Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
أولها: مطلع الآية. الله لا إله إلا هو الحي القيوم حي قيوم حي حياة كاملة تامة لا يعتريها نقص ولا زوال ولا فناء ليست كحياة المخلوقات ولذلك أتبعها الله جل وعلا بقوله لا تأخذه سنة ولا نوم هذه حياة ذاتية ما وجدت بعد أن كانت معدومة ولم تطرأ عليها العدم وفي حال إنصاف الله بها وهو متصف بها أزلا وأبداً لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه لا تأخذه سنة ولا نوم وهو القيوم القائم بنفسه المقيم المدبر لأمر شؤون خلقه فلا يوجد شيء في هذا الكون من عرشه إلى فرشه إلا بتدبير ربه وتقديره حي قيوم وهاتان الصفتان لربنا الرحمن هي أصل سائر صفاته الحسان.
فصفات الله إنما أن تكون ذاتية أو فعلية فجميع الصفات الذاتية أصلها صفة الحياة وجميع الصفات الفعلية أصلها صفة القيومية وبهاتين الصفتين أشار الله إلى جميع كمالاته وصفاته الحسنى العلى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وما ذكر الله هذين الاسمين مقترنين إلا في آية الكرسي ومطلع سورة آل عمران. ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وفي سورة طه وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما الله لا إله إلا هو الحي القيوم.
الإشارة الثانية له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه له ما في السماوات وما في الأرض خلقا وملكا وتقديرا وتدبيرا ومصيرا كل ما في هذا الكون علوية وسفلية خلقه الله يملكه الله يديره الله سيصير ويؤول إلى الله جل وعلا هو المتصرف في هذا من علم هذا وأنه إذا استحضر نفسه ضمن هذه العوالم أنه أقل من قطرة من بحر في جنب ملك الله وأقل من ذرة رمل من رمال الدنيا حقيقة يهاب من الله ويجله تعظيماً لشأنه له ما في السماوات وما في الأرض خلقا ملكا تدبيرا مصيرا وهذا العالم بأسره سيصير إلى ربه وانظر إلى الصورة التي سيصير إليها وما ذلك من دلالة على عظمة ربنا جل وعلا.
стр. 4272
ثبت في صحيح مسلم والحديث رواه البيهقي في الأسماء والصفات ورواه الإمام البغوي في معالم التنزيل وهو في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين فهو حديث صحيح ثابت عن نبينا الأمين ﷺ قال ابن عمر ﵄ سمعت النبي ﷺ يقول: يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يقبضهن بيمينه وفي رواية ثم يأخذهن بيمينه فيهزهن جل وعلا فيهزهن السماوات يطوي الله السماوات يقبض الله السماوات ثم يأخذهن يقبضهن بيمينه جل وعلا ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون انظر لعظمة الرب جل وعلا وجلاله السماوات السبع في كف الرحمن كأنها خردلة يطويها جل وعلا بيمينه والأراضين السبع كذلك من استحضر هذا المعنى سيخاف من الله ولا شك.
إخوتي الكرام ما ورد في هذا الحديث الصحيح من وصف الله بيدين مباركتين يتصف بهما إحداهما يمين والأخرى شمال ثبت منا يتصف به ربنا ذو العزة والجلال كما أخبرنا نبينا الذي لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه دون أن ندخل في ذلك بعقولنا متوهمين أو متأولين وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
стр. 4273
والعجز عن درك الأدراك إدراك والبحث كنه ذات الله إشراك وإيماننا بصفات ربنا يقوم على دعامتين وكنين متينين اقرار وامرار فمن لم يقرب بالصفات لله الواحد القهار فهو ناطق عن جاحد معطل ومن لم يمر صفات الله جل وعلا فهو مشية ضال ممثل نقر بالصفة كما وردت ولا نقف عندها وقراءتها تفسيرها كما قال سلفنا ولله يدان مباركتان كما أخبر عن ذلك في محكم القرآن. بل يداه مبسوطتان ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وإحداهما يمين والأخرى شمال بالكيفية التي يعرفها الله ولا نعرفها بالكيفية التي تليق بجلال الله وجماله ويجهلها آمنا بالله وبما جاء عن الله على مداد الله وآمنا برسول الله ﷺ ولا يشكلن عليك أخي الكريم وصف الله في هذا الحديث باليمين والشمال ليديه المباركتين جل وعلا لا يشكلن عليك هذا مع الحديث الصحيح الثابت في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي والسنن الكبرى للإمام البيهقي والأسماء والصفات له أيضا وهو حديث صحيح أيضا فهو في صحيح مسلم وغيره من رواية عبد الله بن عمر بن العاص ﵃ أجمعين قال سمعت النبي ﷺ يقول: إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذي يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. فقوله وكلتا يديه يمين لا يتعارض مع ما ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو ﵃ أجمعين من اليمين بمعنى الخيرية والبركة والتمام والكمال فالله له يدان مباركتان يمين وشمال لكن الشمال فيه ليست كالشمال فينا جل وعلا فإذا كانت الشمال فينا أضعف من اليمين وتستعمل كما يمتهن ويستقذر فالله كامل كريم مجيد لا نقص في شيء من صفاته جل وعلا كلتا يديه يمين من اليمين بمعنى الخيرية والبركة.
стр. 4274
وأما الحديث الثابت في صحيح مسلم فقد أخبرنا عن وضع وحال صفتي اليدين كما فصل ذلك نبينا ﵊ وأما من طعن في ذلك الحديث الذي هو في صحيح مسلم بأنه من رواية عمر بن حمزة عن عمه سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين وعمر بن حمزة أخرج حديثه البخاري تعليقا في صحيحه ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة إلى سنن الإمام النسائي فمن تكلم في عمر بن حمزة في روايته عن عمه سالم بن عبد الله وهو عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر فعمر بن حمزة روى عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين من طعن في الرواية وقال إنه قالها على حسب المعروف فينا لأن الوارد في رواية المسند والصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال ويقبض الله الأراضين بالأخرى ولم يذكرها بوصف الشمال فقال بعض العلماء إن رواية عمر بن حمزة قالها على حسب المعهود والمعروف في الناس فعبر عن اليد الأخرى بوصف الشمال وفتح هذا الباب على الرواة حقيقة قد يسد علينا بعد ذلك باب الرواية وسلفنا أتقى لله وعز وجل من أن يستعملوا عقولهم في صفات الله وأن يبدلوا اللفظ بما هو معروف فينا وعليه لفظه ثابتة.
لكنني كما قلت موقفنا نحوها كموقفنا في سائر صفات الله إقرار وإمرار ليس كمثله شيء نفى للتشبيه والتمثيل وقوله جل وعلا وهو السميع البصير رد ونفي للنفي والتعطيل فلا تمثيل ولا تعطيل ليس كمثل ربنا شيء وهو السميع البصير.
стр. 4275
والدلالة الثالثة في آية الكرسي. وسع كرسيه السماوات والأرض. إخوتي الكرام حول لفظ الكرسي وما بعده كلام طويل كان في نيتي أن أتكلم عليه في هذه الموعظة ولكنني أخشى إذا بحثت فيه ودخلت فيه أن يأخذ الكلام منا أكثر من ربع ساعة ولا أريد أن أضل عليكم إنما نقف عند هذه الدلالة لنتدارسها في الموعظة الآتية إن شاء الله وسع كرسيه السماوات والأرض أطاق واحتمل كرسي ربنا السماوات والأرض هذا الكرسي ما هو وما صلته بالعرش وماذا يترتب من ذلك من عظمة لربنا جل وعلا كما قلت أؤجل الكلام في الموعظة الآتية إن شاء الله.
أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرزقنا خشيته في السر والعلن وأن يرزقنا كلمة الحق في الرضا والغضب وأن يرزقنا القصد في الغنى والفقر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
стр. 4276
الزجر عن التخنث في الشعر
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الزجر عن التخنث في الشعر
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
стр. 4277
كنا نتدارس منزلة ذكر الرحمن في الإسلام، وقلت إن منزلة الذكر عظيمة جليلة، ومن أجل ذلك أمرنا الله جل وعلا أن نذكره على الدوام، وبينت أن فوائد الذكر كثيرة تزيد على مائة فائدة، وهذه العيادة الجليلة التي نتدارسها وذكرنا شيئاً من فضائلها فيما مضى، قلت إن المخرفين غيروها وبدلوها ووضعوا شيئاً مكانها، ألا وهو القصائد والأشعار، زعموا أنهم يتقربون بها إلى العزيز القهار.
إخوتي الكرام: وسأتبع في هذه الموعظة الكلام على هذا الأمر تتميماً لما تقدم في الموعظة السابقة.
إخوتي الكرام: إن الذكر كما قلت له منزلة عظيمة جليلة، وكما قلت فوائده كثيرة غزيرة، وسنتدارس في هذه الموعظة فائدة من فوائده فقط ثم نتدارس بقية خطوات البحث إن شاء الله.
إن الذكر قوت للقلب وقوة له، وإن الذكر فيه صلابة للقلب وصلابة له، وإن الذكر فيه ليناً للقلب ورقة له، وأيضاً فيه صفاء للقلب وبهجة له، هو قوت القلب وقوته، وهو فيه قوة للقلب وصلابته، وهو أيضاً بهجة للقلب وصفاء له، وهو أيضاً لينة للقلب ورقة له.
стр. 4278
إن قلب الذاكر يجمع بين هذه الصفات، يحصل له القوت بذكر الله، يحصل له القوة بذكر الله، يحصل فيه القوة والصلابة بذكر الله، يحصل له البهجة والصفاء بذكر الله، يحصل له اللين والرقة بذكر الله، ولذلك كان قلب الذاكر أطهر القلوب وأحبها عند علام الغيوب، ثبت في معجم الطبراني الكبير من رواية أبي عيينة الخولاني ﵁ وأرضاه، والحديث حسنه الإمام الهيثمي وقال الإمام المنذري في (الترغيب والترهيب) إسناده جيد، والحديث روى من رواية أبي أمامة الباهلي أيضاً في (حلية الأولياء) وروي من رواية سهل بن سعد في الحكيم الترمذي، فهو من رواية أبي عيينة الخولاني، وأبي أمامة الباهلي، وسهل بن سعيد، ولفظ الحديث عن نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه أنه قال [إن لله آنية في الأرض، قالوا وما آنية الله يا رسول الله في الأرض؟ قال: قلوب عباده الصالحين وأحبها إلى الله أضاها وأرقها] وفي بعض الروايات [إن أحب الآنية إلى الله ما رق منها وصفا] .
وفي بعض الروايات [أحبها وأصفاها] ، فالذي يذكر الله جل وعلا يتصف بهذه الصفات، يصبح لقلبه كما قلت القوت والقوة والشدة والصلابة والبهجة والصفاء، اللين والرقة، وقلبه أحب القلوب إلى علام الغيوب ولا غرو في ذلك ولا عجب فقد تقدم معنا أن من ذكر الله جل وعلا والله مع العبد ما دام العبد يذكر ربه ، وإذا كان معك فستتخلق بأخلاق ربك بأخلاق حبيبك ن فتتصف باللين وتتصف بالشدة والقوة، والله عندما يكون معك، فستضع كل أمر موضعه، هذا هو حال الذكر عندما يكثر الإنسان من ذكر الرحمن .
стр. 4279
إخوتي الكرام: وإذا حصل القلب قوته وقوته بذكر الله جل وعلا إن هذه القوة سينتشر أثرها بعد ذلك إلى هذا البدن فيكتسب البدن قوة من قوة القلب، والإنسان عندما يحضر المعركة ينتصر على عدوه بقوة قلبه ويضعف قلب عدوه، فيصبح له عاملات من عوامل النصر هو يرجو أن ينتصر عليه وأن يتمكن منه، بتأييد الله له، وذاك يتحمل أمامه وينهار فيحصل النصر بإذن العزيز القهار.
стр. 4280
نعم إن ذكر الله قوت للقلب وقوة للبدن، وضياء ونور، وبهجة في الوجه، يذكر الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه (الوابل الصيب) في صفحة خمسة وخمسون صـ٥٥ من حياة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمات رب العالمين أنه صلى معه الفجر في بعض الأيام فجلس شيخ الإسلام يذكر الله بعد صلاة الفجر حتى انتصف النهار ثم التفت إلى تلميذه البار مثال له هذه غدوتي هذا اليوم، هذا هو طعامي وهذا هو غذائي ولولاها لسقطت قوتي ن فهذه القوة التي حصلت في القلب بذكر الرب انتشرت بعد ذلك إلى هذا البدن فقوى البدن واشتد بإذن الله جل وعلا، وهذا المعنى الذي أشار إليه هذا الإمام الهمام عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الرحمن هو ما أشار إليه نبينا ﵊ في أحاديثه الكثيرة الصحيحة الحسان منها ما ثبت في الصحيحين وسنن أبي داوود والنسائي من رواية سيدنا على ابن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال كانت فاطمة أحب أهل رسول الله ﷺ إلى رسول الله وقل وتزوجتها فكانت ﵂ وأرضاها حتى أغير ثيابها فعلمت فاطمة ﵂ وأرضاها بمجيء سبي من الفتائم إلى نبينا ﷺ من العبيد من الأرقاء من الذكور والإناث من الإماء أيضاً فأرادت من علي ﵁ يطلب من النبي ﷺ أمة تخدمها وتساعدها في أمور البيت فقال علىّ لا أكلم رسول الله ﷺ في ذلك كلميه أنت فهو رسول الله ﵊ وخير خلق الله وهو أبوك فذهبت هذه البضعة المباركة سيدتنا فاطمة ﵂ وأرضاها إلى بيت أمنا عائشة تسأل عن نبينا ﷺ فلم تجده فقالت سيدتنا فاطمة لأمنا عائشة إذا جاء النبي ﵊ فأخبريه، فتأخر النبي ﷺ في المجيء إلى بيته فلما جاء أخبرته أمنا عائشة ﵂ وأرضاها فذهب بعد العشاء
стр. 4281
مباشرة إلى بيت ابنته فاطمة فاستأذن ﵊ ودخل وقد أخذ علىّ وفاطمة مضجعهما في فراش واحد فقال النبي ﵊ مكانكما ثم دخل النبي ﵊ بيتهما في هذا الفراش ومد رجليه الشريفتين قال عليّ ﵁ توجدت يرد أصابع رجليه في صدري ثم سأل فاطمة ﵂ وأرضاها عما جاء بها تسأل عنه في بيت عائشة ﵂ فأخبرته أنها تطلب خادمة أمة لتساعدها في أمور البيت فقال النبي ﵊، ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم. تريدان من الخادم أن يساعدكما في أمور البيت، يقول عليّ ﵁ فغمزتها وقلت لها قولي بلى، تريد لنا من هو خير من خادم فقلنا بلى يا رسول الله فقال ﵊ إذا أخذتما مضجعكما تسبحا الله ثلاثاً وثلاثين وأحمداه ثلاثاً وثلاثين وكبراه أربعاً وثلاثين وهذا تمام المائة فهذا خير لكما من خادم.
قال الإمام ابن تيمية كما نقل عنه هذا تلميذه ابن القيم في (والوابل الصيب) ص١٠٢ وهذا الذكر مجرب معروف من حافظ عليه عند نومه في كل ليلة أعطاه الله قوة في بدنه بحيث يستغني عن مساعدة غيره من خادم من أجير من عبد من رقيق من أمة، والإمام ابن حجر في (فتح الباري) عن شرحه لهذا الحديث في الجزء الحادي عشر صفحة خمسة وعشرون ومائتين ١١/٢٢٥ يقول (ولا يلزم من هذا أنه لا يتعب إن الإنسان عندما يزاول الأعمال يصاب بشيء من الإرهاق والتعب لكن الله يتعبه فلا يسأم ويتحمل ولا يصاب بفتور وإعياء عندما يحافظ على هذا الذكر عند النوم.
نعم إن الذكر قوت القلب وقوة له، وإذا قوى القلب تنشط البدن فصار قوياً بإذن الله جل وعلا.
стр. 4282
إخوتي الكرام: هذا من فوائد الذكر، قال الإمام ابن القيم في المكان المشار إليه صـ١٠٢ يقول وقد كان شيخ الإسلام يقول وقوله هذا موجود في (مجموع الفتاوى) الجزء العاشر صفحة ثلاثة وثلاثين ١٠/٣٣ يقول إن الله تعالى لما خلق حملة العرش قالوا ربنا لم خلقتنا قال لتحملوا عرش قالوا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه جلالك وجمالك ووقارك فقال الله جل وعلا لحملة العرش قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الإمام ابن القيم فبهذه الكلمة المباركة أطاقت ملائكة العرش حمل عرش الرحمن جل وعلا، قال الإمام ابن القيم وهذا الكلام كنت أسمعه منه حتى وقفت على كتاب لأبن أبي الدنيا رواه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال حدثتنا شيختنا أن الله لما خلق حملة العرش قال.. إلى آخر الأثر.
وأنا أقول، وهذا الأثر مروي أيضاً في تفسير الإمام الطبري بنحو الرواية لمتقدمة في تفسير سورة (الحاقة) عن قول الله ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يؤمئذٍ ثمانية﴾ في الجزء التاسع والعشرين صفحة سبعة وثلاثين ٢٩/٣٧ روى الأثر الإمام الطبري في تفسيره عن شيخه يونس عن ابن وهب عن أبي زيد بمعنى الأثر المتقدم أن حملة العرش أطاقوا حمل عرش الله جل وعلا بكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4283
نعم أنها كلمة من كنوز الجنة كما ثبت هذا في المسند والكتب السنة من رواية أبى موسى الأشعري عبد الله بن قيس ﵁ وأرضاه أن النبي صلي الله علية وسلم قال له ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال لا حول ولا قوة إلا بالله، لا تحول من حال إلا حال من معصية إلى طاعة ومن ذلٍ إلى عز، من فقرٍ إلى غنىً، ولا قوة لنا في هذه الحياة إلا بربنا ، وهذه الوصية التي أوصى بها النبي ﷺ أبا موسى الأشعري أوحى بها عدداً من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، أوصى بها أيضاً أبا ذرٍ كما في المسند وسنن أبي ماجة، وصحيح ابن حبان بسندٍ صحيحٍ أيضاً قال النبي ﵊ لأبي ذرٍ ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة قال بلى قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله، وأوصى بها أيضاً النبي ﷺ أبا هريرة ﵃ أجمعين، كما ثبت ذلك أيضاً في مسند الإمام أحمد، والحديث في المستدرك ومسند البزار وإسناده صحيح أن النبي ﷺ قال أبي هريرة ﵃ أجمعي ألا أدلك على كنز من كنوز العرش ألا أدلك على كنز من تحت العرش وهو كنز من كنوز الجنة؟ قلت بلى يا رسول الله، قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قالها العبد قال الله أسلم عبدي لي واستسلم، وأوصى بها النبي ﵊ قيس بن سعد أرسلني أبي لأقدم النبي ﵊ وسعد بن عبادة سيد الخزرج من الأنصار ﵃ أجمعين فأرسل ولده قيساً ليخدم النبي ﵊ قال قيس فصليت ركعتين فمر بي النبي ﵊ فقال لي ألا أدلك عل باب من أبواب الجنة قلت بلى يا رسول الله، قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله، وأوصى بها النبي ﵊ أبا أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة، انظروا الروايات في ذلك في (الترغيب والترهيب) للإمام المنذري
стр. 4284
في الجزء الثاني صفحة أربعة وأربعين وأربعمائة ٢/٤٤٤.
إخوتي الكرام بهذا الجملة المباركة أطاقت الملائكة حمل عرش الرحمن، نعم إن الذكر قوت للقلب وقوة له، ولذلك يقوى البدن أيضاً، ولذلك قال الإمام المبارك ابن تيمية عندما جلس يذكر الله من صلاة الغداة إلى منتصف النهار قال هذه غدوتي، ولولاها لسقطت قوتي، وهذا الأدب العظيم، وهذه العبادة الفاضلة أعرض عنها كثير من المسلمين، فأصيبوا بوهن في قلوبهم وبضعف في أبدانهم، إن من يحضرون في صلاة الفجر قلة قليلة ومن يذكرون الله بعد صلاة الغداة حتى تطلع الشمس في بيوت رب الأرض والسموات أقل بكثير من يحضرون صلاة الفجر، وما أعلم ما أصاب الأمة في هذه الأيام، والذي يجلس في مصلاه بعد ما يؤدي صلاة الفجر في جماعة يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين له أجر عظيمٌ عظيم جليل كبير عند الله الجليل، ثبت في سنن الترمذي بسندٍ حسن من رواية أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال [من صلى الفجر في جماعة ثم قعد في مصلاه] يعني في المسجد [يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كتب له كأجر حجة وعمرة تامه، تامه، تامه] ، هذا كلام النبي ﵊، وهو في سنن الترمذي، ومروي عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسندٍ جيد.
كما في المجمع والترغيب والترهيب من رواية أبي أمامة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال [من صلى الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان بمنزلة حجة وعمرة] انقلب بأجر حجة وعمرة، والحديث رواه الإمام الطبراني أيضاً في معجمه الأوسط وإسناده حسن من رواية عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين بمعنى الروايتين المتقدمتين أن [من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كتب له أجر عمرة وحجة متقبلتين] .
стр. 4285
إخوتي الكرام: هذه بعض ... فوائد الذكر، قوة للقلب، إذا قوى القلب قوى البدن واستعان العبد بالرب ، وإذا كان للذكر هذه الفائدة، فكما تقدم معنا أن أفضل الأذكار كلام العزيز القهار ألا وهو القرآن العظيم الذي أنزله الله علينا ليخرجنا من الظلمات إلى النور، أمرنا الله جل وعلا بتلاوته، وأمرنا بالاستماع والإصغاء إليه، وحذرنا من إهمال تلاوته وعدم سماعه، وجاءت الآيات تقرر هذا بكثرة في كتاب الله وقد اعتبر الله من أعظم مننه علينا أن أرسل رسوله ﷺ ليتلو علينا آيات الله وليخرجنا من الظلمات إلى النور، قال الله جل وعلا في سورة (آل عمران) ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين﴾ وأخبرنا الله جل وعلا أنه أمر نبيه ﵊ وأمر المؤمنين بتلاوة كتابه المبين فقال جل وعلا في سورة (النمل) : ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيءٍ وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلوَ القرآن﴾ .
وقال الله جل وعلا في سورة (العنكبوت) : ﴿اتلُ ما أوحيَ إليك من الكتاب وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون﴾ .
وأخبرنا الله جل وعلا عن عظم الأجر وبركة التجارة التي يحصلها من يتلو كلام الله جل وعلا في هذه الحياة فقال تعالى في سورة (فاطر) : ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً يرجون تجارةً لن تبور﴾ .
والآيات في ذلك كثيرة، وكما أمرنا الله جل وعلا بتلاوة كلامه أمرنا بالإصغاء والاستماع إليه فقال جل وعلا في آخر سورة (الأعراف) : ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ .
стр. 4286
وأخبرنا الله جل وعلا أن من يستمع إلى كتابه ويعمل بموجبه فهو ممن هداهم الله، وهو من أصحاب العقول النيرة الواعية فقال جل وعلا في سورة (الزمر) : ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه * أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾ .
وقال ربنا في نفس السورة بعده بآيات في بيان منزلة كلامه وكتابه وكيف يؤثر في نفوس المستمعين فقال جل وعلا: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانيَ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ .
وأخبرنا الله جل وعلا أن هذه الآثار كما تظهر على الظاهر من قشعريرة الجلد، ومن انقباض الجلد ومن انبساطه تظهر أيضاً على القلوب وتكون في القلوب، وما تأثر الظاهر إلا بعد تأثر الباطن، قال الله جل وعلا في سورة (الأنفال) : ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون﴾ .
وأخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين عندما يستمعون إلى آيات الذكر الحكيم يبكون ويخرون لله يسجدون فقال جل وعلا في آخر سورة (الإسراء) : ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا، إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾ .
نعم هذا هو وصف المؤمنين وهو وصف النبيين صلوات الله عليهم وسلامه يقول الله جل وعلا في سورة (مريم) بعد أن ذكر أحوال النبيين والصالحين فقال: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوحٍ ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا﴾ .
стр. 4287
والآيات في هذا لمعنى كثيرة، أمرنا بتلاوة القرآن، وأمرنا بالاستماع إليه والإصغاء إليه، وحذرنا الله جل وعلا من الإعراض عنه وعدم سماعه وعدم تدبره فقال جل وعلا: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا﴾ ، ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها﴾ .
وأخبرنا الله جل وعلا أن من غضب الله عليهم يعرضون عن أيِ الذكر الحكيم ويقبلون بعد ذلك على اللهو الذميم، يقول ربنا الرحمن في سورة (لقمان) : ﴿الم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدىً ورحمةً للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ .
ثم أخبرنا الله جل وعلا عن الصنف الخنيث الخسيس فقال: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين * وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنية وقراً فبشره بعذابٍ أليم﴾ ونظير هذه الآية قول الله جل وعلا في أوائل سورة الجاثية: ﴿ويلٌ لكلِ أفاكٍ أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليهم ثم يصرُ مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذابٍ مهين * من وراءهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذابٌ عظيم﴾ .
وقد أخبرنا الله جل وعلا أن الكفار يتواصون بعدم سماع كلام العزيز الغفار فقال جل وعلا في سورة (حم فصلت) : ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ .
وأخبرنا ربنا جل وعلا أن هذه الأمة إذا أعرضت عن تلاوة كتاب الله وعن سماع كلام الله وعن تدبر كلام الله، فرسولنا ﷺ سيشكو أمره إلى الله: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾ يقول الرسول ﷺ هذا في عرصات الموقف وساحة الحساب عندما أعرضت هذه الأمة عن كلام الكريم الوهاب.
стр. 4288
إخوتي الكرام: إن الحجة التي أنزلها الله علينا وأمرنا بتلاوتها والاستماع والإصغاء إليها وتدبرها هي كلامه وسيسألنا ربنا عن ذلك يوم القيامة كما قال في سورة (الأنعام) : ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين * ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ .
والآيات إخوتي الكرام في ذلك المعنى كثيرة وفيرة كما أن ذكر الله هو أفضل العبادات، فأفضل الأذكار وأعلاها وأجلها تلاوة كلام الله جل وعلا، استماع كلام الله جل وعلا، تدبر كلام الله جل وعلا، وهذا السماع هو الذي كان عليه سلفنا الأتقياء رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، كانوا يسمعون إلى كلام الله، كانوا يقرأون كلام الله، كانوا يتدبرون كلام الله، ما كانوا يعكفون على سماع القصائد والأشعار، ولا على سماع الأبيات، إنما يسمعون الآيات المحكمات، وقد قرر أئمتنا هذا، انظروا اخوتي الكرام كتاب (مدارج السالكين) للإمام ابن القيم صفحة خمسة وثمانين وأربعمائة صـ٤٨٥ من المجلد الثالث فما بعدها من هذه الصفحة، وانظروا (مجموع الفتاوى) فقد بحث في هذه القضية في ثمانين صفحة متتالية في الجزء الحادي عشر من صفحة خمسة وثلاثين ومائة إلى صفحة عشرة وستمائة ١١/١٣٥ إلى صـ٦١٠ فبين كما بين أئمتنا قاطبة أن سماع السلف الكرام كان مختصراً في سماع كلام الرحمن في تلاوة كلام ذي الجلال والإكرام، ما كانوا يعكفون على سماع القصائد والأشعار.
стр. 4289
ثبت في طبقات الإمام ابن سعد والأثر في كتاب (الحلية) لأبي نعيم، ورواه الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ، وابن حبان في صحيحه، وإسناده صحيح أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا إذا اجتمعوا يقول سيدنا عمر ﵃ وأرضاه للصحابي الجليل أبي موسى الأشعري يا أبا موسى ذكرنا ربنا، وفي بعض روايات طبقات الإمام ابن سعد يا أبا موسى شوقنا إلى ربنا فيقرأ القرآن وينصت له الصحابة الكرام، وهذا المسلك أخذوا من نبينا ﵊ فهو الذي سن لنا استماع القرآن والإصغاء إليه، وهو الذي علمنا تلاوة القرآن فاستمع لحال النبي ﵊ في ذلك لتقتدي به فهو أسوتنا وقدوتنا عليه صلوات الله وسلامه ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث في الصحيحين وسنن الترمذي وسنن أبي داود والحديث في أعلى درجات الصحة من رواية أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال له لقد مررت بك البارحة يا أبا موسى وأنت تقرأ القرآن لو رأيتني وقد مررت بك وأنا أستمع إلى قراءتك لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود] أي صوتاً رطباً ندياً عذباً كما كان هو الحال في صوت نبي الله داود، فأوتيت هذه العذوبة في صوتك كأنه صوت من مزامير آل داود، كأنه صوت من حنجرة نبي الله داود، فشبه الصوت هنا بالمزمار بجامع العذوبة في كل، لكن صوت المزمار حرام، وصوت الحنجرة الرطبة الندية حلال فانتبه لهذا، عذوبة هنا حلال وعذوبة هناك حرام لما يترتب عليها من آثام وضلال، وسيأتينا في بحثنا أن آلات المزامير والعازف كلها حرام، والاستماع لها فسق، والتلذذ بها كفر، واستحلالها ردة وخروج عن شريعة الله جل وعلا، ورد في تكملة الحديث في رواية الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه ومعجم الطبراني الكبير قال أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ يا رسول الله [لو علمت بكائك لحبرته لك تحبيراً] أي لو كنت أعلم أنك تسمع لزدت في
стр. 4290
تحسن صوتي، وقد أمرنا بتحسن أصواتنا عند تلاوة كلام ربنا.
وهذا المعنى ورد فيه أحاديث كثيرة من هذه الأحاديث حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة، وحديثه ثابت في المسند وصحيح مسلم وطبقات ابن سعد، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ولفظ الحديث عن بريدة ﵁ أنه كان مع النبي ﵊ في الليل قمراً على المسجد فإذا بأبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه يصلي ويقرأ القرآن فقام النبي ﵊ ينصت لتلاوته وستعذب صوته ثم قال النبي ﵊ لبريدة أتراه مرائياً قلت الله ورسوله أعلم قال بل مؤمن منيب قال بريدة فلما أصبحنا غدوت على أبي موسى وأخبرته يقول النبي ﵊ فقال له أبو موسى الأشعري أنت لن تزال لي صديقاً، أخبرتني بهذا عن النبي ﷺ ، ثم قال النبي ﵊ لبريدة يا بريدة لقد أوتي أبو موسى مزماراً من مزامير آل داود.
стр. 4291
وروى هذا الحديث من رواية أمنا عائشة ﵁ في مسند أحمد وسنن النسائي والحديث في طبقات ابن سعد أيضاً عن أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ استمع إلى أبي موسى الأشعري فقال لقد أوتي عبد الله قيس مزماراً من مزامير آل داود، والحديث رواه أبو هريرة أيضاً عن النبي ﷺ ، روى روايته الإمام أحمد في المسند والنسائي، وابن ماجة في السنن، يعني الحديث المتقدم وثبتت الرواية من رواية أنس بن مالك أيضاً رواها الإمام أبو يعلى بسندٍ حسن كما قال الإمام الهيثمي في (المجمع) ورواها مع الإمام أبي يعلى الإمام أبو يعلى في الحلية ورواها محمد ابن نصر في قيام الليل، وروى هذه الرواية أيضاً البراء بن عازب في مسند أبي يعلى، قال الإمام الهيثمي وإسناد الحديث موثقون ورويت هذه الرواية بسندٍ صحيح مرسل في معجم الطبراني الكبير وطبقات ابن سعد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ استمع إلى أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود، فهذا نبينا ﵊ يستمع إلى قراءة القرآن ويثني على التالي، وهكذا كان النبي ﵊ يطلب من الصحابة الكرام أن يقرؤوا القرآن ليسمع وليسن لنا سماع القرآن.
стр. 4292
ثبت في المسند والحديث في الكتب الستة إلا سنن ابن ماجة وهو في مصنف ابن أي شيبة ورواه البيهقي في السنن الكبرى وفي دلائل النبوة وهو في تفسير ابن أبي حاتم ورواه عبد ابن حميد في مسنده وكما قلت هو في الكتب الستة فهو في الصحيحين وغيرهما وهو في أعلى درجات الصحة ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه [أن النبي ﷺ قال له أقرأ عليّ القرآن فقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁ وأرضاه أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عبد الله بن مسعود سورة النساء حتى وصل إلى قول الله جل وعلا ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ قال له النبي ﵊ حسبك، يقول عبد الله بن مسعود فنظرت إلى النبي ﵊ فإذا عيناه تزرفان] وقراءة عبد الله بن مسعود على نبينا المحمود ﵊ ثابتة في غير هذه الرواية عن طريق طلب النبي منه أن يقرأ عليه، روى الحاكم في المستدرك من رواية عمرو بن حريث عن أبيه وحريث صحابي وولده عمراً صحابي كما أن ولد سعيد بن حريث صحابي، والحديث إسناده صحيح من رواية عمرو بن حريث عن أبيه حريث أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن مسعود أقرأ عليّ القرآن فقال أأقرأ عليك وعليك أنزل قال أحب أن أسمعه من غيري فقرأ عليه صدر سورة النساء يقول حتى وصلت إلى قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ قال عبد الله بن مسعود فاستعبر رسول الله ﷺ ، أي أخذته العبرة والبكاء وبدأت عيناه تزرفان بالدمع عليه صلوات الله وسلامه فقال له توقف فتوقف عبد الله بن مسعود فقال له نبينا صلوات المحمود ﵊ تلكم فتكلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي ﷺ ثم قال رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً، ثم قال عليه
стр. 4293
الصلاة والسلام وأنا رضيت لكم ما رضيه لكم ابن أم عبد، يعني عبد الله بن مسعود.
إخوتي الكرام: هذا هو سماع سلفنا الكرام الطيبين يستمعون القرآن، يتلون كلام الرحمن إذا سمعوه وجلت قلوبهم، اقشعرت جلودهم، دمعت أعينهم، هذه أوصافهم ﵃ وأرضاهم، فما الذي حصل بعد ذلك كما تقدم معنا أن الأمر تغير وقد ذكرت كثيراً من بدع المتأخرين من الصوفية كيف عكفوا على القصائد ولأشعار وضموا إليه الرقص وفعلوا هذا في بيوت الله وزعموا أنهم يذكرون الله ويعبدونه بهذه العبادات المحدثة المبتدعة، خاب سعيهم وضل علمهم، وقد وضحت بدعتهم وقلت في أخر الموعظة الماضية سنتدارس بدعة جدت في هذه الأيام، وهي بدعة الأشعار الجهادية من قبل من يجاهدون بالكلام عملوا أيضاً أشعاراً وقصائد وقالوا هذه أشعار الجهاد ينبغي أن يعكف عليه العباد من أجل بعث الحماس في قلوبهم أن أشعارهم كأشعار من المتأخرين من الصوفية، وأن أشعار هاتين الفرقتين أشعار المجاهدين في ذلك الحين، وأشعار من خرفوا من الصوفية أن هذه الأشعار كالأشعار المجونية كأشعار أهل الغناء سواء بسواء.
стр. 4294
نعم إنها قد تختلف عنها في موضوعها فلا تتعرض لفسق وخنا وبذاءة لكنها لا تختلف عنها في صيغة إلقاءها من صيغة الإلقاء تكسر وتخنث وميوعة فما الذي أباح لك هذا، من الذي أباح لك أن تتكسر، وأن تتخنث وأن تتصف بهذه الميوعة المنكرة عندما تقول هذه الأبيات من الذي أباح لك هذا، إنك إن أردف أن تقول أشعار الجهاد فقلها بكلام فصل جزل يبعث الحماس في القلوب لا يحرك بعد ذلك اللذة والطرب والركون إلى الدنيا بهذه الصيغة الماجنة من تكسر وتخنث وميوعة قال رجل لأبي معين الحسن البصري ما تقول في الغناء فقال نعم الشيء هو توصل به الأرحام ويفعل عنده المعروف ويتسلى به المكروب، ويريد ﵁ وأرضاه، من الغناء الشعر الحسن الطيب الذي يقوله الإنسان فيبعث فيه الحمية والنخوة والمروءة والشهامة ليصل رحمه ليفعل المعروف ليتسلى إذا كان حزيناً فقال السائل لا أريد هذا إنما أريد الشعر قال وما الشعر أتعرف شيئاً منه؟ قال: نعم ثم انتدفع الرجل يغني يلوي شدقيه ويلوي منخريه ويكسر عينيه ويتمايل يميناً وشمالاً قال الحسن البصري سبحان الله ما كنت أظنه أنه عاقلاً يبلغ من نفسه هذا، عاقل يفعل هذا وحال الحسن البصري كحال الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل عندما قال له قائل ما تقول في الغناء يا أبا عبد الله، فقال مثل ماذا عن أي أنواع الغناء تسأل؟ قال مثل قول القائل:
إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني *** وتخفى الذين عن خلقي وبالعصيان تأتيني
فأخذ الإمام أحمد بلحيته وأخذ يردد البيتين إذا سمي هذا عن الناس بغناء فلا يضر، هذا كما قلت يفعل عنده المعروف يحرك الشهامة والنخوة والمروءة، أشعار الزهد.
стр. 4295
إذن لأشعار الجهادية الذين يزعمون أحابها أنهم سيقيمون الدولة الإسلامية بتكسر وتخنث وقلة حياءٍ ورقة وميوعة، ويقول هذه أشعار الجهاد ثم بعد ذلك محذور آخر صاحبتها آلات اللهو من دفٍ ومزمارٍ وغير ذلك من الذي أباح لكم آلات اللهو يا عباد الله، إن استحلال آلات الملاهي كفر، ومن يستحل شيئاً منها مهدد بأن ينسخ قرداً أو خنزيراً كما سيأتينا في الموعظة الآتية إن شاء الله، من الذي أباح لك أن تضرب بالدف وهو الذي رخص فيه للنساء فقط، في الأفراح والعرس، فهل جعلت نفسك امرأة، وجعلت أيامك أيضاً كلها عرساً فتضرب بالدف باسم أشعار الجهاد، من الذي رخص لك هذا، ثم بعد ذلك محذور ثالث ألا وهو أن هذه الأشعار عكف عليها الأشرار في هذه الأيام الذين يدعون إقامة دولة الإسلام عكفوا عليها وتركوا كلام الله جل وعلا، أشعار جهاد على زعمهم تكسر وتخنث يصاحبها آلات محرمة يعكفون عليها ويقولون سنقيم دولة الإسلام بذلك.
стр. 4296
كنت مرة في مكة المكرمة شرفها الله وكرمها وزادها تعظيماً وبركة مع بعض إخواننا في سيارة وهو من فتن بهؤلاء وظن أن هذا يعتبر جهاداً إذا سمعه هذه الأشرطة التي فيها أغاني الجهاد يتكسر وآلات لهو فوضع الشريط في التسجيل وهو في السيارة يقودها وأنا بجوره وبدأ اللحن وقيل أيضاً أن يخرج المغني الماجن المخنث في كلامه وقصيدته شيء من اللحن في البداية وبعد ذلك بالصيغ المعروفة، قلت يا عبد الله عندك لشريط لفلانة من الرقاصات الماجنات، قال سبحان الله تسأل لماذا؟ قلت أسألك عندك شريط لفلانة قال أعوذ بالله، أنا أقتني شريطاً لهذه المفتنة، قلت أنا أنصحك نصيحة إذا كان عندك شري لها فضعه بدل هذا الشريط لتستمع إليه، قال أعوذ بالله، أنت تستمع الغناء، قلت والله ما أستمع، لكن استماعي لفلانه أخف من استماعي لهذا الأشعار، قال وكيف، قلت يا عبد الله إذا استمعنا شريط الغناء تعرف أننا عصينا الله لعلنا نتوب بعد ذلك أما جلسنا نلحد في حرمة الله ونحارب الله ونحن نزعم أننا نجاهد في سبيل الله، يا عبد الله اتق الله في نفسك، من الذي أباح لك هذا الزمر وهذا الضرب، في هذه الأشرطة تسمعها وأنت بجوار بيت الله الحرام، من الذي أباح لك هذا؟
إخوتي الكرام: أشعار جهاد في هذه الأيام حلت محل أشعار المتأخرين من الصوفية تقال بتكسر وتخنث وميوعة يصاحبها آلات اللهو ثم بعد ذلك عكفوا عليها وأعراض عن كلام الله جل وعلا، أي جهادٍ هذا؟
стр. 4297
إخوتي الكرام: إن جميع آلات العزف وآلات اللهو محرمة، ولا يستثنى من ذلك إلا الدف لصنف واحد وهو النساء في أيام الأفراح والعرس وما عدا هذا فلا يباح شيء من آلات اللهو لا للنساء ولا للرجال في وقت من الأوقات، فالنساء يستعملن الدف في مناسبات حددها خير البريات ﵊، كما أباح الشارع لهن أن يصفقن في الصلاة إذا سها الإمام من أجل ألا يسمع صوتهنَّ، وهنا أباح لهن هذا ولا يجوز للرجل أن يصفق ولا يجوز للرجل أن يستعمل شيئاً من آلات اللهو، وإذا استعملها فقد غير رجولته وهو من المخنثين عند أئمتنا، يقول الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) في الجزء الحادي عشر صفحة خمسة وستين وستمائة ١١/٦٦٥ وبالجملة فقد عرف بالأضرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لصالح أمته وعبادهم وزهادهم أن يجمعوا على استماع الأبيات الملحة مع ضرب بالكف وضرب بالقضيب أو الدف كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته وابتاع ما جاء به من الكتاب والحكمة، لا في باطن الأرض ولا في ظاهره.
ولا لعاس ولا لخاص ولكن رخص النبي ﷺ في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على لهذه فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكفٍ، بل قد ثبت عنه أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء، ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثاً، ويسمون الرجال المغنيين تخانيثاً، وهذا مشهور في كلامهم إخوتي الكرام، وأما الحديثان اللذان أشار إليهما شيخ الإسلام:
стр. 4298
الحديث الأول: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، فهو حديث صحيح ثابت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة ﵁، وهو في المسند والصحيحين ومسند أبي داود وسنن النسائي وفي السنن الكبرى للإمام البيهقي من رواية سهل بن سعد، وثبت أيضاً في سنن ابن ماجة بسندٍ صحيح من رواية عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ رخص للنساء التصفيق للصلاة كما رخص للرجال في التسبيح، وهو ثابت من رواية جابر بن عبد الله ﵃ أجمعين في مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال [إذا أنساني الشيطان شيئاً من الصلاة فليصفق النساء وليسبح الرجال] ، والحديث إسناده حسن، كما في مجمع الزوائد الجزء الرابع صفحة عشر ومائة ٤/١١٠.
стр. 4299
وأما الحديث الثاني في لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء فهو حديث صحيح رواه أهل الكتب الستة إلا الإمام مسلم من رواية عبد الله بن عباس، وانظروا أحاديث كثيرة عن عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين فيها هذا المعنى في مجمع الزوائد في الجزء الثاني صفحة ثلاثة ومائة ٢/١٠٣ في باب الأدب، باب في المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، فالمرأة يباح لها أن تصفق، إذا سها الإمام لتنبيهه لئلا تتكلم لأن صوت المرأة فتنة، وإذا كان صوت المرأة فتنة فما بالكم بوجهها، أنا أعجب غاية العجب كيف انعكست وانقلبت الموازين في هذه الأيام، أمرنا أن نغض طرفنا عن النساء، ونعتقد الآن مؤتمرات عن زعم المؤتمرين أنهم يبحثون في شئون المسلمين فيجلس بعد ذلك شيخ عن اليمين، وشيخ على اليسار وبينهما امرأة تدير الحلقة، تدير المناقشة سبحان ربي العظيم امرأة تكشف عن وجهها وتستقبل الجمهور والناس يستقبلونها، ثم شيخ شيعي وشيخ سني وهي بينهما في الوسط ستتوحد الأمة على النساء، سبحان ربي العظيم، امرأة تجلس لتدير ندوة، أما يوجد رجل ليدير ندوة؟ حصل قحط في الأمة، ما يوجد رجل يدير هذه الندوة، علام هذه المرأة لتدير هذه الندوة، وإذا كانت المرأة تصلي خلف النبي ﵊، وسها النبي ﵊ بحضور الصحابة الكرام، فلا تقل سبحان الله لئلا تحرك قلوب الرجال فلتصفق ولتضرب بظاهر كفها اليمنى على ظاهر كفها اليسرى ولا داعي للتصفيق بعد ذلك بالراحلتين لتمنيه أنه حصل قلل في الصلاة وهي امرأة خلف النبي ﷺ مع الصحابة الكرام وهذه امرأة شابة جميلة تجلس بين شيخين، وتقبل على الجمهور ومن يضمن لنا حال الحاضرين، لماذا هل التحلل وهذا التقلب في هذه الأيام.
стр. 4300
إذاً المرأة في الصلاة تصفق لئلا يسمع صوتها الرجال وأبيح لها ما أبيح في أوقات خاصة، وليس من حق أحد أن يبيح وأن يمنع إلا النبي ﷺ حسب ما يبلغ عن ذي الجلال والإكرام، وأما الرجل فلم يبح له دف ولا غيره لا في عرسٍ ولا في غيره.
إذاً أشعار بعد ذلك تقال فيها تصاحبها هذه المزامير، هذه الدفوف، ويقال بعد ذلك أشعار جهادية، وأما القول إخوتي الكرام بأن الموسيقى إن لم تكن مثيرة فهي حلال، فغاية ما يقال على التعليق على هذا القول ن هذا رأي بشري والرأي البشري إذ ما خالف ما ثبت عن رسولنا النبي ﵊ فهو وراء الظهر، وهو تحت الرجل، وكلام النبي ﵊ لا يعارض بكلام أي كان، وسيأتينا في الموعظة الآتية إن شاء الله أن جميع آلات اللهو من المزامير والمعازف كلها حرام، فالقول بعد ذلك أن الموسيقى إن لم تكن مثيرة فهي حلال، فما الدليل على هذا؟ وما الدليل على التفرقة بين الموسيقى المثيرة وغير المثيرة؟ وما الذي يؤثر في هذا ولا يؤثر في هذا؟ وقد يسمع الإنسان أشنع أنواع الموسيقى على تعبيرك ويقول لا أتأثر فهي حلال، ما الضابط لذلك؟ كل هذا كلام لم يوزن بميزان الشرع فهو كلام مردود، إن هذه الفتيا كما قلت كحال من يقول إن شرب القليل من الخمر إذا لم يؤثر في الإنسان فهو حلال، وقد قال بعض القسس عليهم غضب الله ولعنته عندما قيل لهم إن الخمر عندكم في كتابكم حرام، والله يقول في الإنجيل لا يدخل الجنة سكير ولا زانٍ فقال المراد عن السكر هو الذي يشرب صطلاً من الخمر، وأما إذا شرب زجاجة أو كأساً فلا حرج، صار حالنا أيضاً يشابه أولئك، وسيأتينا نصوص النبي ﵊ في الموعظة التالية التي تحرم جميع آلات العزف والموسيقى وجميع آلات اللهو.
стр. 4301
إذاً اخوتي الكرام: هذه الأناشيد التي فشت في هذه الأيام باسم الجهاد محذورة ممنوعة لهذه الأمور، تقال بتكسر وتخنث، يصاحبها آلات محرمة صدت الناس عن آيات الله المحكمة، فإن خلت من هذه المحذورات فهي من المباحات، بل تدخل في دائرة المستحبات إذا خلصت النيات لما فيها من شحذ للعزائم وحث على الفضائل والمكارم، وأما ما يقوله بعض الناس يقول إذاً ما البديل عن الغناء الماجن لابد من بديل؟ الجواب إن البديل ما ينبغي أن يكون بتبديل، بدلتم شرع الله الجليل باسم البديل، هنا غناء معه عزف وخنوثة وميوعة، وهناك غناء معه عزف وخنوثة وميوعة ما اختلف الموضوع. إذاً ما ميزة غنائك عن غناء أولئك، جئت تريد بديلاً فأحضرت لنا شيئاً هزيلاً، البديل أن تعود إلى ما كان عليه سلفنا الكرام عليهم رضوان الله عليهم أجمعين، ولا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها.
الأمر الثاني: أقول البديل ليسق تروكا للرأي، والأمر إذا أردنا أن نتحدث عن طريق عقولنا وآرائنا دون أن يؤخذ من شريعة ربنا إنه لن يكون له أثر نافع في حياتنا، والله لا يمحو الخبيث بالخبيث، ولا يمحو السيئ بالسيئ، إنما يمحو الخبيث بالطيب، ويمحو السيئ بالحسن، فإذا أردت بديلاً أعكف على أشعار تقال بجزل وفصل ينبعث الحماس في قلوب الناس دون أن يصاحبها لهو، ودون أن يصاحبها بعد ذلك ميوعة وخنوثة، ثم بعد ذلك إقبال على كلام الله وسرد أحاديث النبي ﵊ التي تبعث في الأمة معاني الشهامة والنخوة والمروءة والنجدة.
стр. 4302
والأمر الثالث: وأنا أقول لمن يقولون لابد من بديل، العجب لكم وعجبي لا ينتهي منكم ومتى كانوا أهل اللهو وأهل الطرب يعيشون هم الأمة تريدون أن تحركوا الأمة نحو الجهاد والكفاح ولا تريدون على زعمكم أن يشتغلوا بالتشدق والصياح فما الذي جرى منكم، تسكر وخنوثة وميوعة، فليتكم صحتم ونشدتم بغير هذه الخنوثة والميوعة، تريدون أن تحثوا الناس على الكفاح ثم جئتم بعد ذلك بهذه الأشعار تخنث وميوعة ومعها المزامير، متى كان المغني والرقاص ومن يعكف على اللهو يعيش همَّ الأمة؟ هذا حال الأمة، إن أبا سفيان كما تقدم قيل ذلك في موقفه بدر وقد أسلم بعد ذلك ﵁ وأرضاه عندما انتصر المسلمون وقتل من المشركين سبعون، انظر للهم الذي يعيش، حلف أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يثأر لأصحابه وحتى ينتقم من محمد وأصحابه وبقى ستة كاملة لا يصب على بدنه قطرة ماء حتى قاد جموع المشركين في موقعة أحد وكان ما كان، وهذا يريد أن يعيش هموم الأمة ومشاكلها يجلس بعد ذك يغني ويتخنث ويتكسر ويقول هو يعيش همَّ الأمة يا طبال ينبغي أن تبكي دماً لا دمعاً جولت بعد ذلك هذا الشعور إلى غناء والى طرب وإلى لهوٍ وتقول إنك تعيش همَّ الأمة ومشاكلها.
стр. 4303
إخوتي الكرام: والله لا يحرك الأمة إلا كلام خالقها، فإذا أردنا من الأمة أن تتحرك إلى الكفاح والجهاد فلنسمع قول الله جل وعلا ﴿فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ والله إن العاقل إذا تليت عليه هذه الآية يقول ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، إذا أردت أن تحرك الأمة فحركها بكلام الله : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين *﴾ .
أقول هذا القول واستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وفرج كروبنا واقض حوائجنا يا أرحم الراحمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر الفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب الناس إليك ومن المقربين لديك وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
стр. 4304
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم احسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المؤمنين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات وصل الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.. والحمد لله رب العالمين..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد *﴾ .
стр. 4305
توضيح الحق
(بحث)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
توضيح الحق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أما بعد إخوتي الكرام: فهذه الموعظة ستكون أمر طرأ ونسأل الله أن يحفظنا من كل شر في الدنيا والآخرة، وهذا الأمر الذي طرأ إخوتي الكرام ويتحدث به عباد الرحمن في هذه الأيام لعله بلغكم شريط من شيخين يتكلمان فيه حول بعض القضايا وأرى من باب إحقاق الحق وبيان حقيقة الأمر ونصحاً لهما ووضع الأمر في موضعه أن نتدارس هذا على وجه الاختصار في هذه الموعظة وتفصيل المباحث يأتي بعد ذلك إن شاء الله مع أن الكثير من المسائل قد مر الكلام عليها ومن أراد الحق وجده فيها لكن كثيراً من الناس يتصيدون الكلام من هنا وهناك ويضعون الشيء في غير موضعه ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا كلمة الحق في الرضا والغضب إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام: كما قلت كلام يتداوله الناس في مواقف حول كلام تدارسناه وذكرناه فيما مضى وهذا الكلام صدر من الشيخ الألباني ومن الشيخ أبي شقرة. وأنا في هذه الموعظة كما قلت سأبين الحق في هذا الأمر إن شاء الله.
стр. 4306
إخوتي الكرام: تقدم معنا مراراً أن دين الله جل وعلا يقوم على أمرين اثنين تعظيم لله وشفقة على خلق الله جلً وعلا والذي يتأمل هذين الشريطين يرى أنه حقيقة حصل فيهما اعتداء على الله جلّ وعلا كما حصل فيهما ظلم لعباد الله وإذا كان الأمر كذلك فسأقرر هذا بما يدل على الأمر الأول ثم بعد ذلك اتبعه بما يدل على الأمر الثاني من حق العباد الأحياء والأموات وعليه عندنا ثلاثة عناصر حق الله وحق العباد الأموات وحق العباد الأحياء أما حق الله إخوتي الكرام أول كلمة في الشريط إذا سمعتموه يقول الشيخ الألباني أسأل الله أن يغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين (كنت أتمنى أن يكون – ويقصدني بذلك – أن يكون مخلصاً وإن كان مخطئاً) .
يعني يقول: خطأ عبد الرحيم لا شك فيه لكن كنت أتمنى أن يكون مع خطئه مخلصاً لله في كلامه لكن لا إخلاص ولا صواب أما الأمر الثاني الذي حكمت به فلك أن تحكم على حسب اجتهادك أنني أصبت أو أخطأتُ اهتديتُ أو ضللتُ والله سيحاسبك وإليه سيؤول العباد جميعاً. أما أن تتدخل في الأمر الأول فحقيقة هذا لا ينبغي لبشر أن يتدخل فيه فما في قلوب العباد لا يعلمه إلا رب العباد فمن الذي أطلعك على قلب هذا المسكين وهل هو مخلص فيما يقول أو منافق لئيم؟ من الذي أطلعك؟ هل أطلعك الله على غيبه لتقول هذا أنت أيها الشيخ تقول: لايمكن أن يُكاشَفَ إنسان بشيء عن طريق الكراهه وتخالف بذلك أهل السنة قاطبة فأهل السنة يقولون: الكرامات تقع في المكاشفات وتقع في القدرة وتقع في الغنى فيُعلِمُ الله بعض عباده بما يخفى على بعض العباد.
стр. 4307
وهذه مكاشفات يقررها الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابين من كتبه: في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وفي قاعدة في المعجزات والكرامات وهو المقرر عندنا في كتب التوحيد في العلم مكاشفات وفي الغنى وسيأتينا بسط هذا بأدلته والتوسع في أنواع خوارق العادات عند الأمر الثاني الذي يعرف به صدق النبي ﷺ ألا وهو المعجزات وخوارق العادات فإذا أنت تقول لايمكن أن يعلم الإنسان المغيب عن طريق الكرامة يعني لو كنت ولياً لله تقول أن ما يحصل لي هذا ونسأل الله أن تكون ولياً ومن المقربين لكن أنت تنفي هذا عن كل ولي فإذا ما أطلعك الله عن هذا الأمر بسبب كرامة تحصل للصالحين فمن أين علمتَ أنه مخلص أم لا؟ ولا علاقة على الإطلاق بين الصواب وبين الإخلاص، قد يشرك الإنسان بالله ويكون مخلصاً قد يذهب ويسجد لقبر، سجوده لقبر حرام وشرك، لكن يكون مخلصاً قد قرر أئمتنا كثيراً من عباد القبور يُجابون فيما يسألون لإخلاصهم لا لاستقامة فعلهم فهم على ضلال. وهو عندما يذهب إلى القبر يذل لله وينكسر له فيقضي له حاجته .
فإذاً لا صلة بين الإخلاص - كما قلت – وبين إصابة الحق قد يكون الإنسان مصيباً [وقد يكون] وهو مخلص أو لا نكون على حق أولا لا صله له كما قلت بالإخلاص. فعندنا إتباع وعندنا إخلاص.
فإذا اتبعت أحسنت، وإذا أخلصت أحسنت، وقد يوجد إخلاص بلا إتباع وقد يوجد إتباع بلا إخلاص. فقولك: (كنت أتمنى أن يكون مخلصاً وإن كان مخطئاً) هل أطلعك الله على غيبه؟ وإذا رجعت عن قولك وقلت إن الله أطلعني عن طريق خرق العادة فليتك بينت هذا من أجل أن نكون على بينة وأسأل الله أن يلطف بأحوالنا إنه أرحم الراحمين.
стр. 4308
أيها الشيخ الكريم: من المقرر عندنا في كتب الحديث الشريف – حديث نبينا ﵊ – حديث عمر ﵁ وأرضاه وهو حديث عظيم وجليل له وقع في الإسلام كبير وهو ثابت في الكتب الستة وغيرها: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولا يطلع على ما في النيات إلا رب البريات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وقد كان أئمتنا الكرام يستحبون بدأ أعمالهم بهذا الحديث.
قال عبد الرحمن بن مهدي – كما تقدم معنا في أوائل دروس سنن الترمذي – وقد توفي سنة ١٩٨ للهجرة من صنف كتابا فليبدأ بحديث عمر وهذا ما فعله البخاري.
أيها الشيخ الكريم: أول شيء مرّ معك في دراسة سنة نبينا ﵊ هذا الحديث هلاّ إعتبرت به؟ قال الإمام أبو سليمان الخطابي عليه رحمة الله وقد توفي سنة ٣٨٨ هـ كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون بدء أعمالهم بحديث عمر قبل كل قول وعمل، يتذكر الإنسان خشية الله ليصحح نيته ولئلا بعد ذلك يتهم غيره. إخوتي الكرام، هذا الأمر ينبغي أن نعيه وعليه ما في الشريط أنه ليس بمخلص وأنه مصلحجي وأنه، وأنه فكما قلت إن أطلعكم الله على غيبه فعلى العين والرأس وإن لم يطلعكم الله على غيبه فقد أشركتم بالله جل وعلا لأن هذا منازعة لله في ربوبيته. إخوتي الكرام أنتم تدندنون طول حياتكم حول البدع لا يجوز أن نفعلها وينبغي أن نحذر الناس منها ووصل تشددكم في أمر البدع أن من حمل سبحته قلتم عنه إنه مبتدع. وكلامكم باطل والحكم على السبحة بالبدعة بدعة وقد قرر هذا أئمتنا الكرام كما في مجموع الفتاوي للإمام ابن تيمية ٢٢/٥٠٦ قال: (إذا أحسنت النية في التسبيح بالخرز فهو حسن غير مكروه) .
стр. 4309
الذي أريد أن أقوله إذا وصل تنطعكم وتشددكم واحتياطكم أن تقولوا إن السبحة بدعة من باب صيانة جناب التوحيد وعدم فعل شيء ليس في شرع الله على حسب اصطلاحكم. كيف بعد ذلك جئتم تمدون علمكم إلى ما في قلوب العباد؟ حقيقة هذا منازعة لله في توحيد الربوبية وتوحيد الربوبية عندنا أقر به المشركون فضاع عند الموحدين في هذه الأيام.
حقيقة أمر عظيم أمر فظيع ولذلك أنا أرجو من هذا الشيخ الكريم أن يعيد النظر فيما قال وأن يخبرنا إن اطلعه الله على غيبه فنفوض أمرنا إلى الله وما لنا إلا أن نعبده سواء كنا من أهل الجنة أو من أهل النار لكن إن اطلعك الله فهذه حقيقة يعني – كما قلت – بلية في حقي وأفوض أمري إلى الله. وإذا لم يطلعك فأرجو أن يقف كل إنسان عند حده. قُلْ فلان أصاب وأخطأ، اهتدى وظل وقل ما شئت وسيحاسبك الله على ما تقول لكن لا تتدخل بين العباد وبين ربهم فهذا مخلص أو منافق؟ كِلْ سرائرهم إلى الذي يعلم السر وأخفى وأنا أقول هذا لتعلم أيها الشيخ الكريم وليعلم كل مسلم والله ما أصف نفسي بالإخلاص وما أعلم أنني أخلصت في حياتي وأنا على نفسي بصير والله الذي لا إله إلا هو ما أصف نفسي بهذا وإذا وصفت نفسي بذلك فلا شك في غروري وسفاهتي وقلة عقلي. لكن كما قلت هذا ما يتعلق بحالي مع نفسي أما أنت لا تتجرأ على قلوب العباد، فوِّض أمرهم إلى ربهم جل وعلا.
إخوتي الكرام:
ينبغي أن نتهم أنفسنا وأن نكون على علم بحالنا وقد تقدم معنا في ترجمة العبد الصالح هشام الدستوائي وقلت حديثه مخرج في الكتب الستة وتوفي ١٥٢هـ يقول هذا العبد الصالح: (والله ما أستطيع أن أقول إني قد ذهبت يوما قط اطلب الحديث أريد به وجه الله .
فمن أنت أيها الشيخ ومن أنا ومن يوجد في هذا الزمان بجنب أولئك الأئمة الأعلام.
стр. 4310
ما أستطيع أن أقول أني ذهبت يوماً قط اطلب الحديث أريد به وجه الله. وغالب ظني أنك وأنكم لا يخفى عليكم حال هشام الدستوائي الذي بكى من خشية الله حتى فسدت عينه والذي كان يقول عجبت للعالم كيف يضحك ثم يقول عن نفسه هذا. وكان أكثر أهل البصرة ذكراً للموت وهو الذي يقول فيه أمير المؤمنين شعبة بن الحجاج: (هشام أعلم مني وأحفظ من قتادة) وهو الذي يقول فيه أبو داود الطيالسي: (هشام الدستوائي أمير المؤمنين في الحديث) ومع ذلك يقول (لا أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث أريد به وجه الله فكوني مخلصاً أو لا فدع هذا لي بين وبين ربي. وأنت لا تتدخل بما في قلوب العباد وكل واحد ينبغي أن يتهم نفسه، وأنا على يقين أن كل واحد منا يعرف من عيوب نفسه مالا يعرفه من عيوب غيره، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
قال الإمام الذهبي معلقاً على كلام هشام الدستوائي: (قلت: والله ولا أنا –أي أنا ما أستطيع أن أقول إنني ذهبت اطلب الحديث لله في يوم قط –أبدا- لله مخلص لا يمكن أن أقول هذا. قلت والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنَبُلُوا وصاروا أئمة يُقْتَدَى بهم وطلبه قوم منهم أولا لا لله فحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم فجرّهُمُ العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق كما قال مجاهد وغيره طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزقه الله بعد وبعضهم يقول: (طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله) فهذا أيضاً حسن ثم نشروه بنية صالحة ﵏ ورضي عنهم والصنف الثالث قوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثني عليهم فلهم ما نَوَوا.
следующие страницы →