Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
الشاهد إخوتي الكرام: وليالٍ عشر: وانتبه لهذه الدلالة في هذه الآيات الكريمات كل أنواع المقسم بها في هذه الآيات وردت معرفة بالألف واللام إلا هذه الليالي فوردت منكرة الفجر معرف والشفع معرف والوتر معرف والليل إذا يسر معرف إلا الليالي "وليالٍ عشر" ما أتى بالتعريف فيها لم؟ لأنها معلومة وقد نوه الله بشأنها ودلل على عظيم أمرها حسبما بين نبيه على نبينا صلوات الله وسلامه ولذلك سماها الله بالأيام المعلومات فهي من الظهور بمكان فلا داعي لتعريفها.
بقول الله جل وعلا في سورة الحج: "وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" ويذكروا اسم الله في أيام معلومات.
ثبت في تفسير بن مردوية بإسناد صحيح كما قال الحافظ في الفتح عن عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما أنه قال الأيام المعلومات هي يوم التروية وما قبله من أول أيام ذي الحجة ويوم التردية ويوم عرفة ويوم النحر أي يريد أن يقول أن الأيام العشر من ذي الحجة هي الأيام المعلومات.
قال الإمام بن عباس رضوان الله عليهما وأما الأيام المعدودات فهما أيام التشريق يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده وعليه دخل يوم النحر في الأيام المعلومات ودخل في الأيام المعدودات التي أشار إليها رب الأرض والسموات في سورة البقرة: "واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون".
стр. 4797
فالأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة والأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة واذكروا الله في أيام معدودات عمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. وقول الله جل وعلا في الآية في بيان الأيام المعدودات فمن تعجل في يومين أي بعد يوم النحر فأراد أن ينفر وأن يخرج من مني بعد اليوم الحادي عشر والثاني عشر فإذا أراد أن يخرج في اليوم الثاني عشر فلا إثم عليه وإن أراد أن يتأخر لليوم الثالث عشر فلا إثم عليه.
وقوله: "لا إثم عليه" تحتمل ثلاثة معان أطهرها بشارة للحجاج الذين ينوون زيارة بيت رب العباد فلا إثم عليه أي من تعجل في يومين فقط سقطت ذنوبه وخرج منها كيوم ولدته أمه فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه فالله تعالى يقول: يا معشر الحجاج الذين زرتم بيتي لا إثم عليكم بعد زيارتكم سواء تعجلتم في يومين أو تأخرتم فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه أي ليس عليه إثم ولا وزر من الأوزار قد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومن تأخر فلا إثم عليه فالحج مبرور ليس له جزاء إلا الجنة ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه لكنّ هذه الجائزة لا ينالها إلا من اتقى لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين فمن تعجل في يومين فقد غفرت ذنوبه وسقطت عنه إذا كان تقياً ومن تأخر فقد غفرت ذنوبا وسقطت عنه إذا كان تقيا.
وهذا أرجح ما تحتمله الآية من أقوال ثلاثة قيلت في تفسيرها وهذا هو المنقول عن أربعة من الصحابة أولهم سيدنا علي ﵁ وأرضاه والعبادلة الثلاثة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وهو المنقول عن جم غفير من التابعين كمجاهدين جبر والإمام الشعبي والإمام النخعي ومعاوية بن قرة رضوان الله عليهم أجمعين فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه أي غفرت ذنوبه وخرج كيوم ولدته أمه فإن شاء فليتعجل وإن شاء فليتأخر.
стр. 4798
إخوتي الكرام: وقد كان في نيتي وفي عزمي أن نتدارس ما يتعلق بأحكام الحج منذ دخول شهر الحج شهر شوال لكن قدر الله وما شاء فعل في إكمال موضوعنا الذي بدأنا مدارسته وقد قدر الله له أن يطول فإن أحيانا الله جل وعلا للسنة الآتية نسمع من الأخبار المطربة التي تلتذ لها آذان المؤمنين وتطرب لها قلوبهم في فضائل الحج وفي منزلة الحاج إذا اتقى رب العباد وهذه بشارة عاجلة من قول الله جل وعلا فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الله في حجه لم يرفث ولم يفسق وهذا كما قلت هو أظهر المعاني الثلاثة التي تحتملها هذا الآية الكريمة.
والقول الثاني: من باب إكمال الفائدة من تعجل فال إثم عليه في تعجله ونفره ومن تأخر فال إثم عليه في بقائه وانتظاره أي أن الأمر فيه سعة فليختر ما شاء.
والمعنى الثالث: والذي ذهب إليه أبو العالية وغيره فمن تعجل فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه غفرت ذنوبه وخرج كيوم ولدته أمه لمن اتقى الله بعد ذلك بعد حجه ولم يجر منه فسق أو معصية والقول الأول هو الأظهر والأقوى وهو المنقول عن جم غفير من الصحابة وذكرت أربعة منهم وعن جم غفير من التابعين وهو أولى ما يحمل عليه كلام رب العالمين فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه أي قبِلَهُ الله وغفر له ما جرى منه من جميع أحواله بشرط أن يتقي الله في حجه وألا يجري منه فسق ولا معصية لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون.
стр. 4799
فالأيام المعلومات إخوتي الكرام هي عشر ذي الحجة والأيام المعدودات هي أيام التشريق ولذلك عندما أقسم الله جل وعلا بليالي عشر ذي الحجة في سورة الفجر نكرها دون أنواع المقسم به فكل المقسم به في تلك السورة المباركة ورد معرفا إلا هذا القسم به ألا وهو ليالي عشر ذي الحجة وليالي عشر لأنها معلومة ولا داعي لتعريفها وليال عشر ويذكر اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام كما تقدم في سورة الحج إخوتي الكرام فهي أيام معلومات وإذا كانت معلومات فقد جعل الله جل وعلا القسم بها في سورة الفجر منكرا لأنها معلومة.
"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليهتدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير".
إذاً هي أيام معلومات وقد اقسم بها رب الأرض والسموات أقسم بليال العشر واكتسبت هذه الليالي فضيلة لمنزلة هذه الأيام عند ذي الجلال والإكرام وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن منزلة هذه الأيام وعن شأن الأعمال الصالحات فيها عند ربنا الرحمن كيف تضاعف بما لا تضاعف في غير ذلك من الأيام.
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والسنن الثلاثة سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والحديث رواه البيهقي في السنن وهو في أعلى درجات الصحة فهو في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عباس ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: " ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُ إلى الله جل وعلا من عشر ذي الحجة قالوا يا رسول الله ﷺ ولا الجهاد قال ولا الجهاد إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء".
стр. 4800
ومضى الحديث أن العمل الصالح في هذه الأيام يفوق على ذلك العمل في غيره من الأيام فمن عمل صالحاً في هذه الأيام يضاعف له بما لا تضاعف الأعمال الصالحات في الأيام الأخرى مهما كانت منزلة تلك الأعمال فأجورها أقل من أجور الصالحات التي تجري في هذه الأيام ولذلك لو جرى م الإنسان في هذه الأيام ذكر تسبيح صلاة ضحى قيام ليل عمل صالح أجر هذا في عشر ذي الحجة أعظم من أجر الجهاد في سبيل الله في غير عشر ذي الحجة إلا في حالة واحدة من خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء عُفِّر وجهه في التراب وأريق دمه وقتل جواده هذا الذي يعدل أجره أجر العابد في عشر ذي الحجة وعليه فمن جاهد في عشر ذي الحجة له من الأجر ما لا يخطر بالبال ومن عمل صالحا في عشر ذي الحجة هذا العمل الصالح الذي أجره دون أجر الجهاد في غير ذي الحجة يزيد أجره على أجر الجهاد عندما يقوم بالعمل الصالح في عشر ذي الحجة فالعمل الصالح في عشر ذي الحجة يفضل أجر الجهاد في غير عشر ذي الحجة نعم لو جاهد فيعشر ذي الحجة فهذا له أجر عظيم لا يعلم به إلا رب العالمين.
ما العمل الصالح في أيام أحب فيها إلى الله من عشر ذي الحجة قالوا ولا الجهاد يا رسول الله ﵊ قال ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء.
وورد في بعض روايات الحديث من رواية عبد الله بن عباس أيضاً ﵄ كما في معجم الطبراني الكبير أن النبي ﷺ قال فاستكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر استكثروا من هذه الأذكار الطيبة النافعة وهذه الجمل الأربع إذا قالها الإنسان في أي وقت كان فهو أحب إلى الله جل وعلا من الدنيا وما فيها وأحب إلى نبينا ﵊ مما طلعت عليه الشمس فكيف لو قيلت في أيام العشر من ذي الحجة.
стр. 4801
ثبت في صحيح مسلم وسسن الترمذي من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. فاستكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
وهذا الحديث إخوتي الكرام أعني حديث عبد الله بن عباس ﵄ رواه الطبراني في معجمه من رواية جابر بن عبد الله ﵃ أجمعين ورواه البزار وأبو يعلى في مسنده من رواية عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين والحديثان صحيحان حديث جابر وحديث عبد الله بن مسعود وهكذا حديث عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين ومعنى الحديث واحد بمعنى حديث عبد الله بن عباس. ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام من أيام العشر من ذي الحجة قالوا إلا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله ﷺ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم برجع بشيء.
стр. 4802
إخوتي الكرام: وهذه الفضيلة المجملة التي وردت في هذا الحديث الصحيح عن عبد الله بن عباس وجابر وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين وردت أحاديث مُفصِّلة لهاذ الثواب المجمل في هذه الأيام وتلك الأحاديث المفصلة بهذا الثواب مروية عن نبينا ﷺ وهي متصلة من ذلك ما رواه الإمام الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الإمام البيهقي عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه وفي الإسناد ضعف كما قرر هذا الحافظ بن حجر في الفتح والإمام المنذري في الترغيب والترهيب لكن الحديث يشهد له ما تقدم وسأذكر شواهد أيضاً له بعد رواية هذا الحديث إن شاء الله ولفظ حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول " مامن أيام أحب أن يتعبد فيها إلى الله من عشر ذي الحجة إن صيام كل يوم منها يعدل بصيام سنة وإن قيام كل ليلة منها يعدل قيام ليلة القدر" صيام يوم من عشر ذي الحجة يعد ل صيام سنة وقيام ليلة من عشر ذي الحجة يعدل قيام ليلة القدر.
وهذا الحديث إخوتي الكرام يشهد له في الجملة حديث عبد الله بن موسى وجابر وعبد الله بن مسعود لأن العمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله من العمل في غيرها لكن ما هي كيفية تلك المضاعفة والمنزلة في الأعمال الصالحات في هذه الأيام بينها حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه وقد روى الإمام البيهقي في شعب الإيمان والإمام الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب قال الإمام المنذري وإسناد الحديث لا بأس به عن أنس ﵁ وأرضاه قال "كنا نعد أيام عشر ذي الحجة كل يوم منها بألف ونعد يوم عرفة بعشرة آلاف يوم" من عمل فيها فضيلة كأنه عمل هذه الفضيلة فيألف يوم فيما سوى أيام عشر ذي الحجة.
стр. 4803
وأما يوم عرفات فذاك منزلته عظيمة عظيمة عند رب الأرض والسموات كان الصحابة يعدونه والنبي ﵊ بينهم بعشرة آلاف يوم والحديث كما قلت في شعب الإيمان للإمام البيهقي وكتاب الترغيب والترهيب للإمام الأصبهاني بسند لا بأس به وثبت في كتاب شعب الإيمان للبيهقي أيضا وإسناد الأثر أيضا لا بأس به وقد ذكره الحافظ في الفتح وسكت عليه وصنيعه يقتضي بأنه حسن من رواية مجاهد عن عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة فأكثروا فيها من التهليل والتكبير وذكر الله فإن صيام يوم فيها يعدل بصيام سنة وإن الأعمال تضاعف فيها بسبعمائة ضعف".
إخوتي الكرام: هذه هي منزلة هذه الأيام التي سنستقبلها كما قلت في وسط الأسبوع الآتي عشر ذي الحجة هذه الأيام أيام عظيمة مباركة وإنما كان لها هذا الشأن لأن جميع العبادات بأسرها تقع فيها فالصلاة والصيام والصدقة والزكاة والحج وسائر الطاعات يمكن أن تقع في عشر ذي الحجة فهي ظرف لها وأما الأيام الأخرى فلو قدر أن الطاعات ستقع فيها لن تقع فيها عبادة الحج فلها موسم معين فهذه الأيام هي ظرف لسائر العبادات على وجه التمام لذلك عظمت منزلتها عند ربها الرحمن وقد قرر أئمتنا الكرام أن أيام عشر ذي الحجة بالنسبة إلى سائر الأيام كمكانة المشاعر بالنسبة لغيرها من البلدان فيما أن مكة وعرفة ومنى تعظم وتفضل على غيرها من البقاع والأصقاع فهكذا هذه الأيام بالنسبة لغيرها من الأيام تفوقها منزلةُ عشر ذي الحجة بين الأيام كمنزلة أماكن المشاعر بين البلدان.
стр. 4804
إخوتي الكرام: ولا يقولن قائل إن العشر الأخيرة من شهر رمضان لها منزلة عظيمة أيضا عند ربنا الرحمن فالجواب نعم لها منزلة عظيمة لكن كل عشر يمتاز بشيء وقد قرر أئمتنا الكرام أن ليالي العشر الأخير من شهر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لأن ليالي العشر الأخير من شهر رمضان اكتسبت فضيلة بليلة القدر والفضيلة فيها أصالة لليالي وأما ليالي عشر ذي الحجة فاكتسبت فضيلة من الأيام وعليه أيام عشر ذي الحجة أفضل من الأيام الأخيرة في شهر رمضان أفضل أيام العشر الأخير من شهر رمضان وليالي العشر الأخير من شهر رمضان أفضل من ليالي العشر الأول من ذي الحجة فالليالي الأخيرة من العشر الأخير من شهر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لكن الأيام في العشر ذي الحجة أفضل من الأيام في العشر الأخير من شهر رمضان كما وضح نبينا ﵊ نعم في العشر الأخير من شهر رمضان ليلة القدر وهي خير من ألف شهر لكن في العشر الأول من شهر ذي الحجة يوم أيضا عظيم عند الله جل وعلا لا يساويه يوم من أيام السنة.
стр. 4805
كما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والحديث رواه الإمام ابن خزيمة في صحيحه والإمام ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ورواه البيهقي في السنن الكبرى وهو حديث إسناده صحيح كالشمس من رواية عن عبد الله بن قرط الثمالي ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول:" إن أعظم الأيام عند الله جل وعلا يوم النحر ثم يوم القر " إن أعظم الأيام عند الله إن أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر ويوم النحر هو العاشر من ذي الحجة ويوم القر هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة الذي يقر قبة الحجاج ويسكنون في منى بعد أن أفاضوا من عرفات واستقروا في هذا المكان المبارك في ضيافة الله جل وعلا فأما يوم عرفات فمع منزلته وعظيم شأنه كما سيأتينا فهو تابع ليوم النحر فالحجاج والعباد في يوم عرفات استقالوا من ذنوبهم وخطيئاتهم وتابوا إلى ربهم جل وعلا وعبدوه وذكروه وتقربوا إليه.
وأما في يوم النحر لما حصل منهم ما حصلوا أذن الله لهم بالوفادة عليه وزيارته ولذلك يقال للطواف الذي يقع في يوم النحر يقال له طواف الزيادة يزورون الله جل وعلا بعد أن تابوا من ذنوبهم وأنابوا إلى ربهم جل وعلا ولذلك قال أئمتنا منزلة يوم عرفة مع يوم النحر كمنزلة الطهارة مع الصلاة فلابد من طهارة للصلاة لكن الصلاة أعظم منزلة ولا بد أيضا ليوم النحر من يوم عرفة أن يتوب العباد إلى الله جل وعلا وأن يستغفروه وأن يلجأوا إليه وأن يشكروه فإذا قبلهم جل وعلا وتاب عليهم أهَّلهم بعد ذلك لزيارة بيته وللقدوم عليه لتناول ضيافته جل وعلا فهذا بمنزلة الصلاة كما أن يوم عرفة بمنزلة الطهارة.
стр. 4806
نعم إن جزءاً من يوم النحر يدخل في يوم عرفات وليلة النحر تابعة ليوم عرفة ولا يوجد عندنا في الشريعة ليلة تتبع اليوم الذي قبلها إلا ليلة النحر فليلة النحر مشتركة بين يوم عرفة وبين يوم النحر وهذا كما قلت للدلالة على أن يوم عرفة إمتداد ليوم النحر لكن الفضيلة التابعة أصالة هو ليوم النحر هذا هو الذي هو أفضل الأيام وأعظمها عند ذي الجلال والإكرام كما ثبت هذا عن نبينا ﵊.
إخوتي الكرام: هذه الأيام أيام عظيمة مباركة شريفة فاضلة ينبغي ان يقوم العباد فيها بأمورٍ كثيرة أبرزها سأذكر أربعة منها والبقية نتدارسها فيما يأتي إن شاء الله أولها: التكبير في عشر ذي الحجة وقد ضيع المسلون هذا في مشارق الأرض ومغاربها إلا ما رحم ربك يُسنُّ للمسلمين أهل الإسلام إذا دخل عليهم عشر ذي الحجة ورأوا هلال ذي الحجة أن يجهروا في التكبير في أسواقهم وفي شوارعهم وفي أعمالهم وفي بيوتهم وعلى فرشهم ومع أهلهم وعند لقاءاتهم وأن تكون الدنيا ضجيجا بالتكبير والتعظيم لله الجليل جل وعلا هذه شعائر هذه الأيام تكبير ذي الجلال والإكرام التكبير.
стр. 4807
وقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب العيدين وهو الباب الحادي عشر باب يشير به إلى هذا فقال الإمام البخاري عليه رحمة الله فقال " باب في فضل العمل في أيام العشر " يعني عشر ذي الحجة ثم روى معلقا من صحابيين جليلين فاضلين عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ أجمعين أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر أهل السوق بتكبيرهما والأثر كما قال الحافظ بن حجر لما أقف عليه موصولا والبخاري علقه كما قلت في صحيحه وقد علقه أيضا الإمام البيهقي والبغوي عن هذين الصحابيين بن عمر وأبي هريرة يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر أهل السوق بتكبيرهما هذا التكبير إخوتي الكرام هو من شعائر هذه الأيام أعني أيام عشر ذي الحجة ينبغي أن نظهر التكبير في بيوتنا وفي أعمالنا وفي أسواقنا وعند لقائنا " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد " وفي الباب الذي يلي الباب الحادي عشر وهو الباب الثاني عشر من صحيح البخاري في كتاب العيدين أورد بابا آخر فقال " باب في التكبير في أيام منى وإذا غدا إلى عرفة ".
стр. 4808
ثم روى أيضا أثرين من آثار كثيرة معلقة من صحابيين جليلين فاضلين أولهما الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون لتكبيره فيسمع تكبيرهم أهل الأسواق الذين يتجولون في منى فيكبرون لتكبيرهم حتى إن منى لترتج تكبيرا هذا ثابت في صحيح البخاري وهذا الأثر المعلق قال عنه الحافظ بن حجر وقد وصله سعيد بن منصور والإمام أبو عبيد عن هذا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه والأثر الثاني أثر عبد الله بن عمر رضوان الله عليهم أجمعين علقه البخاري أيضا في صحيحه في الباب الثاني عشر من كتاب العيدين أنه كان يكبر خلف الصلوات المفروضات والنافلات خلف الصلوات وفي بيته وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي ممشاه وفي مجلسه عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين وهذا الأثر المعلق وصله أيضا الإمام ابن أبي المنذر والإمام الفاكهاني أيضا إذا هذا التكبير من شعائر أيام العشر فينبغي أن نجهد به وأن نظهره وأن تدوي الدنيا تكبيراً لربنا الكبير جل وعلا.
إخوتي الكرام: والتكبير كما قرر أئمة الإسلام على حالتين تكبير مطلق لا يتقيد بوقت وهو الذي ذكرته منذ أن تدخل الأيام العشر إلى نهاية أيام التشريق ينبغي أن تكبر الله في كل وقت وكلما أكثرت فهو أعظم لأجرك فاستكثروا فيهن من التهليل والتكبير وهناك تكبير مقيد ينبغي أن يأتي به العباد عقيب الصلوات المفروضات ويبتدي من يوم فجر عرفة إلى صلاة العصر في آخر أيام التشريق وهي ثلاث وعشرون صلاة فيكبرون يوم عرفة ويوم العيد ويوم التشريق الأول والثاني والثالث ومجموع الصلوات كما قلت ثلاث وعشرون صلاة ينتهون بعد نهاية صلاة العصر يكبرون وينتهون فلا يكبرون بعد ذلك بعد صلاة المغرب في آخر أيام التشريق.
стр. 4809
وهذا التكبير ثابت عن علي وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أجمعين بسند صحيح كما روى ذلك الإمام ابن المنذر وهذا كما قلت تكبير مقيد ينبغي أن يلتزم به العباد عقيب الصلوات المفروضات وأما صيغته فقد نقل عن سلفنا الكرام صيغ متعددة مما يدل على أن الأمر فيه سعة روى عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح عن سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه أنه كان يكبر فيقول " كبروا الله قولوا الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا " فلو قال هذا الإنسان أجزأه وهو حسن ولو قال ما روى عن عمر ﵃ أجمعين كما أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد " لو قال هذا وهو الذي عليه عمل المسلمين عقيب الصلوات في هذه الأيام أعني في يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق فهذا أيضا حسن ولو قدر أن العباد زادوا أو نقصوا إن الأمر فيه سعة وأما قول هذا بصوت جماعي فلا حرج فيه.
إخوتي الكرام: وما يفعله بعض الناس في هذه الأيام من أن مقولة هذا بصوت جماعي بدعة فأي بدعة في هذا وإذا نقل هذا عن السلف الكرام وكانوا يكبرون وترتج منى تكبيراً وإذا فعل هذا عقيب الصلوات من أجل الجهد بذكر مشروع ومن أجل تعليم من لا يعلم أي بدعة في ذلك إذا جهد المصلون بتكبير الحي القيوم إخوتي الكرام لابد أن نقف عند حدنا عندما نطلق الألفاظ على الأحكام التي تصدر من العباد إذا هذا أول ما ينبغي أن يفعله الناس أن يفعله المسلمون في أيام العشر أي عشر ذي الحجة وما بعدها من أيام التشريق التكبير لهه جل وعلا.
стр. 4810
الأمر الثاني: صيام هذه الأيام أعني صيام التسع دون صيام اليوم العاشر وهو يوم النحر فيرحم علينا أن نصومه وأن نصوم الأيام التي بعده وهي أيام التشريق أيضاً مما ينبغي أن يحرص عليه العباد وصيام أيام التسع من ذي الحجة من اليوم الأول إلى نهاية التاسع وهو يوم عرفة فهي أيام أيضا مباركة جليلة عظيمة صيامها له أجر عظيم كما تقدم معنا صيام اليوم منها يعدل بصيام سنة وقد كان نبينا ﷺ يصومها من أولها إلى آخرها كما ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والسنن الكبرى للإمام البيهقي وإسناد الحديث صحيح عن هنيده بن خالد وهو رجل من الصحابة يسمى بذلك ﵁ وأرضاه عن هنيده بن خالد عن روجه عن بعض أزواج النبي ﷺ وهي إما حفصة أو أم سلمة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة. وليس المراد من ذلك اليوم التاسع إنما المراد يصوم هذه الأيام التسعة كما ثبت في إحدى روايات النسائي كان النبي ﷺ يصوم عشر ذي الحجة وثلاثة أيام من كل شهر والرواية الأولى كان يصوم تسع من يوم عاشوراء وثلاثة أيام من شهر إذا هذه الأيام أيها الأخوة الكرام من أمكنه أن يصومها فليغتنم ذلك فله أجر عظيم ومنزلة كبيرة عند الله جل وعلا.
стр. 4811
وأما ما رواه الإمام مسلم في صحيحه والإمام الترمذي والإمام أبو داود في السنن والحديث رواه البيهقي أيضا وهو حديث صحيح فهو في صحيح مسلم عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر يعني عشر ذي الحجة قط فهذا الحديث الذي روته أمنا عائشة ﵂ وكما قلت حديث صحيح وجَّههُ أئمتنا بتوجيهين اثنين أولهما قالوا على حسب علمها ما اطلعت وال علمت بذلك والمثبت مقدم على النافي كما أشار إلى ذلك الإمام البيهقي وغيره هذا على حسب علمها وقد كان النبي ﵊ يدور على نسائه فمن أيام التسع لعله يأتيها ليلة فلعله في تلك الليلة شغل بأمر من الأمور أو دعى فما كان عندها فما علمت بصيامه والعلم عند الله جل وعلا.
فالمثبت مقدم النافي والتخريج الثاني والتوجيه الثاني أن هذا في حال طروء عله على نبينا ﵊ من مرض أو سفر أو لعلة أخرى معتبرة في الشرع كما روت أمنا عائشة ﵂ والحديث في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته وعليه فلعله ترك أحيانا صيام عشر ذي الحجة باستثناء اليوم العاشر وهذا من باب التغليب لعله ترك صيام تسع ذي الحجة ترك صيامها لئلا تفرض على أمته في بعض الأحيان لكن الغالب من أحواله ﵊ أنه كان يصوم ذلك كما ثبت ذلك عن حفصة وأم سلمة رضوان الله عليهم أجمعين إذن هذا الأمر الثاني ينبغي أن ننتبه له إخوتي الكرام ألا وهو صيام عشر ذي الحجة باستثناء يوم النحر صيام تسع من ذي الحجة من اليوم الأول إلى نهاية التاسع.
стр. 4812
والأمر الثالث: إذا ما أمكنك أن تصوم التسع فلا أقل من صيام يوم عرفة فله أجر عظيم عظيم والمغبون حقا من فرط في ذلك اليوم ولم يصمه وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن الأربعة والحديث في سنن البيهقي وغيره من رواية أبي قتادة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ سئل عن صيام يوم عرفة فقال إنه يكفر السنة التي بعدها والسنة التي قبلها.
وفي بعض رواية الحديث صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر سنة قبله وسنة بعده إذن له أجرٌ عظيم عند الله جل وعلا صيام يوم عرفة فإياك أن تفرط فيه وهذا الحديث الذي رواه أبو قتادة ﵁ وأرضاه وهو في صحيح مسلم هو حديث يصل إلى درجة التواتر فقد روى عن عدة من الصحابة الكرام في تلك الروايات هذه الدلالة ألا وهي أن صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين سنة آتية وسنة ماضية.
روى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بسند حسن وقد صحح إسناده عدد من أئمتنا كما في الترغيب والترهيب ومجمع الزوائد من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من صام يوم عرفة غفر الله له ذنوب سنة قبله وذنوب سنة بعده "والحديث كما قلت في معجم الطبراني الأوسط بسند حسن بسند صحيح وروى الإمام أبو يعلى والطبراني في معجمه الكبير من رواية سهل بن سعد أيضاً والحديث إسناده صحيح عن النبي ﷺ قال "من صام يوم عرفة غفر الله له ذنوب سنتين متتابعتين" يعني سنة قبله وسنة بعده.
стр. 4813
وقد روى هذا أيضا في معجم الطبراني الصغير عن عبد الله بن عباس ﵄ وروىفي معجم الطبراني الكبير عن زيد بن أرقم بل ورد ما يزيد على ذلك في الفضل ففي معجم الطبراني الأوسط بسند حسن عن سعيد بن جبير ﵁ وأرضاه وهو من التابعين الكرام قال سئل ابن عمر ﵃ أجمعين عن صيام يوم عرفة فقال كنا ونحن مع النبي ﷺ نعد له يصوم سنتين متتابعتين. كنا ونحن مع النبي ﷺ نعد له بصوم سنتين متتابعتين. أي لذلك من الأجر كالأجر من صام سنتين متتابعتين.
وثبت في معجم الطبراني الأوسط أيضاً وكتاب شعب الإيمان للإمام البيهقي والحديث إسناده حسن عن مسروق وهو من أئمة التابعين أنه دخل على أمنا عائشة ﵂ يوم عرفة فقال اسقوني فقالت أمنا عائشة يا غلام اسقه عسلا ثم قالت لمسروق يا مسروق أما أنت بصائم هذا يوم عرفة فقال يا أماه خشيت أن يكون هذا الأضحى أي أن يكون هذا اليوم هو يوم عيد الأضحى عيد النحر فما صمته فقالت ليس ذلك إنما يوم عرفة يوم يعرف الإمام ويوم النحر يوم ينحر الإمام أي اليوم الذي يثبت عند المسئول بأنه يوم عرفة هذا هو يوم عرفة وهكذا عند ولي الأمر عندما يثبت أن هذا هو يوم النحر يكون هو يوم النحر يوم عرفة يوم يعرف الإمام ويوم النحر يوم ينحر الإمام يا مسروق أما بلغك عن النبي ﷺ " إن صيام يوم عرفة يعدل صيام ألف يوم " وهذا أكثر من صيام سنتين إذن يقارب ثلاث سنين أما بلغك أن صيام يوم عرفة يعدل صيام ألف يوم.
стр. 4814
والحديث كما قلت إخوتي الكرام في معجم الطبراني الأوسط وشعب الإيمان للإمام البيهقي بسند حسن يوم عرفة اخوتي الكرام يستحب لنا أن نصومه ففيه أجور عظام وهذا الصيام اختص الله به المقيمين الذين لم يذهبوا لزيارة بيته الكريم وكأن اله جل وعلا أراد أن يوزع الفضائل بين عباده فإذا ذهب أولئك لحج بيت الله الحرام وحصلوا من الأجور ما لا يخطر بعقول الأنام فلئلا يبقى في قلوبنا حسرة وغصّة منَّ الله علينا بصيام هذا اليوم الذي لنا فيه هذا الأجر العظيم وهذا صيامه بنا وأما الحاج فينهى عن صيام يوم عرفة.
وقد روى في معجم الطبراني الأوسط أن أمنا عائشة ﵂ بسند ضعيف والحديث رواه أيضا الإمام أحمد في المسند ورواه أبو داود في السنن ورواه الإمام النسائي في السنن ورواه ابن ماجه في سننه أيضا والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه والإمام الداراقطني عن أبي هريرة ﵁ كما قلت " أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة".
والحديث اخوتي الكرام من طريق أبي هريرة ﵁ صححه الإمام ابن خزيمة وصححه الحاكم وأقره عليه الإمام الذهبي وصيغ أئمتنا يقتضي بأنه حديث حسن نعم فيه مهدي بن حرب العبدي الهجري أخرج حديثه أهل السنن الثلاثة أبو داود وابن ماجه والنسائي وقال الحافظ عنه في التقريب إنه مقبول وقد ترجمه في التهذيب ونقل عن ابن خزيمة أنه روى عنه هذا الحديث وصححه ولم يعترض عليه الحافظ ولهذا الحديث شواهد كثيرة من فعل نبينا ﵊ والصحابة الكرام بعدم صوم الحاج يوم عرفة بعرفة وإنما نهى الحاج عن الصيام يوم عرفة بعرفة لأمور كثيرة أبرزها ثلاثة:
أولا: ليتقوى على الدعاء وعلى ذكر رب الأرض والسموات.
ثانياً: هو مسافر والأصل في المسافر ألا يصوم.
стр. 4815
ثالثاً: وهو الذي استنبطه الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية أن يوم عرفة بالنسبة للحجاج يعتبر يوم عيد وقد نهيت هذه الأمة أن تصوم في أيام الأعياد فعيد الحجاج هو يوم عرفة ولن يجتمع الحجاج في مكان من الأمكنة في موسم الحج إلا في عرفات وما عدا هذا سيتفرقون ما بين مكة وما بين منى وما بين غيرها أما في يوم عرفة فكلهم مجتمعون فهذا عيد بالنسبة لأهل عرفة كما أن يوم النحر عيد بالنسبة لغيرهم فيجتمعون يوم العاشر ويعظمون شعائر الله جل وعلا وذلك من تقوى القلوب. فإذا كان يوم عرفة يعتر عيدا بالنسبة للحجاج فما ينبغي أن يصوموا فيه.
إخوتي الكرام: ويوم عرفة يوم عظيم عظيم عظيم هو كما قلت من أعظم أيام السنة وهو يوم النحر لا يوجد في أيام السنة ما يعدلهما والله جل وعلا يجود ويتفضل فيه على عباده بما لا يخطر على بال أحد.
стр. 4816
وقد ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي وسنن ابن ماجه الحديث رواه الإمام ابن خزيمة في صحيحه ورواه الإمام البيهقي ورواه أيضا غير هؤلاء وهو صحيح فهو في صحيح مسلم عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت سمعت النبي ﷺ يقول " ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عباداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو فيتجلى فيقول جل وعلا ماذا أراد هؤلاء – سبحانك ربنا ما أرادوا إلا رحمتك ورضوانك ومغفرتك – فهذا – يعني يوم عرفة هو يوم العتق من النار ويعتق الله فيه عباداً ما لا يعتق في سواه "وقد روى أيضا عن ظلمة بن عبد الله بن كريز وهو من التابعين الكرام بفتح الكاف وكما قال الإمام بن حبان كل اسم يأتي معك بهذا الضبط مضموم الكاف إلا هذا الاسم كريز فهو طلحه بن عبد الله بن كريز وحديثه مخرج في صحيح مسلم وغيره هو من أئمة التابعين الكرام عن طلحة بن عبيد الله بن كريز والحديث مرسل إلى نبينا صلى الله عيه وسلم في الموطأ وقد وصله الحاكم في المستدرك من رواية أبي الدرداء ﵁ وأرضاه ولفظ الحديث عن نبينا ﵊ أنه قال "ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أصقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفه لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما أرى يوم بدر فإنه رأى جبريل ﵊ يزع الملائكة " ففي ذلك اليوم عندما رأى جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يقود ملائكة الله الأطهار من أجل مقاتلة الكفار ذل الشيطان ذلا كبيرا وما عدا هذا فأعظم ما يحصل له من الذل والدحور والصغار في يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام.
стр. 4817
رابعاً: وهو آخر ما سأتكلم عليه وأختم به هذه الموعظة أيام العشر إذا دخلت وثبت هلال ذي الحجة وأراد الإنسان أن يضحي فهو مستطيع وسيأتينا أحكام الأضحية مع بقية أحكام العشر في الموعظة الآتية إن شاء الله لكن إذا ثبت عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يجوز للإنسان أن يأخذ شيئاً من شعره ولا من إظفاره حتى يذبح أضحيته وهذا ثبت عن نبينا ﵊ فينبغي أن ينتبه له أهل الإسلام لا يجوز أن تقص شعر رأسك ولا أن تقلم أظافرك ولا أن تنتف شعر الإبطين ولا أن تحلق العانة ولا ولا إذا دخل عشر ذي الحجة حتى تذبح الأضحية وأما اللحية فيحرم على الإنسان أن يمد يده إليها بحلق أو تقصير سواء في عشر ذي الحجة أو في غيرها فانتبهوا إلى هذا عباد الله أما في عشر ذي الحجة كما قلت يحرم أن تزيل شعراً أو أن تقص ظفراً وقد ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ورواه أهل السنن الأربعة من رواية أمنا أم سلمة ﵂ وأرضاها والحديث في سنن البيهقي وغيره ولفظ الحديث عن نبينا ﷺ أنه قال: " إذا دخل العشر من ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمنَّ ظفراً".
стр. 4818
وفي رواية "إذا دخلت عشر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يقص شعراً أو لا يقلمن ظفراً حتى يضحي" فهذا التحريم يمتد حتى يريق الإنسان دم الأضحية وحتى يضحي فإذاً فلا يأخذ شيئاً من شعره ولا من ظفره حتى يضحي وهذا الحكم هو الذي عليه الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا وذهب ليه سيد التابعين الإمام سعيد بن المسيب وقال به من أئمة المسلمين الإمام ربيعة شيخ الإمام مالك وقال به اسحاق بن راهوية وذهب إليه بعض أصحاب الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله وأما ما ذهب إليه الإمام الشافعي ويقرب منه قول الحنفية والمالكية بأنه لا يحرم على الإنسان أن يأخذ شعراً ولا يقص ظفراً إنما هذا من باب كراهة التنزيه ومن باب الأدب أن يلتزم بذلك وإذا فعل فلا إثم عليه فرأْيٌ مع جلالة من قال به ومتانة ما استدلوا به كما سأذكر دليلهم أقول لا دليل فيه على هذا الأمر يعينه فالإمام الشافعي استدل بالحديث الثابت في المسند والكتب والسنة عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاه قالت كنت أفتل القلائد لهدى النبي ﷺ فكان يبعث بها أي بالهدى وهي مقلدة إلى بيت الله الحرام ثم لا يحرم عليه ما أحل الله له حتى ينحر هديته وفي بعض الروايات ثم لا يجتنب ما يجتنبه المحرم حتى ينحر هديه أي يبقى على حاله حلالا عليه صلوات الله وسلامه.
стр. 4819
لقد بينت كما قلت والحديث في الكتب الستة أن نبينا ﵊ أرسل هديا في العام التاسع عندما ذهب أبو بكر ﵁ وأرضاه أميراً على الحج وقلد ذلك الهدى والقلائد جمع قلادة توضع في رقبة الهدى من القماش والخيطان يضع ليعلم أن هذا هدى ليذبح في ذلك المكان تقول فتلت القلائد بيدي للنبي ﵊ وقلد الهدى ثم بعثه إلى مكة وبقي ﵊ لم يجتنب ما يجتنبه المحرم من قص شعر أو تقليم ظفر فالإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول إن الهدى أعظم مكانة من الأضحية وإذا لم يحرم على من أهدى شيئاً إلى بيت الله الحرام ليذبح فيه في بلد الله الحرام ليكون طعمه للمساكين وتعظيما لبيت رب العالمين إذا لم يحرم على المهدى أن يقص شعره ولا أن يقلم ظفره فلا يحرم على من يريد أن يضحي من باب أولى والذي يظهر والعلم عند الله أن الاستدلال كما قلت لا ينسجم مع ذاك أما الهدى فقد يرسل الإنسان هديه من بداية ذي الحجة وقد يرسل الإنسان هديه من بداية شوال فهل سيمتنع حتى ينحر الهدى في يوم النحر عما يفعله الإنسان إذا كان حلالاً من قص ظفر أو قص شعر أو ما شاكل هذا ففي الحقيقة هناك شيءٌ من المشقة فلا يصح أن نقيس هذا بهذا أو يضاف إلى ذلك كلام النبي ﵊ هو الفاصل في هذا الأمر وقد نهانا النبي ﷺ أن نأخذ شيئاً من شعرنا أو من أظفارنا حتى نذبح أضحيتنا نعم ذاك استدلال معتبر بالنسبة إلى قائلة لكن فيما يظهر والعلم عند الله أن ما ذهب إليه الإمام أحمد ومن معه أظهر وأقوى والله جل وعلا أعلم وخلاصة الكلام إخوتي الكرام هذه الأمور الأربعة ينبغي أن ننتبه لها:
١. تكبير لله جل وعلا في أيام العشر وأيام التشريق.
٢. صيام تسع من ذي الحجة.
٣. إذا لم يمكنك فلا أقل من صيام يوم عرفة.
٤. إذا أردت أن تضحي فامتنع عن إزالة الشعر وقص الظفر حتى تذبح أضحيتك.
أقول هذا القول وأستغفر الله.
стр. 4820
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين. وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله رسوله خير خلق الله أجمعين اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا وارصد اللهم من الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
اللهم اغفر لأمة نبينا محمد ﷺ اللهم ارحم أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم ألف بين قلوب أمة نبينا محمد ﷺ .
اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ .
اللهم أنصر أمة نبينا محمد ﷺ .
اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا.
اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمت وتعلم منا اللهم أحسن لمن حسن إلينا.
اللهم أغفر لمن وقف هذا المكان المبارك اللهم اغفر لمن عبد الله فيه.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات والحمد لله رب العالمين
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
стр. 4821
ذم الابتداع
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذم الابتداع
٥٨
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
"يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون" (فاطر/٣) .
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عمياً وآذانا صماً وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الصادقين المفلحين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالاً كثيرا ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " (النساء/١) .
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"
(آل عمران/١٠٢) .
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما" (الأحزاب/٧١) .
أما بعد: معشر الاخوة الكرام..
стр. 4822
لازلنا نتدارس شناعة البدعة في الإسلام وأنها توجب للإنسان سوء الختام نسأل الله أن يحسن ختامنا وأن يتوفانا وهو راض عنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وقد تقدم معنا إخوتي الكرام أن هذا المبحث سنتدارسه ضمن ثلاثة أمور:
أولها: في تعريف البدعة.
وثانيها: في النصوص المحذرة من البدعة.
وثالثها: في أقسام البدعة.
وقد انتهينا من المبحث الأول مع التعليق عليه بما فتح الله وقد تقدم معنا أن البدعة هي الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن وذلك الحدث المحدث لا تشهد له نصوص الشرع الحسان ولم يقل به أحد من أئمتنا الكرام. وننتقل في هذه الموعظة المباركة إخوتي الكرام إلى مدارسة الأمر الثاني ألا وهو:
"النصوص التي تحذر من البدعة" تحذر من الهوى والابتداع وتأمرنا بالإقتداء بخاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.
стр. 4823
إخوتي الكرام: إن ديننا يقوم على دعامتين اثنتين وعلى ركنين ركينين أحدهما: إخلاص لربنا وثانيهما: اقتداء بنبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وهذان الركنان الركينان والدعامتان المتينتان هما مدلول كلمة التوحيد في الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله إخلاصنا لربنا وعبادتنا له وحده لا شريك له محمد رسول الله ﵊ إقتداؤنا بنبينا وإتباعنا له فمعبودنا هو الرحمن وإمامنا هو نبينا محمد ﷺ ودين الله من أوله لآخره يقوم على هاتين الدعامتين كما أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فقال دين الله منحصر في هاتين الجملتين إياك أريد بما تريد إياك أريد فمن لمن يرد الله المجيد بأفعاله وبحركاته وسكناته فهو من أهل الشرك والرياء ومن لم يتبع خاتم الأنبياء على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه فهو من أهل الزيغ والابتداع والأهواء فلابد من إخلاصٍ لله ومتابعة لنبيه ﵊.
إخوتي الكرام: فكل من انحرف عن اتباع نبينا ﵊ فهو مبتدع فهو صاحب زيغ وهوى سواء فرّط أو أفرط كما تقدم معنا في تعريف البدعة.
إخوتي الكرام: وقد جاءت نصوص القرآن تأمرنا باتباع نبينا ﵊ وتحذرنا من مخالفته وتتابعت الأحاديث التي تقرر هذا الأمر كما تتابع أئمتنا الكرام على وصية هذه الأمة بهذا الأمر.
أما آيات القرآن التي تأمرنا بطاعة نبينا ﵊ لئلا نكون من المبتدعين اللئام فهي كثيرة كثيرة وقد كنت ذكرت بعضها فيما تقدم في أول موعظة عند ذكر البدعة وأحاول في هذه الموعظة أن أذكر شيئا لم يتقد ذكره بعون الله جل وعلا.
стр. 4824
إخوتي الكرام: أمرنا الله جل وعلا باتباع نبينا ﵊ لئلا نكون من الزائفين والمبتدعين فقال ذو العزة والجلال في سورة الأنفال "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون. ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون" (الأنفال/٢٠-٢٤) .
"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" قيد لبيان الواقع ولا يمكن أن تصدر الدعوة من الله جل وعلا ونبيه ﵊ على خلاف ذلك "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" فدعوة الله ودعوة نبيه خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه فيما هذا الأمر وهي حياتنا في هذه الحياة حياة حقيقية آمنة مطمئنة توصلنا إلى السعادة والحياة الحقيقية أيضا بعد الممات "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون" (الأنفال/٢٤) .
والآيات في ذلك كثيرة إخوتي الكرام منها قول ذي الجلال والإكرام في سورة الحشر: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب" (الحشر/٧) .
ما أتى به نبينا ﵊ ينبغي أن نأخذه وأن نتبعه وأن نقتدي به عليه صلوات الله وسلامه وقد ربط الله جل وعلا محبته باتباع نبينا ﵊ كما علق رحمته باتباع نبينا ﵊ والإقتداء به على الدوام فقال جل وعلا: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم" (آل عمران/٣١) .
стр. 4825
وهكذا رحمة الله تكون لمن اقتدى بخير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وقد أشار الله إلى هذا الأمر في سورة الأعراف عندما حكى ما جرى من كليمه ونجيه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام من مناجاة بينه وبين ربنا الرحمن مع وفده الذين اختارهم مع قومه كانوا سبعين رجلاً يقول الله جل علا مخبراً عما جرى في تلك المناجاة من ذلك قول الله جل وعلا حكاية كما قلت عن كليمه ونجيه ونبيه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام يقول نبي الله موسى كما حكاه الله جل وعلا عنه: "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك"، (تبنا إليك ورجعنا إليك) قال: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون".
ثم بين من يتصفون بهذه الصفات فقال جل وعلا: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" (الأعراف/١٥٧) .
رحمة الله تكون لهؤلاء والفلاح يكون لهؤلاء الذين يتبعون الرسول النبي الأمي على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه "الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" (الأعراف/١٥٧) .
وعليه خرج النصارى من هذا الوصف وخرج اليهود من هذا الوصف وخرجت كل أمة ضالة ملعونة من هذا الوصف لا ينال وصف الفلاح ولا يحصل رحمة الله إلا من اقتدى بنبينا خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.
стр. 4826
إخوتي الكرام: وقد أمرنا الله جل وعلا باتباع صراطه المستقيم الذي أتى به نبينا الأمين ﵊ وحذرنا من الخروج عنه فقال جل وعلا في سورة الأنعام: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الأنعام/١٥٣) .
وهكذا اخبرنا العزيز الغفور في آخر سورة النور عند وصف المؤمنين وأنهم يتبعون النبي الأمين ﵊ ويقتدون به في كل حين وحذرهم الله جل وعلا غاية التحذير من مخالفة هذا النبي البشير النذير ﵊ فمن خالفه فقد عرض نفسه لفتنة الحياة والعذاب بعد الممات قال الله جل وعلا: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم لدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (النور/٦٢-٦٣) .
قوله تعالى: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" المصدر هنا "دُعاء" "لا تجعلوا دعاء الرسول" إما أن يكون مضافا إلى الفاعل فلا تجعلوا دعاء الرسول لكم إذا دعاكم للاجتماع لا تجعلوا هذا الدعاء منه كما هو الحال في دعاء بعضكم لبعض وإن شئتم حضرتم وإن شئتم تخلفتم وإن شئتم بعد الحضور فارقتم هذا المجلس هذا يكون فيما بينكم أما هذا النبي ﵊ إن دعى فالإجابة واجبة وإذا حضرت فما ينبغي أن تتخلف وأن تخرج وأن تفارق إلا بإذن منه ﵊.
стр. 4827
"لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً" والآية تحتمل أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول لا تجعلوا دعاءكم للرسول علية الصلاة والسلام ومناداتكم له عندما تنادونه لا تجعلوا هذه المناداة وهذا الدعاء كما ينادي بعضكم بعضا فإياك ثم إياك أن تقول يا محمد يا ابن عبد الله لا يصح هذا، هذا رسول الله خير خلق الله ﵊ قل يا نبي الله يا رسول الله يا أفضل خلق الله فلا تنادوا رسول الله ﵊ كما ينادي بعضكم بعضا "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ".
وقد نص الإمام ابن حجر الهيثمي على أن من ذكر النبي ﵊ وأضافه إلى أبيه ولم ينعته بنعت النبوة والرسالة فينبغي أن يعزّر وأن يؤدب التأديب البليغ عندما يقول قال محمد بن عبد الله، يا عبد الله ألا تنعته بما نعته رب العالمين "محمد رسول الله " ﵊ "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين" (الأحزاب/٤٠) .
فإذا ذكرته قل: " قال حبيبنا محمد ﵊ " قال رسول الله " " قال خاتم أنبياء الله " على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه. ولا يضاف إلى أبيه إلا عند بيان نسبه عليه صلوات الله وسلامه وما عدا هذا "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" فإذا دعاكم لدعوته شأن وإذا دعوتموه فتأدبوا غاية التأديب مع هذا النبي الحبيب ﵊ "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً" – يختفون ويلوذ الواحد بالآخر ليخرج من الاجتماع الذي دعاهم إليه خاتم الأنبياء – عليه صلوات الله وسلامه – وهذا يحصل من المنافقين.
стр. 4828
"قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" – أن تصيبهم فتنة في هذه الحياة بلية ومصيبة عظيمة فاقرة تهلكهم، أن تصيبهم فتنة في دينهم فيخرجوا عن دين ربهم وأي فتنة أعظم من مخالفتهم لنبيهم ﵊ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
إخوتي الكرام: هذه بعض نصوص القرآن تأمرنا بالاقتداء واتباع نبينا عليه الصلاة السلام وتحذرنا من مخالفته ﵊ وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تقرر هذا الأمر وتبينه وقد كان نبينا ﵊ يغرسه في الأمة على الدوام فكان إذا خطب ﵊ في كل جمعة يوصي عباد الله بهذا الأمر ألا وهو: أن سنته هو الهدى فمن تبعها فقد اهتدى ومن انحرف عنها فهو على ضلال وردى.
ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث رواه الإمام النسائي في سننه وابن ماجه في سسنه أيضا والبغوي في شرح السنة والإمام الآجري في كتاب الشريعة وهو حديث صحيح صحيح فهو في صحيح مسلم من رواية جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب إذا قام خطيباً يخطب فيهم الجمعة احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم ثم يقول أما بعد إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد ﵊ وشر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة وكل بدعة في ضلالة.
زاد الإمام النسائي في سننه بإسناد صحيح: وكل ضلالة في النار. إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد خير خلق الله ﵊ وشر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. كان هذا الكلام حق يقول نبينا المختار ﵊ في كل جمعة إذا خطب المسلمين يغرس هذا المعنى في قلوبهم.
стр. 4829
"أصدق الحديث كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم وهو الذي يهدي للتي هي أقوم وخير الهدى وخير الهدى هدي نبينا ﵊. وشر الأمور المحدثات المبتدعات وكل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
نعم إخوتي الكرام كل من اخترع شيئا في دين الله ولم يأذن به الله فهو مردود عليه ولا يقبله الله جل وعلا.
ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين والحديث رواه الإمام ابن ماجه في سننه وأبو داود في سننه والبغوي في شرح السنة أيضاً ورواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة وهو في أعلى درجة الصحة فهو في الصحيحين من رواية أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" مردود عليه لا يقبل الله .
وفي رواية في صحيح مسلم وقد علقها البخاري في صحيحه بصيغة الجزم وهي أيضا في كتاب السنة لابن أبي عاصم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" وفي رواية في سنن أبي داود "من صنع أمراً ليس عليه أمرنا فهو ردّ " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ " "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" "من صنع أمراً ليس عليه أمرنا فهو ردّ " مردود عليه لا يقبل عند الله جل وعلا.
إخوتي الكرام: كما قلت كان نبينا ﵊ يغرس هذا المعنى ويؤكد عليه في كثير من المناسبات لتكون الأمة على وعي تام ولتريد بعبادتها وجه الرحمن كما جاء بذلك نبينا ﵊ فلا يقبل العمل عند الله إلا إذا أخلصت فيه لله واتبعت فيه رسول الله ﷺ .
إخوتي الكرام: كما قلت هذا الأمر كان يوصي به نبينا ﵊ الصحابة الكرام وأمته على الدوام.
стр. 4830
ثبت في المسند والحديث رواه أهل السنن الأربعة إلا النسائي ورواه الإمام البغوي في شرح السنة ورواه الإمام الدارمي في سنته وهو في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ورواه الإمام أو نعيم في حلية الأولياء ورواه الإمام البيهقي عليه وعلى أئمتنا جميعا رحمة الله في كثير من كتبه رواه في السنن الكبرى وفي المدخل لى السنن ورواه فغي دلائل النبوة ورواه في شعب الإيمان ورواه في كتاب الاعتقاد ورواه الإمام ابن أبي عاصم في كتاب السنة والإمام الآجري في الشريعة والإمام اللالكائي في شرح أصول أهل السنة والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وهو مروي في غير ذلك من دواوين السنة والحديث صحيح صحيح إسناده كالشمس في رابعة النهار من رواية أبي نجيح العرباص بن سارية ﵁ قال: " وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصنا (كأنها موعظة مودع فأوصنا شعر الصحابة من حرقة نبينا ﵊ واشتداده في الموعظة في آخر حياته شعروا أنه يوصيهم لأنه أجله قد اقترب ﵊ حتى اجتهد هذا الاجتهاد في وصية هذه الأمة لتكون على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك كأنها موعظة مودع فأوصانا) قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة.
стр. 4831
نعم ديننا يقوم على كتاب الله وسنة رسول الله ﵊ كما فهم ذلك سادتنا وأئمتنا وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين فمن جرد القرآن عن السنة فهو ضال ومن جرد القرآن والسنة عن فهم سلفنا فهو ضال فلا بد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة: كتاب الله وسنة رسول الله ﵊ حسبما فهم سلفنا الكرام الخلفاء الراشدون المهديون ومن سار على نهجهم الميمون فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة.
وتقدم معنا في رواية النسائي في حدي جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: وكل ضلالة في النار إخوتي الكرام كان نبينا ﵊ يوصينا بهذا الأمر على الدوام ويحذرنا من مخالفته ﵊ والخروج عن سنته في أي أمر من الأمور فذلك ضلال وثبور.
ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ورواه الإمام الآجري في الشريعة والبزار في مسنده وابن أبي عاصم في السنة ورواه الإمام اللالكائي في شرح السنة من رواية عبد الله بن مسعود ﵁.
وقد روى الحديث هؤلاء أيضا باستثناء ابن حبان والحاكم وزيادة ابن ماجه فهو في المسند وسنن ابن ماجه وأخرجه من تقدم ذكرهم من رواية جابر بن عبد الله فهو من رواية عبد الله بن مسعود ومن رواية جابر بن عبد الله وكما قلت هذه المصادر الحديث مروي فيها عن هذين الصحابيين الجليلين عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله ﵃.
стр. 4832
وأما حديث عبد الله بن مسعود فقد روى أيضا في غير المصادر التي تقدمت من دواوين السنة رواه الإمام الطبري في تفسيره والإمام الطيالسي في مسنده ورواه البغوي في شرح السنة وفي معالم التنزيل ورواه الخطيب في تاريخ بغداد والحديث صحيح وقد بحث الإمام ابن كثير في إسناد هذا الحديث وحقق درجته ومكانته وقد جرى كلام حول إسناد حديث جابر فيشهد له حديث عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين.
أنظروا كلامه إن شئتم إخوتي الكرام في تفسيره ٢/١٩٠ عند الآيةالتي سيقرؤها نبينا ﵊ بعد ذكر هذا الحديث الشريف ولفظ الحديث كما قلت من روايةابن مسعود وحديث جابر بمعناه: أن النبي ﷺ خط خطا مستقيما ثم قال هذا صراط الله مستقيما ثم خط النبي ﵊ خطوطا متعددة عن يمينه وعن شماله (عن يمين هذا الخط عن شماله) وقال: هذه هي السبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليها ثم قرأ النبي ﷺ "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الأنعام /١٥٣) وأن هذا صراطي مستقيما.
ولذلك إخوتي الكرام: لابد للإخلاص من التباع وإخلاص من غير اتباع لا يقبل عند خالق الأشياء رب الأرض والسموات وقد كان نبينا ﵊ يعالج وقائع كثيرة جرت في زمنه المباركة من قبل بعض الصحابة الكرام دفعهم إلى تلك الوقائع والحوادث إخلاصهم لربهم جل وعلا وطلبهم التقرب لديه.
стр. 4833
ولكن في بعض تلك الحوادث والوقائع انحراف عما أتى به نبينا ﷺ فكان النبي ﷺ يواجه تلك الحوادث ويضع المنهج الصحيح للأمة والذي ينبغي أن تسير عليه وإليكم بعض هذه الحوادث التي هي ثابتة في دواوين السنة منها ما ثبت في المسند والصحيحين والحديث رواه الإمام النسائي في السنن ورواه ابن سعد في الطبقات ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى من رواية أنس بن مالك ﵁ قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته في السر فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ثم قال بعضهم لبعض (معتذرا لنبينا ﵊ من عدم اجتهاده ﷺ في عبادة الرحمن على حسب توهمهم) قال بعضهم لبعض أين نحن من النبي ﷺ إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ونحن ليس لنا هذه المنقبة والمكانة فينبغي أن نبذل جهداً لا يبذله ﷺ ثم قال بعضهم أما أنا فأصلى الليل ولا أنام قال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج. فلما أخبر النبي عيه الصلاة والسلام بمقالتهم جمعهم وقام في الصحابة خطيبا فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا ﷺ وقال: "ما بال أناس يقولون كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له".
وثبت في الصحيحين من رواية أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية".
стр. 4834
ومرد الكمال إلى قوتين اثنتين لا ثالث لهما قوة علمية نظرية وقوة علمية طلبية وقد اجتمعتا في نبينا خير البرية ﷺ على وجه التمام فهو أعرف الخلق بالحق جل وعلا وهو أعبد الخلق للحق جل وعلا أنا أعلمكم بالله وأشد منكم خشية..أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ... انتبه لختام الحديث فمن رغب عن سنتي فليس مني..من رغب عن سنتي فليس مني هذا ممن يعبد هواه ولا يعبد مولاه وينبغي أن نعبد الله بما يريد لا بما نريد نحن أعبد الله كما بين على لسان نبيه ﵊ فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وثبت في سنن الترمذي والحديث رواه الحاكم في المستدرك ورواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه البزار في مسنده وإسناده صحيح كالشمس من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر حتى مررنا بشعب فرأى بعض الصحابة عُيينة من ماء..عين صغيرة تنبع ماء عذباً..فأعجبه حالها وفكر في نفسه أن يمكث عندها ليتعبد الله لكن من صلاح قلبه وحبه لنبيه ﵊ قال: لن أنفذ ما عزمت عليه حتى أعرض الأمر على النبي ﷺ فعرض حاله على النبي ﷺ هذا الشعب المنعزل فيه عيينه من ماء أقيم عنده أعبد رب الأرض والسماء واعتزل الدنيا وما فيها فقال النبي ﷺ : لا تفعل..فإن مقام أحدكم في الصف خير له من عبادته لربه في بيته سبعين عاماً إذا قمت ساعة في الصف في صف المؤمنين لمقاتلة أعداء الله المجرمين إذا قمت ساعة فقط هذا خير من أن تعبد الله سبعين عاما ثم قال: ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويرحمكم ويدخلكم الجنة قال بلى يا رسول الله قال: قاتلوا في سبيل الله فوالذي نفسي بيده على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه "من قاتل في سبيل الله فُواق ناقةٍ وجبت له الجنة".
стр. 4835
والفواق والفواق بفتح الفاء وضمها وبها قرئ قول الله جل وعلا في سورة ص: "وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق" قرأ حمزة والكسائي وخلف " مالها من فواق" " والفُواق والفَواق " قال الإمام الفرَّاء: هما بمعنى واحد فهو بمعنى الاستراحة والراحة وهو بمعنى التردد والرجوع وحقيقة في لغة العرب الفُواق والفَواق هو الوقت الذي يكون بين الحلبتين إذا حلب الإنسان الشاة..حلب الناقة عندما يضغط على ثديها فيخرج اللبن ثم بعد ذلك يرخي يده ليضغط مرة أخرى هذه الفترة التي هي بين الحلبتين يقال لها: فَواق يقال لها فُواق. إخوتي الكرام وتفسير الفُواق /الفَواق بما ذكرت هو أحد التفسيرين باللفظ المذكور كما ذكر علماء اللغة وعلماء الشريعة المطهرة في كتب التفسير والحديث الشريف.
ففي القاموس وشرحه تاج العروس وفي لسان العرب يقول علماء اللغة الفُواق بالضم كبُراق ويفتح الفَواق يطلق على أمرين
الأمر الأول: ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فُواقاً إلا فُواقاً أي إلا وقتا يسيراً.
الأمر الثاني: الذي يطبق عليه لفظ الفواق الفَواق يطبق أيضا على ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع فهذا الوقت الذي يكون ما بين قبض الحالب على الضرع ثم إرساله عند الحلب يسمى فَواقاً وفُواقاً أيضاً.
إخوتي الكرام: وقد ورد هذا المعنى عن نبينا ﵊ أحاديث كثيرة وفيها بيان عظيم ثواب المجاهدين عند رب العالمين.
следующие страницы →