نعم إخوتي الكرام: هذه الكلمة لها هذا الأثر عند ذي الجلال والإكرام، كلمة التوحيد من قالها فقد أتى بعمل أعظم عند الله من جبل أحد، وأخبرنا النبي ﷺ أنه من هلل الله نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه سينال رحمته قطعاً وجزماً، والحديث بذلك في كتاب (عمل اليوم والليلة) للإمام النسائي وهو في السنن الكبرى له والحديث رواه الإمام الخطيب البغدادي من رواية أبي هريرة ﵁، وأما الإمام النسائي فرواه من رواية يعقوب بن عاصم من رجلين من أصحاب النبي ﷺ ويعقوب بن عاصم من أئمة التابعين وهو ثقة إمام عدل طيب مبارك حديثه في صحيح مسلم وهو من رجال سنن النسائي وأبي داود وهنا يروي هذا العبد الصالح يعقوب عن رجلين من أصحاب النبي ﷺ وفي رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال [ما من عبد يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، إلا خرقت هذه الكلمة أبواب السماوات حتى تصل إلى الله جل وعلا فإذا وصلت إليه نظر الله إلى قائلها من أهل الأرض وحق لمن نظر الله إليه أن يعطيه سؤله] أو كما قال، وفي رواية الخطيب البغدادي عن أبي هريرة ﵁ [ما من عبد يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، إلا صعدت إلى الله جل وعلا، هذه الكلمة لا يحجبها شيء ليس دونها حجاب تخترق الحجب وتصعد فإذا وصلت إلى الله نظر الله إلى صاحبها وحق على الله ألا ينظر إلى أحد إلا رحمه، إذا نظر الله إليك تنال سؤلك ويعطيك حاجتك، إذا نظر الله إليك رحمك أرحم الرحمين، والحديث إسناده صحيح.
стр. 4097
وصفة النظر من الصفات التابعة لمشيئة الله جل وعلا، فهو الذي ينظر إلى من يشاء، وإذا نظر إلى إنسان فقد رضي عنه ورحمه وقد أخبرنا ربنا أنه لا ينظر إلى من غضب عليه كما ذكر الله ذلك في سورة (آل عمران) : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم﴾ .
وقد ثبت عن أبي عمران الجويني وهو من أئمة التابعين الكبار وحديثه في الكتب الستة وهو إمام ثقة عدل، ثبت عنه في كتاب (حلية الأولياء) في الجزء الثاني صفحة أربع عشرة ومائتين ٢/٢١٤ عنه قال (ما نظر الله إلى أحد إلا رحمه ولو نظر الله إلى أهل النار لرحمهم، ولكن قدر ألا ينظر إليهم) والإمام ابن تيمية قرر هذا في (مجموع الفتاوى) في الجزء الثالث عشر صفحة أربع وثلاثين ومائة ٣/١٣٤ أيضاً وبيَّن أن صفة النظر تابعة لمشيئة الله جل وعلا، فهو ينظر إلى من شاء ممن رضي عنه ولا ينظر إلى من شاء ممن غضب عليه.
فإذا هلل الإنسان بهذه الكلمة المباركة نظر الله إليه وإذا نظر الله إلى عبدٍ أعطاه سؤله، وإذا نظر الله إلى عبد رحمه، الذي يهلل الله يجد هذه المنزلة عنده جل وعلا يكتب له كذا وكذا من الحسنات، إذا قال هذه الصيغة مائة مرة بالغداة والعشي مائة مرة فكأنه أعتق مائة نفس من ولد إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إذا هلل الله مرة واحدة نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه أعطاه سؤله ورحمه، فهنيئاً لمن ينظر الله إليه، وهنيئاً ثم هنيئاً لمن ضحك الله إليه.
стр. 4098
ثبت في مسند الإمام أحمد وأبي يعلى ومعجم الطبراني الكبير والأوسط بسندٍ رجاله ثقات كما في مجموع الزوائد للإمام الهيثمي في الجزء الخامس صفحة اثنتين وتسعين ومائتين ٥/٢٩٢ عن نعيم بن همار ﵁ وهو من الصحابة الأبرار يقال له نعيم بن هبار ويقال نعيم بن هدار وقيل غير ذلك كما في (أسد الغابة) عن نعيم بن همار أن نبينا المختار قال [إذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه] نعم هذه الصيغة بها هذه الآثار ولا فوق ذلك من هذه الآثار، إن هذه القلوب يخلق فيها الإيمان كما يخلق الثوب على الأبدان فلابد من تجديد الإيمان على الدوام ويجد ويذكر الرحمن جل وعلا.
ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير وإسناد الحديث صحيح من رواية عبد الله ابن عمرو ابن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال [إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فسلوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم] نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تجدد الإيمان في قلوبنا، وأن توفقنا إلى الشيء الذي يحصل به تجديد الإيمان في قلوبنا فإنك أرحم الراحمين.
بأي شيء يجدد الإيمان، بذكر الرحمن وأوضح ذلك النبي ﷺ ففي مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم وفي معجم الطبراني الكبير وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ [جددوا إيمانكم، قالوا بأي شيء نجدد إيماننا؟ قال قولوا لا إله إلا الله] بهذه الكلمة يحصل بها تجديد الإيمان.
نعم: بها يحصل بها الدخول في الإيمان وبها يحصل بها تجديد الإيمان، بها تنجو من النيران، بها تدخل غرف الجنان، بها تستحق شفاعة النبي ﷺ ، بها تستحق رحمة ذي الجلال والإكرام.
стр. 4099
جددوا إيمانكم ـ بأي شيء نجدد إيماننا قال قولوا لا إله إلا الله، لا إله إلا الله أفضل الأذكار وأفضل ما نطق بها أنبياء الله وقد أمرنا نبينا محمد ﷺ بذلك ففي مسند أبي يعلى وإسناد الحديث رجاله ثقات كما قال الإمام الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا ضمام بن إسماعيل فهو ثقة، لم يخرج أحد من أصحاب الكتب الستة في كتبهم، إنما أخرج الإمام البخاري في (الأدب المفرد) وهو ثقة إمام عدل رضا، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ورواه ابن عساكر، وإسناده صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال [أكثروا من قول لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوا بها موتاكم] هي أول واجب وهي أوجب واجب هي أعظم واجب هي آخر واجب، هنيئاً لمن ختم له بكلمة التوحيد، هذه بعض فضائل الذكر بكلمة لا إله إلا الله، فإذا كان لهذه الكلمة هذه الفضائل والخيرات والبركات كما تقدم معنا أن أفضل الأذكار كلام العزيز الغفار وكما أن صيغ الأذكار تتفاوت في الثواب فهذا سور القرآن تتفاوت في الثواب وكنا نتدارس أعظم سور القرآن ثواباً ومنزلة ألا وهي سورة الإخلاص كما أن أفضل صيغ الأذكار كلمة الإخلاص، فتقدم منزلة سورة الإخلاص هذه السورة من تعلق بها، سورة وجيزة بليغة فيها صفة اله ونسبه هو أحد، صمد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 4100
ثبت في الصحيحين والسنن الكبرى للإمام النسائي والحديث في كتاب (الأسماء والصفات) للإمام البيهقي وهو في أعلى درجات الصحة عن أمنا عائشة ﵂ بعث رسول الله ﷺ بعثاً وأمر عليهم واحداً منهم فكان يصلي بهم ويختم صلاته بقل هو الله أحد، إذا انتهى من القراءة قبل أن يركع يقرأ سورة الإخلاص، فقال له قومه، يجزئك أن تقرأ السورة الذي قرأتها أو أن تقرأ سورة الإخلاص فعلام تقرن بين السورة التي تقرأها وبين سورة الإخلاص بعد ذلك قال: ما أنا بفاعل ما تقولون ولا يمكن أن أقتصد على سورة كلما أقرأ أختم الركعة بقل هو الله أحد فإن شئتم قدموا غيري ولا مانع عندي وكانوا لا يريدون تقديم غيره فهو أميرهم وأقرأهم، قيل هو كلثوم بن الهرم من الأنصار الأبرار، كما ذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في الجزء الثاني صفحة ثماني وخمسين ومائتين ٢/٢٥٨ وقيل غيره، انظروا الحقيقة الكلام في بيان المراد بهذا الصحابي ﵁.
стр. 4101
فلما عادوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ [قال سلوه لأي شيء يفعل ذلك؟ فسألوه: فعلام تختم قرأتك بقل هو الله أحد؟ فقال لأنها صفة الرحمن أنا أحبها فقال نبينا ﷺ أخبروه بأن الله يحبه] وفي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ومسند الترمذي، والحديث رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى وابن الفريس في (فضائل القرآن) وهو في صحيح البخاري كما قلت فالحديث صحيح من رواية أنس بن مالك أن بعض الأنصار الأبرار كان يصلي في مسجد قباء بقومه فكان يفتتح قراءته بقل هو الله أحد، هذا يختم، وهذا يفتتح، فعتب عليه قومه إما أن تقتصر على ﴿قل هو الله أحد﴾ أو على السورة التي تقرأها بعدها فهذا يجزئك، فقال: ما أنا بفاعل فإن شئتم قدموا غيري كما قال ذاك وما كانوا يريدون أن يتقدم غيره لحسن قراءته ولكثرة حفظه فعرضوا هذا على النبي ﷺ فستدعاه النبي ﵊ وسأله علام تفعل ذلك؟ قال: يا رسول الله إنها صفة الله وأنا أحب أن أقرأ بها فقال: حبك إياها أدخلك الجنة، وفي بعض الرواية الحديث عن أنس ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال إن أخي مولع بسورة الإخلاص يكثر من قراءتها فقال بشره بالجنة.
فمن أكثر من قراءتها أحبه الله، فمن أكثر منها ولهج بها له بشارة بفضل الله ورحمته أنه من أهل الجنة، هذه السورة هي صفة الله ونسب الله وعندما سأل أهل الأرض عن أنساب الله أنزل الله هذه السورة فيجب بنا أن نقرأها وأن نلهج بها ويعطينا عليها من الأجور ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات.
стр. 4102
ثبت هذا في سنن الإمام أحمد وسن الترمذي، والحديث رواه الإمام البيهقي في (الأسماء والصفات) وهو في تفسير الطبري والبغوي ورواه الإمام ابن المنذر في تفسيره وأبو الشيخ في كتابه (العظمة) وبوب عليه الإمام ابن أبي عاصم في كتابه (السنة) باباً فسماه (باب نسبة الرب جل وعلا) والحديث إسناده حسن وأقره عليه الإمام الذهبي وله شواهد كثيرة ولفظ الحديث من رواية أبي المنذر أبي بن كعب ﵁ قال قال المشركون للنبي ﷺ أنسب لنا ربك فأنزل الله ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (١) ٌ.
стр. 4103
وقد تكرر هذا من المشركين في زمن نبينا الأمين ﵊ فكان الجواب ينزل بهذه الصورة، ثبت ذلك في معجم الطبراني الأوسط والأثر رواه الإمام الطبري في تفسيره وأبو يعلى بسنده أيضاً، كتاب (الأسماء والصفات) للإمام البيهقي ورواه ابن المنذر في تفسيره وابن الضيريس في (فضائل القرآن) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أتى رجلاً أعرابياً إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد صف لنا ربك، يا محمد أنسب لنا ربك، فأنزل جل وعلا سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (١) ٌ وهذا الأثر حسن إسناده الإمام السيوطي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا وتكرر هذا في غير هؤلاء في رواية عبد الله بن مسعود في معجم الطبراني الكبير وكتاب (العظمة) لأبي الشيخ قال، قالت قريش للنبي ﷺ أنسب لنا ربك فأنزل الله ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (٢) ٌ وعلى هذا فالسورة مكية وتكرر نزولها في المدينة المنورة عندما هاجر النبي ﷺ إلى هذه البقعة المباركة فسأله اليهود كما سأله عتاة قريش عن نسبة الرب وصفة الرحمن فأنزل الله هذه السورة أيضاً.
ثبت هذا أيضاً في تفسير ابن أبي حاتم، والحديث رواه البيهقي في (الأسماء والصفات) ورواه أبو الشيخ في كتابه (العظمة) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال، قالت اليهود للنبي ﷺ صف لنا ربك فأنزل الله سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (٣) ٌ.
وثبت هذا من رواية أنس بن مالك ﵁ كما ورد هذا في كتاب
стр. 4104
(العظمة) لأبي الشيخ، والأثر رواه السمرقندي في فضائل سورة الإخلاص قالت اليهود للنبي ﷺ صف لنا ربك فأنزل الله جل وعلا: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (١) ٌ.
فالآثار المتقدمة الثلاثة من رواية أبي بن كعب، من رواية جابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود ﵃ تدل على أن السورة مكية، والاثاران الآخران من رواية ابن عباس وأنس ﵃ تدل على أن السورة مدنية، وقد ورد ما يؤيد القول الأول من رواية جماً غفيراً من التابعين وكلاً مبهم له حكم الرفع إلى نبينا الأمين ﵊، ثبت ذلك في تفسير الطبري من رواية عكرمة وأبى العالية وأثر أبي العالية رواه الإمام الترمذي أن سورة الإخلاص نزلت عندما سأل المشركون عن نسب الحي القيوم فنزل ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (٢) ٌ والذي يدل عل أنها مدنية نقل أيضاً عن جماً غفير من التابعين منهم قتادة في تفسير الطبري وابن المنذر والأثر رواه بن الرزاق وإسناده صحيح إلى قتادة ومنهم سعيد بن ثبت في تفسير الطبري وابن المنذر ومنهم أيضاً الضحاك بن مزاحم، ثبت ذلك في كتاب (السنن) للإمام الطبراني.
стр. 4105
إذن مكية، مدنية، والجمع بين هذا ما ذهب إليه أئمتنا وهو المعتمد في هذا وقرره الإمام الزركشي في كتاب (البرهان في علوم القرآن) الجزء الأول في صفحة ثلاثين ١/٣٠ فقال (وهذه السورة مما تكرر نزولها وقد يتكرر نزول بعض القرآن لمزيته وأهميته، تكرر نزولها لتكرر سبب النزول) فنزلت في مكة عندما سأل المشركون عن نسب الحي القيوم، فلما هاجر نبينا المعصوم ﵊ إلى المدينة المنورة وسأله اليهود عن نسب ربنا جل وعلا أنزل الله السورة بعينها وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في (جواب أهل العلم والإيمان تحقيق ما أخبر به النبي ﷺ من أن سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن في صفحة تسعين ومائة صـ١٩٠ بيَّن أن هذه السورة مكية، مدنية نزلت في مكة جواباً للمشركين، ونزلت في المدينة جواباً لليهود.
стр. 4106
إذن هذه لها شأن عظيم، من أحبها أحبه الله وأدخله الله الجنة، وقد كان سلفنا يلهجون بذكر الله بذكر لا إله إلا الله كما كانوا يلهجون بذكره بقراءة سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (١) ٌ فما الذي حصل بعد ذلك، إنما الأمر تغير وتكدر كما تقدم معنا، أعرض الناس عن أفضل الأذكار عن كلمة التوحيد، وأعرض الناس عن أفضل الكلام عن كلام الله المجيد، وعن التقرب إليه بصفته وبهذه السورة التي فيها نسبه جل وعلا، أعرضوا عن التعبد لله بهذه الصيغ الشرعية التي لها أجور كثيرة وفيرة، فلجأوا إلى قصائد وأشعار وإلى أذكار زعموا أنها كهذه الأذكار أو أنها أعظم في المنزلة وهم أتوا صيغ الأذكار الشرعية فغيروا كيفيتها، تقدم معنا أنه ما ابتدعوه ذكر أن بالاسم المفرد الله هو، مظهراً أو مضمراً حق قيوم، قهار، غفار، يجلس ويردد أسماء من هذه الأسماء الحسنى المباركة دون أن يذكر جملة مفيدة، تقدم معنا أن هذا من الأذكار المبتدعة، وتقدم معنا أنه غلا كثير من المخرفين المتأخرين فقالوا أن لا إله إلا الله ذكر العوام وأن ذكر الله بالاسم المفرد (الله، الله) ذكر الخواص، وأن ذكر الله بالاسم المفرد (هو، هو) ذكر خواص الخواص، وتقدم معنا إخوتي الكرام تفنيد هذه الأوهام، وأن هذا من البدع التي لم يأذن بها ذو الجلال والإكرام.
стр. 4107
فالذكر بالاسم المفرد قلت لا دليل عليه وهو مبتدع، وما ذكر نبينا ربنا بهذه الصيغ، وما دلل عليه هؤلاء من صحة كلامهم من كلام الله ومن أحاديث رسول الله ﷺ ومن أدلة عقلية وكنت ذكرتها إخوتي الكرام في الموعظة الماضية وبينت ما هو ثابت في القرآن والسنة واستدلوا به لا دلالة فيه على ما قالوا وما لم يثبت وقالوا إنه يدل على قولنا فقلت إنه ليس بثابت فلا يجوز الاحتجاج به. وتقدم معنا هذا، وأما الحجج العقلية التي أتوا بها كما نقلوه عن الشبلي وغيره من أنه لا يريد أن بذكر الله بكلمة التوحيد لا إله إلا الله حتى لا يموت بين النفي والإثبات فقلت غاية ما يقال عن هذا أنه من الخطأ الذي يقدر فيه قائله وليس هو من السعي الذي يشكر عليه ولا يجوز أن يتبع في هذا إخوتي الكرام، هذا تقدم، ومن هذه الجزئية قلت سأكمل الكلام عن ذلك على ما بعدها إن شاء الله.
إخوتي الكرام: إن كثيراً من الناس غلوا في هذا الذكر المبتدع، أفضل الأذكار (الله، الله) (هو، هو) ووصل الأمر ببعض الصوفية المتأخرين كما يحكى عنهم ذلك حجة الإسلام وأعجوبة الزمان الإمام الغزالي في (الأحياء) ٣/١٨ ويكرر هذا في ص٧٤.
стр. 4108
والإمام المبارك الإمام الغزالي يعد أنه حكى ذلك عن الصوفية، ليته رده وأبطله، وفنده بل ظاهر كلامه أنه يقرره ويحتج به وهو باطلٌ باطل لاشك فيه يذكر هذا الإمام المبارك في المكانيين المتقدمين الفارق بين الصوفية وغيرهم وأن غيرهم يحصلون العلوم عن الطرق التعليمة، أولئك يتعلمون ويجلسون بين يدي المشايخ ويكون في حلق الذكر، وأم هؤلاء عن طريق الإلهام كيف الإلهام أيها الإمام؟ قال وطريق الصوفية أقرب وأيسر وأسلم والإنسان يحصل المطلوب بسرعة، كيف هذا قال أنه يفرغ نفسه عن مشاغل الدنيا ولا يفعله بمال ولا أهل ولا ولد، يجلس في حجرة مظلمة لا يراه أحد، وإن قدر أنه يتصور أنه يراه أحد فينبغي أن يلف رأسه بثوب أو أن يدخل رأسه في جبة أو أن يدثر بثوب ثم يجلس في هذه الحجرة المظلمة فيقول (الله، الله، الله) ولا يقرأ قرأناً ولا ينظر في تفسير ولا في حديث ولا يتدبر معنى آية أو حديث لنبينا محمد ﷺ ويبتعد من قراءة القرآن وحديث النبي ﷺ وعن التدبر والتأمل جلس في حجرة مظلمة، ولف رأسه بثوبه وأطرقه ثم يقول (الله، الله، الله) يقول حتى بعد ذلك قالها مصورة اللفظ حتى عن لسانه، ويستقر هذا المعنى في قلبه ثم بعد ذلك أيضاً يغفل عن هذا حيث يتعلق بربه فعند ذلك يظهر له البوارق الربانية، والأنوار الرحمانية ويرى جلال كحضرة الإلهية إخوتي الكرام: يقرر هذا في هذين المكانين وكلامه أخذ قرابة صفحة ولا أريد أن أقرأه من أوله إلى آخره وهو كلام باطل لاشك فيه وليت هذا الإمام الهمام علق عليه بما يبين أن هذا الطريق فيه نسف الإسلام من أوله لآخره وفيها لبساط الشريعة وتعطيل أحكام الله جل وعلا.
стр. 4109
فالله أمرنا أن نتعلم كتابه وحديث نبيه ﵊ والعلم بالتعلم، وهؤلاء يريدون منا أن نخلو في حجرة مظلمة لتعشش الشياطين في أذهاننا ونحن نعبد الشيطان بعد ذلك ونزعم أننا نعبد الرحمن وقياس حال الأولياء على حال خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قياس في منتهى البعد والفساد والشناعة، فذاك معصوم وعند ما ينزل عليه الوحي يحاط من جميع الجهات من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا كما أخبر ربنا عن ذلك في كتابه في سورة (الجن) : ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً* إلا من ارتضى من رسولٍ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا﴾ .
ما الصعلوق منا إذا اجلسا في حجرة مظلمة وابتعد عن القرآن وعن حديث نبينا ﵊ ليتخيل في مختليه أشياء وأشياء ما العصمة لما تخيل له وما العمدة فيما ظهر له من أنوار فهو من الحضرة الإلهية لا من الشياطين الغوية، إن الإلهام لا يجوز أن يعول عليه أحد أياً كان؟ أما ما اخترعه الصوفية من أن الإلهام مصدر الأذكار هذا من وساوس الشيطان يقول علماؤنا (وينبذ الإلهام بالعراء أعني به إلهام.. الأولياء وقد رآه بعض من تصوف وعصمة النبي توجب اقتداء، النبي ﷺ عندما يلقى في روعه عندما يحدث وينزل عليه الوحي فهو معصوم فيجب علينا أن نتبعه وأن نقتفي أثره وأما هذا الولي فلا ثم لا، لذلك لخان الصالحون من الصوفية لإلهام فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة وكان الصالحون من الصوفية يقولون: دوروا مع الشرع حيث دار، لا مع الكشف (الإلهام) فإنه يخطأ.
стр. 4110
والله ضمن لشرعه العصمة وما ضمن لأوهامنا وساوسنا العصمة، إننا إذا أردنا أن نحصل العلم الشرعي بأن نجلس في حجرة مظلمة، وأن نلف رأسنا بثوب وأن نقول بعد ذلك (الله، الله، الله) لتحصل لنا الفتوحات وتتنزل علينا الخيرات والبركات فهذا ضلال وطيٌ لبساط الشريعة من أوله إلى آخره، علق الإمام ابن الجوزي في كتابه (تبليس إبليس) صفحة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وصفحة ثاني وثمانين ومائتين صـ٣٢٣ صـ٢٨٢ على هذا الكلام بعبارة قاسية، ونعم ما قال قال المصنف ﵀ وهو الإمام ابن الجوزي توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة من الهجرة ٥٩٧هـ والإمام الغزالي توفي سنة خمس وخمسمائة ٥٠٠٥هـ سنة، بينهما اثنتان وتسعون سنة.
стр. 4111
يقول الإمام ابن الجوزي (عزيز عليَّ أن يذكر هذا الكلام منه ففيه فإنه لا يخفى قبحه فإنه في الحقيقة طي لبساط الشريعة التي حثت على تلاوة القرآن وطلب العلم وعلى هذا المذهب قرر) رأيت الفضلاء من علماء الأمصار ما سلكوا هذا الطريق، إنما اشتغلوا بالعلم أولاً وعلى ما قد رتب أبو حامد معنى الغزالي تخلو النفس بوساوسها وخيالاتها ولا يكون عندها من العلم ما يطر وذلك فيلعب بها إبليس أي ملعب غيرها الوسوسة محادثة كأن الله يحدثه ولكن الشيطان يوسوسه فيريها الوسوسة محادثة ومناجاة ولا تتكرر أنه إذا طهر القلب انصبت عليه أنوار الهدى فينظر بنور الله إلا أنه يجب تطهيره بمقتضى العلم لا بما ينافيه، ابتعد عن العلم الشرعي وسنن النبي ﵊ تنصب عليه الأنوار، ما تنصب عليه إلا الظلمات والإقرار إنما عالم صالح حفظ كتاب الله ووعى حديث رسول الله ﷺ ، نعم إذا طهر قلبه من التعلق بالدنيا تنصب عليه الأنوار وينظر بنور العزيز القهار، قال الإمام ابن الجوزي: ثم إن لا تنافى بيده العلم والرياضة بل العلم يعلم كيفية الرياضة ويعين على تصحيح الرياضة وإنما تلاعب الشيطان بأقوام أبعدوا العلم وأقبلوا على الرياضة بما ينهى عنه العلم والعلم بعيد عنهم، فتارة يفعلون الفعل المنهي عنه وتارة يؤثر ومر ما غيره أولى سنة، وإنما كان يفتي في هذه الحوادث العلم وقد عزلوه فنعوذ بالله من الخذلان، ثم روى عن بعض من عاصرهم من أهل الشطط والزيغ ممن دخلوا هذه الخلوات ثم بعد ذلك انسلخوا من دين رب الأرض والسماوات، فيحكى قصة عن بعض هؤلاء المخذولين أنه كان يقول: القرآن حجاب والرسول حجاب ليس إلا عبد ورب، يقول دعك من القرآن ومن النبي، إذا أجلس في حجرتك وقول (هو، هو) ، ففتتن جماعة به فأهملوا العبادات ثم اختفى مخافة القتل، هذا بعض الزنادقة الذين كانوا في القرن السادس للهجرة فماذا يقول الإمام ابن الجوزي لو أدرك زنادقة أيامنا في
стр. 4112
هذا الزمان.
إخوتي الكرام: كل من عزل العلم عن هذه الحياة فهو جاهل يحب نفسه ويعبد شيطانه وإن زعم أنه يعبد ربه وكل من يغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل لذلك لابد أن تزين بيوت المسلمين بكتب العلم الشرعي من كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ كتب أئمتنا السلف ليكرر العبد النظر فيها بين الحين والحين، وأما أنه يريد تنزل عليه الفتوحات وهو بعيد عن الكتاب والسنة فيهات هيهات أن يحصل له ما يريد.
إخوتي الكرام: عندما بحث أئمتنا في أنواع الأدلة فهما تعددت فهي تنقسم إلى أربعة أنواع، نوعان شرعيان سلفيان مقبولان، ونوعان مبتدعان مخترعان بدعيان مردودان، السلفيان الشرعيان هيما النصوص الشرعية من الكتاب السنة، والدليل الثاني الفطرة البشرية التي تقلدها العقول بلا تمطع ولا تكلف، والأدلة المخترعة النظر الفلسفي العقلي المتعمق فيه كما حصل من أصحاب الهذيان والدليل أنهم يعولون على أدلة الكشف والعقول ولا يقفوا على الأدلة التي جاء بها الرسول ﷺ .
стр. 4113
إخوتي الكرام: هذا يتبع ما تقدم أن الذكر بالاسم المفرد أفضل الأذكار، يقدمه على كلام الله وعلى تدبره وعلى حديث رسول الله ﷺ وعلى فهمه ونجلس في حجرة مظلمة ونقول (الله، الله) ، هذا طريق المضالين وليس بطريق المهتدين واعلموا عباد الله أن الصوفية الصادقين بريئون من هذا المسلك، فهذا الشيخ الصالح شيخ العارفين سهل ابن عبد الله أبو محمد التستاري الزاهد الصوفي شيخ الصوفية المهتدين في القرن الثالث الهجري يقول (اجهدوا ألا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر،) وقيل له إلى متى يكتب الرجل الحديث قال حتى يموت ويصب باقي حبره في قبره وكان يأتي إلى أمير المؤمنين في الحديث الإمام أبي داود شيخ أهل السنة وصاحب السنن فيقول له لي إليك حاجة، فيقول أبو داود وما هي؟ فيقول سهل: حتى تقول قضيتها مع الإمكان فيقول سهل: أخرج لي لسانك التي حدثت به أحاديث رسول الله ﷺ حتى أقبله فأخرج أبو داود لسانه فقبله وهو القائل كما في (الحلية) وكتاب (الزهد) للإمام البيهقي (لا معين إلا الله ولا دليل إلا رسول الله ﷺ ) انظروا هذا وغيره من ترجمته العطرة في (سير أعلام النبلاء) صفحة ثلاثين وثلاثمائة صـ٣٣٠ وما بعدها، وسهل توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين ٢٨٣هـ وقد أثنى عليه كل من ترجمه وملأ الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بكتبهم بالنقل عنه ووصفه الإمام ابن تيمية بأنه من أكابر المشايخ وأئمة الهدى ونقل عنه في (الاستقامة) الجزء الثاني صفحة خمسين ومائة ٢/١٥٠ أنه قال (كل وجدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل) .
إخوتي الكرام: كنت ذكرت في مواعظ سابقة قصة هذا العبد الصالح مع الإمام أبي داود فاعترض عليها بعض السفهاء وأكثروا الشغب من غير دليل ولا أدب فربنا يرزقنا الأدب معه ومع خلقه.
стр. 4114
نعم إخوتي الكرام إن الصوفية الصالحين بريئون من أوهام المخرفين المتأخرين وقد اشتهر عن الإمام ال وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائتين ٢٩٨هـ اشتهر عنه أنه قال: (علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدي به) رحمة الله عليه، أين مثله كما يقول الإمام الذهبي في ترجمته.
وأما الذكر بالاسم المضمر وهو ــ هو، هو، فهو أشنع من الذكر بلفظ الجلالة مظهرة الله، الله.
هو، هو ــ مضمر، وهناك مظهر، ولم يرد في الشريعة ما بهذا ولا بهذا، أما هو، هو، وقيل إنه أفضل الأذكار، وأنا أعجب من الجديد على ذكر لم ينقل عن أعلم البرية ﷺ ويعارض به ما قال به النبي ﷺ أنه أفضل الأذكار وأن أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله هو، لا إله إلا الله، وهذا يأتي ويقول هو، هو من أفضل الأذكار، وأول من أهذا الذكر المبتدع ودعا إليه الحسين بن منصور الحلاج صاحب، الضلال والاعوجاج الذي أباح العلماء دمه، فقتل سنة تسع وثلاثمائة للهجرة ٣٠٠٩هـ لما كان يقوم به من بدع وزندقة واسم كتابه (هو، هو) انظروا ضلالته في (سير أعلام النبلاء) في الجزء الرابع عشر صفحة أربعة عشر وثلاثمائة ١٤/٣١٤ فما بعدها حيث ترجمه في أربعين صفحة وتبعه على ذلك الضلال ابن عربي صاحب اللصوص والفتوحات الهلكية وهو علي بن محمد الطائي الحاكم الأندلسي توفي سنة ثماني وثلاثين وستمائة ٦٣٨هـ وألف كتاب سماه (الهو) وكتبه ابن عربي مشحونة بالضلالات فإن تاب منها قبل موته فالله يقبل توبة من تاب إليه ممن يشاء من عباده، ونقلت كلام العز بن عبد السلام في دروس الترمذي رزقنا الله العلم الن الإمام الرازي غفر الله لنا وله، في أول تفسيره في الجزء الأول صفحة خمسة وأربعين ومائة ١/١٤٥ إلى صفحة اثنتين وخمسين ومائة صـ١٥٢ ذكر أحد عشر دليل في تفصيل الذكر بالاسم المفرد (هو، هو) على (الله، الله) ومن باب أولى على (لا إله إلا الله) .
стр. 4115
إن قلب المؤمن يتفطر عندما يسمع هذا، وقال: (وإذا قرنت المكتوب بين ما أجده من اللذة في القلب من الذكر بالاسم المفرد المضمر (هو، هو) وجدت أن المكتب لا يفي بما في القلب فعلمت أنه لا يمكن للإنسان أن يحيط بأسرار هذا الذكر (هو، هو) أحد عشر دليل منها: هذا أفضل الأذكار لأنه خال عن الإشعار بالسؤال فهذا يدل على تعظيم خالص لله، فلا تقول يا الله ارحمني، يا رب توب عليَّ لكن أنت الآله (هو، هو) .
الأمر الثاني: (هو، هو) هذا صيغ الغائب وأنت عندما تذكرها كأنك تذكر الله بها كأنك تقول من أنا حتى أثنى عليك ما فيك من صفات العظمة فمن أنا.
أمر ثالث يقول: هذا الذكر بالفظ (هو) يوجب الدهشة والحيرة، فمطلوب للإنسان أن يدهش ويتحير في جلال الله عظمته ووجه ذلك لأن الله جل وعلا ما احتجب عنا إلا لنقصنا ولو حصل الكمال فينا لمن علينا ولأريناه كما سمين بإلكمال في الجنة فنراه بما أن النقص فينا هو الذي حجبنا عن ربنا فينبغي أن نلهج (هو، هو) لأن نقصنا هو الذي فجبنا عنه فلا ينبغي أن نذكره بما فيه من صفات الكمال والجلال، ثم قال: إن من يذكر الله بما فيه من بهذه الصيغة (هو، هو) تعترية الدهشة والدهشة مطلوبة إلى غير ذلك من الكلام في تفضيل الذكر بهو على الذكر الله، الله، عن باب أولى على كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) .
وأنا أريد أن أقول مرو هذا إلى النبي ﵊ لا إلى الرازي ولا إلى الغزالي ولا إلى كبير ولا إلى صغير فمن أراد أن يقول إن هذه الصيغة هي أفضل الأذكار نقول هات الدليل على ذلك من كتاب نبينا المختار ﵊، عرف الخلق الخالق على البيان وتوضيح المطلوب، فإذا كان الذكر (هو، هو) ، هذا ذكر النبي ﵊ ربه به، وهل علم أمته هذه الأذكار.
стр. 4116
إخوتي الكرام: أذكار بدعية عكف عليه الناس في هذه الأيام يعبدون الشيطان ويعبدون أهوائهم وهم يظنون أنهم يذكرون الرحمن، ليتك إذا ذكرت الله بهذه الصيغ تخرج رأساً ترأس لا أجر ولا وزر، إنما سترتكب وزراً، لو قدر أنه لا حرج من الذكر بها فأين الثرى من الثرية، وأين البعر من الدر عندما تقول هو لا معكم به أجراً، وعندما تقول (لا إله إلا الله) لا منزلة من الله أعظم من جبل أحد، عندك عقل تميز به بين الآخرين، لو سلمنا تنزلاً أن ذكر الله باسم الله مظهراً أو مضمراً جائز لكن الفضيلة التي تحصل لك أنت ولا غيرك أن تثبت له فضيلة من الفضائل وأما هناك فقد أخبرك نبيك ﷺ عما يكون من فضائل وأجد فعلام تذهد منها أيها الإنسان.
إخوتي الكرام: لابد من اتباع نبينا محمد ﷺ وصحبه الكرام والسلف الذين اتبعوه بإحسان وفي جميع أحوالنا وكل خبر في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.
أسأل الله ربنا أن يلهمنا رشدنا وأن يجعل هواناً تبعاً لشرع نبينا ﷺ .
أقول هذا القول واستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمد عبده ورسوله خير خلق الله، اللهم صلِ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الأبرار ﵃ أجمعين.
стр. 4117
إخوتي الكرام: إن كلمة التوحيد لها أجرٌ جليلٌ جليل عند ربنا الكريم وقد كان نبينا الكريم ﷺ يذكر أصحابه بها دائماً، ذكر عند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وفي مسند البزار، ورواه الإمام النسائي وهو في مستدرك الحاكم، ورواه الإمام الضياء المقدسي في الأحاديث، وإسناد الحديث حسن كما قال الإمام المنذري في (الترغيب والترهيب) في الجزء الثاني صفحة ٤١٥، ورجال الإسناد موثقون كما مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة ١٩، وأعاد الحديث في الجزء العاشر كتاب (الأذكار) صفحة ٨١.
ولفظ الحديث عن يعلى بن شداد بن أوس ﵃ حدث عن أبيه شداد ابن أوس وعبادة بن الصامت حاضر يصدق فالحديث من رواية صحابيين جليلين يقول شداد بن أوس كنا مع النبي ﵊ يوماً فقال ﵊ [هل فيكم غريب؟] ويريد بذلك هل فيكم أحد من أهل الكتاب، دخل النبي على أصحابه في مجلس به كثيرون فقال [هل فيكم غريب؟ فقالوا لا يا رسول الله فقال: أغلقوا الباب، فأغلقوا الباب فقال: ارفعوا أيديكم فرفع الصحابة الكرام أيديهم ثم قال لهم النبي قولوا لا إله إلا الله ثم حمد نبينا محمد ﷺ ربه فقال: الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة ثم قال للصحابة الكرام: قوموا فقد غفر الله لكم، والله لو كنا نعظم ربنا لما فترت ألسنتنا عن ذكر الله بها، من أجلها أرسل الرسل من أجلها أنزلت الكتب، من أجلها أسس الجنة والنار، ليعبد الله وحده لا شريك له، فكيف بعد ذلك أعرضت عقول الضالين عن هذا الذكر إلى أذكار ولم يأذن بها ربنا الكريم.
اللهم صلي على نبينا محمد ﷺ ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
стр. 4118
اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم اجعل حبك وحب رسولك ﷺ أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ.
اللهم صلِ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض بفضلك ورحمتك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد﴾ (١) ٌ
стр. 4119
تذكير الكرام بتوديع شهر الصيام
(لقاء ديني)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
تذكير الكرام
بتوديع شهر الصيام
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا..
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما، وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة، وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غُلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣)
стр. 4120
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١)
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
لازلنا نتدارس ما يتعلق بشهر رمضان من فضائلَ وأحكام، وهذه آخر موعظة من شهر الصيام وسأذكر فيها بعض فضائل شهر رمضان بما يطرب قلوب أهل الإيمان.
إخوتي الكرام: هذا شهر عظيم كريم مَنَّ الله فيه على عباده بالخير العميم، فجعل الصيام طاعة مكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، بل جعل في شهر الصيام طاعاتٍ أخرى تكفر للعبد ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد أحصى أئمتنا الكرام الطاعات التي وردت عن خير البريات ﵊ أنها تكفر الذنوب المتقدمات والمتأخرات فبلغت اثنتين وعشرين طاعة أحصاها حَذَاِمي المحدثين وأمير المؤمنين الإمام أبو الفضل ابن حجر العسقلاني في كتابه معرفة الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة.
وفي شهر رمضان ثلاث طاعات تكفر جميع ذنوب الإنسان ما تقدم منها وما تأخر، وبإمكانه أن يحرز في شهر الصيام طاعات أخرى يضم إلى تلك الفضائل أيضا، فضيلةً تساويها إخوتي الكرام سأذكر طاعتين اثنتين فيهما تكفير الذنوب المتقدمة والمتأخرة، ثم أنتقل بعد ذلك إلى الطاعات التي مَنَّ الله بها على عباده المؤمنين والمؤمنات في شهر رمضان، وتكفر عنهم الذنوب المتقدمات والمتأخرات، الطاعة الأولى من الطاعات التي لا ارتباط لها بشهر الصيام إنما ينبغي أن يحرص الإنسان على فعلها على الدوام وإذا قام بها غفرت له جميع الذنوب والآثام ما تقدم منها وما تأخر كما ثبت ذلك عن نبينا ﵊.
стр. 4121
ثبت في مسند الإمام أحمد، والحديث رواه أهل السنن الأربعة، ورواه الإمام الحاكم في المستدرك، ورواه البخاري في التاريخ الكبير، ورواه الإمام ابن أبي السني في كتاب عمل اليوم والليلة -رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين-، رووا هذا الحديث عن سيدنا معاذ بن أنس الجهني وهو من أصحاب حبيبنا النبي -على نبينا وآله وصحبه صلاة الله وسلامه- عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من أكل طعاماً فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه] زاد الإمام أبو داود في روايته بسند حسن كما في الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة ورقم هذه الطاعة في هذا الكتاب الحادية والعشرون يقول الإمام ابن حجر.
زاد الإمام أبو داود في روايته: [غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] ، ومن لبس ثوباً فقال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه] .
زاد أبو داود أيضا في روايته بإسناد حسن وما تأخر، هذه طاعة أولى ونفعلها باستمرار وكثير منا يغفل عن هذا الذكر الذي له أجر عظيم عند العزيز الغفار إذا أكلت الطعام فقل الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة تتبرأ من حولك وقوتك إلى ربك جل وعلا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا تحول لنا من حال إلى حال ولا قوة لنا على شيء من الأشياء في حال من الأحوال إلا بتقدير ذي العزة والجلال، وهكذا إذا لبست ثوبا فقل: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، والحديث إخوتي الكرام إسناده صحيح والزيادة ثابتة بإسناد حسن.
стр. 4122
والطاعة الثانية صلاة التسبيح أيضا تغفر للإنسان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد ثبت الحديث بذلك في السنن الأربعة إلا سنن النسائي والحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك، وابن خزيمة في صحيحه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، وفي شعب الإيمان، كما رواه الإمام الداراقطني وألف فيه جزءاً كما سيأتينا خبر ذلك -إن شاء الله- والحديث رواه الإمام البغوي في شرح السنة، وابن أبي شيبة في مصنفه -رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين- والحديث إسناده صحيح صحيح ثابت ثبوت الشمس في رابعة النهار، عن سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لسيدنا عمه العباس -على نبينا وآل بيته أصحابه الأخيار صلوات الله وسلامه- قال له: يا عم يا عماه؟ ألا أفعل بك؟ ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أثيبك؟ ألا أحبوك؟ ألا أجيزك؟ ألا أخبرك بأمر من الأمور؟ وفيه عطية وهبة ومنحة وجائزة وفضل عظيم؛ إذا أنت قمت بهذا الأمر أعطاك الله هذه الفضيلة وهي يغفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، سره وعلنه، خطأه وعمده، يغفر الله لك هذه الذنوب إذا قمت أنت بهذا الأمر الذي سأخبرك به، ثم علمه نبينا -عليه الصلاة السلام- صلاة التسبيح وهي باختصار أربع ركعات؛ إن شئت أن تصلي ركعتين وتسلم، وإن شئت أن تصلي الركعات ببعضها وتقول في كل ركعة خمساً وسبعين تسبيحة بهذا اللفظ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؛ وتوزع هذه التسبيحات على أفعال الصلاة، فإذا كبرت تكبيرة الإحرام وقلت دعاء الاستفتاح فقل، بعده: خمس عشرة مرة قبل أن تقرأ الفاتحة (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ، ثم اقرأ سورة الفاتحة وسورة بعدها، وقبل أن تركع قل عشر مرات: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فهذه خمس وعشرون تسبيحة، فإذا ركعت وانتهيت من تسبيحات الركوع، زد عليها عشر مرات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا
стр. 4123
الله والله أكبر) فإذا نهضت إلى القيام فقل: (سمع الله لمن حمده) وانتهيت من أذكار الرفع من الركوع، ضم إليها عشر تسبيحات هذه: خمس وأربعون فإذا سجدت السجدة الأولى وانتهيت من تسبيح السجود فقل: عشر تسبيحات، ثم قل: الله أكبر واجلس بين السجدتين، فإذا انتهيت من الدعاء الوارد بين السجدتين ضم إليه عشر تسبيحات، هذه خمس وستون ثم اسجد السجدة الثانية وقل: بعد تسبيحات السجود: عشر تسبيحات هذه خمس وسبعون. افعل هذا في ركعاتك الأربع يكون مجموع التسبيحات ثلاث مائة تسبيحة، وهذه إحدى الكيفيتين المنقولة عن سيد الكونين ﵊.
وهناك كيفية ثانية لا تختلف عن هذه إلا بأمر يسير ألا وهو أنك تقول خمس عشرة مرة بعد الانتهاء من الفاتحة والسورة قبل الركوع، وتقول بعد السجدة الثانية وقبل القيام للركعة الثانية عشر تسبيحات، ثم قم وقد أورد الإمام المنذري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا الكيفيتين في كتاب النوافل في باب الترغيب في صلاة التسبيح من كتابه الترغيب والترهيب من فعل هذه الصلاة غفر الله ذنبه كله أوله وآخره، عمده وخطأه، سره وعلنه، قديمه وحديثه، صغيره وكبيره.
والحديث صححه الإمام الحاكم في المستدرك، والذهبي والمنذري في الترغيب، ونقل تصحيحه عن شيوخه وعن جم غفير من المحدثين، وإن عراق في تنزيه الشريعة، وتتابع أئمتنا على تصحيحه، بل ألفو فيه أجزاء مستقلة، ومن الذين ألفو فيها:
الإمام الدارقطني ـ وتوفي سنة ٣٨٥هـ ـ
وبعده الخطيب البغدادي ألف كتابًا في طرقه ـ وقد توفي سنة ٤٦٣هـ ـ
وبعده السمعاني ألف كتابًا فيها ـ وتوفي ٥٦٢هـ ـ
وبعده الإمام أبو موسى المدني ـ ألف كتابًا في تصحيح صلاة التسابيح ـ توفي سنة ٨١هـ
وبعد هؤلاء حافظ بلاد الشام ابن ناصر الدمشقي ـ توفي سنة ٨٤٢هـ ـ
وبعده الإمام ابن حجر العسقلاني ـ وتوفي سنة ٨٥٢هـ ـ
وبعده السيوطي ـ وتوفي سنة ٩١١هـ ـ
هؤلاء أئمة حفاظ كرام يؤلفون كتبًا مستقلة في هذا الحديث.
стр. 4124
وقد قرر أئمتنا الكرام أنه مع صحة الحديث فقد عكف على فعلها علماء الإسلام، وكانوا يوصون أتباعهم والمسلمين بها على الدوام.
يقول الإمام الحاكم في المستدرك: ويكفي في تصحيح حديث صلاة التسبيح فعل أئمة أتباع التابعين لها ومنهم شيخ الإسلام الإمام عبد الله بن المبارك إمام الدنيا في زمانه، وأمير العلماء في وقته الحافظ الجهبذ الغازي المحدث حديثه في الكتب الستة محتج به في جميع دواوين السنة، وقد توفي سنة ١٨١هـ عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا قال: ولم يزل عمل المسلمين على ذلك من زمنهم إلى زماننا، والحاكم توفي سنة ٤٠٥هـ وهكذا قال الإمام الترمذي قبله في السنن، وقد توفي الترمذي سنة ١٧٩هـ يقول: وقد رأى شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك وغيره من العلماء صلاة التسبيح، واستحبوها وفعلوها، وأوصوا أتباعهم بها هذا في سنن الترمذي، وهكذا يقول الإمام البيهقي في السنن الكبرى وقد توفي سنة ٤٥٨هـ، وبعده الإمام البغوي في شرح السنة وقد توفي سنة ٥١٠هـ، هؤلاء كلهم ينقلون فعل العلماء الكرام لها وفي مقدمتهم هذا الإمام المبارك شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا-، فالحديث صحيح وعمل به علماء الشريعة المطهرة وأوصوا أتباعهم به. وهذا الحديث المروي من طريق عبد الله بن عباس ﵄ قال الحاكم في المستدرك في المكان المشار إليه آنفا، وقد صح من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ كما أوصى بصلاة التسبيح عمه العباس أوصى ابن عمه جعفر ابن أبي طالب ﵃ أجمعين- وهذا ثابت كما قلت في المستدرك وإنما ذكرت صلاة التسبيح في آخر موعظة من شهر رمضان لأمرين اثنين:
стр. 4125
الأمر الأول: الذي أدركت عليه الصالحين منذ أن نشأت قبل البلوغ أنهم يصلون صلاة التسبيح في أواخر شهر رمضان لا لأنه ورد أثر في ذلك على الخصوص بأنها تصلى في أواخر شهر رمضان لا ثم لا إنما أواخر شهر رمضان أعني العشر الأخير منه لها شأن عظيم عند الرحمن ولذلك أئمتنا كانوا يفعلون هذا في أواخر شهر رمضان فيضمون إلى خيرات هذا الشهر، هذه الطاعة العظيمة المباركة وهذا مما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان وينبغي أن يفعل الإنسان صلاة التسبيح إن استطاع في كل يوم مرة، فإن لم يستطع ففي كل أسبوع مرة، فإن لم يستطع ففي الشهر مرة، فإن لم يستطع ففي السنة مرة، فإن لم يستطع ففي العمر مرة، فإن لم يفعلها مغبون مغبون خاسر عند لقاء الحي القيوم.
قال الإمام ابن عابدين في حاشيته الشهيرة -رد المحتار على الدر المختار في ٢/٢٧-: فيها ثواب لا يتناهى، ومن ثم قال بعض المحققين: لا يسمع بعظيم فضلها ثم يتركها إلا متهاون بالدين، وكثير من الناس في هذه الأيام ليس عنده خبر عنها، بل من سمع بها يكثر اللغط حولها٠ -إخوتي الكرام - أردت أن أذكر نفسي وإياكم بها لنفعلها في هذا الشهر الكريم وما بقي منه إلا أيام.
والأمر الثاني: أنني كنت ذكرت هذه الصلاة وفضلها في موعظة كاملة، ومن أحب أن يسمع الشريط في شأنها فلعله يزداد خيرا في التعلق بها، كنت تكلمت عليها وسمعت كثيرا من كلام الناس لاسيما في إذاعة نور على الدرب، ممن يفتون فيتجرؤون ويقولون إنها بدعة وما عندهم في ذلك إلا التقليد المحض.
стр. 4126
نعم ذهب شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- إلى عدم صحة حديث صلاة التسابيح، وقرر هذا في كتاب السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ٧/٤٣٤ وكلامه مذكور أيضا في مجموع الفتاوى في ١١/٥٧٩، لكن كلامه مردود عليه مع حبنا له، وتقربنا إلى الله جل وعلا بمحبته، لكن الحق أحق أن يتبع، وهو مجتهد فيما قال، معذور ومأجور، لكن الحديث صححه من قبله ممن هو أعلى منه، ومن بعده ممن هو في درجته، أو أعلى منه، ولا يعقل بحال أن نترك كلام جمهور أئمتنا الأبرار لقول عالم من العلماء، فعنده عذره ويغفر الله لنا وله، وكنت ذكرت هذا -إخوتي الكرام- في الشريط وبينت العذر الحامل له على هذا، وبينت أنه لا يصلح أن يعل به حديث صلاة التسابيح، وأن يرد من أجل تلك العلة التي توهمها هذا الإمام، وتبعه على ذلك الإمام الشوكاني فرأى أن حديث صلاة التسبيح لا يصح في السيل الجرار وهكذا في تحفة الذاكرين، وهكذا في الفوائد المجموعة للأحاديث الموضوعة، وهو في ذلك تابع للإمام ابن تيمية، وهؤلاء الذين يفتون في نور على الدرب يتبعون هذا، أو كليهما من غير بينة وحجة.
وقد قابل بعض الإخوة الكرام ممن هو معنا في هذه الموعظة بعض الشيوخ الذين يفتون في نور على الدرب، ويقولون إن الحديث لم يصح قال له إن الحديث صحيح، وفلان قد تكلم فيها بمقدار ساعتين، وكلامه موجود في شريط، قال ما عندي علم بما تقول إلا أنني أعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول إن حديثها ليس بصحيح، هذا علمه من السنة، لكن المسكين ما اطلع على حديثها في سنن الترمذي، ولا في سنن ابن ماجه، ولا في سنن أبي داود، وهي من دواوين السنة، ومن أصول الحديث، ومن باب أولى ما اطلع بعد ذلك على المستدرك وعلى غيره، ومن باب أولى ما اطلع على الكتب المفردة في شأنها، والحديث فيها لا ينزل عن درجة الصحة بحال.
стр. 4127
لذلك ـ إخوتي الكرام ـ أردت أن أنبه على هذا الأمر خشية أن يكون بعضكم قد سمع أحيانا إذاعة نور على الدرب فظن أن صلاة التسابيح بدعة، وهي سنة ثابتة عن نبينا -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه-.
هذان أمران إذا فعلهما الإنسان يغفر الله له بهما ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بعد هذا ندخل في فضائل هذا الشهر الكريم وما فيه من خيرات عظيمة تكفر عنا ما تقدم وما تأخر من ذنبنا.
إخوتي الكرام: الصيام طاعة مكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، وقد ثبت في المسند، والصحيحين، والسنن الأربعة، والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى، وهو في غير ذلك من دواوين السنة، ولفظ الحديث من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه] .
زاد الإمام أحمد في المسند في روايته وما تأخر، قال شيخ الإسلام الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في ٢/٩٠ وإسناد الزيادة حسن، وقال الإمام ابن حجر -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- في فتح الباري في ٤/١١٥ وهذه الزيادة على شرط الصحيح، هذه الطاعة الأولى في شهر الصيام تكفر عنك جميع الذنوب والآثام، ما تقدم وما سيأتي في مستقبل الزمان، والطاعة الثانية التي في شهر الصيام هي: القيام.
ثبت في مسند الإمام أحمد، والصحيحين، والسنن الأربعة، والحديث في موطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي، وهو في السنن الكبرى للإمام البيهقي، والحديث في أعلى درجات الصحة من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه] .
стр. 4128
زاد الإمام النسائي في روايته، والإمام المروزي في روايته في كتاب قيام الليل، وهشام بن عمار في كتابه الفوائد [وما تأخر] ، وهذه الزيادة زيادة صحيحة، ثابتة كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر في كتاب الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، ورقم هذه الطاعة في كتابه (السابعة) وقرر هذا في فتح الباري، هذه طاعة ثانية تكفر الذنوب المتقدمة والمتأخرة، والثالثة ليلة القدر.
ثبت في مسند الإمام أحمد، والصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي والحديث في السنن الكبرى للإمام البيهقي، ولفظ الحديث من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه] .
قال الحافظ ابن حجر وفي مسند الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه- من طريقين اثنين كل منهما حسن: [غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] .
هذه ثلاث روايات عن أبي هريرة ﵁ فيها، أن من قام بهذه الطاعات الثلاث الصيام، والقيام، وقيام ليلة القدر، من قام بها غفر له بكل واحدة ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وأما بخصوص الصيام فالروية في تاريخ بغداد لفظاً وما تأخر.
إخوتي الكرام: الإنسان إذا فعل هذه الطاعات الحسان في شهر رمضان ينال هذه الجائزة عند ذي الجلال والإكرام، ويصبح كأهل بدر الكرام فهذه الفضيلة ثبتت لأهل بدر ﵃ وأرضاهم- والله غفر لهم ما تقدم وما تأخر من ذنوبهم، والحديث ثابت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود، والترمذي من رواية سيدنا علي ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] .
стр. 4129
والحديث ثابت في المسند، وسنن أبي داود، ومستدرك الحاكم من رواية أبي هريرة ﵁، وثابت في المسند، ومعجم الطبراني الكبير والأوسط من رواية سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وثابت من رواية أمير المؤمنين عمر وابنه عبد الله بن عمر ومن رواية جابر بن عبد الله ومن رواية حاطب بن أبي بلتعة فهو مروي من طريق سبعة من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين- باللفظ المتقدم.
إخوتي الكرام: وهذه المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، تُحمل على معنيين اثنين كما قرر ذلك حذامي المحدثين وأمير المؤمنين الحافظ ابن حجر -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا-.
المعنى الأول: من عمل طاعة من هذه الطاعات الثلاث وغيرها التي يغفر للإنسان بها ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما تقدم معنا في أول الموعظة، من عمل شيئا منها وقبلت طاعته عند الله، سيحفظ بعد تلك الطاعة من المعاصي والمخالفات والموبقات وله صك عند رب الأرض والسموات بأنه سيوافي ربه بالإيمان، ولن يحصل منه ارتداد وكفران، فإن قيل هل يلزم من هذا أن يكون معصوماً من الذنوب والأوزار؟ لا ثم لا وهذا يتضح في الجواب الثاني فإن جرى منك زلل حسبما لا تنفك عنه طبيعة البشر فذلك يقع مغفورا بفضل الله إنما إذا قبلت الطاعة من هذه الطاعات التي بلغت ـ كما قلت ـ اثنتين وعشرين طاعة من فعل واحدة منها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إذا قمت بها وقبلت عند الله جل وعلا لوجود الشروط المعتبرة فيها فقد صار لك عند الله عهد وثيق وصك محكم بأنك ستوافي ربك بالإيمان ولن يحصل منك ارتداد وكفران كما هو الحال في أهل بدر الكرام بقي الأمر الثاني إن وقع منك زلل حسبما لا تنفك عنه طبيعة البشر يقع ذلك مكفرا مغفورا بفضل الله ولذلك معنى قول نبينا ﵊ لأهل بدر ﵃ وأرضاهم وجزاهم الله عن الإسلام وعنا خير الجزاء وملأ قبورهم نورا وقلوبهم بهجة وسرورا-.
стр. 4130
فإن قال قائل إذا فعلنا شيئا من تلك الطاعات فهل معنى ذلك أننا صرنا كأهل بدر ومن عدادهم؟ لا ثم لا، فإن قال لم يا عبد الله؟ أقول هذه الجائزة التي وعد بها أهل بدر مقطوع بها لكل فرد منهم وأما نحن فما الذي يدرينا أن الطاعة قبلت منا وما ضربت بها وجوهنا فنحن نأمل ونرجوا من ربنا أن يلحقنا بساداتنا أهل بدر الكرام وأن يقبل طاعاتنا مع ما فيها من نقصان فهو الرحيم الرحمن لكن لا يمكن لواحد منا أن يقطع لنفسه بذلك نؤمل فضل الله ونرجو عفوه وأن يقبل منا ما وعدنا عليه أنه يكفر ما تقدم من ذنبنا وما تأخر.
وهذا المعنى –إخواتي الكرام- الذي ذكرته هو الذي قرره أئمتنا هو المعنى الحق المراد من حديث فضل أهل بدر ومن الطاعات التي ذكرتها وأن من قام بها غفرت له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر هذا المعنى الذي يدور على أمرين اثنين هو المراد ولما خفي هذا عن كثير من العلماء واستشكلوا ظاهر الحديث قالوا أقوالا مردودة منهم: الحافظ الإمام ابن الجوزي كما نقل عنه ذلك الإمام ابن القيم في كتابه الفوائد من صفحة ١٤ إلى ١٧ يقول الإمام ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر صفحة ٣٣٠ [اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] .
стр. 4131
يقول غفرت لكم أي ما تقدم وليس في ذلك دلالة على مغفرة الذنوب المتأخرة وليس في قوله اعملوا ما شئتم أن هذا سيعمل في المستقبل لأن هذا يكون من باب الإطلاق في الذنوب وأنه يعمل ما شاء من العيوب وعليه مهما عملتم من عمل سابق فقد غفرته لكم بعد موقعة بدر قال ولو كان المراد اعملوا في المستقبل ما ستعملون لقال فسأغفر لكم وهذا الكلام مع جلالة من قال به وإمامته وهو شيخ الإسلام لكن الكلام مردود مردود أما قوله غفرت للماضي فنقول اعملوا للمستقبل وهو لم يقل ما عملتم غفرته لكم إنما قال اعملوا فإن قال غفرت للماضي نقول يا عبد الله هذا من باب تحقيق هذه البشارة لهم والله جل وعلا يخبر عن المستقبل بلفظ المضي للإشارة إلى تحقق حصوله كما يستعمل هذا بكثرة في كتابه ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ أتى ثم قال فلا تستعجلوه إذن سيأتي فلا داعي لاستعجاله لكن مجيئه لما كان حتما وجزماً ولا خلف لوعد الله فأخبر الله عن المستقبل بلفظ المضي ولهذا نظائر كثيرة وعليه فقد غفرت لكم لم يقل فسأغفر لكم للإشارة إلى تحقق المغفرة وثبوتها وأنها متيقنة مقطوع بها ثم بعد ذلك نقول للإمام ابن الجوزي -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- أنت غفلت عن سبب ورود الحديث إن الحديث ورد بعد موقعة بدر بست سنين وقع في العام الثامن هذا الحديث وهذه البشارة ولم يبشر بها أهل بدر بعد موقعة بدر فموقعة بدر وقعت في العام الثاني للهجرة وهذه البشارة قالها نبينا ﵊ في العام الثامن عند فتح مكة وسبب ورود الحديث أن سيدنا الصحابي المبارك حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما كاتب أهل مكة يخبرهم أن النبي ﵊ يتجهز لفتح مكة وأراد أن يصنع يداً عندهم ليأمن على أسرته وعلى ماله وعلى أهله وما نافق في إيمانه وما تردد يقينه في صدره وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فلما أعلم الله نبيه ﵊-
стр. 4132
بما حصل من حاطب واستحضر الكتاب الذي أرسله مع امرأة وقد وضعته في ضفائر شعرها قال له نبينا ﵊ ما حملك على ما صنعت فقال له: كل واحد من أصحابك له أهل وعشيرة هناك، وأما أنا فكنت ملصقا فيهم وليس لي من يحمي أهلي فأردت أن أتخذ يداً عندهم لئلا يؤذوا أهلي فقال النبي ﵊ صدقت فقال سيدنا عمر الفاروق ﵁: دعني أضرب عنقه يا رسول الله فقد نافق فقال يا عمر وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم - فالنبي ﵊ يبرر فعل حاطب، وأنه مغفور له، وأن هذه الزلة لا تضره لأنه شهد بدرا.
والأحاديث في أهل بدر كثيرة، وفيرة، فما قاله شيخ الإسلام الإمام ابن الجوزي مردود بعيد وأبعد منه ما قاله الإمام الرازي في تفسيره في ٢٤/١٩٢ قال معنى الحديث اعملوا ما شئتم من النوافل والفضائل والمستحبات فقد غفرت لكم، وكما قلت غفلة عن سبب ورود الحديث إنما المراد اعملوا ما شئتم، أي مهما جرى منكم من زلات وهفوات لا تنفك عنها طبيعة المخلوقات، فذلك مغفور بفضل رب الأرض والسموات، وهكذا الصيام والقيام وقيام ليلة القدر إذا وقع شيء من ذلك عند الله مقبولا غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر تحفظ من الذنوب وتلقى بالإيمان علام الغيوب، وإذا وقع منك شيء من الهفوات والزلات فيقع ذلك مكفراً بفضل رب الأرض والسموات.
إخوتي الكرام: لكنَّ هذه الفضيلة كما قلت لا ينالها إلا من قبل صيامه وقيامه وقيامه لليلة القدر وأما إذا رد الصيام على الصائم وضرب به وجهه فهو لأن يعاقب أولى من أن يثاب وكل واحد منا يعرف صيامه ويعرف قيامه ويعرف تحريه لليلة القدر والإنسان على نفسه بصيرة، ونسأل الله أن يتوب علينا.
стр. 4133
إخوتي الكرام: إن بني آدم يفرطون في جنب الحي القيوم، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وطاعاتنا التي نقوم بها فيها من الشوائب والخلل والزلل ما لو تُقُرِّب بها إلى بشر لما قبلها فكيف نتقرب بها إلى الله ولذلك نهانا نبينا ﵊ أن نقول صمنا رمضان كله، وأن نقول قمنا رمضان كله سبحانك ربنا ما أفطرنا في يوم من أيام هذا الشهر الكريم ومع ذلك تأمر نبيك ﵊ أن ينهانا عن ادعاء الصيام إياك ثم إياك أن تقول صمت رمضان كله خشية أن يقول الله لك من فوق عرشه فوق سمواته كذبت وما قبلت منك صيام يوم من الأيام.
ثبت في مسند الإمام أحمد، والحديث رواه أبو داود، والإمام الضياء المقدسي، ورواه ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، كما رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وهو في المسند، وسنن الترمذي، والنسائي وإسناد الحديث رجاله ثقات أثبات وما فيه إلا عنعنة سيدنا الإمام الحسن البصري -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- ومعنى الحديث صحيح ثابت ولفظ الحديث من رواية أبي بكرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [لا يقولَن أحدُكم صمت رمضان كله ولا يقولَن أحدُكم قمت رمضان كله] قال أبو بكرة فلا أدري أكره التزكية أم قال لابد من رقدة أو نومة يعني ما سبب النهي كره لنا أن نزكي أنفسنا وبأي شيء نزكيها نعلم هل قبلت عند ربنا أم لا أو أنه قال لابد من رقدة وغفلة ونوم فحصل شيء من التفريط والتقصير في هذا الصيام فكيف تقول صمت رمضان كله وقمت رمضان كله وبوب عليه الإمام ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الصيام فقال باب الزجر عن قول صمت رمضان كله وقمت رمضان كله.
стр. 4134
إخوتي الكرام: تلك الجائزات الحسان ينالها من صام رمضان كما يحب الرحمن ومن قام كما يريد ذو الجلال والإكرام ومن وفق لليلة القدر وتقرب بها إلى الرحمن نعم إذا صدرت منك على وجه مقبول نلت تلك الجائزة عند العزيز الغفور وإلا فنسأل الله أن يتوب علينا، وأن يعفو عن تقصيرنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، والحديث رواه الإمام النسائي في سننه، ورواه الحاكم في مستدركه، وصححه وأقره عليه الذهبي، والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى، وفي كتاب شعب الإيمان، وإسناده صحيح صحيح من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه-، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسند لا بأس به من رواية سيدنا عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين-، وقد صحح حديث ابن عمر الإمام الهيثمي والمنذري في الترغيب والترهيب -عليهم جميعا رحمة الله- ولفظ حديث أبي هريرة وابن عمر متقارب لفظ الحديثين عن نبينا ﵊ أنه قال: [رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر] سبحان ربي العظيم، صام عن الطعام والشراب وما امتنعت جوارحه، عن الآثام، حكمه عند الله كحكم الكلب الجائع فإياك ثم إياك أن تقول صمت رمضان كله وإياك ثم إياك أن تتصف بالغرور وأن يغرك الغرور وأن تقول أنا غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر والتحقت بأهل بدر الكرام لأنني صمت شهر رمضان وما تعلم ستعاقب أم تثاب على الصيام فأمِّل فضل الله وهو واسع الفضل والمغفرة وإياك من الدعوى وإياك من الاغترار وكل واحد كما قلت يعلم حاله في طاعاته والله ثم والله لو حاسبنا الله على طاعاتنا لأكبنا على وجوهنا في نار جهنم ونسأله أن يعفو عنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 4135
ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، والحديث في السنن الأربعة، ورواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] .
والحديث رواه الإمام الطبراني في الأوسط والصغير من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من لم يدع الخنا والكذب فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] .
إخوتي الكرام: ولذلك أوصى نبينا ﵊ صديقة هذه الأمة أمنا الطيبة المباركة الطاهرة المطهرة سيدتنا الفاضلة عائشة ﵂ وأرضاها- أن تسأل الله العفو والمغفرة إذا وافقت ليلة القدر، إذا عفا الله عنا وتجاوز عنا فهنيئا لنا فصيامنا فيه تقصير وقيامنا فيه تقصير وحالنا في جميع طاعاتنا لا يعلمه إلا اللطيف الخبير، ثبت في سنن الترمذي وقال حديث حسن صحيح والحديث رواه الإمام ابن ماجه، والحاكم في مستدركه عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها- أنها قالت يا رسول الله ﷺ ماذا أقول إذا وافقت ليلة القدر قال قولي الله إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا سبحان الله كأنها كانت مقصرة مفرطة. نعم هذا جميع حال العباد فإذا غفر لك زللك في صيامك وتقصيرك في قيامك فهنيئا لك، وأما الثواب فهذا محض كرم من الكريم الوهاب أما طاعاتنا التي كلفنا بها ونقوم بها لو حوسبنا على التفريط الذي فيها فنحن من أهل جهنم وبئس المصير، فإياك ثم إياك أن تبحث في الثواب إلا من باب التعويل على فضل وكرم وجود ورحمة الكريم الوهاب لكن من باب الاستحقاق لا نستحق إلا جهنم التي هي دار أهل التباب قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا يا أرحم الراحمين اللهم أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك يا واسع الفضل والمغفرة أقول هذا القول وأستغفر الله.