← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" هو الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين فميادين العقل ومجالاته التي يسرح فيها ويمرح ويصول ويجول ميادين الأمور المادية الخالصة البحتة وكما قلت يبحث فيها ما شاء وليقرر ما شاء بعد أن يحقق هذه الأمور الأربعة ويفتتحها بإسم الله الذي خلقها وخلق كل شيء يدرسها ويجعلك بطريقة شرعية يجعلها مطية للعلوم الشرعية ولخدمة المسلمين يعتبر بما جعل الله فيها من أسرار تدل على أن موجدها إله عظيم . وفي أنفسكم أفلا تبصرون ولذلك إخوتي الكرام عندما جعل الشرع العقل تابعاً له جعل الله بعد ذلك للعقل ميادناً يسرح فيه ويمرح ألا وهو الأمور المادية البحتة الخالصة وأما ما يتعلق بسلوك الإنسان كما تقدم معنا من حلال وحرام وفضيلة ورذيلة وخيراً وشراً ومعروف ومنكر فمرد ذلك إلى الله له الحكم ولا يشرك في حكمه أحدا.. إخوتي الكرام: هذا كله يتعلق بالأمرين المتقدمين تشريع الشرائع من خصائص الله الخالق لا بد لهداية الإنسان من شرعاً قويم وعقل سليم ولا يتعارض عقلا صريح مع نقل صحيح. وأما الأمر الثالث: وهو الاجتهاد في الإسلام وإنما ذكرته إخوتي الكرام لأنه قد يقول قائل إن النصوص الشرعية لم تنص على كل جزئية وقضية في هذه الحياة وقلنا نحن إن العقل ينبغي أن يكون تابعاً للشرع فما لا نص فيه ما هو الحكم فيه وما هو الموقف نحوه يأتي معنا منزلة الاجتهاد ولا بد من البحث في هذه القضية كي نكن على علم بها.

стр. 4447

إخوتي الكرام: الاجتهاد معناه كما قرر علماؤنا اللغويون: إفتعالا من الجهد وهو الوسعُ والطاقة ويعرف في اللغة بأنه بذل الوسع وبذل الطاقة بذل الجهد لتحصيل أمراً ما وفي الغالب لا يقال اجتهد إلا إذا بذل جهداً شاقاً مضنياً في تحصيل أمراً صعب اجتهد هذا معنى اللفظ في اللغة والاجتهاد معناه عندما في شريعة الله المطهرة بذل الجهد والوسع في النظر في الأدلة الشرعية المعتبرة للوصول إلى القطع أو الظن بحكم شرعية في شرعية الله المطهرة يبذل الإنسان جهده في الأدلة الشرعية ليقبس النظير على النظير المثيل على المثيل والشبيه على الشبيه ليصل بعد ذلك إلى قطعاً جزم أو غلبه ظن بحكم من الأحكام أن هذا الحكم ثابتاً في شريعة الرحمن يبذل الإنسان جهده وسعة جدَّه واجتهاده في النظر في أدلة الشرع المطهر ليصل إلى حكماً قطعي أو غلبه ظن بأن هذا الحكم ثابت في شريعة الله المطهرة هذا معنى الاجتهاد أن يبذل الإنسان ما في وسعه وجدَّه وطاقته بحثاً في الأدلة الشرعية المعتبرة ليصل إلى حكماً عن طريق القطع أو الظن بحكماً شرعي مقرراً في شريعة الله المطهرة. إخوتي الكرام: هذا الاجتهاد أئمتنا الكرام جعلوا الاجتهاد ثلاثة أقسام ولا بد من وعي هذا إخوتي الكرام لا سيما في هذه الأيام لنرى موقعنا وكيف نتعامل مع الكرام أئمتنا.. الاجتهاد يُطلق على صنف من المجتهدين وهو يقال له المجتهد المطلق وهو الذي يستقل لوحده في معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية هذا يقال له مجتهد مطلق ولابد من أن توجد فيه ستة شروط بعد وجود مناط التكليف فيه أعني ركني التكليف العقلي والبلوغ فإذا كان عاقلا بالغاً ينبغي أن توجد فيه ستة شروط ليكون مجتهداً مطلقا لينظر في أدلة الشرع ويستنتج منها حُكما شرعياً لواقعة من الوقائع هذا هو المجتهد المطلق وهذه هي الشروط الستة هي:

стр. 4448

أولها: أن يحيط بالنصوص الشرعية من الآيات القرآنية وأحاديث نبينا خير البرية ﵊ وما بني على هذين الأمرين من إجماعاً حق وقياس صدق أحاط بهذا علم النصوص علم مسائل الإجماع علم طريقة وكيفية القياس هذا شرطاً أول. الشرط الثاني: أن يعلم أقوال السلف الطيبين من صحابة ومن تابعين رضوان الله عليهم أجمعين في هذه القضية ومسائل الدين ينبغي أن يعلم بذلك لأن خير من فهم القرآن وسنة نبينا ﵊ عمل بعمل سلفنا الكرام من صحابة وتابعين عليهم جميعا رحمات ورضوان من رب العالمين. والأمر الثالث: الذي ينبغي أن يكون في هذا المجتهد المطلق أن يكون على إلمام واسعاً بلغة العرب فيغرف مدلول الكلام ويعلم ما يتعلق باللغة من نحواً وبلاغة وصرف. والشرط الرابع فيه: في المجتهد المطلق أن يكون على علماً تاماً بعلم الأصول وأريد بالأصول هنا الأصول الثلاثة بعلم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث أعني علم المصطلح وهذا كما قلت شرطاً رابع. الشرط الخامس: في هذا المجتهد أن يكون على فطنة وذكاء فالله جل وعلا خصّه بذلك وإذا نظر إلى اللفظ الشعري يعلم ما وراءه من دلالة شرعية معتبرة ويعرف مراد المتكلم من كلامه لما وهبه الله من ذكاء لا يوجد عند كثيراً من الناس.

стр. 4449

والصفة السادسة: في هذا المجتهد المطلق أن يكون في المجتهد فيه صفة الطهارة والصدق والذكاء بعد أن وُجد فيه الذكاء والألمعية ينبغي أن يوجد فيه الإخلاص لرب البرية فإذا اجتمعت هذه الأمور الستة هذا هو المجتهد المطلق الذي كما قلت ينظر في الأدلة التفصيلية فيستنبط منها الأحكام الشرعية وهو على هدى في جميع أحواله كما سيأتينا ضمن مراحل البحث مجتهداً مطلق أحاط بالنصوص الشرعية علم بعد ذلك كما قلت أقوال السلف الكرام ليستضيء بأقوالهم وليعلم محل الإجماع لئلا يخالفه لأن مخالف الإجماع ضال علم بعد ذلك لغة العرب وكيف سيتسوّر على نصوص الشرع وهما بلغة العرب إذا كان لا يستطيع أن يفهم لغة العرب ولا يميز بين الفاعل والمفعول وهو حاله في عداد الأعاجم ثم بعد ذلك يريد أن يتسوّر على كلام الله جل وعلا..لا ثم لا وحال من أراد أن يستنبط أحكاماً شرعية من النصوص الشرعية دون أن يحيط علماً باللغة العربية حاله كما قال الإمام الواحدي يقول من أراد أن يُفسر كلام الله ويشرح حديث رسول الله ﵊ ويستنبط الأحكام منها دون علماً بلغة العرب كحال من شهد الهيجاء بغير سلاح وكحال من راح أن يطير في الهواء بغير جناح شهد المعركة ولا سلاح عنده أراد يطير ولا جناح له وهنا أراد أن يستنبط أحكاماً شرعية من هذه النصوص الحقة الثابتة الشرعية وليس عنده علماً باللغة العربية.

стр. 4450

والإمام الشافعي عليه رحمة الله في كتابه الرسالة أفاض في بيان هذا الشرط وبيّن أن جُمل القرآن وأحكامه لا تُفهم إذا لم يُحط الإنسان علماً بلغة العرب وأساليب إستعمالهم رحمة الله على الإمام الأصمعي عندما يقول: تعلّموا العربية فإن النصارى كفروا بسبب خطأهم في حرفاً واحداً قال الله لنبيه وروحه وكلمته عيسى على نبينا وعلى آله الصلاة والسلام " يا عيسى أنت نبياً وأنا ولّدتُك " يعني أخرجتك من بطن أمك والله جل وعلا على كل شيء قدير وكوّنه في بطن أمه دون أن يحصل إتصالاً عادي كاللهو المعروف بين البشر أنت نبي وأنا ولّدتُك قال الأصمعي فخففوها أنت نبي وأنا ولدتك يعني أنت نبي وأنت ولدي أنت نبي وأنا ولدتُك كفروا بحرفاً واحد ولذلك لابد من إدراك لغة العرب. والأمر الثالث كما قلت إخوتي الكرام: أن يحيط بعلم أصول الدين أمراً رابع بعلم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث والخامس أن يكون على ذكاء وألمعية والناس لا يستوون في هذا والله جعل للحديث رجال وجعل للفقه رجال وجعل للصنفين رجالا تحل واحداً ينبغي أن يقف عند حدِّه وإذا كان الإنسان يُعنى بالحديث وما عنده ملكة فقهية ينبغي له أن يقف عند حدِّه وإلا سيخبط بعد ذلك في دين ربه ولذلك إخوتي الكرام كان للمحدِّثين منزلة وكان للفقهاء منزلة ومنزلة الفقهاء كمنزلة الأطباء كما أن منزلة المحدثين كمنزلة الصيادلة وهذا يقول أئمة الحديث أنفسهم عندما كانوا يجتمعون مع فقهاء هذه الأمة المباركة المرحومة وما يقوله بعض الناس في هذه الأيام كيف يعلم الإنسان الحديث وهو لا يعلم الفقه وأي غربة في ذلك لو علمت الحديث لما وردت هذا الكلام فهو من لهو الحديث.

стр. 4451

أما بلغك قول النبي ﵊ "رب حامل فقه ليس بفقيه" أما بلغك قول النبي ﵊ "رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" والحديث صحيحاً متواتر رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه وابن حِبان في صحيحه من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ ورواه الإمام أبو داود في سننه والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه أيضاً وان حبان في صحيحه ورواه الضياء المقدسي في أحاديث الجياد المختارة من رواية زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه من رواية جُبير بن مُطعم والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه من رواية أنس بن مالك وروى عن أبي هريرة وغيره وقد نص أئمتنا على تواتره كما بين هذا في محاضرات الحديث. ولفظ الحديث عن نبينا ﵊ أنه قال " نظّر الله امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرُبّ مُبلِّغاً أوعى من سامع " ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" نعم قد يكون الإنسان محدثاً ويحمل الحديث وليس عنده ملكة الفقه وليس عنده درجة الاستنباط فليقف عند حدِّه. واستمعوا إخوتي الكرام: إلى ثلاث قصص وقعت في الزمان القديم بني الفقهاء والمحدِّثين رضوان الله عليهم أجمعين وكيف فيها هذه الدلالة وهي أن حامل الفقه قد لا يكون فقيهاً وأن من يحمل الحديث قد لا يكون بعد ذلك عالما بمدلوله وبمراد نبينا ﷺ منه..

стр. 4452

الحادثة الأولى: يذكرها شيخ الإسلام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمل في ٢/٣١ حرث بين إمامين بين شيخ الإسلام في زمنه في الحديث بلا نزاع ألا وهو الإمام الأعمش سليمان بن نهران الذي توفي سنة ١٤٧هـ والإمام الثاني فقيه هذه الأمة وهو أول فقهاء الأربعة وهو الإمام المبجل المبارك أ [وحنيفة النعمان بن ثابت رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين إجتمعا فسُئل الإمام الأعمش عن مسألة فأحال على أبي حنيفة فأجاب فيها فقال من أين لك هذا يا نعمان قال مما حدثتنا أنت ثم روى له الحديث قال أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وأبو حنيفة يقول للأعمش أنت حدثتني بحديث يدل على هذه القضية فقال أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وقبل هذه القصة يذكر الإمام عبد البر أيضاً في الكتاب المشار إليه في نفس الصفحة أنه جرى نظير هذه القصة مع الإمام الأعمش وتلميذ أبي حنيفة أبي يوسف يعقوب رحمة الله ورضوانه عليه وعليهم أجمعين عندما أجاب أبو يوسف قال له من أين لك هذا يايعقوب قال مما حدثتني أنت فقال والله إنني أعلم هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك أعلم هذا الحديث لكن هذه الدلالة مالاحت لي ولا ظهرت لي نعم إن المحدِّثين كانوا يقرّون بهذا فلابد من ملك فقيه والله يعطى الحكمة لمن يشاء . قصة ثانية يذكرها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٦/٤٤٠ وهي مذكورة في تذكرة الحفاظ في ترجمة العبد الصالح لسليمان الدمشقي وتوفي سنة ٣٧٩هـ وهو محمد بن عبد الله ابن أحمد أبو سليمان الدمشقي إجتمع مع إمام الفقهاء الحنفية في زمنه الامام أبي جعفر الطحاوي واستعار منه كتب الحديث ونظر فيها وأُعجب فيها أبو جعفرثم قال لهم أنتم معشر المحدثين صيادلة ونحن معشر الفقهاء أطباء وهذا ما أقر به كما قلت جهابذة المحدثين.

стр. 4453

أختم هذه القصص كما قلت بالقصة الثالثة: يرويها الإمام الرماهرمزي المتوفي سنة ٣٦٠هـ في كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي في صفحة ٢٥٠ وخلاصتها أن امرأة كانت تغسل الموتى من مات من نساء المسلمين فجاءت إلى مجلس أبي زكريا يحيى ابن معين إمام الجرح والتعديل في هذه الأمة وهو قرين وصاحب الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين وتوفي سنة ٢٣٣هـ فجاءت هذه المرأة إلى مجلس أبي زكريا يحيى ابن معين وقالت: يا أبا زكريا هل يجوز للحائض أن تُغسِّل الموتى إذا ماتت امرأة مسلمة وهذه المُغسِّل حائض هل يجوز لها أن تغسِّلها قال: لا أدري لكن عليك بهذا الرجل ويردي به أبي ثور إبراهيم أبا خالد الذي توفي سنة ٢٤٠هـ وهو من أبرز تلاميذ الإمام الشافعي ومن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين عليك بهذا الرجل ثم عودي إليّ فأخبريني فذهبت إلى أبي ثور فقالت يا أبا ثور يجوز للحائض أن تغسل الموتى قال: نعم يجوز.

стр. 4454

قالت: وما دليلك قال: حديثان عن نبينا ﵊ الحديث الأول: ثابت في المسند ورواه أهل الكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي وهو في موطأ الإمام مالك ومسند الدارمي وهو أيضا في السنن الكبرى للإمام البيهقي وهو حديث صحيحٌ صحيح كما قلت في صحيح مسلم وغيره وفي الكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي وهو في صحيح مسلم وفي صحيح البخاري ولفظ الحدي عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ قال لها " ناوليني الخمرة وهي شيء صغير بحجم الكف يظفر من خوصاً أو خرق يضع الإنسان جبهته عليه عندما يسجد في الأيام الحارة ومن المعروف أن مسجد نبينا ﵊ في العصر الأول ومساجد المسلمين منها ما كانت تفرش وكانوا يُصلّون على البطحاء وعلى الحصى وإذا اشتد الحر يؤذي الجبهة غاية الأذى فكانوا أحياناً يسجدون على هذه الخَمِرة فقط ليقوا الجبهة من الحر كما قلت قطعة بحجم الكف من خويصا من خِرقا ناوليني الخُمرة فقالت أمنا عائشة ﵂ إنني حائض فقال ﵊: إن حيضتك ليست في يدك ولفظ الحيضة هنا بالفتح وهو المعتمد وهو الدفعة من الحيض الدم وليس المراد كما قال بعض علماء اللغة إن حيضتك وهي الحالة التي تعتري الحائض لا إن هذا الدم الذي يخرج ليس في يدك وإذا أنت مُنعت بعد ذلك من الصلاة أو الصيام لأمرا شاءه الرحمن ليس معنى هذا أنك نجسة إن حيضتك ليست في يدك".

стр. 4455

والحديث الثاني رواه الإمام أحمد أيضا في المسند وأهل الكتب الستة الصحيحان وأهل السنن الأربعة ورواه أيضا الإمام مالك في الموطأ والإمام الدارمي في سننه والبيهقي في سننه ورواه أبو داو الطيالسي في مسنده أيضا عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت: كان رسول الله ﷺ يتكأ في حجري فكنت أرجل رأسه وأنا حائض فقال / أبو ثور/ الحيضة ليست في اليد وإذا أبيح للحائض أن تُرجل وتسرح شعر الحي فيباح لها أن تغسل بدن الميت قالت جزاك الله خيراً أبا ثور ثم ذهبت إلى أبي زكريا إمام الجرح والتعديل في هذه الأمة فقال لها ماذا قال لك هذا الرجل الإمام. قالت: يجوز لهذين الحديثين قال أحفظ كل من هذين الحديثين من كذا وكذا تطبيقا وقد بدأ يورد الطرق وهو وأصحابه لهذين الحديثين فلما انتهوا من سرد الطرق ومن يعني من استحضار حفظهم نحو هذين الحديثين قالت المرأة: فأين كنتم أيضا عندما سألتكم.. سألتكم وبدأت بكم أين كنتم تحفظون هذه الروايات ولا تستنبطون منها هذه الأحكام.

стр. 4456

هذه منزلة الإمام الشافعي ليست منزلة يحيى ابن معين وانظر لشهادة الإمام المبجل شيخ أهل السنة في هذه الأمة الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليهم وهو أخبر الناس بقرينة أبي زكريا يحيى ابن معين وهو أخبر الناس بشيخ عبد الله الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين قيل للإمام أحمد إن ابن معين ينال هذا الشافعي ويقول إن الشافعي ليس بثقة فقال الإمام أحمد إن ابن معين لا يعرف الشافعي ولا يفقه ما يقول الشافعي لا يفهم إذا أعلم الإمام الشافعي في الفقه وابن معين لا يعي هذا ولا يدركه فهل يؤخذ بكلامه هذا الإمام العظيم المبارك قال الإمام ابن عبد البر معلقاً على هذا في جامع بيان العلم وفضله وقد سئل ابن معين عن مسألة في التيمم فلم يعرفها هذه منزلة الفقهاء ولذلك قال الإمام ابن عبد البر وما مثال من يقع في الإمام الشافعي ومالك أبي حنيفة وأحمد إلا عما قال الأعشى كنا مع صخرة يوماً ليوهنها فلن يضرها وأوهى قرنه وعلوا الوعل: إذا جاء إلى صخرة من أجل أن يُفتِّتها وضربها بقرونه لينكسر قرنه والصخر هي يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق على الرأس ولا تشفق على الجبل والله لو اجتمع أهل الحدين قاطبة على القص من الإمام الشافعي مازاده إلا رفعة وقدراً فإذا كانوا لا يعلمون الفقه فليقفوا عند حدهم فالإمام ابن معين عندما جرى عنده ماجرى وهو مقدوراً ونسأل الله أن يغفر لنا وله يقول قرينه تلميذ الإمام الشافعي الأمام أحمد يقول اعذروه فهو لا يعرف الشافعي ولا يفقه ما يقول الشافعي وعليه كلامه في هذا الإمام العظيم لا قيمة له نعم اخوتي الكرام لا بد كما قلت من فطنة لا بد من ذكاء لابد من ملكة فالله فاوت بين هذه الأمور كما فاوت بين أبدانهم فاوت بين عقولهم فينبغي أن نضع الأمر في موضعه الشرعي هناك أطباء وهناك صيادلة ولا يجوز أن تذهب إلى الصيدلي ليعالجك وليجري لك عملية جراحية فلن تُحصِّل بعد ذلك إلا السقم والموت إن هذا اختصاص الطبيب

стр. 4457

وينبغي أن يستعان على كل صنعة بصالح أهلها. إخوتي الكرام: هذا كما قلت هو المجتهد المطلق والذي يستقل بنفسه في معرفة الأحكام الشرعية وإن أدلتها التفصيلية لأنه أحاط بالنصوص الشرعية وما بُني عليها من إجماعاً حقا وقياساً صدق لأنه أحاط بقول السلف الكرام من صحابة وتابعين رضوان الله عليهم أجمعين علم اللغة وأساليبها واستعمالاتها علم أصول الدين أصول الفقه أصول الحديث وأهداه الله الذكاء وفطنة ليعلموا ما وراء اللفظ من معنى فإذا كانت أمنا عائشة ﵂ تُرجل رأس النبي ﷺ وهي حائض فيجوز للحائض أن تُغسّل الموتى والأمر الخامس والأمر السادس في هذا الفقيه وهو مجتهد مطلق كما قلت فيه طهارة وذكاء بعد أن كان فيه الذكاء فيه طهارة فيه صدقاً فيه ذكاء وإخلاصاً لرب الأرض والسماء هذا المجتهد المطلق.

стр. 4458

وأول من يدخل في هذا التعريف أئمتنا الكرام سادتنا رضوان الله عليهم أجمعين الفقهاء الأربعة أولهم وفقيه هذه الأمة لا نزاع وكل من تفقه بعده عيالا عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين هذا مجتهداً مطلق والمجتهد الثاني مجتهد المذهب وهو دون المجتهد المطلق فلا ينتقل بنفسه من إدراك الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية إنما أحاط علماً بنصوص إمام المذهب وفي وسعِه أن يُخرج غير المنصوص على المنصوص ولا يستطيع أن يستقل بنفسه كما قلت في استنباط حكم ولكن مأخذ إمامه وطرق استنباط الإمام أحاطها وهضمها فإذا عُرضت عليه قضية يستطيع أن يُخرَجها على أصول الإمام التي وضعها للإجتهاد والاستنباط أما ان يضع هو طريقة للإستنباط ليستنبط لا ثم لا هذا يقال له مجتهد المذهب وهو دون الأول قطعاً والنوع الثالث مجتهداً فتوى والترجيح دون الثاني فما أحاط علماً بمأخذ إمامه ولا يستطيع أن يخرّج غير المنصوص على ما نص عليه إمامه إنما هو علم بهذا المذهب ويستطيع أن يرجّح بين نصوص المذاهب إذا وجد للإمام قولان أو أكثر فعنده قدرة على الترجيح لأنه أحاط بهذا المذهب وعرف مراد الإمام هؤلاء الثلاثة هم الذي ينبغي أن يُستفتوا من قبل من عداهم.. المجتهد المطلق ومجتهد المذهب ومجتهد الفتوى والترجيح من عداهم ينطبق عليهم ما قال الله تعالى في سورة النحل "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتُبيّن للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون". ونظير هذه الآية يقول الله جل وعلا في سورة الأنبياء "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". من عندهم الفتوى كما قلت مجتهداً مطلق مجتهد المذهب..مجتهد الفتوى والترجيح.

стр. 4459

قال الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين ٤/٢١٢-٢١٥ في أربع صفحات يقرر هذا الكلام وهكذا قرر هذا سائر أئمتنا الكرام أيضاً نظير هذا القول مذكوراً في جمع الجوامع للإمام السبكي تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي عليهم جميعاً رحمة الله وفي شرحه للجلال المحلي وفي حاشية العطّار عليه انظروا ٢/٤٢٤-٤٢٥ وخلاصة كلام الإمام ابن القيم وما في هذه الكتب من حاشية العطار وشرح الجلال للمحلّي على جمع الجوامع للإمام السبكي عليهم جميعاً رحمة الله خلاصتهم هؤلاء الثلاثة الذي هو مجتهداً مطلق ومجتهد المذهب ومجتهد الفتوى والترجيح قال الإمام ابن القيم وهكذا سائر أئمة كتب أصول الفقه مثال هؤلاء مثال ثلاث توقيعات تقع من العباد فالمفتي الذي هو مجتهداً مطلق توقيعه كتوقيع الملوك والمفتي الذي هو مجتهد المذهب توقيعه كتوقيع نواب الملوك والمفتي الذي هو مجتهد الفتوى والترجيح توقيعه أي فتواه كتوقيع نواب نوّاب الملوك الأول كما قلت كأنه ملك لكن يوقع نيابة عن الملك الحق جل وعلا نعم إن الإنسان عندما يُفتي في قضية ينوب بذلك عن رب البرية. وهذا ما أشار إليه الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين وعباده المرسلين أن عندما تُفتي وتقول هذا حلال وهذا حرام توقع عن ذي الجلال والإكرام فمن الذي يتأهل للفُتيا مجتهداً مطلق، ومجتهد المذهب، مجتهد الفتوى والترجيح " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ".

стр. 4460

إخوتي الكرام: الشروط المتقدمة في المجتهد المطلق وما يتبعه من مجتهد المذهب عما قلت ومجتهد الفتوى والترجيح هؤلاء كما قلت من وُجدت فيهم هذه الصفات يحق له أن يُفتوا وهؤلاء هم الذين يُسئلون وعندما يبذلون جُهداً واجتهاداً للوصول إلى حُكم الله في قضية يُثابون ويُأجرون في جميع الأحوال لوجود الشروط المتقدمة فيهم فتلك الشروط هي الحَكَم الفيصل بين الاجتهاد المقبول والاجتهاد المرذول وهي الحَكَم الفارق بين كون المجتهد يُثاب أو يُعاقب فإن وُجدت فيه يُثاب على جميع أحواله أصاب أم أخطأ كما سيأتينا وإذا لم توجد فيه يُعاقب على جميع أحواله أصاب أم أخطأ.. إن الذي يتكلم دون أن يُعد العُدّة هو على ضلال وعليه غضب ذي العزة والجلال أصاب الحُكم الشرعي أو..لا.. لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله إلا بعد أن يُعد العُدة التي تُأهله لذلك وهذا ما أشار إليه نبينا ﷺ فاستمعوا لتقرير هذا إخوتي الكرام: لأننا نشهد هذه الأيام فوضى لا نهاية لها تحت ستار العود إلى الكتاب والسنة.. تحت ستار عدم التقيد بمذاهب الأئمة ثم كل واحد يعرف بما لا يعرف ويقول إنني مجتهد وضمن الله لي الأجر إن أصبت لي أجرا وإن أخطأت لي أجر أنت عليك إثم الضال المضل في جميع أحوالك فانتبهوا لذل إخوتي الكرام بإشارة نبينا ﵊ لأن لا يُسند الأمر إلى غير أهله.

стр. 4461

ثبت في المسند والحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى ورواه الإمام الطبراني في معجمه ورواه سعيد بن منصور في سننه والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة بسند صحيح كالشمس وضوحاً من رواية بريدة بن الحصيب ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله صلى الله ﷺ يقول: " القضاة ثلاثة فقاضٍ في الجنة وقاضيان في النار " ولا يراد إخوتي الكرام من هذا الحديث نسبته بين القضاة بمعنى ثلث إلى الجنة وثلثان إلى النار..لا.. لعل نسبته من يدخلون النار من القضاة تزيد على تسعين بالمائة فليس المراد نسبة وتناسب وثلث أو ثلثان وإنما هنا وصفاً وهنا وصف فقد لا يتصف بالصنف الأول إلا واحد من مائة قد.. وقد يتصف بالوصف الأول مائة بالمائة ليس أن القضاة سيجمعون عند الله ثلثهم إلى الجنة وثلثان إلى النار..لا..ثم لا.. فاستمع لإشارة النبي ﵊ بتوضيحاً لهذا الذي يدخل الجنة عندما سيقضي ولذلك كيف سيدخل النار عندما يقضي. قال ﵊ "رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة" عرف الحق قضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار أي انحرف عنه وتبع الهوى فهو في النار ورجل قضى على جهل فهو في النار ماعنده عدة القضاء ولا عنده شروط الفتية فاقتحم هذا الطريق ونصب نفسه قاضياً ومفتياً لعباد الله فضلّ وأضلّ فهو في النار أصاب أو أخطأ فهو في النار من قضى على جهل فهو في النار من عرف الحق فانحرف عنه فهو في النار عرف الحق وقضى به فهو في الجنة والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير والأوسط ورواه أبو يعلى بسند بيّن من رواية عبد الله بن عمر ﵄ عن نبينا ﵊ بلفظ قريباً من اللفظ المتقدم ولفظ الحديث " القضاة ثلاثة.

стр. 4462

القناعة (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القناعة ١١ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) . وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .

стр. 4463

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) . أما بعد معشر الأخوة المؤمنين: إن أشرف البقاع في الأرض وأحبها إلى الله -جل وعلا- - المساجد، فهي بيوته، وفيها نوره وهداه، وقد نعت الله عباده الطيبين الذين يعظمونه في هذه البيوت بأنهم رجال، ثم وصفهم بأربع خصال: لا تلهيهم البيوع ولا التجارات، ويقيمون الصلاة، ويذكرون الله، ويؤتون الزكاة، ويحسنون إلى عباد الله، ثم بعد ذلك يستعدون للقاء الله، ليوم تشخص فيه الأبصار ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (٢) . فالصفة الأولى من صفاتهم: أنهم لا يلتهون بعرض بما فيها من بيوع وتجارات، ولايشغلون بذلك عن طاعة رب الأرض والسموات، وكيف يُشغل هؤلاء الرجال، هؤلاء الأخيار الأبرار بعرض من الدنيا. حقيراً مهين لا يعدل عند الله جناح بعوضة. إن هؤلاء العباد يعلمون حق العلم أن الرزق مقسوم كما أن العمر محتوم ولا يمكن أن يزاد في شيء منهما ولا ينقص ولذلك استراحت أبدان هؤلاء الرجال وتعلقت قلوبهم بذي العزة والجلال وما قدر لهم سيأتيهم كما أشار نبينا ﷺ إلى حالهم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام الترمذي، وابن ماجه في السنن.

стр. 4464

والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن الخليفة الراشد المهدي المهتدي عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا] والتوكل على الله هو ثقة القلب بالرب وأن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطئه لم يكن ليصيبه فهم تعلقت قلوبهم بالله -جل وعلا- وتبع ذلك راحة الأبدان فمشو في مناكب الأرض وتعرضوا لنفحات الله وفضله دون إرهاق لأبدانهم ودون غم في قلوبهم لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا تذهب في الصباح وهي جياع ضامرة البطون ثم تعود بعد ذلك في المساء إلى أوكارها وقد امتلأت بطونها من فضل ربها تغدو خماصاً وتروح بطاناً عباد الله فهؤلاء الأخيار الذين يعبدون الله في هذه المساجد في بيوت الله في أرضه هؤلاء لا تلهيهم تجارة ولا بيع وكيف يتحقق عدم الإلتهاء بما في الدنيا من البيوع والتجارات يتحقق هذا -إخوتي الكرام- بأمور كثيرة سأجملها في خمسة أمور بعد أن بينت في الموعظة الماضية إلا أن هؤلاء الأخيار لا يلتهون بعرض الدنيا ولا يشتغلون به كيف يتحقق هذا بوجود القناعة في قلوبهم ويتحقق هذا بعدم حب الدنيا والميل إليها ويتحقق هذا بعدم البخل بها بعد إحرازها وحيازتها ويتحقق هذا بعدم الحرص عليها ويتحقق هذا بعد ذلك بأمر خامس أنهم لا يلتهون ولا يشغلون بهذه الدنيا بحال من الأحوال إنما يتقربون في كل وقت إلى ذي العزة والجلال فمن اتصف بذلك فهو حقيقٌ بأن يكون من أهل هذه الآية رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع.

стр. 4465

أما الأمر الأول وهو القناعة أحسن ما قيل -إخوتي الكرام- في بيان حد القناعة وضبطها أن ترضى بما يكفيك وأن لا تكثر من تطلعاتك وأمانيك فما قدر لك سيأتيك فإذا كنت في كفاية فاحمد الله -جل وعلا- ولا داعي للهم والحُزن والغم والقلق والتطلع إلى مالم يقدر لك وهذه الحالة حالة طيبة إذا وجدت في الإنسان كفاف وقنع به رضي به أشار النبي ﷺ إلى هذه الحالة الحسنة الطيبة لهؤلاء العباد الأخيار في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سنته ورواه ابن ماجه في سننه ورواه البخاري في الأدب المفرد والخطيب في تاريخ بغداد وإسناد الحديث حسن عن عبيد الله بن مِحْصَن ويقال عبد الله بن مِحْصَن والتصغير أصح وهو من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين-. والحديث رواه ابن حبان في صحيحة والحاكم في مستدركه والخطيب في تاريخ بغداد أيضاً عن أبي الدرداء ﵁ ورواه ابن أبي الدنيا عن عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين- فالحديث من رواية عبيد الله بن محصن، ومن رواية أبي الدرداء، ومن رواية أمير المؤمنين عمر ﵃ أجمعين- أن رسول الله ﷺ قال: [من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها] والحديث إسناده صحيح كالشمس من أصبح منكم آمنا في سربه أي في نفسه يقال فلان واسع السِرب أي رخى البال هادئ النفس وضبط بفتح السين والراء [من أصبح منكم آمنا في سربه] أي في مذهبه وطريقه ومسلكه آمن في نفسه آمن في طريقه عنده بعد ذلك قوت يومه وعنده صحته وعافيته فقد ملك الدنيا بأسرها [من أصبح منكم آمنا في سِربه آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها] .

стр. 4466

نعم إذا كان يأتيك القوت والصحة والأمن ثم أصبحت أخا حُزت فلا فارقك الحزن أنت في نعمة في بدنك تأمن بعد ذلك في طريقك وفي نفسك وأنت بعد ذلك في كفاية وعندك ما يكفيك فلا تحتاج إلى أحدٍ من خلق الله إذاً ينبغي أن تشكر الله على هذه النعمة [من أصبح منكم آمنا في سِرِبه في سَرَبه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها] وهذه الحالة هي التي كان يتطلع إليها نبينا ﵊ ويسألها الله لنفسه وأهل بيته. كما ثبت في الصحيحين والحديث في المسند، وسنن الترمذي، وابن ماجه وهو في أعلى درجات الصحة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا]-على نبينا وآل بيته والصحابة صلوات الله وسلامه- وفي رواية: [اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً] . والقوت هو مقدار الضرورة، بحيث لا تجوع ولا تفتر. والكفاف هو ما كفك عن سؤال الناس وكان بمقدار كفاتيك وحاجتك، فإذا حصلت هذا فاحمد الله، فقد كان خير خلق الله يسأل ربه هذا، فإن المال إذا زاد وكثر يؤدي إلى البطر، والحاجة إذا لم تتيسر يتشوش البال، فإذا رزقت الكفاف وكان عندك ما يكفيك فاحمد الله واقنع بما قسم الله. هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لو لم يكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن هذا هو الأمر الأول. والأمر الثاني من صفتهم: أنهم لا يتعلقون بالدنيا لأن من أحبها صار أسيراً لها وعبداً لها وقد أخبر نبينا – صل الله عليه وسلم- عن هذا، الحقيقة أن من أحب الدنيا سيعرض عن الآخرة ففي مسند الإمام أحمد وبن حيان والحاكم والطبراني في الكبير والبزار في مسنده وإسناده حسن عن أبي موسى الأشعري –﵁ قال: سمعت رسول الله –صل الله عليه وسلم- يقول: [من أحب دنياه أخر بآخرته من أحب آخرته أخر بدنياه] .

стр. 4467

فآثروا ما يبقى على ما يفنى من أحب دنياه أضر آخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فأثروا ما يبقى على ما يفنى إذاً لا يحب هذه الدنيا ولا يتعلق بها ولا يميل إليها، وهذا الحديث -إخوتي الكرام- كما قلت إسناده حسن وقد كان الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- يُحَذِّرون من جاء بعدهم من التابعين من الركون إلى الدنيا والانهماك فيها. ففي مسند الإمام أحمد أيضاً، لحديث في صحيح ابن حبان، ستدرك الحاكم، عجم الطبراني الكبير، رواه بدل الإمام البزار في الرواية المتقدمة الإمام أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال للتابعين الذين جاءوا بعد الصحابة الطيبين فقال ما أبعد هديكم من هدى نبيكم ﷺ كان رسول الله ﷺ أزهد شيء في الدنيا وأنتم أحرص شيء عليها وهكذا قال العبد الصالح إبراهيم التيمي الذي توفي ٩٢ هـ وهو من أئمة التابعين ومن أهل الخير الطيبين وكان يقول إذا كان الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه أي لا يسارع إلى تكبيرة الإحرام يقول هذا العبد الصالح للتابعين الذين عاصرهم إن من قبلكم كانوا يفرون من الدنيا وهي مقبلة عليهم ولهم من المنزلة مالهم وأنتم تقبلون عليها وهي مدبرة عنكم وعندكم من الأحداث ما عندكم فقسموا أمركم من إلى أمر من سبقكم.

стр. 4468

إذاً الصفة الثانية من صفاتهم التي يتحقق بها عدم الإلتهاء والاشتغال أنهم لا يحبون هذه الدنيا ولا تسكن في قلوبهم إنما هي عرضٌ بين أيديهم بالإستعانة به على طاعة ربهم -جل وعلا- والصفة الثانية إذا جاءت الدنيا إليهم واكتسبوها من طريق حلال وضعوها في مصارفها الشرعية وما بخلوا بها فما يبخلون بهذا المال والله -جل وعلا- حذرنا من البخل بالمال ومن عدم إعطاء الحق من المال وأخبرنا أن فريقاً من الناس عاهدوا الله أنه إذا جاءتهم الأموال سيخرجون منها ذات اليمين وذات الشمال ثم بخلوا فأعقبهم الله نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه قال -جل وعلا- ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١) فهذا المال ينبغي أن تخرج الحق الواجب منه وأن تنفق منه في سبيل الله في كل جهة ممن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك وهذا المال إذا أنفقت شيئا منه فهو الذي يبقى لك وما تتركه فلن تملكه [أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك] .

стр. 4469

وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن هذه الحقيقة في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه، والحديث في سنن الترمذي، وابن ماجه من رواية عبد الله بن الشخير ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ قول الله [ألهاكم التكاثر] ثم قال: النبي ﷺ : [يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت أي أمضيته وقدمته بين يديك ليبقى عند ربك -جل وعلا- أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فأنت ذاهبٌ وتاركه] . وفي رواية في المسند وصحيح مسلم من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [يقول العبد مالي. مالي وهل له من ماله إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأقنى _ أي اتخذه قنية له ومُدّخراً له عند الله -جل وعلا- ليس لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت. أمضيته ليكون بين يديك لتجده عند ربك -جلا وعلا- ليس لك من مالك إلا ما أعطيته لمن يستحقه في هذه الحياة في سبيل الله وتقرباً إليه ليكون لك قِنية مُدّخراً عند الله -جل وعلا- عباد الله فهؤلاء لا يبخلون وقد أخبرنا النبي ﷺ أنه ينزل ملكان في كل يومٍ تطلع فيه الشمس فيدعوان للمنفق بالخَلَف وللمسك بالتلف ثبت الحديث بذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينزل ملكان من السماء فيناديان فيقولان اللهم أعطي ممسكاً تلفا ويقول الآخر اللهم أعطي منفقاً خلفا] .

стр. 4470

والحديث -إخوتي الكرام- رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والإمام البيهقي من رواية أبي الدرداء ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان فيقولان يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ما قل وكفى خيرٌ مما كثير وألهى وما من يوم تغرب فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان اللهم عجّل لمنفق خلفا وعجّل لممسك تلفا ولذلك خشي علينا نبينا ﷺ إمساك المال والبخل به والشح به وعدم الإنفاق منه ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح بن حبان، ومستدرك الحاكم، والحديث صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا أخشى عليكم الفقر إنما أخشى عليكم التكاثر] أن تتكاثر في الأموال وإلا تخرجوا منها في سبيل ذي العزة والجلال لا أخشى عليكم الفقر إنما أخشى عليكم التكاثر [ولا أخشى عليكم الخطأ إنما أخشى عليكم التعمد] فهؤلاء العباد يقنعون ولا يحبون هذا المال ولا يتعلقون به ولا يبخلون به إذا صار عندهم وهم كذلك لا يحرصون عليه فالحرص على المال يذهب دين الإنسان ويجعل الإنسان عبداً لهذا المال لهذا العرض الفاني الذي لا يسوى عند الله جناح بعوضة وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن أثر الحرص على المال وما يخلفه هذا الأثر من آثار سيئة في نفس الإنسان ففي مسند الإمام أحمد، والحديث رواه الترمذي في سننه، والإمام الدارمي في مسنده من رواية كعب بن مالك ﵁، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط، ورواه الإمام أبو نعيم في الحلية، وابن حبان في صحيحه من رواية أبي هريرة ﵃ أجمعين-، وروى الحديث من عدة من الصحابة الكرام روى عن ابن عباس، وعن ابن عمر، وعن أسامة بن زيد، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عاصم بن عدي ﵃ أجمعين- ولفظ الحديث أن النبي ﷺ قال: [ما

стр. 4471

ذئبان جائعان ضاريان أرسل في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه] ومعنى الحديث إذا حَرِص الإنسان على المال وعلى الشرف وهو الجاه والمنزلة بين الناس من يجعل هذا همه في الحياة يفسد دينه أشد من إفساد الذئبين الضاريين الجائعين في زريبة الغنم ما ذئبان جائعان ضاريان أرسل في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه] ، أي الجاه والمنزلة لدينه فمن حرص على هذا يفسد دينه وقد سمى النبي ﷺ الحريص على المال الذي يتفانى في جمعه ويعبده سماه عبدً له.

стр. 4472

ثبت في صحيح البخاري وسنن ابن ماجه والحديث صحيح صحيح فهو في صحيح البخاري من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، ولم يقل تعس مالك المال ولم يقل تعس جامع المال ليس في ملك المال منقصة وليس في جمع المال منقصة وليس في إحراز المال منقصة إنما المنقصة أن تكون أسيراً له أن تكون عبداً له ألا تتصرف إلا من أجل هذا المال وهذا الريال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة وهي الثياب الحسنة المزركشة الملونة تعس بمعنى سقط بمعنى هلك بمعنى بَعُد بمعنى أصابه شر بفتح العين وكسرها وتعس تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة تعس وانتكس أي عاوده السقوط مرة بعد أخرى تعس وانتكس سقط على رأسه بعد أن يسقط في أول الأمر سقوطاً عادياً يدعوا عليه بهذه الأمور الشنيعة التي تناسب حال هذا العبد الذي جعل نفسه عرضاً لمال حقير ليس له عند الله أي وزن وتقدير تعس عبد الدينار عبد الدرهم عبد الخميصة تعس وانتكس سقط مرة بعد أخرى سقط على رأسه بعد أن سقط سقوطاً عادياً وإذا شيك فلا انتقش أي إذا دخلت شوكة في بدنه دعى عليه من قبل نبينا ﵊ ألا يتسهل عليه إخراج هذه الشوكة بالمنقاش بالملقط الذي تُخْرَج به هذه الشوكة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش هذا عبدٌ ذليل حقير وضع نفسه عندما عبد المال من دون ذي العزة والجلال تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش وإذا دُعي عليه بألا تخرج الشوكة من بدنه إذا دخلت فيه فإن الدعاء لما هو أعظم من باب أولى أي هذا الأمر اليسير إن أصابه يسأل النبي ﷺ ربه ألا يخرج هذا الأمر اليسير من بدن عابد الدنيا وعابد المال ومحب المال وإذا وقع في ورطة أخرى فهذا من باب أولى لا يخرج منها ولا يتيسر الفرج عنه تعس وانتكس وإذا شيك فلا نتقش.

стр. 4473

والحديث رواه الإمام الترمذي عن أبي هريرة ﵁ بلفظ لعن عبد الدينار وعبد الدرهم. وتقدم معنا حديث: [الدنيا ملعونة ملعون كل ما فيها إلا ما كان لله منها] . فهؤلاء إذا لا يحرصون على هذا المال ولا يكونون عبيد له وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن كثيراً من أفراد هذه الأمة سيهلكهم الدرهم والدينار وسيبعدهم جمع الريال عن ذي العزة والجلال ثبت الحديث بذلك في معجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، والحديث رواه أبو نعيم في الحلية، وإسناده صحيح جيد عن عبد الله بن مسعود، ورواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن ابن موسى الأشعري ﵃ أجمعين- أن النبي ﷺ قال: [إنما أهلك من كان قبلكم الدرهم والدينار وهما مهلكاكم] .

стр. 4474

وفي رواية مسند البزار أن عبد الله بن مسعود ﵁ عندما كان أميراً على الكوفة من قبل عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين- فجاءه بعض الناس فأعطاه عطائه في الشهر ألف درهم ثم قال له خذ سمعت النبي ﷺ يقول: [إنما أهلك من كان قبلكم الدرهم والدينار وهما مهلكاكم] فهؤلاء العباد الذين يعمرون بيوت الله في الأرض لا تلهيهم تجارة ولا بيع. لا يلهيهم عرض الدنيا فيقنعون بما قسم الحي القيوم ولا يحبون الدنيا ولا يبخلون بها ولا يحرصون عليها وآخر الصفات فيهم، أن هذه الدنيا إذا جاءتهم لا تشغلهم عن الله -جل وعلا- في حالٍ من الأحوال ويتقربون بهذا المال إلى ذي العزة والجلال فقلوبهم مع الله وهي واثقة بأن ما قُسم لهم سيأتيهم ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، وابن ماجه، والحديث رواه الحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه، ورواه البيهقي في الزهد وإسناده صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فتلا قول الله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيب﴾ (١) ثم قال النبي ﷺ : قال الله : [ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غناً وأسُد فقرك وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك] . فهذه الدنيا لا تلهيهم عن الله طرفة عين في حالٍ من الأحوال.

стр. 4475

والحديث رواه الحاكم في مستدركه، والإمام الطبراني في معجمه الكبير عن معقل بن يسار عن نبينا ﵊ أنه قال: قال الرب : [ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأملأ يديك رزقاً وإلا تفعل ملأت صدرك فقراً وملأت يديك شغلاً] فيتعب وهو فقير القلب، ينصب وكلما حصل عرضاً من الدنيا كلما ازداد حرصاً وجشعاً وطمعاً ومحب الدنيا كمن يشرب من البحر. كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً والغنى غنى النفس فهؤلاء العباد إذا جاءتهم هذه الدنيا لا تلهيهم عن الله -جل وعلا- وقلوبهم متعلقة بالله وإذا حلت الدنيا في أيديهم أنفقوا من جميع جهاتهم. كما ثبت في المسند والصحيحين والحديث رواه الإمام ابن ماجه في سننه من رواية أبي ذر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا أي عن يمينه وعن شماله ومن خلفه كما وضح هذا نبينا ﷺ والحديث روى عن ابن عباس وابن مسعود وعن أبي هريرة ﵃ أجمعين- بزيادة الجهة الأمامية إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وأنفق من جميع جهاته فمن فعل في المال هذا الفعل فقد حقق قول الله -جل وعلا- (لا تلهيهم تجارة ولا بيع) . وخلاصة الكلام -إخوتي الكرام- هؤلاء العباد عباد الرحمن الذين يكونوا في بيوت ذي الجلال والإكرام يقنعون بما قسم لهم ولا يحبون الدنيا ولا يبخلون بها ولا يحرصون عليها وإذا جاءتهم لا تشغلهم عن الله طرفة عين وينفقون منها في جميع جهاتهم أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرزقنا من فضله وأن يجعل ذلك عوناً على طاعته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله. الخطبة الثانية:

стр. 4476

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه المباركين وأرض اللهم عمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إذا امتدت الحياة بالأمة الإسلامية تبتعد عن الفهم السليم الذي ينبغي أن تتحلى به في كل حين وليست المشكلة عند المسلمين في إثبات النص ووجوده والعثور عليه ومعرفته إنما المشكلة تكون في فهم ذلك النص وتدبيره ومعرفة ما يراد به وحقيقة مما يُزعج الآذان ما سمعته في كثير من البلدان وآخر السماع ما نقل لي بعض -الأخوة الكرام- من أيام أن بعض طلبة العلم يوردون شيئاً من الشبه في الفهم حول بعض أحاديث النبي ﷺ وهذه الشبه تتعلق بموضوع الذهاب إلى بيت من بيوت الله لسماع موعظة ولحضور درس فقال هؤلاء المتفقهون الجدد إن هذا يكون من باب شد الرّحل.. فإذا خرج الإنسان من حي إلى حي ليصلي في ذلك الحي وليسمع هناك خطبة أو موعظة أو يحضر درساً فقد شد الرّحل إلى غير المساجد التي أمرنا بشد الرحال إليها وهذا حرم لا يجوز وأن أعجب غاية العجب أن تنعكس المفاهيم وأن تُقلب الموازين في هذا الحين في هذا العصر الذي نعيش فيه فنجعل القربة والطاعة معصية (إنا لله وإنا إليه راجعون) . إخوتي الكرام: نعم نهانا نبينا ﵊ عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد ثبت في المسند، والحديث في الصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية أبي هريرة ﵁ فهو في الكتب الستة مع المسند إلا سنن الإمام الترمذي من رواية أبي هريرة.

стр. 4477

والحديث في المسند، والصحيحين أيضاً، وسنن الترمذي، وابن ماجه من رواية أبي سعيد الخدري قال أبو هريرة وأبو سعيد ﵃ أجمعين-: قال رسول الله ﷺ : [لا تشد الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى] ومعنى الحديث حسبما قرر أئمتنا وما ينبغي أن يختلف اثنان في هذا الفهم لا تشد الرّحال إلى مسجد في الأرض من أجل مضاعفة الصلاة فيه وحصول الخير الكثير فيه والبركة فيه إلا لهذه المساجد الثلاثة فالمسجد الحرام الصلاة تضاعف فيه بمائة ألف ومسجد النبي ﵊ بألف صلاة والمسجد الأقصى بخمس مائة صلاة والمساجد الأخرى بعد ذلك تستوي في الفضيلة فليس إذا من المشروع إذا أردت أن تصلي الظهر في مسجد حيك وتترك هذا المسجد وتشد الرحل إلى مسافة مائة كيلو أو مائتين كيلو في حيٍ آخر من أجل حضور الصلاة فقط فالصلاة في هذا المسجد تعدل الصلاة في ذلك المسجد.

стр. 4478

هذا معنى الحديث ولا يفهم منه إلا هذا وأما أن تشد الرّحل بعد ذلك لزيارة أخ في الله في مكان من الأمكنة أو أن تشد الرحل إلى مسجد من المساجد وبيت من بيوت الله لتحضر فيه موعظةً درس علم تتلقى فيه حديثاً عن النبي ﵊ فهذا من القربة والطاعة وأنت ما شددت الرّحل إلى المكان إنما شددت الرّحل لما سيكون في ذلك المكان وشتان شتان بين الأمرين أنت ما شددت الرحل من أجل تعظيم تلك البقعة وأن لها ميزة خاصة على البقعة التي بجوارك إنما شددت الرحل وركبت الدابة ووسيلة السفر من أجل أن تُحِّصل طاعة وفائدة وعلم لا يكون في جهتك فهذا قربة وكان سلفنا الكرام -رضوان الله عليهم- يتنافسون فيه وقد قص الله علينا في كتابه في سورة الكهف قصة نبي الله وكليمه -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- كيف ذهب مع العبد الصالح الخضر قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (١) وشد الحل إليه مع غلامه وتذود مع غلامه ويمشي مسافة بعيدة للقاء هذا العبد الصالح وبعد ذلك تبعه من أجل أن يتعلم منه وقصته طويلة مذكورة في القرآن الكريم ومع ذلك ودَّ نبينا ﵊ لو أن نبي الله موسى -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- صبر ليقُص علينا من أمره مع هذا العبد الصالح العجب والعجائب والحديث ثابت في صحيح البخاري وغيره فالرحلة لأجل درس وموعظة وزيارة أخٍ وصلة رحم هذه مشروعة تثاب عليها لا يَصْلُح بحال أن تستدل بهذا الحديث على تحريمها وإذا كان من يكذب على النبي ﷺ فليتبوأ مقعده من النار له هذا الجزاء فليوطن نفسه على هذه العقوبة من يُحَمِّل كلام النبي ﵊ ما لا يحتمله وإذا لم تكن من أهل الإستدلال والنظر فقف عند حدك ولا داعي للتطاول وأنا أقول لهذا الصنف الذي كثر في بلاد المسلمين ويستدل بحديث نبينا الأمين ﵊ على ما لا

стр. 4479

يدل عليه أقول لمن يتشككون في هذا الأمر أرجعوا إلى كتاب من كتب أئمتنا لحافظ الدنيا في زمانه الإمام الخطيب البغدادي الذي توفي سنة ٤٦٣هـ ألف كتاب سماه الرحلة في طلب الحديث ولا يقصد بالرحلة الترغيب في الرحلة فهذا معلوم من الدين بالضرورة إنما قرر في هذا الكتاب من رحل من الصحابة الكرام فمن بعدهم في طلب حديث واحد. أما أنهم رحل في طلب العلم وفي طلب أكثر من حديث فهؤلاء لا يحصون كتابا بكامله رحل عدد من سلف الكرام منهم جابر بن عبد الله وغيره ﵃ أجمعين- كما في هذا الكتاب من أجل طلب حديث واحد يشد رحله من بلاد العراق إلى مصر من المدينة المنورة إلى مصر من أجل أن يلتقي بالصحابي الذي حمل الحديث عن النبي ﵊ ليسمعه منه مباشرة لئلا يأخذه عنه بواسطة مسافات في تلك العصور وفي ذلك تعب كثير ثم إذا سمع الحديث يَكُّر راجعاً فلا يستقر في ذلك المكان ولا لأجل تناول ضيافة حديث واحد – الرحلة في طلب الحديث. ولذلك قال أئمتنا كما هذا هو نظم الإمام زين الدين عبد الرحيم الأثري عليه رحمة الله في منظومته في قواعد علوم الحديث والمصطلح يقول: وأخلص النية في طلبك ... وجدّ وأبدأ بعوالي مصرك وما يَهمُ ثم شد الرحل ... لغيره ولا تساهل حملا واعمل بما تسمع في الفضائل ... والشيخ بجله ولا تتثاقل عليه تطويلا بحيث يضجر ... ولا تكن يمنعك التكبر أو الحيا عن طلب واحتسب ... كتم السمع فهو لئم

стр. 4480

هذا هو ما يقرره أئمتنا وهذا هو الأدب والفهم والحكمة التي كانت عند سلفنا فيأتيك إنسان في هذه الأيام فيقول ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لا تشد الرحال إلى المساجد الثلاثة وأنتم تتمرحون من حي إلى حي لسماع موعظة أو درس فقد شددخم الرحل سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم على هذا الفهم السقيم إذا ما كان هذا الإنسان عالماً أو طالب علم ألا سكت واستحى شفاء الجاهل السؤال إلا أن يتطاول ويعد نفسه من أهل الاستدلال نسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يبصرنا بعواقب أمورنا اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. الدعاء..

стр. 4481

المعتمد في بدعية الذكر بالاسم المفرد (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المعتمد في بدعية الذكر بالاسم المفرد الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير. اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ . ﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ . وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ . أما بعد: معشر الأخوة الكرام..

стр. 4482

لازلنا نتدارس شناعة البدعة في الإسلام، وأنها توجب للإنسان سوء الخاتمة، وتقدم معنا أن البدعة هي الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، مع زعم التقرب بذلك الحدث إلى الرحمن، وذلك الحدث لا تشهد له نصوص الشرع الحسان. إخوتي الكرام: وقد استعرضنا نماذج من البدع التي وجدت في هذه الأيام، منها بدع حول الدعاء، حيث انحرف كثير من الناس عن الالتجاء إلى رب الأرض والسماء، والتجئوا إلى الأموات والأحياء، ومنها ما يتعلق بعبادة الذكر، حيث انحرفوا عن الأذكار الشرعية، ثم عكفوا بعد على الأشعار الصوفية أو الجهادية، وفي هذه الموعظة المباركة سنتدارس بدعة من البدع التي انتشرت أيضاً ألا وهي تغيير الأذكار الشرعية المأثورة عن نبينا خير البرية ﷺ ، أي تغيير صيغتها والتلاعب بألفاظها إلى صورة لم يأذن بها رب العالمين، ولم تنقل عن نبينا الأمين ﵊. وكما هي عادتنا إخوتي الكرام، نفتتح الموعظة بتقرير الحق ليرسخ في الذهن وليتمكن من القلب، ثم نكر بعد ذلك على الباطل لتدمغه.

стр. 4483

إخوتي الكرام: تقدم معنا منزلة ذكر الرحمن في الإسلام، وأن هذه العبادة هي أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه بعد أداء الفرائض والواجبات، وإذا كان لهذه العبادة أعني ذكر الله جل وعلا هذه المنزلة في الإسلام، فإن صيغها تتفاوت في الأجر والرتبة والحظوة والمنزلة، فأعلى صيغ الأذكار كلمة التوحيد، التي من أجلها خلق الله الخليقة، وأسس الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، كلمة لا إله إلا الله، فهذه أفضل الأذكار، وهي أفضل الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى العزيز الغفار، وقد قرر هذا نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه، ففي مسند الإمام أحمد والكتب الستة، والحديث في (الأدب المفرد) للإمام البخاري أيضاً، ورواه الإمام أبو عيين في كتاب (الإيمان) ، وهو في أعلى درجات الصحة، عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان] . [الإيمان بضع وستون شعبة] ولا تعارض بين الروايتين، كما قرر أئمتنا لدخول القليل في الكثير.

стр. 4484

نعم إخوتي الكرام، أفضل الطاعات وأعلى الأذكار وأعظم الحسنات كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد من رواية أبي ذر ﵁ وأرضاه [أنه قال لنبينا ﷺ أوصني فقال له النبي ﷺ إذا أسأت فاعمل بعدها حسنة تمحها] قال أبو ذر يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ هي أفضل الحسنات] ، والحديث كما قال الإمام الهيثمي في المجمع رجاله ثقات لكن في إسناد الحديث شمر بن عطية الكاهلي الأسدي، وهي ثقة كما قال الهيثمي وهو من رجال الغمام النسائي في (السنة) ، والإمام الترمذي في (السنن) ، وأخرج له أبو داود في (مراسيله) ، وحكم عليه الحافظ في (التقريب) بأنه صدوق، وهذا العبد الصالح شمر بن عطية روى الحديث عن اشياخه ولم يسم أحداً منهم عن أبي ذر ﵃ أجمعين، والحديث تشهد له نصوص كثيرة سيأتي بعضها إن شاء الله.

стр. 4485

نعم إخوتي الكرام، أفضل الحسنات وأعلى شعب الإيمان وأفضل الطاعات وأفضل الأذكار كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد ثبت في سنن الإمام أحمد والسنة الأربعة إلا سنن أبي داود، والحديث في صحيح ابن حبان، والمستدرك للحاكم، وإسناده صحيح كالشمس، من رواية جابر ابن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال [أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله] وقد تقدم معنا في موعظة سابقة توجيه الشق الثاني من هذا الحديث الثابت [أفضل الدعاء الحمد لله] قلت لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين، إلى دعاء مسألة، وإلى دعاء عبادة، وهذه من صيغ دعاء العبادة، وهي من أعظم الصيغ [الحمد لله] وإذا أثنى السائل على المسؤول فقد تعرض لإجابة سؤله وإن لم يسأله حاجته كما تقدم تقرير هذا من كلام العبد الصالح ابن محمد سفيان ابن عيينة سيد المسلمين في زمانه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أنه قال (إذا كان مخلوق يقول لمخلوق، إذا كان أمية ابن أبي الصلت يقول لعبد الله بن جدعان عندما يصرحه أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياءك، إن شيمتك الحياء إذا آتنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الشتماء) .
следующие страницы →