← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

يقول غفرت لكم أي ما تقدم وليس في ذلك دلالة على مغفرة الذنوب المتأخرة وليس في قوله اعملوا ما شئتم أن هذا سيعمل في المستقبل لأن هذا يكون من باب الإطلاق في الذنوب وأنه يعمل ما شاء من العيوب وعليه مهما عملتم من عمل سابق فقد غفرته لكم بعد موقعة بدر قال ولو كان المراد اعملوا في المستقبل ما ستعملون لقال فسأغفر لكم وهذا الكلام مع جلالة من قال به وإمامته وهو شيخ الإسلام لكن الكلام مردود مردود أما قوله غفرت للماضي فنقول اعملوا للمستقبل وهو لم يقل ما عملتم غفرته لكم إنما قال اعملوا فإن قال غفرت للماضي نقول يا عبد الله هذا من باب تحقيق هذه البشارة لهم والله جل وعلا يخبر عن المستقبل بلفظ المضي للإشارة إلى تحقق حصوله كما يستعمل هذا بكثرة في كتابه ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ أتى ثم قال فلا تستعجلوه إذن سيأتي فلا داعي لاستعجاله لكن مجيئه لما كان حتما وجزماً ولا خلف لوعد الله فأخبر الله عن المستقبل بلفظ المضي ولهذا نظائر كثيرة وعليه فقد غفرت لكم لم يقل فسأغفر لكم للإشارة إلى تحقق المغفرة وثبوتها وأنها متيقنة مقطوع بها ثم بعد ذلك نقول للإمام ابن الجوزي -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- أنت غفلت عن سبب ورود الحديث إن الحديث ورد بعد موقعة بدر بست سنين وقع في العام الثامن هذا الحديث وهذه البشارة ولم يبشر بها أهل بدر بعد موقعة بدر فموقعة بدر وقعت في العام الثاني للهجرة وهذه البشارة قالها نبينا ﵊ في العام الثامن عند فتح مكة وسبب ورود الحديث أن سيدنا الصحابي المبارك حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما كاتب أهل مكة يخبرهم أن النبي ﵊ يتجهز لفتح مكة وأراد أن يصنع يداً عندهم ليأمن على أسرته وعلى ماله وعلى أهله وما نافق في إيمانه وما تردد يقينه في صدره وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فلما أعلم الله نبيه ﵊-

стр. 4132

بما حصل من حاطب واستحضر الكتاب الذي أرسله مع امرأة وقد وضعته في ضفائر شعرها قال له نبينا ﵊ ما حملك على ما صنعت فقال له: كل واحد من أصحابك له أهل وعشيرة هناك، وأما أنا فكنت ملصقا فيهم وليس لي من يحمي أهلي فأردت أن أتخذ يداً عندهم لئلا يؤذوا أهلي فقال النبي ﵊ صدقت فقال سيدنا عمر الفاروق ﵁: دعني أضرب عنقه يا رسول الله فقد نافق فقال يا عمر وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم - فالنبي ﵊ يبرر فعل حاطب، وأنه مغفور له، وأن هذه الزلة لا تضره لأنه شهد بدرا. والأحاديث في أهل بدر كثيرة، وفيرة، فما قاله شيخ الإسلام الإمام ابن الجوزي مردود بعيد وأبعد منه ما قاله الإمام الرازي في تفسيره في ٢٤/١٩٢ قال معنى الحديث اعملوا ما شئتم من النوافل والفضائل والمستحبات فقد غفرت لكم، وكما قلت غفلة عن سبب ورود الحديث إنما المراد اعملوا ما شئتم، أي مهما جرى منكم من زلات وهفوات لا تنفك عنها طبيعة المخلوقات، فذلك مغفور بفضل رب الأرض والسموات، وهكذا الصيام والقيام وقيام ليلة القدر إذا وقع شيء من ذلك عند الله مقبولا غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر تحفظ من الذنوب وتلقى بالإيمان علام الغيوب، وإذا وقع منك شيء من الهفوات والزلات فيقع ذلك مكفراً بفضل رب الأرض والسموات. إخوتي الكرام: لكنَّ هذه الفضيلة كما قلت لا ينالها إلا من قبل صيامه وقيامه وقيامه لليلة القدر وأما إذا رد الصيام على الصائم وضرب به وجهه فهو لأن يعاقب أولى من أن يثاب وكل واحد منا يعرف صيامه ويعرف قيامه ويعرف تحريه لليلة القدر والإنسان على نفسه بصيرة، ونسأل الله أن يتوب علينا.

стр. 4133

إخوتي الكرام: إن بني آدم يفرطون في جنب الحي القيوم، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وطاعاتنا التي نقوم بها فيها من الشوائب والخلل والزلل ما لو تُقُرِّب بها إلى بشر لما قبلها فكيف نتقرب بها إلى الله ولذلك نهانا نبينا ﵊ أن نقول صمنا رمضان كله، وأن نقول قمنا رمضان كله سبحانك ربنا ما أفطرنا في يوم من أيام هذا الشهر الكريم ومع ذلك تأمر نبيك ﵊ أن ينهانا عن ادعاء الصيام إياك ثم إياك أن تقول صمت رمضان كله خشية أن يقول الله لك من فوق عرشه فوق سمواته كذبت وما قبلت منك صيام يوم من الأيام. ثبت في مسند الإمام أحمد، والحديث رواه أبو داود، والإمام الضياء المقدسي، ورواه ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، كما رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وهو في المسند، وسنن الترمذي، والنسائي وإسناد الحديث رجاله ثقات أثبات وما فيه إلا عنعنة سيدنا الإمام الحسن البصري -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- ومعنى الحديث صحيح ثابت ولفظ الحديث من رواية أبي بكرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [لا يقولَن أحدُكم صمت رمضان كله ولا يقولَن أحدُكم قمت رمضان كله] قال أبو بكرة فلا أدري أكره التزكية أم قال لابد من رقدة أو نومة يعني ما سبب النهي كره لنا أن نزكي أنفسنا وبأي شيء نزكيها نعلم هل قبلت عند ربنا أم لا أو أنه قال لابد من رقدة وغفلة ونوم فحصل شيء من التفريط والتقصير في هذا الصيام فكيف تقول صمت رمضان كله وقمت رمضان كله وبوب عليه الإمام ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الصيام فقال باب الزجر عن قول صمت رمضان كله وقمت رمضان كله.

стр. 4134

إخوتي الكرام: تلك الجائزات الحسان ينالها من صام رمضان كما يحب الرحمن ومن قام كما يريد ذو الجلال والإكرام ومن وفق لليلة القدر وتقرب بها إلى الرحمن نعم إذا صدرت منك على وجه مقبول نلت تلك الجائزة عند العزيز الغفور وإلا فنسأل الله أن يتوب علينا، وأن يعفو عن تقصيرنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، والحديث رواه الإمام النسائي في سننه، ورواه الحاكم في مستدركه، وصححه وأقره عليه الذهبي، والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى، وفي كتاب شعب الإيمان، وإسناده صحيح صحيح من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه-، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسند لا بأس به من رواية سيدنا عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين-، وقد صحح حديث ابن عمر الإمام الهيثمي والمنذري في الترغيب والترهيب -عليهم جميعا رحمة الله- ولفظ حديث أبي هريرة وابن عمر متقارب لفظ الحديثين عن نبينا ﵊ أنه قال: [رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر] سبحان ربي العظيم، صام عن الطعام والشراب وما امتنعت جوارحه، عن الآثام، حكمه عند الله كحكم الكلب الجائع فإياك ثم إياك أن تقول صمت رمضان كله وإياك ثم إياك أن تتصف بالغرور وأن يغرك الغرور وأن تقول أنا غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر والتحقت بأهل بدر الكرام لأنني صمت شهر رمضان وما تعلم ستعاقب أم تثاب على الصيام فأمِّل فضل الله وهو واسع الفضل والمغفرة وإياك من الدعوى وإياك من الاغترار وكل واحد كما قلت يعلم حاله في طاعاته والله ثم والله لو حاسبنا الله على طاعاتنا لأكبنا على وجوهنا في نار جهنم ونسأله أن يعفو عنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 4135

ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، والحديث في السنن الأربعة، ورواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] . والحديث رواه الإمام الطبراني في الأوسط والصغير من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال: [من لم يدع الخنا والكذب فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] . إخوتي الكرام: ولذلك أوصى نبينا ﵊ صديقة هذه الأمة أمنا الطيبة المباركة الطاهرة المطهرة سيدتنا الفاضلة عائشة ﵂ وأرضاها- أن تسأل الله العفو والمغفرة إذا وافقت ليلة القدر، إذا عفا الله عنا وتجاوز عنا فهنيئا لنا فصيامنا فيه تقصير وقيامنا فيه تقصير وحالنا في جميع طاعاتنا لا يعلمه إلا اللطيف الخبير، ثبت في سنن الترمذي وقال حديث حسن صحيح والحديث رواه الإمام ابن ماجه، والحاكم في مستدركه عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها- أنها قالت يا رسول الله ﷺ ماذا أقول إذا وافقت ليلة القدر قال قولي الله إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا سبحان الله كأنها كانت مقصرة مفرطة. نعم هذا جميع حال العباد فإذا غفر لك زللك في صيامك وتقصيرك في قيامك فهنيئا لك، وأما الثواب فهذا محض كرم من الكريم الوهاب أما طاعاتنا التي كلفنا بها ونقوم بها لو حوسبنا على التفريط الذي فيها فنحن من أهل جهنم وبئس المصير، فإياك ثم إياك أن تبحث في الثواب إلا من باب التعويل على فضل وكرم وجود ورحمة الكريم الوهاب لكن من باب الاستحقاق لا نستحق إلا جهنم التي هي دار أهل التباب قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا يا أرحم الراحمين اللهم أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك يا واسع الفضل والمغفرة أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 4136

الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمَّن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوتي الكرام: كان سلفنا الكرام -رضوان الله عليهم- يجعلون سَنَتَهم كُلَّهَا حول شهر رمضان قبل دخول شهر رمضان بستة أشهر يلجؤن إلى الله ويضجون إليه أن يبلغهم شهر الصيام ليصوموه فإذا دخل عليهم هذا الشهر من بدايته إلى ستة أشهر أخرى يضجون إلى الله ويجأرون أن يقبل صيامهم وأن يجعلهم من المقبولين الفائزين بخيرات هذا الشهر الكريم وهذا ينقله عن سلفنا الكرام شيخ الإسلام الإمام ابن رجب الحنبلي الذي توفي سنة ٧٩٥ هـ في كتابه لطائف المعارف وما يتعلق بوظيفة شهر رمضان مطبوع على انفراده في صفحة ٩٢ قبل دخول شهر رمضان بستة أشهر يسألون الله أن يبلغهم شهر رمضان، وإذا دخل عليهم هذا الشهر الكريم ضجوا إلى ربهم من بدايته إلى ستة أشهر أخرى يسألون الله أن يكونوا في شهر رمضان من المقبولين ولا غرو في ذلك فهو سيد الشهور وأفضلها عند العزيز الغفور. عبد الله إذا لم تقبل في شهر رمضان عبد الله إذا لم يغفر لك في شهر رمضان فليت شعري متى سنقبل ومتى سيغفر لنا.

стр. 4137

ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح من رواية كعب بن عجرة، والحديث رواه الإمام ابن حبان في صحيحه من رواية مالك بن الحويرث، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية ابن عباس والبزار من رواية عبد الله بن الحارث، وهو في سنن الترمذي، وصحيح ابن خزيمة، والسنن الكبرى للإمام البيهقي، من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه- أن نبينا ﷺ رقى المنبر فقال: عند الدرجة الأولى آمين ثم رقى الدرجة الثانية فقال: عندها آمين ثم رقى الدرجة الثالثة فقال: عندها آمين فسئل من قبل الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- رأيناك تقول شيئا لم تكن تقوله قبل ذلك يا رسول الله – ﷺ فقال: [أتاني جبريل عند الدرجة الأولى فقال: يا محمد من دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له فأبعده الله وفي رواية فأبعده الله وأسحقه وفي رواية رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له قل آمين فقلت آمين وفي الدرجة الثانية يقول جبريل لنبينا ﵊: [من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يغفر له ولم يدخلاه الجنة فأبعده الله فأبعده الله وأسحقه رغم أنفه فقل آمين فقلت آمين وعند الدرجة الثالثة من ذكرت عنده فلم يصلي عليك فأبعده الله فأبعده الله وأسحقه فرغم أنفه قل آمين فقلت آمين] . إخوتي الكرام: إذا لم يغفر لنا في شهر رمضان فمتى سننال الغفران عند ربنا الرحمن. إخوتي الكرام: الشهر قارب على الانصراف وكم من قريب لنا وعزيز علينا أدرك معنا شهر رمضان في العام الماضي ولم يهيأ له أن يدرك شهر رمضان في هذا العام وما ندري هل سندرك هذا الشهر في السنة الآتية أم لا.

стр. 4138

إخوتي الكرام: اغتنموا ما بقي من أيام شهر رمضان واعلموا أننا عما قريب سنلقى في حفرة لا أنيس لنا فيها إلا عملنا الصالح رحمة الله على العبد الصالح داود بن نصير الطائي أبي سليمان الذي توفي سنة ١٦٢هـ وهو من رجال سنن الإمام النسائي وكان سيدنا سفيان الثوري -عليهم جميعا رحمة ال-له يعظمه ويقول أبصر أمره وكان شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك يقول وهل الأمر إلا ما عليه داود يقول اًلإمام الذهبي في ترجمته لم يخلف مثله في الكوفة سبب استقامته استقامة تامة كاملة رحمة الله ورضوانه عليه- أنه مر بامرأة تزور قبر حبيب لها وتقول: مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتُنْسَى كما تَبْلى وأنت حبيب نعم يشتد حزن الأهل والأصحاب على الميت عندما يوسد التراب ويقل حزنهم كلما امتدت الأيام حتى يذهب الحزن كما أن البِلى يسري في بدن الميت على بطئ هكذا نسيان هذا الميت يكون على بطئ إخوتي الكرام: اغتنموا ما بقي من أيام شهر رمضان. اللهم ارحمنا إذا فارقنا الأصحاب اللهم ارحمنا إذا نسينا الأحباب اللهم ارحمنا إذا افترشنا التراب اللهم اجعل قبورنا نورا اللهم املأ قلوبنا بهجة وسرورا اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا اللهم إنا نتوب إليك وهذه نواصينا بين يديك فإن قبلتنا فبفضل منك علينا وإن طردتنا فلا حول ولا قوة إلا بك اللهم إن أطعناك فبفضلك والمنة لك، وإن عصيناك فبعلمك وعدلك والحجة لك، اللهم إنا نسألك بحق قيام حجتك علينا وانقطاع حجتنا أن تغفر لنا يا أرحم الراحمين.

стр. 4139

اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، كثيراً اللهم لنا آباء وأمهات منهم الأحياء والأموات اللهم من كان حياً من آبائنا وأمهاتنا فألهمه رشده وسدده وتب عليه واختم له بخاتمة الخير يا رب العالمين، ومن كان ميتاً من آبائنا وأمهاتنا فنسألك أن ترحمه وأن تتجاوز عنه وأن تجعل قبره روضة من رياض الجنة يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين هذا شهر الجود والكرم، نتوسل بك إليك أن تغفر لآبائنا وأمهاتنا الحيين والميتين، وأن تجزيهم عنا خير الجزاء يا رب العالمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا. اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة وأوسطه لنا مغفرة وآخره عتقاً لنا من النار، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان اللهم، أدخلنا الجنة من باب الريان بسلام بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك، يا واسع الفضل والمغفرة، سبحانك سبحانك لا نحصي ثناءا عليك تتحبب إلينا بالنعم وأنت الغني عنا، ونتبغض إليك بالمعاصي ونحن الفقراء إليك، إلهي وعزتك وعظمتك وجلالك ما عصيناك استخفافا بحقك، إنما لضعفنا وغلبة نفوسنا علينا، فارحم ضعفنا، وتب علينا يا رب العالمين، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 4140

اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء، نسألك في هذا الشهر الكريم أن تؤلف بين المؤمنين، وأن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، إلهي أمة نبيك ﵊ لا يخفى حالها عليك، اللهم فرج عن أمة نبينا محمد ﵊. اللهم انصر أمة نبينا محمد ﵊، اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﵊، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١) والحمد لله رب العالمين..

стр. 4141

حكم قراءة القرآن على القبور (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حكم قرآة القرآن على القبور الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما، وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة، وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) . وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غُلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .

стр. 4142

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) . أما بعد: معشر الأخوة الكرام.. تقدم معنا أن من صفات عباد الرحمن الذين يعمرون بيوت ذي الجلال والإكرام، من صفاتهم الخوف من ربهم وهذه الصفة اتصفوا بها بعد أن أحسنوا حالهم ومعاملتهم مع الله -جل وعلا- ومع عباده: فهم الذين لم تلههم البيوع والتجارات، وهم الذين عظموا رب الأرض والسموات وهم الذين أحسنوا إلى المخلوقات ومع ذلك يخشون رب الأرض والسموات حقيقة هؤلاء هم الرجال هم الرجال ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (٢) . إخوتي الكرام: وكنا نتدارس أسباب خوف المكلفين من رب العالمين وهي على كثرتها كما تقدم معنا يمكن أن تجمع في ثلاثة أسباب. أولها: إجلال الله وتعظيمه. ثانيها: خشية التفريط والتقصير في حق الله الجليل. وقد تقدم الكلام على هذين السببين مفصلاً بأدلته في المواعظ الماضية والسبب الثالث: من أسباب خوف المكلفين من رب العالمين خوفهم من سوء الخاتمة. وتقدم معنا إخوتي الكرام أن لسوء الخاتمة سببين معتبرين: السبب الأول منهما: الخوف على الإيمان من الاستلاب والفقدان. فما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه إلا سلبه عند موته، نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 4143

والسبب الثاني: من أسباب سوء الخاتمة قلت: اغترار المكلف بالحالة الحاضرة واغتراره بما يصدر منه من طاعات ناقصة قاصرة مع الغفلة عما فيه من بليات مهلكات وتقدم معنا أن أشنع تلك البليات ثلاث بلايا ورزايا. أولها: النفاق. ثانيها: البدعة. ثالثها: الركون إلى الدنيا. وكنا نتدارس -إخوتي الكرام- ما يتعلق بالبدعة وقلت سأتكلم عليها ضمن ثلاثة أمور في تعريفها وفي النصوص المحذرة منها، وفي أقسام البدعة وسبب كون البدعة سبباً لسوء الخاتمة. إخوتي الكرام: أما الأمر الأول فقد مضى الكلام عليه وأُكمله في هذه الموعظة -إن شاء الله-، مضى الكلام عليها في الموعظة الماضية وقلت: إن حقيقة البدعة، الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان مما لم تشهد له أدلة الشريعة الحسان مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، وبينت هذا التعريف -إخوتي الكرام- في الموعظة الماضية وشرحته وقلت انقسم الناس نحو البدعة إلى ثلاثة أقسام: ? مهتدون صالحون عند حدود الله وقَّافُون، فما ينطبق عليه أنه بدعة حكموا عليه بذلك، وما لا ينطبق عليه أنه بدعة فاتقوا الله في أنفسهم وفي أمة نبيهم ﵊ وحملوا أحوال الناس على الاستقامة والسداد والحسنى، ? وفريق أهل شطط متهورون ما لا يروق لأذهانهم ولا يدخل في فهمهم حكموا عليه بأنه بدعة فوسعوا دائرة البدعة ونبذوا عباد الله الصالحين بهذا اللقب المشين ? وفريق قابلهم كما قلت فرَّطوا كما أن أولئك أفرطوا فقالوا لا بدعة في الدين ولا وجود للمبتدعين وكل ما يفعله الإنسان ويرى أنه يتقرب به إلى رب العالمين فهو خير وهدى. إخوتي الكرام: ولاشك أن الفرقة الثانية التي أفرطت والفرقة الثالثة التي فرطت كل منهما على ردى، وكنا نناقش الفرقة الأولى من هاتين الفرقتين الضالتين الفرقة التي وسَّعت مفهوم البدعة، وقلت أن هذا التوسيع له حالتان. الحالة الأولى:

стр. 4144

عندهم وهي حالة ضلال حكموا على ما شهد له الدليل، وقال به إمام جليل حكموا عليه بأنه بدعة وهذا ضلال كما تقدم معنا وَضَرَبْتُ لذلك مثالاً من الأمثلة الشرعية التي شهدت لها نصوص الشريعة الإسلامية، وقال بها بعض أئمتنا الكرام، ألا وهي هذه الكيفية، موضوع قبض الشمال باليمين ووضع اليمين على الشمال بعد الرفع من الركوع وبينت أن الدليل الشرعي يحتمل هذه الكيفية وقد قال بها بعض أئمتنا الكرام، فلا يجوز أن ندخلها في دائرة البدعة كما تقدم معنا، تقرير هذا قلت إنهم وسَّعوا البدعة أيضاً إلى ما هو أشنع من ذلك فحكموا بالبدعة على ما دل عليه دليل صحيح صريح كما تقدم معنا في صلاة التراويح فثابتة عشرون ركعة ويوتر المسلمون بثلاث كما قررت هذا بأدلته وبفعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، والخليفة الراشد عليّ ابن أبي طالب ﵃ أجمعين-، وجمهور أهل العلم جمهور أمة نبينا ﵊ على هذا العدد في صلاة التراويح، فقد شهد لذلك دليل صحيح وقال به أئمتنا الكرام ثم وجد في هذه الأيام من ينبذ هذا الفعل بأنه بدعة والفاعل مبتدع وليس بعد هذا الضلال ضلال. إخوتي الكرام: ومما يدخل في هذا الأمر أعني في توسيع مفهوم البدعة والحكم على عباد الله بالبدعة مما يدخل في هذا مسألة سنتدارسها في هذه الموعظة وهي مسألة لها ذيول ألا وهي قراءة القرآن على القبور والمسألة يتبعها عدة مسائل يتبعها حكم التلقين بعد الدفن، ويتبعها بيان الحق في سماع الأموات وعلمهم بزيارة الأحياء وشعور الميت شعوراً أدقَ من شعور الحي، فهو يعلم ويبصر ويرى ويسمع من يزوره وما يجري حوله، وأقرر هذا بالأدلة الصحيحة الصريحة من كتاب الله ومن أحاديث رسول الله ﵊، ومما أجمع عليه سلفنا الكرام، ثم وجد من ينبذ هذا بالبدعة في هذه الأيام،

стр. 4145

الأمر الرابع: الذي يتعلق بهذه المسألة، إهداء القربات إلى الأموات سواء كانت تلك القربات والطاعات بدنية أو مالية أو مركبة، منهما هذه المسائل الأربع. إخوتي الكرام: تتعلق بالمسألة الأولى وتتفرع عنها ألا وهي قراءة القرآن على القبور، وكما قررت في تعريف البدعة -إخوتي الكرام-، فاستحضروا التعريف ولا يغيبن عنكم طرفة عين في هذه الحياة، كل ما لم يشهد له دليل مستقيم وما لم يقل به إمام كريم فهو بدعة، وما شهد له الدليل الشرعي وقال به إمام تقي فخرج عن رسم البدعة وحدها، ومن رمى ذلك الفعل بالبدعة فهو المبتدع الخارج على أمة نبينا ﵊. إخوتي الكرام: لابد من ضبط هذا، وإذا أراد الإنسان أن يتكلم في هذا العصر فينبغي أن يسند كلامه إلى النصوص الشرعية وإلى علماء هذه الأمة المرضية، وأما أن يأتي ويقول: هذا الذي يظهر لي وهذه هي السنة وهذه هي السلفية فهذا قول مردود على قائله أيَّا كان. قراءة القرآن على القبور، -إخوتي الكرام- هذه المسألة استحبها علماء الإسلام ونقلت عن السلف الكرام، استحبها علماؤنا ونقلت عن سلفنا ومع هذين الأمرين ترى في هذه الأيام من يرفع لسانه على أمة نبينا محمد ﵊. فيصف قراءة القرآن على القبور بأنها بدعة، ويحكم على القارئين بأنهم مبتدعون، وهذا الأمر حقيقة مما يفطر الأكباد في هذه الأوقات، أمر نقل عن السلف الكرام من صحابة وتابعين ومن بعدهم وقرره أئمة الإسلام كما سيأتينا، يوجد في هذه الأيام أهل شطط ينبذون من فعل ذلك بأنه مبتدع مخرِّف صاحب أوهام، فمن المخرف من يخرج عن هدى السلف أو من يلتزم بهديهم؟ إذا كان هذا نقل عن السلف الصالح وقرره أئمتنا وهو مسطور مزبور في كتبنا في كتب شريعتنا فعلام بعد ذلك التشويش على الناس؟

стр. 4146

إخوتي الكرام: وإذا كان الأمر في هذه الصورة وهو كذلك، أناس يرفعون أصواتهم بأن هذا بدعة وبتبديع من يفعل ذلك، إذا كان الأمر كذلك في هذه الأيام فلابد -إخوتي الكرام- من وعي هذه المسألة على التمام وبيان العلم فيها بشكل تام، فاستمعوا -إخوتي الكرام- هذه المسألة لها أمران: الأمر الأول: لو لم يرد دليل في هذه المسألة بخصوصها يجيز قراءة القرآن على مقابر المسلمين وبين مقابر المسلمين وعلى موتى المسلمين، لو لم يرد دليل في هذه المسألة بخصوصه في الدين لما صح أن يحكم على الفعل بأنه بدعة وأنه ضلال وأنه ذميم ووجه ذلك أن قراءة القرآن يؤمر بها الإنسان في كل زمان ومكان إلا ما نهاه عنه الشرع المطهر. فنحن نهينا أن نقرأ القرآن إذا كنا مجنبين ونهينا أن نقرأ القرآن راكعين وساجدين، والحديث ثابت بذلك في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي – ﷺ قال: [ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً] ولا يجوز أن يقرأ القرآن في الحمامات عند انكشاف العورات والله طيب لا يذكر إلا في مكان طيب، وما عدا هذا ما ينبغي أن يمنع الإنسان من قراءة القرآن إلا إذا أتيت بدليل يمنعه فهوانا يتبع شرع مولانا ولا نحكم عقولنا في ديننا فما نهانا عنه ربنا ونبينا ﵊ انتهينا عنه. فأنت أيها الإنسان يا من تريد أن تمنع قراءة القرآن على موتى المسلمين ما دليلك في ذلك بأن هذا منهيٌ عنه؟ كما أننا نهينا عن قراءة القرآن في الركوع والسجود وحال كوننا مجنبين جنباً؟ فإذا أردت أن تمنع من قراءة القرآن على المقابر ينبغي أن تقيم الدليل على ذلك وأن يكون هذا الدليل ظاهراً بيناً واضحاً.

стр. 4147

إخوتي الكرام: هذا الأمر كما قلت لو لم يرد في هذه المسألة دليل بخصوصه لما صح أن نمنع ولما صح أن نصف ذلك الفعل بالبدعة ولا أن نحكم على فاعله بأنه مبتدع، فإن قال قائل: إن الذي يقرأ القرآن على الأموات يقصد بذلك أن تحصل البركة لهم، ولابد من دليل على ذلك نقول -سبحان ال-له إلى هذا الحد وصل بك الانحطاط وأي حرج في قراءة القرآن على الموتى لتحصل لهم البركة؟ أي حرج أي حرج؟ إن من مقاصد إنزال القرآن أن يتبرك به الرجال والنساء والمرضى والأصحاء والأموات والأحياء ما الحرج في ذلك أو ليس هذا القرآن بكتاب مبارك؟ ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (١) ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) . هذا الكتاب مبارك وكما أنزل ليكون لنا هداية في هذه الحياة نتبرك به ونستشفي به من أمراضنا، ونقرأه لتحصل به البركة على موتانا، وقد كان الصحابة الكرام يفعلون هذا ويتعالجون بالقرآن.

стр. 4148

والحديث الثابت في صحيح مسلم، والكتب والستة، ومسند الإمام أحمد، في الصحيحين، والسنن الأربعة، وهو من أصح الأحاديث وأعلاها رتبة، فهو في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه- في قصتهم عندما ذهبوا بعثا غزاة في سرية من السرايا فمروا بطريقهم على حي من أحياء العرب وطلبوا منهم أن يضيفوهم فأبوا ضيافتهم ولم يقروهم، ثم لدغ زعيم الحي في تلك الليلة فجهد أهل القبيلة أن يعالجوه بأنواع العلاجات فما نفع ذلك فيه فأتوا إلى الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم أجمعين- فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فإن سيد الحي قد لدغ، لدغه ثعبان ذات سمى وحمى هل فيكم راقٍ؟ قال أبوسعيد الخدري نعم: فينا راقٍ لكننا طلبنا منكم أن تضيفونا فما أضفتمونا. لا نرقي سيدكم إلا بِجُعْلٍ تجعلونه لنا، فاتفقوا على أن يعطوهم ثلاثين رأساً من الغنم، فذهب أبو سعيدٍ الخدري ـ ﵁ ـ وبدأ يقرأ سورة الفاتحة ويتفل على هذا اللديغ حتى قام كأنما نشط من عقال وليس به قََلََبه، فأخذوا جُعْلهم وأرادوا أن يقتسموه بينهم فقال أبو سعيدٍ الخدري ﵃ أجمعين-: حتى نسأل النبي ﷺ مِن ذلك، فلما سألوه قال [وما أدراك أنها رقية اقتسموا واجعلوا لي معكم سهماً] . من أجل أن يطيب قلوبهم وأن ما أخذوه حلالٌ حلال، إذاً قرئ القرآن لتحصل البركة ويعالج هذا المريض وهكذا، يقرأ القرآن لتحصل البركة على الميت وللميت وليخفف عنه العذاب أو ليرفع عنه أو ليزيد الله في النور الذي يحصل له في قبره وهو على كل شيءٍ قدير .

стр. 4149

القرآن شفاء بنص القرآن، يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ (١) ومِن في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ﴾ لبيان الجنس فالقرآن كله شفاء من سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس من القرآن وليست للتبعيض ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ﴾ أي ننزل القرآن شفاءً للناس فليستشفوا به من أمراض قلوبهم ومن أمراض أبدانهم، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ . و (من) كما قلت هنا لبيان الجنس كقول الله -جل وعلا- في سورة الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢) (مِن) لبيان الجنس وليست تبعيضية وجميع الأوثان رجس ونجس لا خير فيها ولا طهارة ولا بركة ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ أي اجتنبوا الرجس التي هي الأوثان القذرة النجسة، وهكذا قول الله -جل وعلا- في آخر سورة الفتح ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٣) من لبيان الجنس لا للتبعيض، لا أن بعض المؤمنين الصالحين الذين يطيعون رب العالمين وعدوا بذلك والباقي ليس كذلك، لا ثم لا، من لبيان الجنس ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ وهكذا قول الله -جل وعلا-: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ (٤) .

стр. 4150

فإذا قرئ القرآن على الأموات لتحصل لهم البركة بعد موتهم كان ماذا؟ حققنا مقصود القرآن، ومِن مقاصد إنزاله أن يتبرك به كما قلت الرجال والنساء الأموات والأحياء، المرضى والأصحاء، نتبرك بتلاوته في جميع الأحوال. هذا الأمر الأول -إخوتي الكرام- ما ينبغي أن يغيب عن أذهاننا لو لم يرد في هذه المسألة دليل بخصوصه في شريعة ربنا، وأنه يجوز قراءة القرآن على الموتى لما صح أن نمْنَع إلا بدليل من كتاب ربنا وسنة نبينا ﵊.

стр. 4151

والأمر الثاني: وهو الذي يوضح لنا حقيقة الأمر الأول نُقِلَت كما قلت هذه المسألة أعني جواز قراءة القرآن على الأموات، نقل هذا عن الصحابة الأبرار من مهاجرين وأنصار وتبعهم على ذلك أئمتنا الكرام الأخيار، فأي دليل تريده بعد ذلك يا عبد الله؟، فعل هذا المهاجرون، فعله الأنصار، قرره أئمتنا الأبرار، ماذا تريد دليلاً بعد ذلك على هذا؟ فإن قيل: من الذي فعله من المهاجرين؟ فاستمع أخي الكريم، ثبت في سنن البيهقي في كتاب الجنائز وبوب عليه الإمام البيهقي (باب قراءة القرآن عند القبر) والأثر في الجزء الرابع من سنن البيقهي صفحة ٥٦ ورواه أيضاً الإمام الخلال في جامعه وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو آخر شيء في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو كتاب في حدود مائتي صفحة، هذا في صفحة تسعين ومائة وهو آخر الأبواب (باب قراءة القرآن عند القبور) والإمام الخلال هو الذي قرر مذهب الإمام أحمد وجمع نصوصه وكانت قبل ذلك مفرقةً وقد توفي هذا العبد الصالح سنة إحدى عشرة وثلاثمائة للهجرة ٣١١هـ، يعني بعد المبجل الإمام أحمد ابن حنبل بسبعين سنة -رضوان الله عليهم أجمعين- الإمام الخلال المذهب الحنبلي من أوله لآخره يستقي منه، فهو الذي جمع نصوص الإمام أحمد وقررها ﵃ أجمعين- ينقل هذا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن العباس بن محمد الدوري قال قلت ليحيى ابن معين هل ورد شيء في قراءة القرآن على القبور؟ وهل يجوز أن نقرأ القرآن على القبور؟ ويحيى بن معين هو قرين الإمام أحمد -رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين- فقال: يحيى بن معين حدثني مبشر الحلبي عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه قال: لبنيه إذا مت، بضم الميم أو كسرها، ووضعتموني في لحدي فقولوا -بسم الله وعلى سنة رسول الله ﵊ ـ بسم الله وعلى ملة رسول الله ﵊ ثم سنوا علي التراب سناً: يعني ضعوه

стр. 4152

برفقٍ، فالميت يتأذى مما يتأذى منه الحي وشعوره أدق من شعور الحي، ثم سنوا علي التراب سناً، ضعوه برفق عندما تهيلون التراب علي، ثم سنوا علي التراب سناً واقرؤوا عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت ابن عمر يوصي بذلك ويستحبه وابن عمر شيخ الإسلام في الصحابة الكرام وهو من المهاجرين، وهذا الأثر قال عنه شيخ الإسلام الإمام النووي في الأذكار في صفحة سبع وثلاثين ومائة صـ١٣٧ إسناده حسن، وقال عنه الإمام الهيثمي في المجمع صفحة أربع وأربعين من الجزء الثالث ٣/٤٤ رجاله موثقون. وكما قلت هو في السنن الكبرى للإمام البيهقي، ورواه الخلال، وروى الإمام الطبراني أيضاً، هذا أثر عن عبد الله ابن عمر ﵃ أجمعين- بأنه أوصى بأن يفعل ذلك به واستحبه للأموات أن يقرأ عند رؤوسهم بعد دفنهم بفاتحة البقرة وخاتمتها. وهذا الفعل الذي نقل عن هذا الصحابي المهاجري ﵃ أجمعين-، نقله الإمام الخلال في جامعه وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونقله أيضاً عن الإمام الخلال الإمام ابن القيم في كتاب الروح في صفحة عشرة ص١٠ قال الخلال: قال الشعبي: وكان الأنصار إذا مات لهم ميت يختلفون إلى قبره فيقرأون عنده القرآن. الأنصار الأبرار ﵃ وأرضاهم- إن مات لهم ميت يختلفون إلى قبره بعد دفنه يقرأون عنده القرآن، هذا فعل الأنصار وهذا فعل المهاجرين، وقد نقل ذلك الإمام ابن تيمية -عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمات رب البرية عن الصحابة- كما في مجموع الفتاوى في الجزء الرابع والعشرين صفحة ثمان وتسعين ومائتين ٤/٢٩٨ وقال القراءة عند الدفن ثابتة في الجملة عن الصحابة، وقد أوصى بعضهم أن يقرأ عنده سورة البقرة ثابتة في الجملة عن الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-.

стр. 4153

وهذا الذي فعله المهاجرون والأنصار رضوانه عليهم أجمعين، روي مرفوعاً عن نبينا المختار -عليه صلوات الله وسلامه- لكن بإسنادٍ ضعيف والأثر رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، ورواه ابن شاهين في كتاب القبور كما ذكر ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن قدامة في المغني عن ابن عمر ﵄ أن النبي – ﷺ قال: [إذا مات أحدكم فلا تحبسوه ولا تؤخروه عن قبره، فإذا دفنتموه فليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب وعند رجليه بخواتيم سورة البقرة] والحديث كما قلت في معجم الطبراني الكبير، ورواه ابن شاهين في كتاب القبور وفيه يحيى ابن عبد الله البَابْلُتيِّ وقد حكم عليه الإمام الهيثمي بأنه ضعيف، وهكذا الإمام ابن حجر في التقريب بأنه ضعيف، وقد أخرج البخاري حديثه معلقاً في صحيحه فهو من رجال البخاري، لكن ما أخرج له في الأحاديث المتصلة، وهكذا هو من رجال سنن النسائي، فحديثه مخرج في البخاري معلقاً وفي سنن النسائي يحيى بن عبد الله البَابْلُتيِّ، وهو ابن امرأة الإمام الأوزاعي -عليهم جميعاً رحمة الله-، وتوفي سنة ثمان عشرة ومائتين للهجرة ٢١٨هـ، لو لم يكن هذا في إسناد الحديث لكان الحديث صحيحاً، أوصى نبينا ﵊ في هذا الحديث الذي قلت إسناده ضعيف أن يقرأ عند رأس الميت بفاتحة الكتاب وعند رجليه بخواتيم سورة البقرة، لكن كما تقدم معنا أشر ابن عمر ثابت وقد حسنه شيخ الإسلام الإمام النووي كما قلت في الأذكار، ونقل هذا عن الأنصار الأبرار، وروي مرفوعاً عن نبينا المختار -عليه صلوات الله وسلامه- لكن بإسنادٍ ضعيف.

стр. 4154

هذا الأمر الذي ورد فيه هذا الدليل المنقول انتبه لأئمة الإسلام كيف تلقوه بالقبول لترى بعد ذلك من الذي يخرج عن هدى السلف؟ وهل يجوز لإنسان أن يحكم على فعل نقل عن المهاجرين والأنصار، وثبت عن الصحابة في الجملة واستحبه أئمتنا الأخيار وقرره أئمتنا في كتبهم هل يجوز أن يحكم عليه بالبدعة وعلى فاعله بأنه مبتدع؟ انتبه إلى سيد المسلمين إلى فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء أبي عبد الله الشافعي رحمة الله ورضوانه عليه يقول في كتاب (الأم) في الجزء الأول صفحة اثنين وثمانين ومائتين ١/٢٨٢ يقول هذا العبد الصالح (وأحب أن يقرأ القرآن عند القبر وأن يدعى للميت وليس في ذلك دعاء مؤقت) هذا في كتاب (الأم) وهذا الكلام الذي قرره الإمام الشافعي ينقله محقق المذهب الشافعي الإمام النووي في الأذكار وفي رياض الصالحين وفي (المجموع) وفي كتاب (الروضة) فيقول: نص الشافعي على أنه يستحب قراءة القرآن عند الدفن ووافقه جميع الأصحاب على ذلك. قالوا: (ولو قرءوا القرآن كله كان حسنا) هذا الكلام في الأذكار كما قلت في المكان المتقدم صفحة سبع وثلاثين ومائة صـ١٣٧ وهو في (المجموع) .

стр. 4155

انظروه إخوتي الكرام في الجزء الخامس صفحة إحدى عشرة وثلاثمائة صـ ٥/٣١١ في (المجموع) وهو في (روضة الطالبين) للإمام النووي -عليه رحمة الله- في الجزء الثاني صفحة تسع وثلاثين ومائة ٢/١٣٩ وهو في (رياض الصالحين) قال المعلق على (رياض الصالحين) صفحة سبع وأربعين وثلاثمائة صـ ٣٤٧ (هذا الكلام الذي نقله الإمام النووي عن الشافعي قال: غريب لا أعرفه) ثم قال: أنا في شك كبير من نسبة ذلك إلى الإمام الشافعي، هذه النسبة إلى الإمام الشافعي فيها نظر) أي نظر فيها أيها المعلق؟ من الذي ينقل هذا عن الإمام الشافعي؟ ينقله محقق المذهب ألا وهو الإمام النووي في أربعة من كتبه ثم أنت تأتي تعلق على عبارته بأن هذه النسبة فيها نظر وأنت في شك كبير من نسبة ذلك إلى الإمام الشافعي،، سبحان الله سبحان الله، هلا سألت شافعياً في هذه الأيام ليرشدك إلى نص الإمام في كتاب (الأم) ؟ وأن هذا موجود في كتاب (الأم) وأن الإمام النووي عندما نقل هذا عن الإمام الشافعي لاتخرص وما افترى ولا وهم ولا أخطأ، إنما هذا هو نص المذهب وهذا كما قلت في كتاب (الأم) للإمام الشافعي فقولك: إنك في شك كبير من نسبة ذلك إليه، وهذه النسبة فيها نظر، كان الواجب عليك أن تسأل شافعياً ممن يعيش معك في هذه الحياة وأن تقول له الإمام النووي نسب هذا إلى الإمام الشافعي -عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه- فأين نص الشافعي ليقول لك: هو في (الأم) في الجزء الأول صفحة اثنتين وثمانين ومائتين ١/٢٨٢ هذا الإمام الشافعي يقول: (وأحب أن يقرأ القرآن عند القبر إذا دفن الميت وأن يدعى للميت وليس في ذلك دعاء مؤقت) هذا نص كلام الإمام الشافعي في (الأم) -عليه رحمة الله ورضوانه-، وهذا الكلام الذي قرره الشافعية هو المقرر عند الحنفية.

стр. 4156

انظروا كتبهم إخوتي الكرام كما هو في (رد المحتار على الدر المختار) في الجزء الثاني صفحة اثنتين وأربعين ومائتين ٢/٢٤٢ يقرر علماء الحنفية أنه إذا جاء الإنسان إلى المقابر يسلم عليهم أولاً (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) وسيأتينا صيغة السلام وصيغها ضمن مبحثنا إن شاء الله، قال الحنفية (ثم يقرأ ما تيسر من القرآن ثم يدعو، وإنما يقرأ القرآن قبل الدعاء من أجل أن تنزل البركة والرحمة في ذلك المكان قبل دعائه، ومن أجل أن يكون ذلك أرجى لقبول دعائه فيقرأ القرآن لحصول الرحمة والبركة في ذلك المكان ثم يدعو فيكون الدعاء أرجى للإجابة والقبول) ، هذا كلام الأئمة الحنفية في كتبهم. وأما السادة المالكية -رضوان الله عليهم أجمعين- فالمنقول عن الإمام مالك -رحمة الله عليه- وعلى جميع أئمتنا كما في كتبهم انظروا حاشية الدسوقي إخوتي الكرام أيضاً في الجزء الأول صفحة تسع وثمانين وثلاثمائة صـ١/٣٨٩ ينقلون عن الإمام مالك (أن قراءة القرآن تكره عند القبور. وسبب كراهية الإمام مالك -عليه رحمة الله ورضوانه- هذه القراءة يقول: المقصود من زيارة القبور أن تعلم ما صار للميت وما انتهى إليه حاله وأنت عما قريب ستصير إلى مثل حاله فينبغي أن تعتبر وإذا قرأت القرآن أنت مأمور بالتفكر والتدبر والاعتبار عند قراءة القرآن فكيف ستجمع بين الأمرين؟ كيف ستجمع بين الاعتبار بحال هؤلاء الموتى وبين التدبر والاعتبار عند قراءة القرآن؟ ولذلك لا تقرأ القرآن عند القبور من أجل أن تتفكر في ما صار إليه من قبلك وعما قريب أنت ستصير إلى ما صاروا إليه) . أخي الكريم: أما تأملت أحوال الموتى جثث هامدة عندما يدخل الإنسان القبور أما تأملت أحوالهم وعما قريب ستصير إليهم كم من حبيب تزوره وهو قريب منك ولا تستطيع أن تراه ولا أن تكلمه. مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاءك لا يرجى وأنت قريب

стр. 4157

تزيد بلىً في كل يوم وليلة ... وتُنسى كما تبلى وأنت حبيب كم من إنسان يدفن حبيبا لديه ويكثر من زيارته في أول الأمر ثم يتسلى عن حبيبه بعد ذلك، كما أن البلى يسري إليك رويداً رويدا ويأكل التراب والدود بدنك، هكذا الحب يبلى من قلوب محبيك وأنت حبيب، وتنسى كما تبلى وأنت حبيب، فإذا كان هذا هو المقصود يقول الإمام مالك - عليهم جميعاً رحمة الله -: فيمتنع الإنسان عن القراءة لا لأن القراءة لا تجوز، إنما ليعتبر بحال هؤلاء وحاله الذي سيصير إليه. ولذلك قال أئمة المالكية: (إن قرأ القرآن تسنناً فهذا لا يجوز ويمنع منه أي اعتقاد لسنية القراءة في ذلك الوقت. السنة في الزيارة كما يقول الإمام مالك: السنة أن تعتبر وإذا أردت أن تقرأ على أن هذا من شعائر الزيارة فلا ثم بعد ذلك قالوا: إن قرأ دون اعتقاد السنية فهذا جائز. وهذا أصل المذهب كما قلت، ثم جاء متأخروا المذهب كما في حاشية الدسوقي فنقل عن ابن رشد وعن أئمة المالكية المغاربة والأندلسيين أنهم أجازوا قراءة القرآن على القبور طلباً لنزول الرحمة والبركة على الأموات. قال الإمام الدسوقي وهذا كما قلت من كتب فقه المالكية، قال: (وعلى هذا عمل المسلمين شرقاً وغرباً) أي إذا زاروا المقابر يقرءون القرآن ولا ينكر بعضهم على بعض ذلك، وأما الإمام المبجل أحمد ابن حنبل - رحمة الله ورضوانه عليه - فكان يرى ما يراه الإمام مالك في أول الأمر -رضوان الله عليهم أجمعين- من أن القراءة يمنع الإنسان منها من أجل أن يتدبر ما آل إليه حال هؤلاء الناس وما سيصير إليه عما قريب ثم لما قيل له: إن ابن عمر أوصى بذلك ﵃ أجمعين- فرجع عن قوله.

стр. 4158

وقصة رجوع الإمام أحمد -رحمة الله ورضوانه عليه- عن هذا القول وأنه يرى أن قراءة القرآن جائزة عند القبور نقلها أتباع مذهبه قاطبة، نقلها شيخ الإسلام الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء الثاني صفحة خمس وعشرين وأربعمائة ٢/٤٢٥ قال (وقد رجع الإمام أحمد عن ذلك رجوعاً أبان به عن نفسه ونقلها الإمام ابن القيم في كتاب (الروح) وشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية -عليهم جميعاً رحمة ال-له في مجموع الفتاوى، واسمعوا هذه القصة في رجوع الإمام أحمد بن حنبل -رضوان الله عليهم أجمعين- عن قوله، القصة كما يرويها الإمام الخلال في جامعه وفي كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (باب قراءة القرآن عند القبور) أن الإمام أحمد كان مع أصحابه في زيارة لمقابر المسلمين فرأى ضريراً يقرأ على القبور فنهاه وقال: يا هذا القراءة عند القبر بدعة، فقال له تلميذه محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ وتقدم معنا هو الذي حدث بهذا الحديث ليحيى ابن معين أيضاً ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، هل كتبت عنه؟ الإمام أحمد يقول لمحمد بن قدامة الجوهري: هذا ثقة، هل كتبت عنه؟ قال: نعم، حدثني مبشر الحلبي عن عبد الرحمن بن العلاء ابن اللجلاج عن أبيه أنه قال إذا مت، وذكر الأثر المتقدم ووضعتموني في اللحد فسنوا عليَّ التراب سناً وقولوا قبل ذلك: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﵊ واقرءوا عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت ابن عمر يوصي بذلك ويستحبه) فقال الإمام أحمد -رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين- ارجع إلى الرجل فقل له يقرأ: أي إذا ثبت هذا عن شيخ المهاجرين عبد الله بن عمر رضوان الله عنهم أجمعين فما بقى كلام لي ولا لغيري، ارجع إلى الرجل فقل له يقرأ.

стр. 4159

إخوتي الكرام: هذا هو المنقول عن الصحابة من مهاجرين وأنصار وتبعهم على ذلك أئمتنا الأبرار الأخيار فهل يصح القول بعد ذلك بأن هذا بدعة؟ لا ثم لا. والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الروح) تعرض لهذه المسألة - رحمة الله ورضوانه عليه - في أول الكتاب في صفحة عشرة صـ١٠ كما قلت يقول: (وقد ذُكِرَ عن جماعة من السلف أنهم أوصوا بأن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن ولمن رأى بذلك قال عبد الحق يروى أن عبد الله بن عمر أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة وكان الإمام أحمد ينكر ذلك أولاً حيث لم يبلغه فيه أثر ثم رجع عن ذلك وكما قلت وهذا الكلام الذي ينقله الإمام ابن القيم والذي نقله أئمتنا عن الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله.

стр. 4160

وقال الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) : رخص فيها- يعني في القراءة على القبور - الإمام أحمد في الرواية الأخرى؛ لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى بذلك، أن يقرأ على قبره بفاتحة البقرة وخاتمتها، وروي عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة، والقراءة عند الدفن مأثورة في الجملة، ويروي الإمام الخلال كما قلت في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وفي كتاب (الجامع) وينقل هذا عنه الإمام ابن القيم أيضاً يقول عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني وهو من أئمة الشافعية الكبار ومن تلاميذ الإمام الشافعي توفي سنة ستين ومائتين للهجرة ٢٦٠هـ -عليهم جميعاً رحمة الله- وحديثه مخرج في صحيح البخاري، والسنن الأربعة، قال: سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال لا بأس بها،، فالشافعي يقرر هذا في كتابه وينقله عنه تلاميذه وينقله الخلال عن الزعفراني، وكما قلت الخلال توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة للهجرة ٣١١هـ والزعفراني سنة ستين ومائتين ٢٦٠هـ فبين وفاتهما وقت قصير والإمام الخلال أدرك من حياة الإمام الزعفراني ستاً وعشرين ٢٦ سنة لأنه ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين للهجرة ٢٣٤هـ والإمام الخلال توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ٣١١هـ ثم قال: وذكر الخلال عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن. إخوتي الكرام: كما قلت هذه هي أقوال أئمتنا -رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين- في هذه المسألة فهل يصح بعد ذلك أن تقول: إنها بدعة وأن فاعل ذلك مبتدع؟! لا ثم لا، تحتمله الأدلة وينقل عن سلفنا ثم يوجد في هذا الحين من يبدع من يفعل ذلك ويصف هذا الفعل بالبدعة، هذا شطط نحو رسم البدعة وحدها وإدخال في البدعة ما ليس منها. كل ما احتمله الدليل، وقال به إمام جليل فقد خرج عن كونه بدعة.

стр. 4161

إخوتي الكرام: وعند الختام ختام الكلام على هذه المسألة أقول كلمة موجزة، إن القراءة ما أوجبها أحد وما قال إنها فرض وليس في فعلها حرج، فإن فعلتها فقد أحسنت وإلا فما عليك لوم ودع الأمة في سعة، وإذا كانت نفسك لا ترتاح إلى هذا فما أحد أوجب ذلك عليك، لكن اترك أمة النبي – ﷺ في بحبوحة وسعة كما نقل عن سلفها وكما قرر أئمتها ولا تصولن عليهم ما بين الحين والحين بالتبديع والتضليل والتخريف وقد شهد لصحة فعلهم نصوص الشرع المطهر وفعل السلف الكرام وقرر ذلك أئمة الإسلام.

стр. 4162

إخوتي الكرام: كما قلت ما أوجب ذلك أحد وما قال إنه فرض وليس أيضاً في فعله حرج ولذلك ينبغي أن تتسع صدورنا لهذا الأمر الذي قرره أئمتنا، كنت مرة في مدينة نبينا -عليه صلوات الله وسلامه- في زيارة موتى المسلمين من الصحابة فمن بعدهم -رضوان الله عليهم أجمعين- في البقيع وحضرت جنازة دفنت بعد صلاة الفجر في البقيع الطيب المبارك وبعد أن انصرف الناس وقف بعض أهل الموتى وأخرج مصحفاً يقرأ بصوت خافت لا يسمعه من بجواره فمر به بعض الناس وأنكر عليه وقال: هذه بدعة، وهذا ضلال وبدأ يتهجم عليه بالعبارات القاسية، فالرجل خاف وقال: جزاك الله خيراً ووضع المصحف في جيبه، لكنه تلقى هذا الحكم من شيوخه وهو على بينة من أمره ولم يترك ما هو عليه، لكنه لا يريد أن يدخل مع هذا المنكِِِر في جدال وقيل وقال، فبعد أن انصرف هؤلاء وهذا المنكِر وكانوا ثلاثة وقد كادوا أن يصلوا إلى باب البقيع ليخرجوا منه وقف الرجل مكانه وأخرج المصحف وبدأ يقرأ فعادوا إليه فأسمعوه من الكلام الغليظ والسب حقيقة ما لا ينبغي أن يقوله مسلم، فكيف في مدينة النبي ﵊، فكيف مع الصحابة الكرام والموتى بعد ذلك من المسلمين في هذا المكان وأنا أراقب المشهد من أوله لآخره فدخلت معهم في الكلام قلت: إخوتي لم تنكرون؟ قالوا هذا بدعة وضلال ولا يجوز أن يفعل، قلت: ومن قال إنه بدعة؟ هل عندكم دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ وكلام سلفنا في الزجر عن هذا؟ قالوا: أنت ما دليلك على الجواز؟ قلت هذا منقول عن سلفنا وفيه سعة إن شاء الله، قالوا عمن نقل؟ قلت نقل عن ابن عمر ﵄ والأثر ثابت عنه، قالوا: مذهب الصحابة ليس بحجة، قلت: قرره الإمام المبجل أحمد بن حنبل، وعلى هذا المذهب الحنبلي بكامله أن قراءة القرآن عند القبور جائزة، هذا في المغني، قالوا: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى ﵊، فالإمام أحمد ليس بحجة.

стр. 4163

قلت ننتقل إلى القرن الثامن الإمام ابن تيمية الذي آلت أيضاً إليه أقوال السلف قال: إن القراءة عند القبور وقت الدفن مشروعة في الجملة ونقلت عن السلف. قالوا: ابن تيمية ليس بحجة. قلت: من الحجة؟ قالوا القرآن والسنة، قلت: على العين والرأس، نعم ما تحتكمون إليه، لا نريد الصحابة على حسب قولكم ولا أئمة الإسلام من متقدمين ومتأخرين كتاب وسنة، أنا وأنتم ما الدليل على المنع؟ هاتوا دليلاً، قالوا: قول الله في سورة (يس) ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ (١) قلت: ما وجه الاستشهاد بهذه الآية وأن قراءة القرآن ممنوعة؟ قالوا: نزل القرآن لإنذار الأحياء ولا يجوز أن نقرأه على الأموات. قلت: ما رأيكم لو قرأناه على المرضى من أجل أن يحصل الشفاء لهم؟ فأجاب واحد منهم، قال: لا يجوز أن نقرأه على المرضى من أجل أن يحصل الشفاء لهم، قلت: يا عبد الله أنت خالفت القرآن والسنة الآن في هذه الفتيا أما قال الله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ؟ أما ثبت عن نبينا ﵊ في الحديث الذي ذكرته آنفاً [وما أدراك أنها رقية] وقد رقى أبو سعيد الخدري اللديغ بسورة الفاتحة، وأخذ ثلاثين رأساً من الغنم، فقال له من معه: هداك الله يجوز قراءة القرآن للرقية، قلت: يجوز أم لا؟ اثبتوا على قول، قال: يجوز، قلت: إذاً قول الله -جل وعلا-: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ﴾ (٣) .

стр. 4164

نزل القرآن للإنذار ونزل للتبشير ونزل للاستشفاء به ولحصول البركة، نعم من أعظم مقاصده إنذار الأحياء ولكن ليس لذلك فقط، فلم تستدلون بالآية التي لا دليل فيها على وهمكم ? لكن قلت لهم: هذا القول سبقكم به من سبقكم من المعاصرين في هذه الأيام وأنتم ترددون كلامه تقليداً دون وعي ودون علم، ما وجه الاستدلال بهذه الآية على أنه لا يجوز قراءة القرآن على الموتى؟ ثم قلت: إخوتي الكرام اعرفوا قدركم فعل ينقل عن سلفنا ويقرره أئمتنا وكل واحد منكم يرفع صوته بين الموتى ويقول: لا يجوز، اتقوا الله في أنفسكم، فقام واحد منهم وقال كلمة لنرى إخوتي الكرام كيف ننحرف عن شريعة الله عندما لا نحكم شريعة الله في حياتنا وكم من إنسان يدعو إلى السنة وإلى السلفية وقد نبذهما وراء ظهره وكم من إنسان يدعو إلى تحكيم القرآن وقد جعل القرآن وراء ظهره، كم؟ قال لي بعد ذلك: يا عبد الله هذه بلادنا نفعل فيها ما شئنا إن أعجبك وإلا بعبارات قاسية كذا وكذا، قلت غفر الله لي ولكم جعلنا الله إخوة متحابين ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) . ثم بعد ذلك أنتم جئتم تفصلون المؤمنين إلى هذه الفواصل يا عبد الله كنا نتكلم في مسألة ولو لم تسلموا بجوازها فغاية ما تقولون: إنني مبتدع وإذا كنت مبتدعاً لازلت ضمن دائرة الإسلام وأنا مسلم وأنتم مسلمون، أما الآن انفصلنا فما بقى رباط بيننا، قلت: يا إخوتي الكرام كنا نتكلم ضمن الإسلام خرجنا الآن إلى الكفر وأنا أقول إن هذا القول الجاهلي لا يقره العاقلون الصالحون في مدينة نبينا الكريم ﵊ ولا في أي مكان فالمؤمنون اخوة ونحن لا يحجز بين إخوتنا مع إخواننا شرقاً وغرباً لا حاجزً ولا حدً ولا قيدً ومن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته.

стр. 4165

لكن كما قلت: انظر لمنطق الجاهلية عدم تسليم لأئمة الإسلام ثم يريد أن يرجع الأمة من أولها إلى آخرها لفهمه السقيم، ثم بعد ذلك كأنه يريد أن يخرج من حظيرة الدين، بلادنا وبلادك ونفعل وتفعل. إخوتي الكرام: لابد كما قلت من أن نعي هذا الأمر ما احتمله الدليل وقال به إمام جليل خرج من رسم البدعة وإذا لم نقل بهذا فيبدع بعضنا بعضاً ويلعن بعضنا بعضاً ويريق بعضنا دماء بعض فاتقوا الله في أنفسكم وفي أمة نبيكم ﵊، ويترتب على هذه المسألة، مسألة التلقين إذا مات الميت نقوم على قبره ونلقنه بما سأذكره إن شاء الله، أما مسألة التلقين فقد ورد بها حديث ضعيف وكما قال أئمتنا في الفضائل يتسامح في الأحاديث الضعيفة والحديث الضعيف شهد له شواهد صحيحه هذا الدليل الأول حديث ضعيف يتسامح به أصالة ولو شاهد. والدليل الثاني: فعل السلف في التلقين، فانتبه لهذه المسألة التي تترتب على المسألة الأولى. أما الحديث -إخوتي الكرام- فقد رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، ورواه ابن منده في كتاب (الروح) ، ورواه الإمام الخلال أيضاً عن أبي أمامة ﵁ وأرضاه- أن النبي – ﷺ قال: [إذا دفنتم الميت فقوموا عند رأسه فليقم أحدكم عند رأسه وليقل يا فلان ابن فلان فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل يا فلان ابن فلانه فإنه يجلس قاعداً ثم ليقل يا فلان ابن فلانه يقول أرشدنا رحمك الله ولكنكم لا تسمعون ثم ليقل بعد الثالثة يا عبد الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا أنك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊ وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً وبالقرآن إماماً فإذا قيل له ذلك يقول منكر ونكير لبعضهما ماذا قعودنا عند رجلٍ قد لقن حجته فيفارقانه ويكون الله حجيجه دونهما فالله هو الذي يتولى الجواب وهو الذي يثبت الميت بعد ذلك في القبر] .

стр. 4166

هذا الأثر إخوتي الكرام إسناده ضعيف كما قرر أئمتنا وقال الحافظ في تلخيص الحبير الجزء الثاني صفحة ثلاث وأربعين ومائة ٢/١٤٣ إسناده صالح وقواه الضياء المقدسي في أحكامه وله شواهد وهذا ما قرره أئمة الإسلام كالإمام النووي، وابن القيم، وابن تيمية -عليهم جميعاً رحمة الله- ومن شواهد هذا الأثر ما سأذكره فانتبهوا له إخوتي الكرام.

стр. 4167

الشاهد الأول: ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم عن عمرو ابن العاص ﵁ وأرضاه- في حالة احتضاره عندما احتضر وكان التابعون والصحابة معه في حال السياق فبكى ﵁ طويلاً وكثيراً ثم حول وجهه إلى الجدار وهو يبكي فقال له ولده عبد الله يا أبتاه ما يبكيك أليس قد بشرك رسول الله – ﷺ بكذا وكذا فأقبل على الحاضرين بوجهه وقال (إن أفضل ما نُعِد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊ ثم قال: كنت على أطباق ثلاثة الحالة الأولى التي كان عليها: رأيتني أشد الناس بغضاً للنبي ﵊ وكنت أتمنى أن أتمكن منه لأقتله وهي الحالة الأولى، قال ثم جعل الله الإسلام في قلبي فجئت إلى النبي ﵊ فقلت: يا رسول الله مد يدك ابسط يدك فلأبايعك فمد النبي ﵊ يده، فقبضت يدي قال: مالك يا عمرو؟ قلت: يا رسول الله ﵊ أريد أن أشترط. قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي ما مضى من حياتي الجاهلية تزيد على عشرين سنة يقاتل النبي ﵊ وأسلم في العام الثامن من الهجرة بعد بعثة نبينا ﵊ بواحد وعشرين سنة، أريد أن يغفر لي قال: يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله؟ قال عمرو بن العاص فما كان أحد أحب إلي من رسول الله – ﷺ ، وما كان أحد أحلى في عيني منه. والله ما استطعت أن أملأ عيني من رسول الله – ﷺ إجلالاً له ولو قيل لي صفه لما استطعت أن أصفه لأنني لم أملأ عينيَّ من رسول الله – ﷺ فلو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة، هذه هي الحالة الثانية.

стр. 4168

قال: ثم ولينا أعمالاً ما أدري حالنا فيها وهي الطبقة والحالة الثالثة التي يتصف بها عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه- ثم قال لولده وللحاضرين إذا أنا مت فلا يصحبنيّ نار ولا نائحة وإذا دفنتموني فسنوا عليَّ التراب سناً ثم أقيموا عند قبري) وهذا في صحيح مسلم قدر ما ينحر جزور ويوزع لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر بماذا أراجع به رسل ربي بعد الدفن أقل شيء تقيمون عند قبري بمقدار ذبح الجزور وتوزيع لحمها وهذا أقل ما يكون ساعة وإذا جلس الناس هذه الساعة ماذا سيفعلون؟ سيتكلمون في حديث الدنيا يقرءون القرآن ويصلون على النبي ﵊ يسألون له التثبيت يدعون له؟ فأقيموا عند قبري بمقدار ما تنحر جزور ويوزع لحمها. قال شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين -عليه رحمات رب العالمين- في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن في الجزء الرابع صفحة سبع وثلاثين وأربعمائة ٤/٤٣٧ وهذا الأثر عن عمرو ابن العاص له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ فنحن نجزم ضرورة بأن النبي ﵊ أعلم أمته وأصحابه أن الميت يستأنس بأصحابه عندما يكونون حوله، هذا كلام عمرو، وعمرو لا يمكن أن يقول هذا من قبل رأيه إنما هذا تلقاه من النبي ﵊ هذا له حكم الرفع لا يجوز لصحابي أن يتكلم في مُغَيّب من طريق رأيه واجتهاده وتخرصه فكأن النبي ﵊ قال لأمته: إذا [دفن الميت اجلسوا عنه وأقيموا عنده هذا المقدار من أجل أن يستأنس بكم من أجل أن يحصل له تثبيت بحضوركم] كيف لا وإذا كنا نصلي عليه ونطلب له الشفاعة فلنواصل هذه الشفاعة بعد ذلك ورحمة الله -جل وعلا- واسعة، هذا الشاهد الأول وكما قلت هو في المسند وصحيح مسلم.

стр. 4169

والشاهد الثاني: رواه الإمام أبو داود، والحاكم في المستدرك، والبهيقي في السنة، والبزار، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وقال الإمام النووي في المجموع إسناده جيد عن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه عن ذي النورين قال: كان النبي – ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف على شفير القبر وقال [استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل] والحديث إسناده صحيح كالشمس وضوحاً وسطوعاً [استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل] إذاً عندما نلقن الميت فهذا من جملة تثبيته، فذاك الأثر الذي كما قلت إسناده ليس بالقائم وابن حجر يقول إسناده صالح يشهد له أثر عمرو ويشهد له حديث عثمان ﵃ أجمعين- ونقل مثل هذا آثار كثيرة من سلفنا الكرام رواها سعيد بن منصور وغيره في سننه بأن يحصل تثبيت للميت عند جلوس الناس حوله وعند تلقينهم له لا إله إلا الله محمد رسول الله ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ﵊. إخوتي الكرام: هذا الأمر كما قلت الذي نقل عن هؤلاء السلف ويشهد لذلك الحديث نقل أيضاً عن السلف الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- وقرروه واستحبوه.

стр. 4170

الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) في الجزء الرابع والعشرين صفحة تسع وتسعين ومائتين ٢٤/٢٩٧ يقول: (وهذا التلقين فعله أبو أمامة من الصحابة وفعله واثلة بن الأصقع ﵃ أجمعين- وغيرهما هذا كلام الإمام ابن تيمية بالحرف والتحقيق أنه جائز يجوز أن نلقن الميت وهذا ثبت عن أبي أمامة وثبت عن واثلة بن الأصقع وقال مثل هذا في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الحجيم) في صفحة ست وعشرين وثلاثين صـ ٣٢٦ بأن التلقين جائز ونقل عن السلف الكرام وهذا الذي اختاره قال أكثر الحنابلة وقرره علماء الإسلام وهذا هو الموجود في المغني ونقله من القاضي أبى يعلى وأبي الخطاب، وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام الإمام النووي -عليهم جميعاً رحمة الله-، وهو الذي قرره الإمام ابن القيم في كتاب (الروح) فقال ﵀ ورضوانه عليه- في صفحة ثلاث عشرة صـ ١٣ قال كلاماً ينبغي أن نعيه في هذه الأيام لنرى حال من يبدع من يفعل ذلك ويتهجم على سلفنا الكرام يقول الإمام ابن القيم: ويدل على هذا أي أن الميت يستبشر بزيارة الحي ويسمعه ويسمع ما يجري حوله ما جرى عليه على الناس قديماً وإلى الآن من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثاً وقد سئل عنه الإمام أحمد ﵀ فاستحسنه واحتج عليه بالعمل، أي: الإمام أحمد يستحسن التلقين ويقول عمل المسلمين عليه ويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة، وكما قلت رواه ابن منده، ورواه الخلال وغيرهم -عليهم جميعاً رحمة الله- قال: قال رسول الله – ﷺ : [إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل يا فلان بن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً ثم ليقل يا فلان ابن فلانة يقول أرشدنا رحمك الله ولكنكم لا تسمعون فيقول أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله
следующие страницы →