Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
وقد كان جبريل يعرض القرآن على نبينا الجليل عليهما صلوات الله وسلامه –كل سنة مرة في شهر رمضان، وأما في السنة التي قبض فيها نبينا ﵊ فعرض عليه القرآن مرتين في شهر رمضان كما في المسند والصحيحين والسنن الأربعة والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك من رواية أمنا عائشة ﵂ قالت: (لما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ يوم الاثنين وجد في الصباح خفه عليه صلوات الله وسلامه ونشاطاً فتفرق عنه أصحابه فجاء نساؤه لم يغادر منهن واحدة –كلهن حَضَرْنَ- واجتمعن حوله عليه وعلى آل بيته وأزواجه صلوات الله وسلامه ثم جاءت البَضْعةُ الطاهرة فاطمة ﵂ تمشي إلى النبي ﵊ وهو على فراش الموت عليه صلوات الله وسلامه تقول أمنا عائشة ﵂ ما تخطئ مِشيتُها مِشْيَة النبي ﷺ شيئاً وكانت أشبه الناس به ولاً وسمتاً وهدياً ومشية عليها وعلى أبيها وعلى آل بيت نبينا صلوات الله وسلامه فجاءت وسلمت على النبي ﵊ فرحب بها وقال: مرحباً يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله عليه صلوات الله وسلامه ثم أسرّ إليها شيئاً فبكت ﵂ وأرضاها فلما طال بكاؤها وكثر أسر إليها شيئاً آخر فضحكت ﵂ وأرضاها تقول أمنا عائشة ﵂ وأرضاها عجبت لهذه تبكي من أجل السرار خصها رسول الله ﷺ بالسرار- أي بسر – من بين نسائه ثم تبكي ﵂ وأرضاها قالت: فلما قام رسول الله ﷺ أي لحاجته قلت لها أخبريني ما الذي أبكاكي وماذا أسر رسول الله ﷺ إليكي؟ وقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ إني إذاً لَبَذِرَة أي مغشية للسر لا تحافظ على السر ولا تضبطه تقول أمنا عائشة ﵂ بعد ذلك أسألك بمنزلتي عندك لما أخبرتيني بما حدثك به رسول الله صلى الله
стр. 5077
عليه وسلم فقالت فاطمة ﵂ أما الآن فنعم ثم قالت هذه البَضْعة الطاهرة: أما المرة الأولى فأسر إليّ رسول الله ﷺ فقال يا فاطمة كان جبريل يعارضني القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان وقد عارضني القرآن هذه السنة مرتين في شهر رمضان ولا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري، فاتّق الله واصبري، فنعم السلف أنا لك، فنعم السلف أنا لك وأنت أول أهلي لحوقاً بي قالت فبكيت وكثر بكائي عليها وعلى نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.
ثم أسر إليّ ثانية فقال: يا فاطمة أنت أول أهلي لحوقاً بي وأنت سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء أهل الجنة –فضحكت – على نبينا وعلى آل بيته صلوات الله وسلامه عندما اقترب أجله عليه صلوات الله وسلامه نزل جبريل يدارسه القرآن مرتين على التمام في شهر رمضان فكان جود نبينا ﵊ يزداد ويزداد ويزدادْ من غير نقصان وقد لقي ربه بعد ذلك بأحسن حال (اللهم إنا نحتسبه عندك يا رب العالمين ونسألك أن تجمعنا في جنات النعيم إنك أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين اللهم صل على نبنيا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة وأوسطه مغفرة ولآخره عتقاً لرقابنا من النار اللهم ارزقنا صياماً وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا يارب العالمين اللهم تقبل الصلاة والصيام والقيام اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، اللهم أدخلنا الجنة بسلام بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين اللهم إنا نسألك في أول يوم من هذا الشهر الكريم أن تفرج عن أمة نبيك الكريم عليه صلوات الله وسلامه اللهم فرج عن المسلمين يا أرحم الراحمين اللهم ردهم إليك رداً جميلاً اللهم أعزّهم ومكن لهم إنك على كل شيء قدير.
стр. 5078
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا اللهم أغفر لمشايخنا ولمن علّمنا وتعلّم منا، الله أحسن لمن احسن إلينا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثثيراً.
أعوذ بالله من الشيطان، الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
(قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) .
стр. 5079
شروط قبول العمل
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شروط قبول العمل
٣٠
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
"يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون".
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبق منها رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا".
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما".
أما بعد: معشر الاخوة الكرام..
стр. 5080
أكيس البشر من يعمرون بيوت الله فقد وصفهم الله جل وعلا في كتابه بأنهم هم الرجال نعتهم بأربع خصال لا تلهيهم البيوع والتجارات عن طاعة رب الأرض والسموات يصلون لله ويسبحونه ويشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم يكونون على استعداد للقاء رب العباد في يوم المعاد "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار".
وكنا نتدارس الصفة الرابعة من صفات هؤلاء العباد الأكياس الطيبين ألا وهي خوفهم من رب العالمين وكنا نتدارس إخوتي الكرام في الموعظة السابقة وما قبلها أسباب خوف المكلفين من رب العالمين وفلت إنها كثيرة وفيرة يمكن أن تجمع في ثلاثة أسباب.
أولها: إجلال الله وتعظيمه وقد مضى الكلام على هذا السبب.
وثاني الأسباب: الخوف من سوء الخاتمة.
وكنا نتدارس السبب الثاني من أسباب خوف المكلفين من رب العالمين خشيتهم في التفريط في حق الله جل وعلا وهذه الخشية إخوتي الكرام تكون نحو ما أمر به ونهى عنه فما نهانا عنه ينبغي أن نجتنبه فهل اجتنابه على وجه التمام والكمال إذا لم يقع منا الاجتناب كذلك فحقيقة أمرنا على خطر ونحن نخطئ بالليل والنهار في حق الله وتقدم معنا أن المحقرات التي نحتقرها قد تردينا في أسفل الدركات ونسأل الله أن يعاملنا بفضله ورحمته وجوده وكرمه وامتنانه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
وقد تقدم معنا إخوتي الكرام ما يتعلق بهذا الأمر أعني تقصيرنا وتفريطنا نحو ما حرمه الله علينا كيف وقعنا في كثير منه ونسأل الله أن يتوب علينا.
وأما التفريط الثاني التفريط فيما أمر الله باكتسابه فيما أمر الله بفعله أي بطاعته عن طريق القيام بالمأمورات على وجه التمام والكمال.
стр. 5081
إخوتي الكرام: تقدم معنا أن الإنسان لا يسلم من المنهيات ومن التقصير فيها إلا إذا اجتنبها كلها صغيرها وكبيرها سرها وعلنها وهكذا لا يسلم الإنسان على وجه التمام إلا إذا قام بجميع ما أمر به ذو الجلال والإكرام.
يقول الله جل وعلا في سورة الأنفال مقررا هذا الأمر: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أؤلئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم".
فتأمل أخي الكريم هذه الصفات هل اتصفت بها لتكون من المؤمنين حقا عند رب الأرض والسموات الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. خافت واقشعر الجلد عند ذكر الله . وجل القلب واقشعر الجلد ودمعت العين كما هي صفات عباد الله عندما يُذكر الله وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا. وعلى ربهم يتوكلون. ثقة قلوبهم بربهم وهذه هي حقيقة التوكل الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا.
وعليه من لم يتصف بهذه الصفات فقد فرط في درجت الإيمان وقصر في حق الرحمن وهكذا يقول رب الأرض والسموات في سورة الحجرات: "إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون".
стр. 5082
فهل تحقق هذا فينا على وجه التمام والكمال كل إنسان على نفسه بصيرة إخوتي الكرام اسمعوا لهذه الآية التي في سورة البقرة وكيف شرط الله أموراً كثيرة فيها لحصول التقوى ولا ينجح العبد عن الله إلا إذا كان من المتقين يقول الله جل وعلا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".
هؤلاء الصادقون وهؤلاء هم المتقون الذين يتصفون بهذه الصفات إخوتي الكرام ولو قام الإنسان بجميع المأثورات وما فرط في شيء منها فهو أيضاً شديد الوجل من الله خشية أن يمون قد قصر في القيام بتلك الطاعات وفرط في شروطها الواجبات أو المستحبات ولذلك نعت الله عباده الطيبين الذين يجدون ويجتهدون في طاعة رب العالمين بأنهم يخافون مع أنهم يحسنون.
يقول الله جل وعلا في سورة المؤمنون: "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون" والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون". قاموا بهذه الأعمال وقلوبهم مع ذلك وجلة خائفة من ذي العزة والجلال.
стр. 5083
وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الحاكم في مستدركه والحميدي في مسنده ورواه الطبري في تفسيره والبغوي في تفسيره أيضا في معالم التنزيل وابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردوية وهكذا ابن المنذر وغيرهم والحديث تقدم معنا ودرجته حسن ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ في تفسير الطبري وغيره ولفظ الحديث " عن أمنا عائشة ﵂ وأرضا قالت يا رسول الله ﷺ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف. "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" قال لا يا بنت الصديق هو الرجل يصوم ويصل ويتصدق ويخاف ألا يقبل الله منه لتفريطه في بعض شروط ذلك العمل الذي أمر به وهذا من باب خشيتهم ومن باب احتياطهم ومن باب كياستهم أنهم يحسنون الأعمال ومع ذلك يخافون من ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام: لا يمكن لإنسان مهما كان أن يضمن لنفسه أنه قام بشروط العمل الصالح بحيث يكون ذلك العمل مقبولا عند ربه ثم لو قدر أن الإنسان اجتنب جميع المحذورات والمحظورات وترك المنهيات وفعل جميع المأثورات من واجبات ومستحبات بالصفة المطلوبة لو قدر فإن ذلك فعلاً وتركاً إكتساباً واجتناباً لا يفي بشكر نعمة من نعم الله عليك فينبغي أن ينقطع قلبك إذا خوفاً من ربك جل وعلا وبهذا نعت الله عباده الذين يعمرون بيوته في هذه الأرض قال جل وعلا: "يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار".
إخوتي الكرام: إن العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا ذا وجدت شروط فيه وشروط في فاعله ثم بعد ذلك إذا اكتملت الشروط في هذين الأمرين لا يفي هذا العمل مهما كثر بنعمة من نعم الله عليك فاستمع أخي الكريم لتقدير هذا الأمر في هذه الموعظة إلى شروط قبول العمل في العمل وفي العامل ثم بعد ذلك إذا حصلت هذه الشروط ووجدت هذه الأعمال الصالحة فلا تفي هذه الأعمال شكراً لنعمة من نعم الله .
стр. 5084
أما العمل فلا يقبل عند الله إلا بشرطين اثنين.
أولهما: أن يكون صالحاً أعني مشروعا إني تتبع فيه النبي ﷺ فلا تفعله على حسب رأيك وعرفك ولا بأي دافع كان إنما يفعل هذا على حسب شريعة نبينا ﵊ وإذا استحسنت فقد شرعت ومن أدخل هواه في الاستحسان والتقبيح والتحليل والتحريم فقد جعل نفسه نداً لله العظيم والله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً أعني ما أخذ من مشكاة نبينا ﵊ فإذا عملت على حسب رأيك وذوقك وعرفك فعملك مردود عليك ولن يقبل عند ربك .
كما ثبت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه والحديث رواه الإمام الداراقطني والبيهقي والإمام الطيالسي وهو من أصح الأحاديث فهو في الصحيحين كما سمعته من حديث أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت سمعت النبي ﷺ يقول: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي رواية لمسلم وغيره " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " عمل عملاً غير مشروع وزعم أنه يتقرب به إلى الله فهذا العمل مردود ولا يقبل من عمِل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
نعم كل من بغير علم يعمل أعماله مردود ولا يقبل. من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. نعم كل من بغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل فينبغي أن تكون أعمالك على حسب العلم النافع الذي أخذ من نبينا ﵊ وكل عمل تراه أنه صالح ولا تتبع فيه سيد الصالحين خاتم النبيين عليه وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه فعملك مردود عليك.
ينبغي أن يكون العمل صالحاً وينبغي أن يكون لله خالصاً وهذا هو الشرط الثاني في العمل فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً وهو أغنى الشركاء عن الشرك ومن عمل عملاً أشرك فيه مع الله أحداً فهو للذي أشرك والله منه بريء فإذا عملت الصالحات ينبغي أن تريد بعملك رضوان رب الأرض والسموات.
стр. 5085
وقد قرر نبينا ﷺ هذا في أحاديثه الكثيرة ففي المسند والصحيحين والسنن الأربعة من حديث الخليفة الراشد الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ مانوى فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. إنما الأعمال صحةً وفساداً وقبولاً ورداً ثواباً وعقاباً بالنيات عملت الصالحات فلا تقبل إلا إذا كانت النية صالحة وإلا ترد عليك وتعاقب عليها ولذلك من هاجر ابتغاء وجه الله وطلباً لمحبة رسول الله ﵊ فأجره لن يضيع عند الله. ومن هاجر من أجل عرض دنيوي فعمل صالحاً لكنه أراد به غير الله أراد به تجارة أو زواجاً فهذا تاجر وذاك خاطب وليس له على هجرته ثواب عند الكريم الوهاب ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
نعم إخوتي الكرام: لابد من إخلاص النية للرحمن في جميع ما نقوم به من أعمال في هذه الحياة ومن الذي يدعي هذا لنفسه إن أحسن الأعمال وأفضلها عند الله العلم النافع الذي يهتدي به الإنسان في هذه الحياة وهذا العلم إذا فسدت نية الإنسان في تعلمه فشقاءًا ثم شقاءاً له.
стр. 5086
ثبت في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ورواه البيهقي في شعب الإيمان والإمام بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه وروى الحديث أيضاً من رواية جابر بن عبد الله وكعب بن مالك ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال "من تعلم علماً مما ينبغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها سبحان الله طلب أشرف الأعمال وعمل صالحاً عندما فسدت نيته حرمت عليه الجنة من تعلم علما ما يبتغي به وجه اله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة ومن الذي يضمن صحة النية وسلامتها لنفسه فينا من التخطيط والتكدير في أعمالنا ونياتنا ما لا يعلمه ولا يحيط به إلا الذين خلقنا نسأل كما سترنا في هذه الدنيا أن يسترنا بعد الممات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام: يقول أئمتنا كما هو قول أمير المؤمنين وسيدهم في الحديث شعبة بن الحجاج يقول هذا العبد الصالح في حق بعض عباد الله المحدثين ألا وهو هشام الدستوائي الذي توفي سنة ١٥٤هـ وحديثه في الكتب الستة يقول شعبة بن الحجاج م نعلم أحداً طلب العلم ويريد به وجه الله لا هشام صاحب الدستوائي وهشام يقول الذي قيل فيه هذا يقول عن نفسه رحمة الله عليه وعلى المسلمين أجمعين يقول: والله ما أستطيع أن أقول إنني خرجت في يوم قط أطلب العلم أريد به وجه الله ويعلق الإمام الذهبي على هذا في سير علام النبلاء في ٧/١٥٢ فيقول أنا والله ما أستطيع ن أقول إني طلبت العلم وأريد به وجه الله إذا كان هؤلاء أئمتنا الأخيار يقولون هذا عن حالهم وعن وضع نياتهم فماذا نقول نحن نعم إن الأمر كما قال بعض الصالحين مخبراً عن هذه الحقيقة:
стр. 5087
تعلم من استطعت لقصد وجهي ... فإن العلم من سبل النجاة
وليس العلم في الدنيا بفخر ... وإذا ما حل في غير الثقات
ومن طلب العلوم لغير وجهي ... بعيد أن تراه من الهداة
وهكذا سائر الأعمال إخوتي الكرام إذا لم يخلص الإنسان فيها لذي العزة والجلال فهي وبالٌ عليه فهذا هو الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام إذا فسدت النية فيه فشقاءاً لصاحبه عند الرحمن.
ثبت في المسند ومستدرك الحاكم وسنن النسائي بإسناد صحيح من رواية عبادة بن الصامت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:" من غزا ولم ينو من غزوته إلا عقالا فليس له إلا ما نوى " سبحانك ربي عمل صالحاً وعرض نفسه للقتل وأسرته لليتم لكنه أراد الدنيا ولم يرد وجه الله بجهاده فليس له إلا ما نوى ليس له إلا هذا الحبل الذي يربط به البعير ويعقل من غزا ولم ينو من غزوته إلا عقالا فليس له إلا ما نوى شرطان إخوتي الكرام القبول العمل عند ذي الجلال والإكرام عمل صالح مشروع عمل تريد به وجه الله جل وعلا صالح خالص بذلك يكون العمل حسناً ويقبل عند ربنا الكريم قال الله جل وعلا في أول سورة الملك " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور " فلا قيمة للكثرة إذا كانت منحرفة عن شريعة الله لبلوكم أيكم حسن عملا وحسن العمل لا يكون إلا بأمرين إخلاص لله ومتابعة لرسول الله ﵊.
стр. 5088
قال سيد المسلمين في وقته الإمام أبو على الفضيل بن عياض عندما تلى هذه الآية ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال أخلصه وأصوبه قيل ما تعني بهذا يا أبا على الصواب أن يكون على السنة والإخلاص أن يراد به وجه الله فمن عمل عملاً صواباً ولم يرد به وجه الله فهو مردود عليه ومن أراد وجه الله يعمله ولم يكن صواباً فهو مردود عليه فلا يقبل العمل عند الله حتى يكون صواباً صالحاً على سنة النبي ﵊ وتريد به وجه الرحمن وهذا كما قال الله جل وعلا في سورة الكهف: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم حسن عملا" أخلصه وأصوبه يتبعون في أعمالهم النبي ﵊ ويريدون بأعمالهم وجه ذي الجلال والإكرام.
إخوتي الكرام: وهذا الأمران أعني الإخلاص لله والمتابعة لنبيه ﵊ هما مدلول كلمة التوحيد التي يدخل بها الإنسان في الإيمان لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ لا إله إلا الله إخلاص لله في جميع شئون حياتنا قل ن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت أنا أول المسلمين ومتابعة لرسول الله ﷺ محمد رسول الله فهو إمامنا الذي نقتدي به عليه صلوات الله وسلامه وفداؤه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا وأمر من عداه يعرض على أمر نبينا ﷺ فإن وافقه فهو ق وصدق وإلا فهو ظلم وباطل يطرح إخوتي الكرام شرطان لقبول العمل أن يكون العمل صواباً وأن يكن خالصاً ثم عندنا شرطان أيضاً في العامل لا بد منها من أجل أن يقبل عند الله الشرط الأول في العامل أن يكون تقياً فإذا عملت العمل الصالح وهو صواب وأردت به وجه الكريم الوهاب لكن ليست فيك صفة التقوى وما عندك حصانة المتقين فعملك لن يوصلك إلا إلى سجين لأن الله لا يتقبل الأعمال إلا ممن هذا وصفه.
стр. 5089
يقول الله جل وعلا في كتابه في سورة المائدة إخبارا عما جرى بين ولدي آدم على نبينا ﵊ فيقول: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فثقيل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لا أقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين" قرب قابيل شيئاً هزيلاً إلى الله الجليل وقرب أخوة هابيل شيئاً عظيماً إلى الله الجليل فأتى بأعظم كبش سمين وقربه إلى رب العالمين وكان القربان إذا قرب وتقبل نزلت نار من السماء فأخذته كما كان هذا هو حال المغانم وما أحلت المغانم لأمة من الأمم إلا لهذه الأمة المباركة المرحومة كما في الصحيحين وغيرهما وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وكانوا إذا جمعوا المغانم ولم يكن فيها غلول ولا خيانة نزلت نار من السماء فالتهمتها وأخذتها دليل قبولها.
وأما هذه الأمة فقد سترها الله في هذه الحياة فإذا كان هناك غلول وخينة فلا يكشف ثم من عليها بعد ذلك بأن تأكل هذه الغنائم حلالاً طيباً فكلوا مما غنمتم حلالا طيباً اختلف قابيل وهابيل في موضوع زواج في ذلك الوقت وكل واحد يريد أن يتزوج تلك المرأة التي فيها صفة الحسن والجمال ثم كان بعد ذلك منهما أن قربا قرباناً إلى الله فمن تقبل قربانه هو الذي يتزوج تلك المرأة فقدم هابيل قرباناً طيباً عظيماً جميلاً وهو من المتقين وقابيل قرب قرباناً خسيساً خبيثاً وهو من الفاجرين فنزلت النار من السماء فأخذت قربان هابيل وتركت ذاك إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين السألة لا محاباة فيها إذا أخلصت لله سيقبل الله قرباتك نما يتقبل الله من المتقين.
стр. 5090
إخوتي الكرام: هذه الصفة لا بد من وعيها فلا يقبل الله جل وعلا العمل إلا إذا صدر من تقي لله إنما يتقبل الله من المتقين فلا بد من تحصيل التقوى ليكون العمل مقبولا عند المولى جل وعلا وهكذا جعل الله جل وعلا هذه الصفة صفة التقوى شرطاً لقبول الأعمال ولما يترتب عليها من طيب الخصال في جميع الأعمال الصالحة فعبادة الحج مع مكانتها وظسم الأجر الذي لها لا يحصل الإنسان تلك الأجور إلا إذا كان من المتقين يقول الله جل وعلا مقررا هذا في سورتي البقرة: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون" فمن تعجل فلا إثم عليه غفر الله له ذنوبه وخرج كيوم ولدته أمه ومن تأخر فله تلك الجائزة بشرط أن يكون الأول والثاني ممن فيهم صفة التقوى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون.
نعم إن الدار الآخرة جعلها الله للمتقين ولا يقبل العمل إلا إذا كان العامل تقياً فيا عبد الله إذا عملت صالحاً وأردت به وجه الله لكن ليس في نفسك تلك الحصانة أعني حصانة التقوى وهي التي تبعثك على ترك المنهيات وتبعثك على فعل المأثورات وهي التي تجعلك لا تنهمك في المباحات واللذائذ في هذه الحياة ولا يعني هذا أنك معصوم وأنك لن تفرط في حق الحي القيوم لكن شتّان شتان بين من يقع في الذنب اتفاقاً وعرضاً وبين من يقصده ويقع فيه أعراضاً عن شريعة الله فكل نبي آدم خطاّء لكن إذا لك تكن في نفسك صفة التقوى أنت تحرص على الخطيئة وتسعى إليها وإذا كانت في نفسك صفة التقوى تقع فيها بمقتضى جبلتك وبشريتك التي لا تنفك عن قصور وتقصير ورحمة الله جل وعلا واسعة.
стр. 5091
وقد أشار نبينا ﵊ إلى هذا إخوتي الكرام فاستمعوا لهذا الحديث الذي يخلع القلوب ووالله لو استحضرناه عند نومنا وكنا نعلم ما سيؤول إليه حالنا بعد موتنا لعل الكيس منا لا ينام انظر لأناس عملوا من الصالحات ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات لكن لم يتصفوا بصفة التقوى هذه الحصانة ليست فيهم يتحينون الفرص لمعصية الله مع أنه صام وصلى وحج واعتمر لكن في نفسه ذلك الخبث وذلك الخبث يتحين فرصة لذلك وما يمنعه من ذلك إلا عجزه عنه مع أنه يقوم بأعمال صالحة كثيرة.
стр. 5092
ثبت الحديث بذلك في سنن الإمام ابن ماجه بسند رجاله ثقات وإسناده صحيح كالشمس من رواية ثوبان ﵃ مولى نبينا ﵊ والحديث رواه أبو نعيم في الحلية من رواية سالم مولى حذيفة رضي اله عنهم أجمعين ولفظ الحديث عن نبينا الأمين ﵊ أه قال:" لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباءاً منثورا" نسأل الله أن تجعلنا من هؤلاء يا أرحم الراحمين فيجعلها الله هباءاً منثورا فقال ثوبان يا رسول الله ﷺ صفهم لنا جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم قال ﵊ أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون بحظهم من الليل كما تأخذون لكنهم إذا خلوا إلى بمحارم الله انتهكوها. ما عنده حصانة إيمانية بحيث إذا عرضت عليه المغويات الردية يقول إني أخاف الله ما عنده هذه الحصانة يصوم ويصل ويحج ويعتمر لكن إن أمكنه أن يكذب كذب وإذا استطاع من محرم اغتنمه ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها وفي رواية الحلية ولكنهم إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه فصفة التقوى صفة هذه الحصانة فقدوها مع أنهم عملوا من الصالحات بمقدار جبال تهامة بيضا فجعلها الله هباءاً منثورا إنما يتقبل الله من المتقين قال مالك بن دينار كما في حلية الأولياء ﵏ جميعا فال هذا دلاله هو النفاق إذا لم يتصف الإنسان بحصانة التقوى فهو منافق أظهر هذه الأعمال الصالحة لكنه إذا خلا بارز الله بالمحاربة وإذا عرض له شيء من الحرام وثب عليه.
стр. 5093
فلابد من أن يكون الإنسان تقياً ليقبل عمله عند الله وذا قبل العمل فلن يقل التمرة تكون عند الله أثقل من جبل أحد لكن بشرط قبولها وأعمال كجبال تهامة بيضا تصبح هباءاً منثورا وكيف يقل ما تقبل وركعتان يقوم بها الإنسان في جوف الليل وهو تقي خير له من أن يراوح بين قدميه من العشاء إلى طلوع الفجر وهو شقي لابد إخوتي الكرام من هذه الصفة التي هي شرط لقبول الأعمال وهذا شرط في العامل ينبغي أن يتصف بتلك الحصانة إخوتي الكرام ولا يفهمن فاهم أنه إذا كان الإنسان تقيا لن يقع في تفريط وفي تقصير لا كلنا نخطئ ولكن كما قلت شتان بين من وطّن نفسه على الخطأ وبين من ينتظره وبين من يفرح به إذا حصله وبين من يقع فيه عرضا بمقتضى ضعفه وتقصيره وقصوره والنقص الذي في جبلته شتّان شتان وقد رسم لنا نبينا ﷺ صورة واضحة لغير المؤمن وما جعل من علامة المؤمن أنه لا يعصي لكن بيّن لنا ماذا يفعل المؤمن حال عصيانه وحال طاعته.
стр. 5094
ثبت الحديث في ذلك في مسند الإمام أحمد والبزار ومعجم الطبراني الكبير ومستدرك الحاكم من رواية أبي موسى الأشعري والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط والكبير والحاكم في المستدرك من رواية أبي أمامة الباهلي ورواه الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن من رواية عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين وروى أيضا في المسند من رواية عامر وروى أيضا في معجم الطبراني الأوسط من رواية علي ﵃ أجمعين ولفظ الحديث فهو صحيح عن نبينا ﵊ أنه قال: "من سرته طاعته وساءته معصيته فهو مؤمن" عنده هذه الحصانة الإيمانية وعنده هذه الخشية من رب البرية فإذا فعل طاعة فرح والتذ وإذا فعل معصية حزن واغتم وعليه إذا كان فعل الطاعات يفرحه فهو يحرص عليها ويستكثر منها ويبذل ما في وسعه لفعلها وإذا كان فعل السيئات يحزنه فهو يهرب عنها ويبتعد منها وإذا وقع فيها مقت نفسه في ذات الله هذا من علامة فرح الإنسان بطاعة الله ومن علامة استيائه بمعصية الله أما أنه يستاء ويستكثر من الاستياء لا إنك إن كنت تأكل شيئاً ضاراً يسوءك لا تعود إليه مرة ثانية وإذا كنت تأكل شيئاً تلتذ به وينعشك تعاوده وتكثر من أكله وهكذا الطاعات والمعاصي من سرته طاعته فهو مؤمن ومن ساءته معصيته فهو مؤمن.
المؤمن هو الذي تسوؤه معصيته وتسره طاعته. وإذا فعل الطاعة فما وجد لها سروراً وبهجة وفعل المعصية فما وجد في نفسه هما وغما وحزناً فليبك على نفسه وليعلم أنه من أهل الجحيم ولو أتى الله يوم الدين بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فلن يقبلها رب العالمين فليس فيه حصانة المتقين ولا يتقبل الله إلا من المتقين. إخوتي الكرام هذا الأمر لا بد أن نعيه شتّان شتان بين من يفعل الطاعة ويتلذذ في قرة عينه وإذا وقع في المعصية بمقتضى جبلته وقصوره وتقصيره ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه وأسرع إليه وتاب عليه.
стр. 5095
هذه الصفة الأولى: في العامل لابد من وعيها ألا وهي صفة التقوى فلا يتقبل الله إلا من المتقين.
والصفة الثانية: في العامل وقل من يعتني بها بل قل من يفكر فيها بل قد من يعلمها ألا وهي المحافظة على العمل بعد عمله والحافظة على الأعمال أصعب على العمال من سائر الأعمال ومثير من الناس حالهم كما قال القائل بنى قصراً لكنه هدم مصرا فما وفي غنمه بغرمه ما حصله من غنم في بناء هذا القصر لا يفي بالقرم الذي فعله عندما ظلم وهدم المصر بكامله كثير من الناس كذلك يفعل الحسنات ثم يأتي بما يحبطها ويبطلها عند رب الأرض والسموات ولا بد من المحافظة على العمل ينبغي أن تحافظ على عملك من فساده عند فعله ومن بطلانه بعد عمله والأمر.
стр. 5096
كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن القيم الجوزية عليه رحمات رب البرية ف كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب في صفحة إحدى عشرة يقول: وقليل من الناس من عنده خبر عما يفسد العمل عند فعله وعما يحبط العمل بعد فعله قليل من عنده خبر ويعتني بهذا وهذا لا بد من وعيه إخوتي الكرام: عملت فحافظ على هذا العمل وإياك أن تضيعه وإياك أن تحبطه عند الله إن الإنسان إذا تصدق ومَنَّ بعد ذلك بصدقته فهو من أهل النار وتقدم معنا أن الجنة محرمة على المنان يقول ذو الجلال والإكرام مشيراً إلى هذا في سورة البقرة: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم. يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير".
стр. 5097
لابد من المحافظة على العمل من إبطاله وكثير من الأعمال تُبطل أعمالك الصالحة وأنت لا تدري المحقرات التي ابتلى بها المخلوقات في الزمن القديم وفي هذه الأوقات تبطل الأعمال الصالحات وتوجب لفاعلها دخول أسفل الدركات مع أنه عمل الصالحات لكنها بطلت يقول الله جل وعلا عن هذا الصنف من المنافقين بعد أن ذكر أخبارهم في سورة التوبة (براءة) : "يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا وقد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين".
وهذه الآيات نزلت كما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵄ في مغازي ابن اسحق وغيره رحمة الله عليهم جميعاً في المنافقين الذين تكلموا على القراء على حملة القرآن فقالوا قراؤنا أكذبنا ألسنة وأرغبنا بطونا وأجبننا عند اللقاء فحكم الله بردتهم وكفرهم عندما حقروا شعائر الله جل وعلا: "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب" نمزح ولا نقصد بذلك الحقيقة "قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم".
كم من إنسان في هذه الأيام يستحقر ويستهزأ بشعائر الإسلام فلو كان عنده من الحسنات ما يزيد على جبال تهامه لحبطت وبطلت كم من إنسان في هذه الأيام تعرض عليه أمر النبي ﷺ يقول دعنا منه والله جل وعلا اعتبر رفع الصوت فوق صوت النبي ﵊ محبطاً للعمل فكيف بمن رد سنة النبي ﷺ "يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون".
стр. 5098
إخوتي الكرام: محبطات الأعمال كثيرة ينبغي للإنسان أن يحذر منها فإذا أتى بالصالحات وأراد بها وجه رب الأرض والسموات فليحافظ عليها من البطلان من الحبوط من الضياع أنظر هذه القصة التي جرت من صحابي في العصر الأول وجرت من باب الغفلة منه ﵀ ورضي الله عنه وتكلمت أمنا عائشة ﵂ فيم هذا كلاماً شديداً قاسياً ينبغي أن نعيه والقصة مروية في المسند ومصنف عبد الرزاق وسنن الداراقطني وسنن البيهقي وقد قال الإمام عبد البر الهادي في التنقيح إسنادها جيد من رواية العالية زوج أبي اسحق السبيعي أنها دخلت على أمنا عائشة ﵂ وعندها أم مُحِبة فقالت لها يا أمهاه لأمنا عائشة ﵂ وأرضاها أنني بعت جارية لزيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها منه نقداً بستمائة درهم باعته جارية خادمة بثمانمائة درهم إلى عطائه الذي يخرج في نهاية السنة أي إلى سنة بثمانمائة درهم ثم اشتريت منه الجارية بستمائة درهم نقداً فكأنها أعطت ستمائة درهم حالّة وستأخذ مكانها ثمانمائة درهم بعد سنة فقالت أمنا عائشة ﵂ بئس ما اشتريت وبئس ما اشتريت بئس ما اشترى زيد وبئس ما اشترت منه أخبري زيداً ن جهاده قد بطل مع رسول اله ﷺ إلا أن يتوب قالت أم محبة يا أماه فإذا أخذت رأس مالي آخذ من زيد ستمائة درهم ولا أطالبه بالزيادة فقالت أمنا عائشة ﵂ "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
стр. 5099
وهذه المبايعة هي التي تفرق ببيع العينة وهي أن تبيع الشيء بثمن كثير إلى مدة مؤجلة ثم تشتريه بثمن أقل حالاً بثمن معجل فهذا هو بيع العينة فإذا فعلت الأمة سلط الله عليها ذلا لا ينزعه عنها حتى ترجع إلى دينها والعينة هي احتيال علىالربا فكيف بمن يأكل الربا الواصح الخالص الظاهر الذي ليس حوله تأويل ولا احتيال وهنا اشترى هذا الصحابي الجليل هذا وهو فيه متأول وما بلغه النهي ثم بعد ذلك رجع فقالت أمنا عائشة أخبروه أن جهاده قد بطل مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب.
стр. 5100
إخوتي الكرام: لابد من المحافظة على الأعمال من إبطالها فمن عمل عملا ثم أبطله فماذا استفاد منه ومن أجل هذا كان كثير من الصالحين تتقطع قلوبهم خشية من رب العالمين وإذا سئلوا هل هم من عداد المؤمنين يفوضون الأمر إلى رب العالمين ولا يقولون نعم سأل حسن البصري أمؤمن أنت قال إن شاء الله فقيل أتشك يا أبا سعيد قال وما يدريني إذا قلت نعم فقال الله لي كذبت فتحق علي الكلمة وما يدريني وهل أنا قمت بما يقتضيه على الكلمة كما حققت على إبليس وما يؤمنني أن الله اطلع على بعض أعمالي فمقتني فقال يا حسن اعمل ما شئت فلن أقبل منك فأنا أعمل في غير معمل ماذا يدريني. وان سفيان الثوري عليهم جميعاً رحمة الله يقول إذا سئلت هل أنت من المتوكلين وهل أنت بمن يتصف بمقامات الدين من محبة الله والخوف منه ورجاءه فاسكت أو قل أرجو إن شاء الله فإنك إن قلت نعم كذبت وإن قلت لا كفرت. إذا قيل لك هل أنت متوكل إن قلت نعم من عداد الكذابين ليس حالنا حال المتوكلين إذا قلت لا كفرت بالله فقل أرجو أن أكون من المتوكلين إن شاء الله أكون من المتوكلين لعل الله يجعلني منهم وأما أن تنسب هذا إلى نفسك وأنت ما تدري ماذا عملت من عمل أحبط أعمالك عند الله وأنت لا تدري كلمات قالها أناس في العصر الأول قراءنا أكذبنا السنة أرغبنا بطوناً أجبننا عند اللقاء حكم الله عليهم بالنفاق وبنار جهنم ولعله يجري منا أمثال أمثال هذه الكلمات في هذه الحياة وفي هذه الأوقات.
ولذلك قال العبد الصالح أبو يزيد البسطامي طيفور بن لميس الذي توفي سنة ٢٦١هـ ونعته شيخ الإسلام الإمام الذهبي في السير بأنه سلطان العارفين وقال له حكم ونكت مليحة وكان من كلامه ﵁ وأرضاه يقول: من كان يظن أنه يوجد من هو شر منه فهو متكبر سبحانك ربي سبحانك ربي كيف كان أولئك يحاسبون أنفسهم نعم أخي الكريم مهما اطلعت على ذنوب العباد فإطلاعك على ذنوبك أكثر وأكثر فعلام ترى ذنوب غيرك وتنس ذنوبك.
стр. 5101
من كان يظن أنه يوجد من هو شر منه فهو متكبر إنما يرى نفسه أنه شر المخلوقات وحقيقة كما تقدم معنا من لم يحسن أن يعاقبه الله على خير الأعمال فهو من أهل الظلال على خير الأعمال وكان هذا العبد الصالح يقول ليس العجب من حب لك لله وأنا عبد حقير إنما العجب من حبك لي وأنت رب جليل يقول هذا العبد كما في سير أعلام النبلاء ﵏ جميعاً يقول: لو صفا لي تهليلة ما باليت بعدها لوصف لي تهليله من جميع تهليلاتي والتهليلة هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله يقول أنا في حياتي من أولها إلى آخرها لو ضمنت أنه صفالي تهليلة من تهليلاتي كلمة واحدة أوحد بها الله سلمت من الشوائب ومن الحبوط لما باليت بشيء بعدها لو سلمت لي تهليلة ما باليت بشيء بعدها عندي ضمان عند ذي الجلال والإكرام بأنني لن أخلد في النار لكن من الذي يدرينا أنه سلم لنا تهليلة أو لم تسلم حقيقة.
стр. 5102
إخوتي الكرام: هذا هو حال عباد الرحمن الفذين يخشونه ويتقونه ولذلك من أسباب خوفهم خشية تفريطهم في حق ربهم سواء في فعل الطاعات سواء في فعل المحرمات أو المنهيات أوفي تضييع المأمورات والواجبات والمستحبات أخوت الكرام وختام البحث في هذا لو قدر أن الإنسان قام بالطاعات على وجه الكمال ووجدت فيه الأمور الأربعة متابعة وإخلاص وتقى وما احبط العمل وترك المحرمات كما تقدم معنا والمحضورات بكاملها لو قدر وما جرى منه تقصير وخطأ وتضييع لو قدر مع ذلك ينبغي أن ينقطع قلبه خوفاً من ربه جل وعلا لِمَ؟ لأن الطاعات من أولها لآخرها لا تفي شكر نعمة من نعم الله عليك فاعرف قدرك ومن أراد أن يدخل الجنة بعمله فهو مخذول متمن ومن أراد أن يدخل الجنة بلا عمل فهو أحمق متمن وقد روى عن نبينا ﵊ في مستدرك الحاكم وانظروه في المجلد الرابع صفحة خمسين ومائتين والحديث رواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة ورواه العقيلي في كتاب الضعفاء وحول الإسناد الحديث كلام لوجود سليمان بن هرم وسليمان بن هرم روى عنه الليث بن سعد إمام أهل مصر وسليمان بن هرم من عباد أهل الشام بعد أن روى هذا الحديث الإمام الحاكم في المستدرك قال وسليمان بن هرم من عباد أهل الشام وقد روى عنه الليث والليث لا يروي عن المجهولين والحافظ بن حجر في لسان الميزان نقل هذا عن الحاكم وأقره نعم ن الذهبي ضعف الحديث من أجل وجود سليمان بن هرم فيه فهو مجهول وقال حديثه غير محفوظ وعلى كل حال معناه ثابت سواء ثبت الإسناد أم لا.
стр. 5103
ويفهم كما قلت لكم إخوتي الكرام: من كلام الحاكم والحافظ بن حجر أن إسناد الحديث مقبول والعلم عند الله ولفظ الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال خرج جبريل من عندي آنفا وقال لي يا من عليه صلوات الله وسلامه إن عبداً من عباد الله جعله الله على جبل طول هذا الجبل ثلاثون ذراعاً بثلاثين ذراعاً في وسط بحر يحيط به البحر بمقدار أربعة آلاف فرسخ من كل جهة جعل الله جبلان وسط ذلك البحر وفيه إنسان عَبَدَ الله خمسمائة سنة وليس في ذلك المكان أحد وما عصى الله طرفة عين وقد أخرج الله له عيناً حلوة عذبة بمقدار الإصبع تنبض بالماء فإذا صار الماء نزل من صومعته ومن الجبل وشرب من هذا الماء وأخرج الله له شجرة رمان تحمل كل يوم رمانة يأكل منها هذا العبد الصالح والله على كل شيء قدير يقول وقد سأل ربه أن يقبضه وهو ساجد وألا تأكل الأرض جسده فأعطاه ذلك فقبضه وهو ساجد ونحن نمر عليه عندما إلى الأرض ونرى في علم الله جل وعلا أي حسب ما أعلم الله ملائكته أنه إذا كان يوم القيامة يقول الله لهذا العبد الصالح الذي عبده خمسمائة سنة وما عصاه طرفة عين ثم تقول أدخل الجنة برحمتي أدخلها بعملي فقال الله أدخل الجنة برحمتي قال بعملي فقال الله للملائكة حاسبوه ثم قال الله جل وعلا قايسوا بين نعمي عليه وبين عبادته فأتى بنعمة البصر في هاتين الجارحتين الحدقتين في وجهك هذه النعمة في كفة وعبادة خمسمائة سنة في الكفة الأخرى فما وفت عبادته بنعمة البصر دع نعم سائر الجسد بعد ذلك فقال الله جل وعلا خذوه إلى النار فتى قادته الملائكة التفت وراءه قال رب أدخلني الجنة برحمتك فقال الله له عبدي من خلقك هل خلقت من قبلك أو خلقتك برحمتي قال رب خلقتني برحمتك قال ليرى من قواك على عبادتي خمسمائة سنة هل هذا من قبلك أو برحمتي قال برحمتك قال عبدي من جعلك في هذا المكان وأخرج لك عيناً من الماء حلوة
стр. 5104
من هذا الماء الملح الأجاج وأنبت لك شجرة تخرج لك كل يوم رمانة وبستان الرمان يخرج مرة واحدة في السنة وينتهي فحصوله من فعل هذا هذا من قبلك أو من قبل رحمتي قال برحمتك فقال الله له نعم العبد كنت لي إذهب فادخل الجنة برحمتي ثم قال جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامة يا محمد إنما الأشياء برحمة الله نعم لو قدر أنك اجتنبت جميع المنهيات وفعلت جميع الطاعات على الوجه الذي يرضاه رب الأرض والسموات مع ذلك ينبغي أن ينقطع قلبك خوفا فجميع طاعتك لا تفي شكر نعمة من نعم الله عليك.
وهذا إخوتي الكرام: هذا الحديث معناه كحديث الصحيحين الثابت فيهما وفي غيرهما من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله ﷺ قال ولا أنا إلا أن يغمرني الله برحمة منه وفضل والحديث كنت ذكرته سابقاً إخوتي الكرام قلت سأذكر معناه في هذه الموعظة لأنه قد يتوهم بعض الناس وقوع معارضة بين هذا الحديث وبين الآيات التي تصرح بأننا ندخل الجنة بما كنا نعمل: وتلك الجنة التي كنتم أورثتموها بما كنتم تعملون ولا معارضة بين الحديث وبين هذه الآيات وقد حقق أئمتنا الكرام في ذلك من وجوه متعددة أنظروها إخوتي الكرام في فتح الباري للحافظ بن حجر ١١/٢٩٦ وانظروا الكلام على ذلك أيضا في مفتاح السعادة ومنشور العلم والإرادة في أول الكتاب في صفحة ثمانية وخلاصة هذه الأجوبة ذكر الحافظ بن حجر أربعة أجوبة ألا وهي:
الأمر الأول: ن العمل من فضل الله فكون تدخل الجنة بعملك العمل من فضل الله ومن توفيق الله لك للعمل فدخلت الجنة بفضل الله ورحمته.
الأمر الثاني: منافع العبد لسيده أنت عبد وجميع ما تقوم به من عمل يستحقه سيدك فيفي إذا دخول الجنة محصن فضل وكرم من الله .
стр. 5105
الأمر الثالث: عملك الصالح مهما طال فهو في مدة يسيرة محدودة والبقاء في الجنة أبدي سر مدى لأنها به له فإذاً دخولك الجنة بفضل الله ورحمته.
وآخر الأمور: دخول الجنة مفتاحها رحمة الله وفضله واقتسام الدرجات فيها على حسب العمل والجواب الذي ذكره وهو الخامس الإمام ابن القيم في مفتاح السعادة قال إن الباء المقتضية للدخول هي غير الباء النافية للدخول فالتي تقضي الدخول هذا للسببية العادية: أورثتمونا بما كنتم تعملون يعني بسبب أعمالكم والباء التي تنفي الدخول بسبب العمل لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة هذه هي المعارضة لا يوجد عمل يعارض الجنة ويكون ثمنا لها إذا هي سببية عادية وليست للمعارضة الحقيقية من باب ثمن ومثمن ولذلك النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات فيها على حسب الأعمال الصالحات.
هذا إخوتي الكرام: ما قرره أئمتنا وهذا صحيح فلا يمكن للإنسان أن يدخل بلا عمل وعمله لا يدخله الجنة لا بد من عمل ورحمة الله ولأوضح هذا بمثال حسن لا يمكن أن يأتيه ولد من غير وطئ وزواج ولا يمكن أن يأتي الولد بوطئ وزواج فقط لا بد من وطئ وزواج ومن تقدير الله جل وعلا وكم من إنسان يتزوج ولا يولد له لكن إذا أراد الولد من غير زواج فهو أحمق مغرور وإذا قال إن الزواج سينتج لي الولد قدر الله أم لم يقدر فهو كافر مثبور فلا بد أن يطلب الولد من فضل الله من الطريق الذي شرعه الله وهنا كذلك نطلب جنة الله الأعمال الصالحة التي أمرنا بها ربنا وتعويلنا على فضله ورحمته وكرمه نسأل الله أن يعاملنا بفضله وإحسانه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول واستغفر الله.
الخطبة الثانية:
стр. 5106
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء المرسلين وسلم تسليماً كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
إخوتي الكرام: نحن في شهر مبارك فاضل ألا وهو شهر الله المحرم وسيستقبلنا عما قريب في الغد وفيما بعده أيام مباركة ندبنا أيضاً إلى صيامنا كما ندبنا إلى الصيام في هذا الشهر على وجه العموم.
وقد ثبت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن النسائي والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم " فأفضل ما يقع من صيام في أشهر السنة بعد شهر رمضان صيام هذا الشهر المبارك العظيم ألا وهو شهر الله المحرم وفيه يوم بعد ذلك ألا وهو يوم العاشر منه يوم مبارك عظيم من الله فيه على نبيه الكليم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه على نبي الله موسى بالنجاة من فرعون وقومه وأغرق الله فرعون وجنوده في هذا اليوم العظيم المبارك.
كما ثبت في الصحيحين وغيرها من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة على منورها صلوات الله وسلامة فوجد اليهود يصومون في يوم عاشوراء وهو اليوم العشر من شهر الله المحرم فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى ومن معه من فرعون وقدمه فقال نحن أحق بموسى منكم فصامه نبينا ﷺ وأمر بصيامه ولذلك ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عباس ﵄ قال:" ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوماً يطلب فضله على غيره إلا صوم يوم عاشوراء ".
стр. 5107
وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن صيام هذا اليوم له أجرٌ كبيرٌ كبير ففي المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود والحديث في سنن الترمذي من رواية أبي قتادة الأنصاري ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله صلى لله عليه وسلم يقول: صيام يوم عاشوراء ني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله يكفر ذنوب سنة بفضل الله ورحمته وقد ندبنا رسول الله ﷺ في آخر حياته الطيبة الشريفة المباركة عليه صلوات الله وسلامة إلى صيام يوم مع اليوم العاشر ونوى ذلك لكن المنية جاءته فانتقل إلى الرفيق الأعلى عليه صلوات الله وسلامه قبل أن ينفذ ما نوى.
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال" لئن عشت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع " أي مع العاشر يصوم تاسوعاء وعاشوراء وهذا من باب مخالفة اليهود يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده ومن صام يوماً قبله ويوماً بعده فهو أحسن وأفضل وأكمل فقد ثبت ذلك في مسند الإمام أحمد وسند البزار من رواية عبد الله بن عباس ﵄ وفي إسناد الحديث محمد بن أبي ليلى وكان قاضياً في بلاد الكوفة وقال عنه الحافظ في التقريب صدوق لكنه سيئ الحفظ وحديثه مخرج في السنن الأربعة ولفظ الحديث من عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: "صوموا عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا يوماً قبله ويوماً بعده".
стр. 5108
وعليه من أراد أن يصوم هذا اليوم وينبغي أن تحرص عليه فينبغي أن تصوم يوما قبله معه أو يوما بعده معه ولو جمع يوماً قبله ويوما بعده وصامه فهذا أكمل وأفضل وأبر نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المقبولين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصبه وسلم تسليماً كثيرا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا.
اللهم أغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم أغفر لمن وقف هذا المكان المبارك اللهم أغفر لمن عَبَدَ الله فيه. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب الأرض والسموات وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظم لعلكم تذكرون.
стр. 5109
زيارة النساء للقبور
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
زيارة النساء للقبور
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
تقدم معنا أن البدعة من أسباب سوء الخاتمة، نسأل الله أن يحسن ختامنا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهذه الخصلة الردية، أعني البدعة، قلت سنتدارسها ضمن الثلاثة مباحث.
стр. 5110
أولها: في تعريفها.
ثانيها: في بيان النصوص المحذرة المنفرة من البدعة.
ثالثها: في أقسام البدعة.
إخوتي الكرام: مازلنا في المبحث الأول عن تعريف البدعة، وقلت إنها حدث في الإسلام مع زعم المحدث بما أحدثه أنه يتقرب به إلى ذي الجلال والإكرام وهذه البدعة بهذا التعريف وبهذا الحد وبهذا الضابط كما قرره أئمتنا الكرام، انحرف نحوه صنفان من الأنام، صنفاً غلو وأفرطوا فأدخلوا في حد البدعة وضابطها وتعريفها ما ليس منها، وقسماً فرطوا فألفوا البدعة وابتدعوا في دين الله ﴿وهم يحسنون أنهم يحسنون صنعا﴾ ودين الله بين الغالي والجافي ولا إفراط ولا تفريط، وهاتان الفرقتان لابد من أن نحذرهما وأن نحذر من أقوالها.
وكنا إخوتي الكرام: في مدارسة غلو الفرقة الأولى التي وسقت مفهوم البدعة ودائرتها فحكموا بالبدعة والتضليل على ما احتمله الدليل وقال به إمام جليل، بل اشتطوا أكثر من ذلك كما تقدم معنا فحكموا على الفضل بأنه بدعة منكرة مع أنه وردت به صراحة النصوص الشرعية المطهرة وذكرت لذلك أمثلة معتبرة منها إخوتي الكرام ما يتعلق بصلاة التراويح في ليالي رمضان وأنها عشرون ركعة كما نقل هذا عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ ووافقه عليه سائر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا هو المقرر عند الجماهير كما تقدم معنا ومن ذلك أيضاً ما تقدم معنا وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع كما هو الحال قبل الركوع فتقدم معنا أن هذه كيفية شرعية وليس ببدعة ردية.
ومن ذلك أيضاً قراءة القرآن على القبور، وتقدم معنا أنه يتعلق بهذه المسألة ثلاثة أمور: تلقين الميت وقد مر الكلام على ذلك، وإثبات سماع الميت في قبره وأنه يعلم بمن يزوره ويستأنس به ويفرح بما يجري عنده من طاعة، ويحزن على ما يجري عنده من معصية.
والأمر الثاني: إهداء القربات إلى الأموات:
إخوتي الكرام..
стр. 5111
كنا نتدارس الأمر الثاني ألا وهو سماع الأموات في قبورهم علمهم بمن يزورهم كما تقدم معنا تقرير هذا مبيناً بأدلة الثابتة الواضحة وكان المتوقع أن ننتقل في هذه الموعظة المباركة إلى آخر الأمور ألا وهو إهداء القربات إلى الأموات لننتقل بعد ذلك إلى مدارسة حال الفرقة الثانية الذين ألفوا البدعة في الدين ثم خرفوا ما شاءوا ونسبوا تخريفهم إلى شريعة رب العالمين.
إخوتي الكرام: كان المفروض وهذا وهو المتوقع لكنني سأتلكم في هذه الموعظة على أمرين اثنين: أمراً يتعلق بما مضى كنت ذكرته باب الاستطراد لتوضيح حكمة وقد رغب عدد من الأخوة الكرام تقرير وبيان أمره وقد استشكله بعض من سمع هذا الكلام فلابد من وضع الأمر في نصابه.
والأمر الثاني: فيه زيادة تقرير في أن الأموات يفرحون بما يجري عندهم من طاعات ويحزنون ويتألمون بما يقع عندهم من سيئات ومنكرات. وهذا الأمر الثاني ثابت عن نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه فموضوع موعظتنا سيدور حول هذين الأمرين.
стр. 5112
الأمر الأول إخوتي الكرام: يتعلق بزيارة النساء القبور وقد كنت ذكرت هذا استطراداً، فتقرير سماع الأموات وأنه شُرِعَ لنا أن نزورهم وذكرت حديث أمنا عائشة ﵂ وأرضاها وهو حديث صحيحٌ صحيح ثابت في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي عن أمنا الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنها قالت لنبينا خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه [كيف أقول إذا زرت القبور فقال نبينا البشير النذير المبرور عليه صلوات الله وسلامه قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] عنده هذا الحديث أيها الأخوة الكرام فإن زيارة القبور للنساء مشروعة جائزة وبينت بإختصار استشكله بعض الناس عند ما سمعه ونسأل الله أن يشرح صدورنا للحق وأن يرزقنا الفهم والعمل بما نفهم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام: لذلك نزولاً عند رغبة الأخوة الكرام سأذكر بما يتعلق بهذه المسألة في هذه الموعظة وهو الأمر الأول من الأمرين اللذين سنتدارسها في هذه الموعظة.
стр. 5113
نعم إخوتي الكرام: وردت أحاديث عن نبينا ﵊ تنهي النساء عن زيارة القبور وتحذرهنَّ من ذلك، من هذه الأحاديث ما ثبت في المسند والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجة، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ورواه الإمام أبو داوود والطيالسي في مسنده والبيهقي ي السنن الكبرى والحديث إسناده حسن حسنه شيخ الإسلام الإمام الترمذي وغيره عليهم جميعاً رحمة الله، ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ [لعن زوَّرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج] وهذا الحديث حديث صحيحاً والجملة الأولى وردت من رواية أبي هريرة وحسان بن ثابت ﵃ أجمعين أما رواية أبي هريرة في لعن نبينا عليه صلوات الله وسلامه لزوارات القبور فقد رواها الإمام أحمد في مسنده، والإمام الترمذي في سننه وهكذا ابن ماجة في السنن ورواها ابن حبان في صحيحه وأبو داوود الطيالسي في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة ﵁ قال: [لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور] .
أما حديث حسان بن ثابت فبمعنى حديث أبي هريرة ﵃ أجمعين فقد رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والحاكم في مستدركه وهو أيضاً في مسند أبي داوود الطيالسي، والسنن الكبرى للإمام البيهقي أن النبي ﷺ [لعن زوارات القبور] وهذا الحديث حديث صحيح كما قلت ثابت من رواية ابن عباس وأبي هريرة وحسان ابن ثابت ﵃ أجمعين.
стр. 5114
لكن هذا الحديث عورض بأحاديث أخرى فلابد من التوفيق بين كلام نبينا ﷺ ، إن نبينا صلوات الله عليه وسلامه نهى النساء كما نهى الرجال في أول الأمر عن زيارة القبور لأن القوم حديثُ عهد بشرك وجاهلية وقلوبهم لم تتعلق على وجه التمام برب البرية فلألا يزور القبور زيارة بدعية، فهو في أول الأمر ذكوراً وإناثاً عن زيارة القبور ثم رُخص لهم من قبل نبينا ﷺ ، بل ندبوا إلى ذلك والدليل على هذا ما ستسمعونه إخوتي الكرام من أدلة وما سأعقب أيضاً على هذه الأدلة بفهم كلام أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين..
أما الأحاديث التي تعارض هنا وتدل على الترخيص والندب والجواز منها، حديث بريدة ﵁ وفي مسند الإمام أحمد صحيح مسلم وسنن أبي داوود النسائي ورواه الإمام البيهقي في سنن الكبرى حديث صحيحٌ صحيح فهو في صحيح مسلم كما قلت عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها] وتقدم معنا أن سبب ترخيصها أنها تذكر بالآخرة وأنها ترق القلب وتدمع العين كما ثبت ذلك عن سيد الكونين نبينا عليه صلوات الله وسلامه [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها] وكنت نهيتكم عن أكل لحم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم وكنت نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فانبذوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً] .
стр. 5115
والحديث كما قلت إخوتي الكرام في صحيح مسلم وغيره وتأمل هذه الأمور الثلاثة هل هي خاصة بصنف أو عامة للصنفين، أعني الرجال والنساء بمثبتاً الأضاحي، نهى المسلمون في أول الأمر أن يدخروا من الأضاحي فوق ثلاث من أجل أن يحصل مساعدة بين المضحين وبين من لا يستطيعون الأضحية، فإذا ضحى الإنسان يباح له أن يأكل من ذبيحته اليوم الأول، والثاني، والثالث، فإذا بقى عنده شيء يحرم عليه أن يأكل منه وإذا أكل منه فقد عصى الله وعليه إذن يسارع الناس إلى الصدقة ومساعدة من لم يضحي، هذا كان في أول الأمر ثم قال النبي ﵊ [فامسكوا ما بدا لكم إن شئت أن تمسك أضحيتك حولاً كاملاً لتأكل منها في يوم عرفة السنة الآتية لتبدأ يوم النحر بأضحية أخرى فلا حرج عليك، هذا كلام النبي ﷺ ، وهل هذا خاص بالنساء أو بالرجال؟ أو هو شامل للصنفين؟ [كنت نهيتكم عن الأكل من الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم] وهكذا الإنتباذ نهى النبي ﷺ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين في أول الأمر أن ينتبذوا إلا في أسقية الأدم، والنبيذ يراد به إخوتي الكرام: ثمرات أو حبات من زبيب تلقى في الماء من أجل أن يحلو الماء ويعذب طعمه وكان هذا فحبباً إلى نبينا صلوات الله عليه وسلامه وإلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فكانوا إذا وضعوا التمرات..
следующие страницы →