← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وهكذا يقول الله جل وعلا بعد آيات في نفس السورة من سورة الحج: "ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين". إذاً شرع الله لنا هذه المناسك هذه الذبائح لنوسع بها على أنفسنا وعلى غيرنا ونذكر اسم الله جل وعلا عند ذبحها ولنتحدث بنعمة الله وفضله علينا إخوتي الكرام هذه المعاني ينبغي أن نلخصها عند الأضحية وأما آخر ما يتعلق بأمر الأضحية هناك أحكام عيون مسائل في الأضحية ينبغي أن ننتبه لها أولا: الأضحية تكون من بهيمة الأنعام ليس إلا فهي من الضأن والمعز ومن البقر ومن الابل ولا تخرج عن ذل فلا يجوز التضحية بغير ذلك من الغزلان والأرانب والدجاج والبط وغير ذلك مما أحل الله لنا الأضحية تكون من بهيمة الأنعام فقط وهي الأزواج الثمانية التي ذكرها الله جل وعلا من الضأن اثنين ومن المعز اثنين والإبل والبقر ذكران أو إناث وذكران كل صنف أفضل من إناثه في الأضحية عندما يتقرب الإنسان بذلك إلى الله جل وعلا.

стр. 5217

فالأضحية تكون من بهيمة الأنعام فإذا كانت الأضحية من الشياه والمعز ينبغي أن تكمل سنة وأن تطعن في الثانية من الضأن والمعز أن تكمل سنة وأن تطعن في الثانية أما في المعز بال خلاف أما في الضأن في المعتمد عند أئمتنا أن الجذعة من الضأن يجزئ وهو ما أكمل ستة أشهر وطعن في النصف الثاني من السنة الأولى لكن بحيث يكون حجمه كبيراً بحيث لو وضع مع من أكمل سنة لما تميز هذا خاص بجذع الضأن أما جذع المعز فلا يجزئ أبدا إذا كان من المعز لا بد أن يكمل سنة وأن يطعن في الثانية وإذا كان من الغنم والضأن فإذا أكمل ستة أشهر ودخل في النصف الثاني من السنة الأولي فيجزئ إن شاء الله وأما البقر ينبغي أن تكمل سنتين وأن تطعن في الثالثة فلا تصح الأضحية بها إذا لم تكن كذلك وأما الإبل فينبغي أن تكمل خمس سنين وأن تطعن في السادسة فلا يجزئ أيضا الأضحية بها إذا لم تكن كذلك هذا ما يتعلق بالتنبيه الأول من التنبيهات التي سأذكرها والأحكام التي ينبغي أن نعيها عند الأضحية هي من بهيمة الأنعام إن كانت من الضأن والمعز سنة وطعنت في الثانية وخصوص الضأن والغنم فقط إذا أكملت ستة أشهر ودخلت بعد ذلك في النصف الثاني من السنة تجزئ بشرط أن تكون كبيرة حقا وأما المعز فتكمل سنة والبقر تكمل سنتين والإبل لتكمل خمس سنين فكونوا على علم بشروط الذبيحة والأضحية الواحدة تكفي الإنسان عن نفسه وعن أهل بيته كثروا أو قلوا ولو كانوا مائة نفر ماداموا بيتا واحدا نفقته واحدة يشتركون فيه مهما كان فيه من أسرة وزوجات يكفيه شاه واحدة وأما البقرة تكفي عن سبع أضحيات فلو اشترك فيها سبعة لأجزأهم وهكذا الإبل وأما الشاه الواحدة وهكذا من المعز الواحدة تكفي الإنسان وأهل بيته كما ثبت ذلك من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 5218

ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الإمام البيهقي في السنة الكبرى ورواه الإمام مالك في موطأه وإسناده صحيح من رواية عطاء ابن السائب رحمة الله ورضوانه عليه وهو من أئمة التابعين وقال سألت أبا أيوب الأنصاري رضوان الله عليهم أجمعين عن وضع الأضاحي عندما كانوا مع النبي ﷺ فقال له أبو أيوب " كان الواحد منا يضحي بالشاه عن نفسه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت مباهاة " أي يذبحون شاتين وثلاث وأربعا وما زاد كنا نضحي بالشاة الواحدة فيضحي بها الإنسان عن نفسه وعن أسرته يأكلون ويطعمون ثم تباهى الناس بعد ذلك لكن هذه هي سنتنا عندما كان النبي ﷺ بيننا فالأضحية الواحدة كما قلت تجزئ عن الإنسان وعن أهل بيته ولهم جميعاً الأجر تام غير منقوص ورحمة الله واسعة وإذا اشترط أيضا سبعة أشخاص في بقرة أو في بدنة فيجزئهم بالشروط المتقدمة. الأمر الثالث: هذه الأضحية ينبغي أن تكون سالمة من العيوب فكل ما فيها عيب تمتهن به فتنقص قيمتها به وتعتبر هذا نقصا في خلقتها فلا يجوز التضحية إذاً بها كما ثبت ذلك عن نبينا ﷺ .

стр. 5219

ثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة والحديث رواه بن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين عن البراء بن عازب رضوان الله عليه وعن الصحابة أجمعين قال: قال النبي ﷺ أربع لا تجزئ في الأضحية العوراء بين عورها والمريضة بين مرضها والعرجاء بين ضلعها يعني عرجها والكسرة التي لا تنفي وفي رواية والعجفاء التي لا تنقي أي ذهب مخ ساقها فهي ضعيفة هزيلة فكل ما فيه عيب لا يجوز التضحية به من عور ومن باب أولى من عمى من قطع إليه من ذهاب أكثر القرن وهكذا من قطع الأذنين من كسر فيها من من من كل ما يعتبر عيبا في البهيمة يٌنقص قيمتها ويكون عيباً فيها لا يجوز أن تضحي به فهذه أضحية تتقرب بها إلى الله جل وعلا فينبغي أن تكون كاملة تامة. روى الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسند رجاله ثقات عن النعمان بن أبي فاطمة ﵁ قال اشتريت كبشا أقرن أعين أملح فلما رآني النبي ﷺ أسوقه قال هذا كأنه ذِبح إبراهيم أي هذا كالكبش الذي ذبحه خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قال بعض الأنصار فلما سمعت هذا من النبي ﷺ أحضرت له كبشا بهذه المواصفات فذبحه النبي ﷺ في أضحيته إذا إخوتي الكرام لا بد أن تسلم الأضحية من العيب وكلما كانت كاملة غالية سمينة كان أعظم لأجرك عند الله جل وعلا. ولذلك ثبت في موطأ الإمام مالك بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير ﵁ وأرضاه أنه جمعت بنيه فقال يا بني هذه الهدي من البدن عندما تهدونها تخيروا الكرائم فيها فأحدكم لو أهدى الكريمة أي لمن هو عليه كريم لاختار له فالله جل وعلا أحق أن نختار له وهو أول عندما أمرنا بتعظيم هذه الشعيرة فينبغي أن تكون بصفة تامة كاملة لا نقص فيها.

стр. 5220

الأمر الرابع: إخوتي الكرام وقت الذبح بالنسبة للأضحية يبدأ بعد الانتهاء من صلاة العيد فمن ذبح قبل صلاة العيد فهذا لحم يأكله هو وأهله وليس من النسك في شيء وعليه أن يذبح نسيكة أخرى بعد ذلك كما ثبت في المسند والكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة من رواية البراء بن عازب أيضا ﵃ أجمعين قال سمعت النبي ﷺ يقول يوم النحر إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم يقدمه إلى أهله ليس من النسك في شيء فهذا أيضا ينبغي أن نعيه وأن الذبح لا يكون إلا بعد الانتهاء من صلاة العيد. الأمر الخامس: بالنسبة للأضحية إخوتي الكرام يستحب للإنسان أن يذبحها بنفسه وأن يباشر ذبحها إذا أمكنه وهذا هدي النبي ﷺ كما في المسند والكتب الستة عن حديث أنس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ أتى بكبشين موجوأين أملحين أقرنين على نبينا صلوات الله وسلامه فأضجعهما ووضع رجله الشريفة علية الصلاة والسلام على صفحتها ثم سمى وكبر وذبحها ﵊ فإذا باشرت الذبح فهذا أفضل وإذا لم تباشر فلا أقل من أن تشهد الذبح وأن تراه من أجل إظهار شعائر الإسلام والابتهاج بها ولو ذبحت كما قلت لكان أفضل ويقوى في ذلك الرجل والمرأة وثبت في صحيح البخاري معلقا عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه كان يأمر بناته أن يذبحن أضحيتهن بأيديهن والأثر وصله الحاكم في المستدرك بسند صحيح فلو ذبح الإنسان أضحيته رجلا أو امرأة لكان أولى وإذا لم يتمكن فلا أقل من أن يشهد الذبح وأن يحضره ولو وكل بالذبح عنه وهو حاضر أو غائب كل ذلك يجزئ.

стр. 5221

الأمر الخامس: إخوتي الكرام أحب أن أنوه إلى أمر كثر السؤال عليه في هذه الأيام ألا وهو إرسال الأضاحي إلى بلدان أهل الإيلام لتذبح هناك لما في تلك البلاد من حاجة وفقر إن هذا عمل طيب وشعور حسن يثاب الإنسان عليه لكن ينبغي على المؤمن أن يجمع بالحسنيين المقصود من الأضحية كما قلت التوسعة على النفس والأسرة والأهل والجيران وإظهار شعائر الإسلام فما ينبغي لك أن تفرط في هذه الأضحية ثم بعد ذلك إذا أردت أن ترسل صدقة ليذبح عنك أضحية وأضحيتان وثلاثة وأكثر تقربا إلى الله وصدقة على عباد الله المحتاجين فهذا أعظم لأجرك عند رب العالمين اذبح أضحيتك هنا ولا بد من هذا تم بعد ذلك أرسل ما شئت ليذبح بالبلاد الأخرى من أضحية أو من مائة أضحية صدقة لله جل وعلا وإذا أردت ألا تكثر في الإرسال وما تريد إلا أن تذبح أضحية واحدة وتقول إما هنا وإما هناك فحقيقة إذا كانت الأضحية هنا تقرب قيمتها مثلا من ألف ريال مثلا لو أخذت واحدة متوسطة في حدود خمسمائة أو سبعمائة أو أو وأرسلت ما يزيد من قيمتها ليذبح في أضحية أخرى هناك لكان هذا أولى المقصود وينبغي أن تحافظ على هذا الشعور ألا وهو مساعدة عباد الله وأن تحافظ على هذه الشعيرة أيضا في بلدك وفي بيتك مع أهلك تعظيما لشعائر ربك ليعلم الأولاد أن هذا يوم عيد يوم بهجة أمر الله بهذه الأضحية ثم بين لهم هذه المعاني فيها هذا أيضا مقصود وإذا ما أردت أن ترسل إلى هناك إلا من هذه الأضحية فاجمع بين الحسنيين أضحية متوسطة وأرسل الزائد من القيمة إلى هناك ليذبح في أضحية أخرى وأما أن تمنع نفسك أو أسرتك من الذبح مطلقا ومن هذه الأضحية وتقول أرسل إلى مثلا أهلي في بلد آخر أو إلى الفقراء من المسلمين في بلدان أخرى كما قلت مع منزلة هذا الشعور وحسنه ينبغي أن يضم إليه الجانب الثاني.

стр. 5222

ولذلك إخوتي الكرام: إن أمكن الإنسان أن يباشر الذبح بنفسه فليحرص عليه أو فليحضر أو فليوكل لكن لا بد من أن يذبح عنده في بيته إذا كان مستطيعاً وليرسل ما شاء إلى بلاد الله جل وعلا وأما آخر الأمور المتعلقة بهذه التنبيهات وعيون المسائل في الأضحية إذا ذبحت الأضحية فالمستحسن لك فيها ونحوها أن تأكل ثلثا وأن تدخر ثلثا وأن توزع على عباد الله ثلثا ما بين صدقة وهدية كما تريد ولو خالفت هذا فليس عليك حرج لو قدر أنك وزعت النصف أو أكلت الكل لكثرة أفراد الأسرة فلا حرج ولا يتعين عليك شيء تلزم به لكن إذا وزعت وتصدقت وأهديت فتقدم هذا بين يديك وهذا أعظم لأجرك عند ربك جل وعلا ثبت في المسند وسنن الترمذي بسند حسن من حديث أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ذبح شاة وأمرهم بتوزيعها فقال لأمنا عائشة ﵂ وأرضاها ماذا بقي منها فقالت ما بقي إلا كتفها فقال ﵊ بقي كلها غير كتفها بقي كلها لأن ذاك الذي وزعناه بقي لنا عند الله جل وعلا إلا هذه الكتف لم يبق لأننا سنأكله ويفنى إخوتي الكرام هذه المعاني لابد من استحضارها عند الأضحية. أسأل الله أن برحمته أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أقول هذا القول وأستغفر الله الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين. اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسمل تسليما كثيرا. اللهم أغفر لأمة نبينا محمد ﷺ .

стр. 5223

اللهم ارحم أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم استر أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم ألف بين قلوب أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم هلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم يسر على الحجاج حجهم وتقبل منهم وأغنهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا. اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلمك منا. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا اللهم أغفر لمن وقف هذا المكان المبارك اللهم اغفر لمن عبد الله فيه اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا. اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات والحمد لله رب العالمين. الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 5224

فضل الصلاة وذكر الله (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان فضل الصلاة وذكر الله ١٢ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديننا قويما وهدانا صراط مستقيما وأصبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌ في كتاب مبين. "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون". وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيننا عمياً وآذان صماً وقلوب غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فق فاز فوزاً عظيماً". أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين.. أشرف بقاع الأرض وأحبه إلى الله جل وعلا المساجد ففيها نور الله وهداه وإليها يأوى المؤمنون المهتدون وهؤلاء المؤمنون الذين يأوون إلى بيوت الحي القيوم في هذه الأرض وهي المساجد وصفهم الله جل وعلا بأنهم رجال ثم نعتهم بأربع خصال.

стр. 5225

الخصلة الأولى: فيهم أنه لا تلهيهم الدنيا عن طاعة الله جل وعلا وعما أوجبه الله عليهم فهمه. الخصلة الثانية: يعظمون الله ويعبدونه يذكرونه ويوحدونه يقيمون الصلاة وهم يشفقون على خلق الله ويؤتون الزكاة ثم يستعدون بعد ذلك للقاء ربهم جل وعلا في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. وقد مضى الكلام إخوتي الكرام عن الصفة الأولى وهي أن هذه الدنيا لا تلهي عباد الله المؤمنين والذي يعمرون هذه المساجد في هذه الحياة. وأما الصفة الثانية: فهم يذكرون الله جل وعلا ويصلون له نعم هؤلاء عرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا وعرفوا الغاية التي من أجلها وجدت بيوت الله في الأرض – وجدت لذكر الله وعبادته والتفقه في دينه جل وعلا وللخضوع له ولعظمته جل وعلا فهم يذكرون الله في هذه البيوت ويصلون له . أما الذكر إخوتي الكرام: فقد تكلمت عليه بشيء من التفصيل عند قول الله حي وعلا في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وبينت شعائر الذكر والمعاني التي يحتملها الذكر في شريعة الله جل وعلا وأقول ما تقدم – على وجه الاختصار بشرط أن أذكر كلاما غير الكلام الذي تقدم عند تفسير أول الآية.

стр. 5226

إخوتي الكرام: أما الذكر فهذا للإنسان كالماء للسمك فلا يمكن للإنسان أن يحيي بدون ذكر الله جل وعلا بقلبه ولسانه وقد وضح لنا نبينا ﷺ هذه الحقيقة في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت هذا حي كحال السمك في الماء عنده بهجة وحياة وذاك ميت قلبه خربٌ خربان. مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ولفظ الإمام مسلم مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله كمثل الحي والميت إذا هذا الذكر فيه حياة لقلوب المؤمنين الموحدين فهذه الدنيا لا تلهيهم عن ذكر رب العالمين. وهذا الذكر إخوتي الكرام: هو رأس الطاعات وروح العبادات فمن أجله شرع الله العبادات من أجل أن نذكره بها وأن نعظمه جل وعلا قال جل وعلا: "أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى ن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " +++ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون – ولذكر الله الذي يحصل في الصلاة عند التلذذ بمناجاة أكثر فائدة وأعظم منزلة من كون الصلاة تنهانا عن الفحشاء والمنكر. فالمصلي يحصل فائدتين في صلاته الفائدة الأولى: وهي المقصودة أيضا له أن قلبه يبتهج ونفسه تنشرح وصدره يتنور بمناجاة الله جل وعلا ولذكر الله أكبر – ثم يترتب على هذا أثر آخر إن هذه الصلاة تحصنه بعد ذلك من المنكر والفحشاء "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر" أكبر أثر ومنزلة وفائدة من كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

стр. 5227

والآية تحتمل احتمالا آخر حق منقول على سلفنا الكرام ولذكر الله أكبر من سائر الطاعات وأفضل من جميع القربات فهو روح كل عبادة فكل عبادة روحها الذكر كما أن الروح التي نحيي بها البدن في هذه الحياة روح للبدن فروح العبادات بأسرها ذكر الله ومناجاته والتلذذ بالثناء عليه ومخاطبته ومناجاته ولذكر الله أكبر، أكبر من كل طاعة وهذا إخوتي الكرام على أن المصدر مضاف إلى الفاعل والمعاني كلها حق ثابتة ولذكر الله لنا عندما نذكره فالله جل وعلا تعهد وتكفل بذكر من يذكره "فاذكروني أذكركم" ولذكر الله لنا عندما نذكره أكبر وأعلى ن ذكرنا له فهو يذكرنا إذا ذكرناه ونحن عندما نذكره فهذا أعظم طاعاتنا ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. وإذا أردت أن تعرف حقيقة هذا الأمر فاسمع كما قلت شيئاً لم يتقدم ذكره أخرج الطبري في معجمه الأوسط بسند رجاله وثقو كما قال الحافظ الهيثمي المجمع عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "لو أن رجلاً في حجرة دراهم يقسمها وآخر يذكر الله لكان الذاكر لله أفضل منه " لو أن رجلا في حجرة دراهم يقسمها جمع في حجرة الدراهم والدنانير وجلس يقسمها ويوزعها على عباد الله المحتاجين وآخر جلس يذكر الله ويناجيه لكان الذاكر لله أفضل منه والحديث بسند ورجاله وثقو وما ذلك إلا لأن القلب لا يحيى إلا بذكر الله – لا خير في صدقة ليس معها ذكر وتعظيم لله جل وعلا لا بد إذا من حياة القلب فإذا أحييت القلب يتصدق ويحسن لعبادة الله ويجاهد في سبيل الله ويحافظ على طاعاته فلا يدخلها رياء ولا عجب لو أن رجلا في حجرة دراهم يقسمها وآخر يذكر الله لكان الذاكر لله أفضل منه والطبراني في الأوسط بسند رجاله وثقو أيضا كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع عن عبد الله ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 5228

" ما من صدقة أفضل من ذكر الله، نعم عندما نذكر الله جل وعلا تتصدق على نفسك وتحيي قلبك فهذا الذكر لقلبك كالماء للسمك ما من صدقة أفضل من ذكر الله أفضل الصدقة ما تنفقه على نفسك ثم على من تعول ثم على عباد الله المحتاجين الآخرين فأنت بالذكر تتصدق على نفسك وتحيي قلبك ما من صدقة أفضل من ذكر الله ولذلك أمرنا نبينا ﷺ بالإكثار من هذه العبادة من أجل أن يحيي قلب الإنسان فهذه العبادة ينبغي أن تكثر منها على الدوام ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان ورواه ابن السني في عمل ليوم وليلة ورواه عبد الله بن حميد في مسنده وغيرهم من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون. أي حتى يقول المنافقون عن الذاكر إنه مجنون وقد قيل هذا الأعقل الخلفية وأذكى الخلفية خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقالوا هذا عن أول رسل الله إلى أهل الأرض بعد أن حصل فيها الشرك وهو أول أولى العزم نبي الله نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر " اذكروا الله أكثروا من ذكر الله حتى يقول المنافقون عن الذاكر إنه مجنون والحديث إخوتي الكرام حسنه الحافظ بن حجر وليس في إسناده من حوله شيء عن الكلام الإدراج أبو السمح وهو من رجال السنن الأربعة وأخرج حديثه الإمام البخاري في الأدب المفرد وحكم عليه الحافظ في التقريب بأنه صدوق وحديثه إن شاء الله حسن نعم في روايته عن أبي الهيثم شيء من الضعف والكلام.

стр. 5229

لكن كما قلت نص على تحسينه شيخ الإسلام الإمام أبو الفضل ابن حجر العسقلاني عليه جميعا رحمة الله أكثروا من ذكر الله حتى يقال مجنون وهذا الحديث وجد ما يشه له من طرق أخرى ففي حلية +++معجم الطبراني والحديث رواه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق في رواية ابن عباس ﵄ والرواية الأولى من رواية أبي سعيد وابن عباس أن النبي ﷺ قالوا اذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم مراءون – اذكروا الله ذكرا كثيرا مستمراً طويلاً حتى يقول المنافقون إنكم مراءون. والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان والإمام أحمد في الزهد ورواه سعيد بن منصور في سنته لكن من رواية أبي الجوزاء مرفوعاً إلى خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه وأبو الجوزاء من التابعين فالحديث على هذا مرسل وخلاصة الكلام الحديث لا ينزل عن درجة الحسن أكثر من ذكر الله اذكروا الله ذكراً كثيرا – أكثروا من الذكر حتى يقول المنافقون عنكم إنكم مراءون وحتى يقول المنافقون عن الذاكر إنه مجنون فهؤلاء العباد لا تلهيهم الدنيا بما فيها من بيوع وتجارات عن ذكر رب الأرض والسموات. إخوتي الكرام: وتقدم معنا أن لفظ الذكر يطلق على أمرين على ذكر الله باللسان وبالقلب وهو خصوص الأوراد والأذكار ويطلق على ما هو أعم من ذلك على القيام بكل طاعة لله فمن أطاع الله فهو ذاكر لأن كل طاعة فيها ذكرٌ لله جل وعلا واستحضار بالقلب لعظمة الله جل وعلا وتلفظ باللسان بهذه العبارات التي يقوم بها فكل مطيعٌ لله فهو ذاكر لله وعليه قول الله جل وعلا: "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ".

стр. 5230

إقامة الصلاة تدخل في ذكر الله قطعاً وجزماً فهي خصوص بعد عموم إنما خصها الله بالذكر لمنزلتها ولأهميتها في شريعة الله جل وعلا ففيها الذكر بجميع أنواعه وألوانه في الصلاة من أفضل الأذكار ألا وهو تلاوة كلام العزيز الغفار ثم من تسبيح وتحميد وصلاة على النبي ﷺ وآله وأنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه كل هذا يحصل في هذه العبادة ففيها الذكر الكامل التام بجميع أنواعه وأشكاله ولذلك خص الله هذه العبادة بالذكر فقال: "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله". وإقامة الصلاة - أما الصلاة إخوتي الكرام فالبحث فيها سيكون عن طريق عدة مراحل – المرحلة الأولى في بيان معناه اللغوي اختلف علمائنا الكرام من الفقهاء واللغويين عليهم جميعاً رحمة الله – هل لفظ الصلاة مشتق أو هو اسم علم وضع على هذه العبادة لم يشتق من شيء على قولين اثنين وعلى القول بالاشتقاق فاختلف أئمتنا في هذا الاشتقاق أيضاً على أربعة أقوال، أظهرها أولها: وهو أن لفظ الصلاة مأخوذ من صلى يصلي صلاة إذا دعا فالصلاة بمعنى الدعاء وإنما سميت الصلاة الشرعية التي هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير. مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة – إنما سميت صلاة بمعنى الدعاء لأن الدعاء جزء منها وبعض منها وركن من أركانها فأنت عندما تقرأ الفاتحة تدعوا الله وتسأل الله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الظالين وهكذا تثني على الله وتدعوه بعد ذلك بغيرها فبما انه يحصل في الصلاة دعاء لرب الأرض والسماء فقيل لها إنها صلاة وقد جاء لفظ الصلاة بمعنى الدعاء في آيات القرآن.

стр. 5231

وحديث نبينا ﵊ قال الله جل وعلا: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" أي أدعو لهم وقد كان النبي ﷺ إذا أعطيت له الزكاة الصدقة ليصرفها في مصارفها يدعو للمتصدقين وللمزكين وصل عليهم أي أدعو لهم ومنه قول الأعمش: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي حليت فاغتمض ... نوما فإن تجنب المرء مضجعا عندما احتضر فبدأت ابنته تدعو له يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي حليت أي ضل الذي دعوت فاسأل الله أن يجنبك الأوصاب والألم والأوجاع عليك مثل الذي حليت فاغتمض نوما فإن لجنب المرء مضجعا وقد ثبت هذا المعنى عن نبينا ﷺ ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث أخرجه أهل السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى عن رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دعي أحدكم فليجب، إذا كان مضطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصل إذا دعي أحدكم إلى طعام ووليمة فليجب فإن كان مضطراً فليأكل وليطعم وإن كان صائما فليصل أي فليدعو لأهل البيت بالخير والبركة أجاب دعواتهم لكن ما أفطر فدعا لهم فخل الأنس والسرور. والحديث كما قلت إخوتي الكرام: في صحيح مسلم وغيره وإن كان صائماً فليصل والمراد من الصلاة الدعاء لأهل البيت بالبركة وليس المراد من الصلاة الشرعية كما فهم بعض العلماء فقال فليصل أي فليذهب إلى البيت الذي فيه الوليمة ثم ليصل ركعتين ولينصرف ليس المراد هذا كما وضحت رواية الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال إذا دعا أحدكم فليجب فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائما فليدعوا بالبركة. وإن كان صائما فليدعوا بالبركة هذا هو معنى فليصل أي فليدعوا لأهل البيت بالخير والبركة.

стр. 5232

وكما قلت إخوتي الكرام: هذا أرجح الأقوال على القول بالإشتقاق أن الصلاة بمعنى الدعاء صل يصلي صلاة دعا يدعو دعاء وهناك ثلاثة أقوال أخر قيلت في الإستقاق أذكرها على وجه الإيجاز وفيها كما قال أئمتنا العلم عند الله جل وعلا قيل إن لفظ الصلاة مأخوذاً من الصلاة وهو عرقٌ يكون في وسط الظهر ويكتنف ويفترق عند عجب الذنب فيكتنفه ويحيط بعجب الذنب الذي هو عظمة صغيرة عجب الذنب تكون في رأس العصعص من الإنسان في هذا المكان عظمة صغيرة وكل ما في الإنسان إذا مات يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب عرق وسط الظهر يقلل له الصلا باللام بعدها ألف بدون همزة الصلا هذا العرق يمتد وإلى أن يصل إلى عجب الذنب فيفترق ثم يكتنف عجب الذنب ويحيط به ومنه قول العرب للمصلي في المحلبة أي حلبة السباق بين الخيل قول العرب للمصلي وهو الذي يأتي بالدرجة الثانية مصلى والذي يسبق يقال له مجلى مصلى قال أئمة اللغة سمي الثاني التالي للمجلى سمي مصليا لأن رأسه ورأس فرسه رأس خياله عند صلوة المجلى أي يأتي ورائه ذاك سبق وهذا ورائه فرأسه عن صلوى أي عند جلوى السابق وعليه فالصلاة مأخوذة من الصلا – قال الإمام القرطبي وهذا الاشتقاق يفيد معنيين المعنى الأول من الصلا بمعنى المصلى الذي يأتي بعد المجلى أي هي تالية للإيمان وهي أعظم الواجبات بعد توحيد الرحمان كالمصلى والمجلى فعندنا أعظم حقوق الله على عباده توحيده لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويلي التوحيد مباشرة له فالصلاة إذاً كأنها مصلى لذلك الأمر الأول الذي هو مجلى وهو توحيد الله جل وعلا وفي الاشتقاق كما قال الإمام الألوسي غرابة وبعد وقبله الإمام الرازي: وحقيقة إن القول فيه خفاءٌ وبعد.

стр. 5233

والقول الثاني: على هذا سميت الصلاة صلاةً إذا كانت مأخوذة من الصلا قالوا لأن المصلى عندما يركع ويسجد ينثني صلواهُ أي هذان العرقان اللذان كما قلت صار إثنين عند عجب الذنب وأحاطا به واكتنفاه ينثنيان في حال الركوع السجود فقيل للصلاة صلاة لأن الإنسان يثني صلويه أي هذا العرق الذي تفرق إلى عرقين عند عجب الذنب فقيل إذا لهذه الصلاة صلاة لما يحصل فيها من انثناء الصلوين أي العرقين بعد أن كانا عرقاً واحداً وكما قلت الاشتقاق فيه بعد وقيل إن لفظ الصلاة – مأخوذٌ من الملازمة ومنه صلي بالنار إذا لازمها واحترق بها – تصلى ناراً حامية – تقاسى هذه النار مقاسةً لا خروج منها وعليه فيجب على الإنسان أن يلازم الصلاة وأن لا يهملها طرفة عين – وقيل إنها مأخوذة من التعديل ومنها صليت العود بالنار – إذا لينته بالصلاة – وهو لهب النار وحرها – فهكذا ينبغي أن يعدل الإنسان نفسه بالصلاة وأن يلازم الصلاة والصلاة تالية للإيمان وإذا سجد الإنسان ينثني صلواه ثم في الصلاة دعاءٌ والتجاءٌ إلى الله جل وعلا وهذه الأقوال الأربعة أظهرها كما قلت من حيث الاشتقاق اللغوي أولها والعلم عند الله جل وعلا وللأقوال الأخرين شواهد من كلام العرب وبسط هذا في كتب اللغة وكتب الفقه.

стр. 5234

القول الثاني: الصلاة ليست مشتقة من شيء لا بمعنى الدعاء ولا الاشتقاقات الأخرى إنما هي اسم علم على عبادة معروفة ذهب إلى هذا الإمام أبو نصر القشيري وتبعه عددٌ من أئمة الإسلام ووجه تعليل هذا القول – أنه لم ينحل زمان من شريعة فما من أمة إلا وأرسل الله فيها مزيداً وما خلا تشريعٌ لأمة من الأمم من الصلاة وعليه هذا اللفظ اسم لهذه العبادة التي فرضها الله جل وعلا على الأولين والآخرين على عبادة المكلفين صلاة فهي اسم علم مرتجلٍ غير مشتقة من شيء كلفظ الحجر والشجر وغير ذلك هذا البحث اللغوي بقسميه سواء كانت مشتقة أو اسم علم مرتجل ليست مشتقة من شيء ولا يعنينا كثيرا إنما يحس بنا أن نعرف أهل اللفظ من حيث اللغة. أما المعنى الشرعي للصلاة بلا خلاف بين أئمتنا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة فمفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليله التسليم هذه الصلاة إخوتي الكرام فريضة محكمة يكفر جاحدها. قرر الله وجوبها في آيات القرآن وقرر وجوبها نبينا ﵊ في أحاديثه الصحيحة الحسان وأجمع على ذلك أئمة الإسلام فمن آيات القرآن التي تقرر وجوب الصلاة يقول الله جل وعلا في سورة البينة: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" ومن ذلك قول الله جل وعلا في سورة النساء: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" فرضا مؤقتاً محدداً في أوقاتٍ يجب أن تفعل هذه الصلاة فيها إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ومن الآيات أيضاً قول الله جل وعلا في سورة هود: "أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين".

стр. 5235

أقم الصلاة والأمر للوجوب في أمرنا إلا بالإخلاص لله وتوحيده وتعظيمه عن طريق الصلاة والإحسان إلى عباده والشفقة عليهم عن طريق إيتاء الزكاة وهكذا كما قلت الصلاة فرضٌ مكتوبةٌ علينا للصلوات أوقات محددة ينبغي أن نفعلها فيها. وقد تواترت الأحاديث عن نبينا ﵊ بوجوب الصلاة وفرضيتها ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين والحديث في سنن الترمذي والنسائي وهو في أعلى درجات الصحة من وراية عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا". وورود الأحاديث الكثيرة تبين فرضية الصلاة ووجوبها وأن من تركها يقاتل حتى يأتي بها ثبت في الكتب الستة من رواية أبي هريرة ﵁ والحديث متواتر روى عن عدة من الصحابة الكرام عن نبينا ﵊ أنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا حتى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله.

стр. 5236

والحديث أخرجه الشيخان من رواية ابن عمر ﵄ بزيادة أعرف أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا حتى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله وتخصيص الصلاة بالذكر لأنها أعظم حقوق الله وتخصيص الزكاة بالذكر لأنها أعظم حقوق العباد وعليه ينبغي أن تقوم وبكل حق واجب لله أو للعباد والاتكال عليه كما ثنيت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا حتى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " وهذه فريضة ثابتة محكمة يكفرُ جاحدها كما دل على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ وهذه الصلاة مع أنها فريضة محكمة هي أفضل الطاعات وأعظم القربات نتقرب بها إلى رب الأرض والسموات.

стр. 5237

وقد وضح هذا الأمر وقرره خير البريات نبينا محمد صلى الله علية وسلم ففي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والإمام الدارجي والحديث إسناده صحيح عن ثوبان مولى نبينا ﵊ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" استقيموا ولن تحصوا لي لن تطيقوا الإستقامة كما يريد الله منكم إنما ابذلوا ما في وسعكم والله غفور رحيم. استقيموا ولن تحصوا لن تطيقوا الاستقامة ولا يمكن للعبد أن يؤدي حق الرب ونحن خطئ في الليل والنهار ولا يسعنا إلا عفو العزيز الغفار استقيموا ولن تحصوا المعنى الثاني وهو حق استقيموا ولن تحصوا لن تستطيعوا أن تحصوا ثواب الاستقامة أن استقمتم فلذلك أجرٌ لا يخطر على بال أحدٍ منكم استقيموا فإن استقمتم لا يعلم أحدٌ مقدر ثوابكم إلا الله استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة خير الأعمال التي تتقرب بها إلى ذي العزة والجلال الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. وهذا الحديث إخوتي الكرام الثابت من رواية نوبان عن نبينا عليه وعلى آله وأصحابه ومواليه الصلاة والسلام روى عن عدة من الصحابة الكرام أيضاً وهو حديث صحيح كما قلت رواه ابن ماجه والطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي أمامة الباهلي ورواه ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ورواه الطبراني في معجمه الكبير أيضاً وفي معجمه الأوسط عن سلمة بن الأكوع ﵃ أجمعين وعن عبد الله بن قراظ ولفظ حديث معجم الطبراني الأوسط " استقيموا ولن تحصوا واعلموا إن أفضل أعمالكم الصلاة إن خير أعمالكم الصلاة " فهذه الصلاة مع أنها فريضة محكمة هي أفضل عملٍ تتقرب به إلى الله جل وعلا.

стр. 5238

ولذلك أخبرنا نبينا ﷺ أن هذه الصلاة إذا وقعت على الكيفية المطلوبة وأقامها الإنسان كما اشترط الله فيها "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة" إذاً أقامها كما أراد الله فهنيئاً له فصلاح الصلاة يستلزم صلاح سائر الأعمال وفساد الصلاة يترتب عليه فساد سائر الأعمال وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن هذه الحقيقة وبين لنا أن أول ما تحاسب عليه يوم القيامة من أعمالنا الصلاة فهنيئا لمن صلحت صلاته وشقاء لمن فسدت صلاته. ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه أهل السنن الأربعة ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والحديث إسناده صحيح والحديث من رواية أبي هريرة ﵁ وروى عن أبي قتادة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإذا صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر وفي رواية فإن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد عمله كله والحديث إخوتي الكرام كما قلت روي عن غير أبي هريرة ﵁ روي عن أنس أيضاً وعن تميم الداري وروي عن عبد الله بن مسعود وعن عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وفي بعض روايات عبد الله بن مسعود إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة وإن أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء وكنت وجهت هذا الحديث في المواعظ السابقة فقلت أول ما يحاسب عليه العباد من حقوق الله الصلاة وأول ما يحاسبون عليه من حقوق العباد الدماء فنسأل الله أن يسلمنا من الدماء وشرها وأن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة حق الإقامة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 5239

إخوتي الكرام: هذه لمحة مختصرة فيما يتعلق بلفظ الصلاة ومعناها وحكمها وفضلها – وأما إقامة الصلاة وقد اشترط الله هذا الأمر في الصلاة فقال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإيقام الصلاة ليس المطلوب من الإنسان أن يصلي فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون إنما المطلوب منه أن يقيم الصلاة وبذلك يزول الإشكال الذي يخطر في البال في كثير من الأحيان كيف تهدد المصلين بالويل لأنهم ما أقاموا الصلاة نعم حصلت منهم الصلاة لكن بدون إقامة لها فما معنى الإقامة – شاع في تعبير القرآن عند ذكر الصلاة واستفاض هذا أن يذكر الله الصلاة بلفظ الإقامة. والآيات في ذلك كثيرة وأخيرة أنظر أول آية ذكر الله فيها الصلاة في مطلع كتابه في أول سورة البقرة ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. إذاً يقيمون الصلاة وهكذا قول الله جل وعلا في سورة الأعراف: "والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة" إنك لا تضيع أجر المصلحين وهكذا أخبرنا الله عن عباده الطيبين وإذا مكناهم في الأرض يقيمون الصلاة قال تعالى في سورة الحج: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور". وتقدمت معنا آية العنكبوت أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة والآيات في ذلك كثيرة منها قول الله جل وعلا في سورة فاطر: "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة" – "ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير" وهكذا قول الله في نفس السورة بعد آيات: "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور".

стр. 5240

وهكذا أخبرنا الله عن هذه الفريضة أن المطلوب فيها إقامتها في هذه الأمة وفي الأمم السابقة فهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه يقول ما حكاه عن ربنا العظيم في السورة التي سماها باسمه بسورة إبراهيم: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة. فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" وقال ما أخبر الله عنه في آخر السورة: "ربي اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء". وهكذا نبي الله موسى كليمه عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه أوحى الله إليه وإلى أخيه وإلى أخته بإقامة الصلاة فقال جل وعلا في سورة يونس: "وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة واقيموا الصلاة وبشر المؤمنين" وهكذا أخبر الله عندما أوحي إلى كليمه موسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه أمره أن يقيم الصلاة: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري" وهكذا عندما أوحي العبد الصالح لقمان ولده قال: "يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه هن المنكر". والآيات في ذلك كما قلت إخوتي الكرام كثيرة كثيرة تطلب منا أن نقيم الصلاة لا أن نؤدي الصلاة فماذا يدل هذا اللفظ من دلالة معتبرة ينبغي أن نتصف بها ونسأل الله أن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة حق إقامتها. إخوتي الكرام: لفظ الإقامة يقيمون الصلاة حق إقامتها إخوتي الكرام لفظ الإقامة يقيمون الصلاة من أقام إقامة يحتمل أربعة معاني كلها حق أقواها أولها وأذكر الأربعة واجمع بينهما الأمر الأول والمعنى الأول للفظ الإقامة لفظ الإقامة " توفيه الشيء حقه علماً وعمل " إذا وفيت الصلاة حقها علماً نظرياً فأتقنت أحكامها وعرفت أركانها وشروطها وسنتها ثم حققتها عملياً هذه إقامة الصلاة وساعد هذا قد يضرب بها وجهك قبل أن تسلم.

стр. 5241

إذاً لابد من إقامة الصلاة توفيه الشيء حقه ملماً وعملا قال الله جل وعلا في سورة الرحمن: "والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغو في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" - وفو هذا الميزان حقه وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان وهنا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وتوفية الشيء حقه علماً وعملاً فإذا فرطت في شيء من معرفة أحكام الصلاة فما أقمت الصلاة وإذا فرطت شيئاً في أعمال الصلاة من أركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها فما أقمت الصلاة المطلوب هنا إقامتها لا تأديتها يقيمون الصلاة توفية الشيء حقه ولأجل هذا قال العبد الصالح سفيان واختلف في تعيينه أي السفيانين هو هل هو الثوري أو ابن عيينة والأثر رواه عنه الإمام البخاري في تفسيره سورة المائدة معلقا بصيغة الجزم دون أن يبين السفيانين هو وقال بعض العلماء إنه سفيان الثوري قال الحافظ ابن حجر لم أقف على ذلك موصولاً وإذا كان هذا القائل هو سفيان الثوري أو سفيان ابن عينية فكل منهما من أئمة الهدى والإرشاد يقول سفيان ما في القرآن آية أشد علي من هذه الآية أي آية قول الله في سورة المائدة: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم". والإقامة هي توفية الشيء حقه علماً وعملاً فكأن الله يقول للأمم قبلنا لا اعتبار لكم ولا وزن ولا تقدير وأنتم هباءً منثورا إلا إذا وفيتم ما أنزل الله عليكم حقه علماً وعملاً وهذه الأمة يقال لها كما قيل للأمم السابقة وعليه فهم سفيان من هذه الآية المعنى الذي سأذكره يا أمة محمد على نبينا صلوات الله وسلامه لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وسنة النبي ﵊ وإقامتهما توفيتهما حقهما علماً وعملاً وهنا كذلك إقامة الصلاة توفية الصلاة حقها الثلاثة مقبوله وأجمع بينهما إن شاء الله.

стр. 5242

وقيل إن إقامة الصلاة مأخوذة من قامت في السوق إذا نفقت وراج ما فيها وعليه فينبغي أن تكون هذه الصلاة نافعة رائجة مرغوب فيها ويترتب على هذا المحافظة عليه في أوقاتها هذا هو الذي يفعله الإنسان في الشيء الذي يرغبه ويحبه ويحرص عليه ويتعلق به فينبغي أن تكون هذه الصلاة كأنها سلعة تعمل بها لله وهي سلعة غالية ترغب فيها وتحرص عليها وتتعلق بها كما يتعلق أهل السوق بسلعهم في بيعهم وشرائهم. قال الإمام القرطبي عليه رحمة الله وإلى هذا المعنى أشار عمر ﵁ وأثر عمر مروي في موطأ الإمام مالك عندنا مع موسى عبد الله بن عمر عن عمر والأثر إسناده منقطع فنافع لم يدرك عمر ﵃ أجمعين لكن الأثر له شواهد مرفوعة متصلة إلى النبي عليه صلوات الله وسلامه ولفظ الأثر والحديث في موطأ مالك وهو الحديث الخامس في الموطأ أن عمر كان يكتب إلى عما له فيقول إن أهم أمركم عندي الثلة فمن حافظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع حفضهما علماً وحافظ عليها عملاً فقد حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. فإذاً المعنى الثاني: إقامة الصلاة من قامت في السوق كما قلت – إذا نفقت وراج ما منها. والمعنى الثالث: أيضا حق معتبر إقامة الصلاة من قام بالأمر إذا جد فيه وبذل النشاط فيه ومنه قامت الحرب إذا اشتد لهما القتال فيها وعليه يجدون ويجتهدون في إقامة الصلاة على أكمل وجه. والمعنى الرابع: من إقامة الصلاة تأديتها وفعلها وإذاجمعنا بين الأمور الأربعة فأقول يؤدون الصلاة ويجدون في تأديتها برغبة ونشاط وحرص ثم بعد ذلك يكملون ما تستحقه الصلاة وما تريده علماً وعملاً فعلا خبراً فيحيطون بهذه الصلاة ويكملونها من كل جهة فحصلت هذه المعاني كلها وليس المقصود من إقامة الصلاة فعلها كما اتفق على ذلك أئمتنا.

стр. 5243

ولو كان المراد من إقامة الصلاة فعل الصلاة كيفما كان لما عدل الله عن الأقصر إلى الأطول بدون فائدة لقال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعن الصلاة لا داعي لإقام الصلاة وقال يقيمون الصلاة، يقول يصلون فالبليغ لا يترك أخصر الكلام الموجز إلى ما هو أطول إلا لقلته فيريد إذا من إقامة الصلاة هنا توفية الشيء حقه علماً وعملا إخوتي الكرام وإذا ما قام الإنسان بالصلاة علماً وعملاً على وجه التمام على هذه الحالة فقد جذعها ونقصها. ثبت في معجم الطبراني في الأوسط بسند حسن من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للصحابة الكرام يقول أبو هريرة وأنا حاضر لو كان لأحدكم هذه السارية السارية في المسجد عمود جذع نخلة يقوم عليه في المسجد لو كان لأحدكم هذه السارية لكره أن تجدع أي أن تقطع أو يحصل فيها نقص لكره أن تجدع فكيف بالصلاة التي هي لله وأنتم تجدعونها أتموا صلاتكم فإن الله لا يقبل إلا تامة وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الذي لا يوفي الصلاة حقها علماً وعملاً فقد سرق منها وهذا أسرق السراق وأسوأ السراق عند رب الأرض والسماء. ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح بن خزيمة والحديث رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير والحديث روي من رواية أبي قتادة ﵁ وروى عن غيره من الصحابة الكرام أن النبي ﷺ قال لا أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا وكيف يسرق يا رسول الله ﵊ قال لا يتم ركوعها ولا سجودها روي الحديث أيضا عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري وروى عن غيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أسوأ الناس سرقه الذي يسرق من صلاته قالوا وكيفي يسرق من صلاته يا رسول الله ﵊ قال لا يتم ركوعها ولا سجودها.

стр. 5244

إخوتي الكرام: لتحصل الصلاة على التمام وليحصل وصف الإقامة فيها لا بد من الكلام على أدائها في أوقاتها وعلى وجوب الخشوع فيها وعلى وجوب الخشوع فيها وعلى حفظ الحركات والسكتات فيها وألا يحرك الإنسان جوارحه وأعضائه وأن يطمئن في أركانها وأفعالها هذه الأمور ينبغي أن نتدارسها أسأل الله جل وعلا أن يسهل لنا مدارستها في موعظة آتية نه على كل شيء قدير كما أسأله أن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة ويتلذذون بها وأن تكون صلاة تنهانا عن الفحشاء والمنكر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول واستغفر الله. الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. اللهم ارض عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم أغفر لأمة نبينا محمد ﷺ . اللهم ارحم أمة نبينا محمد ﷺ . اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ وفرج عن أمة نبينا محمد ﷺ . ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين اللهم أغفر لنا ماقدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغارا اللهم أغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن لمن أحسن إلينا اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الحمد لله رب العالمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد".

стр. 5245

فرحة العيد (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فرحة العيد الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي صالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. (يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) . وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) . (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) . أما بعد: معشر الإخوة الكرام.. تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام أيام استب شار وسرور بما من به عليها ربنا العزيز الغفور من الصيام والقيام في سيد الشهور وهذه الفرحة التي تعيشها الأمة الإسلامية في هذه الأوقات ينبغي أن يقف عندها أهل العقول فأقول ومن الله التوفيق لأرشد الأمور.

стр. 5246

معشر الإخوة المسلمين وحد الله بين عباده الموحدين في العقائد والأفكار وفي الأقوال والأعمال وفي المشاعر والأحاسيس في جميع الأحوال في السراء وفي الضراء فالله عقد بين عباده المؤمنين عقد الإخاء وأوجب لبعضهم على بعض النصرة والمحبة والولاء ولاغرو في ذلك فهم لله أولياء (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) . وقد وضح نبينا ﷺ صلة المؤمنين ببعضهم وما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في أحاديثه الصحيحة الكثيرة التي تقرر هذا الأمر فمن ذلك كما ثبت في الصحيحين وسنن الترمذي والنسائي والحديث رواه الإمام ابن حبان في صحيحه وابن أبي شيبة في مصنفه وهو من أعلى الأحاديث درجة من رواية أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه أن نبينا ﷺ قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك نبينا ﷺ بين أصابعه لتقرير هذه الصورة الذهنية بالأمثلة الحسية. نعم إخوتي الكرام: هم كالبنيان المرصوص وهو كالجسد الواحد كما قرر نبينا ﷺ هذا ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين والحديث رواه أبو نعيم في حلية الأولياء والإمام أبو داود الطيالسي في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى من رواية سيدنا النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . وفي بعض روايات الحديث (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) . وفي بعض روايات الحديث في صحيح مسلم وغيره (المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله) .

стр. 5247

هذا هو حال المؤمنين وحد الله بيننا كما قلت في العقائد والأفكار وفي الأقوال والأعمال وفي المشاعر والأحاسيس في جميع الأحوال وثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام القضاعي في مسند الشهاب وأبو نعيم في الحلية وإسناده حسن بالشواهد من رواية سهل بن سعد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لما يصيب أهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس) . إخوتي الكرام: وحد رب العالمين بين عباده الموحدين في العقائد والأفكار في الأقوال والأعمال في الأحاسيس والمشاعر في جميع الأحوال في السراء وفي الضراء وتحقيقا لهذا الأمر أمر الله جل وعلا أن تتوحد هذه الأمة من أولها لآخرها بقضها وقضيضها عن بكرة أبيها أن تتوحد تحت إمرة حاكم واحد تحت إمرة خليفة واحد يقودها من شرقها إلى غربها ومرد الأمور فيها إليه على حسب كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وله أعوان وأمراء في أقطار الأرض إنما ينبغي أن تتوحد الأمة في جيشها وفي بيت مالها وفي جميع أحوالها تحقيقا للوحدة التي عقدها الله بين عباده الموحدين في عقائدهم في أقوالهم في أعمالهم في مشاعرهم فإذا كان الرب الذي نعبده سبحانه واحد وإذا كان النبي ﷺ الذي نتبعه واحدا وإذا كان الدين الذي ندين به واحدا وإذا كان البيت الذي نستقبله ونتوجه إليه واحدا فعلام تتعدد دويلات المسلمين إن هذا نذير بكل سوء مبين في العاجل وعند رب العالمين.

стр. 5248

وقد حذرنا نبينا ﷺ من هذا الأمر الوخيم ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى والبغوي في شرح السنة من رواية سيدنا أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) لأنه يريد أن يفرق الجماعة وأن يشق عصى الطاعة وأن يجعل الأمة شيعا وأحزابا ودويلات تتنازع فيما بينها والدولة الإسلامية ينبغي أن يقودها إمام واحد ينوب عن نبينا خير البرية ﵊ في الحكم بين عباد الله بالشريعة الإسلامية ورواه اِلإمام البزار والطبراني في معجمه الأوسط بسند صحيح رجاله ثقات من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ كما في مجمع الزوائد في الجزء الخامس صفحة ١٩٨ في كتاب الخلفاء باب في النهي عن بيعة خليفتين والحديث رواه الإمام ابن عساكر عن سيدنا على وعن سيدنا العباس عم نبينا خير الناس ﵊.

стр. 5249

وروى الإمام الطبراني في معجمه الكبير والأوسط بسند صحيح رجاله ثقات أيضا كما في المجمع في المكان المشار إليه عن التابعي الجليل سعيد بن جبير ﵁ وأرضاه أن سيدنا عبد الله بن الزبير قال لسيدنا معاوية رضوان الله عليهم أجمعين: يا معاوية أنت حدثتني عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا الآخر منهما) فهو من رواية أيضا معاوية وعبد الله بن الزبير يحدث معاوية بهذا ويذكره وفي السنن الكبرى للإمام البيهقي يقول روينا في حديث ثقيفة بني ساعدة وهي بيت للأنصار الأبرار اجتمعوا فيه بعد موت نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فجاءهم سيدنا أبو بكر ﵁ ومعه سيدنا عمر ومعهما سيدنا أبو عبيدة بن الجراح مع لفيف من المهاجرين وأخبروهم أن الخلافة ينبغي أن تكون في قريش فقال بعض الأنصار منا أمير ومنكم أمير فقال سيدنا عمر ﵁ وأرضاه كما في السنن الكبرى للإمام البيهقي سيفان في غمد لا يصطلحان إذا أردت أن تجعل سيفين في غمد واحد إن السيفين سيتسلما ويتكسران وإذا أردت أن تجعل على الأمة خليفتين سيقتتلان ويتنازعان ويصبح بأس الأمة بينها وقال سيدنا أبو بكر خير هذه الأمة بعد نبيها على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه مقالته الشهيرة: (لا يحل أن يكون على المسلمين خليفتان فهناك تترك السنة وتظهر البدعة وتعظم الفتنة وليس لأحد على ذلك صلاح) وتمت بعد ذلك البيعة لسيدنا أبي بكر من قبل المهاجرين والأنصار ﵃ وأرضاهم.

стр. 5250

إخوتي الكرام: تحقيقا لعقد الإخاء الذي عقده الله بين أولياء رب الأرض والسماء أمرهم الله أن يكون الخليفة عليهم واحد يدير هذه الأمة وهو المسؤول عن جيوشها وعن بيت مالها وعن تدبير أمورها نعم له نواب وأعوان ينوبون عنه ويرفعون كل شيء إليه وهذه الأمة هي يد واحدة وهي وإن تعدد أفرادها فهي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد الذي يكمل كل عضو فيه الآخر ولا يمكن أن يستغني هذا الجسد عن عضو منه وإذا فصلت اليد عن الجسد فلا قيمة لها فإن اليد لا تضرب إذا فصلت عن الجسد وإذا فصلت الرجل عن الجسد فلا تمشي وإذا فصلت العين عن الجسد فلا تبصر وإذا قطعت اللسان عن الجسد فلا يتكلم وحال الأمة في هذه الأيام فصلت أعضاؤها وقطعت أطرافها عن بعضها وإلى الله نشكوا أحوالنا. إخوتي الكرام: وقد قرر أئمتنا الكرام أن هذا الأمر الذي غاب عن كثير من الأذهان أنه واجب على أهل الإسلام أعني أن يكون عليهم خليفة واحد يقود هذه الأمة بجميع أجناسها وأشكالها واختلاف لهجاتها ولغاتها وأن يكونوا أخوة متحابين في الله رب العالمين هذا أمر واجب وهو مجمع عليه بين أئمتنا لا يخالف فيه إلا من كان ضالا نص على الإجماع إمام الفقهاء وسيد المحدثين الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الرسالة صفحة ٤١٩ وقد حكى الإجماع غير واحد من أئمتنا الكرام انظروه في كتاب الأحكام السلطانية للإمام الماوردي وفي كتاب الأحكام السلطانية للإمام الفراء. ونقل الإجماع على ذلك الإمام ابن حزم في كتاب مراتب الإجماع وأقره على ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في التعليق على كتابه المسمى بنقض مراتب كتاب الإجماع وحكى الإجماع على ذلك شيخ الإسلام الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في الجزء الثاني عشر صفحة ٣٢ فقال اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز أن تعقد الخلافة لخليفتين في وقت واحد في بلدين سواء كانا متباعدين أو متقاربين.

стр. 5251

والله جل وعلا يقول في كتابه في سورة الأنبياء: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ويقول جل وعلا في سورة المؤمنون: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) . والمراد من الأمة هنا الملة والشريعة والدين ولفظ الأمة كما يأتي بمعنى الدين يأتي بمعان أخرى حاصلها أنه يأتي على خمسة معان في كتاب الله تعالى أولها ما ذكرت ويأتي لفظ الأمة بمعنى الجماعة والفرقة والقطعة ومنه قول الله جل وعلا: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون) ومنه قول الله جل وعلا: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ومنه قول الله جل وعلا: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) . ويأتي لفظ الأمة بمعنى الحين والبرهة والزمن وقد استعمل هذا في مكانين من كتاب الله في سورة هود: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه) وفي سورة يوسف: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبؤكم بتأويله فأرسلون) . ويأتي بمعنى الإمام المقتدى به الذي يعدل أمة من الأمم قال الله في سورة النحل: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين) على نبينا وعلى خليل الله إبراهيم وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه والمعنى الخامس للفظ الأمة يأتي بمعنى الصنف ومنه قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) في المأكل وفي المشرب والتمييز بين ما ينفعها مما يضرها ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى إلا أمم أمثالكم تأكل وتشرب وتعرف ربها وتعرف مالكها وتعرف عدوها من صديقها هكذا الطيور وهكذا الحيوانات الأخرى. وهكذا بنو آدم إخوتي الكرام: وأيام العيد أيام تتوحد فيها المشاعر بين عباد الله المجيد أيام فرح أيام سرور وقد أقر نبينا ﷺ هذا المعنى وأرشد المسلمين إليه.

стр. 5252

ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى والبغوي في شرح السنة وعبد بن حميد في مسنده والإمام الفريابي في كتاب أحكام العيدين والحديث صحيح كالشمس صححه الإمام الحاكم ووافقه الإمام الذهبي وصححه الإمام البغوي في شرح السنة وصححه الحافظ ابن حجر وأئمة الإسلام على هذا ولفظ الحديث من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال قدم رسول الله ﷺ المدينة وللأنصار يومان يلعبون فيهما فقال النبي ﵊: (ما هذا فقالوا يا رسول الله يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية فنحن نلعب فيهما في الإسلام فقال نبينا ﵊ إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى) . نعم إخوتي الكرام: إظهار البشر والسرور في أعياد المسلمين هذا من الدين ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ولذلك أمر المسلمون بأجمعهم أن يحضروا صلاة العيد ليشاركوا في هذه الفرحة التي من الله بها على عباده بعد صيامهم وقيامهم أو بعد يوم عرفات الذي له شأن عظيم عند رب الأرض والسموات ينبغي أن يشارك الجميع الصغار والكبار النساء والرجال حتى أهل الأعذار ينبغي أن يشاركوا في صلاة العيد فالنساء الحيض يشهدن الخير ودعوة المسلمين لكنهن يعتزلن الصلاة فلا يصلين لكن ينبغي أن يحضرن في هذه الفرحة التي فيها إظهار شعائر الله وذلك من تعظيم الله جل وعلا. إخوتي الكرام: وتحقيقا للفرحة في أيام العيد أمرنا نبينا ﷺ أن ننزع منا أيام العيد كل ما يشر إلى شدة إلى غلظة إلى قتال فإظهار السلاح أيام العيد مما ينبغي أن لا يحصل في بلاد المسلمين فالسلاح يشير إلى الرهبة يشير إلى الشدة وهذه أيام فرح أيام سرور ما ينبغي أن يوجد فيها ما يشير إلى شدة ولا إلى رهبة.

стр. 5253

وقد ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله في صحيح البخاري في كتاب أحكام العيدين باب بهذا الخصوص فقال باب ما يكره من حمل السلاح في العيد وفي الحرم ثم روى معلقا بصيغة الجزم عن إمام التابعين الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين أنه قال: (نهوا عن حمل السلاح أيام العيد إلا أن يخافوا عدوا) قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة ٤٥٥ في شرح هذا الأثر يقول لم أجد هذا الأثر موصولا وإن نقله عن الحسن الإمام ابن المنذر عليهم جميعا رحمة الله نعم ثبت هذا الأثر وروى مرفوعا إلى نبينا ﵊ في سنن ابن ماجه من رواية سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ لكن بإسناد ضعيف قال عبد الله بن عباس: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس السلاح في العيدين في بلاد المسلمين إلا أن يكونوا بحضرة العدو) والحديث رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه مرسلا من رواية الضحاك بن مزاحم إلى نبينا ﵊ وإسناده ضعيف أيضا لكن هذا المعنى ثابت. وكما نهي المسلمون عن حمل السلاح أيام العيدين نهوا أيضا عن حمل السلاح في الحرمين فذاك مكان آمن يقصده كل أحد من كل فج عميق فيأتي إلى هذا المكان العجوز والبكر والرجل الضعيف فإذا رأى صورة السلاح في رؤية صورة السلاح ما فيها وهذا ثابت عن نبينا ﵊ ففي صحيح مسلم والسنن الكبرى للإمام البيهقي من رواية سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس السلاح بمكة) .

стр. 5254

وثبت في مسند الإمام أحمد من رواية جابر بن عبد الله أيضا وفي الإسناد عبد الله بن لهيعة وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن إن شاء الله أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لأحد أن يحمل فيها سلاحا لقتال) يعني في المدينة المنورة على منورها الصلاة والسلام فكما أنه لا يجوز أن يلبس السلاح بمكة لا يجوز أن يحمل السلاح في مدينة خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه ويستوي في ذلك الكان الغريب والمستوطن كما أخبر عن ذلك ربنا الرحمن: (سواء العاكف فيه والباد) وكل من آذى عباد الله في ذلك المكان فخصمه ذو الجلال والإكرام وإيذاؤه لعباد الله في حرم الله من الإلحاد في حرم رب العباد يقول ربنا جل وعلا (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) . إخوتي الكرام: هذه المعاني ينبغي أن ترسخ في أذهان المسلمين وإذا أمرنا أن نظهر البشر والسرور في أعياد المسلمين فقد حذرنا غاية التحذير نهانا اللطيف الخبير عن المشاركة في أعياد الجاهلية وعن إظهار البشر والسرور في تلك الأعياد الغوية في أعياد المشركين وفي الأعياد الوطنية التي انتشرت بين المسلمين وفي أعياد الميلاد وفي غير ذلك من البلاء الذي حصل بين العباد من أعياد الجلوس وغير ذلك مما تعارف عليه الناس في هذه الأيام وكلها أعياد باطلة ما أنزل الله بها من سلطان ولا ينبغي للمسلم أن يشارك فيها وإذا شارك فالويل ثم الويل له.

стр. 5255

يقول الله جل وعلا في صفات عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان: (وعباد الحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) وعدد ربنا أوصافهم ثم قال: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) وكلمة يشهدون تحتمل معنيين كل منهما ثابت عن سلفنا الكرام المعنى الأول لا يشهدون من الشهادة وعليه لا يشهدون في الزور ولا يزورون ولا يكذبون عندما يدلون بشهادتهم إنما يتكلمون بالحق والزور سمي زورا من الزور وهو الميل لأن فيه ميل عن الحق وانحراف عن صراط الله المستقيم والمعنى الثاني لا يشهدون بمعنى لا يحضرون ولا يتواجدون فهو من الشهود لا من الشهادة التي هي بمعنى إدلاء الشهادة والزور قيل مجالس النياحة والمآتم والغناء مجالس الباطل كما ثبت هذا عن جم غفير من التابعين منهم العبد الصالح مجاهد بن جبر ﵁ والنياحة الذي قال بذلك الحسن البصري وغيره وقال عبد الله بن عباس والإمام الضحاك ﵃ أجمعين لا يشهدون الزور أعياد المشركين نعم من شارك في تلك الأعياد الجاهلية فهو جاهلي.
следующие страницы →