وأقول لكم، عندما أُدَرّسُ محاضرات التوحيد الاخواتي الطلاب، وأتكلم علي بطلان تأويل نصوص الصفات، وأن هذا ضلال وبدعة، قلَّ أن القي محاضرة حول هذا إلا ويتبعني عدد من الطلاب يقول: يا شيخ إذن الاشعرية نكفرهم؟ ! سبحان الله! يا أخي الكريم نقول: هذا القول بدعة وضلال، فما الذي أخذك بعد ذلك إلي تكفير هؤلاء العلماء الذين أخطأوا في هذا المسلك، خطأهم يرد عليهم، فنحن الأن الواجب علينا أن نحصّن أنفسنا مما لا يدل عليه شرع ربنا، أما الحكم علي غيرنا، مالك ولهذا؟ أناس أخطاوا لهم أعذار. الله يعفو عنهم، يثيبهم، يعاقبهم، لا تنصب نفسك حكماً علي عباد الله، هذا القول عندنا خطأ وباطل فمن صدر، من كبيرا وصغير، فالقسم بغير الله لا يجوز سواء قال الإمام أحمد أو الشافعي: انه يجوز أولا يجوز، عندنا نصوص شريعة نحتكم إليها. وُجِدَ بعد ذلك خطأ، الإمام أحمد معروف عندنا، إمام أهل السنة الإمام الشافعي كذلك، فإذا أخطأ في تعليل شرعي يطرح هذا الخطأ ونستغفر له وما كلفنا الله إلا بإتباع شرعية ((وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)) (١) انتبهوا لهذا إخوتي الكرام في هذا الأيام، احذروا تكفير المسلمين، واحذروا الحكم عليهم بالخلود في نار الجحيم.
أسأل الله أن يجعل قلوبنا وألسننا سليمة نحو امة نبينا محمد علية الصلاة والسلام إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرامين، وصلي الله وسلم الله علي نبينا محمد وعلي جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3992
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الصادقين المفلحين عمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك الله وبحمدك على عفوك بعد قدرتك اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد إخوتى الكرام
سنتدارس كما قلت فى كل أسبوع موعظتين فى علم الفقه فى يوم الأحد ويوم الإثنين نسأل الله أن يعيننا على ذلك وأن يتقبل منا بفضله ورحمته
إخوتى الكرام وهذه أول موعظة فى هذا العلم المبارك سأقدم لهذا العلم مقدمة تقوم على أمرين اثنين:
الأمر الأول فى بيان منزلة علم الفقه فى الدين فى شريعة رب العالمين
والأمر الثانى فى تراجم أئمتنا المهتدين ساداتنا أئمة المذاهب الأربعة المتبعة سيدنا أبى حنيفة النعمان فقيه هذه الملة المباركة المرحومة الذى توفى سنة خمسين بعد المائة وهكذا سيدنا الإمام مالك رضى الله عنه وأرضاه أبو عبد الله الذى توفى سنة تسع وسبعين مائة والثالث سيدنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعى الذى توفى سنة أربع ومائتين والإمام الرابع الإمام المبجل سيدنا أحمد بن حنبل الذى توفى سنة إحدى وأربعين بعد المائتين ويكنى بأبى عبد الله أيضا عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه
أما الأمر الأول إخوتى الكرام من هذين الأمرين كما قلت فى منزلة الفقه فى الدين فى شريعة رب العالمين فسأقدم لهذا الأمر الذى قلت كما قلت مقدمة سأقدم له مقدمة فى بيان منزلة العلم وإذا ظهرت لنا منزلة العلم أحدد منزلة علم الفقه من العلم
стр. 3993
إخوتى الكرام أما العلم فشأنه عظيم ويكفى بيان حقيقته ما قاله الإمام الشافعى رضى الله عنه وأرضاه
قال يكفى فى بيان شرف العلم أن كل أحد يحب أن ينسب إليه ولو فى أمر حقير يعنى العلم بأمر حقير لو قلت هذا يعرف ويعلم يعنى كيف يزرع الشجر كيف يبنى بيت الدجاج كيف يرتب الباب إذا وصفته نعته بالعلم حتى فى أمر حقير تراه يفرح يكفى فى شرف العلم أن كل أحد يحب أن يمدح به أن يوصف به ولو فى أمر حقير وكل أحد يحزن إذا رفع عنه هذا الوصف ولو فى أمر حقير
إذا قلت هذا يجهل يعنى أمرا من الأمور الحقيرة يعنى كأنه ينكسر خاطره فكل أحد يحب أن ينسب إلى العلم وكل أحد يكره أن ينسب إلى الجهل هذا يكفى فى بيان شرف العلم كما قال الإمام الشافعى رضى الله عنه وأرضاه
وقد جاءت الآيات المحكمات فى كتاب رب الأرض والسماوات والأحاديث المتواترات عن نبينا خير البريات على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه والآثار الكثيرات عن سلفنا أصحاب العقول الزاكيات فى بيان منزلة العلم وشأنه
أما الآيات سأقتصر منها على ثلاث:
الآية الأولى التى تبين لنا منزلة العلم وفضله ومكانة العالم ورتبته يقول ربنا الرحمن فى سورة آل عمران ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران/١٨]
شهد الله أنه لاإله إلا هو حكم بذلك وقال هذا وبينه حكم بذلك وقاله وبينه فشهد لنفسه بالألوهية والربوبية والوحدانية ثم ثنى بمن شهد له بذلك والملائكة وثلث بأولى العلم من أنبياء الله المباركين على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ومن خلفائهم ورثتهم العلماء العاملين ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ الله جل وعلا هو القائم بالقسط المقيم للعدل بأمره وقسمه وجزائه,
стр. 3994
بأمره أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الفاحش والإثم والعدوان
وقسمه هو الذى يرزق من يشاء يعز من يشاء يحيى ويميت لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه
وجزائه هو الذى يثيب كل عامل على ما عمل إن خيرا فخير وغن شرا فشر ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة٧-٨)
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾
والآية الثانية إخوتى الكرام فى سورة الزمر وفيها يقول ربنا ﴿أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الزمر/:٩]
حقيقة لا يستوى من هو عالم مع من هو جاهل والعالم هو الذى يخشى الله وثمرة العلم الخشية ولذلك هم يقنتون للحى القيوم آناء الليل ساعات الليل يحذرون الآخرة ويرجون رحمة الله جل وعلا هل يستوى من هذا شأنه ومن كافر بالله؟ لا
وهكذا لا يستوى العالم والجاهل ﴿أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾
والآية الثالثة إخوتى الكرام فى سورة فاطر وفيها يقول الله ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور﴾ [فاطر/٢٧-٢٨] (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور)
стр. 3995
إخوتى الكرام وجاء تركيب الآية بهذه الصيغة (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ولم يقل رب الأرض والسماء إنما العلماء يخشون الله ليفيد إفراد العلماء بالخشية من الله فهم الخاشون للحى القيوم هم الخاشون لا غيرهم ولو قال إنما العلماء يخشون الله لكان فى ذلك بيان للمخشى منه وهو الله لا إفراد العلماء بالخشية من الله إنما المقصود هنا أنهم هم الذين يخشون لا غيرهم فإذن لبيان هذا الأمر قدم الله ذاته المباركة اسمه المبارك المفعول به (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) فهم الذين يخشونه لا غيرهم ولو قال إنما العلماء يخشون الله فى ذلك بيان أن العلماء يخشون الله ولا يخشون أحدا غيره كما قال جل وعلا فى سورة الأحزاب (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) وليس فى تلك الآية من الوصف للعلماء كما هو فى سورة فاطر هنا نعتهم بالخشية التى هى خاصة بهم (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور)
نعم إخوتى الكرام إذا وجد العلم النافع سيتبعه عمل صالح وخشية لله
القوة العلمية إذا لم تتبعها قوة عملية فلا خير فيها ولا مدح لأن الإنسان سيلتحق بأهل الملة الغضبية علم من غير عمل هذا طريق اليهود عليهم لعائن ربنا المعبود كمت تقدم معنا إيضاح هذا فى مواعظ التفسير عند قول ربنا الجليل (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
ولذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء علم مع عمل أنتج الخشية لله وكلما كثر علم الإنسان كلما زادت خشيته من ذى الجلال والإكرام
стр. 3996
ثبت فى المسند والصحيحين وغير ذلك من دواوين السنة والحديث فى أعلى درجات الصحة من رواية أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضى الله عنها وأرضاها قالت صنع رسول الله ﷺ شيئا ترخص فيه فتنزه عنه أقوام فقال رسول الله ﷺ (ما بال أقوام يتنزهون عن الشىء أفعله أما والله إنى لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)
وتقدم معنا إخوتى الكرام ضمن مواعظ التفسير أيضا أن الشىء الذى فعله نبينا ﷺ وترخص عنه من ترخص فسر بعدة أمور كما ورد فى الروايات الثابتة:
منها القبلة للصائم وتقدم معنا ثبت هذا فى صحيح مسلم وغيره
ومنها كما تقدم معنا إدراك الفجر على النبى ﵊ وهو جنب أيضا هذا مما كان يترخص فيه وينوى الصيام بعد ذلك ﵊ ويطلع عليه الفجر وهو جنب أحيانا فبعض الناس يعنى تنزه عن هذا ورأى أنه إذا طلع الفجر عليه وهو جنب لا يصح صومه
والأمر الثالث كما تقدم معنا من الأمور التى فعلها ﵊ وسلك طريق القصد من أنه عليه صلوات الله وسلامه كان يصوم ويفطر ويصلى ويرقد ويتزوج النساء فقال من قال أين نحن من خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ثم بعد ذلك بعضهم عزم على أن يقوم الليل وبعضهم على أن يصوم الدهر وبعضهم على أن لا يتزوج فقال النبى ﵊ (من رغب عن سنتى فليس منى) أمر ثالث هذا
وأمر رابع قلت ذكره أئمتنا ولم أقف له على دليل وهو القصر فى السفر فعل هذا ﵊ والفطر فى السفر فعله عليه صلوات الله وسلامه وترخص فيه فكأن بعض الناس ما أراد أن يفطر وما أراد أن يقصر الصلاة فهذا أيضا ذكر كما قلت ضمن الأمور التنزه عنها من تنزه فقال نبينا ﵊ (إنى لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)
وقلت إخوتى الكرام مرارا إن منبع الكمالات بأسرها أمران اثنان
стр. 3997
قوة عليمة وقوة عملية وما اجتمعتا إلا فى نبينا خير البرية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ولذلك هنا العلماء نعتوا بهذا الأمر إخوتى الكرام علم لكن معه خشية علم معه خشية إنما يخشى الله من عباده العلماء
ولو كان فى العلم دون التقى شرف لكان أشرف خلق الله إبليس
فخاصية العلماء الخشية من رب الأرض والسماء
روى الإمام الدارمى فى سننه فى المقدمة فى باب من قال العلم الخشية والأثر فى الحلية ورواه الخطيب فى كتاب الفقيه والمتفقه عن الحسن البصرى عليه رحمة الله ورضوانه أنه أفتى فى مسألة فقيل له إن الفقهاء يقولون بغير هذا فقال للسائل:
ويحك وهل رأيت فقيها, إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا الراغب فى الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربه
هل رأيت من تنطبق عليه هذه الصفات هذا هو الفقيه وهو الذى أشار إليه ربنا جل وعلا بقوله إنما يخشى الله من عباده العلماء وبقوله فى سورة الزمر ﴿أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾
وأما الأحاديث إخوتى الكرام التى تبين لنا شرف العلم ومكانة العالم ورتبته فكثيرة وفيرة:
стр. 3998
منها ما رواه الإمام أحمد فى المسند والحديث فى السنن الأربعة إلا سنن النسائى ورواه الإمام ابن حبان فى صحيحه والدارمى فى سننه ورواه الإمام ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله ورواه الخطيب فى كتاب الفقيه والمتفقه كما رواه أيضا فى كتاب الرحلة فى طلب الحديث ورواه البيهقى فى المدخل فى الصفحة خمسين ومائتين ورواه البيهقى فى شعب الإيمان أيضا والفسوى فى تاريخه والحديث صحيح صحيح من رواية سيدنا أبى الدرداء رضى الله عنه وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من فى السماوات ومن الأرض والحيتان فى جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)
العلم ميراث النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه كما أتى فى النص والعلماء هم وُرََََََََََََََََََََاثه
ما خلف المختار غير حديثه فينا فذاك متاعه وأثاثه عليه صلوات الله وسلامه
هذه الخيرات إخوتى الكرام يحصلها طالب العلم طلبه العلم فى هذه الحياة يوصله إلى نعيم الجنات الملائكة تضع أجنحتها تتواضع له, تظلله بأجنحتها ترافقه عندما يطلب العلم, يستغفر له من فى السماوات ومن الأرض حتى الحيتان فى جوف الماء وفضله على العُبَََادكفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وهو خليفة النبى ﵊ ووارثه
стр. 3999
وروى الإمام الترمذى فى سننه وقال هذا حديث حسن غريب صحيح والحديث رواه الطبرانى فى معجمه الكبير والإمام ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله والخطيب فى كتابه الفقيه والمتفقه وهو فى غير ذلك من دواويين السنة والحديث إسناده صحيح من رواية سيدنا أبى أمامة الباهلى رضى الله عنه وأرضاه قال ذكر للنبى ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم ذكر للنبى ﵊ رجلان أحدهما عالم والآخر عابد فقال ﵊ (فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم) ثم قال ﵊ (إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحيتان فى البحر ليصلون على معلم الناس الخير) (فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم) على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
نعم إخوتى الكرام طلب العلم وتعليمه تعلمه وتعليمه مهنة الأنبياء على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه مهنتهم أن يتعلموا وأن يعلموا والله يقول لنبينا ﵊
(وقل رب زدنى علما) وبعثه الله ﵊ معلما
روى الإمام ابن ماجة فى سننه والدارمى فى سننه أيضا والحديث رواه الإمام أبو داود الطيالسى فى مسنده ورواه البيهقى فى المدخل إلى السنن فى صفحة ست وثلاثمائة ورواه الخطيب فى الفقه والمتفقه والطبرانى فى معجمه الكبير ورواه الأمام ابن السنى فى كتاب رياضة المتعلمين وهكذا الإمام أبو نعيم أيضا والحديث إخوتى الكرام حكم عليه شيخ الإسلام الإمام العراقى عليه رحمة الله فى تخريج أحاديث الإحياء فى الجزء الأول صفحة سبع عشرة حكم على إسناده بالضعف وقال إسناده ضعيف وتابعه على ذلك الإمام الزبيدى فى شرح الإحياء فى الجزء الأول صفحة إحدى عشرة ومائة
стр. 4000
والذى يظهر والعلم عند الله أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن لشواهده وللمتابعات لمن ضُعف من رواته من ضعف له متابع والحديث له شواهد فى الحديث رجلان صالحان مباركان فيهما ضعف بسبب عدم كمال تمام الضبط أولهما العبد الصالح عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقى شيخ بلاد أفريقيا وقاضيها العلم الإمام الصالح الأمَّار بالمعروف والنهَّاء عن المنكر رضى الله عنه وأرضاه
روى له البخارى فى الأدب المفرد وحديثه مخرج فى السنن الأربعة إلا سنن النسائى وقد توفى سنة ست وخمسين ومائة ضعيف فى حفظه وكان صالحا وصلاحه مجمع عليه وتمام ديانته متفق عليها رضى الله عنه وأرضاه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقى والإمام أحمد رضى الله عنه تقدم معنا كان يجله ويحترمه مع أنه لم يدركه لكن يعنى لما يذكر يحتفل بذكره وبمكانته ويرى له يعنى شأنا فى الإسلام ويقول جهر بالحق أمام أبى جعفر وأبو جعفر الذى كان سيفه يسبق لسانه وجهر بالحق أمامه تقدم عندما قال له الظلم ببابك فاش جئت أشكو إليك ظلم العمال فى الأمصار النائية البعيدة فكلما اقتربت من مكانك رأيت الظلم أكثر حتى رأيت الظلم فاشيا ببابك (لا إله إلا الله)
وتقدم معنا خبره مع أبى جعفر ضمن محاضرات الحديث الشريف على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
عبد صالح قانت وشيخه أيضا عبد صالح قانت اسمه أيضا عبد الرحمن هذا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وذاك عبد الرحمن بن رافع التلوقى المصرى أيضا من بلاد إفريقيا توفى سنة ثلاث عشرة بعد المائة وقيل بعدها أيضا ضعيف فى الحفظ وهو رجل صالح وخرج حديثه من خرج أحاديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم فخرج له البخارى فى الأدب المفرد وأهل السنن الأربعة إلا الإمام النسائى عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه
ولفظ الحديث إخوتى الكرام عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال:
стр. 4001
مر رسول الله ﷺ بمجلسين أحد المجلسين فيه أناس يدعون الله ويرغبون إليه يذكرونه يحمدونه يصلون على النبى ﵊ يسألونه الجنة ويستعيذون به من النار
والمجلس الثانى فيه أناس يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال ﵊ كلا المجلسين على خير كلاهما فى طاعة لله جل وعلا من يذكر ومن يتفقه كلا المجلسين على خير أما هؤلاء فيسألون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وأما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل وإنما بعثت معلما ثم أقبل عليهم ﵊ وجلس معهم إنما بعثت معلما عليه صلوات الله وسلامه
وقد دعا نبينا ﵊ لمن يحفظ نصوص الشريعة الحسان دعا له بالنضرة والرحمة بالبهجة فى قلبه والضياء فى وجهه فى هذه الحياة وما له عند الله أعظم وأعظم مما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات نضرة ورحمة
قال نبينا ﷺ (نضر الله امرأ سمع مقالتى بالتشديد والتخفيف نضَر الله امرء سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)
стр. 4002
الحديث إخوتى الكرام رواه الإمام أحمد فى المسند والترمذى فى السنن وهكذا الإمام ابن ماجه فى سننه وابن حبان فى صحيحه من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود ورواه الإمام الترمذى فى سننه وهكذا الإمام أبو داود والإمام ابن ماجة فى سننه أيضا وابن حبان فى صحيحه والإمام الضياء المقدسى فى الأحاديث الجياد المختارة من رواية سيدنا زيد ابن ثابت ورواه الإمام أحمد فى المسند والإمام ابن ماجة فى السنن من رواية سيدنا أنس بن مالك رضى الله عنهم وأرضاهم ورُوى الحديث عن غيرهم كما سيأتينا فهو من الأحاديث المتواترة عن نبينا إمام البررة عليه صلوات الله وسلامه وفى رواية هؤلاء نضر وروى بلفظ (رحم الله امرأ سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)
رواية رَحِم رواها الإمام ابن حبان فى صحيحه عن سيدنا عبد الله ابن مسعود ورواها الإمام٠٠عن سيدنا عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت أيضا فى صحيح ابن حبان ورواها الإمام الطبرانى فى معجمه الكبير والإمام ابن قانع فى تراجم الصحابة وأبو نعيم والإمام ابن عساكر عن النعمان ابن بشير عن أبيه بشير عن نبينا البشير النذير على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه رحم الله امرء أيضا
والحديث رواه الإمام الديلمى عن أبى هريرة أيضا رضى الله عنهم أجمعين بلفظ رحم وهناك بلفظ نضر
وكما قلت إخوتى الكرام إنه من الأحاديث المتواترة كما قرر أئمتنا انظروا قطف الأزهار المتناثرة من الأحاديث المتواترة للإمام السيوطى وهو الحديث الثانى فى صفحة ثمان وعشرين من الكتاب نص على تواتره وهكذا النظم المتناثر من الحديث المتواتر للشيخ الكتانى وهو الحديث الثالث فى نظم المتناثر فى صفحة أربع وعشرين
стр. 4003
وقد قال الإمام ابن منده روى هذا الحديث أربعة وعشرون من الصحابة والإمام السيوطى زاد فى كتابه تدريب الراوى فقال روى عن ثلاثين صحابى عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
وأفرده بجزء مستقل فى كتاب مستقل وتأليف مستقل عدد من أئمتنا منهم تلميذ الإمام ابن ماجة أبو عمرو أحمد ابن محمد المدينى الأصفهانى الذى توفى سنة ثلاث وثلاثين والثلاث مائة أفرد هذا الحديث فى جزء خاص ومنهم الخطيب البغدادى ومنهم من المعاصرين أبو الفيض أحمد ابن الصديق الغمارى وسمى كتابه المسك التبت فى تواتر حديث من سمع مقالتى
وتبت بلدة متاخمة للصين فى بلاد الصين لعلها فى هذه الأيام يقال فيها أجود أنواع مسك الظباء, المسك التبت فى تواتر حديث من سمع مقالتى
إخوتى الكرام العلم نور ولا بد من تحصيل العلم بلفظه وبفقهه فالنصوص لا بد من أن تضبط ولا بد من أن تفهم والعلم يقوم على هذين الأمرين فمن نقل النص فهمه فقد جمع بين الحسنيين ومن نقله ولم يفهمه فينقله إلى فقيه يفهمه ويستنبط منه أحكاما كما سيأتينا المحدثون صيادلة والفقهاء أطباء لكن العلم يقوم على هذين الأمرين على حفظ النص وعلى فقهه وفهمه وإذا ضاع أحدهما وجدت الجاهلية وإذا ضاعا يعنى أظلمت الحياة الدنيوية فلا بد من بقاء النصوص المباركة ولا بد من فهمها والفقه فيها
يقول شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية فى مجموع الفتاوى فى الجزء السابع عشر صفحة سبع وثلاث مائة فى تفسير سورة الإخلاص والكتاب مطبوع أيضا ما يتعلق بتفسير سورة الإخلاص فى كتاب مستقل وهذا موجود أيضا كما قلت ضمن مجموع الفتاوى
стр. 4004
يقول عليه ﵀ (قد تخفى آثار الرسالة فى بعض الأزمنة أو الأمكنة بحيث يصير حالهم إما أنهم لا يعرفون اللفظ أو لا يعرفون معناه يعنى الجهل يقع إما فى اللفظ فلا يعرفونه ولا يتقنونه أو لا يعرفون معناه يقرأ القرآن وحديث النبى ﵊ لكن من غير فقه النص حُفظ لكن لم يفقه ولم يعلم معناه قد تخفى بعض آثار الرسالة فى بعض الأزمنة أو الأمكنة بحيث يصل حالهم إما أنهم لا يعرفون اللفظ أى النص أو لا يعرفون معناه
قال فيصيرون فى جاهلية بسبب عدم الأنوار النبوية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فيقع الشرك والتفرق ولا يمكن أن يحصل يعنى شرك وتفرق إلا إذا انعدم هذين الأمرين نص موجود لا يفقه يعبد الناس الأحجار والأشجار ويختصمون فى هذه الديار
هذين لا بد إخوتى الكرام من وعيها لابد إذن من نص يفقه يعمل به إذن فيصيرون فى جاهلية بسبب عدم الأنوار النبوية فيقع الشرك والتفرق
فالفتن القولية والفتن العملية هى من الجاهلية وتكون بسبب خفاء الأنوار النبوية
قال الإمام مالك رضى الله عنه وأرضاه (إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء)
قل العلم وظهر الجفاء ولذلك من بدا جفا لأنه يبعد عن أهل العلم قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار يوجد عند الناس علم لكن هذا العلم بدون أثر
الأمر تظهر الأهواء والبدع لأن هذا العلم سيكون علما آرائيا علما عقليا لا يستند إلى العلم النبوى الحق إلى الهدى الحقيقى
إذا قل العلم ظهر الجفاء إذا قلت الآثار ظهرت الأهواء
ولذلك إخوتى الكرام لابد من هذين الأمرين النص نحافظ عليه ثم بعد ذلك نفهمه ونفقهه
نعم من لم يستطع الفقه فلا أقل من أن ينقل هذا النص فله هذا الأجر عند الله جل وعلا (نضر الله امرأ رحم الله امرء سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع)
стр. 4005
إخوتى الكرام لما تقدم من النصوص الحسان قرر أئمتنا الكرام أنه لا يطلب العلم إلا الرجل الشهم والأمر كما قال سيد المسلمين فى زمانه الإمام الزهرى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا وأثره فى الحلية وفى كتاب الفقيه والمتفقه وفى كتاب شرف أصحاب الحديث أيضا للخطيب البغدادى عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه قال
(العلم ذكر ولا يطلبه إلا ذكران الرجال) العلم ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال ويكرهه مأنثوهم
والمراد إخوتى الكرام من الذكران كما وضحت هذا أيضا ضمن محاضرات التفسير قلت لفظ الرجل لفظ الذكورة يطلق أحيانا على ما يقابل الأنوثة ويطلق أحيانا على صفة الكمال فى الإنسان تقول مررت برجل رجل أبوه كما حكى ذلك سيبويه عن العرب مررت برجل رجل أبوه ,أبوه رجل قطعا إنما يقصد مررت برجل أبوه كامل الرجولة فيه صفات الشهامة والفتوة والنخوة والمروءة هنا العلم ذكر أى هذا العلم كريم لا يطلبه إلا من كان كريما من الإناث والذكور لكن بما أنه كما قلت صفة الرجولة صفة كمال من اتصف بالكمال يقال فيه يعنى صفة الرجولة أى الصفة التامة الكاملة الشهامة المروءة ,المرأة الكاملة تطلب العلم والرجل الكامل يطلب العلم
ومن انحرف عن العلم فقد انحرف عن الإنسانية كما سيأتينا يعنى لما سئل سيدنا عبد الله بن المبارك رضى الله عنه وأرضاه من الناس قال العلماء حقيقة إذا خرج عن هذا الوصف خرج عن الإنسانية
العلم ذكر أى العلم كريم وله شأن عظيم عند رب العالمين لا يطلبه إلا من كان كريما أى من فقد صفة يعنى دنيئة لا يطلب العلم ,من انحط عن الإنسانية لا يطلب العلم يقصد هذا, لا يقصد يعنى أنه رجولته ناقصة بمعنى ذكورته ذكوريته ناقصة لا ثم لا
العلم ذكر لا يطلبه إلا ذكران الرجال لا يحبه إلا ذكران الرجال لا يرغب فيه إلا ذكران الرجال ويكرهه مأنثوهم
стр. 4006
ويقول العبد الصالح كما فى شرف أصحاب الحديث صفحة واحد وخمسين العباس ابن محمد الخراسانى (لا يطلب العلم إلا باذل ذكر وليس يبغضه إلا المخانيس)
وكما قلت هنا يريد من الذكورة أيضا صفة الشهامة والمروءة والكمال والتمام فى الإنسان
والباذل إخوتى الكرام هو السيد من الإبل الذى أكمل ثمانى سنين أو تسع سنين وليس بعد هذه الرتبة رتبة باذل ذكر وليس يبغضه إلا المخانيس
ومما ينسب إلى سيدنا على صهر النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه والأبيات تنسب يعنى فى كثير من كتب أئمتنا فى الإحياء وشرح الإحياء والله أعلم يعنى بصحة النسبة لأنهم لم يذكروا الإسناد إلى سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه
انظروا هذه الأبيات إخوتى الكرام مثلا فى شرح الإحياء فى الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين والأبيات حكيمة محكمة إن قالها سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه فهذه من معدنه والشىء من معدنه لا يستبعد وإن لم يقلها فقالها يعنى ربانى آخر من هذه الأمة المباركة رحمة الله ورضوانه على قائلها يقول:
الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
وإن يكن لهم فى أصلهم شرف يفاخرون فيه فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
ووزن كل امرء ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حيا به أبدا الناس موتى وأهل العلم أحياء
أبيات كما قلت محكمة حكيمة إن قالها سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه فهى من الحكمة التى من الله بها عليه وإن لم يقلها فقائلها كما قلت ربانى فى هذه الأمة المباركة المرحومة
إخوتى الكرام الخاصية التى يتميز بها الإنسان عن بهيم الحيوان هى العلم وقد أشار إلى ذلك ربنا الرحمن فى سورة عروس القرآن وهى سورة الرحمن (الرحمن *علم القرآن*خلق الإنسان*علمه البيان)
علم القرآن من شاء من خلقه ممن رضى عليهم وأنعم عليهم
стр. 4007
(الرحمن *علم القرآن*خلق الإنسان) تعيينا للمتعلم من الذى يتعلم القرآن صنف واحد من مخلوقات الرحمن وهى الإنسان أوليس كذلك هذا صنف هو الإنسان تعيين للمتعلم
(علمه البيان) لكيفية التعلم ,البيان الذى هو النطق تخبر عما فى نفسك وتفهم بعد ذلك خطاب غيرك
وهذان الأمران هما عماد تعلم القرآن فلو لم تبن عما فى نفسك ولم تفهم ما يحدث به غيرك لما استطعت أن تتعلم كلام الله
(الرحمن *علم القرآن*خلق الإنسان) تعيينا لمن يتعلم القرآن ولذلك خلقت لهذا الأمر لتتعلمه لتعمل به فإذا ضيعته فقد خرجت عن إنسانيتك
(خلق الإنسان*علمه البيان) نمتاز عن بهيم الحيوان بهذا الأمر
علمه البيان) ونتعلم به كلام الرحمن فمن ضيع هذا فبإى شىء يمتاز كما قلت عن بهيم الحيوان
حقيقة إنه حى لكنه فى الحقيقة ميت ورحمة الله على الإمام ابن القيم عندما ينشد بيتين لطيفين فيما يظهر والعلم عند الله من نظم غيره وما أعرف قائله ويكررهما فى كثير من كتبه
انظروا مثلا إغاثة اللهفان فى الجزء الأول صفحة ثلاث وعشرين ومدارج السالكين فى الجزء الثالث صفحة واحد وستين ومائتين والأبيات أيضا فى شرح الإحياء فى الجزء الأول صفحة سبع وأربعمائة يقول عليه رحمة الله ورضوانه قائل هذين البيتين المحكمين:
وفى الجهل قبل الموت موت لأهله وأبادنهم قبل القبور قبور
وأرواحهم فى وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور
وفى الجهل قبل الموت موت لأهله الجاهل ميت, ميت وخرج عن صفة الإنسانية
وفى الجهل قبل الموت موت لأهله وأبادنهم قبل القبور قبور
يعنى أرواحهم قبضت فى أبدانهم كما أن أبدانهم ستقبض فى القبور التى فى صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد نسأل الله حسن الخاتمة
وأرواحهم فى وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور
إخوتى الكرام (المرء بأصغريه بلسانه وقلبه) كا قال زُهير بن أبى سُلمى
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
стр. 4008
يعنى بأى شىء تمتاز عن بهيم الحيوان؟ بأصغريك لسان يتكلم علمه البيان وقلب يعقل ويفهم ما عدا هذا لحم ودم موجود فيك وفى سائر الحيوانات الأخرى
المرء بأصغريه بقلبه ولسانه
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
يا عبد الله إن كنت تفتخر بقوتك فالجمل أقوى منك وإن كنت تفتخر بضخامة جثتك فالفيل أضخم جثة منك وإن كنت تفتخر وتدل بكثرة أكلك فالثور أعظم أكلا منك وإن كنت تفتخر بشجاعتك فالأسود أعظم شجاعة منك وأن تفتخر بكثرة وطئك فأصغر المخلوقات وهو العصفور الدورى أكثر سفادا منك, طيب بأى شىء تفتخر يا عبد الله يعنى هذه الأمور غلبك إليها الحيوان البهيم
إنما عندك بعد ذلك علمه البيان هذه التى فقدها بهيم الحيوان ولذلك الحيوان مهما أوتى من شراسة وقوة وضخامة جثة يهاب الإنسان لما ركز الله فيه من تمييز غريزى لأن هذا الإنسان له فضل عليه وأنه عنده ما يدبر به الصناعات الخفية وعنده ما يحصل به العلوم النظرية هذا صاحب عقل هذا امتاز بالبيان عنك أيها الحيوان
ولذلك مهما عظم كما قلت الحيوان يهاب من الإنسان وبعد ذلك يعنى أحيانا يدخل معه فى صراع هذا موضوع آخر لكن الأصل يهاب كل من يرى الإنسان من الحيوان يهابه يحترس منه إلا بعد ذلك كما قلت إذا يعنى أداه أن يغامر فيغامر من أسود مفترسة لكن فى الأصل فى الغالب تشرد من الإنسان٠٠٠ الاتصال بها إنما إن انفرد به بعد ذلك وهو بحاجة إلى أكله أكله, أما أنه يعنى هو يأتى ويخالط بنى آدم يريد أن يصارعه لا بل بنو آدم هم الذين يطاردون الحيوانات مهما عظم شأنها وهى يعنى تتكفف كما يقال شرهم وتبتعد عنهم لكن إذا اضطرت ستدافع عن نفسها يعنى الهرة تدافع عن نفسها إذا اضطرت لكن هو فى الأصل يهاب الإنسان ويخاف منه
﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء/٧٠]
стр. 4009
ولذلك إخوتى الكرام لا بد من أن نحصل العلم النافع وأصله كما سيأتينا الفقه فهو أصل العلوم والتذكير حلوائها وأعمها نفع كما قال الإمام ابن الجوزى رحمة الله ورضوانه عليه كما سيأتينا فى بيان منزلة علم الفقه بعون الله وتوفيقه
العلم ضرورى من خرج عنه خرج عن الإنسانية سأل سيدنا عبد الله ابن المبارك رضى الله عنه كما فى الحلية من الناس قال العلماء من خرج عن هذا الوصف ليس من بنى آدم البهيم ٠٠ لا يوجد ما يميزه عن الحيوان البهيم
من الناس قال العلماء
قالوا فمن الملوك قال الزهاد حقيقة الملك والغنى أن ستغنى عن الشىء لا به الملك والأمير فقير حتى إلى أعوانه وخدامه وأما الغنى الحقيقى الغنى أن تستغنى عن الشىء لا به فهذا لا بد إخوتى الكرام من وعيه الزهاد هم الملوك
قالوا فمن الغوغاء قال أعوان السلطان ,أعوان السلطان هؤلاء هم الغوغاء السفهاء الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم
قالوا فمن السِفلة بكسر السين وإسكان الفاء, السفلة وهم السفهاء المنحطون قال الذين يأكلون الدنيا بالدين يتاجرون بدين رب العالمين
الناس هم العلماء والملوك هم الزهاد والغوغاء هم أتباع الأمراء والسفلة هم الذين يأكلون الدنيا بالدين
هذا كلام سيد المسلمين فى زمانه عبد الله ابن المبارك رحمة الله ورضوانه عليه
الناس هم العلماء الناس هم العلماء فمن خرج عن هذا الوصف خرج عن الإنسانية
ولذلك أخوتى الكرام كان أئمتنا يوصون بطلب العلم وينبغى أن يحفظ الإنسان هذا وأن يحرص عليه حتى يغادر هذه الحياة فوظيفته أن يتعلم وأن يعمل
نقل الإمام ابن الجوزى فى تلبيس إبليس صفحة تسع وعشرين وثلاثمائة عن سيدنا الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليه أنه قال وكان يوصى تلاميذه وأصحابه بذلك وهى وصية للمسلمين إلى يوم الدين
المحبرة إلى المقبرة
دواة الحبر ينبغى أن تلازمك حتى تقبر
стр. 4010
وفى سير أعلام النبلاء فى الجزء الرابع عشر صفحة ثمان وأربعين وثلاثمائة جاء رجل إلى العبد الصالح سهل ابن عبد الله التسترى ومعه كتاب ومحبرة فقال له إن استطعت ألا تفارقهما حتى تفارق الحياة فافعل حتى تدفن فى قبرك فافعل الكتاب والمحبرة لا تفارق هذين
فقال له أبا محمد فائدة وهى كنية لسهل بن عبد الله التسترى انصحنى بنصيحة فقال له (الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما والعلم كله حجة إلا ما كان عملا والعمل موقوف على السنة والسنة تقوم على التقوى) احفظ هذا
الدنيا كلها جهل من أولها لآخرها إلا ما كان علما والعلم حجة إلا ما كان عملا والعمل ينبغى أن يكون على السنة والسنة تقوم على التقوى
نعم إخوتى الكرام الدنيا كلها جهل وكلها ظلمة وكل ما فيها ملعون إلا ذكر الحى القيوم وما أريد به وجه الكريم من علم نافع وعمل صالح
ثبت فى سنن الترمذى وقال هذا حديث حسن والحديث رواه الإمام ابن ماجة وحسنه شيخ الإسلام الإمام العراقى أيضا فى تخريج أحاديث الإحياء فى الجزء الأول صفحة سبع عشرة من رواية سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه عن نبينا ﷺ أنه قال
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما))
والحديث إخوتى الكرام نقل عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين بألفاظ مختلفة تبين لنا إلا ذكر الله وما والاه ,ما الذى يواليه ويشاكله ويماثله من أمور الطاعة التى يراد بها وجه الله جل وعلا
ففى رواية البزار عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه مرفوعا إلى نبينا المحمود عليه صلوات الله وسلامه أنه قال (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يمكن أن يحصل ألا بعد العلم النافع
والذكر كما هو فى رواية أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه
стр. 4011
والحديث إخوتى الكرام رواه الطبرانى فى معجمه الكبير من رواية سيدنا أبى الدرداء عن نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغى به وجه الله منها)
والحديث رواه أبو نعيم فى الحلية والضياء المقدسى فى الأحاديث الجياد المختارة عن سيدنا جابر ابن عبد الله رضى الله عنهما عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها)
ونقل هذا الأثر إخوتى الكرام عن كعب الأحبار موقوفا عليه من قوله فى سنن الدارمى (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا من تعلم خيرا وعلمه) هذا كلام كعب الأحبار موقوفا عليه من قوله
فائدة أبا محمد الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما والعلم كله حجة إلا ما كان عملا والعمل ينبغى أن يكون على السنة والسنة تقوم على التقوى من حصل فهذا هو حقيقة المتقى لله وكان هذا العبد الصالح سهل بن عبد الله التستسرى يقول كما فى ترجمته فى السير فى الجزء الثالث عشر صفحة ثلاثين وثلاثمائة وأما المكان المتقدم فى الجزء الرابع عشر ذاك ليس فى ترجمته أورد ذلك الكلام ضمن ترجمة غيره ذكر كلامه سهل ابن عبد الله التسترى فى ترجمة الحلاج وبين أنه مخذول وأنه خرج عن الهدى النبوى ولم يلتزم بكلام أئمتنا أيضا ويعنى نصحهم فذكر كلام سهل فيما يتعلق بذم الحلاج أورد هذا أن ذاك خرج عن طلب العلم النافع والعمل الصالح واتبع الرأى والضلال والبدع
فالأثر الأول ليس فى ترجمة سهل إنما هذا فى ترجمته كان هذا العبد الصالح سهل بن عبد الله التسترى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول الجاهل ميت والناسى نائم عله يستيقظ والعاصى سكران والمصر هالك
الجاهل ميت وفى الجهل قبل الموت موت لأهله
الجاهل ميت والناسى نائم عله يستيقظ والعاصى سكران والمصر نعوذ بالله منه هالك ويل للمصرين
стр. 4012
وقيل له كما فى هذا المكان فى ترجمته إلى متى نكتب العلم؟ إلى متى حديث النبى ﵊ إلى متى؟ قال حتى تموت ويصب باقى الحبر فى قبرك,
المحبرة هذه والقلم لا تتركهما طرفة عين فاطلب العلم حتى تموت ثم يصب باقى الحبر فى القبر يعنى لازم هذا على الدوام
إخوتى الكرام هذه منزلة العلم كما قلت وهى باختصار لا أريد أن أفيض منها أكثر من هذا
نتقل بعد إلى مكانة الفقه ومنزلته وحقيقة لا يمكن أن أتكلم على هذا الأمر فى هذه الموعظة إنما أذكر مقدمة لذلك ومنزلة الفقه ومكانته فى دين الله أتكلم عليها فى موعظة تامة فى الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه لكن كما يقال التمهيد لما سيأتى فى الغد بعون ربنا المجيد
إخوتى الكرام العلوم علوم الشرع المطهر علوم الدين خمسة أنواع كما قرر أئمتنا الأتقياء قرر هذا أئمتنا قاطبة انظروها مثلا فى رد المحتار على الدر المختار فى الجزء الأول صفحة تسع وسبعين وفى حاشية الإمام الطحطاوى فى الجزء صفحة اثنتين وسبعين ومائتين وكما قلت هذا كلام أئمتنا قاطبة مدار أمور الدين على خمسة أمور:
أولها العقائد وثانيها الأخلاق والآداب قال أئمتنا الفقهاء عندما بحثوا فى أمور الدين والأولان يعنى هذان العقائد والآداب ليسا مما نحن بصدده نحن لا نبحث فى كتب الفقه لا فى العقائد ولا فى الأخلاق والآداب المواعظ والرقائق هذه لها كتب خاصة فعندنا كتب التوحيد وعندنا كتب الرقائق الرقاق والمواعظ والأخلاق والآداب وعندنا بعد ذلك كتب الفقه فيها ثلاثة أمور من خمسة من أمور الدين:
стр. 4013
العبادات وبها بدأ الفقهاء كما سيأتينا والحكمة من بدئهم بها والمعاملات والعقوبات أمور الدين تقوم على هذه الأمور الخمسة عقائد آداب عبادات معاملات عقوبات فنحن سنتدارس ضمن مدارستنا لعلم الفقه ثلاثة من خمسة العبادات والمعاملات والعقوبات وليس موضوع علم الفقه كما سيأتينا ما يتوهم بعض الجهال كما قال بعض الإخوة يعنى فى الموعظة الماضية وهذا الآن الفاشى بين الناس نتعلم علم الفقه لنعرف كيف نصلى!! يا عبد الله يا عبد الله اتق الله فى نفسك وإذا كنت تجهل قدر هذا العلم لا تتكلم بالجهل لكن صرنا فى زمن الجاهل هو الذى سيوجه طلبة العلم نتعلم الفقه لنعرف كيف نصلى لا يا عبد الله
العلم هذا علم الفقه يبحث فى جميع شئون الحياة فى أعمال المكلفين من أولها لآخرها فى عباداتهم ومعاملاتهم لا يخرج نوع من معاملاتهم مع بعضهم إلا وهى فى الفقه ثم بعد ذلك فى العقوبات وعليه بيع وشراء نكاح وطلاق حرب وسلم جهاد فى سبيل الله جل وعلا جزية بعد ذلك إمرة
يا إخوتى الكرام جميع أحكام الدين تدخل فى الفقه عندك العقائد هذه التى خرجت عن موضوع علم الفقه واضح هذا ولا نبحث نحن فيما يتعلق بأمر العقائد إلا من زاوية وهى من خرج هذا ماذا نعامله نضرب رقبته واضح هذا ضمن بحث المرتد أما بعد ذلك تفصيل العقائد هذا يؤخذ من كتب التوحيد هناك قضية مسلمة إن خرجت عنها تضرب الرقبة
(ومن بدل دينه فاقتلوه)
стр. 4014
هذا إخوتى الكرام لا بد من وعيه يعنى جميع شئون الحياة يبحث فيها علم الفقه الذى سنتدارسه عبادات معاملات عقوبات من خرج عن هدى الشرع المطهر له عقوبة ولا بد لكن هذه العقوبة سيأتينا إما أن تكون محددة وإما أن تكون مطلقة وهى عقوبة التعزير أوسع الحدود على الإطلاق هذه إخوتى الكرام لا بد من وعيها فندرس علم الفقه لنعرف دين الله ولنعرف الحياة الإسلامية كيف تكون وكيف ينبغى أن نوجدها أن نسعى إليها وأما ما عندنا يعنى من علم الفقه إلا الصلاة نتعلم كيف نصلى وكيف نتطهر وتبقى الأمور هذه يعنى تترك وتهجر لا ثم لا لأن واقع الأمر هجرت من الحياة هجرت
فعندما تأتى فى المعاملات يأتيك مثلا الربا أوليس كذلك محرم ومن أكبر الكبائر وتبحث بعد ذلك فى ربا الفضل وربا النسيئة الآن عماد عماد المعاملات فى هذه الأوقات ومحاربة لرب الأرض والسماوات هذا لا بد إخوتى الكرام من وعيه لنتعلم كيف نصلى وكيف نتعامل نأكل الربا ليل نهار وإذا رأيناه لا تتمعر وجوهنا غضبا للعزيز القهار ثم نعرف كيف نصلى أى صلاة ستقبل منا إذا كنا نتعامل بالربا أو نرضى به أو لا ننكره ونحاربه يا إخوتى الكرام هذا لا بد من وعيه سيأتينا ضمن المعاملات فهذا لا بد من وعيه وضبطه كما قلت عندنا فى مبحث التعزير يا إخوتى هذا الحد الذى هو أوسع الحدود الإسلامية وهى عقوبة على كل معصية ليس فيها حد مقدر
يعنى من حلق لحيته يعذر هذا فى الشرع المطهر
من تصور يعذر من اقتنى صورة يعذر من علق صورة يعذر نعم لا يوجد لذلك حد مقدر يعنى أن تجلد مائة أو أربعين من هنا عندنا حد التعزير من سجن من جلد من من حسبما يرى ولى الأمر هذا إخوتى الكرام لا بد منه هذا كله عُطل
стр. 4015
غناء من غنى يعذر سفيه وترد شهادته عندنا فى كتب الفقه عند مبحث العدالة وأتى بخارم للمروءة وبمفسق يسقط عدالته وترد شهادة المغنى والرقاص باتفاق أئمتنا الفقهاء هذا لا بد من وعيه لا يذهب يغنى ويرقص وجاء ليصلى قالوا ليتعلم الفقه ليعرف كيف يصلى لا يا عبد الله
لنتعلم الفقه لنرى الحياة الإسلامية والحياة الجاهلية
وستأتينا هذه الأبحاث إن شاء الله ضمن موضوعات الفقه بعون الله وتوفيقه فدين الله جل وعلا من أوله لآخره كما قلت يقوم على خمسة أمور ثلاثة منها هى موضوع علم الفقه ولذلك فهو أصل العلوم نعم بعد ذلك الآداب والتذكير والمواعظ حلواؤها حقيقة هذه يعنى بهجة للناس عندما تتحدث عن الرقائق الترغيب فى الخير والجنة والتخويف من النار حلواؤها ويعم نفعها أعظمها نفعا لكن لا بد من هذه الأمور وهى الأحكام العملية فى هذه الحياة الدنيوية عبادات معاملات حدود وعقوبات ثلاثة من خمسة هى موضوع علم الفقه
والفقه حقيقة يعنى له شأن عظيم كما قلت ثلاثة من خمسة من أمور الدين لكن هو كما قال أئمتنا دواؤه دواء الدين علم الفقه
يقول العبد الصالح يحيى ابن عمار وهو من العلماء الأبرار توفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة يحيى ابن عمار أبو زكريا شيخ سجستا انظروا ترجمته الطيبة فى السير فى الجزء الثانى عشر صفحة اثنتين وثمانين وأربعمائة وفى هذا المكان قوله الذى سأذكرها ونقله عنه شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية فى مجموع الفتاوى فى الجزء العاشر صفحة خمس وأربعين ومائة وفى مجموع الفتاوى شىء من يعنى التصحيف والتحريف صححوا ما فى مجموع الفتاوى على ما فى سير أعلام النبلاء من كلام هذا العبد الصالح يحيى ابن عمار أبى زكريا شيخ سجستا كا يقول العلوم خمسة:
стр. 4016
أولها يقول علم تحصل به حياة الدين وهو علم التوحيد حياة الدين وحقيقة لا يمكن للإنسان أن يخرج من الشرك والكفران إلا بتوحيد ذى الجلال والإكرام الحياة تحصل بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊ والإيمان حياة الدين علم التوحيد
يقول علم هو قوت الدين وهو علم الموعظة والتذكير الذى تقدم معنا يقول عنه الإمام يحيى حلواؤها هذه هى الحلوى هذا قوت وحقيقة القلوب لا بد لها من ترغيب وترهيب لأجل أن تندفع إلى الخير وتبتعد عن الشر
وعلم هو دواء الدين وهو علم الفقه وحقيقة إذا ما تعلمه الإنسان سيكون عليلا وتوحيده ماذا بعد ذلك حياة لكن حياة هزيلة نعم إذا وحد الله وبعد ذلك فرط فى شىء من العبادة أو المعاملة أو ارتكب محرم الله ما كفر لكن الصحة تامة؟ صحة الدين ناقصة
هذا مثل إنسان يعنى حى لكن تطعمه كل يوم نصف تمرة وتحضر له نصف كأس من الماء يشرب لا يموت لكن كما قال جلدة وعظمة ونحيف شاحب اللون لو نفخت عليه لسقط ما مات لكن هذه ليست صحة وليست قوة وليست عافية وهنا عندك حياة ما عندك صحة تداوى بها نفسك من أجل أن تطرد الأسقام
إذا حياة الدين قوت الدين دواء الدين
والرابع نعوذ بالله منه داء الدين وهذا ينبغى أن نحذره حقيقة يقول ذكر أخبار ما جرى من منازعات بين سلفنا الكرام رضوا الله عليهم أجمعين ما جرى بين العلماء أحيانا من يعنى شىء من الكلام فى بعضهم ما جرى من السلف من خلاف مع بعضهم ذكر هذا داء الدين
والخامس وهو شرها أيضا علم إذا حصله الإنسان أهلك به دينه هلاك الدين وهو علم الكلام والفلسفة
هذه علوم خمسة انتبه لها حياة الدين قوت الدين دواء الدين داء الدين هلاك الدين فنحن إذا عندنا أصل الدين ودواء الدين وثلاثة من أمور خمسة يقوم عليها دين رب العالمين سندرسها كما قلت فى علم الفقه بعون الله وتوفيقه
стр. 4017
يقول الإمام ابن الجوزى عليه على أئمتنا رحمة ربنا فى كتابه لفتة الكبد إلى نصيحة الولد وكتبها لولده فى صفحة خمس وأربعين (الفقه أصل العلوم والتذكير حلواؤها وأعمها نفعا)
وإذا فقد الإنسان هذا الأصل فاستمعوا لما سيقع له من مثال واحد سأذكره أختم الموعظة به بعون الله وتوفيقه
يقول الإمام ابن الجوزى فى صيد الخاطر صفحة اثنتين وسبعين ومائتين من أخبار شيخه الذى تلقى عنه وهو أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب توفى سنة سبع وستين وخمسمائة للهجرة انظروا ترجمته فى المنتظم فى الجزء العاشر صفحة ثمان وسبعين ومائتين وفى السير فى الجزء العشرين صفحة ثلاث وعشرين وخمسمائة وفى الذيل على طبقات الحنابلة فهو من أئمة الحنابلة لكنه مزجى البضاعة فى الفقه يعنى هو من أتباع المذهب لكن بضاعته فى الفقه كاسدة كاسدة كاسدة كما ستسمعون حسب نقل تلميذه المبارك الميمون فى الذيل على طبقات الحنابلة فى الجزء الأول صفحة ست عشرة يقول عنه الإمام ابن الجوزى تلميذه سمع الحديث الكثير وقرأ منه ما لا يحصى وقرأ النحو واللغة العربية وانتهى إليه علمهما بل نعته الذهبى فى السير قال كان يضرب به المثل فى العربية والنحو ويقال هو فارسى زمانه يعنى أبى على الفارسى وكأبى على الفارسى
هذا العبد مع مكانته سأل عن حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام عند الركوع والرفع من الركوع ما حكم رفع اليدين فقال ركن من تركه بطلت صلاته قال الإمام ابن الجوزى ما دهُش الحافظون من قلة فقهه رفع اليدين ركن
حقيقة يعنى ليس الفقه صناعته قرأ الحديث الكثير ومهر فى اللغة والنحو وصار إليه المنتهى فيهما لكنه مزجى البضاعة فى الفقه
وصل به الأمر أن يقول رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ركن وهذا من المستحبات إخوتى الكرام ولو كبر ولم يرفع يديه فصلاته صحيحة ولعل كثيرا من العامة يرى هذا يعنى لعله لا يرى صحة الصلاة إذا لم يرفع يديه لأنه يرى الرفع فيظن أن هذا ركن
стр. 4018
ولا بد إخوتى الكرام تمييز يعنى أفعال الصلاة عن بعضها ما هو ركن وما هو سنة ومستحب يأتينا كما قلت بيان منزلة علم الفقه وشأنه فى الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه
اللهم صل على نبينا محمد وعلى حميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا
اللهم أنا نسألك من كل خير أحاط به علمك فى الدنيا والآخرة ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك فى الدنيا والآخرة
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربيانا صغارا
اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك
اللهم اغفر لمن عبد الله فيه واغفر لجيرانه من المسلمين اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخوتى الكرام يسأل أخ كريم عن الأبيات المنسوبة إلى سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه والتى قد ذكرتها آنفا
الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
هذه الأبيات منسوبة إلى سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه بغير إسناد وقد ذكرت فى كتب الوعظ والإرشاد والآداب ولا يستبعد صدورها عن الفصيح المنطيق الحكيم البليغ رابع الخلفاء الراشدين عليهم جميعا رضوان رب العالمين وهذه الأبيات كما قلت إخوتى الكرام ذكرت فى إحياء علوم الدين وفى شرح الإحياء اتحاف السادة المتقين للإمام الزبيدى وقد أطال الإمام الزبيدى الكلام عليها وعلى وصف سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه بالشاعرية انظروا كلامه فى ذلك فى اتحاف السادة المتقين فى الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين وانظروه أيضا فى تاج العروس فى شرح القاموس للإمام الزبيدى أيضا فى الجزء السابع صفحة خمس وثمانين
стр. 4019
نعم إن سيدنا عليا رضى الله عنه وأرضاه شاعر شاعر وقد قال الإمام الشعبى عليه رحمة الله كما فى الإستيعاب للإمام ابن عبد البر على هامش كتاب الإصابة فى الجزء الثالث صفحة ثلاثين ومائة قال الإمام الشعبى عليه رحمة الله كان سيدنا أبو بكر شاعرا وكان سيدنا عمر رضه الله عنهم أجمعين شاعرا وكان سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه أشعر الثلاثة
إخوتى الكرام إن الأبيات المتقدمة ذكرها الإمام ابن عبد البر عليه رحمة الله فى جامع بيان العلم وفضله فى الجزء الأول صفحة ثمان وأربعين ويوجد اختلاف بينها وبين ما هو فى إحياء علوم الدين وشرحه اتحاف السادة المتقين والمعنى واحد فى الجميع
قال الإمام ابن عبد البر رضى الله عنه وأرضاه فى جامع بيان العلم وفضله كما ذكرت فى الجزء الأول صفحة ثمان وأربعين وينسب إلى سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه من قوله وهو مشهور من شعره سمعت غير واحد ينشده له
الناس فى جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرىء ما كان يحسنه وللرجال على الأفعال أسماء
وضد كل امرىء ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداء
هذا فيما يتعلق بالأبيات المنسوبة إلى سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه
وأما فيما يتعلق بيت الشعر المنسوب إلى الإمام أبى الفضل العباس ابن محمد الخرسانى عليع وعلى أئمتنا رحمة ربنا فهو كما قلت أيضا فى شرف أصحاب الحديث فى صفحة واحدة وسبعين وهو ضمن ثلاثة أبيات حكيمة محكمة يقول فيها عليه رحمة الله
رحلت أطلب أصل العلم مجتهدا وزينة المرء فى الدنيا الأحاديث
لا يطلب العلم إلا باذل ذكر وليس يبغضه إلا المخانيس
لا تعجبن بمال سوف تتركه فإنما هذه الدنيا مواريث
стр. 4020
ولفظ الذكور وهكذا لفظ الرجولة يراد بكل منهما كما قلت التمام والكمال والشهامة والمروءة والفضل فلا يطلب العلم إلا من كان كاملا شهما فاضلا
نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يفقهنا فى ديننا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يجعل علمنا حجة لنا لا علينا أنه ولينا وحسبنا
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 4021
الصلاة كما أرادها الله
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الصلاة كما أرادها الله
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم (فما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .
стр. 4022
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) .
أما بعد: معشر الإخوة المؤمنين..
أشرف البقاع وأحبها إلي رب الأرض والسماء المساجد فهي بيوت الله فيها نوره وهداه وهي محل عباد الله المهتدين وقد نعت الذين يعمرونها بأنهم رجال ووصفهم بأربع خصال: فهم لا تلهيهم الدنيا وهم يعظمون الله جل وعلا فيذكرونه ويصلون له ويشفقون علي عباد الله ويحسنون إليهم ويتصدقون عليهم وهم يستعدون ليوم المعاد للقاء رب العباد ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (٢) .
إخوتى الكرام: كنا نتدارس الصفة الثانية أنهم يذكرون الله ويقيمون الصلاة وقد تقدم معنا ما يتعلق ببيان معنى الإقامة ولفظ الصلاة، وباختصار إقامة الصلاة يراد بها توفية الصلاة حقها علما وعملا فإقامة الشيء حقه عملا وعلما والصلاة هي الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة.
стр. 4023
عباد الله إذا أقام الإنسان الصلاة كما أراد الله جل وعلا هنيئا له ينال رضوان الله وله عهد عند الله أن يغفر له إذا أقام الصلاة وفاها حقها علما وعملا ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحد يث رواه الإمام مالك في الموطأ وابن حبان في صحيحه ورواه البيهقي في السنن الكبرى وأبو داود الطيالسي في مسنده وهو حديث صحيح،صحيح إسناده كالشمس عن عبادة بن الصامت ﵁ قال أشهد أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) .
إذاً لابد من إقامة الصلاة أن تحسن وضوءها وأن تصليها في وقتها وأن تتمها بركوعها وسجودها وخشوعها فإذا حصل منك ما يريده الله من هذه الصلاة فقد نلت هذه الجائزة وهذا العهد عند الله جل وعلا فهو أن يغفر لك فهو خير الغافرين وهو أرحم الراحمين. لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.
فالمطلوب من الصلاة إقامتها توفيتها علما وعملا ثبت في الصحيحين والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي عن أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أنه دعي بوضوء فتوضأ ثم قال: رأت النبي صلي الله عليه وسلم توضأ وضوئي ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: (من توضأ مثل وضوئي ثم قام فصلي ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم له من ذ نبه) .
стр. 4024
فقد أقام الصلاة أحسن الوضوء وصلي صلاة خالصة لله ما شغله منها مشاغل جزاؤه أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وإذا صلي الإنسان وما أقام الصلاة ما وفي الصلاة حقها علما وعملا فالويل له ثم الويل له إنه سارق لكنه أشنع الشراك وأخبث السارقين عند رب العالمين فإذا سرق الإنسان متاع غيره فهذا منقصة وذلك كبيرة والسارق ملعون فكيف من يسرق من صلاته التي هي عبادة لله خالصة للحي القيوم وقد وضح نبينا صلي الله عليه وسلم هذا وبين لنا أن من صلي دون إقامة للصلاة أي دون توفية الصلاة حقها علما وعملا فهو سارق ثبت الحديث بذلك في معجم الطبراني الكبير والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه وأقره عليه الذهبي وهو صحيح. صحيح من رواية أبي قتادة الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته) والحديث ثابت عن نبينا ﵊ وروي عن جمع من الصحابة الكرام رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والطبراني في المعجم الكبير والأوسط والإمام الدارمي عن أبي هريرة ﵁.
أيضا رواه الإمام أحمد في المسند وأبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه ورواه الإمام مالك عن معاذ بن مرة ورواه الطبراني في معاجمه الثلاثة بإسناد جيد عن عبد الله بن مغفل ﵁ وأرضاه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (أسرق السارقين من يسرق من صلاته) أشنع السارقين وأخبثهم من يسرق من صلاته التي هي عبادة لله جل وعلا.
المطلوب منا نحو الصلاة أن نقيمها ليحصل بعد ذلك فائدتها في الدنيا والآخرة ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (١) .
стр. 4025
إخوتي الكرام: ولإقامة الصلاة كلام طويل، طويل لا يمكن أن أتكلم عليه علي وجه التفصيل في هذه الموعظة المختصرة المباركة إنما أتكلم عن أربعة أمور هي معاقد ومجامع إقامة الصلاة وأما تفصيل ما يتعلق بالصلاة مفتاحها وهو الطهور إلي تحريمها وهو التكبير إلي تحليلها وهو التسليم وما يكون بين ذلك فلعلنا نتدارس هذا ونعود إليه بعد تفسير هذه الآية الكريمة التي نعت الله فيها الرجال الذين يعمرون بيوته في هذه الحياة بأربع خصال بعد الكلام عليها نعود إن شاء الله إلي مدارسة ما يتعلق بالصلاة من مفتاحها إلي تحليلها.
إخوتي الكرام: لكي يحقق الإنسان إقامة الصلاة كما يريد ذو الجلال والإكرام ينبغي أن يعتني هذه الأمور الأربعة.
أولها: أن يؤدي الصلاة في وقتها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا﴾ (١) فرضا مؤقتا ينبغي أن تؤدي كل صلاة في وقتها فلله حق في الليل لا يقبله في النهار ولله حق في النهار لا يقبله في الليل.
ونفذ ما أمرك الله كما يحب الله وكما بين الله فهذه الصلوات ينبغي أن تؤدى في الأوقات التي حددها لنا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه وإذا أردت أن تنال القبول عند رب الأرض والسماوات فبادر إلي أداء الصلاة في أول الأوقات فهذا أحب شيء إلي رب الأرض والسماوات.
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي صلي الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: أي العمل أحب إلي الله قال: الصلاة علي وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله. يقول عبد الله بن مسعود ﵁ حدثني بهن رسول الله صلي الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني أعظم حقوق الله عليك بعد توحيده الصلاة وأحب شيء إلي الله تفعله في هذه الصلاة أن تؤدي الصلاة في أول وقتها.
стр. 4026
ولذلك ثبت في سنن الترمذي وسنن أبي داود من حديث أم ثروة وهي أخت أبي بكر الصديق ﵁ وعنها وعن سائر الصحابة الكرام وهي أخته من أبيه أنها قالت سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلي الله فقال: أحب الأعمال إلي الله الصلاة في أول وقتها فحافظ علي هذا الأمر أعني الصلاة في وقتها وبادر إلي ذلك وإياك،إياك أن تؤخر الصلاة إلي آخر الوقت أو إلي خروج الوقت فهذا مضيعة للصلاة فالله بعد أن ذكر المنعم عليهم من عباده المخلصين في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ (١) .
ويقول ربنا العظيم في سورة الماعون: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصلينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) وإضاعة الصلاة والسهو عنها شامل لأمور ثلاثة كما حقق أئمتنا المفسرين وفي مقدمتهم الإمام المبارك ابن كثير في تفسيره عليه وعلي أئمتنا جميعا رحمات رب العالمين.
إضاعة الصلاة والسهو عنها شامل بالترك عنها كلية وشامل لتأخيرها إلي آخر الوقت وشامل لعدم إيقاعها علي الوجه المطلوب فإذا صليتها في أول الوقت دون خشوع وإتمام لها فقد ضيعتها وقد سهوت فيها وعنها أي عن فعلها علي وجه التمام والكمال تضيع الصلاة والسهو عنها شامل في هذه الأمور الثلاثة.
стр. 4027
وقد ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا في صحيح البخاري في كتاب مواقيت الصلاة بابا يشير إلي هذا فقال باب تضييع ساق بسنده المتصل أصح إسناد عن الإمام الزهري أنه دخل علي أنس بن مالك ﵁ يشكو الحجاج إلي عبد الملك بن مروان يقول دخلنا علي أنس بن مالك وهو يبكي فقلت له ما يبكيك يا أبا حمزة فقال: لا أعلم شيئا مما كان علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا قد ضيع إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة عملتم فيها ما عملتم أي من التأخير عن وقتها والحجاج يؤخر الصلاة إلي آخر وقتها وكان هو الذي يؤم المسلمين فذهب أنس بن مالك إلي بلاد الشام من البصرة يشكو الحجاج ويخبر الخليفة عبد الملك بن مروان بأن الحجاج غير سنة النبي صلي الله عليه وسلم وأضاع الصلاة وفي رواية الترمذي أنه قال ـ أي أنس بن مالك ﵁ ما أعلم شيئا مما نحن عليه علي عهد النبي صلي الله عليه وسلم إلا وقد ضيع فقال له أبو عمران الجوني وهذه الصلاة أي نحن نصلي فكيف نقول كل شيء قد ضيع منا أليس قد عملتم فيها ما عملتم أي من تأخيرها عن وقتها التي هي أحب الأوقات إلي الله جل وعلا أخرتم الصلاة عن أول الوقت أليس قد عملتم فيها ما عملتم إذا تضييع الصلاة والسهو عنها شامل لهذه الأمور الثلاثة لتركها بالكلية كتأخيرها إلي آخر الوقت لعدم إيقاعها علي الوجه المطلوب فكل من حصل صفة من هذه الصفات فله من الذم بمقدار الصفة التي فيه.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ (١) ، ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصلينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) .
стр. 4028
وقد أخبرنا نبينا صلي الله عليه وسلم أن من أخر الصلاة حتى خرج وقتها فقد حبط عمله ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والحديث رواه الإمام النسائي وابن ماجه من حديث بريدة ﵁ قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم (من ترك صلاة العصر حبط عمله) والمراد من الترك أن يؤخرها حتى يخرج وقتها.
كما ثبت هذا في بعض روايات الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) أي يوم الغيم لا تظهر الشمس فقد تغرب وأنت تظن أن النهار باق ولذلك باكروا بالصلاة لئلا تغرب الشمس عنه فاتته صلاة العصر.
وقد ثبت في الكتب الستة إلا صحيح البخاري وسنن ابن ماجه فهو في صحيح مسلم والكتب الثلاثة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله صلي عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافقين، وفي بعض روايات الحديث تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان حتى إذا كانت صفراء قام فنقر أربعا حتى لا يذكر الله فيهن إلا قليلا فهي صلاة المنافق سبحان الله يصلي وهو منافق يصلي والويل له نعم ما أقام الصلاة ليس المقصود من الصلاة تأديتها إنما المقصود من الصلاة إقامتها وتقدم معنا أن لفظ الإقامة توفية الشيء علما وعملا ولذلك قال سفيان هذه الآية في سورة المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (١) هي أشد آية في القرآن أخوف آية في القرآن ليسوا علي شيء ولا وزن لهم عند الرحمن وإذا ما وفوا ما أنزل الله إليهم حقه علما وعملا.
стр. 4029
وهكذا يا أمة محمد على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وسنة نبينا محمد ﷺ توفوا هذين الشيئين علما وعملا عباد الله فلابد من المحافظة على الصلاة في وقتها ليتحقق فيك شيء من إقامة الصلاة ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.
وأخبرنا نبينا محمد ﷺ أن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ثبت الحديث في المسند والصحيحين والسنن الأربعة والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ والدارمي في المسند ورواه ابن خزيمة في صحيحه وهو في أعلى درجات الصحة من حديث ابن عمر ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله الوتر هو النقص والضياع أي كأنما أضاع أهله وماله أو ضاع منه أهله وماله الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر من فاتته صلاة العصر إذا أضاع الصلاة حتى خرج وقتها هذا حاله وتلك عقوبته فلابد من المحافظة على وقت الصلاة.
والأمر الثاني الذي ينبغي أن نحافظ عليه يتحقق فينا أيضا شيء من إقامة الصلاة حضور القلب عند مناجاة الرب في هذه الصلاة فينبغي أن تتأمل فيما تقرأ فيما تذكر وأن يحضر قلبك وأن لا يشرد ذهنك والله جل وعلا أخبرنا أن المؤمنين فازوا بالرضوان العظيم والنعيم المقيم لصفات كريمة فيهم أولها يخشعون في صلاتهم ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) وإنما قدم هذه الصفة لأنها أصل لما عداها فإذا خشعت في صلاتك واستقامت صلاتك استقامت سائر أعمالك وإذا فسدت الصلاة فبقية الأعمال أفسد وأشنع.
стр. 4030
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) وقد أخبرنا النبي صلي الله عليه وسلم أن الإنسان إذا خشع في صلاته يتلذذ بها فتصبح هذه الصلاة قرة عين له ثبت في المسند والسنن والحديث رواه الإمام البيهقي في السنن والحاكم في المستدرك وقال: (صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
وهذا الحديث يرويه الكثير من الوعاظ بلفظ حبب إلي من دنياكم ثلاث وهذه الزيادة باطلة لم تثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ومع بطلانها وعدم ثبوتها هي مفسدة للمعنى فمناجاة الله وذكره والأنس بمناجاته وحلاوة عبادته ليست من أمور الدنيا حبب ألي من الدنيا الطيب فهو غذاء للعقل والنساء ففي ذلك راحة للعقل والجسم ونشاط وصحة للبدن وإخراج ذرية تعبد رب البرية توحد الله وتجاهد في سبيله ولكن اللذة العظمى وجعلت قرة عيني في الصلاة نعم من خشع في صلاته كانت الصلاة قرة عين له.