Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
والله جل وعلا يقول في كتابه في سورة الأنبياء: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ويقول جل وعلا في سورة المؤمنون: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) .
والمراد من الأمة هنا الملة والشريعة والدين ولفظ الأمة كما يأتي بمعنى الدين يأتي بمعان أخرى حاصلها أنه يأتي على خمسة معان في كتاب الله تعالى أولها ما ذكرت ويأتي لفظ الأمة بمعنى الجماعة والفرقة والقطعة ومنه قول الله جل وعلا: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون) ومنه قول الله جل وعلا: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ومنه قول الله جل وعلا: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) .
ويأتي لفظ الأمة بمعنى الحين والبرهة والزمن وقد استعمل هذا في مكانين من كتاب الله في سورة هود: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه) وفي سورة يوسف: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبؤكم بتأويله فأرسلون) .
ويأتي بمعنى الإمام المقتدى به الذي يعدل أمة من الأمم قال الله في سورة النحل: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين) على نبينا وعلى خليل الله إبراهيم وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه والمعنى الخامس للفظ الأمة يأتي بمعنى الصنف ومنه قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) في المأكل وفي المشرب والتمييز بين ما ينفعها مما يضرها ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى إلا أمم أمثالكم تأكل وتشرب وتعرف ربها وتعرف مالكها وتعرف عدوها من صديقها هكذا الطيور وهكذا الحيوانات الأخرى.
وهكذا بنو آدم إخوتي الكرام: وأيام العيد أيام تتوحد فيها المشاعر بين عباد الله المجيد أيام فرح أيام سرور وقد أقر نبينا ﷺ هذا المعنى وأرشد المسلمين إليه.
стр. 5252
ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى والبغوي في شرح السنة وعبد بن حميد في مسنده والإمام الفريابي في كتاب أحكام العيدين والحديث صحيح كالشمس صححه الإمام الحاكم ووافقه الإمام الذهبي وصححه الإمام البغوي في شرح السنة وصححه الحافظ ابن حجر وأئمة الإسلام على هذا ولفظ الحديث من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال قدم رسول الله ﷺ المدينة وللأنصار يومان يلعبون فيهما فقال النبي ﵊: (ما هذا فقالوا يا رسول الله يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية فنحن نلعب فيهما في الإسلام فقال نبينا ﵊ إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى) .
نعم إخوتي الكرام: إظهار البشر والسرور في أعياد المسلمين هذا من الدين ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ولذلك أمر المسلمون بأجمعهم أن يحضروا صلاة العيد ليشاركوا في هذه الفرحة التي من الله بها على عباده بعد صيامهم وقيامهم أو بعد يوم عرفات الذي له شأن عظيم عند رب الأرض والسموات ينبغي أن يشارك الجميع الصغار والكبار النساء والرجال حتى أهل الأعذار ينبغي أن يشاركوا في صلاة العيد فالنساء الحيض يشهدن الخير ودعوة المسلمين لكنهن يعتزلن الصلاة فلا يصلين لكن ينبغي أن يحضرن في هذه الفرحة التي فيها إظهار شعائر الله وذلك من تعظيم الله جل وعلا.
إخوتي الكرام: وتحقيقا للفرحة في أيام العيد أمرنا نبينا ﷺ أن ننزع منا أيام العيد كل ما يشر إلى شدة إلى غلظة إلى قتال فإظهار السلاح أيام العيد مما ينبغي أن لا يحصل في بلاد المسلمين فالسلاح يشير إلى الرهبة يشير إلى الشدة وهذه أيام فرح أيام سرور ما ينبغي أن يوجد فيها ما يشير إلى شدة ولا إلى رهبة.
стр. 5253
وقد ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله في صحيح البخاري في كتاب أحكام العيدين باب بهذا الخصوص فقال باب ما يكره من حمل السلاح في العيد وفي الحرم ثم روى معلقا بصيغة الجزم عن إمام التابعين الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين أنه قال: (نهوا عن حمل السلاح أيام العيد إلا أن يخافوا عدوا) قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة ٤٥٥ في شرح هذا الأثر يقول لم أجد هذا الأثر موصولا وإن نقله عن الحسن الإمام ابن المنذر عليهم جميعا رحمة الله نعم ثبت هذا الأثر وروى مرفوعا إلى نبينا ﵊ في سنن ابن ماجه من رواية سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ لكن بإسناد ضعيف قال عبد الله بن عباس: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس السلاح في العيدين في بلاد المسلمين إلا أن يكونوا بحضرة العدو) والحديث رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه مرسلا من رواية الضحاك بن مزاحم إلى نبينا ﵊ وإسناده ضعيف أيضا لكن هذا المعنى ثابت.
وكما نهي المسلمون عن حمل السلاح أيام العيدين نهوا أيضا عن حمل السلاح في الحرمين فذاك مكان آمن يقصده كل أحد من كل فج عميق فيأتي إلى هذا المكان العجوز والبكر والرجل الضعيف فإذا رأى صورة السلاح في رؤية صورة السلاح ما فيها وهذا ثابت عن نبينا ﵊ ففي صحيح مسلم والسنن الكبرى للإمام البيهقي من رواية سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس السلاح بمكة) .
стр. 5254
وثبت في مسند الإمام أحمد من رواية جابر بن عبد الله أيضا وفي الإسناد عبد الله بن لهيعة وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن إن شاء الله أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لأحد أن يحمل فيها سلاحا لقتال) يعني في المدينة المنورة على منورها الصلاة والسلام فكما أنه لا يجوز أن يلبس السلاح بمكة لا يجوز أن يحمل السلاح في مدينة خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه ويستوي في ذلك الكان الغريب والمستوطن كما أخبر عن ذلك ربنا الرحمن: (سواء العاكف فيه والباد) وكل من آذى عباد الله في ذلك المكان فخصمه ذو الجلال والإكرام وإيذاؤه لعباد الله في حرم الله من الإلحاد في حرم رب العباد يقول ربنا جل وعلا (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) .
إخوتي الكرام: هذه المعاني ينبغي أن ترسخ في أذهان المسلمين وإذا أمرنا أن نظهر البشر والسرور في أعياد المسلمين فقد حذرنا غاية التحذير نهانا اللطيف الخبير عن المشاركة في أعياد الجاهلية وعن إظهار البشر والسرور في تلك الأعياد الغوية في أعياد المشركين وفي الأعياد الوطنية التي انتشرت بين المسلمين وفي أعياد الميلاد وفي غير ذلك من البلاء الذي حصل بين العباد من أعياد الجلوس وغير ذلك مما تعارف عليه الناس في هذه الأيام وكلها أعياد باطلة ما أنزل الله بها من سلطان ولا ينبغي للمسلم أن يشارك فيها وإذا شارك فالويل ثم الويل له.
стр. 5255
يقول الله جل وعلا في صفات عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان: (وعباد الحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) وعدد ربنا أوصافهم ثم قال: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) وكلمة يشهدون تحتمل معنيين كل منهما ثابت عن سلفنا الكرام المعنى الأول لا يشهدون من الشهادة وعليه لا يشهدون في الزور ولا يزورون ولا يكذبون عندما يدلون بشهادتهم إنما يتكلمون بالحق والزور سمي زورا من الزور وهو الميل لأن فيه ميل عن الحق وانحراف عن صراط الله المستقيم والمعنى الثاني لا يشهدون بمعنى لا يحضرون ولا يتواجدون فهو من الشهود لا من الشهادة التي هي بمعنى إدلاء الشهادة والزور قيل مجالس النياحة والمآتم والغناء مجالس الباطل كما ثبت هذا عن جم غفير من التابعين منهم العبد الصالح مجاهد بن جبر ﵁ والنياحة الذي قال بذلك الحسن البصري وغيره وقال عبد الله بن عباس والإمام الضحاك ﵃ أجمعين لا يشهدون الزور أعياد المشركين نعم من شارك في تلك الأعياد الجاهلية فهو جاهلي.
стр. 5256
يقول العبد الصالح أحمد بن حفص وهو من علماء الحنفية الكبار وقد ولد في السنة التي مات فيها فقيه هذه الملة المباركة سيدنا أبو حنيفة النعمان سنة ١٥٠ وتوفي سنة ٢١٧ هـ وقد ترجمه الإمام الذهبي في السير في الجزء العاشر صفحة ١٥٧ وقال إنه شيخ الإسلام وإمام العلماء في بلاد ما وراء النهر وهو من العلماء الربانيين ويقول كما في الجواهر المضية في طبقات السادة الحنفية في الجزء الرابع صفحة ٣٧ (لو أن رجلا عبد الله خمسين سنة ثم أهدى بيضة لمشرك في يوم عيده تعظيما لذلك اليوم فقد كفر بالله وحبط عمله) وهذا الكلام نقله حذامي المحدثين وأمير المؤمنين الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة ٤٤٢ وهو الذي يقال له أبو حفص الكبير الإمام البخاري شيخ الإسلام وإمام العلماء في بلاد ما وراء النهر وهو من العلماء الربانيين يحكي عن نفسه أنه رأى نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه رآه في الرؤية ويلبس قميصا وبجنبه امرأة تبكي فقال لها نبينا ﵊ يا أمة الله لا تبكي علي فإذا مت فابكي) فاستيقظ أحمد بن حفص أبو حفص وما استبان له وجه الرؤيا فذهب إلى والد الإمام البخاري إسماعيل بن إبراهيم وعرض عليه هذه الرؤيا فقال تأويلها أن السنة لازالت قائمة بعد والنبي ﵊ يقول لها إذا ضاعت السنة وظهرت البدع في ذاك الوقت ابكي وتأثري من الخلل والضلال والزلل الذي حصل وأما أنا فإن غيب جسدي فلازالت سنتي بين العباد. وقد عده عدد من أئمتنا مع اثنين معه في زمانه من المجددين للقرن الثالث الهجري هو وأمير المؤمنين أبو عبد الله البخاري والثالث هو أبو إسحاق أحمد بن إسحاق السرماري وقد عند أبي داود ومستدرك الحاكم.
стр. 5257
والحديث رواه الإمام الخطيب في تاريخ بغداد والطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في كتاب المعرفة للسنن والآثآر وإسناد الحديث صحيح قال الحافظ ابن حجر في كتابه توالي التأسيس في مناقب شيخ الإسلام الإمام الشافعي في صفحة ٤٩ إسناده قوي وقد روى الحديث أيضا الإمام البيهقي في مناقب الإمام الشافعي عليهم جميعا رحمة الله في الجزء الأول صفحة ٥٥ من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) يقول الليث بن نصر الشاعر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا اجتمعنا وتذاكرنا هذا الحديث وقلنا من يكون علم الزمان ومجدد هذا الزمان في هذا القرن الذي نعيش فيه في القرن الثالث للهجرة يقول فقلت لهم وبدأت به أول المجددين وأول من ينطبق عليه هذا الحديث الإمام أبو حفص الكبير قلت ومن مثله في ورعه وفي فقهه.
ثم تدارسنا من يكون بعده فقلت الإمام أبو عبد الله البخاري ومن مثله أيضا في ورعه وفي معرفته للحديث بطرقه وعلله ثم تذاكرنا من يكون بعده فقلت أبو إسحاق أحمد بن إسحاق السرماري وكانت وفاتهم على ترتيبهم سنة ٢١٧ هـ، ٢٥٦ هـ، ٢٤٢ هـ عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه إخوتي الكرام أما ترجمة الإمام البخاري فلن أذكر عنها شيئا فهو أشهر من جبل على رأسه علم ونار فهو سيد المحدثين في هذه الأمة وهو الذي نتبرك بذكره ونتقرب إلى الله جل وعلا بحبه وأما الإمام أبو حفص فقد ذكرت ما أزين به هذا المجلس وما نستنزل به رحمة الله من أحواله ومكانته.
стр. 5258
وأما الإمام أحمد بن إسحاق السرماري فلعل كثيرا منكم ما سمع باسمه قبل هذه الموعظة سأذكر لمحة موجزة من أخباره ومكانته رحمة الله ورضوانه عليه فإذا قدم أبو حفص لفقهه وورعه وقدم البخاري لفقهه وورعه ومعرفته بالحديث قدم أبو إسحاق السرماري لورعه وديانته وبطولته وشجاعته ﵁ وأرضاه قال الإمام البخاري في مجلسه وقد روى عن أحمد بن إسحاق السرماري في صحيحه فهو من شيوخه قال ما رأيت مثل أبي إسحاق السرماري في الشجاعة والنجدة والمروءة فخرج بعض الحاضرين وقابل رئيس المطوعة أي رئيس فرقة الجيش والمسؤول عن الجيش في ذلك الوقت ونقل له كلام الإمام البخاري فكأن ذاك وقع في نفسه ما يقع في نفس بني آدم هذا الإمام البخاري يفضل واحدا من المشايخ عليه في جهاده وفروسيته وتدبيره لأمور الحرب فجاء للإمام البخاري وقال أنت تقول ما رأيت مثل أبي إسحاق السرماري في الإسلام قال ما قلت هذا إنما قلت لا يعلم أحد مثله في الفروسية والشجاعة والنجدة في الجاهلية والإسلام ـ كان مع بعض المؤولين في بلاد الكفر يفاوضون أمير تلك البلاد من الكفرة واسمه جعبويه من أجل إطلاق بعض الأسرى فعرض ذلك الأمير الكافر جيش الكفر أمام هذين المبعوثين ومر رجل يتبختر فقال جعبويه للمبعوثين من قبل دولة الإسلام إن هذا المقاتل يعدل ألف رجل عندي فقال أبو إسحاق لرفيقه ماذا يقول جعبويه قال يقول إنه يعدل ألف مقاتل قال أنا أبارزه فقال جعبويه الكافر لهذا المبعوث من قبل الدولة ماذا يقول من معك قال يقول إنه يبارز هذا القائد الذي يعدل ألفا من المقاتلين عندك قال هل صاحبك سكران شرب الخمر ولايعي ما يقول قال هذا من شيوخ المسلمين ولا يسكر قال إن لم يكن سكران فهو مغرور فقال أبو إسحاق الموعد بيننا غدا يأخذ أهبته ونلتقي للمبارزة فالتقى أبو إسحاق بمفرده مع جيش الكفر في اليوم الثاني يتقدمهم الذي يعدل ألف فارس ثم برز أبو إسحاق لهذا البطل المغوار من الكفرة الأشرار
стр. 5259
فلما برز له ذاك هرب أبو إسحاق أمامه حتى فصله عن الجيش بعيدا ثم ضربه بعمود كان معه فقطعه نصفين وكان أبو إسحاق يحمل عمودا وما فارفه هذا إلا عندما شاخ فخفف وزنه يزن ثمانية عشر منا والمن يساوي رطلين والرطل عند السادة الحنفية ٤٥٥ غراما وعليه العصا التي يحملها يزيد وزنها على سبعة عشر كيلو وأما الرطل عند السادة المالكية فهو ٥٦ٍ٣٢٢ غراما وأما عند السادة الشافعية والحنابلة ٣٢٤ غراما وعليه على تقدير الشافعية والمالكية والحنابلة لا تقل عن أحد عشر كيلو يحملها بيده عمود فلما شاخ حمل عمودا وزنه أربعة وعشرين رطلا فلما علم جعبويه بالأمر أرسل خمسين فارسا في طلبه فهرب أمامهم وجلس تحت أكمة في منخفض التل فكان كلما رقى واحد ونزل لأجل أن يلحق أبا إسحاق ضربه بالعمود فقطعه نصفين فقتل تسعة وأربعين ثم قبض على مكمل الخمسين فقطع أنفه وأذنيه وقال لو أنه بقي غيرك لقتلتك لكن اذهب وأخبر جعبويه ومن معكم خبر المسلمين.
انظروا ترجمته العطرة الطيبة في سير أعلام النبلاء في الجزء الثالث عشر صفحة ٣٧ فما بعدها يقول الإمام الذهبي عليه وعلى أئمتنا في مطلع ترجمته هو الإمام الزاهد العابد المجاهد فارس الإسلام ثم أورد له قصة عجيبة غريبة يقول فيها أخرج أبو إسحاق السرماري سيفه فقال أعلم يقينا أني قتلت به ألف كافر وإن عشت قتلت به ألفا أخرى ولولا خوفي أن يكون بدعة لأمرت أن يدفن معي ثم ختم الإمام الذهبي بقوله أخبار هذا الغازي تسر قلب المسلم ثم قال إنه كان مع فرط شجاعته من العلماء العاملين والعباد الزاهدين رحمة الله عليه وعلى أئمتنا أجمعين.
стр. 5260
إخوتي الكرام: وأيام العيدين التي نبتهج فيها ونسر بما من الله علينا من الخيرات والفضائل والأجور أيام تجمع مقاصد الدين بأسره وكنت ذكرت مرارا أن دين الله يقوم على دعامتين اثنتين تعظيم لله وشفقة على خلق الله ومقاصد الأعياد في الإسلام تجمع هذين الأمرين فعيد الفطر سبقه شهر رمضان شهر الصيام والقيام وشهر تعظيم الرحمن شهر الجود والإحسان ومساعدة المحتاجين من الأنام أما يوم الفطر ففيه أيضا هذان الأمران ففيه تكبير ذي الجلال والإكرام (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وما أعلم ماذا أصاب المسلمين في هذه الأيام كأنهم يستحون من تكبير ذي الجلال والإكرام وكأن أصواتهم صارت عورة في هذه الأيام يذهب أحدهم إلى المصلى وهو أخرس ويذهب إلى صلاة الفجر وهو أخرس ويدخل هلال شوال وهو أخرس وكأنه ما حل على المسلمين يوم يكبرون فيه الله العظيم والله لو عقلنا منزلة هذا اليوم لدوت أصواتنا بالتكبير وارتجت الجدران على من عليها بتكبير ذي الجلال والإكرام لكن الأمة في هذه الأيام تستحي من الفضيلة وتجهر بالرذيلة وفيه بعد ذلك مواساة وصدقة الفطر ومساعدة لعباد الله المحتاجين.
فمقاصد العيد عندنا تقوم على مقاصد دين الله المجيد من تعظيم لله وشفقة على عباد الله وهكذا عيد الأضحى المبارك فقبل يوم العيد الحجاج يتجردون لله المجيد في أيام المناسك وقضاء المناسك التي عليهم ألسنتهم تجهر بالتلبية والتهليل والتعظيم لله ومن عداهم يصومون يوم عرفات ويعظمون رب الأرض والسموات وما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله من عشر ذي الحجة أيام مباركة حصل فيها تعظيم لله وحصل فيها شفقة على خلق الله فبر الحج طيب الكلام وإطعام الطعام عظمت الله وأحسنت إلى عباد الله.
стр. 5261
وأما يوم الأضحى ففيه التكبير أيضا من دخول يوم عرفة نكبر إلى عصر آخر أيام التشريق تعظيم لله وثناء عليه وفيه تقرب إلى الله بالأضاحي والهدي ونأكل منها ونطعم البائس الفقير ففي ذلك تعظيم لله وشفقة على خلق الله وصدق الله إذ يقول: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) ولذلك كانت التحية بيننا أيام العيد أن يذكر بعضنا بعضا بمنة الله عليه وإحسان الله إليه وفضل الله عليه فيقول المسلمون لبعضهم إذا تلاقوا تقبل الله منا ومنكم.
روى الإمام المحاملي وهو الحسين بن إسماعيل المحاملي الذي توفي سنة ٣٣٠ هـ بسند صحيح كما نص على ذلك الإمام ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة ٤٤٦ عن جبير بن نفير وهو من أئمة التابعين الكرام الأبرار ثقة إمام فاضل مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرى نبينا ﵊ وحديثه في الأدب المفرد للإمام البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة وقد توفي سنة ٨٠ هـ وقيل بعدها يقول: (كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا أيام العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك) .
وهناك بعض الآثار المرفوعة في مجمع الزوائد انظروها في الجزء الثاني صفحة ٢٠٦ وفي فتح الباري في المكان المتقدم أسأل الله أن يتقبل منا برحمته وفضله وأن يقبلنا وأن يجعل أيام العيد أيام جائزة لنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 5262
إخوتي الكرام: من ألقى نظرة إلى المسلمين في هذه لأيام حقيقتا يتفطر كبده ويتقطع قلبه وإلى الله نشكوا أحوالنا ضعفت صلتنا بربنا وفسدت علاقاتنا فيما بيننا فلا لله عظمنا ولا على الخلق أشفقنا وإذا ابتليت الأمة بذلك فلا وزن لها ولا اعتبار ولها في هذه الحياة ما لها من الذل والعار وما ينتظرها أشد وأشنع عند العزيز القهار.
روى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه والأثر رواه الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسند معضل من رواية أبي علي الفضيل بن عياض عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: (إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي وإذا تسابت فيما بينها سقطت من عين الله) وفي رواية (إذا عظمت أمتي الدرهم والدينار) عظمت الدنيا تصاب بالذل والعار والصغار في هذه الدار هيبة الإسلام التي أعطاها الله لهذه الأمة (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) تنتزع منها هذه الأمة من عليها بهيبة تنصر بها مسيرة شهر تنتزع منها عندما عظمت الدنيا.
стр. 5263
نعم ثبت في مسند البزار وقال الإمام الهيثمي في المجمع بإسناد حسن وانظروا الحديث في كتاب الفتن من مجمع الزوائد في الجزء السابع صفحة ١٧٧ والحديث رواه الإمام أبو يعلى كما نص على ذلك الإمام الحافظ ابن حجر في المطالب العالية من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (لا تزال لا إله إلا الله تمنع من سخط الله ما لم يؤثروا دنياهم على دينهم فإذا آثروا دنياهم على دينهم وقالوا لا إله إلا الله قال الله كذبتم) إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزعت منها هيبة الإسلام وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي هذا الوحي الذي أوحي به إلى نبينا ﵊ وهو خير كتاب أنزله الرحمن نقرؤه بلا وعي ولا تدبر ولا تفهم والقراءة لا تجاوز اللسان لأننا عطلنا قطب الإسلام ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما لله عظمنا وآثرنا الفاني على الباقي ثم بعد ذلك إذا تسابت فيما بينها سقطت من عين الله نعم إن الأمة عندما تركن إلى هذه التفاهات تصاب بهذه العقوبات.
стр. 5264
ثبت في سنن أبي داود والحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة وأبو نعيم في الحلية وإسناد الحديث صحيح من رواية ثوبان مولى نبينا ﵊ أنه قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا يا رسول الله ومن قلة نحن يومئذ قال لا ولكنكم كثير كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن يا رسول الله قال حب الدنيا وكراهية الموت) فمن نظر إلى أحوالنا يتفطر قلبه وإلى الله نشكوا أحوالنا إخوتي الكرام لابد من إعادة الإسلام في الأنفس لابد من إعادة الإسلام في البيوت لابد من إعادة الإسلام في الأسواق لابد من إعادة الإسلام في جميع مرافق الحياة فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا الإيمان وزينه في قلوبنا. وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك. ومن المقربين لديك. وإذا أردت فتنة بعبادك فقبضنا إليك غير مفتونين. اللهم صلي على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم ألف بين قلوب أمة نبينا محمداً ﷺ . اللهم ارحم أمة نبينا ﷺ ، اللهم أصلح أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم انصر أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ .
стр. 5265
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً. اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف وهذا المكان المبارك.
اللهم اغفر لمن عبد الله فيه اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريباً سميعاً مجيباً للدعوات والحمد لله رب العالمين وصلي الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر *﴾ .
стр. 5266
نية الصيام
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نية الصيام
٣/٢/١٩٩٥
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمة طاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
"يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون".
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوب غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
"يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاُ كثيرا ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا".
"يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
"يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما".
أما بعد: فيا إخوتي الكرام..
وعدت في الموعظة الماضية أن نجعل مواعظ شهر رمضان حول أحكام الصيام، وفي هذه الموعظة المباركة سنتدارس حكماً من هذه الأحكام الحسان ألا وهو "نية الصيام" وسيقوم البحث على ثلاثة أركان:
١. على تعريف النية
٢. على منزلة النية ووجوب إخلاص النية لرب البرية.
стр. 5267
٣. وقت النية في الصيام.
إخوتي الكرام: النية بالتشديد والتثقيل أفصح ن ويجوز التخفيف كما قرر علماء اللغة " النيَّة" "والنِيَة " والنية هي الإرادة والعزم والقصد، وهي من أعمال القلب التي لا يطلع عليها إلا الرب ولذلك قال علماؤنا الكرام في تعريف النية على وجه العموم: هي انبعاث القلب نحو ما يراه نافعاً له في الحال والمال.. في العاجل والآجل.
إخوتي الكرام: ومع أن النية من الأعمال القلبية ولا يطلع عليها إلا رب البرية فقد قرر علماؤنا الكرام جواز التلفظ بها باللسان بل استحب ذلك جمهور أئمة الإسلام ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة رضوان الله عليهم أجمعين قالوا: يستحب التلفظ بالنية ليواطئ اللسان القلب وليكون الأمر أقوم قيلا وأشد تحقيقاً عند الإنسان لا سيما عند وجود الغفلة والسهو الذهول في بني الإنسان في آخر الزمان.
وهذا الذي قرره أئمتنا الكرام موجود في كتبهم إن شئتم أن تنظروا في المجموع شرح المهذب للإمام النووي ١/٣١٦ وانظروا المغنى للإمام ابن قدامة ٣/٢٦ وهكذا في سائر كتب أئمتنا –كما قلت- قالوا يستحب التلفظ بها ليواطئ اللسان القلب، وهذا الذي قرره أئمتنا يستند على فعل نبينا ﵊ فقد صرح بنيته التي في قلبه الشريف عليه صلوات الله وسلامه صرح بها في لسانه في بعض المواطن.
стр. 5268
ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: لبى النبي ﷺ بعمرة وحج فقال: " لبيك اللهم عمرة وحجاً " والتصريح بالعمرة والحج هذا تصريح بما نوى القلب بما عزم عليه القلب بما قصده القلب لبيك اللهم عمرة وحجا، قال بكر بن عبد اله المزني..وهو من أئمة التابعين الطيبين وقد لقي أنس بن مالك وابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة الأكياس وروى عنهم وهو ثقة جليل القدر فاضل كبير توفي سنة ١٠٦هـ وحديثه في الكتب الستة وقد قارنه أئمتنا بشيخ الإسلام بن سيرين وبسيد المسلمين الحسن البصري وكان سليمان التميمي يقول: الحسن البصري شيخ أهل البصرة وبكر بن عبد الله فتاها ذا شيخها وهذا فتاها وكان معروفاً بإجابة الدعوة يقول: فلقيت عبد الله بن عمر فحدثته بذلك أي بحديث أنس: أن النبي ﷺ لبّى بعمرة وحج فقال عبد الله بن عمر: إن النبي ﷺ لبى بالحج وحده يقول فعدت إلى أنس فأخبرته بقول عبد الله بن عمر ﵃ فتأثر أنس وقال: ما تعدّوننا إلا صبياناً والله لقد سمعت النبي ﷺ يلبي بعمرة وحج فقال لبيك بعمرة وحج، "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ".
стр. 5269
وهنا كما ترون إخوتي الكرام تصريح من نبينا ﵊ بما نواه أراه وعزمه وقصده في قلبه وهذا عمدة أئمتنا الكرام في جواز التلفظ بالنية بل استحباب ذلك، وعليه إذا أراد أن يصوم فيقول اللهم إني أريد الصيام فأعِنِّي عليه ويسره لي وتقبله مني كما يقول إذا أراد أن يحرم بحج أو غير ذلك ولا يشترط أن يرفع صوته إنما إذا أراد أن يعلم أهله هذه النية فهذا عمل صالح مبرور وهكذا إذا أراد أن يصلي يحرك لسانه بحيث يسمع نفسه، أنه يصلي صلاة كذا لله فكل هذا قرره علماء الإسلام وعليه الجمهور من أئمتنا الكرام ومذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وأما ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أئمة المسلمين كالإمام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية من |أن التلفظ بالنية بدعة وقد كتب ابن القيم رحمة الله عليه في ثلاث صفحات في إغاثة اللهفان ١/١٣٦ فما بعدها وهذا الكلام الذي صدر من هذين الإمامين المباركين له عندي تأويلان:
стр. 5270
التأويل الأول: إن قصدا أن التلفظ بالنية بدعة حسبما شاع عند الموسوسين في العصور المتأخرة فإذا أراد أن يصلي يقول ديباجة طويلة بحيث تفوته تكبيرة الإحرام وأحياناً يعيد ديباجته بحيث تفوته الركعة فإذا ركع الإمام أسرع بعد ذلك في التلفظ بالنية ودخل مع الإمام هذه وسوسة وهذه بدعة والغلو في أي شيء كان مذموم، كما يقوله بعض العوام: نويت أن أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر /فرض صلاة العصر حاضراً مستقبل القبلة الشريفة مقتدياً بهذا الإمام، ويقول هذه الديباجة ثم بعد ذلك يعيدها، يعيدها ويعيدها فلا شك أن التلفظ بذلك بحيث يشوش على الحاضرين ويقول هذه الديباجة الطويلة كما قلت هذا منكر وهذه بدعة وهذا مذموم وينبغي أن يمنع منه المسلمون. أما لو أن الإنسان قالها بلسانه عندما يريد أن يحرم بصلاته كما هو الحال عندما يريد أن يحرم بحجة..بصيامه..بغير ذلك قال بحيث يسمع نفسه ليستحضر ما يريد أن يفعله بقلبه وبلسانه وبجميع جوارحه باقتصاد دون تشويش على أحد من العباد فلا حرج، فإن قصد هذان الإمامان ومن تبعها هذا الأمر فهما على حق وصواب وهذا كما قلت مذموم ما ينبغي أن يقوله العباد.
وأما إن قصدا أن مجرد التلفظ بالنية بدعة فهذا كما قلت إخوتي الكرام يصادم ما عليه جماهير أهل الإسلام، وقد تقدم معنا مراراً أن القول إذا احتمله الدليل وقال به إمام جليل لا يجوز أن نحكم عليه بالبدعة والتضليل وهنا قول يقرره ثلاثة من أئمتنا الكرام وهذا القول يشهد له في الجملة حديث ثابت عن نبينا ﵊ فالقول بأنه بدعة لا يستقم حسب قواعد الإسلام والعلم عند ذي الجلال والإكرام.
стр. 5271
النية نعم محلها القلب، وركنها الركين، ينبغي أن تكون في قلب الإنسان عندما يريد أن يقوم بعبادة رب العالمين ينبغي أن يريد ذلك العمل وأن يقصده وأن ينويه وان لا يفعله وهو غافل عنه فإذا حصل هذا بقلبه صح بعد ذلك عمله سواء تلفظ بلسانه أم لا، نعم يجوز بل يستحب التلفظ للأمرين اللذين ذكرتهما ليتواطئ اللسان مع القلب ولها أثر عن نبينا ﵊ من تلفظ بالنية في بعض العبادات التي يتقرب بها إلى ربه الرحمن.
стр. 5272
الأمر الثاني: منزلة النية وضرورة الإخلاص فيها خالصاً لوجه ربك، دون اعتبار من الاعتبارات الأخرى تصوم لأن الله أمرك بالصيام وهكذا كل عبادة تقوم بها لأن الله أمرك بها فهذه النية الصالحة ينبغي أن تحصل في قلبك ألا وهي: أنك تقوم بهذا العمل لله تعالى تعظيما له فالنية في العمل كالروح للجسد وروح الأعمال النيات الصالحة لذي العزة والجلال وعمل بلا نية ميت كما أن الجسد بلا روح ميت ولذلك إذا أردت أن تقوم بعمل فانْوِ التقرب إلى الله وقد كان سلفنا الكرام يتعلمون النية قبل العمل كما يتعلمون العمل وذلك لأن العمل كم غير نية "عناء" والنية من غير إخلاص ضياع وهباء والأمر كما قال: أئمتنا الأتقياء رحمة الله عليهم أجمعين: "الناس كلهم هلكى إلا العالمين، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملين والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصين والمخلصون على خطر عظيم "وهذا الكلام إخوتي الكرام لا يصح دفعه إلى نبينا ﵊ فليس هو من كلامه إنما هو كلام أئمتنا الكرام وقد نسبه الإمام أبو الليث السمرقندي في كتاب تنبيه الغافلين ص٢٤٤ إلى سيد المسلمين الإمام العارف الرباني سهل بن عبد الله التستري المتوفي سنة ٢٨٣هـ وكثير من العلماء يوردون هذا الكلام كما فعل الإمام الغزالي في الإحياء ٤/٣٥١ بصيغة أخرى فيقولون: "الناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم".
стр. 5273
وقد قال الإمام الصغاني في موضوعاته هذا الكلام مفترىً ملحون، يريد أنه لم يثبت عن نبينا الميمون ﵊ وهو بهذه الصورة ملحون لأنه جاء الرفع في لفظ العالمين العاملين والمخلصين، وينبغي أن يكون ذلك بالنصب على أن الإمام السيوطي ﵀ خرّج ضبط الرفع فقال: يجوز أيضاً الإبدال في الاستثناء الموجب وعليه يكون العالمون والعاملون والمخلصون بدل مما قبله يجوز الإبدال من الاستثناء الموجب عند العرب وإن كان المشهور في لغة العرب أن يكون بالنصب الناس كلهم هلكى إلا العالمين لكن يجوز الرفع على لغة بعض العرب كما قرر ذلك الإمام السيوطي وعليه لا لحن في الكلام بالرواية الثانية نعم لا يثبت مرفوعاً إلى نبينا ﵊ إن هذا من كلام العبد الصالح العارف سهل بن عبد الله التستري وقد نقل عنه الإمام الخطيب البغدادي في كتابه الجليل "اقتضاء العلم العمل ".
وهكذا الإمام أبو نعيم في الحلية نقلاً عن هذا العبد الصالح ما يشبه هذا القول فكان سهل بن عبد الله التستري يقول: العلم دنيا والعمل به آخره، العلم لذة من لذات الدنيا ولا يكون صاحبه من أهل الآخرة إلا إذا عمل بعلمه، وكان يقول كما في الكتابين المتقدمين: العلماء كلهم سكارى إلا من عمل بعلمه، والعاملون كلهم حيارى إلا من أخلص لربه وكان يقول: الدنيا موات وغفلة والعلم بينه وحجة والعمل من غير إخلاص هباء والإخلاص وعلى خطر حتى يختم لك به فيا أيها الإنسان أخلص النية لربك الرحمن في الصيام وفي غيره من طاعات الرحمن.
стр. 5274
واعلموا إخوتي الكرام: أن الإنسان يعامل على حسب نيته فيصح عمله أو يبطل يثاب عليه أو يعاقب على حسب ما يقوم في نيته من معنى من تعظيم لله أو من إرادة لغير وجه الله فإن عظّم الله قبل العمل وإن أراد غير وجه الله بطل العمل ولذلك كان أئمتنا الكرام يقولون: تخليص النيات على العمال أشق عليهم من سائر الأعمال وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا في أحاديثه الصحيحة الكثيرة الوفيرة منها الحديث المشهور بين المسلمين وهو في مسند الإمام أحمد والصحيحين والسنن الأربعة من رواية سيدنا عمر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
إنما الأعمال بالنيات صحة وفساد ثواباً وعقاباً قبولاً ورداً وإنما لكل امرئ ما نوى فمن هاجر صادقاً مخلصاً إلى الله ورسوله فأجره عند الله لن يضيع. ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهو خاطب وتاجر وليس بمهاجر فهجرته إلى ما هاجر إليه إنما الأعمال بالنيات. وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن العمل الذي هو ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله.
إذا أراد المجاهد بجهاده عرض الدنيا ولم يُرد وجه ذي الجلال والإكرام فليس عند الله من خلاف وليس له إلا ما يحصّله في هذه الحياة من متاع ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي والحديث رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح أقره عليه الذهبي من رواية عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من غزا ولم ينو من غزوته إلا عقالاً فليس له إلا ما نوى".. قوله إلا عقالاً إلا حبلاً يربط به بعيره ودابته فليس له إلا ما نوى.
стр. 5275
وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن ملائكة الله عندما تصعد إلى الله تعالى بصحف أعمال العباد يقبل بعضها ويرد بعضها ويقول للملائكة اكتبوا لهذا العبد شيئاً نواه وما اطلعتم عليه ثبت الحديث بذلك وقد رواه الإمام الداراقطني وحسنه شيخ الإسلام الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء وانظروا في تخريج أحاديث الإحياء في المكان الذي أشرت إليه آنفا عند كلام الإمام الغزالي ٤/٣٥١ يقول رواه الداراقطني بإسناد حسن ولفظ الحديث من رواية أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد المؤمن ليعمل أعمالاً حسنة فتصعد الملائكة إلى الله جل وعلا بها (بهذه الأعمال) بصحف مختمة (مختومة) فتطرحها بين يدي الله فيقول الله جل وعلا: ألقوا صحيفة كذا وصحيفة كذا، واكتبوا لعبدي فتقول الملائكة ربنا ما كتبنا إلا ما عمل، وذاك العمل ما عمله فيقول الله جل وعلا إنه لم يرد بما فيها وجهي نعم..صام وصلى وحج واعتمر وزكى وجاهد، لكن لم يرد ذلك بوجهي فما في هذه الصحف اطرحوه والله ما يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً وأما ذاك العمل الذي يعمل فيقول الله جل وعلا: إنه قد نوى ما في هذه الصحف مما عمله ما أراد به وجه ربه فاطرحوه واكتبوا له كذا وكذا لأنه نواه.
стр. 5276
إخوتي الكرام.. لابد من إخلاص النية لذي الجلال والإكرام وإذا كان إخلاص النية ضرورياً في جميع الأعمال فينبغي أن نخلص النية لذي العزة والجلال في الصيام على وجه الكمال لأن الصيام فيه شبه لتوحيد ذي الجلال والإكرام الصيام من بين سائر أركان وأمور الإسلام والإيمان هو الذي يشبه توحيد ذي الجلال والإكرام ولذلك أضافه إلى نفسه ربنا الرحمن فقال في الحديث الثابت في الكتب الستة وغيرها من دواوين الإسلام: الصيام لي وأنا أجزي به، وذلك لأنه سر بينك وبين ربك كحال الإيمان كم من إنسان يقول: آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين الإيمان ركنه الركين التصديق الجازم بالقلب الذي لا يطلع على ما فيه إلا رب العالمين وهكذا الصيام فيه شبه تام بتوحيد ذي الجلال والإكرام ولذلك أضافه الله إلى نفسه فإذا كنت تخلص النية لربك في جميع عملك فحقق النية على التمام في صيام إخوتي الكرام قد يزِل الإنسان في عمله ويقصّر لكن ما ينبغي أن يزل في نيته وما ينبغي أن يدنس نيته بوجه من الوجوه ولذلك إن جرت من المؤمن أخطاء وهفوات وزلاّت لا تتعدى عمله الظاهري بجوارحه وكل بني آدم خطّاء وأما من يزل في نيته وأن يدنس ما في قلبه فلا ثم لا.
стр. 5277
وقد أشير إلى حال المؤمن في الحديث المرفوع إلى نبينا ﵊ " نية المؤمن خير من عمله " والحديث رواه الإمام الطبراني في المعجم الكبير وأبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخ بغداد من رواية سهل بن سعد الساعدي ﵁. ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير أيضاً من رواية النواس بن سمعان ﵁ ورواه البيهقي في شعب الإيمان والإمام العسكري من رواية أنس بن مالك ﵁ ورواه الإمام الديمكي من رواية أبي موسى الأشعري ورواه أبو الشيخ في الأمثال من رواية ثابت البناني مرسلا إلى نبينا ﵊ فهو من رواية أربعة من الصحابة سهل بن سعد والنواس بن سمعان وأنس بن مالك وأبي موسى وروى مرسلا أيضاً كما ذكرت والحديث من جميع طرقه ضعيف لكن كما قال الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة:"يتقوى بمجموع طرقه " ثم قال: ألفت فيه جزءاً في طرقه وفي بيان معناه نية المؤمن خير من عمله قد يزل الإنسان في العمل لكن نيته لا يمكن أن تنحرف عن الإخلاص لله فالخطأ لا يتعدى أعماله الظاهرة للقصور والتقصير الذي جُبل عليه البشر أما أن ينحرف بقلبه عن ربه؟ لا ثم لا. قلبه مع الله في جميع الأوقات ومخلص له في جميع الحالات نعم قد يزل بجوارحه نية المؤمن خير من عمله.
стр. 5278
والإمام ابن تيمية رحمة الله شرح هذه الجملة المأثوة في عدد من الصفحات وقررها انظروا كلامه على ذلك في مجموع فتاويه ١٠/٦٧٠ وأعاد الكلام على هذا الأثر في مجموع الفتاوي أيضاً ٢٢/٢٤٢ وخلاصة كلامه بعد أن قرر وجودها كثيرة في أحقية وصدق هذا الكلام قال في تقرير معنى هذا الأثر وأنه حق وصواب وأن نية المؤمن خير من عمله يقول هذا الإمام المبارك: المؤمن يثاب على نيته المجردة وإذا نويت الخير ولو لم تعلمه بجوارحك تثاب عليه ولذلك نية المؤمن خير من عمله والوجه الثاني في تقرير هذه الجملة المأثورة: أن من نوى خيراً وبذلك ما في وسعه لتنفيذه فعمل بعضة وعجز عن باقيه يكتب له أجر عمله من أوله لآخره لأنه نواه، وعزم على فعله ولما أراد أن ينفذه ما استطاع أن يقوم بجميعه نية المؤمن خير من عمله.
والأمر الثالث يقول: النية لا يدخلها فساد، النية الخالصة لا يدخلها فساد عندما يخلص لكن العمل قد يشوبه ما يشوبه من الفساد والضعف والنقص والأمر الرابع يقول: النية هي عمل الملك وبقية الأعمال هي عمل الجوارح القلب هو مَلِك الأعضاء وعمل الملك أشرف من عمل الجنود نية المؤمن خير من عمله فالنية عمل قلبي كما تقدم معنا..لا يطلع عليه إلا اللطيف القوي ، عمل قلبي.. إذ هي عمل أشرف ما عندك من أعضاء هي عمل رئيس الأعضاء هي عمل المشرف على الأعضاء ألا وهو القلب هي عمل الملك لا يدخل عليها فساد، إذا عملت شيئاً وعجزت عن باقيه يكتب لك لنيتك النية المجردة..ولم لم يصاحبها عمل..تكتب لك، لهذه الأمور ولغيرها نية المؤمن خير من عمله.
стр. 5279
والإمام الغزالي رحمة الله عليه في مبحث النية والإخلاص من كتابه الإحياء ٤/٣٥٥ قرر هذا المعنى في صفحات كثيرة وبوب عليها "باب نية المؤمن خير من عمله" أخي الصائم يا عبد الله إذا كنت تصوم لله وكما قلت صيامك فيه شبه بتوحيد ربك وصيامك أضافه الله إلى نفسه فأخلص النية ما استطعت لربك فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً وله خالصاً "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" (البينة /٥) .
وأما الأمر الثالث إخوتي الكرام: وهو آخر الأمور وقت النية زمن النية الوقت الذي ينبغي أن تحصل فيه نية الصيام لذي الجلال والإكرام اتفق أئمة الإسلام على أنه إذا كان الصيام فريضة كصيام رمضان وقضاء رمضان وما شاكل هذا من أنواع وأقسام ينبغي على الصائم أن يبيت نية الصيام من الليل والوقت يمتد من الغروب إلى طلوع الفجر، إذا طلع عليك الفجر ولم تنو الصيام ما صح صومك ويجب أن تمسك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات لكن هذا الصيام لا يعتد به فلا بد من نية الصيام والنية وقتها مُوسّع من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر ينبغي أن تنوي صيام رمضان صيام الغد، وعليه إذا أردت أن تفطر وتدعو بعد ذلك بالدعوات المأثورة عند الإفطار وتقول أسألك أن تقويني ربي على صيام الغد نويت صيام الغد عزمت على صيام الغد هذه نية وهكذا لو تسحرت بنية الصيام هذه نية ولا يضر أن تأكل بعد النية وتشرب لا يضر هذا على الإطلاق إنما نية الصيام في قلبك أنك ستصوم غداً لربك وإذا لم تبيت الصيام من الليل قبل أن يطلع الفجر فلا صيام لك وقد أشار إلى هذا نبينا ﷺ .
стр. 5280
ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة والحديث رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما ورواه الحاكم في المستدرك ورواه الداراقطني في سننه والدارمي في سننه وهكذا البيهقي في السنن الكبرى ورواه الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار والإمام ابن أبي شيبة في مصنفه والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ورواه الإمام ابن حزم بسنده في محلاه وهو في غير ذلك من دواوين الإسلام والحديث صحيحٌ صحيح نص على صحته عدد من أئمتنا الكرام منهم الترمذي والحاكم والذهبي وشيخ الإسلام الإمام النووي في المجموع والحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير وغيرهم ﵃ أجمعين ولفظ الحديث من رواية أمنا الطيبة الطاهرة المباركة سيدتنا حفصة بنت سيدنا عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين: أن النبي ﷺ قال: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
وفي رواية: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل قوله يُجمع ويُجَمِّع كما قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب، لا صيام لمن لم يُجمٍع /لمن لم يُجمِّع بالتخفيف والتشديد أي يستحضر هذا و ... بقلبه لا صيام لمن لم يفرضه قبل طلوع.
ألفاظ واردة عن سيدنا رسول الله ﷺ لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل/ لا صيام لمن لم يُجمِع –لم يُجَمِّع الصيام من الليل لا صيام لمن لم يفرضه قبل طلوع الفجر. وأما رواية "لا صيام لمن لم ينو قبل طلوع الفجر " فقال الحافظ ابن حجر "لم أقف عليها " وأقول: لعل هذا الرفض رواه بعض من رواة في معناه لأنه صيام لمن ينو بمعنى لا صيام لمن لم يبيت والعلم عند الله جل وعلا. وثبت هذا المعنى عن عدة من الصحابة الكرام ثبت عن ابن عمر وأمنا عائشة وأمنا حفصة ﵃ كما في الموطأ للإمام مالك وشرح معاني الآثار للطحاوي والأثر أيضاً في سنن النسائي عمن تقدم ذكرهم من الصحابة ﵃ أجمعين. أنهم قالوا " لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر".
стр. 5281
وفي رواية إذا لم يجمع الرجل الصيام من الليل فلا يصم، وفي رواية أخرى: "لا يصومن إلا من أجمع الصيام قبل الفجر" فلابد من نية الصيام، لأن الصيام إمساك ولابد له من نية وهو عبادة خالصة محضة لرب البرية فلا بد له من النية وقد ثبت الحديث بذلك عن نبينا خير البرية عليه وآله صلوات الله وسلامه.
إخوتي الكرام: وكما قلت على هذا اتفق أئمة الإسلام لكن اختلفوا بأمر فيه توسعة على عباد الرحمن ألا وهو: هو تشترط لكل يوم نية الصيام أو تكفي فيه الصيام في شهر رمضان في يوم منه فينوي أن يصوم شهر رمضان ولا داعي بعد ذلك كل ليلة قبل طلوع الفجر لأئمتنا الكرام في ذلك قولان كل منهما حسن مقبول وتعليله حق مبرور. القول الأول: قال به جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة لا بد من نية كل يوم أن ينوي كما قلت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر أنه سيصوم اليوم الذي بعد هذه الليلة لأن عبادة كل يوم مستقلة لا ارتباط لها بما قبلها ولا بما بعدها فقد يفسد ما قبلها وهي صحيحة وقد يفسد ما بعدها وهي صحيحة فليست عبادة الصيام كعبادة الصلاة نية واحدة لجميع الركعات إنا هنا كل يوم يستقل عما قبله وعما بعده فلا بد من نية خالصة له.
والإمام مالك إمام دار الهجرة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا ألحق الصيام بالصلاة فقال: بما أن الصيام في هذا الشهر واجب وعليه لو نوى أن يصومه من أول يوم أجزأه، ولو لم يستحضر النية كل ليلة إلا إذا فسخ هذه النية، وأما إذا نوى أن يصوم هذا الشهر الكريم في أول ليلة منه أجزأه ذلك إلى نهاية الشهر سواء استحضر النية بعد ذلك أم لا، إلا إذا فسخ نية الصيام وقال: لا نصوم، فلا بد له بعد ذلك من نية ثانية لبقية الشهر.
стр. 5282
وكما قلت إخوتي الكرام: القولان متقاربان بالتعليل ولا يوجد دليل خاص بالمسألة وإذا كان كذلك فالأمر فيه سعة والأحوط أن يبيت الإنسان فيه الصيام في كل ليلة من ليالي رمضان والعلم عند الله تعالى وهذا كله إخوتي الكرام في الصوم الواجب وأما صيام النافلة صيام التطوع فاتفق أئمتنا إلا الإمام مالكاً ﵀. ذهب الجمهور وهم الأئمة الثلاثة المتقدمة الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن النية فيه موسعة على الصائم في صيام النافلة والتطوع فله أن يبيّت الصيام من الليل وهذا أعظم لأجره عند ربه وله أن يمد النية إلى الزوال فإذا زالت الشمس ولم ينو قبل زوالها أي قبل الظهر لا يصح أن يصوم بعد ذلك عند الإمام أبي حنيفة وهو الأظهر من قولي الإمام الشافعي وهناك قول للإمام الشافعي وهو المعتمد عند الحنابلة يجوز للإنسان إذا صام نافلة أن ينوي الصيام في أي وقت كان ولو قل غروب الشمس بدقيقة لو قدّر أنه مر عليه اليوم من أوله إلى آخره وما أكل وبقي للمغرب ربع ساعة فقال إذاً أنا أنوي الصيام عند الإمام أحمد يصح يقول: لأنه أوقع الصيام في جزء من النهار الذي يصح فيه الصيام وعليه إذا وقعت النية في جزء من النهار سواء كان قبل الزوال أو بعد الزوال يصح صومه هذا عند الإمام أحمد لكنه قال: له اجر بمقدار الوقت الذي بقي من هذا اليوم وعليه: لو نوى من الزوال الصيام فله أجر من الزوال إلى الغروب وليس له أجر الصيام مما قبل الزوال إلى طلوع الفجر لأنه لم ينو هذا والأعمال بالنيات لو نوى الصيام عند العصر له أجر عند العصر أجر الصيام إلى غروب الشمس ليس له أجر الصيام من قبل العصر إلى طلوع الفجر.
стр. 5283
فإن قيل: هل يتبعّض الصوم؟ يقول في الإجزاء لا يتبعض لكن في الأجر يتبعّض، لا بد أن تصوم يوما من أوله إلى آخره من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لكن ليس لك من الأجر إلا بمقدار ما نويت من صيام هذا اليوم فإذا نويت عند العصر فليس لك أجر، أجر إلا من العصر إلى غروب الشمس وهذا كما هو الحال في الجماعة إذا لم تدرك الجماعة فأنت ما صليت في جماعة لكن لو قدّر أنك جزءاً منها لك أجر بمقدار ما أدركت وليس أجر من أدرك تكبيرة الإحرام كأجر من أدرك الركعة الرابعة مع الصلاة فهم يتفاوتون مع أن الكل صلوا جماعة.
هذا ما يقرره الإمام أحمد وأئمتنا عليهم جميعاً رحمة ربنا وأما الإمام مالك فعنده لا يجوز للإنسان في صيام النافلة أيضاً إلا أن يُبيّت الصيام من الليل كما هو الحال في الصيام الفريضة يقول إلا إذا كان الإنسان يصوم أياماً متتابعة درجا فتسقط عنه النية كما هو الحال في نية رمضان ينوي أول ليلة ثم ليس به حاجة إلى أن يكرر النية وأما إذا أراد أن يصوم بخصوصه وأن يفطر بعده وأن يصوم يوماً بعده فلا بد من أن ينوي الصيام لكل يوم وأن تكون النية في الليل قبل طلوع الفجر كما هو الحال في صيام الفريضة. فهذا القول مع جلالة من قال به وإمامته ﵁ وأرضاه فيما يظهر والعلم عند الله أنه مرجوح وقول الجمهور أرجح وبه وردت الآثار الثابتة عن نبينا المختار ﵊ وعن الصحابة الأبرار ﵃ أجمعين.
стр. 5284
وإليكم بعضاً إخوتي الكرام: ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلا ابن ماجه فالحديث في سنن الترمذي وسنن النسائي وأبي داود الطيالسي في مسنده كما رواه الإمام البيهقي في سننه والحديث صحيحٌ صحيح فهو في صحيح مسلم كما سمعتم ولفظ الحديث من رواية أمنا الطيبة المباركة عائشة قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ في النهار فقال هل عندكم شيء يعني من طعام؟ فقلت ما عندنا شيء يا رسول الله قال فإني إذاً صائم، ما عندكم شيء آكله أنوي الصيام، وقد نوى الصيام بعد طلوع الفجر قالت أمنا عائشة: فلما خرج النبي ﷺ جاءتنا هدية وفي روية جاءنا زور أي ضيف، ضيوف وهؤلاء الضيوف عندما حلوا علينا معهم هدية فخبّأت شيئاً من هذه الهدية إلى النبي علية الصلاة والسلام فلما عاد ودخل بيته ثانياً قلت يا رسول الله قد جاءتنا هدية وقد خبّأت لك منها قال ما هي؟ قلت حَيسُ، والحيس هو الدقيق الذي يعجن بالتمر والسمن دقيق وتمر وسمن وقيل: أقط وسمن ودقيق حيسُ: خبّأته لك فقال النبي ﷺ هاتيه فلما وضعته بين يديه فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صوات الله وسلامه مدّ يده الشريفة المباركة إليه وبدأ يأكل، فقالت أمنا عائشة يا رسول الله أو لم تنو الصيام وقلت إني صائم هذا اليوم؟ فقال ﵊ يا عائشة مثل الصائم في غير رمضان كمثل من أخرج صدقة، فجادت نفسه منها بشيء فدفعه وبخلت نفسه بما بقي فأمسكه، أنت أخرجت مائة ريال لتتصدق بها ثم بعد ذلك حصل في قلبك ما حصل من الخواطر وأنك بحاجة إلى هذا المال فدفعت خمسين وأمسكت خمسين هل عليك إثم؟ لا ثم لا، صدقة تطوع وتريد أن تتقرب بها إلى الله تعالى ليس لك من الأجر إلا بمقدار ما تصدقت مثل الصائم في غير رمضان كمثل من أخرج صدقة.
стр. 5285
وهذه رواية الإمام النسائي فلما أخرجتها جادت نفسه بشيء منها فدفعه وأمضاه وأعطاه إلى الفقير وبخلت في الباقي فأمسكته وعليه يجوز للإنسان أن يتم الصوم ويجوز أن يعدل عنه ولا حرج.
وقد ثبت في موطأ الإمام مالك وشرح معاني الآثار للإمام الطحاوي والأثر رواه الإمام النسائي في سننه والحاكم في مستدركه وصححه وأقره عليه الذهبي ورواه البيهقي في السنن الكبرى والحديث إسناده صحيح من رواية أم هانئ ﵂ قالت: كنت مع النبي ﷺ في فتح مكة وعن يمينه جالسة فجاءت البضعة الطاهرة سيدتنا فاطمة بن خير خلق الله فسلمت وجلست عن يساره تقول أم هانئ: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب قدمته إلى نبينا ﵊ فأخذه فشرب منه ثم ناول أم هانئ لتشرب فشربت، فبعد أن شربت قالت يارسول الله: كنت صائمة فأفطرت، أي عندما أعطيتني هذا الإناء لأشرب وكأنها تحرجت في نفسها ما حصل منها فقال النبي ﷺ أتقضين رمضان، أي تصومين الصيام الواجب؟ قالت لا. يا رسول الله قال: لا حرج عليك إن كنت تصومين تطوعاً أي إن شئت أن تصومي وإن شئت أن تأكلي تبطلي الصيام فلا حرج إنما التطوع أمير نفسه وفي رواية إنما التطوع أمين نفسه، فإن شاء صام وإن شاء أفطر إنما المتطوع أمير نفسه.
стр. 5286
وقد ثبت في صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله في كتاب الصيام باب من نوى الصيام نهاراً ثم علق بصيغة الجزم عن أم الدرداء أن أبا الدرداء كن يدخل عليها في النهار فيقول: هل من طعام يا أم الدرداء؟ تقول أم الدرداء: فإن قلنا لا قال: "فإني صائم يومي هذا" قال الإمام البخاري: وقد فعله أبو هريرة وأبو طلحة وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس ومعهم كما قلت أبو الدرداء فهؤلاء خمسة من الصحابة الكرام وهذه الآثار التي أوردها الإمام البخاري معلقة بصيغة الجزم في صحيحه انظروها إخوتي الكرام في فتح الباري لتعرفوا من وصلها انظروا أيضاً وصلها في السنن الكبرى للإمام البيهقي ٤/٢٧٥.
وعليه إخوتي الكرام: إذا كان الصيام واجباً لا بد من تثبيت نية الصيام في الليل لكن هل لابد من تكرار النية في كل يوم أو تجزئ نية واحدة عن الشهر الأمر فيه سعة إن شاء الله. وإما إذا كان الصيام نافلاً فالمعتمد كما قلت أنك يجوز أن تنوي الصيام إلى الزوال ووسّع الإمام أحمد الأمر فقال: يجوز أن تنوي ولو قبل الغروب بقليل، وليس لك من الأجر إلا بمقدار ما نويت، نسأل الله نعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 5287
إخوتي الكرام: عندما نبحث النية في الصيام يرد إشكال حاسم أن التروك لا يشترط في تركها النية، نعم يشترط للثواب على تركها النية وأما إذا تركت ما حرمه عليك دون أن تريد بذلك التقرب إلى الله تركته فقط ما خطر هذا ببالك لا تعاقب عليه وأما الأفعال فلابد لها من نيات فمن ترك النظر الحرام والغيبة والنميمة والزنا وشرب الخمر إما أنه لم يخطر بباله إو هكذا دون نية صالحة لا عقاب عليه عندما ترك هذا من غير نية صالحة ولا يثاب إلا إذا ترك متقرباً إلى الله التروك لا تحتاج إلى نية فإذا ترك وهو يعزم على فعلها لكن ما تمكن منها يعاقب عليها وإذا تركها ... .ما خطرت بباله لا ثواب وعقاب وإذا تركها خشية من الكريم الوهاب يثاب عليها عند هذا المبحث يرد إشكال ألا وهو أن الصيام ترك. فهو إمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات فلم اشترطت النية لصحته باتفاق أئمتنا.
والجواب عن هذا كما قرره شيخ الإسلام الإمام النووي نور الله مرقده وفي غرف الجنان أرقده، يقول: "الصيام وإن كان إمساكاً وتركاً يراد منه حبس النفس على الهوى وحثها على طاعة المولى فالتحق بالأفعال ولا يقصد منه الترك المجرد كما هو الحال في ترك الكذب في ترك الزنا في ترك شرب الخمر، لا ... يراد من هذا الترك أن تتربى النفس على الأخلاق الكريمة والشيم الحميدة وأن تتقرب من الله فترك يراد منه عمل ولذلك اشترطت النية فيه لتثاب على هذا الترك فهو وإن كان تركاً يشترط لصحته حصول النية باتفاق أئمتنا.
وأما التروك الأخرى فكما قلت إذا تركتها من غير نية لا ثواب ولا عقاب "وإذا تركتها لعجزك عنها فعليك العقاب " وإذا تركتها خشية من الكريم الوهاب فلك الثواب " وقد أشار إلى هذه الأقسام نبينا ﵊.
стр. 5288
ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والحديث قال عنه الترمذي حسن صحيح من رواية أبي كبشة الأنماري ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: ثلاثة أقسم عليهن وأحدثهم حديثاً فاحفظوه وكنت ذكرت هذا الحديث في المواعظ السابقة فلا بأس من إعادته لمحل الشاهد معنا في موعظتنا ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ومن فتح على نفسه باب مسئلة فتح الله عليه باب فقر.
стр. 5289
هذه الأمور الثلاثة يقسم نبينا ﵊ على صحتها وتحققها وأما الحديث الذي ينبغي أن نحفظه وأن نعيه وهو أن الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو يعمل في ماله بعلمه فيتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم أن لله فيه حقاً فهو في أعلى المنازل ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فقال يا ليت لي مثل فلان حتى أعمل بمثل عمله قال نبينا ﵊ فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله فلا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم أن لله فيه حقاً فهو أخبث المنازل. ورجل لم يؤته الله علماً ولا مالاً فقال يا ليت لي مثل فلان حتى أعمل بمثل عمله فهما في الوزر سواء. لم يفعل المعاصي لكن عزم عليها وما منعه من فعلها إلا العجز عنها فعليه العقاب كما أن العقاب على ذلك الذي فعل تلك المعاصي أسأل الله برحمته التي وسمعت كل شيء أن يجعل أعمالنا صالحة لوجهه خالصة وأن يرزقنا حبه وحب نبيه ﵊ وأن يجعل ذلك أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ومحبتك يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا عليه حتى نلقاك به اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.
стр. 5290
معالم في الاجتهاد والابتداع
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
معالم في الاجتهاد والابتداع
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
تقدم معنا أن البدعة من أسباب خاتمة الإنسان ... نفس السابقة إلى نتدارس ثلاثة معالم وهذه المعالم الثلاثة شرعت في مدارستها في المواعظ الماضية وهي:
١. تشريع الأحكام من خصائص ذي الجلال والإكرام.
следующие страницы →