Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
وموعظتنا ستكون في الأمور المتفق عليها، وأما الأمور المختلف فيها والتي هل يصح إهدائها إلى الأموات بعد موتهم فسأتكلم عنها في الموعظة الآتية إن شاء الله.
اخوتي الكرام: قرر أئمتنا الأتقياء أن أربعة أشياء تصل إلى الأموات بعد موتهم وينتفعون بها في قبورهم عند ربهم بعد رحيلهم ومفارقتهم للحياة الدنيا، وهذه الأمور الأربعة من خالف فيها شيئاً منها فهو ضال مبتدع، وكما قلت عليها الإجماع والاتفاق.
أولها:- ما تسبب الإنسان في عمله ووجوده بعد موته.
وثانيها:- دعاء المؤمنين واستغفارهم للأموات بعد موتهم.
وثالثها:- الحج والعمرة للأموات.
ورابعها:- قضاء الديون عنهم والتصدق عنهم.
فهذه الأمور الأربعة تصل إلى الأموات وينتفعون بها بعد موتهم باتفاق علماؤنا الكرام.
وسأذكرها مفصلة مقررة بأدلتها الثابتة عن نبينا ﵊.
أما الأمر الأول منها:- ما تسبب الإنسان في وجوده وفعله وبقائه بعد موته يكتب له أجره ما دام ذلك العمل قائماً يعمل به بعد موته، ولو استمر ذلك العمل إلى يوم القيامة، فالأجور تكتب للإنسان ما دام ذلك العمل مستمراً باقياً وقد قرر الله تعالى ذلك في كتابه فقال جل وعلا في سورة (يس) ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيءٍ أحصيناه في إمامٍ مبين﴾ نكتب ما قدموه من أعمال صالحة أو طالحة، من أعمال حسنة أو سيئة، ونكتب آثارهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهذا أحد القولين في تفسير الآية وهو أظهرهما وأوجههما.
стр. 5322
والأمر الثاني: يدخل في التفسير الأول في ما قدمه الإنسان في حياته ألا وهو ﴿وآثارهم﴾ قالوا هو الأثر والخطى إلى الذهاب إلى بيوت الله وإلى المساجد في الأرض، فالله يكتب لهم هذه الخطى ويثبهم عليها، هذا يدخل فيما قدموه كما قلت إنما الآية تدل على القول الثاني وهو الذي قرره أئمتنا المفسرون ما قدموه من عمل وما خلفوه أنه يعمل بسببهم يكتب لهم في الخير والشر، وهذا الحقول الله جل وعلا في سورة القيامة ﴿ينبؤا الإنسان يومئذٍ بما قدم وأخر﴾ وهذا الحقول الله تعالى أيضاً في سورة الإنفطار ﴿عملت نفسٌ ما قدمت وأخرت﴾ ما قدمته من خيرٍ وما أخرته من خيرٍ، وما قدمته من شرٍ وما أخرته من شرٍ، وهذا المعنى الذي دلت عليه الآيات.
ورد في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة عن خير البريات على نبينا صلوات الله وسلامه، فمن تلك الأحاديث ما ثبت في مسند صحيح مسلم والسنن الأربعة والحديث رواه الدارمي في مسنده أيضاً صحيحاً صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان له من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً] ، ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ دعى إلى هدى فاهتدى الناس بدعوته ما دامت هذه الدعوة قائمة وينتفع بها أناس يقرؤن كغاية ويسمعون محاضرته يعملون بنصحه يكتب له أجر ذلك ما دام باقياً، والعكس بالعكس فإذا عمل معصية وبقيت هذه المعصية بعد موته والناس يتبعونه فيها من غناءٍ وبلاءٍ وتمثيليات وكفرٍ وغير ذلك كل ذلك يكتب وزره عليه، وهذا كلام النبي ﵊.
стр. 5323
وثبت أيضاً في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود، والحديث رواه الإمام الدارمي أيضاً والبيهقي في السنن الكبرى، وتقدمت وتقدم معنا الإشارة إليه في الموعظة الماضية، والحديث أيضاً من رواية أبو هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً] .
والأحاديث في ذلك كثيرة ووفيرة، أيضاً منها ما في المسند والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجة والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه والبخاري في الأدب المفرد عن رواية أبو هريرة أيضاً ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا م ثلاث: صدقة جارية أو علمٌ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له] .
стр. 5324
وكما قلت اخوتي الكرام: الأحاديث التي تقرر هذا كثيرة وفيرة منها ما في سنن ابن ماجة أيضاً وصحيح خزيمة، والسنن الكبرى للإمام البيهقي، والحديث إسناده حسن، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وقد صحح الحديث شيخ الإسلام إمام الأئمة الإمام ابن خزيمة عليهم جميعاً رحمة الله، ولفظ الحديث أيضاً من رواية أبو هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [إن مما يلحق المسلم من حسناته وعمله بعد موته مما يلحقه، مما يكتب له بعد موته علماً علَّمه ونشره وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، ومسجداً بناه، وبيتاً لابن السبيل بناه، ونهراً أجراه، وصدقة أخرجها من ماله في حال صحته وحياته تلحقه بعد موته] سبعة أمور هذا من ما بالتمثيل أي ما تسبب الإنسان في فعله من الخيرات والطاعات يكتب له بعد مفارقته هذه الحياة ولقاءه رب الأرض والسماوات، وهذا الأمر اخوتي الكرام كما قلت أنه مجمع عليه ومتفق عليه لا يخالف فيه إلا أهل البدع والأهواء ولا يشكلنَّ عليك أمرُ الولد، فالولد هنا من أعظم ثمرات كسبك وهو حصل بسببك فأنت تنتفع أيضاً بما يصدر منه من طاعة وبالدعاء الذي يصدر منه نحوك وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن أعظم كسباً للإنسان ولده.
стр. 5325
ثبت الحديث بذلك في المسند، والحديث في السنن الأربعة أيضاً، ورواه الإمام البخاري في التاريخ الكبير، ورواه الإمام الطيالسي في مسنده، والإمام البغوي في شرح السنة من رواية أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم] وفي رواية [إن أفضل ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوا من كسب أولادكم] هذا الأمر الأول ينتفع الإنسان به بعد موته ما وجد من خيرٍ بعد موته بسببه يكتب له أجره ما دام ذلك الخير باقياً، ولذلك لما وعى أئمتنا الكرام وسلفنا الكرام هذا الأمر تنافسوا في فعل الخيرات التي تنفعهم بعد الممات فأوقفوا الوقوف الكثيرة التي نستظل الآن نحن بظلها من مساجد ووقفاً على المساجد ومن دوراً لرعاية المنقطعين، ومن دوراً لرعاية طلبة العلم ومن أوقافاً بسخية كانت تنفق على ذلك من أجل أن يبقى أجره للإنسان بعد موته، نعم كانوا يقدرون الله مقدراً الآخرة ويقدمون إلى ما بين أيديهم وحصلوا ثمرة جهدهم.
стр. 5326
الأمر الثاني: الذي ينتفع به الإنسان بعد موته دعاء المؤمنين واستغفارهم له ينتفع به الإنسان بعد موته باتفاق أئمتنا، وقد قرر الله هذا في كتابه وذكره نبينا ﷺ في أحاديثه، الله جل وعلا يقول في سورة الحشر بعد أن قسَّم هذه الأمة لثلاثة أقسام إلى مهاجرين صادقين، وإلى أنصارٍ مفلحين، وإلى من عداهما مما يأتي بعدهما، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنَّه وكرمه إنه أرحم الراحمين، جاؤوا بعد هذين الصنفين المباركين وتأدبوابأدب الشرع وما نسوا معروف من سبقهم في إحسانهم إليهم فكانت ألسنتهم تلهج بالثناء والدعاء لهم في جميع أوقاتهم يقول الله جل وعلا بعد ذكر المهاجرين والأنصار ﴿والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوفٌ رحيم﴾ وهذا الدعاء نافعاً قطعاً، والله لا يأمرنا بأن ندعو لمن سبقنا وقد مات إذا كان الدعاء لا ينفع ورضي الله عن السيد الجليل الشريف الحعيفي الإمام الباقر محمد ابن على ابن الحسين ابن عليٍّ ابن فاطمة بنت رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه لما جاءه أناس من السفهاء من الغوغاء ووقعوا في السلف الصالح فقال لهم هذا الإمام التقي النقي المبارك رحمة الله ورضوانه عليه هل أنتم من أهل هذه الآية: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ أنتم من أهل هذه الآية ومن المهاجرين والله عناكم بها قالوا لا قال أنتم من أهل هذه الآية ﴿والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ فنعت الله المهاجرين بالصدق ونعت الله الأنصار بالفلاح، صادقون، ومفلحون، أنتم من أهل هذه الآية؟ قالوا: لا، قال: أما والله إني
стр. 5327
أشهد أنكم لستم من هذه ثم تلا: ﴿والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوفٌ رحيم﴾ .
هذا هو الإمام الباقر الذي هو إمام ثقة عدلٌ رضى من أئمة الخير خرج أهل الكتب الستة حديثه في دواوين الإسلام في الكتب الستة وأجمعت الأمة على جلالته وتوثيقه وإمامته وخيره وصلاحه، قد توفي سنة بضع عشرة بعد المائة قبل سنة أربعة عشر ومائة ١١٤سـ وقيل سنة سبعة عشر ومائة ١١٧سـ والعلم عند الله جل وعلا، وكما قلت حديثاً في الكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة رحمة الله ورضوانه عليهم وعلى أئمة المسلمين أجمعين.
إذاً هذا هو الدعاء والاستغفار للأموات ﴿يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ .
نعم اخوتي الكرام: إن الدعاء للأموات أعظم من الهدايا للأحياء أعظم بكثير وإذا أهديتم لحيٍ هدية ثمينة يُسر بها فإن الدعاء للميت أعظم من الهدية للحي وقد شرع الله لنا أن ندعو لإخواننا فقبل أن نوسدة الميت قبره وقبل أن نضعه في لحده شرع الله لنا الدعاء والأستغفار له في صلاة الجنازة وقد شفع الله هذه الأمة بعضهم في بعض وصلاة الجنازة أول دعاءٍ يقدمه المسلم لهذا الميت، وقد شهد نبينا ﷺ لهذا الميت بأنه من أهل الخير وأن ذنوبه تغفر ومن أهل الجنة إذا صلى عليه المسلمون واستغفروا الله له فالله سيشفعهم فيه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي والحديث رواه الإمام البيهقي وأبو داود الطيالسي وهو في صحيح مسلم صحيح من رواية أمنا عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من ميتٍ يموت م المسلمين فيصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائة إذا بلغوا هذا العدد يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعهم الله فيه] .
стр. 5328
والحديث في صحيح مسلم [ما من ميت من المسلمين يموت يصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعهم الله فيه] .
والحديث اخوتي الكرام: كما قلت في صحيح مسلم من رواية أمنا عائشة ﵂ وأرضاها وقد رواه الإمام أحمد في المسند والإمام مسلم في صحيحه والنسائي في سننه والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أنس بن مالك أيضاً ﵃ أجمعين ورواه الإمام ابن ماجة في سننه من رواية أبي هريرة بلفظ أن النبي ﷺ قال [من صلَّى عليه مائة من المسلمين غفر الله له] ويمثل رواية ابن ماجة رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير من رواية عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين وهذا حدٌ أقصى، لكن إذا نزل العدد من ذلك رحمة الله واسعة أيضاً.
أخبرنا نبينا ﵊ أيضاً [أن من صلَّى عليه أربعون من المسلمين من أهل التوحيد لا يشركون بالله المجيد استغفروا الله له وشفعوا له فالله سيغفر لهذا الميت وسيشفعه فيه] فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 5329
ثبت الحديث بذلك في المسند أيضاً وصحيح مسلم، والحديث رواه الإمام أبو داود وابن ماجة والبيهقي في السنن الكبرى من رواية كريب مولى سيدنا عبد الله ابن عباس ﵄ قال: [مات ابن لعبد الله بن عباس فقال عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين: يا كريب أخرج فانظر كم اجتمع له من الناس فخرج كريب من البيت فنظر إلى الحاضرين الذين جاؤوا لتشييع ولد عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين ثم جاء فقال له عبد الله ابن عباس ﵃ أجمعين: يا كريب تقول إنهم أربعون قال: نعم أو يزيدون قال: أخرجوه، أي أخرجوا ولدي إلى لحده وقبره، سمعت رسول الله ﷺ يقول [ما من ميت يموت فيصلي عليه أربعون من المسلمين لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه] أخرجوه إذا اكتمل العدد إلى أربعين، نرجو لهذا الولد الخير العظيم عند رب العالمين، هذه شفاعة وهذا دعاء وهذا استغفار يحصل من الحي إلى الميت، أي إذا نقص العدد من ذلك رحمة الله واسعة بشرط أن يكون لدى الناس فقهاً بكيفية صلاة الجنازة، فإذا قلَّ العدد من أربعين وجعلوا الصفوف ثلاثة تكمَّل صفوفهم بملائكة الله الأطهار يشفع الله فيه أهل الأرض السماء ويرحمه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 5330
ثبت الحديث بذلك في المسند أيضاً والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجة والحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى من رواية مالك ابن هبيره والحديث قد نص شيخ الإسلام الإمام النووي على تحصينه وتبعه الحافظ ابن حجر في الفتح وهكذا نص على تحصينه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب وصححه الحاكم وأقره عليه الذهبي، ولفظ الحديث عن مالك ابن هبيره كما قلت: قال: قال رسول الله ﷺ [ما من رجلٌ من المسلمين يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا وقد أوجب] أي: أوجب الله له الجنة وأوجب له الله العتق من النار، فكان مالك ابن هبيره ﵁ وأرضاه إذا استقلَّ العدد ونقصوا عن أربعين جزئهم ثلاثة صفوف ثم تقدم بهم فصلى على هذا الميت من المسلمين.
وقد ورد في معجم الطبراني الكبير من رواية أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ صلى على جنازة ومعه سبعة نفر فجزئهم ثلاثة صفوف فجعل ثلاثة صفاً واثنين صفاً واثنين صفاً بحيث جعلهم ثلاثة صفوف ثم تقدمهم وصلى بهم على هذه الجنازة التي توفيت من أجل تحصيل هذا الأجر إذا صلى عليه ثلاثة صفوف أوجب إذا صلى عليهم أربعون شفعهم الله فيه، إذا صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة غفر الله له وشفع الله المصلين فيه، هكذا كله مما ينتفع به الميت بعد موته من دعاءٍ واستغفار إخوانه.
اخوتي الكرام: وإذا كان الحي يدعو للميت وينتفع الميت بهذا الأمر العظيم من الدعاء والاستغفار فاعلم أيها العبد المسلم أنه لك جائزة كبيرة كبيرة عند الله عندما تدعو لإخوانك وتستغفر لهم لاسيما إذا كانوا موتى وانقطع عملهم وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن الله يعطي عظيم الأجر لمن يدعو للأموات ولمن يستغفر لهم ولمن يصلي عليهم ويشهد جنازتهم ودفنهم.
стр. 5331
ثبت في المسند والحديث في الكتب الستة والصحيحين والسنن الأربعة، ورواه الإمام ابن الجارودي في المنتقى وغير هؤلاء من أئمة الحديث، والحديث مروي في دواوين السنة ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من شهد جنازة حتى يصلي عليها كتب له عليها قيراط ومن شهدها حتى تدفن كتب له قيراطان، قالوا: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما القبراطان قال مثل الجبلين العظيمين وفي رواية أصغرهما كجبل أحد.. أصغرهما كجبل أحد] فأنت عندما تدعو أيضاً للأموات وتستغفر لهم يأتيك خيرُ كثيرُ كثير من الله الجليل وكما قلت شفع الله هذه الأمة المرحومة المباركة بعضها في بعض فالأحياء يستغفرون للأموات والله يغدق عظيم الأجر بعد ذلك على الأموات وعلى الأحياء وهو واسع الفضل والمغفرة، الدعاء والاستغفار ينفع الأموات وهو لهم كما قلت بمنزلة الهدايا للأحياء وتقدم معنا اخوتي الكرام: في المواعظ المتقدمة أن نبينا ﵊ كما أمرنا على الصلاة على الجنازة أمرنا بعد الصلاة أيضاً أن نقف عند القبر وأن ندعو الميت وأن نسأل الله له التثبيت وهذا محله دعاء ينفع ويقبل عند الله .
ثبت الحديث بذلك أيضاً في سنن أبي داود والحديث رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى ورواه الإمام البزار والبغوي في شرح السنة وإسناده صحيح كما تقدم معنا من رواية أمير المؤمنين ذي النورين عثمان ﵁ وأرضاه: [كان رسول الله ﷺ إذا دفن الميت وقف على شفير القبر عليه صلوات الله وسلامه وقال: استغفروا الله لأخيكم اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، استغفروا الله لأخيكم، اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، وهكذا شرع لنا أن نزور الأموات وأن ندعو لهم كما تقدم معنا وهذا كما قلت دعاء ينتفعون به.
стр. 5332
وتقدم معنا حديث المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي وغير ذلك من دواوين السنة عن أمنا عائشة بنت الصديق رضي الله منها وعن أبيها وعن سائر المسلمين عن عليه وسلم ماذا أقول إذا زرت القبور قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، هذا أمرٌ ثاني اخوتي الكرام: ينتفع به الميت بإجماع علماء الإسلام الأمر الأول ما تسبب في فعله بعد موته والأمر الثاني دعاء المسلمين واستغفارهم للموتى بعد موتهم ينتفعون بدعاء الأحياء واستغفارهم.
الأمر الثالث: الحج والعمرة فمن حج عن ميتاً واعتمر وردت النصوص الصحيحة الصريحة بأن الأجر يكتب ثواب ذلك إلى الميت والأحاديث كما قلت اخوتي الكرام: كثيرةٌ وفيرةٌ ثابتةٌ عن نبينا ﵊.
فمن هذه الأحاديث ما ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة، حديثاً رواه الإمام مالك في موطأه والدارمي في سننه وهو في دواوين السنة التي تجمع حديث النبي ﵊ كسنن البيهقي أيضاً ومسند أبي داود الطيالسي وسنن الدارمي وغير ذلك وهو في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة من خفعم إلى النبي ﵊ في حجة الوداع على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه قالت: يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي وهو شيخاً كبير لا يستطيع الركوب على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه] .
стр. 5333
وفي رواية في المسند وصحيح البخاري ومعجم الطبراني الكبير والسنن الكبرى للبيهقي والدارمي ومسند أبي داود الطيالسي والمنتقى لابن الجارودي وغير ذلك عن ابن عباس أيضاً أن رجلاً قال للنبي ﵊ يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ فقال: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء] أقضوا فالله أحق بالقضاء، ثبت أيضاً في بعض روايات الحديث المتقدمة عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي وهو لا يستطيع أن يحج إنه شيخ كبير، فقال النبي ﵊ حجي عن أبيك، أفأحج عنه؟ قال حجي عن أبيك] وهذا الحديث ثابت عن رواية عبد الله ابن عباس ﵄، روي عن نظيره من رواية عدة عن الصحابة الكرام.
стр. 5334
ثبت في المسند وسنن النسائي عن رواية عبد الله بن الزبير ﵄ أن رجلاً من خفعم وفي رواية عبد الله ابن عباس متقدماً أن امرأة من خفعم ولعل القصة تكررت عند الصحابة الكرام فسأل عن هذا الرجال والنساء أن رجلاً من خفعم قال: يا رسول الله ﷺ [إن فريضة الحج أدركت أبي وهو لا يستطيع الركوب على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال النبي ﵊: نعم] الحديث أيضاً ثبت من رواية أبي رزين وهو لقبط ابن عامر ابن المنتفق أحد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ثبت حديثه في السنن الأربعة بإسنادٍ صحيح عن أبي رزين أنه جاء لنبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه الطاهرين جميعاً صلوات الله وسلامه، فقال: يا رسول الله ﷺ إن أبي شيخ كبير وإنه لا يستطيع الحج والعمرة ولا يستطيع الضعن يعني: السفر يشق عليه أفأحج عن أبي وأعتمر؟ فقال النبي ﵊: حج عن أبيك واعتمر، حج عن أبيك واعتمر، وثبت في صحيح مسلم وسنن الترمذي من رواية بريدة ﵁ أن امرأة قالت لنبينا على نبينا وصحبه صلوات الله وسلامه [إن أمي لم تحج ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ فقال النبي ﵊: حجي عن أمك] .
وهذه أحاديث كما قلت اخوتي الكرام كثيرة وصحيحة صريحة تدل على أن الحج والعمرة يفعلا عن الميت ويصل ثوابهما إلى الميت كرماً من الله وفضلاً وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، هذه طاعةٌ ثالثة للأموات، وكما قلت هذا باتفاق أئمتنا فلا خلاف ولا نزاع في ذلك ولا يخالف في ذلك إلا أهل البدع، ما تسبب الميت في فعله بعد موته، دعاء الأحياء واستغفارهم له بعد موته، إذا حجوا واعتمروا عنه بعد موته يصل إليه ثواب ذلك وينتفع به بفضل الله ورحمته.
стр. 5335
والأمر الرابع: وهو آخر الأمور أداء الديون عن الميت والتصدق عنه وهو باختصار كما قلت أئمتنا. الأمور المالية سواء كان عليه ديون وقضيتها عنه أو تصدقت عنه سواء حصل هذا من أقاربه أو من غيرهم ينتفع بذلك الميت فدينه يقضى عنه، فمن قضاه وإذا تصدقت عنه يصل ثواب الصدقة إليه بفضل الله ورحمته.
стр. 5336
والأحاديث أيضاً في ذلك كثيرة صحيحة صريحة منها ما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث رواه البزار والإمام الطيالسي ورواه الحاكم في المستدرك والإمام البيهقي في السنن الكبرى من رواية جابر ابن عبد الله ﵄ [مات رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ فغسلناه وكفناه وحنطناه ثم وضعناه في المكان الذي يصلي فيه على الموتى ثم دعونا رسول الله ﷺ فجاء النبي ﵊ ليصلي عليه، فلما وصل إلينا تقدم نحوه خطى خطوات نحو الميت ثم التفت إلينا بوجهه الشريف عليه صلوات الله وسلامه فقال: هل على صاحبكم دين؟ قلنا: نعم ديناران يا رسول الله ﵊، استقرض دينارين ومات ولم يؤدهما إلى صاحبهما، قال: هل ترك وفاءاً؟ قلنا: لا، فتأخر النبي ﵊ ولم يصلي عليه، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة صاحب الأربحية وصاحب المعروف والنجدة وصاحب الكرم والجود، قال: يا رسول الله ﵊ هما عليَّ، فصلَّى عليه إذا كان الديناران يمنعانك من الصلاة أنا أتحمل عن أخي المسلم الدينارين، بل ألف دينار صلِّي عليه فهما عليَّ فقال النبي ﵊: هما في مالك أنت الذي تؤدي، قلت: نعم يا رسول الله ﵊، فاستدار النبي ﷺ نحو هذا الصحابي الجليل وصلَّى عليه عليه صلوات الله وسلامه، ولقي في اليوم الثاني أبا قتادة فقال: هل قضيت الدينارين يا أبا قتادة؟ قلت: إنه مات البارحة يا رسول الله ﵊، قال أبى قتادة فسكت عني رسول الله ﷺ ، ورآني في اليوم الثاني قال: هل قضيت الدينارين يا أبا قتادة؟ قلت: نعم، قال: الآن برَّدت جلده إنه كان في حرارة الحساب وشدَّت العتاد، كيف مات ولم يؤدي الحقوق إلى أربابها، الآن برَّدت جلده، هذا كما ترون اخوتي الكرام نصاً صريح من نبينا
стр. 5337
عليه الصلاة والسلام بأن هذا الميت انتفع بقضاء هذا الدين عنه وبهذه الصدقة التي حصلت من أبي قتادة نحو هذا الصحابي الجليل ﵃ أجمعين.
والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً، وهو في السنن الأربعة إلا سنن أبي داود، ورواه الإمام الدارمي في سننه من رواية أبي قتادة نفسه ﵁ وأرضاه قال: [توفي رجل على عهد رسول الله ﷺ فلما جاء النبي ﷺ ليصلي عليه، سأل: هل عليه دين؟ قال: نعم، وما حدد مقداره في هذه الرواية، قال: هل ترك وفاءاً؟ قالوا: لا،، قال: صلَّوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: دينه عليَّ يا رسول الله ﵊، دينه عليَّ أنا أقوم بقضائه وسداده، فقال النبي ﵊: بالوفاء تفي بذلك وتتحمل، قلت: بالوفاء يا رسول الله ﵊، فصلى عليه رسول الله ﷺ ] .
стр. 5338
والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه والإمام النسائي في سننه من رواية سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: مات رجلاً على عهد رسول الله ﷺ فلما تقدم رسول الله ﷺ قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، ولعل القصص تكررت وكان صاحب الأريحية والمعروف بالنجدة أبو قتادة يتحمل الدين في جميع هذه الحوادث، ثلاثة دنانير، قال هل ترك وفاءً؟ قالوا لا يا رسول الله ﵊، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: الدنانير عليَّ يا رسول الله ﵊، فتقدم النبي ﵊ فصلَّى عليه، وهذا اخوتي الكرام كان في أول الأمر قبل أن يفتح الله على رسوله ﵊ وقبل أن تأتي الخيرات والمغانم والأرزاق، وأما بعد أن فتح الله عليه فكان يصلي على الميت على نبينا وصحبه صلوات الله وسلامه ولا يسأل عن الدين، وإذا كان على الميت دين كان يتحمله سيد الكونين نبينا عليه صلوات الله وسلامه.
كما في الصحيحين وغيرهما من رواية أبو هريرة ﵁ وأرضاه قال: كان النبي ﷺ يعني في أول الأمر إذا أراد أن يصلي على ميتٍ سأل هل عليه دين؟ فإذا قالوا ليس عليه دين تقدم فصلى عليه، وإذا قالوا عليه دين سأل هل ترك وفاءاً، فيقال: نعم فيتقدم وصلى عليه أيضاً، وإذا قالوا لم يترك وفاءاً تأخر وقال صلوا على صاحبكما، فلما فتح الله عليه قال: أنا أولى بكل مؤمناً من ترك مالاً فلورثته ومن ترك ديناً وضياعاً فإليَّ وعليَّ عليه صلوات الله وسلامه، من ترك مالاً لورثته أرعاهم وأنا أبوهم على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، هذا بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفي أول الأمر إذا يترك الميت وفاءاً لدينه ما كان يصلي عليه مبالغة في تعظيم حقوق العباد.
стр. 5339
اخوتي الكرام: إن حقوق العباد مبنية على المشاحة والمماسكه وحقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة، وإذا مات الإنسان وعليه شيء من الحقوق نحو عباد الرحمن فأمره شديدٍ فظيع، أخبرنا نبينا ﷺ عن هول الدين وفظاعته وشناعته وأن الإنسان إذا لقي ربه به فأمره على خطرٍ خطر، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط وإسناده صحيح ثابت من رواية محمد ابن جحش ﵄ أمَّنا زينب أم المؤمنين تكون عمته ﵃ أجمعين من رواية محمد ابن جحش ﵃ أجمعين، قال: كنا مع نبينا ﷺ فنظر نبينا ﵊ إلى السماء ثم وضع يده كفه على جبينه وقال: سبحان الله ماذا أنزل من التشديد؟ سبحان الله ماذا أنزل من التشديد؟ قال محمد ابن جحش ﵃ أجمعين ففزعنا وخفنا وسكتنا وأطرقنا، فلما كان اليوم الثاني قلت يا رسول الله ﷺ ما التشديد الذي أنزل؟ ما التشديد الذي أنزل؟ فقال ﵊ والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة إلا أن يقضى عنه دينه، والذي نفسُ محمدٍ بيده عليه صلوات الله وسلامه لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل.. القتلة الثالثة ولقي الله شهيداً وعليه دين ما دخل الجنة إلا أن يقضى عنه دينه، إن الدين شأنه شديد فظيع.
стр. 5340
ولذلك ثبت في المسند مسند الإمام أحمد ومسند البزار أيضاً من رواية جابر ابن عبد الله ﵄ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه: أرأيت إن قاتلت في سبيل الله بنفسي وبما لي ثم قتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبراً أدخل الجنة فقال النبي ﵊: نعم، فأعاد الرجل سؤاله فقال النبي ﵊: نعم، فأعاد الثالثة فقال له النبي ﵊: نعم إلا إذا كان عليك ديناً ليس عندك وفاءه.. إلا إذا كان عليك ديناً ليس عندك وفاءه] أي لا تدخل.
وهذا الجواب والإستثناء وضحته روايات أخرى في مسند من رواية أبي هريرة من رواية محمد ابن جحش والطبراني من رواية عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﵊ قال له: سارَّني ذلك جبريل، سارني بذلك جبريل أي إذا قتلت بعد أن قاتلت في سبيل الله بنفسك ومالك وقتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر تدخل الجنة إلا إذا كان عليك ديناً ليس عندك وفاءه، سارني: أي أخبرني بذلك الآن جبريل سراً أن هذا الشهيد إذا كان عليه دين وما عنده وفاءاً لدينه لا يدخل الجنة إلا أن يقضى عنه دينه، وثبت في معجم الطبراني الكبير من رواية سهل ابن حبيش، وإسناد الحديث رجاله الرجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع عن نبينا ﵊ أنه قال: [يغفر للشهيد بأول قطرة من دمه جميع ذنوبه كل ذنباً له إلا الدين] الدين لابد من قضاءه لا بد من وفاءه.
стр. 5341
إذاً اخوتي الكرام: أداء الدين عن الميت فمن يقضيه ويتحمل عنه ينفع الميت كما ثبت ذلك عن نبينا ﵊، وهكذا الصدقة.. الصدقة إلى الميت أيضاً تنفعه ويصل ثوابها إليه، فمن تصدق عنه وقد ثبت شهيرة منها ما في المسند والكتب الستة والصحيحين والسنن الأربعة إلا سنن الترمذي، والحديث رواه الإمام مالك في موطأه أيضاً والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أمَّنا عائشة ﵂ قالت: جاء رجلاً إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه إن أمي أفتلتت نفسها: أي ماتت فلتة دون سابق إنذار من مرضٍ ووعكٍ وشدة وعناء، إن أمي افتلتت نفسها، ماتت بغتة وأظنها لو تكلمت لأوصت أينفعها لو تصدقت عنها؟ فقال النبي ﵊: نعم] ، وهذه المرأة هي أم سعد بن عبادة والسائل هو سعد بن عبادة.
كما ثبت هذا في المسند وصحيح البخاري، والحديث رواه أهل السنن الأربعة إلا سنن ابن ماجة من رواية عبد الله ابن عباس ﵃ أجمعين أن سعد بن عبادة جاء إلى نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقال يا رسول الله ﷺ : إن أمي ماتت وأنا بعيداً عنها لم أكن معها لم أكن مقيماً، كنت في سفر وأنا بعيدٍ عنها أينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال النبي ﵊: نعم، فقال سعد بن عبادة: أشهدك يا رسول الله ﷺ أن حائط المخرافة صدقة عنها، حائط البستان المغراف المثمر الذي يأتي منه الخريف ويخرق منه ويعي الثمر أشهدك أن حائط المخرافة صدقةٌ عنها.
стр. 5342
والحديث كما قلت في صحيح البخاري وغيره، والأحاديث في ذلك اخوتي الكرام كثيرة وفيرةٌ منها ما في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن النسائي وابن ماجة من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن أبي مات ولم يوصي أينفعه إذا تصدقت عنه فقال النبي ﷺ : نعم.
إذاً هذه العبادة أيضاً ينتفع بها الميت، وهذه الأمور الأربعة اخوتي الكرام كما قلت ما تسبب الميت في فعله بعد موته من أمرٍ خيرٍ وطاعة لله ، دعاء الأحياء واستغفارهم للأموات ينتفع به الأموات، الحج والعمرة عن الميت، قضاء الدين عنه وصدقة عنه ? كل هذا وما خالف فيها إلا أهل الابتداع، أما الشق الثاني من بحثنا ما يتعلق بتعبة أمور الطاعات من قراءة القرآن وذكر الرحمن ومن الصلاة والصيام هل يصح إهداء ذلك إلى الأموات عنهم كما هو قول الجمهور وسيأتينا تقرير هذا بأدلة وموعظة آتية إن أحيانا الله، أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام وإذا أماتنا أن يتوفانا على الإيمان.
أقول هذا القول وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.
اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
стр. 5343
اخوتي الكرام: كل ما تقدم معنا وسيأتي من إهداء القربات والطاعات إلى الأموات جاراً على حسب القواعد الشرعية وعلى الأقيسة السليمة السوية والأمر كما قرر علماؤنا الكرام أن الثواب حقاً العامر يجوز أن يهديه إلى من شاء كما أن المال الذي عند الإنسان حقٌ لمالكه يجوز أن يهديهُ وأن يهبه إلى من شاء، وإذا جاز للحي أن يدعو للميت وجواب الدعاء موقوفاً على مشيئة الله جل وعلا فمن باب أولى يصح للحي أن يهدي ما يقوم بها من طاعة ووعد بها ثواباً معلوماً، كل هذا كما قلت جاراً على الأقيسة الشرعية والقواعد السوية ما تقدم معنا من الأمور الأربعة لا خلاف ولا نزاع بين أئمتنا الكرام، وقرروا أن الميت ينتفع به ويصل الثواب إليه في هذه الأمور، وأما بقية الأمور كما قلت سيأتينا تفصيل الكلام عليها إن شاء الله..
اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا الإيمان وزينه في قلوبنا. وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك. ومن المقربين لديك. وإذا أردت فتنة بعبادك فقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم صلي على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم ألف بين قلوب أمة نبينا محمداً ﷺ .
اللهم ارحم أمة نبينا ﷺ ، اللهم أصلح أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم انصر أمة نبينا محمد ﷺ .
اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.
اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف وهذا المكان المبارك.
стр. 5344
اللهم اغفر لمن عبد الله فيه اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريباً سميعاً مجيباً للدعوات والحمد لله رب العالمين وصلي الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر *﴾ .
стр. 5345
تحريم النظر إلى المردان
(الجزء الأول)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تحريم النظر إلى المردان ١
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الصادقين المفلحين عمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك الله وبحمدك على عفوك بعد قدرتك اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: إخوتى الكرام..
لازلنا نتدارس الطرق التى ينبغى أن يحصن بها أهل الإيمان أنفسهم من الشيطان وقلت هذه الطرق على كثرتها وتعددها تنقسم إلى طريقن اثنين.
الطريق الأول أو الأمر الأول ينبغى أن نحصن أنفسنا منه وأن نحذره والأمر الثانى ينبغى أن نحصن أنفسنا به وأن نفعله.
الأمر الأول إخوتى الكرام تقدم معنا يدور على سبعة أمور والثانى يدور على ثمانية أمور وكنا نتدارس الأمر الأول وكان فى الحسبان كما ذكرت أن ننتهى من آخر أمور الأمر الأول فى الموعظة الماضية لكن امتد معنا البحث إلى جزئية نتدارسها فى هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه إخوتى الكرام الأمور السبعة التى فى الأمر الأول كما تقدم ذكرتها مرارا.
أولها حفظ الخطرات وثانيها حفظ اللحظات وثالثها حفظ اللفظات ورابعها حفظ الخطوات وخامسها حفظ السمع الذى هو آلة المسموعات وسادسها حفظ البطن التى هى منبع الشهوات وسابعها حفظ الفرج الذى هو منبع الآفات والرزلات نسأل الله العافية من كل دنس.
стр. 5346
إخوتى الكرام: تقدم معنا يراد بحفظ الفرج أمران حفظ العورة سترا واستعمالا فلا نكشفها ولا نستعملها فى ما حرم الله تقدم معنا أن الاستعمال له صور متعددة ينبغى أن نصون فروجنا عن الزنى واللواط ووطء المرأة فى دبرها والسحاق بين النساء والمباشرة فى ما دون السبيلين والاستمناء وفعل الفاحشة مع البهائم وطء المرأة فى قبلها حال حيضها والأمر التاسع تقدم معنا ما يصلح أن يراه كل من الزوجين من صاحبه ثم ختمتها بأمر عاشر ألا وهو عورة كل من الذكور والإناث.
وبعد أن تكلمنا أيضا إخوتى الكرام وتدارسنا ما يتعلق بعورة الصنفين تفصيلا وتدليلا ذكرت أيضا تسع مسائل وبأنا بالعاشرة وهى التى سنتدارسها فى هذه الموعظة.
أولها: ما يحل للزوج أن ينظره من زوجته وثانيها كما تقدم معنا ما يحل للمحارم أن ينظروه من المرأة وثالثها ما يحل للأجنبى أن يراه من المرأة ورابعها ما يحل للمرأة أن تراه من المرأة وخامسها ما يحل للمرأة أن تراه من الرجل الأجنبى وسادسها ما يحل للمرأة أن تراه من محارمها من الرجال والمسألة السابعة التى تدارسناها وهى طويلة فى موضوع العورة الأمة فى بداية الموعظة المتقدمة هذه سبع مسائل والثامنة فى ما يتعلق بنظر غير أولى الإربة من الرجال والتاسعة فى نظر الطفل إلى النساء والعاشرة هى التى سنتدارسها فى حكم النظر إلى الأمرد.
стр. 5347
إخوتى الكرام: كما هى العادة فى بداية الموعظة نتدارس مقدمة تدور حول موضوعنا وهذه المقدمات الماضية كانت تدور فيما يتعلق بحفظ الفرج ومنزلة حفظه وما يتعلق بسرد بعض القصص عن سلفنا رضوان الله عليهم أجمعين فى ذلك أما هذه المقدمة إخوتى الكرام فلها شأن آخر تقدم معنا أن غالب ما يقع الإخلال بهذا الأمر بالأمر السابع نحو الفرج يقع سرا استعمالا أو نظرا الإنسان ينظر ولا نستطيع أن نعلم هل نظر أم لا خائنة الأعين وهكذا يستعمل الفرج ولا يعلم بخلاف الكلام وشرب الخمر كما تقدم معنا فتلك معاصى ظاهرة وهذه باطنة إذا كان الأمر كذلك فحقيقة ينبغى أن نختم هذه الموعظة بقدمة تنفعنا نحو هذا الأمر ألا وهو مراقبة ربنا فهذ المعصية التى تتعلق بالفرج كما قلت نظرا واستعمالا فى الغالب لا تظهر للناس لكن لا تخفى على رب الناس الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء فينبغى أن نراقب الله فى جميع أحوالنا وأفضل الطاعات مراقبة من لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماوات فى جميع الأوقات فهذا خلق المراقبة وهو درجة الإحسان فى الإسلام المراقبة أن نراقب الله فى جميع أحوالنا كأننا نراه فإذا لم نصل لهذا فلا بد من استحضار واستشعار أنه يرانا فى جميع أحوالنا.
стр. 5348
قال الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فى مدارج السالكين فى الجزء الثانى صفحة خمس وستين فى بيان معنى مراقبة العبد لربه قال المراقبة هى دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الله على ظاهره وباطنه أن تعلم دائما وأن تتيقن جازما فى جميع أحوالك بأن الله مطلع على ظاهرك وعلى باطنك هذا المعنى إخوتى الكرام للمراقبة ينبغى أن نستحضره فى جميع أحوالنا هذا المعنى ما خلت منه ورقة من ورقات المصحف الشريف كما ذكر ذلك شيخنا عليه رحمة الله فى أول تفسير سورة نبى الله هود وعليه الصلاة والسلام على نبينا فى الجزء الثالث صفحة عشرة يقول لا تخلو ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى يعنى أن الله يعلم سرنا وجهرنا علانيتنا وسرنا جميع أحوالنا مطلع علينا.
قال الله جل وعلا: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ .
وقال جل وعلا: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ .
وقال جل وعلا: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ ، ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ .
ويقول الله جل وعلا فى أول سورة النساء: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ فراقب الله فهو يراقبك فى جميع الأحوال .
стр. 5349
وهذا المعنى إخوتى الكرام الذى لا تخلو منه ورقة من ورقات المصحف الشريف هو أعظم واعظ وأبلغ زاجر أنزله الله من السماء إلى الأرض أعظم واعظ أبلغ زاجر إعلام الله لعباده بأنه يعلم جميع أحوالهم ما أسروه وما أعلنوه ووجه ذلك كما قرر أئمتنا لو قدر أن إنسانا أخذ إلى حضرة ومجلس أمير ظالم سفاك للدماء إلى مجلس ملك يبطش لأدنى الأسباب أخذ هذا لمجلسه للمباحثة معه فى قضية من القضايا والسياف واقف والسيف بيده واستدعى هذا الإنسان وبدأ الأمير يكلمه فيما اتهم به لو برز فى هذا الوقت بعض محارم الأمير من بناته وأخواته هل ينظر هذا الآن المتهم فى حضرة الأمير إلى حريم الأمير ولو بدت منه نظرة لطارت الرقبة ينظر؟ حقيقة هو مشغول عن النظر والله جل وعلا أقوى من عباده وهو أعلم بما فى نفوسهم فاستحى منه يا عبد الله استحى منه إذا كنت تخاف من بطش الأمير فتغض عن محارمه إذا كنت فى حضرته فما حرمه الله علينا ينبغى أن نغض الطرف عنه فالله أعظم عقوبة من عباده وحرم علينا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهو عليم بذات الصدور.
إخوتى الكرام..
стр. 5350
مراقبة الرحمن على الدوام هى درجة الإحسان التى ينبغى أن يتصف بها أهل الإيمان كما أشار إلى ذلك نبينا ﵊ فى الحديث الطويل الذى يسمى بأم السنة كما نعته بذلك الإمام أبو العباس القرطبى فى كتابه المفهم فى شرح صحيح مسلم وهو المعروف بحديث جبريل الطويل على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام إخوتى الكرام والحديث فى صحيح مسلم وسنن الترمذى وأبى داود من رواية سيدنا عمر ابن الخطاب ﵁ وأرضاه وهو فى المسند وصحيح البخارى من رواية سيدنا أبى هريرة ﵁ وأرضاه وهو فى سنن النسائى وابن ماجة من رواية سيدنا عمر وسيدنا أبى هريرة ﵃ أجمعين وروى الحديث عن سيدنا أنس وسيدنا عبد الله ابن عباس وسيدنا عبد الله ابن عمر وسيدنا ابن عامر أو أبى عامر أو أبى مالك وسيدنا جرير ابن عبد الله البجلى ﵃ أجمعين انظروا إخوتى الكرام هذه الروايات فى مجمع الزوائد فى الروايات المتأخرة فى الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين إلى الصفحة واحدة وأربعين والرواية الأخيرة رواية جرير رواها الإمام الآجورى فى كتاب الشريعة فهو من رواية عدة من الصحابة ﵃ أجمعين من رواية عمر وأبى هريرة وأنس وعبد الله ابن عباس وعبد الله ابن عمر وابن عامر أو أبى عامر أو أبى مالك ومن رواية جرير ﵃ أجمعين وفيه سؤال جبريل لنبينا الجليل على نبينا وأنبياء الله وملائكته صلوات الله وسلامه عن الإسلام والإيمان ثم قال له ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإنك لم تكن تراه فإنه يراك درجة المراقبة درجة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه كأنك تتراءى الحق وهذا كان سلفنا يلاحظونه فى نفوسهم ويعبرون عنه بألسنتهم.
стр. 5351
روى الإمام ابن سعد فى الطبقات فى الجزء الرابع صفحة سبع وستين ومائة والأثر فى الحلية فى الجزء الأول صفحة تسع وثلاثمائة وانظروه فى السير فى الجزء الثالث صفحة سبع وثلاثين ومائتين وفى الجزء الرابع صفحة اثنتين وأربعمائة عن العبد الصالح التابعى الجليل عروة ابن الزبير ﵃ أجمعين قال لقيت أبا عبد الرحمن عبد الله ابن عمر ﵁ وأرضاه فى الطواف فتقدمت إليه فلما صرت بجواره وقلت أبا عبد الرحمن ألا تزوجنى سودة وهما يطوفان قال فنظر إلى ولم يكلمنى فقلت القائل عروة ﵁ وأرضاه لو رضينى لأجابنى يعنى سكت عنى فلا يريد أن يقول لا أزوجك لو رضينى لأجابنى فانتهينا من الطواف وتفرقنا قال ثم ذهب عبد الله ابن عمر ﵁ إلى المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه قبلى فلما انتهيت أنا أيضا من نسكى ذهبت إلى المدينة فقلت أسلم على أبى عبد الرحمن وأقوم بحقه فذهبت وسلمت عليه فلما سلمت عليه قال له لا زلت على رغبتك فى سودة فقال له أنا أحرص ما كنت عليها قبل الآن عندى حرص عليها أشد مما كان سابقا فقال عبد الله ابن عمر ﵁ كلمتنى فى الطواف ونحن نتخايل الله بين أعيننا ونحن نتراءى الله بأعيننا كأننا ننظر إليه كأننا نتراءه وأنت نكلمنى فى الطواف وإسناد الحديث ثابت إخوتى الكرام فما أجبتك ماذا أجيبك يعنى نحن الآن فى وقت مراقبة لله واستحضار وخشوع وسكينة نطوف حول البيت العتيق وأنت تريد يعنى أن أزوجك فى ذلك الوقت ونحن نطوف يعنى أجل البحث فى هذه القضية بعد الطواف وعقد له فى نفس المجلس قبل أن يذهب عروة إلى بيته ﵃ أجمعين إذن أن تعبد الله كأنك تراه نتخايل الله بين أعيننا نتراءى الله بأعيننا كأننا ننظر إليه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك وقد كان الإمام الشافعى ﵁ وأرضاه كثيرا ما ينشد كما فى اتحاف السادة المستقيم فى الجزء العاشر صفحة ثمان وتسعين وقيل هذه الأبيات
стр. 5352
للإمام الشافعى وقيل لغيره ﵁ وأرضاه.
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا لناظريه قريب
لابد إخوتى الكرام من استحضار هذا المعنى كأننا نرى الله فى جميع شؤون حياتنا فإذا نزلنا عن هذه الرتبة فلا أقل من أن نعلم أن الله مطلع على جميع أحوالنا ولذلك لما قال رجل للإمام أبى القاسم الجنيد ابن محمد القواريرى ﵁ وأرضاه قال بما أستعين على غض البصر قال بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه إذا علمت أن نظر الله إليك لا ينقطع وأن نظره إليك أسبق من نظرك إلى من ستنظر إليه تستحى من الله وتغض طرفك إذا علمت أنه يراك كما تقدم معنا إذا كان الإنسان فى حضرة الأمير الجبار والسيوف مصلتة يغض طرفه لو خرجت عارية الله جل وعلا أقوى بطشا وقوة من الأمير وعنده نار السعير وينبغى أن نستحى منه فهو ربنا الجليل لا إله إلا الله.
стр. 5353
ذكر الإمام ابن الجوزى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فى كتابه ذم الهوى فى صفحة سبع وسبعين ومائتين والقصة نقلها الإمام ابن القيم فى كتابه روضة المحبين صفحة ست وستين وأربعمائة حاصلها إخوتى الكرام أن امرأة من العابدات القانتات الجميلات المصونات كانت فى بلاد الكوفة وكانت تخطب من قبل الخطاب فتمتنع من الزواج وحتما هذا تقصير منها لكن لعله رأت أن هذا أصلح لها وما أعرضت عن هذه السنة امتهانا لها والإنسان أدرى بشؤون نفسه فعلقها بعض الأثرياء الأغنياء فكيف سيحتال عليها انظر لتفريط آخر أيضا يعنى وقعت فيه هذه المرأة اكترى هذا الإنسان ثلاثمائةراحلة وقال للناس من أراد أن يسجل الحج عندى بثمن بخس من العباد والمساكين الذين ما عندهم أجرة الحج بكاملها فخذوا منه أجرة رمزية طلبا للثواب وهو يعنى يريد أن تحج هذه العابدة القانتة وأرسل إليها من النساء من يرغبها فى الحج فسجلت فى هذه الحملة ونساء كثر تريد أن تترخص يعنى من أجل حجة الفريضة مع النساء بلا محرم فلما جاوزوا مراحل ومراحل والجيش يستريح يعنى بعد مراحل جاء إليها عندما علم مكانها وقال لا بد من الإجابة إن شئت راضية وإن شئت مكرهه يعنى لا سلامة فى هذه الليلة فقالت ويحك نحن فى طريقنا إلى الحج استحى من الله قال لا بد أنا ما جئت رغبة فى الحج ولا عملت ما عملت طلبا للثواب لا أريد فقط إلا أنت هذا العمل كله من أجلك فانظرى فى نفسك قالت نخشى أن يكون يعنى بعض الحجاج مستيقظا يفضحنا جئنا للحج لتزنى قال كلهم ناموا قالت إذن تتأكد فذهب وقال كلهم ناموا ولا يوجد أحد عينه تتحرك قالت هل نام رب العالمين وشهقت شهقة فماتت من خشية الله هل نام رب العالمين وبدأ المسكين يولول يقول يا ويحى قتلت نفسا أرادت أن تحج وما حصلت شهوتى حقيقة هل نام رب العالمين هل أنت تراقب نظر العباد ونظر رب العباد يعنى ألا تأبه به ولا تستحى منه لذلك إذا أرخى الإنسان ستره وفعل الفاحشة
стр. 5354
ناداه رب العالمين أجعلتنى أهون الناظرين إليك استحييت من العباد وما استحييت ممن لا تخفى عليه خافية .
إخوتى الكرام: هذا المعنى ينبغى أن نستحضره فى جميع أحوالنا ينقل الإمام الغزالى فى الإحياء أيضا فى الجزء الرابع صفحة خمس وثمانين وثلثمائة والقصة أيضا فى ذم الهوى فى صفحة اثنتين وسبعين ومائتين وفى روضة المحبين صفحة خمس وتسعين وثلاثمائة وذكرها الإمام المناوى فى فيض القدير فى الجزء الأول صفحة واحدة وخمسين وخمسمائة خلاصتها أن أعرابى خرج فى ليلة مقمرة فرأى امرأة كالجبل أى كالعلم كالجبل يراد امرأة طويلة جميلة لها شأن بارز تلفت النظر فى سواد الليل فاقترب منها وراودها وطلب منها ما حرم الله على عباده وقالت ويحك أما لك زاجر من عقل إن لم يكن لك ناه من دين إذا ما نهاك دينك عن معصية الله ما عندك عقل يردعك عن الفاحشة وما تستحى إذ لم تكن هذه محرمة أنت ما تستحى أن تعتدى على أعراض العباد فقال وممن استحى ولا يرانا إلا الكواكب تقولين تستحى ما أحد يراقبنا ليلة مقمرة والكواكب هى نورها ظاهر ولا يوجد أحد فى هذه البادية ممن استحى فقالت أين مكوكبها أين ربها فانزجر هذا الإنسان وانصرف حقيقة هذا المعنى لا بد من استحضاره إخوتى الكرام فى جميع أحوالنا خلق المراقبة نراقب الله فى جميع أحوالنا وأن نعلم أنه معنا أينما كنا فبذلك يكرمنا ربنا ويعزنا فى هذه الحياة ويغدق علينا نعمه بعد الممات فى نعيم الجنات.
стр. 5355
يذكر الإمام القشيرى فى كتابه الرسالة صفحة تسعين ومائة والقصة نقلها عنه أيضا الإمام الزبيدى فى اتحاف السادة المتقين فى الجزء العاشر صفحة تسع وتسعين خلاصتها أن بعض الأمراء فى الزمن القديم كان يكرم بعض أعوانه من حراسه وحجابه إكراما زائدا وكان فى خلقته دمامة يعنى يكرمه دميم الخلقة فكأنهم يعنى حسده أصحابه وقالوا للأمير يعنى لما تميز هذا علينا خلقته دوننا وبعد ذلك نحن وهو فى رتبة واحدة بل لعلنا أعلى منه رتبة وهذا نراك يعنى تقدمه علينا قال أوريكم وضعه ووضعكم معى.
انظروا إخوتى الكرام للمراقبة إذا كان البشر يكرم بشرا عندما يراقب حاله فكيف سيكون حالنا مع الله وسيكرمنا الله من باب أولى إذا راقبناه فخرج الملك مع أعوان هذا الأمير فتظر وهو يمشى إلى جبل عليه ثلج نظر فقط فهذا الذى مع الأمير ركب خيله وأسرع إلى جهة الجبل وقال لهم أين ذهب صاحبكم قالوا لا ندرى فعاد بعد قليل ومعه شىء من الثلج قال له الأمير من أمرك بهذا قال أيها الأمير أنت نظرت ناحية الجبل والعقل لا ينظر عبثا وفى الجبل لا يوجد إلا ثلج فكأن نفسك اشتهته يعنى شيئا من الثلج فأنا لما أنت نظرت إليه عرفت المراد وراقبت نظرك لأننى أراقب أحوالك أفهم ما تريد من حركاتك من إشاراتك أما أنك يعنى لا تتكلم لا فقال لهم انظروا لحاله كيف يراقب وبالمراقبة يتصرف وأنتم يعنى عندما توجه إليكم الأوامر والعبارات وأطلب منكم شيئا تتثاقلون وأما هذا لينظر إلى اللحظات.
وحقيقة كان سلفنا يغرسون دائما فى نفوس وأذهان أولادهم والطلبة الله ناظرى الله شاهدى الله معى لا بد من أن نراقب ربنا فى جميع أحوالنا.
إخوتى الكرام..
يراد منا أمران لا سعادة للإنسان بدونهما:
стр. 5356
الأمر الأول: أن تكون المتابعة على ظاهرنا ظاهرنا علم وسنة نقتدى بنينا ﵊ وأن تكون المراقبة فى باطننا نراقب الله فى سرنا ونعمر ظاهرنا بسنة نبينا ﵊ العلم والمتابعة على الظاهر والإخلاص والمراقبة فى الباطن من دون هذين الأمرين لا سعادة للإنسان فى هذه الحياة والحياة جعلها الله مطية لرضوانه فلا ينبغى أن ندنسها بالخطيئات فإذا فعلنا فنندم حين لا تنفع الندمات ويحك يا ابن آدم إذا عصيت الله وخالفته وزعمت أنه لا يراك فقد كفرت وإذا عصيت الله وخالفته وقلت إنه يراك فقد اجترأت على عمل أمر عظيم حيث لم تبال بأحكم الحاكمين ورب العالمين فأنت بين أمرين أحلاهما مر إن قلت لا يراك كفرت فهو الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء وإذا قلت إنه يراك وبارزته بالمحاربة فليس بعد حماقتك حماقة لاإله إلا الله.
إخوتى الكرام نحو هذين الأمرين ستر الفرج ستر العورة واستعمالها عدم النظر إلى عورة الغير وعدم استعمال العورة فيما حرم الله علينا نحو هذين الأمرين من حفظ فيما مضى فليتق الله فيما بقى وليعتصم بالله اللطيف القوى احمد الله حفظت فيما مضى فما فرطت لا خنت فى نظرة ولا فى كشف ولا فى استعمال احمد ذى العزة والجلال وسله أن يلطف بك وأن يثبتك فى المستقبل ومن وقع منه زلل فيما مضى فليتب إلى الله فرحمته واسعة.
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأى عبد لك ما ألما
وحقيقة الوصف الثانى هو وصفنا وقل أن يخلو إنسان من نظرة خائنة أو استعمال لا يحل له ونسأل الله أن يرزقنا حلاوة الإيمان أن يجعل خير أيامنا يوم لقائه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ولذلك ينبغى أن نتوب إلى الله نعم إخوتى الكرام نحو هذا الأمر الثانى على وجه الخصوص قل أن يسلم أحد إلا إذا تداركته عناية خاصة ورعاية تامة من الله والمعصوم من عصمه الله
стр. 5357
وقد ورد فى الآثار بأنه ما سلم من الهم بالخطايا وفعلها إلا عبدا صالحا قانتا جعله الله حصورا وهو نبى الله يحيى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قال الله جل وعلا ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب * هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ .
لا إله إلا الله إخوتى الكرام السيد هوالذى يفوق قومه بالخير يفوقهم فى خصال الخير كما ذكر ذلك شيخ الإسلام الإمام النووى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فى شرح صحيح مسلم فى الجزء الخامس عشر صفحة سبع وثلاثين هذا السيد سيد قومه فاقهم فى خصال الخير والفضيلة والشرف فقال الإمام القرطبى فى تفسيره فى الجزء الرابع صفحة ست وسبعين السيد هو الذى ساد قومه وانتهوا إلى قوله وهذا العبد الصالح نبى الله يحيى على نبيناو ﵊ وصفه الله بأنه سيد وحصور وهو نبى من الصالحين السيادة ما قال الرازى فى تفسيره فى الجزء السابع صفحة سبع وثلاثين هى قدرته على تعليم أتباعه وتأديبهم لما فيه من خصال الخير يعلمهم ويرعاهم ويأدبهم سادهم علمهم وأدبهم.
стр. 5358
وأما الصفة الثانية وهى أنه حصورا لا بد منها تدل على أنه يتعفف عن أموالهم وأعراضهم ويمنع نفسه من الاعتداء عليهم وبهذا يسود وأما إذا علم وأدب ثم هو بعد ذلك يرتع فى أموالهم وأعراضهم ولا يعف عن حرماتهم فأى علم وتأديب سيحصل منه نحو رعيته وقومه وأتباعه حصور يمنع نفسه من أخذ شىء منهم من مال أو اعتداء على عرض ثم هو سيد يعلم ويأدب لفظ الحصور إخوتى الكرام من الحصر بمعنى الحبس حصر يحصر من باب نصر ينصر حصرا إذا منع نفسه الحصر هو المنع ويقال للبخيل حصور كما يقال للأمير حصور هذا حصور وهذا حصور لاإله إلا الله لأن كلا منهما محجوب ذاك حجب خيره وهو البخيل وهذا حجب شخصه وهو الأمير هذا مختفى متوارى حصور وذاك ماله لا يخرج ولا يساعد به عباد الله حصور الحصور هو فيه صفة المنع بخيل فيه صفة الاحتجاب كما قلت هنا احتجب عن رعيته حصور أيضا إذا حصر نفسه ومنعها من الشهوات المحرمة حصور إذن من الحصر وهو الحبس والمنع ومنه قول الله جل وعلا فى سورة الإسراء ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ أى محبسون فيه ولا يخرجون منه يحصرون فى ذلك المكان.
لفظ الحصور هنا إخوتى الكرام فعول إما أن يكون بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول فإذا كان بمعنى فاعل حصر نفسه عن الشهوات ومنعها من المنكرات والرزالات بتوفيق رب الأرض والسماوات.
стр. 5359
روى الإمام البزار فى مسنده والطبرانى فى معجمه الكبير كما فى المجمع فى الجزء الثامن صفحة تسع ومائتين وفى إسناد الأثر على ابن زيد ابن جدعان تقدم معنا حاله مرارا روى له البخارى فى الأدب المفرد ومسلم لكن مقرونا فى صحيحه وأهل السنن الأربعة وتوفى سنة واحدة وثلاثين ومائة ﵁ وأرضاه على ابن زيد ابن جدعان قال الهيثمى ضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات قال الهيثمى فى مكان آخر فى الجزء العاشر صفحة اثنتين وتسعين وثلاثمائة على ابن زيد ابن جدعان وثق وانظروا ترجمته الطيبة فى السير فى الجزء الخامس صفحة سبع ومائتين قال ولد أعمى وكان من أوعية العلم كقتادة دعامة ﵃ أجمعين أيضا ولد أعمى وكان من أوعية العلم على تشيع يسير فيه وسوء حفظ يغضه عن درجة الإتقان ينزله عن درجة يعنى كمال الضبط وتمامه على ابن زيد ابن جدعان وقال فى الميزان فى الجزء الثالث صفحة سبع وعشرين ومائة اختلفوا فيه وقد وثقه الإمام الترمذى فقال عنه فضلا اختلفوا فيه فالترمذى يرى أن حديثه فى درجة الحسن على ابن زيد ابن جدعان هذا فى الإسناد وبقية الرجال ثقات ولفظ الحديث عن سيدنا عبد الله ابن عباس ﵄ قال كنا فى حلقة فى المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه أيهم أفضل فذكرنا نبى الله نوحا على نبيناو عليه صلوات الله وسلامه وطول عبادته يعنى امتاز على غيره بعمر طويل عبد فيه الله الجليل وذكرنا إبراهيم وأنه خليل الرحمن وذكرنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأنه مكلم من قبل الله وأن الله كلمه وذكرنا نبى الله عيسى على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه قال فخرج علينا رسول الله ﷺ يعنى ذكروا أولى العزم أوليس كذلك ويضاف إلى هؤلاء الأربع نبينا ﵊ نبى الله نوح وموسى وعيسى وإبراهيم ومعهم نبينا ﵊ هم أشرف الله
стр. 5360
ورسله كما تقدم معنا فى مباحث النبوة هؤلاء خيار الأنبياء وأفضلهم الخليلان وأفضلهما نبينا ﵊.
كما تقدم معنا هذا إخوتى الكرام ذكروا هؤلاء وخرج عليهم النبى ﵊ فقال ما تذكرون بينكم فقلنا يا رسول الله ﵊ نتذاكر فضائل الأنبياء أيهم أفضل ثم عاودوا عليه ذكرنا نبى الله نوحا ﵊ وطول عبادته إبراهيم وخلته موسى وتكليم الله له نبى الله عيسى على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه كلمة الله وروحه وذكرناك يا رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقال النبى ﵊ فما فضلتم ذكرتم خمسة فمن يعنى فضلتموه من هؤلاء كنا فضلناك يا رسول الله ﵊ ثم ذكروا عللا فى تفضيل نبينا ﵊ وهم مصيبون قالوا بعثك الله كافة للناس بشيرا ونذيرا هذا ما حصل لمن قبلك هذه خصوصية وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وجعلك خاتم النبيين خاتم الأنبياء والمرسلين هذا ما حصل لمن قبلك فقال ﵊ ما ينبغى لأحد أن يكون خيرا من يحيى ابن زكريا على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قالوا ولم يا رسول الله ﵊ يعنى هذا الآن سيفضل على غيره لم حقيقة فى هذه الخصلة كما قلت مرارا المزية لا تقتضى الأفضلية المطلقة لكن حقيقة هو فيه خصلة كما أشار ربنا حصورا لا إله إلا الله قالوا ولم قال ألم تسمعوا إلى قول الله جل وعلا [فى سورة مريم] : ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا *وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا *وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾ .
следующие страницы →