Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
وكما قلت نقول ما نقول تحذيراً من الأقوال الباطلة ونسأل الله للمسلمين أجمعين المغفرة والرحمة. حقيقة لما علق على كتب الإمام ابن القيم لما علق عليها وعلى غيرها من كتب أئمتنا لوثها فاستمع إلى بعض تعليقاته: في صفحة (٥٥) مثلاً في مدارج السالكين في الجزء الأول استمع ماذا يقول: يأتي الإمام ابن القيم للإستشفاء بالقرآن فيقول: وأما تضَمُّنُها – يعني سورة الفاتحة – لشفاء الأبدان فنذكر منه ما جاءت به السنة وما شهدت به قواعد الطب ودلت عليه التجربة. فأما ما دلت عليه السنة في الصحيح من حديث أبي المتوكل من رواية أبي سعيد الخدري أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي من العرب فلما لم يقروهم – يعني لم يضيفوهم – فلدغ سيد الحي إلى آخر الحديث. يقول هنا الإمام ابن القيم فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه فأغْنته عن الدواء وربما بلغت من شفاءه ما لم يبلغه الدواء. هذا حق أو باطل؟! الرقية بالقرآن حق أو باطل؟ استمعوا ماذا يقول المعلق – الشيخ حامد فقي يقول: (لم نجد في الروايات الصحيحة أن أحداً من الصحابة لا في عهد النبي ﷺ ولا بعده فعل ذلك مرة ثانية ولعله والله أعلم كان هذا الحادث بصنع الله لأولئك الصحابة الذين كانوا في حاجة رسول الله ﷺ ومنعهم أهل الحي حقهم من الضيافة مع جوعهم وشدة حاجتهم فسلط الله الحشرة على رئيسهم فلدغته ليستخرج لهم بتلك اللدغة والرقية حقهم.
стр. 5672
أما هذا لا يجوز وما فعله أحد بعد ذلك. هذا تلويث أو تحقيق. ويقول في تعليقه على فتح المجيد عند مبحث الرقية بآيات الله والأدعية الشرعية في صفحة ٢٨. وبعد أن أورد صاحب كتاب فتح المجيد الخلاف بين السلف في تعليق الرقية إذا كانت من التمائم لكن من آيات القرآن. أورد قولين للسلف يقول هذا المعلق: فعل ذلك إستهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به ومحادة لله ولرسوله والله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وشفاء لما في الصدور ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وإنه لتذكرة للمتقين وإنه لحسرة على الكافرين.
ولم ينزل ليتخذ حجباً وتمائم ولا ليتلاعب به المتأكلون الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ويقرأونه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرأ الرؤساء على ترك الحكم به.
إخوتي الكرام: ما دخل هذا بهذا؟ أن من فعل هذا واسترقى بآيات القرآن. هذا أشد أنواع الإستهزاء بآيات الله جل وعلا؟! هذا تلويث.
стр. 5673
أنظر إلى تلويث آخر في صفحة (٥٧) لما ذكر تأثير إصابة العين علق عليها الإمام ابن القيم يقول منكر هذا – أي الإصابة بالعين – ليس معدوداً من بني آدم إلا بالصورة والشكل. يقول المعلق: هذا باعتقاد الشيخ رحمة الله وغفر لنا وله ولو كان الأمر كما ذكر لاستطاع كل يهودي ونصراني ومشرك بل وكل عدو أن يؤذي عدد بإرسال تلك السموم التي صورها الشيخ من أشعة عينية فتقتله كمل يقتله لسع الحية ولدغ الثعبان والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين ولما كان مع الشيخ أحمد شاكر – أي الشيخ حامد فقي – يحققان تهذيب السنن للإمام المنذري وعلق عليه ابن القيم واختصما وكل واحد كان يكتب اسمه على التعليقة التي يعلقها وجرى بينهما مباحثة حول دخول الجن في بدن المصروع محمد حامد فقي قال: هذا لا يمكن مستحيل هذا خرافة لايمكن للجني أن يدخل في بدن الإنسي وأن يصرعه فقال له الشيخ أحمد شاكر هذا موجود في الأحاديث الصحيحة قال: لا يمكن. فذهب وبحث وأحضر له نص الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوي على أنه يمكن والإمام ابن تيمية كان يعالج بعض هذه الحالات قال له الإمام ابن تيمية هذا (بتوعنا مش بتوعكم) لا يجوز أن تستدل أنت بكلامه هذا من جماعة السلفية فقط هذا نحن نستدل به هذا ليس من جماعتكم. أعوذ بالله. وهنا كذلك لا يأتي كلمة والله لوث الكتاب من أوله إلى آخره أنظر ماذا يقول في تعليقه على كلام الإمام ابن القيم في صفحة (٥٨) يذكر الإمام ابن القيم أنه عندما كان في مكة المكرمة كان يستشفي بالفاتحة وبماء زمزم ثم يقول بعد ذلك كنت آخذ قدحا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء والأمر أعظم من ذلك ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين يعلق يقول: هل ثبت عن رسول الله ﷺ – أو عن خلفاؤه الراشدين فعل شيء من ذلك.
стр. 5674
تقرأ الفاتحة على ماء زمزم وتشرب في صفحة (١١٨) يقول الإمام ابن القيم: والمستحب النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلماً والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين والوالدين والنظر في آيات الله المشهورة ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته يقول المعلق: انظر. النظر والتأمل في آيات الله الكونية أوجب الواجبات إلى أن يقول بعد ذلك: أما النظر إلى المصحف ووجوه العلماء فلا أدري من أين جاء استحبابه. لم النظر إلى المصحف مستحب والنظر إلى العلماء مستحب اللهم إلا إن كان على أنه من سنن الله وآياته فيكون للإعتبار. يعني كما أنك تنظر للقرد تنظر إلى العَالِم لتعتبر هذا مخلوق وهذا مخلوق أما أن هذا نظر مستحب تنظر لترى النور والبهجة في وجهه يقول لا. ما الدليل على استحبابه؟ إهداء القرءان إلى الموتى صفحة (١٤٢) يقول الإمام ابن القيم: ما ينفع الميت: ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال من الصدقة عنه والحج والصيام وقراءة القرآن الصلاة وجعل ثواب ذلك له وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء. يعلق يقول: (ليس في قراءة القرآن للموتى إلا دعاوي ومنا مات المقلدين الذين يلقون القول على عواهنه بدون تحقيق ولا تمحيص، والقرآن إنما أنزله الله ليتدبره أولو الألباب) ومثل هذا كثير وكثير هذا في هذا الجزء وأما بعد ذلك في الجزء الثاني نماذج ففي صفحة (٤٨٥) أنظر كيف تجرأ بهذه العبارات يقول هنا الإمام ابن القيم (إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون عن طريق الفراسة الصادقة وإلهام الله لهم يقول المعلق (ليس هذا فراسة إنما هو علم بما في الصدور وهذا شرك في الربوبية وهي دعوى كثير من شيوخ الصوفية) ، وهل أشرك الإمام ابن القيم عندما أورد هذا.
стр. 5675
يقول هنا بعد ذلك – أي الإمام ابن القيم – على فراسات الصحابة عندما دخل بعض الناس على عثمان وقال (تدخلون علي وفي أعينكم أثر الزنا) .
يقول المعلق: (هذه روايات غير مستندة إلى ما يطمئن قلب المؤمن إليه وبالأخص بالنسبة إلى أنس خادم رسول الله ﷺ على أن هذه ليست فراسة وإنما هي معرفة غيب وأنى لعثمان أن يجزم بالزنا هذا الجزم إلا أن يكون وحيا أو دعوى علم غيب وكلها منتفى) صفحة (٨٩) حتى الإمام ابن تيمية ما سلم منه يقول الإمام ابن تيمية حاكيا عن شيخه:
(ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفراً ضخما) وسأذكر كثيراً منها إن شاء الله عند مبحث خوارق العادات.
يقول ابن القيم أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة ٦٩٩ هـ وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام وأن ... الجيش وحدته في الأموال. وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة ثم أخبر الناس والأمراء سنة ٧٠٢ هـ لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال قل إن شاء الله فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا وسمعته يقول ذلك فلما أكثر عليه قلت لا تكثروا كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم منهزمون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام هذا كلام من؟ ابن تيمية يحكيه تلميذه ابن القيم فإذا اطلع الله على ذلك عبدا من عباده ما الحرج؟ سيأتينا هذا خارق للعادة كرامة والله يكرم من شاء بما شاء يقول المعلق: (هل أطلع على اللوح المحفوظ ابن تيمية إطلع كيف هذا لعله كان يقصد بتلك الجرأة في القول تشجيعهم وتقوية روحهم المعنوية فإن هذا من أقوى أسباب النصر على الأعداء) .
стр. 5676
كيف يقسم ابن تيمية تلك الأيمان والأمر كما يقول حامد فقي – المعلق - يقول بعد ذلك الإمام ابن القيم في آخر مبحث كرامات شيخه الإمام ابن تيمية أخرها يقول (وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل ولم يعين أوقاتها وقد رأيت بعضها وأنا انتظر بقيتها وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدت والله أعلم) هذا ينقله عن شيخه وكل هذا يعلق عليه الشيخ حامد فقي بأنه لا قيمة له واستمع إلى ما ختم به تعليقه على ما تقدم.
قال: (مفاتيح الغيب عند الله جل وعلا لا يعلمها إلا هو وغفر الله لنا ولإبن القيم فأين هذا من الفراسة إنما هلك من هلك بالغلو في شيوخهم عفا الله عنا وعنهم. وهذه الأقوال التي يذكرها الشيخ حامد فقي سيأتي معنا إن شاء الله مناقشتها والرد عليها بإذن الله جل وعلا.
بالنسبة لقراءة آيات السكينة (ثم أنزل الله سكينتة على رسوله وعلى المؤمنين ... الأية)
(لا تحزن إن الله معنا ... الأية) للإمام ابن القيم بحث طويل يقول: (سمعت شيخ الإسلام يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها من محاربة أرواح شياطينية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة قال فلما اشتد علي الامر قلت لأقاربي ومن حولي إقرأوا آيات السكينة قال: ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبا يقول ابن القيم وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه فرأيت لها تأثيراً عظيما في سكوني وطمأنينتي.. إلى آخر بحثه) .
يقول المعلق: (كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . فهل كان من هديه ومن هدى الخلفاء الراشدين..) .
خذ من هذا الكلام ومن هذه التعليقات الباطلة ما لا مثيل له. الجزء الثالث – ما سلم جزء من أجزاءه من تعليقات ملوثة ص ٢٢٨ في الجزء الثالث تعليق يعجب الإنسان منه يقول ابن القيم (والكشف الرحماني من هذا النوع.
стр. 5677
ومن الكرامة التي يكرم الله بها عبداً من عباده فيعلمه شيئا مغيبا مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة إن امرأته حامل بأنثى وكشف لعمر ﵁ لما قال يا سارية الجبل وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن.
يقول المعلق: (كان سارية مع قواد جيش عمر في بلاد الشام في بلاد العجم فأخذت عمر وهو على المنبر سنه من النوم كوشف فيها بمجيء مكيدة دبرت لسارية وجيشه فناداه وهو نائم – نائم على أي شيء؟ على المنبر يخطب الجمعة – ناداه وهو نائم كذلك بأن يلجأ للجبل ويجعله وراء ظهره ويلزمه وروى أن سارية سمع ذلك النداء وأطاع الأمر فسلم وسلم جيشه) .
стр. 5678
أنا أعجب من عقلك إذا رضي أن تقول قال في نومه كيف بلغ سارية القول هي هي بقيت يعني لِمَ أوَّلت الأولى والثانية ما وجدت لها مخرجاً هذا هو التلويث الذي يفعله في هذه الكتب وهذا التلويث كما قلت اتصف به هذا الإنسان ولا بد من التحذير من تلويثه الذي لوث به كتب شيخ الإسلام وتلميذه وكتب أئمة الإسلام فلنحذر هذا وقصة عمر بن الخطاب ﵁ في مناداته سارية ﵁ وهو يخطب على المنبر ثابتة صحيحة قال الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٤٧٤ قال شيخنا يعني الحافظ ابن حجر عليهم جميعا رحمة الله اسنادها حسن وقد رواها الإمام البيهقي في دلائل النبوة كما رواها الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة الكرام وقد رواها الإمام ابن الأعراب أيضا في كتاب كرامات الأولياء وجمع طرقها الإمام القطب الحلبي في جزء مفرد وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي الجزء ١١/٢٧٨ ومثل تلويثه أيضا تلويث زهير الشاويش في تعليق على الأعلام العلية في مناقب الإمام ابن تيمية أنظر مثلا في ص ٤٣ يقول صاحب الكتاب تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الحافظ عمر بن على البزار توفي سنة ٧٤٩ هو تلميذ الإمام ابن تيمية يعني يروي أشياء جرت له مع شيخه يقول سبحان الله ما أقصر ما كانت يعني مدة صحبتي له – يا ليتها كانت طالت والله ما مر علي إلى الآن زمان كان أحب إليّ من ذلك الحين ولا رأيتني في وقت أحسن حالا مني حينئذٍ وما كان إلا ببركة الشيخ ﵁.
стр. 5679
البركة الآن تخريف ابن تيمية وتلاميذه مخرفون استمع للتعليق يقول (أي بتوفيق الله بالاقتداء بأحد العلماء الصالحين وأخذ العلم عنه) وفي ص ٥٨ الفصل التاسع في ذكر بعض كراماته وفراسته بعد أن أورد نماذج كثيرة من فراسة الشيخ وكلامه يقول (الشيخ لم يكاشف بأمر مغيب ثم يُأوِّلُ بعد ذلك حقيقة إخوتي الكرام سأذكر لكم قصة فقط من هذه المكاشفات التي كان يرويها هذا الشيخ الكريم عليه رحمة الله. منها مثلا يقول حدثني الشيخ الصالح المقرئ أحمد أنه سافر إلى دمشق قال: (فاتفق أنه لما قدمت ولم يكن معي شيء من النفقة البتة وأنا لا أعرف أحداً من أهلها فجعلت أمشي في زقاق منها كالحائر فإذا بشيخ قد أقبل نحوي مسرعاً فسلم إليّ وهش في وجهي ووضع في يدي صرة فيها دراهم صالحة وقال لي أنفق هذه الآن وخلِّ خاطرك مما أنت فيه. فإن الله لا يضيعك ثم رُدَّ على أثري- يعني رجع من حيث جاء – كأنه ما جاء إلا من أجلي فدعوت له وفرحت بذلك هذه من ينقلها؟ الإمام الحافظ البزار تلميذ الإمام ابن تيمية وقلت لبعض من رأيته من الناس: من هذا الشيخ قالوا كأنك لا تعرفه؟ وكيف يعرفه وهذا أول دخوله إلى دمشق وجاء للقاء الشيخ قالوا هذا ابن تيمية له مده طويلة لم نره اجتاز بهذا الدرب – هذا الدرب الذي أنت تسلكه ما يسلكه الإمام ابن تيمية – وكان جُلَّ قصدي من سفري إلى دمشق للقائه فتحققت أن الله أظهره علي وعلى حالي فما احتجت بعدها إلى أحدٍ مدة أقامتي بدمشق بل فتح الله علي من حيث لا أحتسب واستدللت فيما بعد عليه وقصدت زيارته والسلام عليه فكان يُكرِمني عن حالي فأحمد الله تعالى إليه.
стр. 5680
ماذا نقول عن هذا يعني الشيخ ابن تيمية الآن بدأ يخرف؟ لا إله إلا الله ... ومثل هذا كثير إخوتي الكرام يقول أحمد بن سعيد سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيما فيها فاتفق أني قدمتها ليلا وأنا مثقل مريض فأنزلت في بعض الأمكنة فلم ألبث أن سمعت من ينادي بإسمي وكنيتي فأجبته وأنا ضعيف فدخل إلى جماعة من أصحاب الشيخ محمد ممن كنت اجتمعت ببعضهم في دمشق فقلت كيف عرفتم بقدومي وأنا قدمت هذه الساعة فذكروا أن الشيخ أخبرنا بأنك قدمت وأنك مريض وأمرنا أن نسرع بنقلك وما رأينا أحدا جاء ولا أخبرنا بشيء هذه الكرامات كلها يعلق عليها ويقول: (كيف يقع هذا ومثل هذا ومثل هذا غيب ولا يطلع عليه إلا الرب) وماذا نعمل الآن؟ يعني نكذب الإمام البزار؟ أو نقول إن الشياطين كانوا يأتون للإمام ابن تيمية فأنا أقول إلى من يدعون الإنتساب إلى السلف أقول: أجِلُّوا علماءكم الذين تنتسبون إليهم واتقوا الله جل وعلا فيهم وإذا رأيتمونا نخرج عن أقوالهم وعن أقوال أئمة الإسلام فلكم بعد ذلك علينا كلام والله ما أحد خرج عن أقوالهم إلا أنتم قبل غيركم وأحضرتم بعد ذلك من التأويلات مالا يخطر ببال إنسان ولذلك اتقوا الله جل وعلا ربكم. واختم الكلام إخوتي الكرام بهذا التنبيه هذا الشيخ كما قلت يقول. إنك من القُصَّاصِ ثم في مستهل حديثه يقول: (كأنك تشبه حال القُصَّاص بحيث من سمع كلامك ينعقد لسانه ولا يتكلم من غرابة ما تأتي به من الكلام كما حصل للإمام أحمد بن حنبل ويحي بن معين عندما قام القاص وافترى عليهم بحضورهما فما استطاعا أن يجيباه) .
стр. 5681
وخلاصة القصة ولا صحة لها – وأريد أن انبه هذا إلى ألا ينسب إلى الإمامين المباركين الجليلين – أحمد بن حنبل ويحيى بن معين رحمهما الله ورضي عنهما – لا ينسب إليهما ما علم لهما به – خلاصتها كما سأبين وهي موضوعة مكذوبة يقولون كان الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة فجاء قاص وقال حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ثم ساق حديثا إلى نبينا الأمين ﷺ من طريق الشيخين أن من قال لا إله إلا الله خلق الله من هذه الكلمة طائراً له ريشة من ذهب وريشة من فضة وريشة من زبرجد وبدأ يذكر حديثا في قرابة خمس عشرة صفحة له والإمام أحمد نظر إلى يحيى ابن معين قال أنت حدّثته قال لا فيحيى بن معين قال لأحمد أنت حدثته قال لا فبعد أن انتهى هذا القاص من حديثه جلس على الباب وفرش خرقة من أجل أن يعطيه الناس القطيعات الدراهم فبعد أن انصرف الناس جئنا إليه فمد يده كأنه ظن أننا سنعطيه – يحيى بن معين وأحمد بن حنبل فقلنا من حدثك بهذا الحديث قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قلنا أيها الشيخ هذا أحمد بن حنبل وهذا يحيى بن معين فكيف تروي عنا ونحن ما حدثناك قال سبحان الله ما يوجد على الأرض أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتما؟ أنا كتبت عن بضعة عشر رجلا كل واحد يسمى أحمد بن حنبل ويحيى ين معين.
هذه القصة. إخوتي الكرام يعلم الله قرأتها من فترة طويلة طويلة ولعلني في المرحلة الثانوية في تفسير سيد قطب في أوله وقلبي ما ارتاح لها ثم بعد فترة تبين في أنها مكذوبة فهذا الإنسان يرويها ويقول أنا حالي ما الناس كحال ذلك القاص اعقد ألسنتهم وأبهرهم بكلامي فلا يتكلمون وأنا أقول لهذا الإنسان لا تنسب إلى الإمامين المباركين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين مالا علم لهما به وتنبه غاية التنبه عندما تنسب الأقوال إلى علماء الإسلام فإذا كان يحتاط غاية الاحتياط من ينسب الأقوال إلى السلاطين فكيف بمن ينسب الأقوال إلى أئمة المسلمين.
стр. 5682
ولا يمكن أن يجري ذلك من الإمام أحمد ويحيى بن معين وأن يُترك ذلك الكذاب الوضَّاع ولا يكشف عنه من هو يقول الإمام الذهبي في الميزان (١/٤٧) وفي اللسان (١/٧٩) لسان الميزان لإبن حجر – والكلام ينقله الإمام ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (١/١٤) .
يقول الذهبي: في إسنادها إبراهيم بن عبد الواحد البلدي وقيل البكري لا أدري من هذا أتى بحكاية أخاف أن تكون من وضعه وفي بعض النسخ أخاف ألا تكون من وضعه يعني من وضع غيره لكن هي موضوعة.
فأنت تستدل بموضوع ثم تقول عمل القصاص؟ من عمل القُصَّاص؟ ثم أعجب منك تقول عمل القصاص ثم تعيب فتقول أنت أيضاً تعزو إلى الكتب ومن هنا ومن هنا وما فائدة العامة من ذلك. هل رأيتم قاصا على وجه الأرض عندما يروي حديثا يخرجه ويعزوه إلى كتاب ويحدد مكانه؟؟ -لا إله إلا الله- وبالإضافة إلى تلك الكتب من أجل أيضا أن ترجع إليها وأن تعلم الحكم لئلا تلقي مرة ثانية كلاما دون التحقق منه.
стр. 5683
فالكلام لا صحة له كما قلت إنما أزيدك أنظر أيضا ذلك الأثر بالسند الذي فيه ذلك – إبراهيم بن عبد الواحد – الذي يقول عنه الذهبي لا أدري من هو ذا أتى بحكاية منكرة أخاف أن تكون من وضعه انظر ذلك في الموضوعات للإمام ابن الجوزي (١/٤٦) وأنظرها أيضا في كتاب القصاص والمذكرين للإمام ابن الجوزي أيضا ص (٣٠٥) ، وأنظرها أيضا في اللآلئ المصنوعة في الأخبار الموضوعة (٢/٣٤٦) ، وأنظرها في كتاب الإمام السيوطي تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ص (١٩٥) وأنظرها في كتاب المجروحين لابن حبان (١/٨٥) وأنظرها في كتاب الباعث الحثيث في تعليق الشيخ أحمد شاكر على علوم الحديث للإمام ابن كثير ص (٨٥) وأنظرها في الأسرار المرفوعة للإمام على القاري ص (٣٧) وأنظرها في أول كتاب قرأت هذه القصة فيه ولم يبين أنها منكرة تفسير القرطبي (١/٧٩) كما قلت فالقصة منكرة وأنت تستدل بها وترويها عن أئمتنا البررة وينبغي أن تتنزه عن ذلك الفعل فهذا لا يليق بعباد الله الذين يحققون ما يقولون ويتقون الحي القيوم وبالختام أيها الاخوة الكرام أسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يجمع أمة نبينا ﷺ على الهدى وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
والحمد لله رب العالمين ...
стр. 5684
عصبية في القرآن (٢)
(لقاء ديني)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عصبية في القرآن (٢)
يقول تعالى ذكره: لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن شأنهم حين قالوا إخوة يوسف لَيُوسُفُ وأخُوهُ مِنْ أمه أحَبُّ إلى أبِينا مِنَّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ يقولون: ونحن جماعة ذوو عدد أحد عشر رجلاً. والعصبة من الناس هم عشرة فصاعدا، قيل إلى خمسة عشر فصاعدا عشر، ليس لها واحد من لفظها، كالنفر والرهط. إنَّ أبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعنون: إن أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة، ويعني بالمبين أنه خطأ، يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط،
القرطبي:
стр. 5685
عالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ يعني من سأل عن حديثهم. وقرأ أهل مكة «آيةٌ» على التوحيد؛ واختار أبو عبيد «آيَاتٌ» على الجمع؛ قال: لأنها خير كثير. قال النحاس: و «آية» هنا قراءة حسنة، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبّروا به، لأنهم سألوا النبيّ ﷺ وهو بمكة فقالوا: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أُخرج ابنه إلى مصر، فبكى عليه حتى عمي؟ ـ ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء؛ وإنما وجّهَ اليهودُ (إليهم) من المدينة يسألونه عن هذا ـ فأنزل الله سورة «يوسف» جملة واحدة؛ فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة؛ فكان ذلك آية للنبيّ ﷺ ، بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم ﵇ الميت. «آيَاتٌ» موعظة؛ وقيل: عبرة. وروي أنها في بعض المصاحف «عبرة» . وقيل: بصيرة. وقيل: عجب؛ تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب. قال الثعلبيّ في تفسيره: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه؛ وقال ابن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه! فبغوه بالعداوة، وقد تقدّم ردّ هذا القول. قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم.
الجلالين:
٨ـ اذكر ﴿إذْ قَالُوا﴾ أي بعض إخوة يوسف لبعضهم ﴿لَيُوسُفُ﴾ مبتدأ ﴿وأَخُوهُ﴾ شقيقه بنيامين ﴿أَحَبُّ﴾ خبر ﴿إلَى أَبِينَا مِنَّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿إنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ﴾ خطإ ﴿مُّبِينٍ﴾ بيّن بإيثارهما علينا.
ابن كثير:
стр. 5686
قول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا﴾ أي حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه، يعنون بنيامين وكان شقيقه لأمه ﴿أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ أي جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة ﴿إنّ أبانا لفي ضلال مبين﴾ يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا.
стр. 5687
واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم، ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم﴾ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم أعدموه من وجه أبيكم، ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتخلوا أنتم بأبيكم ﴿وتكونوا من بعده قوماً صالحين﴾ فأضمروا التوبة قبل الذنب ﴿قال قائل منهم﴾ قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل. وقال السدي: الذي قال ذلك، يهوذا. وقال مجاهد هو شمعون الصفا ﴿لا تقتلوا يوسف﴾ أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله لأن الله تعالى كان يريد منه أمراً لا بد من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب وهو أسفله.
стр. 5688
قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ أي المارة من المسافرين فتستريحوا منه بهذا ولا حاجة إلى قتله ﴿إن كنتم فاعلين﴾ أي إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلاً صغيراً، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمراً عظيماً رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه.
مفعو©_
السعدي:
يقول تعالى: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات﴾ أي: عِبَرٌ وأدلة، على كثير من المطالب الحسنة. ﴿للسائلين﴾ أي: لكل من سأل عنها، بلسان الحال، أو بلسان المقال. فإن السائلين، هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون، فلا ينتفعون بالآيات، ولا بالقصص، والبينات.
﴿إذ قالوا﴾ فيما بينهم: ﴿ليوسف وأخوه﴾ بنيامين، أي: شقيقه، وإلا، فكلهم إخوة، ﴿أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ أي: جماعة، فكيف يفضلهما بالمحبة والشفقة، ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾ أي: لفي خطأ بَيِّنٍ، حيث فضلهما علينا، من غير موجب نراه، ولا أمر نشاهده.
﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً﴾ أي: غيبوه عن أبيه، في أرض بعيدة، لا يتمكن من رؤيته فيها.
فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين ﴿يخل لكم وجه أبيكم﴾ ، أي: يتفرغ لكم، ويقبل عليكم بالشفقة والمحبة، فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف، شغلاً، لا
الطبري:
يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئب في الصحراء، ونحن أحد عشر رجلاً معه نحفظه، وهم العصبة إنَّا إذا لخَاسِرُونَ يقول: إنا إذا لعجزة هالكون.
القرطبي:
стр. 5689
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ في موضع رفع؛ أي ذهابكم به. أخبر عن حزنه لغيبته. ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شدّ على يوسف، فلذلك خافه عليه؛ قاله الكلبيّ. وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ذروة جبل، وكأن يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله، فدرأ عنه واحد، ثم انشقّت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام؛ فكانت العشرة إخوته، لما تمالؤوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام. وقيل: إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب؛ فخوفه إنما كان من قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم؛ قال ابن عباس: فسماهم ذئاباً. وقيل: ما خافهم عليه، ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب؛ لأنه أغلب ما يخاف في الصحارى. والذئب مأخوذ من تَذَاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه؛ كذا قال أحمد بن يحيى؛ قال: والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه. وروى ورش عن نافع «الذِّيبُ» قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه. ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ أي في حفظنا أغنامنا؛ أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا. وقيل: «لَخَاسِرُونَ» لجاهلون بحقه. وقيل: لعاجزون.
ابن كثير:
جيبين له عنها في الساعة الراهنة ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون﴾ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة إنا إذاً لهالكون عاجزون.
السعدي:
стр. 5690
أي: قال إخوة يوسف، متوصلين إلى مقصدهم لأبيهم: ﴿يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون﴾ أي: لأي شيء يدخلك الخوف منا، على يوسف، من غير سبب، ولا موجب؟ ﴿و﴾ الحال ﴿إنا له لناصحون﴾ أي: مشفقون عليه، نود له ما نود لأنفسنا، وهذا يدل على أن يعقوب ﵇، لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبرية ونحوها.
فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة، لعدم إرساله معهم، ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه، الذي يحبه أبوه له، ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا: ﴿أرسله معنا غداً يرتع ويلعب﴾ أي: يتنزه في البرية ويستأنس، ﴿وإنا له لحافظون﴾ أي: سنراعيه، ونحفظه من كل أذى يريده.
فأجابهم بقوله: ﴿إني ليحزنني أن تذهبوا به﴾ أي: مجرد ذهابكم به، يحزنني، ويشق عَلَيَّ، لأنني لا أقدر على فراقه، ولو مدة يسيرة. فهذا مانع من إرساله ﴿و﴾ مانع ثان، وهو: أني ﴿أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ أي: في حال غفلتكم عنه، لأنه صغير، لا يمتنع من الذئب.
﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ أي: جماعة، حريصون على حفظه، ﴿إنا إذاً لخاسرون﴾ أي: لا خير فينا، ولا نفع يرجى منا، إن أكله الذئب، وغلبنا عليه.
فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع، سمح حينئذٍ بإرساله معهم، لأجل أنسه.
طبري
﴿الَّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: الشرّ لكم بالإفك الذي قالوا، الذي تكلَّموا به، كان شرّا لهم، وكان فيهم من لم يقله إنما سمعه، فعاتبهم الله، فقال أوّلَ شيء: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
стр. 5691
وقوله: ﴿لِكُلّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ يقول: لكلّ امرىء من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما اجترم من الإثم، بمجيئه بما جاء به، من الأولى عبد الله. وقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ يقول: والذي تحمل معظم ذلك الإثم والإفك منهم هو الذي بدأ بالخوض فيه. كما:
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ يقول: الذي بدأ بذلك.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ قال: أصحاب عائشة عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول، ومِسْطَح، وحَسّان.
قال أبو جعفر: له من الله عذاب عظيم يوم القيامة.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: كِبْرَهُ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: كِبْرَهُ بكسر الكاف، سوى حميد الأعرج فإنه كان يقرؤه: «كُبْرَهُ» بمعنى: والذي تحمل أكبره.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: القراءة التي عليها عوامّ القرّاء، وهي كسر الكاف، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وأن الكِبْر بالكسر: مصدر الكبير من الأمور، وأن الكُبْر بضم الكاف: إنما هو من الولاء والنسب، من قولهم: هو كُبْر قومه والكِبْر في هذا الموضع: هو ما وصفناه من معظم الإثم والإفك. فإذا كان ذلك كذلك، فالكسر في كافة هو الكلام الفصيح دون ضمها، وإن كان لضمها وجه مفهوم.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنىّ بقوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ... الآية، فقال بعضهم: هو حسان بن ثابت. ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، قال: ثنا داود، عن عامر، أن عائشة قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزاءُ
стр. 5692
فإنَّ أبي وَوَالِدهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٌ مِنْكُمْ وِقاءُ
أتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشَرُّكُما لخَيْرِكُما الفِداءُ
لِسانِي صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ ... وبَحْرِي لا تُكَدّرهُ الدّلاءُ
فقيل: يا أمّ المؤمنين، أليس هذا لغوا؟ قالت لا، إنما اللَّغو ما قيل عند النساء. قيل: أليس الله يقول: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكُنِّع بالسيف؟.
قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت، فأُلقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا وقد قال الله ما قال؟ فقالت: قال الله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ وقد ذهب بصره، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة، فشبَّب بأبيات له، فقال:
وَتُصْبِح غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ.
فقالت عائشة: أما إنك لست كذلك فقلت: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد أنزل الله فيه: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ... الآية؟ فقالت: وأيّ عذاب أشدّ من العمى وقالت: إنه كان يدفع عن رسول الله ﷺ .
حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا جعفر بن عون، عن المُعَلَّى بن عرفان، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: تفاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجِي من السماء. قال: وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعَطَّل على الراحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل قالت قلتِ كلمةَ المؤمنين.
وقال آخرون: هو عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول. ذكر من قال ذلك:
стр. 5693
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كِبْره، ومِسْطَحا، وحسان بن ثابت.
حدثنا سفيان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمدبن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقَّاص وغيره أيضا، قالوا: قالت عائشة: كان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان الذي تولى كبره: عبد الله بن أُبيّ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: إنَّ الَّذِينَ جاءُوا ... الآية،، الذين افْتَرَوا على عائشة: عبد الله بن أُبيّ، وهو الذي تولى كِبْره، وحسان، ومِسْطَح، وحَمْنه بنت جحش.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة في الذين جاءوا بالإفك: يزعمون أنه كان كِبْرُ ذلك عبدَ الله بن أبيّ ابن سلول، أحد بني عوف بن الخرزج وأخبرت أنه كان يحدّث به عنهم فيقرّه ويسمعه ويستوشيه.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أُبيّ ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والذي تولى كِبْره هو عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وهو بدأه.
стр. 5694
وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: الذي تولى كِبْره من عصبة الإفك، كان عبد الله بن أبيّ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كِبْر ذلك الأمر. وكان سبب مجيء أهل الإفك، ما:
стр. 5695
حدَّثنا به ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبيّ ﷺ ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا: زعموا أن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعد ما أَنْزِل الحجاب، وأنا أُحْمَل في هودجي وأنزل فيه. فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل إلى المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظَفَارِ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرْحَلون لي، فاحتملوا هو دجي، فَرَحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خِفافا لم يُهَبِّلْهُن ولم يَغْشَهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقلَ الهودج حين رَحَلُوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عَقْدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني ويرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت حتى أصبحت.
стр. 5696
وكان صفوان بن المعطَّل السُّلميّ ثم الذَّكْوانيّ، قد عَرَّس من وراء الجيش، فادّلَج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل أن يُضرب الحجاب عَلَيّ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخَمَّرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطِىء على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا مُوغِرِينَ في نحر الظهيرة. فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كِبْره عبد الله بن أُبيّ ابن سلول.
стр. 5697
فقدمنا المدينة، فاشتكيت شهرا، والناس يُفِيضُون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللُّطْف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: «كيف تيكم؟» فذلك يريبني، ولا أشعر بالشرّ. حتى خرجت بعد ما نَقَهت، فخرجت مع أمّ مِسْطَح قبَلَ المَنَاصع، وهو مُتَبرّزنا، ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قَبل أن نتخذ الكُنُف قريبا من بيوتنا، وأَمْرُنا أمر العرب الأُوَل في التنزّه، وكنا نتأذّى بالكُنُف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي ابنة أبي رُهْم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مِسْطَحْ بن أُثاثة بن عباد بن المطَّلب. فأقبلت أنا وابنة أبي رُهْم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مِسْطَح في مِرْطِها، أوَ لم تسمعي ماقال؟ وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مَرَضا على مرضي. فلما رجعت إلى منزلي، ودخل عليّ رسول الله ﷺ ، ثم قال: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» فقلت: أتأذن لي أن آتيَ أبويّ؟ قال: «نعم» . قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستثبت الخبر من قِبَلهما. فأذِن لي رسول الله ﷺ ، فجئت أبويّ، فقلت لأمي: أي أمتاه، ماذا يتحدّث الناس؟ فقالت: أي بُنية، هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها. قالت: قلت: سبحان الله، أَوَ قد تحدّث الناس بهذا وبلغ رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدخل عليّ أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي: مايبكيها؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل لها.
стр. 5698
فأكبّ يَبْكي، فبكى ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلى المقبل لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى ظنّ أبواي أن البكاء سيفلق كبدي.
فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأُسامة بن زيد، حين استْلَبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أُسامة، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الودّ، فقال: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا. وأما عليّ فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تَصْدُقك، يعني بَرِيرة. فدعا رسول الله ﷺ بَرِيرة، فقال: «هَلْ رأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عائِشَةَ؟» قالت له بَرِيرة: والذي بعثك بالحقّ، ما رأيت عليها أمرا قطّ أَغْمِصْه عليها، أكثرَ من أنها حديثة السنّ تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله فقام النبيّ ﷺ خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «مَنْ يَعْذِرُنِي مِمنْ قَدْ بَلَغْنِي أذَاهُ فِي أهْلِي؟» يعني عبدَ الله بن أُبي ابن سَلُول. وقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر أيضا: «يا مَعْشَرَ المُسْلَمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَني أذَاهُ فِي أهْلي؟ فَوَاللهِ ما عَلمْتُ عَلى أهْلي إلاَّ خَيْرا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْرا، وَما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلي إلاَّ مَعي» فقام سعد بن مُعاذ الأنصاريّ، فقال: أنا أعذِرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عُنُقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
стр. 5699
فقام سعد بن عُبادة، فقال، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحا، ولكن احتملَتْه الحَمِيّة، فقال: أَيْ سعدَ بن معاذ، فقال لسعد بن عُبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلَّنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يُخَفِّضُهم حتى سكتوا. ثم أتاني رسول الله ﷺ وأنا في بيت أبويّ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنتْ عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله ﷺ ، ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحَى إليه في شأني بشيء قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ يا عائشَةُ فإنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وكَذا، فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرّئُكِ اللهُ، وَإنْ كُنْتِ ألمَمْتِ بِذَنْبٍ، فاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إلَيْهِ، فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَف بَذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ تابَ الله عَلَيْهِ» . فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قَلَص دمعي، حتى ما أحسّ منه دمعة قلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .
стр. 5700
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد عرفت أنْ قد سمعتم بهذا، حتى استقرّ في أنفسكم، حتى كِدْتم أن تصدِّقوا به، فإن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني برئة، لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة، لتصدِّقُنِّي، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ .
стр. 5701
ثم تولَّيت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله سيبرّئني ببراءتي، ولكني والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحْي يُتلى، ولَشأني كان أحقَر في نفسي من أن يتكلَّم الله فيّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في المنام رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: والله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدّر منه مثلُ الجُمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أُنزل عليه. قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، كان أوّل كلمة تكلم بها أن قال: «أبْشِرِي يا عائِشةُ، إنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأكِ» فقالت لي أمي، قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. فأنزل الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشر آيات، فأنزل هذه الآيات براءة لي. قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق على مِسْطَح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة قالت: فأنزل الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: إني لأحبّ أن يغفر الله لي. فرجع إلى مِسْطَح النفقةَ التي كان يُنفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري وما رأت وما سمعت، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالوَرَع، وطفقت أختها حَمْنة تحارب فهلكت فيمن هلك.
قال الزهريّ بن شهاب: هذا الذي انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.
стр. 5702
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، وعن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عتبة بن مسعود. قال الزهريّ: كلّ قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان له أوعى من بعض. قال: وقد جمعت لك كل الذي قد حدثني. وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة قال: وثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة. قال: ثني عبد الله بن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت وكل قد اجتمع في حديثه قصة خبر عائشة عن نفسها، حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا، وكله قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا، ويحدث بعضهم ما لم يحدث بعض، وكلّ كان عنها ثقة، وكلّ قد حدث عنها ما سمع.
قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأَيتهُنّ خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزاة بني المصطَلِق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي رسول الله ﷺ معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العُلَق لم يهيِّجْهُنَّ اللحم فيثقلن. قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست في هَوْدَجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون بي بعيري ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج يرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك وجَّه قافلاً، حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلاً فبات بعض الليل، ثم أذّن في الناس بالرحيل. فلما ارتحل الناس، خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي من جَزْعَ ظَفارِ، فلما فرغت انسلّ من عنقي وما أدري فلما رجعت إلى الرحْل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل. قالت: فرجعت عَوْدِي إلى بَدْئِي، إلى المكان الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون بي البعير.
стр. 5703
ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله ﷺ خطيبا وما علمت، فتشهد، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ أشِيرُوا عَليَّ فِي أُناسٍ أبَنُوا أهْلِي وَاللْهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي سُوءًا قَطُّ، وأبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللهِ ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ سُوءا قَطُّ، وَلا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إلاَّ وأنا حاضِرٌ، وَلا أغِيبُ فِي سَفَرٍ إلاَّ غابَ مَعِي» فقام سعد بن مُعاذ فقال: يا رسول الله، نرى أن نضرب أعناقهم فقام رجل من الخزرج، وكانت أمّ حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال كذبتَ، أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج في المسجد شرّ وما علمتُ به. فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعى أمّ مِسْطح، فعثرت، فقالت: تَعَس مِسْطح فقلت علام تسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تَعَس مسطح قلت: علام تسبين ابنك؟ فسكتت الثانية. ثم عثرت الثالثة، فقالت: تَعَس مسطح فانتهرتها، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله. قالت: فرجعت إلى بيتي فكأن الذي خرجت له لم أخرج له، ولا أجد منه قليلاً ولا كثيرا. ووُعِكْت، فقلت: يا رسول الله، أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فإذا أنا بأمي أمّ رومان، قالت: ما جاء بك يا بُنية؟ فأخبرتها، فقالت: خَفِّضي عليك الشأن، فإنه والله ما كانت امرأة جميلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها وقلن فيها. قلت: وقد علم بها أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم. فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذُكر من أمرها. ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك إلاّ رَجَعْت إلى بيتك فرجعت.
стр. 5704
فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا عندي حتى دخل رسول الله ﷺ عليّ بعد العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن يميني وعن شمالي، فتشهد رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ يا عائِشَةُ، إنْ كُنْتِ قارَفْتِ سُوءا أوْ ألَمَمْتِ فَتُوبِي إلى اللهِ، فإنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» . وقد جاءت امرأة من الأنصار وهي جالسة، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تقول شيئا؟ فقلت لأبي: أجبه فقال: أقول ماذا؟ قلت لأمي: أجيبيه فقالت: أقول ماذا؟ فلما لم يجيباه تشَّهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل، والله يعلم إني لصادقة ماذا بنافعي عندكم، لقد تُكُلِّم به وأُشْرِبته قلوبكم وإن قلت إني قد فعلت والله يعلم أني لم أفعل لَتقولُنّ قد باءت به على نفسها، وأيمُ الله مَا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: ﴿فَصَبْرٌ جَميلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ . وأنزل الله على رسوله ساعتئذٍ، فُرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه يقول: «أبْشِرِي يا عائِشَةُ، فَقَدْ أنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ» فكنت أشدّ ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده ولا أحمدكما، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، ولكني أحمد الله الذي أنزل براءتي. ولقد جاء رسول الله بيتي، فسأل الجارية عني، فقالت: والله ما أعلم عليها عيبا إلا أنها كانت تنام حتى كانت تدخل الشاة فتأكل حصيرها أو عجينها، فانتهرها بعض أصحابه، وقال لها: اصْدُقي رسول الله ﷺ قال عروة: فعَتب على من قاله، فقال: لا، والله ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر. وبلغ ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله ما كشفت كَنَف أنثى قطّ.
стр. 5705
فقتل شهيدا في سبيل الله. قالت عائشة: فأما زينب بنت جحش، فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا وأما حَمْنة أختها، فهلكت فيمن هلك. وكان الذين تكلموا فيه: المنافقَ عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كِبْره، ومِسْطحا، وحسانَ بن ثابت، فحلف أبو بكر أن لا ينفع مِسْطَحا بنافعة، فأنزل الله: ﴿وَلا يَأَتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ﴾ يعني أبا بكر، ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولي القُرْبَى وَالمَساكِينَ يعني مِسْطحا، ألا تَحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال أبو بكر: بلى والله، إنا لنحبّ أن يغفر الله لنا وعاد أبو بكر لِمْسطَح بما كان يصنع به.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص وغيره أيضا، قال: خرجت عائشة تريد المَذْهب، ومعها أمّ مسطح. وكان مِسطح بن أثاثة ممن قال ما قال. وكان رسول الله ﷺ خطب الناس قبل ذلك، فقال: «كَيْفَ تَرَوْنَ فِيمَنْ يُؤْذِينِي فِي أهْلِي وَيجْمَعُ فِي بَيْتِهِ مَنْ يُؤْذِينِي؟» فقال سعد بن مُعاذ: أي رسول الله، إن كان منا معشرَ الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا فأطعناك. فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، والله ما بك نُصْرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن في الجاهلية وإحن لم تحلل لنا من صدوركم بعد فقال ابن معاذ: الله أعلم ما أردت. فقام أُسَيد بن حُضَير، فقال: يا ابن عبادة، إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقين وتدفع عنهم. وكثر اللَّغَط في الحيين في المسجد ورسول الله ﷺ جالس على المنبر، فما زال النبيّ ﷺ يومىء بيده إلى الناس ههنا وههنا، حتى هدأ الصوت.
стр. 5706
وقالت عائشة: كان الذي تولى كِبْره، والذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أُبّي ابن سلول. قالت: فخرجت إلى المَذْهَب ومعي أمّ مسطح، فعثرتْ، فقالتْ: تَعَس مِسْطح فقلت: غفر الله لك، أتقولين هذا لابنك ولصاحب رسول الله ﷺ ؟ قالت ذلك مرّتين، وما شعرت بالذي كان. فحُدثت، فذهب عنى الذي خرجت له، حتى ما أجد منه شيئا. ورجعت على أبويّ أبي بكر وأمّ رُومان، فقلت: أما اتقيتما الله فيّ وما وصلتما رحمي؟ قال النبيّ ﷺ الذي قال، وتحدّث الناس بالذي تحدثوا به ولم تُعْلِماني فأُخْبِر رسول الله ﷺ قالت: أي بنية، والله لقلما أحبّ رجل قطّ امرأته إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك أي بنية ارجعي إلى بيتك حتى نأتَيك فيه فرجعت وارتكبني صالِبٌ من حُمَّى، فجاء أبواي فدخلا، وجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على سريري وُجاهي، فقالا: أي بينة، إن كنت صنعت ما قال الناس فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه فأخبرني رسول الله بعذرك قلت: ما أجد لي ولكم إلا كأبي يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ . قالت: فالتمست اسم يعقوب، فما قدرت، أو فلم أقدر عليه. فشخص بصر رسول الله إلى السقف، وكان إذا نَزَل عليه وَجَد، قال الله: ﴿إنَّا سَنُلْقي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا، ثم مسح عن وجهه، فقال: «يا عائِشَةُ أبْشِرِي، قَدْ أنْزَلَ اللهُ عُذْرَكِ» قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك. قال الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ... حتى بلغ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ . وكان أبو بكر حلف أن لا ينفع مسطحا بنافعة، وكان بينهما رَحم، فلما أنزلت: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ ...
стр. 5707
حتى بلغ: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال أبو بكر: بلى، أي ربّ فعاد إلى الذي كان لمسطح ﴿إن الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ... حتى بلغ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ . قالت عائشة: والله ما كنت أرجو أن ينزل فيّ كتاب ولا أطمع به، ولكن أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا تُذْهب ما في نفسه. قالت: وسأل الجارية الحَبَشية، فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنَّك الله قال: فعجب الناس من فقهها.
القرطبي:
فيه ثمان وعشرون مسألة:
стр. 5708
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ «عُصْبَةٌ» خبر «إنّ» . ويجوز نصبها على الحال، ويكون الخبر ﴿لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ . وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها، وهو خبر صحيح مشهور، أغنى اشتهاره عن ذكره، وسيأتي مختصراً. وأخرجه البخارِيّ تعليقاً، وحديثه أتم. قال: وقال أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضاً عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق عن أم رُومان أم عائشة أنها قالت: لما رُميت عائشة خرّت مغشيًّا عليها. وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال: «حدثني مسروق بن الأجدع قال: حدثتني أمّ رومان وهي أم عائشة قالت: بينا أنا قاعدة أنا وعائشةُ إذ وَلَجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل (بفلان) ! فقالت أم رومان: وما ذاكِ؟ قالت اتّي فيمن حدّث الحديث! قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا. قالت عائشة: سمع رسولُ الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم! فخرّت مغشيًّا عليها؛ فما أفاقت إلا وعليها حُمَّى بنافضٍ، فطرحْتُ عليها ثيابها فغطيتها؛ فجاء النبيّ ﷺ فقال: «ما شأن هذه؟» فقلت: يا رسول الله، أخذتها الحُمَّى بنافض. قال: «فلعلّ في حديثٍ تُحُدِّث به» قالت: نعم. فقعدت عائشة فقالت: والله، لئن حلفتُ لا تصدّقوني! ولئن قلت لا تَعْذِروني! مَثلي ومثلُكم كيعقوبَ وبَنِيه، واللَّهُ المستعان على ما تصفون. قالت: وانصرف ولم يقل شيئاً؛ فأنزل الله عذرها. قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك. قال أبو عبد الله الحميدي: كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبْيَن، واستدلّ على ذلك بأن أم رومان تُوفّيت في حياة رسول الله ﷺ ، ومسروقٌ لم يشاهد النبيّ ﷺ بلا خلاف.
стр. 5709
وللبخاريّ من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة أن عائشة كانت تقرأ «إذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» وتقول: الوَلْق الكذب. قال ابن أبي مُليكة: وكانت أعلمَ بذلك من غيرها لأنه نزل فيها. قال البخارِيّ: وقال مَعْمَر بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غَزْوَة الْمُرَيْسِيع. قال ابن إسحاق: وذلك سنة ستّ. وقال موسى بن عقبة: سنة أربع. وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزُّهرِيّ قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًّا كان فيمن قَذَف؟ قال: قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما: كان عليٌّ مُسَلِماً في شأنها. وأخرجه أبو بكر الإسماعيليّ في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر عن الزهري، وفيه: قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولَّى كِبرْه منهم عليّ بن أبي طالب؟ فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيّب وعُروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلّهم يقول سمعت عائشة تقول: ﴿والذي تولّى كبره﴾ عبدُ الله بن أبَيّ (بن سلول) . وأخرج البخاري أيضاً من حديث الزهري عن عروة عن عائشة: والذي تولّى كِبْرَه منهم عبدُ الله بن أبَيّ.
стр. 5710
الثانية: قوله تعالى: ﴿بِالإِفْكِ﴾ الإفك الكذب. والعصبة ثلاثة رجال؛ قاله ابن عباس. وعنه أيضاً من الثلاثة إلى العشرة. ابن عُيينة: أربعون رجلاً. مجاهد: من عشرة إلى خمسة عشر. وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعةُ الذين يتعصّب بعضهم لبعض. والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره. والشرّ ما زاد ضره على نفعه. وإنّ خيراً لا شرَّ فيه هو الجنة. وشرًّا لا خير فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى. فنبّه الله تعالى عائشة وأهلها وصَفْوان، إذ الخطاب لهم في قوله: ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر.
следующие страницы →