدجاج فلا تطمئن لا يتم الركوع ينقر في السجود] لو مت على هذا لمت على غير ملة محمد ﷺ ثم قال -النبي ﷺ : [إنما مثل من لا يتم ركوعه وينقر في سجوده كمثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين هل يغني ذلك عنه شيئاً] جائع أكل تمرة لا تملأ بطنه ولا ترد جوعته وهكذا جاء ليصلي فما أتم الركوع أنقصه ونقر في السجود هذه صلاة ناقصة ليست بتامة ولا مقبولة.
стр. 4058
وقد ثبت في معجم الطبراني الكبير بإسناد حسن عن بلال ﵁ أنه رأى رجلاً أيضاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده فقال له "لو مت على هذا لمت على غير ملة محمد ﷺ ".
إخوتي الكرام: قد يسأل سائل فيقول ما الأمور التي يستعين الإنسان بها على إقامة الصلاة كما بينا أن يحافظ عليها في وقتها أن يحضر قلبه في صلاته أن يخشع ظاهره أن يتم بعد ذلك أركانها كما شرع الله وكما يحب والجواب أن ذلك يحصل بأمرين اثنين.
أولهما: قوة المقتضى وثانيهما انتفاء المانع أيها العبد المؤمن أيها المصلي أيها المسلم إذا علمت أن الله خلقك وأحسن إليك فما بكم من نعمة فمن الله واستحضرت تقصيرك نحو ربك -جل وعلا- إذا استحضرت هذه المعاني في بداية صلاتك إنك مخلوق لخالق وهو الله -جل وعلا- والله أحسن إليك بنعم لا تحصى وأنت مقصراً نحوه صلاتك حقيقة ستكون بين خوف ورجاء بين رغبة ورهبة ترغب فيها إلى الله وترهب منه مما عندك من تقصير فأنت بين حالتين في صلاتك إما أن تعبد الله بعد ذلك كأنه يراك وإما أن تعبد الله كأنك تراه أن تستحضر أحد الأمرين أعبد الله كأنك تراه فإذا لم يكن هذا وما وصلت إلى هذا المقام فلا أقل من استحضار.
الأمر الثاني ألا وهو أنه يراك ويراك وأنت عبده ومحسن إليه وأنت مقصر معه فاستحي منه في صلاتك وأحضر قلبك واخشع لربك -جل وعلا- هذا الأمر إذا استحضره الإنسان قوة المقتضى أي المقتضى للخشوع وحضور القلب أيها المصلي أتعلم أنك في صلاتك تقرأ أعظم سورة أنزلها الله -جل وعلا- على أنبيائه ورسله -عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه- ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها لا يوجد سورة تعدل هذه السورة ألا وهي سورة الفاتحة.
стр. 4059
وقد ثبت هذا عن نبينا ﵊ في مسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري ورواه أهل السنن الأربعة إلا الإمام الترمذي من حديث أبي سعيد بن المعلى، وثبت أيضاً في المسند، والترمذي، والنسائي، وصحيح ابن خزيمة، والمستدرك، وموطأ الإمام مالك من حديث أبي هريرة ﵃ أجمعين-.
وللحديثين قصة وفيه يقول -النبي ﷺ [ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها أم الكتاب فاتحة القرآن هي السبع المثاني وهي القرآن العظيم الذي أوتيته] يا عبد الله عندما تقرأ هذه السورة وتصل إلى قول الله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ التي هي بينك وبين رب العالمين هذه الآية كما قال أئمتنا سائر كتب الله -جل وعلا- شرح لها فالقرآن تضمن الكتب السماوية بأسرها ومضمون القرآن كما يقول أئمتنا الكرام في حزب المفصل الذي يبتدأ من سورة ق إلى نهاية القرآن ومضمون هذا الحزب في سورة الفاتحة وسورة الفاتحة مضمون في هاتين الجملتين إياك نعبد وإياك نستعين عبادة لله على الدوام واستعانة بذي الجلال والإكرام حب له على التمام تذلل له على الدوام وهذان ركنا لعبادة إياك نعبد ثم استعانة به في كل زمان ومكان.
استحضر هذا أيها المصلي عندما تقرأ هذه الآية ينبغي أن ينخلع القلب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وأما أن تقول إياك نعبد وأنت تعبد الريال. وأنت تعبد المرأة وأنت تعبد الهوى وأنت تعبد الشهوة وذهنك غاب عما تناجي به ربك فهذا حقيقة مما ينبغي أن يستحي منه الإنسان إياك نعبد.
стр. 4060
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كن على علم بذلك أيها الإنسان عندما تصلي ثم بعد ذلك ينبغي أن تصرف الموانع عنك إذا وجد المقتضى فلا بد من انتفاء المانع والموانع كنت أشرت إليها سابقاً ينبغي أن تحصن أربعة أمور الخطرات والنظرات فما ينبغي في غير الصلاة أن يدخل قلبك وسوسة ولا أن تُشغله بما لا ينفع من أخطار رديئة فهذا سيعرض عليك في صلاتك وما ينبغي في غير الصلاة أن تُطلق بصرك هنا وهناك فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أضبط الخطرات واللحظات ثم اضبط بعد ذلك الخُطوات واللفظات ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاما﴾ (١) .
стр. 4061
ومن ضبط هذه الأمور الأربعة فهو صديقٌ صديق لا يخطر في قلبه إلا حق يرضاه الله ولا ينظر إلا إلى حلال أحله الله ولا يمشي إلا لمباح أحله وشرعه الله وبعد ذلك لا يتكلم إلا بما يحب الله حقيقة إذا حصنت نفسك خارج الصلاة ستتلذذ في الصلاة وأما هذه المنافذ مفتوحة والشياطين تدخل فيها من كل جهة ثم بعد ذلك إذا صليت تقول لا أجد حلاوة الصلاة يا عبد الله ألا سددت منافذ الشيطان خارج الصلاة أضبط خطراتك ولحظاتك وخطواتك ولفظاتك فإذا ضبطت هذا وقمت تصلي واستحضرت المعنى الأول قوة المقتضى من خلق الله لك وإحسانه إليك وتقصيرك في حقه حقيقة شتخشع في صلاتك وستعيش في الصلاة ما بين رغبة ورهبة ما بين خوف ورجاء وإذا لم يحصل هذا فيك فكم من إنسان -إخوتي الكرام- يصلي ولا يُحَصِّل من صلاته إلا جزءاً يسيراً كما ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي والحديث رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر ﵃ أجمعين- أن النبي ﷺ قال إن العبد ليصلي الصلاة وما يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ثمنها إلا تسعها حتى بلغ إلا عشرها سبحان الله كتب له واحد من عشرة هذا إن كتب له وقد أحيانا لا يكتب له شيء من صلاة وقد يرتكب وزراً وكم من إنسان يصلي ويتحمل بصلاته خطايا ما لو وزعت على أهل مدينته وحيّه وبلدته لأهلكتهم وهو يصلي وحقيقة إذا كان الإنسان يصلي وذهنه يرتع في كل نقيصة ورذيلة ما حال يسيء الأدب مع رب العالمين في حضرة مناجاته .
ولذلك -إخوتي الكرام- لابد من استحضار هذا من سد منافذ الشيطان الأربعة ثم استحضار بعد ذلك إحسان الله إلينا وتقصيرنا في حقنا لعل الله يمن علينا إذا استحضرنا ذلك بحلاوة مناجاته عند صلاتنا له.
نسأل الله أن يرزقنا حلاوة الإيمان وخشية على الدوام إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول واستغفر الله.
стр. 4062
الحمد لله رب العالمين..
стр. 4063
تلخيص
النكاح الشرعي والنكاح المدني
١. ذكر الشيخ الآيات التى تدل على ارتفاق كلا من الزوجين بصاحبه.
٢. الرد على الإمام الرازى لقوله أن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات والجماد.
٣. ذكر الشيخ الأقوال عند تعارض رواية المرأة مع رواية الرجل.
٤. الرد على قول الحسن البصرى وقتادة فى قولهما أن العقيقة تشرع للذكر ولا تشرع للأنثى.
٥. شرح الآية الثالثة التى تدل على ارتفاق الزوجين وهو ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا﴾ .
٦. شروط الكفاءة بين الزوجين.
٧. الفروق بين النكاح الشرعى بصبغته الشرعية والنكاح المدنى بدونها.
стр. 4064
النفقة المستحبة
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النفقة المستحبة
١٨
الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيماً وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيد الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صما وقلوباً غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .
стр. 4065
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى ذي الجلال والإكرام المساجد فهي بيوت الله وفيها نوره وهداه وإليها يأوي الموحدون المؤمنون المهتدون وقد نعتهم الله بأنهم رجال ووصفهم لأربع خصال لا تلهيهم البيوع والتجارات ويعظمون رب الأرض والسموات فيذكرونه ويصلون له ويشفقون على عباد الله والمخلوقات فيحسنون إليهم ويتصدقون عليهم ثم بعد ذلك يبذلون ما في وسعهم استعداداً للقاء ربهم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (٢) .
وكنا إخوتي الكرام نتدارس صفتهم الثالثة ألا وهي الإحسان إلى عباد الله ومساعدة خلق الله عن طريق إخراج الزكاة الواجبة والمندوبة وتقدم معنا الكلام إخوتي الكرام على ما يتعلق بالزكاة الواجبة ثم بعد ذلك تكلمت على النفقة الواجبة ووعدت أن نتدارس في هذه الموعظة ما يتعلق بالنفقة المستحبة التي هي من باب التطوع وفاعلها يحصل عظيم الأجور عند العزيز الغفار.