Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
والآية إخوتي الكرام يمكن أن تكون نازلة فيمن عمل الصالحات ثم فرح عجباً وفرحاً وبطراً وفخراً وأراد أن يمدح بصالحات لم يعملها كما نص على ذلك الإمام الخطيب الشربيني في كتاب السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض كلام ربنا الحكيم الخبير ومعنى الآية لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا بما فعلوه من صالحات فرح عجيب وبطر وأشر ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي بصالحات أخرى لم يفعلوها فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم.
إخوتي الكرام: هذا اللسان ينبغي أن نضبطه وأن نتقي الرحمن وينبغي أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر وأما أن نتمادح بالباطل وأن نقول للعاصي الجاهل إنك ولي كامل والله هذه بلية ما سبق لها مثيل وهذا العصر الذي نعيش فيه عصر اختلال الموازين.
إخوتي الكرام إن المحقرات التي نغوص فيها ستهلكنا إذا لم نع أمرنا ولم نعد إلى ربنا وأما الذنوب الواضحات التي هي معلومة عند المخلوقات فلا أريد أن أفيض في الكلام عليه لكن أذكر نماذج منها من باب ذكر المثال على غيره هذه معلومة وأما المحقرات قلت هذه لا نبالي بها وهي من المهلكات أما الذنوب الأخرى التي هي واضحة وتفعل على أنها معصية فهذه أيضاً كثيرة والأمة تخوض فيها منها قطيعة الرحم وقطيعة الرحم سبب للمنع من دخول الجنة كما ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن النسائي من رواية جبير بن مطعم ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول:" لا يدخل الجنة قاطع " يعني قاطع رحم ومنها الغيبة والنميمة وقد فاشتا فينا غاية الفشو وقد ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه من رواية حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال " لا يدخلن الجنة فتات " يعني نمام ومنها الكبر والغلو الذي يحصل في كثير من النفوس والخيلاء والتكبر على عباد الله.
стр. 4762
وقد ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي من رواية عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال " لا يدخلن الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقيل للنبي ﷺ إن الرجل يعجبه أن يكون نعله حسنة وثوبه حسن قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر –الحق رده وجحده- وغمط الناس" احتقارهم وازدراؤهم.
وثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال "لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر" عاق لوالديه بما اعطى يدمن الخمر لا يدخلون الجنة هذه كلها ذنوب يفعلها الناس ويعملون شناعتها.
وثبت في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا من يا رسول الله ﵊ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه".
وثبت في المسند والصحيحين أيضا من رواية أبى هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزن وهو مؤمن ولا يسرق السارق حسن يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".
هذه ذنوب وعيوب تخوض فيها الأمة وهي معلومة وهناك محقرات نخوض فيها ونسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يحفظنا من جميع الذنوب والعيوب إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
اللهم ألهمنا رشدنا واحفظنا من شرور أنفسنا يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فاصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبة تسليماً كثيرا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا.
اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم أغفر لمن وقف هذا المكان المبارك.
стр. 4763
اللهم أغفر لمن عَبَدَ الله فيه اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات والحمد لله رب العالمين..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
стр. 4764
أقسام النفاق
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أقسام النفاق
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد:
стр. 4765
معشر الأخوة المؤمنين أفضل بقاع الأرض وأحبها إلى الله جل وعلا المساجد كيف لا وهي بيوته وفيها نوره وهداه وقد نعت الله الذين يعمرونها بأنهم رجال ووصفهم بأربع خصال لا تلهيهم البيوع والتجارات من طاعة رب الأرض والسماوات يعبدون الله ويعظمونه ويصلون له ويسبحونه يشفاقون على عباد الله ويحسنون إليهم، ويبذلون ما في وسعهم استعداد للقاء ربهم ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .
كنا نتدارس إخواتي الكرام الصفة الرابعة من صفات هؤلاء الرجال العظام ألا وهي خوفهم من ذي الجلال والأكرام يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار وقد مر معنا تعريف الخوف وبيان منزلته في شريعة الله جل وعلا وثمرات الخوف التي يحصلها الخائفون في العاجل والآجل وكنا نتدارس الأمر الرابع من مباحث الخوف في أسباب خوف المكلفين من رب العالمين وقلت إن الأسباب مهما كثرت وتعددت وتنوعت يمكن أن ترد إلى ثلاثة أسباب:
أولهما: إجلال الله وتعظيمه.
وثانيهما: خشية العبد من ربه من أجل تفريطه في حقه وجنبه سواء كان ذلك التفريط يتعلق بالتقصير في المأمورات أو بارتكاب المنهيات المحظورات.
وقد تقدم الكلام إخواتي الكرام على هذين السببين في المواعظ الماضية وشرعنا في مدارسة السبب الثالث من أسباب خوف المكلفين من رب العالمين ألا وهو الخوف من سوء الخاتمة وقلت إن أسباب سوء الخاتمة كثيرة أيضاً ويمكن أ، ترد إلى سببين اثنين.
أولهما: الأمن على الإيمان من الذهاب والفقدان فما أحد أمن على إيمانه أ، يسلبه إلا سلبه عند موته نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا وأن يحسن ختامنا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وقد مر الكلام إخواتي الكرام على هذا السبب مفصلا بأدلته.
стр. 4766
السبب الثاني: من أسباب سوء الخاتمة: هو اغترار المكلفين في الحالة الحاضرة والعجب بما يصدر عنهم من طاعات ناقصة قاصرة والغفلة عما في المكلفين والمكلفات من بليات مهلكات وقلت إن هذه البليات تتنوع إلى ثلاثة أنواع:
أولهما النفاق، وثانيهما البدعة، وثالثها الحرص على الدنيا والركون إليها وقد شرعنا أيضا في مدارسة الأمر الأول من هذه الأمور الثلاثة ألا وهو النفاق وبينت
وجه كون النفاق مسبباً لسوء الخاتمة باتفاق وقد كان في عزمي كما ذكرت في الموعظة الماضية أن أتكلم عن كل سبب من هذه الأسباب الثلاثة في موعظة كاملة ولكن قدر الله وما شاء فعل فما انتهينا من مدارسة السبب الأول فيما يتعلق بالأمر الثاني من أسباب سوء الخاتمة ووصلنا عند أقسام النفاق ولذلك أريد أن أبدأ في هذه الموعظة من حيث وقفنا في الموعظة الماضية.
стр. 4767
إخواتي الكرام إذا كان النفاق كما تقدم معنا هو اختلاف السر والعلن والمدخل والمخرج واختلاف الظاهر والباطن فإن النفاق ينقسم إلى قسمين اثنين باتفاق أئمتنا الكرام وقد ثبت هذا في سنن الترمذي في كتاب الإيمان نر باب صفة المنافق عن إمام المسلمين وسيدهم في زمنه أبي سعيد الحسن البصري عليه رحمة الله ورضوانه أنه قال كما في سنن الترمذي في المكان المشار إليه النفاق نِفَاقَان نفاق التكذيب ونفاق العمل فالنفاق ينقسم إلى قسمين اثنين نفاق أكبر وهو نفاق التكذيب ونفاق أصغر وهو نفاق العمل وهذا موضوع موعظتنا في هذه الموعظة المباركة ونسأل الله أن يحفظنا من النفاق بقسميه وأن يجعلنا من المؤمنين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين إخواتي الكرام، أما النفاق الأكبر وهو نفاق التكذيب فهذا هو المخرج من ملة الاسلام وهذا هو الموجب لصاحبه الخلود في النيران ومحله القلب والجنان بحيث ينطق الإنسان بالإيمان عن طريق اللسان لكنه يبطن في قلبه الجحود والكفران ويدخل في هذا النفاق أعني النفاق الأكبر نفاق التكذيب يدخل فيه أيضا اعتقاد الإنسان لما يناقض أصل الإيمان فمن وجد في قلبه شئ يناقض أصل الإيمان كما يتصف بذلك أهل التباب والخسران فهذا من المنافقين النفاق الأكبر ونفاقه نفاق تكذيب وليس له في الإسلام نصيب وهو من المخلدين في نار جهنم يوم الدين هذا الذي يدخل في هذا النفاق أيضا كما قلت أن يقوم في قلب الإنسان شرر يناقض أصل الإيمان كما لو اعتقد الإنسان أنه لا يجب عليه أن يصدق النبي ﵊ فيما أخبر ولا يجب عليه أن يطيعه فيما أمر ولا يجب عليه أن يطيعه فيما عنه نهى وزجر وحذر فمن قام هذا في قلبه وجعل النبي ﵊ واحدا من الأنام كلامه قابل للحق وللبطلان من جعل هذا النبي ﵊ فلا شك في نفاقه وإن شهد بلسانه لاإله إلا الله محمد رسول الله ﵊ ويدخل في هذا النفاق أعني النفاق
стр. 4768
الأكبر حصول المسرة للإنسان وحصول الفرح في قلبه عند خذلان المؤمنين وانكسارهم في هذه الحياة وعند انتصار الكافرين وتقدمهم في هذه الحياة خذل المسلمون فشلوا في موقعه في أي أمر من الأمور طار فرحا. تقدم الكافرون طار فرحا هذا من علامة النفاق الأكبر وليس له حظ في الاسلام ويدخل في هذا أيضا نقيض هذه الصفة أن تظهر على الإنسان المسارة إذا انتصر المسلمون وأن تظهر عليه المسارة إذا انكسر الكافرون فكل هذا من علامات النفاق الأكبر وهو كما قلت مخرج لصاحبه من ملة الاسلام ومخلد له في أسفل دركات النيران وقد أخبرنا الله جل وعلا عن المنافقين في السورة التي سماها باسمهم في سورة المنافقون أنهم يتمنون انفضاض المسلمين عن النبي الأمين عليه الصلاة السلام وأنهم يدعون العزة لأنفسهم ولا يريدونها لعباد الله الصالحين.
﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون، يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكنً المنافقين لا يعلمون﴾ .
فهكذا كل من اتصف بشيء من هذه الصفات هو خارج من دين رب الأرض والسماوات وقد جاء هذا مقررا في كثير من الآيات المحكمات ففي سورة النساء يقول رب الأرض والسماء ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً﴾ إلى أخر الآيات التي سأقرأها عليهم بعد بيان سبب نزولها.
стр. 4769
روى الإمام الطبري في تفسيره وبن المنذر في تفسيره وإسحاق بن راهويه بسند صحيح من الإمام الشعبي والأثر رواه أيضاً ابن المنذر في تفسيره وكذا الإمام الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره ورواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵃ أجمعين والأثر رواه أيضاً الإمام الطبري في تفسيره عن الربيع بن أنس، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردوية في تفسيره عن أبي الأسود الدؤلي ورواه وصححه في تفسيره عن ضمرة ابن حبيب وهو من أئمة التابعين توفي سنة ثلاثين ومائة للهجرة، حديثه مخرج في الكتب الأربعة ثقة عدل، إمام رضا هؤلاء خمسة من التابعين أن كلام الشعبي ومجاهد والربيع بن أنس وأبو الأسود الدؤلي وحمزة بن حبيب الزبيدي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين أنهم، لو وقعت خصومة بين بعض المنافقين في زمن نبينا الأمين ﵊ مع بعض اليهود الملعونين فأراد اليهودي من المنافق أن يذهب في رفع قضيتها والأحتكام إلى نبينا ﵊ وهو يعلم علم اليقين أن نبينا ﵊ يحكم بالحق المبين ولا يأخذ عليه رشوة والمنافق يريد من هذا اليهودي الذهاب إلى حكام اليهود لأنهم يأخذون الرشوة وينحرفون عن الحكم بالحق وهذا الأثر كما قلت عن خمسة من التابعين وروي متصلا عن صحابي ﵁ لكن بسند ضعيف رواه الإمام الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن بن عباس ﵃ أجمعين وهكذا الإمام الكلبي قال الإمام بن حجر في فتح الباري في الحزء الخامس صفحة سبع وثلاثين وهذا الأثر المتصل المرفوع من هذا الصحابي عبد الله بن عباس رضوان الله عليهم أجمعين وإن كان ضعيفا فيشهر له أثر مجاهد ومن معه من الآثار المتقدمة عن أئمتنا الطيبين من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين وخلاصة أثر عبد الله بن عباس وكما قلت يتقوى بالمراسيل المتقدمة أنه عندما اختصم هذان المنافق واليهودي ذهب في نهاية الأمر إلىالنبي عليه الصلاة والسلام
стр. 4770
فقض بأن الحق لليهودي فلما خرجا من عند نبينا ﵊ قال المنافق لليهودي لا أقبل بحكم النبي ﵊ تعال لنعرض حكومتنا وقضيتنا على أبو بكر ﵁ وأرضاه فوافق اليهودي وذهب معه وبعد أن عرضت عليه القضية قال اليهودي يا أبكر ذهبنا إلى النبي ﵊ فقضي بأن الحق فما كان من أبي بكر رضوان الله عليه إلا أن قال ما كان لابن أبي قحافة أن يقضي في مسألة قضي فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم الحكم ما قضي به النبي ﵊ فذهبا إلى سيدنا عمر رضوان الله عليهم أجمعين إلى الفاروق ﵁ وأرضاه فعرضا عليه القضية فقال اليهودي يا أمير المؤمنين يا عمر رضوان الله عليهم أجمعين لا تعجل ذهبنا إلى النبي ﵊ فقضي بأن الحق لي ثم ذهبنا إلى أبي بكر ﵁ فأمتنع عن القضاء في هذه المسألة لأن النبي ﵊ قضى فيها فقال عمر ﵁ وأرضاه ثاني الخلفاء الراشدين للمنافق أحقيق ما يقوله اليهودي قال نعم قال فانتظرا ثم دخل إلى بيته وخرج وبيده سيفه فضرب المنافق وقطع رقبته وقال هذا حكمي فيمن لم يقبل بحكم رسول الله ﷺ فذهب اليهودي مسرعا إلى النبي صلي الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن عمر قتل صاحبي ولولا أنني شردت لقتلني فأنزل الله جل وعلا مقرراً فعل عمر وأن ذلك المنافق كافر لا حظ له في الإسلام:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء:٦٠) .
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (النساء:٦١) .
стр. 4771
(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) (النساء:٦٢) .
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (النساء:٦٣) .
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء:٦٤) .
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:٦٥) .
فكل من قدم رأيه على حكم رسول الله ﵊ وكل من رأى أن رسول الله ﷺ يؤخذ من قوله ويترك وأن طاعته ليست واجبة فيما يخبر وفيما يأمر وفيما ينهى عنه ويزجر فلا شك في نفاقه ولا شك في كفره ولا شك في سوء خاتمته ولا شك في تخليده في نار جهنم.
стр. 4772
يقول الإمام بن القيم عليه رحمة الله جل وعلا في كتابه مدارج السالكين في الجزء الأول صفحة خمس وعشرين وثلاثمائة ص٣٢٥: (هل كان في عصر النبي ﷺ أحد يقدم رأيه وقياسه على قول النبي ﷺ وهل كان في زمنه ﵊ وبين الصحابة الكرام أحدٌ يقدم ذوقه ووجده على كلام النبي ﵊ وهل كان في زمنه ووجد في الصحابة من يقدم عقله وسياسته على شريعة النبي ﷺ ثم قال إن الله صان أعينهم وأكرم وجوههم من أن ترى من هذا شاكلة ثم قال ولقد حكم عمر بن الخطاب ﵁ فيمن لم يقبل بحكم رسول الله ﷺ في قضيته بالسيف وقال هذا حمي فيمن لم يقبل حكم النبي ﵊.
نعم إخوتي الكرام: إن هذه الأمور ملحقة للإنسان بالمنافقين إذا اعتقد ما يناقض أصل الإيمان من أن النبي ﵊ لا تجب طاعته وأنه لا مانع من الركون إلى الكفار ولا مانع من الأخذ بقوانينهم وأنظمتهم وضلالهم، وإذا بعد ذلك انتصر المؤمنون كأنه يستاء وإذا تقدم الكافرون يفرح أي نفاق بعد هذا النفاق وأي كفر أشنع من هذا الكفر والله جل وعلا يقول ف سورة محمد ﵊:
(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:٢٥-٢٨) .
стр. 4773
نعم الذين يقومون على حكم الله جل وعلا حكم العبيد فلا شك فلا شك في نفاقهم وخروجهم من دين الله المجيد وهؤلاء ينطبق عليهم ما ينطبق على المنافقين في العصر الأول، ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ .
نعم: قد أفسدوا في الأرض باسم صلاحها، قد بدلوا أحكامه بنظام، فالنظام هو ما شرعه الرحمن جل وعلا وكل من رأى وكل من اعتقد وكل من مال في قلبه إلى نظام آخر ورآه أنه واجب الطاعة ولا حرج ولا ضير عليه في الأخذ به والاحتكام إليه فلا شك في نفاقه، النفاق الأكبر الذي يخرجه من ملة الإسلام ويوجب له الخلود في النيران، إحدى الكلام: الإمام بن القيم عليه رحمة الله بعد أن أورد مقالته السابقة قال: فلو رأى عمر بن الخطاب ﵁ زماننا ويقصد به الزمان الذي عاش فيه وهو القرن الثامن للهجرة وقد توفي سنة واحد وخمسين وسبعمائة للهجرة ٧٥١هـ رحمة الله ورضوانه عليه، كيف لو رأى أيامنا وعصرنا الذي نعيش فيه دعاة ضلالة على أبواب جهنم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا من أجابهم قذفوه في نار جهنم، ضلالات ما أكثرها، يروج لها ويضلل العباد نحوها، ماذا يقول عمر ﵁ لو أدرك زماننا إخوتي الكرام ولا يشكلن عليكم أن بعض هؤلاء المنافقين الذي يرون عدم وجوب طاعة نبينا الأمين ﵊ في جميع شئون الحياة لا يشكلن عليكم أن بعض هؤلاء المنافقين يفعلون أحياناً بعض الخيرات ويقومون ببعض شعائر الإسلام لا يشكله عليكم هذا أبداً وقد كنت ألمحت وأشرت في الموعظة السابقة إلى شيء من ذلك وبينت أنه إذا حصل من المنافق بعض شعائر الإسلام لا يعني أنه ليس من المنافقين وقررت هذا بأحاديث في الموعظة الماضية والله يؤيد دينه بالرجل الفاجر وبالأقوام الأشرار وبمن لا خلاق لهم عند الله جل وعلا، وإذا كان أكثر منافقي هذه الأمة القراء فكيف سيكون إذا البلاء فيمن عداهم إن النسبة أكبر وأكبر
стр. 4774
إخوتي الكرام، إذا قام بعض الناس ببعض شعائر الإسلام وهكذا وجد له خيرات وإحسان ثم بعد ذلك اعتقد في قلبه تلك الضلالات والآثام فلا يرى وجوب طاعة نبينا ﵊ في جميع الأمور ويرى أن خيره كخبر غيره فلا شك في كفره ونفاقه وإن صام وصلى وحج واعتمر وزعم أنه مسلم وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا وأخبرنا أنه يخشى علينا من هذا الصنف اللعين الذي يظهر الإيمان لكن يأتي بما ينقضه في قلبه على التمام فليس له عند الله وزن ولا اعتبار لكن يحصل به الاغترار في هذه الحياة من قبل بعض الناس الذين لا يعون حقائق الأمور أشار نبينا ﷺ إلى هذا وأخبرنا أنه يخشى على أمته من هذا الصنف الذين يظهرون الإيمان ويبطنون النفاق ويبطنون الكفر هذا حال المنافقين النفاق الأكبر.
ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير والإسناد رجاله موثقون كما قال الإمام الهيثمي في المجمع وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب إسناده لا بأس به، والحديث من رواية عمران بن حصين ﵄ والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً والبزار وأبو يعلى عن عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين وإسناد الحديث أيضاً لا بأس به وهو في درجة الحسن، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط والصغير من رواية عليّ ﵃ أجمعين، لكن في الإسناد في رواية على الحارث الأعور وهو ضعيف كما قرر أئمتنا الكرام.
أما حديث عمران وحديث عمر ﵄ فكما قلت صحيحان وهما يشهدان لحديث عليّ ولفظ الحديث عن نبينا ﵊: [إني أخاف عليكم إني أخشى عليكم] وفي رواية [أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان] منافق لكنه ينتمي إلى الإسلام ويقرأ القرآن ويرى بعد ذلك في قلبه عدم وجوب طاعة النبي ﵊ ويُحَكِّم أنظمة الكفر ويحتكم إليه، [إنما أخشى عليكم إني أخاف عليكم، أخوف ما أخاف عليكم كل منافق عليم اللسان] .
стр. 4775
والحديث كما قلت إخوتي الكرام في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير بسندٍ رجاله موثقون والحديث في درجة الحسن عن عمران بن حصين ﵄ وهو في مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومسند أبى يعلى من رواية عمر ابن الخطاب ﵁ ورواه الطبراني في معجمه الأوسط والصغير من رواية عليٍّ ﵃ أجمعين بهذا اللفظ وأما الرواية فمروية عن عقبة بن عامر ﵁ في المسند مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومعجم الطبراني الكبير ورواها الإمام بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وإسناد الحديث حسن عن نبينا ﵊ أنه قال: [إنما أخاف عليكم اثنتين هلاك أمتي في اثنتين في الكتاب وفي اللبن، قالوا يا رسول الله ﷺ ما بال الكتاب؟ قال يقرأه المنافقون فيجادلون به الذين آمنوا قالوا وما بال اللبن؟ قال يحبون اللبن فيتركون الجمعة والجماعات ويندون: أي يذهب مع ماشيته إلى البادية تعلقاً بعض الدنيا ومتاعها وشرب اللبن منها فيترك الجماعات ويترك الجمع وبعد ذلك يكون من أهل البادية [إنما أخشى عليكم اثنتين إني أخاف عليكم من اثنتين هلاك أمتي في اثنتين في الكتاب وفي اللبن] .
وكأن النبي ﵊ يريد أن يقول لنا في هذا الحديث هلاك أمتي في الشبهات والشهوات، أما الشبهات هذا منافق عليم اللسان قرأ القرآن ثم جاء بعد ذلك ينقض الإسلام باسم الإسلام منافق عليم اللسان قرأن القرآن وجادل به الذين آمنوا، وأما أولئك عامة رعاع ركنوا إلى الشهوات وآثروا الملذات في هذه الحياة على طاعة رب الأرض والسماوات، وهل البلاء إلا من الشهوات والشبهات ومرض الشبهات أشنع من مرض الشهوات بكثير.
стр. 4776
نعم إخوتي الكرام: إن الإنسان إذا كان منافقاً عليم اللسان يقرأ القرآن ويجادل عباد الرحمن كما هو موجود في هذه الأيام تبرر الرذائل من قبل من وصفوا بأنهم منافقون وفي لسانهم علم بالقرآن وقد خشى علينا نبينا ﵊ كما قلت إخوتي الكرام من هذا الصنف خشية عظيمة وزادت خشيته من هذا الصنف على خشيته من الدجال اللعين، ففي مسند الإمام أحمد وصححه مسلم والسنن الأربعة من حديث النواس ابن سمعان ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ عندما ذكر الدجال وخاف الصحابة من أمره وظنوه أنه في طائفة من النخل قال ﵊ غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال من هؤلاء وضحهم نبينا ﵊ كما في مسند الإمام أحمد بسندٍ جيد من رواية أبي ذرٍ ﵃ أجمعين قالوا من يا رسول الله ﵊؟ قال الأئمة المضلون منافق عليم اللسان، هذا يفسد في الإسلام ما لا يفسده الدجال بين الأنام منافق عليم اللسان [غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال الأئمة المضلون] .
إخوتي الكرام: وهذا الصنف السافل وجد في العصر الأول وحذاري حذاري أن يقل إنسان إنه لا يوجد في عصرنا من هذا الصنف، والله الذي لا إله إلا هو لو نجى المصلون دعك عن غيرهم لو نجا المصلون الذين يصومون النهار ويقومون الليل من النفاق الأكبر فهنيئاً لهم ونسأل الله جل وعلا أن يحفظنا من النفاق والمنافقين إذا نجا الخيار والأخيار من هذا النفاق فهنيئاً لهم عند العزيز الغفار، هذا الأمر كان موجوداً في العصر الأول في زمن نبينا ﵊ وهو أعظم آيات الله تمشي على الأرض ومع ذلك وجد هذا النفاق في ذلك العصر الذي عاش في نبينا ﵊ فكم نسبة هذا النفاق في العصور المظلمة التي ستكون بعده نسأل الله العافية والسلامة بفضله ورحمته.
стр. 4777
ثبت في صحيح البخاري عن الأسود بن يزيد ﵁ وأرضاه وهو من أئمة التابعين الكبار توفي سنة خمس وسبعين للهجرة ٧٥هـ، حديثه في الكتب الستة، عابد قانت صوَّام قوَّام (عندما احتضر ﵁ اشتد جزعه وبكاؤه فقيل له حسِّن ظنك بربك،، قال والله لو أتيت بكتاب فيه مغفرة من الله لي لكان جديراً بي أن أبكي وأخاف قيل لم قال حياءً من الله أحدنا إذا قصر مع أخيه تقصيراً يسيراً واعتذر إليه وغفر له أخوه يستحي من أن يراه فكيف ونحن نخطئ في الليل والنهار لو جاءني صك بالمغفرة لاستحييت من لقاء الله جل وعلا، فكيف وأنا أخوض بما أخوض فيه؟ يقول الأسود ابن يزيد كنا مع عبد الله ابن مسعود ﵁ في المسجد فجاء حذيفة بن اليمان رضي الله عن الصحابة أجمعين فوقف على رأسنا وسلم ثم قال (لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيراً منكم) والحديث في صحيح البخاري لقد أنزل النفاق: يعني كان هذا موجود فيهم على قوم كانوا خيراً منكم فقلنا له انظر ما تقول إن الله يقول في كتابه:
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ قال (فنظر عبد الله بن مسعود فتبسم ثم مضى حذيفة بن اليمان ﵃ أجمعين، فجلس في ناحية من المسجد، فلما قام عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أجمعين وتفرق عنه أصحابه يقول الأسود بن يزيد رماني حذيفة ابن اليمان بالحصباء: أي أرسل إليه ورجمه بشيء من الحجارة الصغار من أجل أن ينتبه إليه ليأتي إليه يقول رماني بالحصباء فأتيته فقال أما رأيت إلى ضحك عبد الله ابن مسعود ﵁ وقد علم صحة ما أقول.
стр. 4778
نعم لقد نزل النفاق على قوم كانوا خيراً منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم ومن تاب تاب الله عليه ومن لم يتب فحاله على نفاقه وفي ضلاله، والله يقول في كتابه في سورة الفاضحة، براءة، التوبة ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذابٍ عظيم﴾ قد ثبت في مسند الإمام أحمد وصححه مسلم ومسند أبي داود الطيالسي من رواية حذيفة بن اليمان ﵄ قال: [في أصحابي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يرون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط] ، والحديث في صحيح مسلم في أصحابي [اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط] فكيف سيكون حال من بعدهم؟
إن النفاق بعد العصر الأول أخبث من النفاق في العصر الأول كما يقول حذيفة بن اليمان ﵃ أجمعين، والأثر في صحيح البخاري يقول المنافقون اليوم شر منهم على عهد رسول الله ﷺ قالوا لم قال كانوا يومئذ يسرون وهم اليوم يجهرون، نعم إن الذي يظهر الإيمان في هذه الأيام ثم يأتي بما ينقض به إيمانه عن طريق الكلام الباطل الذي يلوكه بلسانه، إن هذا إظهار للنفاق وقد كان المنافقون في العصر الأول يكتمون نفاقهم وهو في قلوبهم والله فضحهم فهو يعلم السر وأخفى، وأما المنافقون في هذا العصر فيظهرون نفاقهم على ألسنتهم ويتهجمون على دين الله صباح مساء وهم مع ذلك يزعمون أنهم يقرءون القرآن وأنهم بعد ذلك يقومون بشعائر الإسلام لكنهم ينقضون دين الرحمن، إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ﷺ كانوا المنافقون في زمن النبي ﵊ يسرون نفاقهم والمنافقون في أزماننا يظهرون نفاقهم.
стр. 4779
عباد الله من اتصف بهذا النفاق فكما قلت فلا شك في خروجه من الملة ولا شك في سوء خاتمته وخلوده في نار جهنم والله جل وعلا يقول في كتابه ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ مقعدهم في جهنم تحت مقاعد الكفار والسبب في ذلك أنهم كانوا يستهزءون بالمؤمنين ويخادعون الله وأولياءه ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ وقد أُثِرَ عن العبد الصالح بن جريج وهو عبد العزيز بن عبد الملك بن جريج توفي سنة خمسين ومائة للهجرة ١٥٠هـ، حديثه في الكتب الستة، من الأئمة الصالحين الربانيين في هذه الأمة يقول هذا العبد الصالح كما في تفسير الطبري وابن المنذر بسند صحيح في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (الحجر:٤٤) .
في نار جهنم ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ يقول أبواب جهنم ودركاتها جهنم وهي الطبقة الأولى فيها ولظى والحطمة والسعير وسعر والجحيم فيا أبو جهل والهاوية وفيها المنافقون ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ هذا النفاق الأول، وهو النفاق الأكبر وهو نفاق التكذيب نسأل الله أن يسلمنا منه بفضله ورحمته إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 4780
وأما النفاق الثاني فلا شك أننا نخوض فيه ونحن داخله وهو يحيط بنا من جميع جهاتنا لكن من سلم من النفاق الأول فليحمد الله، وأما النفاق الثاني وهو النفاق الأصغر محله الأعمال كما أن النفاق الأكبر محله القلوب، وأما النفاق الأصغر محله الأعمال، كان يريد الإنسان بعلمه وعمله غير وجه ربه وهو الرياء دون أن يأتي بما يناقض الإيمان وكأن يريد العلم لوجه الله ولكنه لا يطلبه من خبر الله لا يطلبه من مشكاة رسول الله ﵊ ولا يعمل على حسب أمر الله، إنما يدخل عقله واجتهاده وأقيسته أو ذوقه وكشفه ووجده كما ابتليت الأمة الإسلامية بصنفين في هذا الأمر بعلماء الكلام وتنطعهم العقلي وبالمخرفين من الصوفية وتنطعهم الذوقي الكشفي.
وكنت ذكرت إخوتي الكرام ضمن مباحث النبوة على نبينا صلوات الله وسلامه أن الأدلة مهما تعددت وتنوعت تنقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، دليل معتبر شرعي أخذ به سلفنا الكرام، ودليل مردود متبدع مذموم عول عليه المتأخرون أهل الشطط في هذه الأمة، أما الدليل الأول وهو المعتبر له قسمان أيضاً دليل الشرع من كتاب وسنة ودليل الفطرة السليمة الصحيحة المستقيمة فهذا دليل سلفي دليل شرعي كان أئمتنا يقولون عليه ويأخذون به.
وأما الدليل المبتدع المذموم فله قسمان تعمق عقلي ووجد بعد ذلك ذوقي يجده الإنسان في نفسه مع انه يرى يجب أن نطيع النبي ﵊ فيما أمر ويجب أن نطيعه وأن ننتهي عما نهانا عنه وحزر ويجب أن نصدقه فيما أخبر لكنه يدخل كشفه وهوسه ووجده وذوقه كما أن ذاك يدخل تنطعه العقي في الأدلة أربعة، دليل الشرع من كتاب وسنة، دليل الفطرة المستقيمة، ودليل العقل المتعمق فيه، دليل الكشف والذوق والوجد ورضي الله عن أئمة الصوفية وذوقه.
стр. 4781
كما أن الذين يعرضون ما يقع في قلوبهم على شرع ربهم كحال أبي سليمان الداراني وغيره عندما كان يقول إنه لتقع في قلبي النكته من نكت القوم أي الإشارة من إشاراتهم وذوق من أذواقهم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة على أن ما وقع في قلبي حق شرعي وهذا من فتح الله على وليس هذا من أراجيف الشيطان وتسويلاته ووسوسته إذا هؤلاء نفاق أصغر نفاق عمل يريد بعمله وجه ربه يريد بالعلم وجه الله لكن لا يطلبه من خيره لا يعمل على حسب أمر الله يدخل العقل مع أنه كما قلت لا يأتي بما ينقض الإسلام يدخل الذوق يدخل الكشف، فكل هذا كما قلت من النفاق الأصغر من نفاق العمل وإذا كثر هذا النفاق في صاحبة نقد يخرج من إيمانه عند موته ولذلك يلقى الله ملتحقاً بالصنف الأول ولو قدر أنه لم يختم له عل الكفر فأمره موكول إلى الله ، ونسأل الله أن يحسن ختامنا.
ويدخل في هذا النوع من النفاق ما قرر أئمتنا كما في مجموع الفتاوى في الجزء السابع للإمام بن تيمية وهكذا قرره في الجزء الثامن والعشرين في صفحة خمس وثلاثين وأربعمائة ٤٣٥هـ وما بعدها يقول: يدخل في هذا النفاق عدم الجهاد في سبيل الله وأن يكذب الإنسان في قوله إذا حدث وأن يخلف وعده إذا وعد وأن يفجر في المخاصمة إذا خاصم، كل هذا يدخل في النفاق لكنه كما قلت نفاق العمل ليس بنفاق التكذيب والكفر.
стр. 4782
وقد قرر نبينا ﷺ هذا، ففي مسند الإمام أحمد والكتب الستة إلا سنن بن ماجة من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر] إن الفجور عند المخاصمة والكلام البذيء هذا ليس من خصال المؤمنين فإذا خاصمت تكلم بكلام شرعي تعطي الإنسان ما يستحقه من كلام وأنا أعجب في الألقاب والأوصاف أين العفة في اللسان وأين مراقبة الرحمن في الكلام أليست الخصومة من صفات المنافقين أليس الفجور في الخصومة من صفات المنافقين؟ وإذا خالفته في مسألة كأنه يعلم ما في قلبك وكأنه يعلم مصيرك ويصور الأحكام بعد ذلك عليك وكأنه هو الذي خلقك وستؤول إليه، رفقاً بنفسك أيها الضال رفقاً بنفسك أيها المخرف إذا خاصمت فقل الحق ونسأل الله أن يرزقنا كلمة الحق في الرضا وفي الغضب وأن يلزمنا الحق والصواب في جميع أمورنا، فإذا خاصمت فلا تفجر من خصال المنافقين، [إذا خاصم فجر] .
هكذا وردت الأحاديث بذلك، ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان] والحديث رواه الإمام النسائي بسند صحيح عن عبد الله ابن مسعود موقوفاً عليه من قوله وهو مرفوع أيضاً من قول نبينا ﵊ في الرواية المتقدمة التي ذكرتها، هذا كله كما قلت من نفاق العمل، أن يقول الإنسان مع وفي مجالسته لأصحابه كلاماً إذا خرج عنهم قال بخلافه هذا هو النفاق.
стр. 4783
وقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب الأحكام باباً يشير فيه إلى هذه القضية فقال (باب ثناء السلطان وإذا خرج قال بخلاف ذلك وثناء السلطان: أي ثناء الناس وثناء الرعية عليه وهو من إضافة المصدر إلى المفعول ولا يحتمل الكلام إلا هذا (باب ثناء السلطان) أي ثناء الناس على السلطان إذا اجتمعوا به وإذا خرج هذا المثنى والمادح قال بخلاف ذلك والأثر في صحيح البخاري ورواه الإمام أحمد في مسنده أنه قيل لعبد الله ابن عمر ﵃ أجمعين إنا ندخل على السلطان فنقول كلاماً وإذا خرجنا قلنا غيره قال كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله ﷺ إذا قابلت السلطان فالواجب عليك أن تتقي الرحمن وأن تؤدي النصيحة له ولعباد الله وأما إذا دخلت عليه مدحته وإذ خرجت بعد ذلك من عنده ذممته ووقعت في عرضه أي ديانة تتصف بها أيها الإنسان عندما تقدم بهذا المسلك الذي لا يرضاه الرحمن كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله ﷺ ، كل هذا كما قلت من نفاق العمل ومن نفاق العمل أن يتحجج الإنسان بأنه قرأ القرآن وأنه أعلم عباد الرحمن وأنه وأنه ... ومن طلب العلم لله كسره ومن طلب العلم بعد ذلك للجدال والدعوى أهلكه في الدنيا وفي الآخرة، وإذا طلب العلم لله كسره وجعله خاشعاً قانتاً مخبتاً منيباً وقد أخبرنا نبينا ﷺ أنه بعد أن تفتح البلاد وينتشر الإسلام فيها سيظهر أقوام أسأل الله ألا نكون ممن عناهم نبينا ﵊ فاستمع لهذا الحديث وإسناد الحديث حسن والحديث رواه الإمام أحمد ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير وأبو يعلى أن العباس بن عبد المطلب عم نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وإسناد الحديث فيه موسى بن عبيد كما قال الإمام الهيثمي في المجمع فيه ضعف، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله ابن عباس ﵄، والأثر الثالث حسنه الحافظ المنذري
стр. 4784
إسناده في الترغيب والترهيب فقال إسناده حسن إن شاء الله وليس في الإسناد إلا هند بنت الحارث الخيثمية وهي تابعية وثقها بن حبان وقال ابن حجر في التقريب إنها مقبولة ولذلك قال الهيثمي في المجمع وجميع رجاله ثقات إثبات إلا هند وقال لم أقف على جرح ولا تعديل فيها.
وكما قلت إخوتي الكرام وثقها ابن حبان وحكم عليها الحافظ ابن حجر بأنها مقبولة والإمام المنذري في الترغيب والترهيب، يقول عن إسناد الحديث حسن إن شاء الله من رواية عمر والعباس وعبد الله ابن عباس ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر وحتى تخوص الخيل في سبيل الله فيظهر أقوام يقرءون القرآن فيقولون قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا ومن أعلم منا ومن أفقه منا ثم التفت النبي ﷺ إلى أصحابه فقال هل ترون في أولئك من خير قالوا الله ورسوله أعلم على نبينا صلوات الله وسلامه قال أولئك منكم من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار] من أعلم منا من أفقه منا من أقرأ منا قرأ ليتحجج ولتظهر مكانته في هذه الحياة وليس عنده خشية من رب الأرض والسماوات.
стр. 4785
إخوتي الكرام: هذا نفاق العمل كما قلت لا يمكن أن تخلو منه لكن لابد من محاسبة النفس ما بين الحين والحين، يا عبد الله لا يمكن أن تكون من المؤمنين الصادقين وبريئاً من خصال المنافقين إلا كان قلبك خالصاً لرب العالمين سليماً على عباد الله الموحدين المؤمنين، أمِنَكَ عباد الله على الدوام فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، والغش ينافي الإيمان ويجعل الغش من المنافقين اللئام وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن النسائي، والحديث في منتقى الإمام بن الجارود ومستدرك الحاكم، الحديث رواه الطحاوي في مشكل الآثار والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من غش فليس مني من غشنا فليس منا، ليس منا من غش] ، لا يجتمع إيمان مع غش وإذا كنت تغش عباد الله جل وعلا وتضمر لهم في قلبك العداوة والبغضاء والسوء فاعلم أنه عندك خصلة من خصال المنافقين ولا يتنزه الإنسان من ذلك إلا إذا جعل قلبه خالصاً لرب العالمين سليماً نحو عباد الله المؤمنين وإذا اتصفت بذلك وكل من يتصف بهذا فهنيئاً لك.
стр. 4786
ثبت في مسند الإمام أحمد بسندٍ صحيح على شرط الشيخين كما نص على ذلك الإمام الهيثمي والمنذري والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء من رواية أنس ابن مالك ﵁، والحديث رواه البزار، أيضاً أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهم جلوس معه [يطلع عليكم من هذا الفج: طرفين بين جبلين، [يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من الماء وقد أمسك نعليه بشيء له ثم دخل مسجد النبي ﵊ وجلس معه ومع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وفي اليوم الثاني قال النبي ﵊ يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلع الرجل الأنصاري التقدم تنطف لحيته بالصفة المتقدمة وفي اليوم الثالث كذلك] .
стр. 4787
ثبت في رواية البزار أن الذي طلع هو سعد وإذا كان من الأنصار فتحمل هذه الرواية على أنه سعد ابن معاذ وسيأتينا أيضاً في رواية أنه سعد ابن مالك فهو في الرواية الثانية كما سأوضح فهو سعد ابن أبي وقاص، وأما في هذه الرواية فقد صرح بأنه من الأنصار، قال أنس ابن مالك (فقام عبد الله ابن عمرو ﵃ أجمعين إلى هذا الأنصاري وقال له حصل بين والدي ملاحاه خصومة وقد أقسمت ألا أبيت عنده وألا أكون عنده ثلاثة أيام فإن شئت أن تضيفني فعلت وإنما أراد بهذا الكلام أن يتوصل إلى ما يفعله هذا الإنسان ثم سيخبره بحقيقة الأمر وليس ذلك من باب الكذب إذا بين بعد ذلك في نهاية الأمر، إنما أراد أن يتوصل إلى مقصود تولى بهذا الكلام ثم وضع حقيقة كلامه فقال له هذا الأنصاري) ، نعم ﵃ أجمعين (يقول فذهبت إلى بيته فوضع فراشه بجوار فراشي فنام ورأيته إذا تعار من الليل يسبح الله ويحمده ويكبره سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر وما كان يفعل غير هذا حتى إذا صار قبيل الفجر قام وذهب بعد ذلك إلى مسجد النبي ﵊ فلما مضت الأيام الثلاثة وكدت أن أحتقر عمله قلت يا عبد الله ماذا تفعل قال هو ما رأيت فقال عبد الله ابن عمرو ﵃ أجمعين ما بين والدي وبيني ملاحاه ولكن أخبرنا النبي ﷺ من ثلاثة أيام بأنك من أهل الجنة فأردت أن أعلم ما تفعل لأعمله، قال هو ما رأيت) يقول فلما قفيت ووليت ناداني فقال أخبرك ليس في قلبي غش لأحد من عباد الله ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه) لا غش ولا حسد، (فقال عبد الله ابن عمرو ابن العاص ﵃ أجمعين بهذه بلغت وهي التي لا نطيق ليس في قلبه غش لمسلم ولا حسد على خير أعطاه الله إياه، هذا من سلامة الإيمان وصدق الإنسان في إيمانه، فهنيئاً له عند خاتمته.
стр. 4788
والحديث إخوتي الكرام رواه الإمام البيهقي والبزار مختصراً وسمى الرجل بأنه سعد ابن مالك وهو سعد ابن أبي وقاص ﵃ أجمعين، وفي رواية البيهقي تفصيل لحال هذا الرجل يقول عبد الله ابن عمرو ابن ﵃ أجمعين قال إذا كان قبيل الفجر استيقظ الرجل وصلى وذهب إلى مسجد النبي ﵊ فصلى ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة بسورة من المفصل لا من طواله ولا من قصاره والمفصل يبتدأ من سورة (ق) إلى نهاية القرآن، يقول وكان إذا جلس يدعو بعد التشهد بثلاث دعوات فيقول اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اكفنا ما أهمنا من أمر دنيانا وآخرتنا، اللهم إلى أسألك الخير كله وأعوذ بك من الشر كله يفعل هذا فلما انقضت هذه الأيام سأله عن فعله فقال هو ما رأيت ثم قال له لا أحد في قلبي غشاً ولا حسداً لأحد من عباد الله على خير أعطاه الله إياه.
إخوتي الكرام: من اتصف بذلك فليس في قلبه غش ولا حسد فقد برأ من نفاق العمل أسأل الله جل وعلا أن يبرأنا من النفاق وأن يجعل أعمالنا صالحة ولوجهه خالصاً وأن يحسن ختامنا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه ونسأله أن يسلمنا ويسلم الخلق منا إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.
أقول هذا القول واستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا وأرض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
стр. 4789
عباد الله: من تأمل حالنا يرى تغاير سرنا من علننا فيما يتعلق مع ربنا وفيما يتعلق مع بعضنا وهذا لا شك يوجب فينا النفاق، وإذا كان كذلك فينبغي أن نخشى من الله وأن نخافه وأن نجاهد أنفسنا وأن نقلع عن الصفات الذميمة التي فينا وأن نستعد اليوم الذي تشخص فيه الأبصار وتتقلب فيه القلوب في تلك الدار إذا كان هذا فينا وهو موجود فينبغي أن يعظم خوفنا من ربنا جل وعلا كما نعت الله بذلك عباده الطيبين لكن الذي يتأمل أحوالنا أيضاً، تأملا آخر ثانياً يرى أننا في غفلة لاهون مع تقصيرنا في حق ربنا جل وعلا ومع عدم حسن صلتنا مع بعضنا فنحن في الأمرين مقصرون ومع ذلك غافلون لاهون وقد أشار معاذ ابن جبل ﵁ وأرضاه إلى ما سيقع في هذه الأمة ونسأل الله أن يحسن ختامنا وأن يلطف بنا وأن يحسن أحوالنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فقال كما في مسند الدارمي يقول معاذ ابن جبل ﵁ وأرضاه (سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافث يقرؤونه فلا يجدون له لذة ولا شهوة يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أعمالهم كلها طمع لا يخالطها خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً) .
نعم هذا حال المغرورين المعتوهين في الأمم السابقة وهو حال المنافقين في هذه الأمة، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (لأعراف:١٦٩) .
стр. 4790
هذا حالنا مع ربنا جل وعلا نقرأ كلامه بلا شهوة ولا لذة ثم بعد ذلك أعمالنا كلها طمع ليس فيها خوف وإذا قصرنا نقول سنبلغ، وإذا أسأنا نقول سيغفر لنا وكأن النار خلقت للصحابة ولم تخلق لنا حتى اشتد خوفهم من ربهم جل وعلا وحصل الأمن فينا ونسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأما تغاير الأحوال والسر والعلن فيما بيننا فحدث ولا حرج إذا اجتمعت مع الناس مدحوك وإذا غبت عنهم بألسنة حدادٍ سلقوك إخوان العلانية وأعداء السر ولكثرة صلات الناس ببعضهم كان أئمتنا يقولون إذا سمعت بصديق صدقه فلا تصدقه، نعم رحل الأخوان الكرام وبقى الأخوان الذي لا يخشى الرحمن، زمان كل حبٍ فيه خَبُّ وطعم الخيلِّ خَلُّ لو يُذاق، لهم سوق بضاعتُه نفاق، فنافق فالنفاق له نفاق، قيل للحسن البصري رضي الله ورضوانه عليه يزعمون أنه لا نفاق في البصرة قال سبحان الله لوا نعدم المنافقون لاستوحشتم الطرقات ولو كان للمنافقين أذناب لما استطعتم أن تدخلوا الأسواق، النفاق انعدم هذه أحد التابع بعضنا وتلك صلتنا بربنا ووالله لا أقول هذا تعييراً لواحد بعينه وما أعلمه من نفس أضعاف أضعاف ما أعلمه من غيري إنما لابد إخوتي من النصح والتناصح ونحن نقول هذا وهو واقع فينا ولا ينجو منه أحد عباد الله وعلى غيره عبد الله الإنسان على نفسه بصيرة وما تعلمه من نفسك أضعاف أضعاف ما تعلمه من غيرك فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يلهمنا رشدنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 4791
اللهم صلَّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة ونعوذ بك من كل شرٍ أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربوَّنا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعاء والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والعصر* إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر*﴾ .
стр. 4792
فضل العشر من ذي الحجة
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضل عشرة أيام من ذي الحجة
٢٧
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم. فما من دابة في الأرض إلا وعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) .
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عميا وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
стр. 4793
كنا نتدارس صفات الرجال الذين يعمرون بيوت ذي العزة والجلال وكنا نتدارس الصفة الرابعة من صفاتهم، وقد تكلمت على قسم منها وسأرجئ بقية الكلام عليها إلى ما بعد عيد الأضحى المبارك إن أحيانا الله ومد في حياتنا وأما هذه الموعظة والتي بعدها ستكونان فيما يتعلق في الأيام المقبلة الآتية المباركة التي سنستقبلها في وسط الأسبوع الآتي، آلا وهي عشر ذي الحجة وما يكون بعد ذلك في اليوم العاشر، وفي أيام التشريق.
إخوتي الكرام: حقيقة ينبغي أن نتكلم على أحكام هذه الأيام وعلى فضائلها لنغتنمها، ونكون على بينة من أمرنا وإذا كانت البلاغة حالها كما يقول علماؤنا الكرام مطابقة المقال لمقتضى الحال، فمن المعيب فينا حقاً أن نترك الكلام عن هذه الأيام لنتدارس غيرها، ولذلك ستكون موعظتنا هذه المباركة والتي بعدها كما قلت: في ما يكون في أيام العشر من أحكام، وفيما لها من فضائل.
إخوتي الكرام: أيام العشر أعني عشر ذي الحجة أيام عظيمة مباركة عند الله جل وعلا لا يوجد يوم من أيام السنة يعدلها عند الله فضيلة ورفعة، وقد أقسم الله جل وعلا بليالي هذه الأيام، وحصلت الفضيلة لليالي تبعاً لفضيلة الأيام فكم هي فضيلة الأيام يقول ذو الجلال والإكرام في سورة الفجر: (والفجر وليال عشر والشفع والوتر. والليل إذا يسر. هل في ذلك قسم لذي حجر) .
стр. 4794
أقسم الله جل وعلا بالفجر، والمراد منه طلوع الفجر لا يراد منه فجرٌ معين على التحقيق عند أئمتنا الكرام أقسم الله بطلوع الضياء وإشراق النور والبهاء بعد الظلام فهو فالق الإصباح وهو الذي جعل الليل سكنا وهو الذي جعل الشمس والقمر حسباناً بحساب وتقدير. فلا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌ في فلك يسبحون. سبحانه سبحانه هو الذي يأتي بالضياء بعد انتشار الظلماء. والفجر. وهذا هو المعتمد كما قلت إخوتي الكرام عند أئمتنا المفسرين وما قيل إن المراد بالفجر فجر يوم النحر أو فجر يوم عرفة أو فجر أول أيام عشر ذي الحجة أو فجر عشر أيام ذي الحجة كلها أو فجر أول يوم من السنة الهجرية أول يوم من أيام شهر الله المحرم ما قيل من هذه الأقوال فكل هذا من باب التمثيل لما يدخل في ذلك اللفظ وهو أعم من ذلك فيقسم الله بالفجر أي بسطوع النهار بعد أن خيم الظلام على البشرية والفجر وليال عشر: هي ليال عشر ذي الحجة هذا الذي رجحه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري وقال إنه هو الصواب وحكاه عن الإمام بن كثير في تفسيره ومال إليه وهذا قول جماهير المفسرين.
وهو المنقول عن ترجمان القرآن وجد الأمة بمدها سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وهو المنقول أيضاً عن عبد الله بن الزبير وعن مجاهدين جبر رضوان الله عليهم أجمعين وليالٍ عشر يعني ليالِ عشر ذي الحجة وليال عشر والشفع والوتر وقد أكثر أئمتنا الكرام مما يحتمله هذا اللفظ من معاني حسان فأوردوا عشرين قولا في المراد من الشفع والوتر لعل أظهرها وأوجهها والعلم عند الله أن المراد بالشفع الخلق بأسرهم فكل مخلوق له ما يوزاوِجُه وهو فرد وله ما يقابله فالمخلوقات كلها شفع "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون".
стр. 4795
ولا يوجد موصوف بأنه وِتْرٌ وَوَترٌ إلا الله جل وعلا: "قل هو الله أحد" "ليس كمثله شيء" "هل تعلم له سميا" فأقسم جل وعلا بالمخلوقات وأقسم بخالقها والشفع والوتر "والليل إذا يسر". إذا يسري وهو الذهاب والمشي والانتقال والزوال والليل إذا يسر والمراد من هذا الذهاب في الليل إما ذهابٌ لينقض وإما ذهابٌ ليأتي وقد فسر بالأمرين في هذه الآية والليل إذا يسر مقبلا والليل يسر مدبرا وهذا كما قال الله جل وعلا في سورة التكوير "والليل إذا عسعس" أقبل بظلامه وأدبر ليأتي الضياء بعده والليل إذا عسعس وهي من الأضواء إذا أقبل وإذا أدبر والليل إذا أقبل إذا سرى هذا الليل آتيا وإذا سرى هذا الليل موليا منقضيا.
وقيل إذا يسري فيه الناس وتقع ما تقع فيه من الأعمال والليل المراد فيه هنا كما هو المراد من الفجر مطلق الليل لا يراد منه ليلٌ معين وما قيل إن المراد بالليل هنا ليلة القدر أو إن المراد بالليلة هنا ليلة الجمع وهي ليلة المزدلفة فكل هذا إخوتي الكرام كما قلت من باب ما يدخل في هذا اللفظ العام ومن باب التمثيل عليه بأشهر أنواعه واللفظ أعم من ذلك والليل إذا يسر "هل في ذلك قسم لذي حجر" لذي عقل يحجره لمن فعل القبيح والسيء هذه المخلوقات تدل على عديم قدرة خالقها جل وعلا وعليه أقسم الله بهذه الأشياء أقسم بالمخلوقات وأقسم بخالقها أقسم بالمخلوقات التي خلقت لنا وأقسم أيضاً جل وعلا وهو الذي يقسم بما شاء جل وعلا من باب التنبيه إلى ما ذلك من المقسم به من عبرة وعظة ودلالة عظيمة على قدرة العظيم جل وعلا.
стр. 4796
الشاهد إخوتي الكرام: وليالٍ عشر: وانتبه لهذه الدلالة في هذه الآيات الكريمات كل أنواع المقسم بها في هذه الآيات وردت معرفة بالألف واللام إلا هذه الليالي فوردت منكرة الفجر معرف والشفع معرف والوتر معرف والليل إذا يسر معرف إلا الليالي "وليالٍ عشر" ما أتى بالتعريف فيها لم؟ لأنها معلومة وقد نوه الله بشأنها ودلل على عظيم أمرها حسبما بين نبيه على نبينا صلوات الله وسلامه ولذلك سماها الله بالأيام المعلومات فهي من الظهور بمكان فلا داعي لتعريفها.
بقول الله جل وعلا في سورة الحج: "وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" ويذكروا اسم الله في أيام معلومات.
ثبت في تفسير بن مردوية بإسناد صحيح كما قال الحافظ في الفتح عن عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما أنه قال الأيام المعلومات هي يوم التروية وما قبله من أول أيام ذي الحجة ويوم التردية ويوم عرفة ويوم النحر أي يريد أن يقول أن الأيام العشر من ذي الحجة هي الأيام المعلومات.
قال الإمام بن عباس رضوان الله عليهما وأما الأيام المعدودات فهما أيام التشريق يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده وعليه دخل يوم النحر في الأيام المعلومات ودخل في الأيام المعدودات التي أشار إليها رب الأرض والسموات في سورة البقرة: "واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون".
стр. 4797
فالأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة والأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة واذكروا الله في أيام معدودات عمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. وقول الله جل وعلا في الآية في بيان الأيام المعدودات فمن تعجل في يومين أي بعد يوم النحر فأراد أن ينفر وأن يخرج من مني بعد اليوم الحادي عشر والثاني عشر فإذا أراد أن يخرج في اليوم الثاني عشر فلا إثم عليه وإن أراد أن يتأخر لليوم الثالث عشر فلا إثم عليه.
وقوله: "لا إثم عليه" تحتمل ثلاثة معان أطهرها بشارة للحجاج الذين ينوون زيارة بيت رب العباد فلا إثم عليه أي من تعجل في يومين فقط سقطت ذنوبه وخرج منها كيوم ولدته أمه فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه فالله تعالى يقول: يا معشر الحجاج الذين زرتم بيتي لا إثم عليكم بعد زيارتكم سواء تعجلتم في يومين أو تأخرتم فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه أي ليس عليه إثم ولا وزر من الأوزار قد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومن تأخر فلا إثم عليه فالحج مبرور ليس له جزاء إلا الجنة ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه لكنّ هذه الجائزة لا ينالها إلا من اتقى لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين فمن تعجل في يومين فقد غفرت ذنوبه وسقطت عنه إذا كان تقياً ومن تأخر فقد غفرت ذنوبا وسقطت عنه إذا كان تقيا.
وهذا أرجح ما تحتمله الآية من أقوال ثلاثة قيلت في تفسيرها وهذا هو المنقول عن أربعة من الصحابة أولهم سيدنا علي ﵁ وأرضاه والعبادلة الثلاثة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وهو المنقول عن جم غفير من التابعين كمجاهدين جبر والإمام الشعبي والإمام النخعي ومعاوية بن قرة رضوان الله عليهم أجمعين فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه أي غفرت ذنوبه وخرج كيوم ولدته أمه فإن شاء فليتعجل وإن شاء فليتأخر.
стр. 4798
إخوتي الكرام: وقد كان في نيتي وفي عزمي أن نتدارس ما يتعلق بأحكام الحج منذ دخول شهر الحج شهر شوال لكن قدر الله وما شاء فعل في إكمال موضوعنا الذي بدأنا مدارسته وقد قدر الله له أن يطول فإن أحيانا الله جل وعلا للسنة الآتية نسمع من الأخبار المطربة التي تلتذ لها آذان المؤمنين وتطرب لها قلوبهم في فضائل الحج وفي منزلة الحاج إذا اتقى رب العباد وهذه بشارة عاجلة من قول الله جل وعلا فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الله في حجه لم يرفث ولم يفسق وهذا كما قلت هو أظهر المعاني الثلاثة التي تحتملها هذا الآية الكريمة.
والقول الثاني: من باب إكمال الفائدة من تعجل فال إثم عليه في تعجله ونفره ومن تأخر فال إثم عليه في بقائه وانتظاره أي أن الأمر فيه سعة فليختر ما شاء.
والمعنى الثالث: والذي ذهب إليه أبو العالية وغيره فمن تعجل فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه غفرت ذنوبه وخرج كيوم ولدته أمه لمن اتقى الله بعد ذلك بعد حجه ولم يجر منه فسق أو معصية والقول الأول هو الأظهر والأقوى وهو المنقول عن جم غفير من الصحابة وذكرت أربعة منهم وعن جم غفير من التابعين وهو أولى ما يحمل عليه كلام رب العالمين فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه أي قبِلَهُ الله وغفر له ما جرى منه من جميع أحواله بشرط أن يتقي الله في حجه وألا يجري منه فسق ولا معصية لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون.
стр. 4799
فالأيام المعلومات إخوتي الكرام هي عشر ذي الحجة والأيام المعدودات هي أيام التشريق ولذلك عندما أقسم الله جل وعلا بليالي عشر ذي الحجة في سورة الفجر نكرها دون أنواع المقسم به فكل المقسم به في تلك السورة المباركة ورد معرفا إلا هذا القسم به ألا وهو ليالي عشر ذي الحجة وليالي عشر لأنها معلومة ولا داعي لتعريفها وليال عشر ويذكر اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام كما تقدم في سورة الحج إخوتي الكرام فهي أيام معلومات وإذا كانت معلومات فقد جعل الله جل وعلا القسم بها في سورة الفجر منكرا لأنها معلومة.
"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليهتدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير".
إذاً هي أيام معلومات وقد اقسم بها رب الأرض والسموات أقسم بليال العشر واكتسبت هذه الليالي فضيلة لمنزلة هذه الأيام عند ذي الجلال والإكرام وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن منزلة هذه الأيام وعن شأن الأعمال الصالحات فيها عند ربنا الرحمن كيف تضاعف بما لا تضاعف في غير ذلك من الأيام.
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والسنن الثلاثة سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والحديث رواه البيهقي في السنن وهو في أعلى درجات الصحة فهو في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عباس ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: " ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُ إلى الله جل وعلا من عشر ذي الحجة قالوا يا رسول الله ﷺ ولا الجهاد قال ولا الجهاد إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء".
стр. 4800
ومضى الحديث أن العمل الصالح في هذه الأيام يفوق على ذلك العمل في غيره من الأيام فمن عمل صالحاً في هذه الأيام يضاعف له بما لا تضاعف الأعمال الصالحات في الأيام الأخرى مهما كانت منزلة تلك الأعمال فأجورها أقل من أجور الصالحات التي تجري في هذه الأيام ولذلك لو جرى م الإنسان في هذه الأيام ذكر تسبيح صلاة ضحى قيام ليل عمل صالح أجر هذا في عشر ذي الحجة أعظم من أجر الجهاد في سبيل الله في غير عشر ذي الحجة إلا في حالة واحدة من خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء عُفِّر وجهه في التراب وأريق دمه وقتل جواده هذا الذي يعدل أجره أجر العابد في عشر ذي الحجة وعليه فمن جاهد في عشر ذي الحجة له من الأجر ما لا يخطر بالبال ومن عمل صالحا في عشر ذي الحجة هذا العمل الصالح الذي أجره دون أجر الجهاد في غير ذي الحجة يزيد أجره على أجر الجهاد عندما يقوم بالعمل الصالح في عشر ذي الحجة فالعمل الصالح في عشر ذي الحجة يفضل أجر الجهاد في غير عشر ذي الحجة نعم لو جاهد فيعشر ذي الحجة فهذا له أجر عظيم لا يعلم به إلا رب العالمين.
ما العمل الصالح في أيام أحب فيها إلى الله من عشر ذي الحجة قالوا ولا الجهاد يا رسول الله ﵊ قال ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء.
وورد في بعض روايات الحديث من رواية عبد الله بن عباس أيضاً ﵄ كما في معجم الطبراني الكبير أن النبي ﷺ قال فاستكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر استكثروا من هذه الأذكار الطيبة النافعة وهذه الجمل الأربع إذا قالها الإنسان في أي وقت كان فهو أحب إلى الله جل وعلا من الدنيا وما فيها وأحب إلى نبينا ﵊ مما طلعت عليه الشمس فكيف لو قيلت في أيام العشر من ذي الحجة.
следующие страницы →