← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

هذه الصورة الأولى: وقعت في السلف الأول في زمن الصحابة الكرام، لكن القلوب منورة والصدور منشرحة، والعقول زكية ذكية، فما حصل من جرَّاء هذا الخلاف أي مشكلة ردية، استمع بعد ذلك لمشاكلنا التي لا نهاية لها في عصرنا، وسأعرض نموذجاً صغيراً نحو هذه القضية، ليس فيه تأخير صلاة، إنما فيه هيئة من هيئات الصلاة المستجبات التي هي.. بإجماع.. إن تركتها عمداً لا يضرَّك وإن فعلتها فلا يضرك أيضاً فعلها على جميع الأقوال، سواء قلنا مشروعة أولاً، إن فعلتها لا تبطل صلاتك ولو لم تكن مشروعة عند من لا يقول بمشروعيتها، وإذا تركتها لا تبطل صلاتك ولا إثم عليك عند من يقول بمشروعيتها، ومع ذلك نختلف فيها ويضلل بعضنا بعضا، ونشتد في الكلام على سلفنا الكرام. هذه القضية إخوتي الكرام قضية العقد، وضع اليمين على الشمال بعد الرفع عنا لركوع، إذا رفع الإنسان من الركوع وقال: (سمع الله لمن حمده) فما الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها البدان، هل يرسلهما ويسبل يديه؟ كما هو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمة الله عليهم، أو يعقدهما، كما كان يعقدهما قبل الركوع؟ فيضع اليمين على الشمال ويقبض على الشمال باليمين؟ كما كان قبل الركوع كما هو قول الإمام أحمد رحمة الله عليه، والإمام احمد خير المصلي وقال: (إن شاء عقد ووضع اليمين على الشمال، وإن شاء أرسل وأسبل يديه) لكن الحنابلة قالوا: العقد أفضل بعد الرفع من الركوع، يعني هذا قيام فيه ذكر مسنون، فيشرع فيه القبض، كما كان قبل الركوع، ولأن هذا آكد لخشوع الإنسان، والقلب هو محل الخشوع، والإنسان إذا أراد أن يحافظ على شيءٍ وضع عليه يديه، وقلبك إذا قمت ينبغي أن تضع يديك على قلبك من أجل المحافظة على خشوعك لئلا يكون في هذا القلب شيء من التسرب والوسوسة وحديث النفس، هذا مشروع وهذا مشروع، والكيفية التي ذكرها الإمام أحمد وقررها الحنابلة الكرام.

стр. 4237

ورد الحديث محتملاً لها، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه يعني من الركوع وقال سمع الله لمن حمده ينتصب قائماً حتى يعود كل فقار إلى موضعه، كل عظم يعود إلى موضعه، قوله (إلى موضعه) هذا ينبغي أن ترسل اليدين. ١. إلى موضعه الطبيعي وعليه ينبغي أن ترسل اليدين. ٢. إلى موضعه الذي كان عليه قبل الركوع فينبغي أن تعقد وأن تضع اليمين على الشمال وأن تقبض الشمال باليمين. يحتمل هذا، ويحتمل هذا، ولذلك قال الإمام أحمد عليه رحمة الله ورضوان: المصلى مخير إن شاء عقد، وإن شاء أرسل. وثبت في سنن النسائي بسند صحيح كالشمس من رواية وائل بن حجر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ إذا كان يصلي وهو قائم بقبض شماله بيمينه، إذا كان يضع يمينه على الشمال ويقبض باليمين على الشمال إذا كان قائماً، وهذا القيام عام، ما خصصه بالقيام الذي فيه قراءة وهو قبل الركوع، وعليه.. عموم هذا اللفظ وإطلاقه يشمل القيام الذي بعد الركوع وقبل الركوع والكيفية احتملها دليل شرعي وقال به إمام من أئمتنا، احتملها دليل وقال به إمام جليل. وهي هيئة من هيئات الصلاة مستحبة عند من قال بها، لو تركتها عند الحنابلة لا يضرك، وعند الجمهور لو فعلتها لا يضرك ولا حرج على صلاتك.. طيب.. إذا كانت المسألة في هذه السهولة علام نضخمها في هذا الوقت، وينبذ بعضنا بعضا بالبدعة والضلال، ونفرق بين أمة نبينا محمد ﷺ ؟

стр. 4238

أريد أن أقول لماذا يقال في هذه الأيام في التعبير عن هذه القضية فيقول: (وأما من قال، إن حديث أبي حميد ﵁ يحتمل العقد والقبض بعد الركوع، فهذا قول باطل، من قال هذا هو قول باطل) ثم يقول: ولست أشك في أن هذه الكيفية أي وضع اليمين على الشمال بعد الرفع من الركوع لست أشك في أنها بدعة ضلالة، وإن قال بها الإمام أحمد، وقول الإمام أحمد بها لا يخرجها عن بدعيتها) . علام يا عبد الله؟ علام رمي كلام أئمتنا بالتبدع والتضليل وقد احتمله الدليل.. قال به إمام جليل، الأمة من أولها إلى آخرها ستحتكم إلى فهمك، ألا تتقي ربك فيما تقول: لا تشك في أنها بدعة ضلالة لو قلت: إن هذه الكيفية فيما يظهر لي أنها مرجوحة، لقلنا جزاك الله خيراً، هذا ما ظهر لك، ومع ذلك نقول: تأدب مع الأئمة وقل هذا وهذا مقرّر عند أئمتنا ولا حرج على الفاعل بكل منهما، لكن (لا تشك) هي قضية قطعية؟ كأنها لا إله إلا الله محمد رسول الله، ليس هناك شك في المسألة، لا تشك يا عبد الله هذه كلها بنيت على أدلة أستنبط منها هذا الأمر، هي ظنية في القولين. ثم أقول لهذا القائل، ما الدليل على أن النبي ﷺ كان يرسل يديه بعد الرفع من الركوع، لا دليل على ذلك، إذاً بقي هذا فهم من حديث، وذالك فهم من حديث، فعلام يقدَّم أحدُ الفهمين ويحكم له بالسنة والسلفية ويرد الفهم الثاني ويحكم عليه بالخطأ والبدعية، علام، هذه مسألة.. هيئة من هيئات الصلاة نختلف فيها – وكما قلت – لو أن المسألة الأولى وقعت فينا لضرب بعضنا رقاب بعض، تؤخر الصلاة عن وقتها، ولأراق دمك، بسم الله ، ولا يريق دمك إلا باسم الشيطان، سبحان ربي العظيم: هيئة من هيئات الصلاة على القول بمشروعيتها مستحبة، من أجل تتنابد الأمة بالبدعة والضلال؟ إن هذا والله حقاً من العار وهذا هو الانحطاط الذي تعيشه الأمة في هذه الأوقات.

стр. 4239

إخوتي الكرام: لابد أن ننتبه لقضية قررها علماء الإسلام، وهذه القضية يذكرها الإمام أبن قدامة في كتابه المغني في المقدمة، وينقلها شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في مجموع فتاويه ٣٠/٨٠ وهي (إن اتفاق أئمتنا وإجماعهم حجة قاطعة وأما اختلاف أئمة الإسلام رحمة واسعة) . قال الإمام ابن قدامة في مقدمة المغني: (تحيا القلوب بذكرهم، وتحصل الخيرات والبركات باقتفاء آثارهم) . إجماع أئمتنا حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، قلوبنا تحيا عندما نذكرهم ونترحم عليهم، يحصل لنا السعادات والخيرات والبركات عندما نقتفي آثارهم فالإجماع حجة والأختلاف بين أئمتنا رحمة واسعة تتسع له صدورنا ونقول كل يريد وجه ربنا، وعليه إذا قبضت أو أرسلت فأنت على هدى، كما قرر أئمة الإسلام. وهذا القول أعني أئمتنا حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة هذا القول تتابع عليه أئمة الإسلام، ولا يُنكره إلا أهل البدع والضلال والهذيان، وقد قرر هذا الأمر شيخ الإسلام الإمام الخطابي (٣٨٨هـ) في كتابه (أعلام الحديث) ١/٢٢٠. فبعد أن نقل هذه المقولة إجماع العلماء حجة واختلافهم رحمة، قال: وهذا القول لم يطعن فيه غير رجلين، رجل مغموص عليه في دينه، ورجل معروف بالسخف والخلاعة في مذهبه. أما المغموص عليه في دينه فهو الجاحظ عمرو بن بحر والذي هلك سنة ٢٥٠هـ أو ٢٢٥هـ هذا الجاحظ الذي قال عنه أئمتنا كما في لسان الميزان لأبن حجر وسير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، يقول: ( ... ما جن في دينه مبتدع) قال ثعلب: (كان يكذب على الله وعلى رسوله وعلى عباده، وهو الجاحظ، يكذب على الله وعلى رسوله وعلى عباده، وختم الإمام الذهبي ترجمته بقوله: فسبحان من أضله الله على علم) . هذا المخذول يطعن في هذه المقولة ن ويقول: إن اختلاف العلماء ليس برحمة، إنما هذا بدعة، وعند الاختلاف ينبغي أن نأخذ بقولٍ ونردَّ ما عداه وأن نبدَّع المخالف.

стр. 4240

والثاني هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي.. صاحب كتاب الأغاني والذي هلك سنة ٢٣٥هـ ولم يكتف أن أورد في كتابه الأغاني ما أورد، بل صدَّر كتابه بذم أهل الحديث، وعدم وجود العقل عندهم، عندما يروون الحديث، وهذا هو المعروف – كما قلت – بالسخف والخلاعة في مذهبه، هذان الرجلان طعنا في هذه الجملة، وجاء بعدهما صاحب الشذوذ (ابن حزم) وقال: هذه مقولة باطلة، ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاجتماع عذاباً وهذا هو عين ما قاله الجاحظ وعين ما قاله إسحاق بن إبراهيم الموصلي وهذا كلام باطل، وقد فنده الإمام الخطابي في كتابه أعلام الحديث، فقال: إن الشيء وضده قد يجتمعان في الحكمة ويتفقان في المصلحة ن فإذا كان النهار صلاحاً ومعاشاً لا يلزم أن يكون الليل فساداً وضلالاً، وإذا كانت الحياة سبباً والنعمة لا يلزم أن يكون الموت سبباً للشفاء والنقمة، إنما الموت له حكمة، والحياة لها حكمة، والنهار له حكمة، والليل له حكمة، وإذا كان النهار مصلحة لا يلزم أن يكون الليل مفسدة، فكم لظلام الليل عندي من يد تخبّر أن المانويَّة تكذب. فالاجتماع رحمة، واختلاف الأئمة فيما يشهد له الدليل رحمة، وما أحد قال إن الاجتماع نقمة، ونحن قلنا في أول المقولة، كما قال أئمتنا: (إجماعهم جحة قاطعة – ومخالف الإجماع ضالّ- واختلافهم رحمة واسعة) . إخوتي الكرام: هذا الأمر ينبغي أن نعيه في هذه الأيام على وجه التمام، لأن الأمة بدأت تتنابز بالضلال والفسق والبدعة دون بصيرة ولا بينة، والشيطان استحوذ على قلوب الناس إلا ما رحم ربك، وأفعال نقلت عن أئمتنا واحتملها الدليل الشرعي وقررها أئمتنا، في هذا العصر تنبذ بالبدعة ويقال: لا شك في أنها بدعة ضلالة.

стр. 4241

ولا شك في أن هذا الكلام بدعة وضلالة، قائله ينبغي أن يتقي الله وأن يسكت، وإذا لم يسكت فينبغي أن يحجر عليه وأن يسكِّت، ولا يجوز أن يقال فيما احتمله الدليل وقال به إمام جليل بأنه بدعة ضلالة، هذا النموذج الأول شيء احتمله الدليل انظر لموقف سلفنا نحوه وانظر لموقفنا. أما الموقف الثاني: شيءٌ شهد له الدليل وقام عليه ثم كثر بعد ذلك حوله القال والقيل، بسبب وجود رأي هزيل، فاستمعوا لهذا إخوتي الكرام.

стр. 4242

صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك هي قيام لليل، ولم يكن الاجتماع عليها في زمن نبينا ﵊ ولا في زمن أبي بكر ولا في صدر خلافة عمر، ونبينا ﵊ صلاَّها وشرعها وصلاَّها بأصحابه ثلاث ليال، ثم ترك بعد ذلك خشية أن تفرض على الأمة، والأمر كما في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن أبي داود من رواية أم المؤمنين عائشة ﵁ قالت: إن كان رسول الله ﷺ لبدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، يدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن تعمله الأمة ثم يفرض بعد ذلك هذا العمل على أمته، فلما كان الناس في عهد عمر ﵁ في النصف الثاني من خلافته يصلون التراويح قيام الليل في المسجد مختلفين متفرقين ويشوش بعضهم على بعض، قال عمر ﵁: أرى لو جمعناهم، ثم جمع الرجال على أبي بن كعب، كما ثبت هذا في صحيح البخاري ومصنف عبد الرزاق وشرح السنة للإمام البغوي وموطأ الإمام مالك وجمع النساء على تميم الداري ﵁ كما في سعيد بن منصور، وعلى سليمان بن أبي خيثمة كما في كتاب قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي، والتوفيق بين جمع النساء على تميم وعلى سليمان، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: لعل ذلك في وقتين، يعنى أحياناً كان يصلي تميم في بعض السنوات وأحياناً سليمان بن أبي خيثمة، تميم صحابي، وأما سليمان بن أبي خيثمة فقد ولد في عهد النبي ﷺ وقال ابن سعيد في الطبقات (له رؤية لنبينا ﵊، وقد أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة في تمييز أسماء الصحابة في الفصل الثاني من حرف السين ليشير إلى أنه ولد في زمن النبي ﵊، لكن هناك خلاف حول صحبته، وعل كل حال هو من الصالحين الأبرار، وكان عمر ﵁ يعهد إليه في خلافته بأن يتفقد أحوال السوق، سليمان بن أبي خيثمة يؤم النساء هو وتميم، وأبي بن كعب يؤم الرجال وقد

стр. 4243

كانت الصلاة في ذلك الوقت عشرين ركعة، ويوترون بثلاث، هذا في فعل الخليفة الراشد الهادي المهدي عمر بن الخطاب، ورد هذا في موطأ الإمام مالك عن يزيد بن رومان قال: كانت الصلاة يعني صلاة القيام في رمضان ثلاثاً وعشرين ركعة على عهد عمر بن الخطاب ﵁، ثلاثاً وعشرين، عشرون منها التراويح، ويوترون بثلاث. وهذا الأثر وإن كان منقطعاً فيزيد بن رومان لم يدرك عمر ابن الخطاب ﵁، وهو من التابعين الكرام (١٣٠هـ) وحديثه في الكتب الستة، إمام ثقة عدل فاضل ﵁، لكن ورد الأثر متصلاً صحيحاً ثابتاً بسندٍ كالشمس وضوحاً، وكالقمر سطوعاً، والأثر في سنن البيهقي من رواية السائب ابن يزيد وهو من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، قال: كنا ننصرف من القيام في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وقد قارب بزوغ الفجر، وكانت الصلاة ثلاثاً وعشرين ركعة، يصلون عشرين ويوترون بثلاث، وهذا الأثر صححه الإمام النووي وصححه الإمام ابن العراقي في كتابه طرح التثريب في شرح التقريب ٣/٧٩، وصححه السيوطي وصححه جمٌ غفير من أئمتنا، يصلون التراويح عشرين ويوترون بثلاث، هذا الذي فُعل في عهد عمر ﵁، وهذا الذي عليه الجمهور، أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين أن السنة في صلاة التراويح عشرون ركعة والوتر ثلاث ركعات.

стр. 4244

والإمام مالك أدرك العمل في عهده على خلاف ذلك، فقال بموجبه، فكان أهل المدينة في زمن الإمام مالك يصلون التراويح ستاً وثلاثين ركعة ويوترون بخمس، فمجموع صلاتهم إحدى وأربعون ركعة، وإنما كان يفعل أهل المدينة هذا بعد عمر اجتهاداً منهم، لأن أهل مكة كانوا يطوفون بعد كل ركعتين سبعة أشواط، فأراد أهل المدينة أن يحصلوا ما يقارب أهل مكة في الفضل، فكانوا بدل الطواف – فليس عندهم كعبة يطوفون حولها بالمدينة المنورة، فكانوا يضاعفون الصلاة، فبدل الطواف يصلون ركعتين، فالعشرون صارت كما قلت إلى واحدة وأربعين، وأولئك يصلون عشرين، هذا كله مقرر في كتبنا عند أئمتنا، ولا قائل بغير ذلك، وعليه صلاة التراويح عند الأئمة الأربعة الكرام البررة عشرون ويوتر بثلاث، وإما ست وثلاثون ويوتر بخمس. قال الإمام ابن العراقي، ولي الدين، في كتاب طرح التثريب في المكان المشار إليه: ولما صار والدي يعني شيخ الإسلام الحافظ الإمام عبد الرحيم ابن الحسين الأثري العراقي، شيخ الإمام ابن حجر، يقول لما صار والدي إماماً في مسجد النبي ﷺ وهذا كان في القرن الثامن للهجرة – أحيا السنة القديمة مع المحافظة على فعل أهل المدينة، فكان في أول الليل يصلي عشرين ويوتر بثلاث ويقرأ جزءاً فيختم مرتين في رمضان، فبعد منتصف الليل يصلي ست عشرة ركعة أيضاً وخمس ركعات بعدها لأجل أن يكون مجموع الصلاتين كما كان يفعله أهل المدينة في عهد الإمام مالك ﵁ وكما كان في عهد عمر ﵁، وفي أول الليل يجعل الصلاة على الكيفية التي كانت في عهد عمر عشرين ويوتر بثلاث، ثم يضم في آخر الليل بما يلتحق به ما قرره الإمام مالك محافظة على المقرر في المذاهب الأربعة، وأن لا تجزم به على نفسك، يقول عنه الإمام ابن قدامة في المغني (وهذا كالإجماع) .

стр. 4245

ويقول عنه ولي الدين العراقي في طرح التثريب: (وهذا كالإجماع) ولإمام الترمذي في سننه (وقد توفي ٢٧٥هـ أو ٢٧٩هـ) يقول: (أكثر أهل العلم أن عدد صلاة التراويح.. القيام.. في شهر رمضان ما نقل عن عمر وعلي أنها عشرون ركعة ويوترون بثلاث) ، هذا أكثر أهل العلم، وأي أهل العلم؟ يعني في القرن الأول والثاني من هجرة نبينا ﵊، وهذا موجود في دواوين السنة، أكثر أهل العلم أن صلاة التراويح عشرون ركعة ويوترون بثلاث، كما نقل عن عمر وعلي ﵄. هذا الفعل المقرر الذي هو سنة ينبغي أن نأخذ بها، يأتيك ضالون في هذا الوقت فيقولون: صلاة التراويح السنة فيها ثمان ركعات ويوتر بثلاث، ومن زاد على ذلك فهو مبتدع، أي بدعة أيها المبتدع فيما يفعله المذاهب الأربعة؟ فعل فعله أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب وبعده علي والصحابة الكرام، وهذا الذي استمر في بلاد الإسلام إلى هذا الزمان وهو المقرر عند أئمتنا الكرام، يقال عنه في هذه الأيام هذا بدعة. ولما جرى لفظ في بعض البلاد حول صلاة التراويح، وألزموا من الجهة المسؤولة بالعشرين والإيثار بثلاث بدأ كثير من طلبة العلم يتأففون ويلعنون ويقولون أمرنا بالبدعة، العشرون بدعة ضلالة لا ينبغي نصليها في المساجد، سبحان ربي العظيم، وصلنا إلى عصر يلعن فيه الآخر الأول، والتأخر المتقدم، هذا فعل منقول عن عمر، أو ليس فعل عمر سنة؟ بلى وربي إنه سنة ثابتة.

стр. 4246

ثبت في المسند وسنن الترمذي وابن ماجة، والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك ورواه أبو نعيم في الحلية والحميدي في مسنده وهو في كتاب السنة لأبن أبي عاصم، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ورواه البيهقي في السنن الكبرى، والطحاوي في مشكل الأثار والدارقطني في سننه بسندٍ صحيح عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: [اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر] ، والحديث ثبت من رواية ابن عمر ومن رواية عبد الله ابن مسعود ومن رواية أنس ﵃ أجمعين. وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه في عدة أماكن من هذا الكتاب ٢/٢٧٢ و ٢٣/١١٢ و١٢٠، يقرر أن الثابت في عهد عمر ﵁ أنهم كانوا يصلون عشرين ركعة ويوترون بثلاث. وترى كتباً في هذه الأيام تتطاير هنا وهناك، جائزة ٥٠٠ ليرة سورية لمن يثبت أن صلاة التراويح عشرون ركعة. أما ترجع عن سفاهتك وغيَّك أيها الضال المبتدع وأي إثبات تريد بعد أن فعلها هذا الخليفة الراشد، وحكى الإمام الترمذي في سنن هذا القول عن أكثر أهل العلم، وهو الذي قال به الأئمة الثلاثة، والإمام مالك يقول ست وثلاثون ويوترون بخمس، أي دليل تريد أكثر من هذا؟ أي دليل تريد؟ تريد أن يخرج النبي ﵊ من قبره ليقول لنا التزموا بما فعل عمر ﵁، صلاة التراويح عشرون ركعة، تريد هذا؟ وأنت تعلم أن هذا غير ممكن – ولذلك تجادل بالباطل وتنشر رسائل هنا وهناك جائزة كذا، وصارت القضايا العلمية في هذا الهزال؟ وكأنها في سوق حراج، القضايا العلمية تبحث، من الكتب الشرعية في دواوين السنة وكتب أئمتنا الفقهاء ومن يقول: إن صلاة التراويح عشرون ركعة، من يقول عنها إنها بدعة فهو المبتدع الضال المخرف، الذي يبدّع ما كان عليه سلفنا، فانتبهوا لهذه القضية.

стр. 4247

إخوتي الكرام: صلاة التراويح صلاَّها عمر ﵁ بهذه الشاكلة وتناقلها عنه أئمتنا وقال عدد من أئمتنا هي كالإجماع، أي هذه المسألة كأنها مُجمَع عليها، ولا خلاف فيها أنها عشرون ركعة ويوترون بثلاث. وحقيقة ينبغي على مساجد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بلا استثناء أن تتقيد بهذه الكيفية التي فعلها هذا الخليفة الراشد، وتضييع هذا من علامات ضياع الأمة. نعم لا يلزم أحداً بصلاة عشرين، فمن شاء أن يصلي عشرين أو أربعين أو مائة أو مائتين أو ركعتين أو أن يصلي صلاة القيام فأمره إلى الله، لكن الكيفية المعلنة ينبغي أن تكون على حسب ما هو مقرر في كتب أئمتنا، لا على حسب تخريص المخرصين في هذا الحين ولا في غيره. فلنلتزم بهذه الكيفية في المساجد الشرعية، ثم بعد ذلك أراد الناس أن يصلوا ثماني ركعات أو أربع ركعات أو ركعتين، فهم وما يطيقون، وأما أن يكون هذا شعاراً لبلاد المسلمين أنهم يصلون ثمان ركعات ويوترون بثلاث وكأنما قرره أئمتنا ليس بصحيح ولا ثابت. إخوتي الكرام: لابد من ضبط هذا الأمر وأن صلاة التراويح عشرون ركعة ونوتر بثلاث، وهذا هو الذي عليه الجمهور كما قلت، والقول الثاني ست وثلاثون ونوتر بخمس كما هو قول الإمام مالك وفعل أهل المدينة هذا بعد عمر ﵁ لعلة ذكرتها، فكونوا على علم بها، لكن أصل الثبوت عشرون وثلاث ركعات وتراً، كيفية شرعية واردة عمن أمرنا خير البرية ﷺ بالاقتداء به وهو عمر ﵁ والأمة كأنها مجمعة على ذلك، يتنابزون الضلال فيما بينهم في هذه الأيام،

стр. 4248

يا عبد الله، إن صليت ثماني ركعات فمن يمنعك؟ لكن لم ستلزم الأمة برأيك؟ وهل تقدم رأيك على رأي أبي حنيفة ومالك والإمام أحمد؟ أو لست أنت تدعو وغيرك إلى احترام السلف؟ أي احترام لهم إذا نبذنا أقوالهم وراء ظهورنا وقلنا إن العشرين تعتبر بدعة؟ أي احترام منا لأئمتنا ولسلفنا؟ إذا كنا ننبذ أقوالهم بأنها بدعة وضلال وتخريف؟ هذا مثال، قام الدليل على اعتباره وهو فعل الخليفة الراشد يحكم عليه في هذه الأيام بأنها بدعة ضلالة.

стр. 4249

وانظروا لفقه أئمتنا ولاجتهادهم فيه، في أمور ديننا، روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى والأثر انظروا في الجزء ٥/٢١٢ أن الإمام الشافعي عندما حج وجلس في فناء زمزم وقال سلوني، لا تسألوني عن شيءٍ إلا أجبتكم عنه من كتاب الله تعالى، فقيل له: ما تقول يا أبا عبد الله في المحرم يقتل الزنبور؟ وهل عليه فدية؟ وهل يباح له أن يقتل الزنبور؟ وهي الحشرة التي تكبر النحلة وتلسع لسعاً قريباً من لسع العقرب، هل عليه حرج بقتل الزنبور؟ وهل هناك دليل على قتل الزنبور؟ هات آية من القرآن على ذلك؟ ما تقول في المحرم يقتل الزنبور هات آية؟ وأنت تقول سلوني لا تسألوني عن شيءٍ إلا أجبتكم عنه من كتاب الله تعالى، فانظر لفقه الشافعي، وانظر لسفاهة المعاصرة في هذا الحين، فقال أبو عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى قال تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقال رسول الله ﵊ [اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر] وقد قضى عمر بأن المحرم يقتل الزنبور ولا حرج عليه، إذاً قضاء عمر كأنها آية في كتاب الله، لأن الله أمرنا بطاعة رسوله ﵊، ورسولنا أمرنا باتباع عمر، فما قضى به عمر دل عليه كلام الله وحديث رسول الله ﷺ ، قال هذه آية من القرآن بأن الزنبور لا حرج على المحرم في قتله، والله أمرنا بطاعة النبي ﵊، في القرآن ونبينا ﵊ أمرنا بطاعة هذا الخليفة الراشد رحمة الله ورضوانه عليه، وعليه عندما نطيعه فقد حققنا مدلول القرآن ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ . أنظر لهذا الفقه، وانظر للسفاهة والفسق في زمننا، يرفع صوته بلا حياء، لا من الله ولا من عباد الله، بأن هذه الكيفية عشرون ركعة بدعة ضلالة، ثم بعد ذلك يشيع في الأمة بأن الأمة بدأت تصحو وتستيقظ من سباتها وبدأ المسلمون يصلون في مساجدهم ثمان ركعات ويوترون بثلاث.

стр. 4250

والله لو كان عندنا قلوب تخشى علام الغيوب لتفطرت عندما نرى هذه المساجد بيوت ربنا في هذه الحالة، ويكفينا سفاهة وضلالة أنا خرجنا عن هدي أئمتنا، ولم نتبعهم فيما قرروه من أمور ديننا، وجاء بعد ذلك المتأخرون المتطفلون ينبذ هذه الكيفية بأنها ضلال، وأن السنة الثابتة هي كذا، وكأن الأمة الإسلامية منذ عهد عمر إلى من بعده لا تعي السنة ولا تعرفها. إخوتي الكرام: لابد من وعي هذه القضية. المثال الثاني: الذي أردت أن أذكره طويل أرجئه – إن شاء الله – أيضاً إلى أول الموعظة الثانية لأذكر هـ ولأذكر أيضاً إن شاء الله الفريق الثاني الذي هوَّن من شأن البدعة وقال: لا بدعة في الإسلام، وحولوا بعد ذلك بيوت الله إلى مراقص ينبحون فيها كما تنبح الكلاب، ويزعمون أنهم يذكرون الكريم الوهاب، وإن قلت لهم كيف تفعلون هذا؟ يقولون نذكر الله بعبادات لم ترد بها شرع الله، يحرِّفون أيضاً ذكر الله ويرقصون في بيوت الله ثم بعد ذلك يقولون: إننا نذكر الله، ولا بدعة في الإسلام، إنما نريد بذلك وجه الله. ليس من طريق المسلمين التهويل ولا التهوين ولا الإفراط ولا التفريط، إنما طريقنا صراط مستقيم، ودين الله بين الغالي والجافي. أسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يجعل هوانا تبعاً لشرع نبينا ﵊ وأن يرزقنا اتباع أئمتنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. أقول هذا القول وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء ولمرسلين، وسلم تسليماً كثيرا، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

стр. 4251

عباد الله: كنت ذكرت أمثلة كثيرة في المواعظ السابقة مما ورد بها دليل شرعي صحيح صريح وكيفية ذلك الأمر ليس مما يحتله الدليل، إنما مما ورد التصريح به في الدليل، ومع ذلك يكثرون حوله اللغط والقال والقيل، ومن تلك الكيفيات التي ذكرتها أمر موجز لابد من التنبيه عليه، موضوع التبرك بالصالحين، وقلت هذا الأمر إخوتي الكرام قرره نبينا ﵊، فلا كلام لمتكلم، وهذا هو المنقول عن سلفنا الكرام وعن أئمة الإسلام، وإذا كان من يدعي في هذه الأيام بأنه لابد من الرجوع إلى الكتاب والسنة وسلف الأمة فعلى الرأس والعين، ولا خير فيمن لم يلتزم بذلك، ولكن أريد أن أعلم كيف تطرح السنة باسم السنة؟ ثبت في معجم الطبراني الأوسط، والحديث انظروه في مجمع الزوائد ١/٢١٤، والحديث رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، وأصله مروي مختصراً في مصنف عبد الرزاق ورجال الحديث موثقون وإسناد الحديث حسن، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين) . كان رسول الله ﷺ يبعث إلى المطاهر – وهي الأمكنة التي يتوضأ منها الصحابة الكرام فيؤتى بالماء الذي يتوضأ منه الصحابة ما فضل من وضوئهم، من الماء الذي توضأوا به، لأن هذه الأيدي عندما امتدت إليه لتباشر هذه العبادة الجليلة صارت لهذه الفضلة بركة ومنزلة وشأن، فيعلِّمنا نبينا ﵊ هذا الأمر كان هو يقوم به ويفعله وهو المبارك الذي يتبرك به حياً وميتاً، فكان يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين.

стр. 4252

والحديث كما قلت حديث صحيح وهو في هذه الكتب التي ذكرتها، وهكذا قرره أئمتنا، والزعم بعد ذلك بأن التبرك بالرجل الصالح عند ما نصافحه ونرجو البركة، عندما نقبل يده مثلاً نرجو البركة، عندما ... عندما ... الزعم بأن هذا شرك، سبحان ربي العظيم، عندما تقبل الحجر الأسود وتلمسه هذا شرك؟ هل أنت تعبد الرجل الصالح؟ وهل أنت تعبد الحجر الأسود؟ أم تعبد رب هذا الرجل، ورب هذا لحجر الأسود؟ إنما أنت تعظم ما عظمه الله، وتحترم ما أمرك الله باحترامه، ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ ، وإذا كان نبينا ﵊ يفعل هذا، فمن المعترض بعد ذلك؟ ينبغي أن تقطع رقبته أو أن يقطع لسانه. بعد أن يفعل رسول الله ﷺ هذا ويتناقله أئمتنا الكرام، من المعترض؟ وعلام اللغط؟ وإذا أردتم أن تقولوا شيئاً فانسبوه إلى من قال به من أئمة الإسلام، فأما أن تقول: هذا خرافة، وهذا بدعة، وهذا ضلالة، فأخبرونا من الذي قال بقولكم؟ ومن ذكر هذا الحكم الذي تذكرونه؟ فإن كان من بنيات أذهانكم فما أنتم ممن يعوّل عليه في هذا العصر الهابط، وإن كنتم تنقلون عن سلفنا فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. إخوتي الكرام تقدم معنا هذه القضية أن سيدنا أبا بكر ﵁ وأرضاه دخل على سيدنا محمد رسول الله ﷺ بعد انتقاله إلى جوار ربه فأكب عليه وقبله ﵊، والحديث كما تقدم معنا في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن النسائي وغير ذلك، وقد كان نبينا ﵊ يفعل هذا بالصالحين من الصحابة الكرام عندما يموتون. ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا النسائي وقال الترمذي إسناده حسن صحيح، عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها أن عثمان ابن مظعون لما توفي أكب النبي ﷺ عليه وقبله ثم رفع رأسه والدموع تنهمر من عينيه.

стр. 4253

قال الشوكاني في نيل الأوطار عند هذين الحديثين في كتاب الجنائز ٤/٢٥ وفي هذا الحديث.. في فعل أبي بكر ﵁ مع نبينا ﵊ ثم بفعل نبينا ﵊ مع عثمان بن مظعون يقول: وفي هذا الحديث جواز تقبيل الميت تعظيماً وتبركاً، ثم قال الإمام الشوكاني: وهذا اجماع لأنه لم ينتقل أن أحداً أنكر على أبي بكر ﵁ وأرضاه. سبحان ربي العظيم، أمر يفعله نبينا ﵊ نحو الماء ونحو الصحابة رضي اله عنهم أجمعين، وأمر يفعله أبو بكر ﵁ مع نبينا ﵊، ويأتي أئمة الإسلام ويقولون هذا إجماع فلا منكر في هذه المسألة، ثم يأتيك تخريف المخرفين في هذا الحين فيقولون: هذا بدعة، وهذه ضلالة، سبحان ربي العظيم، لا يقنعكم كلام نبينا ﵊ ولا يقنعكم كلام السلف الصالح وفعلهم فمن تريدون بعد ذلك؟ أريد أن أقول كما قلت إخوني الكرام من يكثر اللغط حول هذه المسائل قل له سمِّ من قال بقولك هذا من سلفنا لينتهي القيل والقال، وليرتفع الجدال وينتهي المقال. أسال الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعل هواناً تبعاً لشرع نبينا ﵊ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 4254

اللهم اجعل لنا في قلوبنا نوراً وفي أسماعنا نورا وفي أبصارنا نوراً وفي آذاناً نوراً وعن أيمانناً نوراً وعن شمائلنا نوراً، ومن أمامنا نورا ومن خلفنا نوراً ومن فوقنا نوراً ومن تحتنا نوراً، اللهم اجعل لنا نوراً نمشي به إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم، اللهم رب جبريل وميكائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه، اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينة في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك ومن المقربين لديك وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اجعل حبك وحب رسولك ﷺ أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميعٌ قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ .

стр. 4255

إجلال الله وعظمته (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إجلال الله وتعظيمه الجمعة٢٢/٤/٩٤ ... ... ... ... ... ... ... ... ٢٦ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له ولياً مرشدا الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون. وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوب غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاُ كثيرا ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما". أما بعد: معشر الأخوة الكرام..

стр. 4256

إن المساجد هي أفضل البقاع وأحبها إلى رب الأرض والسماء ففيها نوره وهداه وإليها يأوي الموحدون والمهتدون وحقيقة حقيقة هم الرجال الذين يتصفون بأطيب الخصال لا تلهيهم البيوع والتجارات عن طاعة رب الأرض والسماوات وهم الذين يعظمون الله فيسبحونه ويصلون له وهم الذي يشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم وهم الذين يخافون من ربهم ويستعدون للقائه في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. نعم إخوتي الكرام هؤلاء هم الرجال حقا أحسنوا صلتهم بربهم وأحسنوا صلتهم بعباد الله فعظموا الله جل وعلا والوجل منه وهذا من علامة سعادتهم كما قال العبد الصالح أبو عثمان النيسابوري وهو سعيد بن إسماعيل الذي توفي سنة ٢٩٨هـ للهجرة يقول هذا العبد الصالح من علامة سعادة الإنسان أن يعمل الصالحات وأن يطيع رب الأرض والسماوات ويخاف أن يكون مردودا مطرودا ومن علامة شقاوة الإنسان أن يعمل السيئات ويرجو بعد ذلك أن يكون مقبولا. وهؤلاء العباد عظموا الله وأحسنوا إلى عباد الله وأشفقوا عليهم ومع ذلك يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. إخوتي الكرام وهذه الصفة الرابعة التي نعتهم الله بها في القرآن كنا نتدارسها وقلت سنتدارسها ضمن مبحثين اثنين حول الخوف وحول يوم القيامة أما الخوف فقد ذكرت أننا سنتدارسه أيضا ضمن أربعة مراحل مضى الكلام على ثلاث منها فيما يتعلق بتعريف الخوف ومنزلة الخوف في شريعة الله وثمرة الخوف وما يحصله الخائف من ربه من ثمرات طيبة في العاجل والآجل في الدنيا والآخرة وبقي علينا الأمر الرابع المتعلق بالخوف ألا وهو أسباب خوف المكلفين من رب العالمين. إخوتي الكرام إن أسباب الخوف كثيرة وفيرة وهي على تعددها أن تحصر في ثلاثة أسباب: أولها: تعظيم الله جل وعلا وإجلاله.

стр. 4257

ثانيها: الخشية من التفريط الذي يتصف به الإنسان نحو ذي الجلال والإكرام سواء كان ذلك التفريط متعلقا بفعل الطاعات أو ارتكاب المحظورات. ثالثها: وهو الذي يقطع قلوب الصالحين والصديقين خشية سوء الخاتمة. فهذه الأمور الثلاثة تدعوا هؤلاء الرجال إلى الخوف من ذي العزة والجلال تعظيم الله جل وعلا وخشية تفريطهم في جنب ربهم جل وعلا وبعد ذلك لا يعلمون بأي شيء وسيختم لهم وهذه الأسباب الثلاثة سنتدارسها إن شاء الله في هذه الموعظة وفيما بعدها فلنتدارس في هذه الموعظة: السبب الأول منها: الخشية من التفريط الذي يتصف به الإنسان نحو ذي الجلال والإكرام سواء كان ذلك التفريط متعلقا بفعل الطاعات أو ارتكاب المحظورات. مثالتها وهو الذي يقطع قلوب الصالحين والصديقين خشية سوء الخاتمة فهذه الأمور الثلاثة تدعوا هؤلاء الرجال إلى الخوف من ذي العزة والجلال تعظيم الله جل وعلا وخشية تفريطهم في جنب ربهم جل وعلا وبعد ذلك لا يعلمون بأي شيء وسيختم لهم وهذه الأسباب الثلاثة سنتدارسها إن شاء الله في هذه الموعظة وفيما بعدها فلنتدارس في هذه الموعظة السبب الأول منها: إجلال الله وتعظيمه. نعم إخوتي الكرام هؤلاء الرجال يجلون الله جل وعلا ويعظمونه لأنه عظيم لأنه جليل وينبغي لهذا العبد الضعيف الذليل أن يجل مولاه الكبير الجليل لا لعله سوى ذلك فأنت فقير والله غني وأنت ضعيف والله قوي وأنت ذليل والله جليل وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تجل الله وأن تهابه وأن تخافه وكل من استحضر هذا المعنى لا بد وأن يخاف الله . إخوتي الكرام الخوف من الله تعظيما له وإجلال له لا من أجل ثواب ولا من أجل خشية عقاب إنما هو إله عظيم جليل ينبغي أن نجله وأن نحاف منه وحقيقة من عرف الله جل وعلا وعرف أن ما يجري في هذا الكون من عرشه إلى فرشه ما هو إلا آثار أسماء الله وصفاته آثار صفات الجمال والجلال آثار صفات البر والقهر..

стр. 4258

"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب". فمن استحضر صفات الكريم الوهاب وأنها هي التي تعمل في هذا الكون من عرشه إلى فرشه لابد وأن يخاف الله جل وعلا لا بد وأن يجل الله جل وعلا. لابد وأن يهاب الله وأن يعظمه وهذا النوع هو أعلى أنواع الخوف وقد أمرنا الله بأن نخاف نفسه وأن نخشاه حق خشيته في آيات كثيرة من القرآن فقال جل وعلى في سورة آل عمران لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله شيء إلا أن تتقوا تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. ويحذركم الله نفسه لا طمعا في ثوابه ولا خشية من عقابه ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد نعم إن هذا الخوف هو أجل وأعلى وأرفع أنواع الخوف وقد أشار إلى هذه المرئية في خوف الله جل وعلا الخوف منه لتعظيمه وإجلاله أئمتنا الكرام كما قال العبد الصالح ذو النون المصري وهو ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض توفي سنة٢٤٥هـ من العلماء الربانيين الكرام كان مستجاب الدعوة ولما توفي عليه رحمة الله أظلت الطير جنازته حتى دفن ذو النون المصري ومن كلامه العذب المحكم أنه كان يقول من تطأطأ لقط رطبا ومن تعالى لقي عطبا. من تواضع في هذه الحياة لقي رطباً والرطب يجنيها الإنسان عندما يلتقطها من الأرض ومن تعالى وشمخ بأنفه لقي عطبا.

стр. 4259

ومن كلامه المحكم الذي تناقله أئمتنا عنه وأكثروا من ذكره ومن اللهج به وبخاصة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية عليهم رحمات رب البرية كان يقول هذا العبد الصالح والله ما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله وبمحبته وما طابت الآخرة إلا بمغفرة الله ورحمته وما طابت الجنة إلا برؤية الله ومشاهدته. يقول هذا العبد الصالح ذو النون مشير إلى هذه الرتبة من أنواع خوف الكلفين من رب العالمين خوفهم إجلالا له وتعظيماً يقول خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي. ويريد بذلك رحمة الله أي أن الرجال الكاملين يخشون من فراق رب العالمين ومن غصبه عليهم أضعاف أضعاف ما يخشونه من نار الجحيم خشية النار الخوف من النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي. ويحذركم الله نفسه. نعم إخوتي الكرام إن هذه الرتبة هي أجل أنواع الخوف أن تخاف من الله إجلالا له وتعظيماً له وهكذا أن تعبده لأنه إله عظيم يستحق العبادة سواء أمرك بالعبادة أولا وسواء سيثيبك على العبادة أولا وسواء نهاك عن مخالفته أولا وسواء سيعذبك على المخالفة أو لا أنت تطيعه وتعبده لأنه إله عظيم فتقوم بحقوق ربك عليك في كل حين ويحذركم الله نفسه وإذا ما أمرنا الله بعبادته هل يصلح منا أن نتخلى عنه وألا نلجأ إليه وإذا ما جعل الله في الآخرة جنة ولا نار هل يصلح منا أن نبتعد عنه: هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحقَّ ... عبادة رب الورى الأكرم أليس من الواجب المستحِقِّ ... الحياء من الرب المنعم هب أنه ليس هناك بعث وليس هناك نار تضطرم يوم القيامة وتغلي وتفور أليس من حق الله علينا أن نعبده وأن نعظمه وأن نجله وأن نستحي منه. بلى وعزة ربنا وهذا المعنى قرره أئمتنا الكرام وانظروه موسعا.

стр. 4260

إخوتي الكرام: في كتاب مفتاح السعادة ومنشور ولايتي العلم والإرادة للإمام ابن القيم ٢/٨٨ وما بعدها وانظروا في مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السادس عشر صفحة ثلاث وخمسين ومائتين وما بعدها فهذا هو أجل أنواع الخوف وعبادة الله تعظيماً له أعلى أنواع العبادات والسبب في ذلك أن من يخاف من الله إجلالاً له أعطى الرب حقه وقام بما ينبغي أن يقوم به العبد نحو سيده. والأمر الثاني أن من عبد الله جل وعلا تعظيماً له وإجلالا له ما جعل الله وسيلة لمنفعته وشهواته ولتنعمه وللذائذه إنما عبد الله لأنه إله عظيم يستحق منا العبادة في كل حين كونه تكرم علينا بعد ذلك بجنات النعيم هذا زيادة إحسان وفضل منه كما أغدق علينا نعمة في هذه الحياة فضلا منه وكرما دون استحقاق للمخلوقات على خالقها وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. والأمر الثالث أن من عبد الله إجلالا له ومن خافه تعظيماً له لا ينقطع عن العبادة ولا يفتر عن الخوف وإن حصل مطلوبه وإن أسقط الله عنه الأمر والنهي وإن وإن فهو يقول أنا عبد وسيدي رب ولا يصلح للعبد إلا أن يخاف من الرب وأن يتذلل له .

стр. 4261

إخوتي الكرام هذا أجل أنواع الخوف ويحذركم الله نفسه وقد أشار الله إليه في آيات القرآن وقدمه على الخوف من وعيده ومن النيران فقال جل وعلا في سورة إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم والآية تقدمت معنا في ثمرات الخوف ولكن انتبهوا لهذه الدلالة التي تطرب لها عقول الرجال يقول ذو العزة والجلال وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد نوعان من أنواع الخوف لمن خاف مقامي وتقدم معنا أن المصدر هنا إما أنه مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول وعلى الأمرين في ذلك دلالة على بحثنا ألا وهو أن الخوف من الله إجلالا له وتعظيما له هو أعلى أنواع الخوف ذلك لمن خاف مقامي ذلك لمن خاف قيام الله عليه بالإطلاع والمراقبة والإحاطة والقهر والسيطرة فأنت في قبضته وجميع من في هذا الكون من عرشه إلى فرشه تحت حكم الله جل وعلا ذلك لمن خاف مقامي قيام الله عليه بالمراقبة والإحاطة والقهر والسيطرة ذلك لمن خاف مقامي المصدر مضاف إلى المفعول إلى من خاف قيامه بين يدي في هذه الحياة وبعد الممات يعلم أنه فقير محتاج إلي في جميع الأوقات ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ذكر الله نوعين من الخوف قدم الخوف منه إجلالا له إلا الخوف من وعيده وعقابه وناره ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد

стр. 4262

نعم إخوتي الكرام إن هذا النوع من أنواع الخوف هو أجل أنواع الخوف على الإطلاق ويحصل هذا النوع في نفس الإنسان عندما يعرف الإنسان الصلة الحقيقية بينه وبين ربه الرحمن فأنت فقير والله غني وأنت ضعيف والله قوي أنت ذليل والله جل وعلا جليل أنت لا تقوم بنفسك ومحتاج إلى ربك في جميع أحوالك والله هو الغني الحميد هذا أجل أنواع الخوف وكما قلت يترتب على معرفتك بنفسك ومعرفتك بربك ولذلك قال أئمتنا الكرام من عرف نفسه عرف ربه والأثر روى عن العبد الصالح يحيى بن معاذ الرازي الذي توفي سنة ٢٥٨هـ وهو من العلماء الربانيين الصالحين في هذه الأمة وكان يقول: لا يزال العبد مقروناً بالتواني مادام مقيما على الأماني ومن كلامه المحكم عمل كالسراب يعني لا حقيقة له مشوب بالأخلاط والآفات عمل كالسراب وقلب من التقوى خراب وذنوب بعدد الرمل والتراب ثم تطمع بالكواعب الأتراب والنظر إلى وجهه الكريم الوهاب هيهات هيهات أنت سكرات من عبر شراب ثم يقول ما أجلّك لو بادرت أجلك ما أقوالك لو خالفت هواك.. يقول هذا العبد الصالح يحيى بن معاذ الرازي عليه وعلى جميع أئمتنا رحمات ربنا من عرف نفسه عرف ربه. وليس هذا بحديث ينسب إلى نبينا ﵊ كما توهم ذلك بعض الأنام وقد حقق أئمتنا الكرام هذا القول وبينوا أنه ينسب إلى هذا العبد الصالح منهم شيخ الإسلام الإمام النووي في فتاواه المشهورة. ومنهم أيضاً الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوي ومنهم ابن قيم الجوزية ١/٤٢٧ من مدارج السالكين ومنهم الإمام السيوطي وألف رسالة حول هذا الأثر لهذا العبد الصالح سماها القول الأشبه في بيان معنى حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه. وقد ذكر الإمام السيوطي عشرة أوجه في شرح هذا الأثر وحفظها الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله إلى ثلاثة معاني خلاصتها:

стр. 4263

الأمر الأول: هو الذي يتعلق ببحثنا أن معنى هذا الأثر إما أن يكون من باب النفي أو الضدية أو الأولوية أما الضدية من عرف نفسه بصفات النقص والفقر والإحتياج عرف ربه بضد ذلك فإذا عرفت أنك فقير ضعيف محتاج ذليل عرفت أن الله جل وعلا بخلاف ذلك فمن عرف نفسه عرف ربه. ومن باب تكملة مضى الأثر على حسب المعنيين الآخرين من عرف نفسه من باب الأولوية عرف ربه أي عرف أن يتصف بحياة وعلم وقدرة ورحمة وغير ذلك من صفات الكمال التي تناسب حاله وهي محفوفة بالنقص من عرف أنه يتصف بذلك يعلم تعينا أن الله يتصف بذلك الكمال من باب أولى فالذي منحك حياة ناقصة فيه حياة كاملة والذي منحك علماً قليلا هو بكل شيء عليم والمعنى الثالث للأثر من عرف نفسه عرف ربه من باب النفي كما أنه لا يمكن أن تقف على حقيقة نفسك وإدراك كُنْهِ روحك فلن تقف على إدراك حقيقة ربك جل وعلا فالله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فإذا كنت تعجز عن إدراك حقيقة الروح ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيته من العلم إلا قليلا فأنت أعجز وأعجز عن إدراك حقيقة الرب جل وعلا ومالك إلا أن تؤمن بما أخبرنا الله جل وعلا عن صفاته وأن تُمِدّه حسب ما يليق بذاته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشاهد المعنى الأول من عرف نفسه عرف ربه عن طريق الضدية إذا علمت أنك فقير فالله هو الغني فالذي يحقق معرفة الصلة بين الخالق والمخلوق سيخاف من الخالق ويجله ويعظمه وهذا هو خوف الإجلال هذا هو خوف التعظيم لا لتفريط فيك ولا لانتظار خاتمة ستقابلك وتلاقيك لا إنما أنت تجل الله وتعظمه لأنه إله عظيم يستحق من عباده أن يجلوه وأن يخافوه وأن يهابوه وأن يعظموه في كل حين ويحذركم الله نفسه ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

стр. 4264

إخوتي الكرام وإذا استحضر الإنسان ما لله من صفات حسان سيهابه ويخاف منه ويجله ويعظمه ولابد ويستحيل قطعا أن نستعرض ما لله من صفات الكمال في هذه الموعظة لكن سأشير إلى خمسة منها وهذا الصفات الخمس انتبهوا لها إخوتي الكرام وتقدم معنا أن ما في هذا الكون علوية وسفلية لا يتصرف فيه إلا صفات الله جل وعلا وكل ما يقع في هذا الكون من قبض وبسط من نعمة وضر كل هذا أثر صفات الجمال والجلال التي يتصف بها ذو العزة والجلال كل هذا أثر صفات الرحمة والقهر التي يتصف بها ربنا الصفة الأولى في الله والتي إذا استحضرها الإنسان مع صفات الله سيخاف من الله ويجله ويعظمه لأنه يستحق ذلك صفة العلم وما أدراك ما صفة العلم يتصف بها ربنا جل وعلا فلا يخفى عليه بهذه الصفة خافية في الأرض ولا في السماء يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ومن استحضر هذا فسيخاف من الله وسيجله. وقد قرر أئمتنا في كتب التوحيد أن أعظم واعظ أنزله الله من السماء إلى الأرض وأبلغ زاجر نوّه الله به في كتبه التي أنزلها على رسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه أعظم واعظ وأبلغ زاجر إخبار الله لعباده بأنه يعلم سرهم وعنهم ولا تخفى عليه خافية منهم وهذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر. تأمل معي آيات القرآن: "ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم".

стр. 4265

هو مع الإثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والقليل والكثير معم بعلمه وإحاطته ومراقبته واطلاقه فلا تخفى عليه خافية من شئونهم ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور وهذا المعنى لا يخلو منه ورقة من ورقات المصحف تأمل القرآن من أوله إلى آخره لن تجد ورقة من ورقات القرآن تخلو من إخبار الله لعباده بأنه يعلم سرهم ونجواهم ولا تخفى عليه خافية منهم أينما كانوا سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور.. هذا هو أبلغ واعظ وأعظم زاجر أنزله الله علينا لنزدجر به ولنعظم بسببه ربنا من علم أن الله عليم ولا تخفى عليه خافية من شئون عباده سيستحي من ربه ويهابه ويعظمه ويجله ولا يوجد أحد في الوجود يتصف بصفة العلم بكل شيء إلا الرب المعبود فهو بكل شيء عليم وكل من عداه يصدق عليهم قول ربنا جل وعلا وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

стр. 4266

العلم للرحمن ﷻ وسواه في جهلانه يتغمغم ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم صفة العلم أنتقل منها إلى الصفة الثانية التي تخلع القلب وتوجب عليك هيبة الرب توجب عليك إجلال ربك والخوف منه جل وعلا تعظيماً لشأنه لا من أجل جنته ولا من أجل ناره تعظيما لشأنه فهو إله عظيم جليل ينبغي أن نهابه وأن نخاف منه في كل وقت صفة القدرة التي يتصف بها وينفذ بها ما شاء وما أراد لاراد الحكمة ولا معقب لقضائه هو على كل شيء قدير بكل شيء عليم على كل شيء قدير ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والعالم بأسرهم علويهم وسفليهم مشيئتهم مرتبطة بمشيئة ربهم وقد انتهى سعي الخلق والمخلوقات من عرش رب الأرض والسماوات إلى الثرى انتهى عند آيتين من كتاب الله الآية في سورة الدهر في سورة الإنسان وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما والآية الثانية في سورة التكوير وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فمشيئة العباد مقيدة بمشيئة ربهم جل وعلا وإذا أشاءوا الشيء وارادوه وأذن الله لهم في مشيئته وإرادته لا يستطيعون أن ينفذوه إلا إذا أقدرهم الله على ذلك والله جل وعلا مشيئته مطلقة وقدرته كذلك ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن من استحضر هذا في صفات الله جل وعلا وأن الله يتصف به سيهابه ويخافه ويجله ويعظمه مشيئة الله جل وعلا وقدرته عامتان شاملتان لكل شيء .

стр. 4267

وأما العباد فحالهم كما قال شيخ الإسلام أبو عبد الله الإمام الشافعي عليه وعلى جميع أئمتنا رحمات ربنا وهذا الكلام عنه ثابت صحيح كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن عبد البر في كتاب الانتقاء في تراجم الأئمة الثلاثة الفقهاء صفحة ثمانية في ترجمة الإمام الشافعي الذي لا يختلف فيه وهو أصح شيء عنه وأثبت ما قبل في الإيمان بالقدر وهذا الشعر نقله أئمتنا عن هذا العبد الصالح نقله الإمام البيهقي في الأسماء والصفحات وفي السنن الكبرى وفي كتاب الإعتقاد ونقله أيضاً في مجمل اعتقاد السلف عليهم جميعاً رحمة الله ونقله في كتاب البعث والقشور عن الإمام الشافعي ونقله أئمتنا خلاصة ما نقل عنه من أبيات تبين الصلة بين الخالق والمخلوق ويترتب عليها تعظيم المخلوق لخالقه وإجلاله له يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله: ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم غني ومنهم فقير ... ومنهم قبيح ومنهم حسن ومنهم شقي ومنهم سعيد ... وكل بأعمالهم مرتهن من استحضر هذا سيهاب الله وسيجله وسيخافه قطعاً وجزما ويحذركم الله نفسه صفة القدرة وبها ينفذ الله ما شاء وما أراد فهو على كل شيء قدير كما أنه بكل شيء عليم.

стр. 4268

والصفة الثالثة من الصفات الخمس التي سنتدارسها لتكسب قلوبنا الحياء من ربنا والخشية له جل وعلا تعظيما له صفة الغنى سبحانه عليم بكل شيء قدير على كل شيء غني عن كل شيء فما خلق العباد ليتعزز بهم من ذله ولا ليتكثر بهم من قله سبحانه لو أطاعه أهل السماوات والأرض لما زاد ذلك في ملكه شيئاً ولو عصاه أهل السماوات والأرض لما نقص ذلك من ملكه شيئاً هو الغني وكل من عداه فقير إليه يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز وأخص وصف في ربنا الغنى كما أن أخص وصف فيمن عداه الفقر وعلة احتياج العالم بأسره من عرشه إلى فرشه على احتياج المخلوقات إلى رب الأرض والسماوات فقرها وغنى الرب عنها فنحن الفقراء وليست علة احتياجنا إلى ربنا حدوثنا ولا إمكان حدوثنا كما قرر الفلاسفة والمتكلون لا ثم لا علة احتياج العالم إلى خالقه فقر المخلوقات وغنى رب الأرض والسماوات والفقير لا يستغني عن الغني فنحن نحتاج إليه بأكثر من عدد أنفسنا التي تتنفس بها من أجل ثبوت حياتنا الغنى عن الرب هو الغنى من استحضر هذه الصفة فيه سيخاف من الله جل وعلا إجلالا وتعظيماً لكن هذا المعنى لا يعرفه الفصل لذوي الفضل إلا ذو الفضل من الذي يهاب من الله الأتقياء الأكياس الرجال الذين عظموا الله وأحسنوا إلى خلق الله ومع ذلك يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار غنى الرب جل وعلا هذا إذا استحضره الإنسان سيخاف من الله. يروي الإمام ابن القيم في مدارج السالكين عن شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه أرسل له ورقة في آخر حياته وفيها مقدمة في التفسير وقد كتب على غلافها أبياتاً من الشعر يقول فيها: أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده يأتي ثم يقول عليه رحمة الله:

стр. 4269

والفقر لي وصف ذات لا زم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذات وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آت فمن يعني مطلبا من غير خالقه ... فهو الظلوم الجهول المشرك العاتي ... أخص وصف فينا الفقر وأخص وصف ربنا الغنى وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي هذا حالنا هذه صفتنا وتلك صفة ربنا وحقيقة من استحضر ضعفه وقوة الله ومن استحضر فقره وغنى الله ومن استحضر ذله وعز الله سيهاب من الله وسيخاف منه ولابد وهذا هو خوف الإجلال خوف التعظيم لا سبب آخر. والصفة الرابعة في صفات ربنا الكريم التي توجب علينا أن نجله وأن نعظمه اعترافا بحقه علينا دون شيء آخر سبحانه غني كريم بكل شيء عليم على كل شيء قدير غني عن العالمين هو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين يجب أن يجود وجوده بغير قيود ولا حدود من أجل ذلك خلق هذا العالم من أن يجود ويتكرم عليه. وقد أمرنا الله أن نسأله وأخبرنا أننا إذا لم نسأله فسيغضب علينا لأنه كريم كما أن العباد يغضبون من سؤالك فالله يغضب من عدم سؤالك وقارن بين الأمرين لتعلم عزة الربوبية وذله العبودية إذا سألت العباد غضبوا وضجروا وإن تركت سؤال الرب غضب عليك ومقتك وقال ربكم أدعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون من عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وقال ربنا جل وعلا وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا لي لعلهم يرشدون. وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الحاكم في مستدركه بسند صحيح كالشمس من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من لم يسأل الله يغضب عليه لم تتعرض لنفحات الله ولجوده ولكرمه من لم يسأل الله يغضب عليه".

стр. 4270

من استحضر هذه المعاني في ربنا سيجله تعظيما له وحياءاً منه وإجلالا له سواء بعد ذلك أدخلك الجنة أو النار فهذا لا دخل لك فيه ولا ينبغي أن تفكر فيه إنما ينبغي أن تفكر أن تجل الله جل الله جل وعلا وإذا تكرم عليك بالجنة زيادة كرم وفضل وإذا منّ عليك بالنجاة من النار زيادة كرم وفضل أما هو إله عظيم جليل كريم له علينا حق العبادة وينبغي أن نخافه في كل حين. ويحذركم الله نفسه هذه الصفة الرابعة صفة الغنى.. وأما الصفة الخامسة صفة الجلالة والعظمة سبحانه ما أجله سبحانه ما أعظمه وعظمة الله وجلاله لا يمكن أن نوفيها عشر معشارها إذا أردنا أن نتدارسها إنما سأشير إلى شذرات من جلالة الله من عظمة الله ذكرها الله في سيده أي القرآن وأفضل آياته على الإطلاق وهي آية الكرسي. ثبت في المسند وصحيح مسلم والحديث رواه الإمام أبو داود ورواه الحاكم في المستدرك مستدركا به على الصحيحين وهو أهم فهو في صحيح مسلم من رواية أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب أي آية في كتاب الله أعظم فقال أبي بن كعب آية الكرسي يا رسول الله ﵊ فضرب النبي ﵊ في صدره وقال ليهنك العلم أبا المنذر هنيئا لك بالتوفيق والسداد والتوفيق للعلم وإصابة الجواب ليهنك العلم أبا المنذر. الله لا إله إلا هو الحي القيوم تأمل ما في هذه الآية من إشارات إلى عظمة رب الأرض والسماوات وسنتدارس ثلاثة منها في هذه الآية الكريمة.

стр. 4271

أولها: مطلع الآية. الله لا إله إلا هو الحي القيوم حي قيوم حي حياة كاملة تامة لا يعتريها نقص ولا زوال ولا فناء ليست كحياة المخلوقات ولذلك أتبعها الله جل وعلا بقوله لا تأخذه سنة ولا نوم هذه حياة ذاتية ما وجدت بعد أن كانت معدومة ولم تطرأ عليها العدم وفي حال إنصاف الله بها وهو متصف بها أزلا وأبداً لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه لا تأخذه سنة ولا نوم وهو القيوم القائم بنفسه المقيم المدبر لأمر شؤون خلقه فلا يوجد شيء في هذا الكون من عرشه إلى فرشه إلا بتدبير ربه وتقديره حي قيوم وهاتان الصفتان لربنا الرحمن هي أصل سائر صفاته الحسان. فصفات الله إنما أن تكون ذاتية أو فعلية فجميع الصفات الذاتية أصلها صفة الحياة وجميع الصفات الفعلية أصلها صفة القيومية وبهاتين الصفتين أشار الله إلى جميع كمالاته وصفاته الحسنى العلى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وما ذكر الله هذين الاسمين مقترنين إلا في آية الكرسي ومطلع سورة آل عمران. ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وفي سورة طه وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما الله لا إله إلا هو الحي القيوم. الإشارة الثانية له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه له ما في السماوات وما في الأرض خلقا وملكا وتقديرا وتدبيرا ومصيرا كل ما في هذا الكون علوية وسفلية خلقه الله يملكه الله يديره الله سيصير ويؤول إلى الله جل وعلا هو المتصرف في هذا من علم هذا وأنه إذا استحضر نفسه ضمن هذه العوالم أنه أقل من قطرة من بحر في جنب ملك الله وأقل من ذرة رمل من رمال الدنيا حقيقة يهاب من الله ويجله تعظيماً لشأنه له ما في السماوات وما في الأرض خلقا ملكا تدبيرا مصيرا وهذا العالم بأسره سيصير إلى ربه وانظر إلى الصورة التي سيصير إليها وما ذلك من دلالة على عظمة ربنا جل وعلا.

стр. 4272

ثبت في صحيح مسلم والحديث رواه البيهقي في الأسماء والصفات ورواه الإمام البغوي في معالم التنزيل وهو في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين فهو حديث صحيح ثابت عن نبينا الأمين ﷺ قال ابن عمر ﵄ سمعت النبي ﷺ يقول: يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يقبضهن بيمينه وفي رواية ثم يأخذهن بيمينه فيهزهن جل وعلا فيهزهن السماوات يطوي الله السماوات يقبض الله السماوات ثم يأخذهن يقبضهن بيمينه جل وعلا ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون انظر لعظمة الرب جل وعلا وجلاله السماوات السبع في كف الرحمن كأنها خردلة يطويها جل وعلا بيمينه والأراضين السبع كذلك من استحضر هذا المعنى سيخاف من الله ولا شك. إخوتي الكرام ما ورد في هذا الحديث الصحيح من وصف الله بيدين مباركتين يتصف بهما إحداهما يمين والأخرى شمال ثبت منا يتصف به ربنا ذو العزة والجلال كما أخبرنا نبينا الذي لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه دون أن ندخل في ذلك بعقولنا متوهمين أو متأولين وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

стр. 4273

والعجز عن درك الأدراك إدراك والبحث كنه ذات الله إشراك وإيماننا بصفات ربنا يقوم على دعامتين وكنين متينين اقرار وامرار فمن لم يقرب بالصفات لله الواحد القهار فهو ناطق عن جاحد معطل ومن لم يمر صفات الله جل وعلا فهو مشية ضال ممثل نقر بالصفة كما وردت ولا نقف عندها وقراءتها تفسيرها كما قال سلفنا ولله يدان مباركتان كما أخبر عن ذلك في محكم القرآن. بل يداه مبسوطتان ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وإحداهما يمين والأخرى شمال بالكيفية التي يعرفها الله ولا نعرفها بالكيفية التي تليق بجلال الله وجماله ويجهلها آمنا بالله وبما جاء عن الله على مداد الله وآمنا برسول الله ﷺ ولا يشكلن عليك أخي الكريم وصف الله في هذا الحديث باليمين والشمال ليديه المباركتين جل وعلا لا يشكلن عليك هذا مع الحديث الصحيح الثابت في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي والسنن الكبرى للإمام البيهقي والأسماء والصفات له أيضا وهو حديث صحيح أيضا فهو في صحيح مسلم وغيره من رواية عبد الله بن عمر بن العاص ﵃ أجمعين قال سمعت النبي ﷺ يقول: إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذي يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. فقوله وكلتا يديه يمين لا يتعارض مع ما ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو ﵃ أجمعين من اليمين بمعنى الخيرية والبركة والتمام والكمال فالله له يدان مباركتان يمين وشمال لكن الشمال فيه ليست كالشمال فينا جل وعلا فإذا كانت الشمال فينا أضعف من اليمين وتستعمل كما يمتهن ويستقذر فالله كامل كريم مجيد لا نقص في شيء من صفاته جل وعلا كلتا يديه يمين من اليمين بمعنى الخيرية والبركة.

стр. 4274

وأما الحديث الثابت في صحيح مسلم فقد أخبرنا عن وضع وحال صفتي اليدين كما فصل ذلك نبينا ﵊ وأما من طعن في ذلك الحديث الذي هو في صحيح مسلم بأنه من رواية عمر بن حمزة عن عمه سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين وعمر بن حمزة أخرج حديثه البخاري تعليقا في صحيحه ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة إلى سنن الإمام النسائي فمن تكلم في عمر بن حمزة في روايته عن عمه سالم بن عبد الله وهو عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر فعمر بن حمزة روى عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين من طعن في الرواية وقال إنه قالها على حسب المعروف فينا لأن الوارد في رواية المسند والصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال ويقبض الله الأراضين بالأخرى ولم يذكرها بوصف الشمال فقال بعض العلماء إن رواية عمر بن حمزة قالها على حسب المعهود والمعروف في الناس فعبر عن اليد الأخرى بوصف الشمال وفتح هذا الباب على الرواة حقيقة قد يسد علينا بعد ذلك باب الرواية وسلفنا أتقى لله وعز وجل من أن يستعملوا عقولهم في صفات الله وأن يبدلوا اللفظ بما هو معروف فينا وعليه لفظه ثابتة. لكنني كما قلت موقفنا نحوها كموقفنا في سائر صفات الله إقرار وإمرار ليس كمثله شيء نفى للتشبيه والتمثيل وقوله جل وعلا وهو السميع البصير رد ونفي للنفي والتعطيل فلا تمثيل ولا تعطيل ليس كمثل ربنا شيء وهو السميع البصير.

стр. 4275

والدلالة الثالثة في آية الكرسي. وسع كرسيه السماوات والأرض. إخوتي الكرام حول لفظ الكرسي وما بعده كلام طويل كان في نيتي أن أتكلم عليه في هذه الموعظة ولكنني أخشى إذا بحثت فيه ودخلت فيه أن يأخذ الكلام منا أكثر من ربع ساعة ولا أريد أن أضل عليكم إنما نقف عند هذه الدلالة لنتدارسها في الموعظة الآتية إن شاء الله وسع كرسيه السماوات والأرض أطاق واحتمل كرسي ربنا السماوات والأرض هذا الكرسي ما هو وما صلته بالعرش وماذا يترتب من ذلك من عظمة لربنا جل وعلا كما قلت أؤجل الكلام في الموعظة الآتية إن شاء الله. أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرزقنا خشيته في السر والعلن وأن يرزقنا كلمة الحق في الرضا والغضب وأن يرزقنا القصد في الغنى والفقر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
следующие страницы →