Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
وقوله: ﴿وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً﴾ أي كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله﴾ في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ يعني بذلك أمة محمد ﷺ ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن با لله﴾ الآية، ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ أي لذنوبهم، أي إن كان لبعضهم ذنوب.
إنه é_
القرطبي:
وله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ أي بأن يُظهروا لك السلم، ويُبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح فما عليك من نياتهم الفاسدة. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك الله؛ أي يتولّى كفايتك وحياطتك. قال الشاعر:
إذا كانت الهيجاءُ وانشقّتِ العصا ... فحسبُكَ والضّحاكَ سيفٌ مُهَنَّدُ
أي كافيك وكافي الضحاك سيفٌ.
стр. 5742
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أي قوّاك بنصره. يريد يوم بدر. ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي جمع بين قلوب الأَوْس والخَزْرج. وكان تألّف القلوب مع العَصبية الشديدة في العرب من آيات النبيّ ﷺ ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يُلطَم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشدّ خلق الله حَمِيّة، فألّف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدِّين. وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب.
حدثني أحمد بن حماد الدولابي، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: من قتل في عصبية في رمي يكون منهم بحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب بالعصيّ فهو خطأ ديته دية الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود يديه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير ومغيرة، عن الحارث وأصحابه في الرجل يضرب الرجل فيكون مريضا حتى يموت، قال: أسأل الشهود أنه ضربه، فلم يزل مريضا من ضربته حتى مات، فإن كان بسلاح فهو قود، وإن كان بغير ذلك فهو شبه العمد.
وقال آخرون: كل ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل. ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة عن عبيد بن عمير، أنه قال: وأيّ عمد هو أعمد من أن يضرب رجلاً بعصا ثم لا يقلع عنه حتى يموت.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم، قال: إذا خنقه بحبل حتى يموت أو ضربه بخشبة حتى يموت فهو القود.
وعلة من قال كلّ ما عدا الحديد خطأ، ما:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير، قال: قال النبيّ ﷺ : «كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إلاَّ السَّيْفَ، وَلِكُلّ خَطَأٍ أرْشٌ» .
стр. 5743
وعلة من قال: حكم كلّ ما قتل المضروب به من شيء حكم السيف من أن من قتل به قتيل عمد، ما:
حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا أبو الوليد، قا: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها بين حجرين، فأتى به النبيّ ﷺ ، فقتله بين حجرين.
قالوا: فأقاد النبيّ ﷺ من قاتل بحجر وذلك غير حديد. قالوا: وكذلك حكم كلّ من قتل رجلاً بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثل المقتول به، نظير حكم اليهودي القاتل الجارية بين الحجرين.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: كل من ضرب إنسانا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسه به أنه قاتل عمد ما كان المضروب به من شيء؛ للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله ﷺ .
وأما قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدا فِيها﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه. ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: جزاؤه جهنم إن جازاه.
وقال آخرون: عُني بذلك رجل بعينه كان أسلم، فارتدّ عن إسلامه وقتل رجلاً مؤمنا؛ قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلاًّ قتله، فجزاؤه جهنم خالدا فيها. ذكر من قال ذلك:
стр. 5744
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبيّ ﷺ الدية قبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: ضرب النبيّ ﷺ ديته على بني النجار، ثم بعث مِقْيَسا وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبيّ ﷺ ، فاحتمل مقيس الفهري وكان أيّدا، فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم أُلفي يتغنى:
قَتَلْتُ بِهِ فِهْرا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ... سَرَاةَ بني النَّجَّار أرْبابِ فارعِ
فقال النبيّ ﷺ : «أظُنُّهُ قَدْ أحْدَثَ حَدَثا، أمَا وَاللهِ لَئِنْ كانَ فَعَلَ لا أُؤَمِّنُهُ فِي حِلٍّ وَلا حَرَمٍ، وَلا سِلْمٍ وَلا حَرْبٍ» فقتل يوم الفتح؛ قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا﴾ ... الآية.
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من تاب. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: ثني سعيد بن جبير، أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم.
وقال آخرون: ذلك إيجاب من الله الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا كائنا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله. قالوا: فكلّ قاتل مؤمن عمدا فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له. وقالوا: نزلت هذه الآية بعد التي في سورة الفرقان. ذكر من قال ذلك:
стр. 5745
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن يحيى الجاري، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كفّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأني له التوبة والهدى، فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: «ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ! رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلاً مُتَعَمِّدا، جاءَ يَوْمَ القِيامَة آخِذا بِيَمِينِه أوْ بِشِمالِهِ، تَشْخُبُ أوْدَاجُهُ دَما، فِي قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، يَلْزَمُ قاتِلَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى يقولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي» . والذي نفسي عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قُبِض نبيكم ﷺ ، وما نزل بعدهما من برهان.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذَابا عَظِيما﴾ فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحا؟ فقال: وأنَّى له التوبة!.
стр. 5746
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام عن يحيى، عن رجل، عن سالم، قال كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال: أرأيت رجلاً قتل مؤمنا متعمدا أين منزله؟ قال: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما. قال: أفرأيت إن هو تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنَّى له الهدى ثكلته أمه! والذي نفسي بيده لسمعته يقول ـ يعني النبيّ ﷺ : «يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مُعَلَّقا رأسُهُ باحْدَى يَدَيْهِ، إمَّا بِيَمِينِهِ أوْ بِشِمَالِهِ، آخِذا صَاحِبَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى تَشْخُبُ أوْدَاجُهُ حِيالَ عَرْضِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يا رَبّ سَلْ عَبْدَكَ هَذَا عَلامَ قَتَلَنِي؟» فما جاء نبيّ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا عمان بن زريق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: فوالله لقد أنزلت على نبيكم ثم ما نسخها شيء، ولقد سمعته يقول: ﴿وَيْلٌ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ، يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَة آخِذا رأسَهُ بِيَدِهِ ثم ذكر الحديث نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أي عديّ، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي عبد الرحمن بن أبزي: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقال: لم ينسخها شيء. وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلها آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما﴾ قال: نزلت في أهل الشرك.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين، فذكر نحوه.
стр. 5747
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني سعيد بن جبير، أو حُدثت عن سعيد بن جبير، أن عبد الرحمن بن أبزي أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .... إلى آخر الآية، والتي في الفرقان: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما﴾ ... إلى: ﴿وَيخْلُدْ فِيهِ مُهانا﴾ قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمنا متعمدا فلا توبة له. وأما التي في الفرقان، فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله بغير الحقّ وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام؟ قال: فنزلت ﴿إلاَّ مَنْ تابَ﴾ ... الآية.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: ما نسخها شيء.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: هي من آخر ما نزلت ما نسخها شيء.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت إلى ابن عباس فسألته، فقال: لقد نزلت في آخر ما نزل من القرآن وما نسخها شيء.
حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إياس معاوية بن قرّة، قال: أخبرني شهر بن حوشب، قال: سمعت ابن عباس يقول: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ بعد قوله: ﴿إلاَّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحا﴾ بسنة.
стр. 5748
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سلم بن قتيبة، قال: ثنا شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن ابن عباس، قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: نزلت بعد: ﴿إلاَّ مَنْ تَابَ﴾ بسنة.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إياس، قال: ثني من سمع ابن عباس يقول: في قاتل المؤمن نزلت بعد ذلك بسنة، فقلت لأبي إياس: من أخبرك؟ فقال: شهر بن حوشب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن أبي حصين، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا﴾ قال: ليس لقاتل توبة إلا أن يستغفر الله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا﴾ ... الآية، قال عطية: وسئل عنها ابن عباس، فزعم أنها نزلت بعد الآية التي في سورة الفرقان بثمان سنين، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلها آخَرَ﴾ ... إلى قوله: ﴿غَفُورا رَحِيما﴾ .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن مطرف، عن أبي السفر، عن ناجية، عن ابن عباس، قال: هما المبهمتان: الشرك، والقتل.
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس التي حرّم الله؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذَابا عَظِيما﴾ .
حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أشياخه الكوفيين، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدة.
стр. 5749
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثني هياج بن بسطام، عن محمد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر.
حدثنا ابن البرقي قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: ثني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: يأتي المقتول يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه وأوداجه تشخب دما، يقول: يا ربّ دمي عند فلان! فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضي بينهما. ثم نزع بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدا فِيها﴾ ... الآية. قال ابن عباس: والذي نفسي بيده ما نسخها الله جلّ وعزّ منذ أنزلها على نبيكم ﵊.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، قال: سمعت رجلاً يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت، قال: سمعت أباك يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة بسنة أشهر، قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا﴾ ... إلى آخر الآية، بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلها آخَرَ﴾ ... إلى آخر الآية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، قال: سمعت رجلاً يحدّث خارجة بن زيد، قال: سمعت أباك في هذا المكان بمني يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة، قال: أراه بستة أشهر، يعني: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا﴾ بعد: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: ما نسخها شيء منذ نزلت، وليس له توبة.
стр. 5750
قال أبو جعفر: وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه إنْ جزاه جهنم خالدا فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عزّ ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعا﴾ .
فإن ظنّ ظانّ أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عزّ ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ والقتل دون الشرك.
ابن كثير:
يقول ﵎: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون ﴿إنما أعظكم بواحدة﴾ أي إنما آمركم بواحدة وهي ﴿أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾ أي تقوموا قياماً خالصاً لله من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضاً هل بمحمد من جنون. فينصح بعضكم بعضاً ﴿ثم تتفكروا﴾ أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾ هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتاده وغيرهم، وهذا هو المراد من الآية.
стр. 5751
فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «أعطيت ثلاثاً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، قال الله تعالى: ﴿أن تقوموا لله مثنى وفراد﴾ وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي» فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد، ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ قال البخاري عندها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خازم حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني» قالوا: بلى، قال ﷺ : «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا. فأنزل الله : ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ .
стр. 5752
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم. حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ يوماً فنادى ثلاث مرات، فقال: «أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟» قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال ﷺ : «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً يأتيهم، فبعثوا رجلاً يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيها الناس أوتيتم أيها الناس أوتيتم» ثلاث مرات، وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة جميعاً إن كادت لتسبقني» تفرد به الإمام أحمد في مسنده.
الطبري:
أويل ذلك: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء: أي بشرككم، يقتل بعضكم بعضا، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُمْ﴾ كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب!
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾ يقتل بعضكم بعضا، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألّف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانا.
стр. 5753
فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع كلمتهم عليها، والعداوة التي كانت بينهم، التي قال الله : ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾ فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب، أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة. كما:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم. ثم إن الله أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد ﷺ .
فذكَّرهم جلّ ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوّف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول ﷺ والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا. وكان سببُ ذلك ما:
стр. 5754
حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا. قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه. قال: فتصدّى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي! قال: فقال له رسول الله ﷺ : «وَما الَّذِي مَعَكَ؟» قال مجلة لقمان ـ يعني حكمة لقمان ـ فقال له رسول الله ﷺ : «اعْرِضْها عَليَّ!» فعرضها عليه، فقال: «إنَّ هَذَا الكَلامَ حَسَنٌ، مَعِي أفْضَلُ مِنْ هَذَا، قُرآنٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَّي هُدًى وَنُورٌ» . قال: فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بُعاث.
стр. 5755
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني الحسين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل: أن محمود بن أسد أحد بني عبد الأشهل، قال: لما قدم أبو الجيش أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم فجلس إليهم، فقال: «هَلْ لَكُمْ إلى خَيْرٍ ممَّا جِئْتُمْ لَهُ؟» قالُوا: وَما ذَاكَ؟ قال: «أنا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إلى العِبادِ أدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وأَنْزَلَ عَلَّي الكِتابَ» . ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له! قال: فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا! قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج. قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال: فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه ﷺ ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم. فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله لهم خيرا. قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: «مَنْ أنْتُمْ؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمِنْ مَوَالىَ يَهُودَ؟» قالوا: نعم، قال: «أفَلا تَجْلِسُونَ حتى أُكَلِّمَكُمْ؟» قالوا: بلى. قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
стр. 5756
قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيا الآن مبعوث قد أظلّ زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبيّ الذي توعدكم به يهود، ولا يسبقُنكم إليه! فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، وسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعزّ منك! ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا، وهم فيما ذكر لي ستة نفر. قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسول الله ﷺ ، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب.
стр. 5757
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أنه لقي النبيّ ﷺ ستة نفر من الأنصار، فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن بين قومنا حربا، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد. فوعدوه العام المقبل، وقالوا: يا رسول الله نذهب، فلعلّ الله أن يصلح تلك الحرب! قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلح الله تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح؛ وهو يوم بُعاث فلقوه من العام المقبل سبعين رجلاً قد آمنوا، فأخذ عليهم النقباء اثني عشر نقيبا، فذلك حين يقول: ﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم﴾ .
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾ ففي حرب ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإسلام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، بنحوه، وزاد فيه: فلما كان من أمر عائشة ما كان، فتثاور الحيان، فقال بعضهم لبعض: موعدكم الحرة! فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم فأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانا﴾ ... الآية، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فلم يزل يتلوها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضا، وحتى إن لهم لحنينا، يعني البكاء.
وسمير الذي زعم السديّ أن قوله ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾ عنى به حربه، هو سمير بن زيد بن مالك أحد بني عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان في قوله:
إنَّ سُمَيرا أرَى عَشِيرَتَهُ ... قَدْ حَدِبُوا دُونَهُ وَقَدْ أبقوا
إنْ يَكُنِ الظَّنُّ صَادِقي ببني النَّـ ... ـجَّارِ لم يَطْعَمُوا الذي عُلِفُوا
стр. 5758
وقد ذكر علماء الأنصار أن مبدأ العداوة التي هيجت الحروب التي كانت بين قبيلتيها الأوس والخزرج وأولها كان بسبب قتل مولى لمالك بن العجلان الخزرجي، يقال له: الحر بن سمير، من مزينة، وكان حليفا لمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد ﷺ ، فذلك معنى قول السديّ: حرب ابن سمير.
وأما قوله: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانا﴾ فإنه يعني: فأصبحتم بتأليف الله بينكم بالإسلام وكلمة الحقّ والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانا متصادقين لا ضغائن بينكم، ولا تحاسد. كما:
حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانا﴾ ، وذكر لنا أن رجلاً قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكُنْتُمْ على شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ .
يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿وكُنْتُمْ على شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ وكنتم يا معشر المؤمنين من الأوس والخزرج على حرف حفرة من النار، وإنما ذلك مثل لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام، يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه، قبل أن ينعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فانقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له. وشفا الحفرة: طرفها وحرفها، مثل شفا الركية والبئر، ومنه قول الراجز:
نحْنُ حَفَرْنا للحَجيج سَجْلَهْ ... نابِتَةً فوقَ شَفَاهَا بَقْلَهْ
стр. 5759
يعني فوق حرفها، يقال: هذا شفا هذه الركية مقصور، وهما شفواها. وقال: ﴿فَأنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ يعني فأنقذكم من الحفرة، فردّ الخبر إلى الحفرة، وقد ابتدأ الخبر عن الشفا، لأن الشفا من الحفرة، فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن الشفا على السبيل التي ذكرها في هذه الآية خبرا عن الحفرة، كما قال جرير بن عطية:
رأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ... كما أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ
فذكر مرّ السنين، ثم رجع إلى الخبر عن السنين. وكما قال العجاج:
طُولُ اللّيالي أسْرَعَتْ فِي نَقْضِي ... طَوَيْنَ طُولي وَطَوَيْنَ عَرْضِي
وقد بينت العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وكُنْتُمْ على شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنْقَذَكُمْ مِنْها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ كان هذا الحيّ من العرب أذلّ الناس ذلاً، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس، والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا ومن مات رُدّي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً يومئذٍ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظا، وأدقّ فيها شأنا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فورّثكم به الكتاب، وأحلّ لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحبّ الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: ﴿وكُنْتُمْ على شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يقول: كنتم على الكفر بالله، ﴿فَأنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ من ذلك، وهداكم إلى الإسلام.
стр. 5760
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: ﴿وكُنْتُمْ على شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ بمحمد ﷺ يقول: كنتم على طرف النار من مات منكم أُوبق في النار، فبعث الله محمدا ﷺ ، فاستنقذكم به من تلك الحفرة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا حسن بن يحيّ: ﴿وكُنْتُمْ على شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ قال: عصبية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
يعني جلّ ثناؤه بقوله: كذلك كما بين لكم ربكم في هذه الآيات أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من علماء اليهود، الذي يضمرونه لكم، وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم، يعرّفكم في كل ذلك مواقع نعمه قبلكم، وصنائعه لديكم، فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله، وعلى لسان رسوله ﷺ . ﴿لَعَلَّكم تهتدون﴾ يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها فلا تضلوا عنها.
القرطبي:
стр. 5761
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل» . قال أبو عمر: وهذا كله نصٌّ في موضع الخلاف قاطع له عند من أُلْهِمَ رشدَه، ولم تَمل به عصبيّته. وذكر ابن حبيب عن مُطَرِّف وعن أَصْبَغ عن ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي ﷺ على ما في هذا الباب. وقد اتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يُبْرَز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها تُصلَّى في المسجد الحرام. وكان عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدَّرْدَاء وجابر يفضّلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم؛ وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين، وروي مثله عن مالك؛ ذكر ابن وهب في جامعه عن مالك أن آدم ﵇ لما أُهبط إلى الأرض قال: يا ربّ هذه أحب إليك أن تُعبدَ فيها؟ قال: بل مكة. والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة، واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك؛ فطائفة تقول مكة، وطائفة تقول المدينة.
قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب، وقد يُعبَّر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر:
وإن فؤاداً قادني بصَبَابَةٍ ... إليكِ على طولِ المَدَى لَصَبُورُ
стр. 5762
وقيل: جمع وَفْد، والأصل أوفدة، فقدّمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي، فكأنه قال: واجعل وفوداً من الناس تَهْوي إليهم؛ أي تَنزع؛ يقال: هوِي نحوه إذا مال، وهوت الناقة تَهوِي هُوِياً فهي هاوية إذا عَدَت عَدْواً شديداً كأنها في هواء بئر، وقوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ مأخوذ منه. قال ابن عباس ومجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: «مِنَ النَّاسِ» فهم المسلمون؛ فقوله: «تَهْوي إِلَيْهِمْ» أي تحنّ إليهم، وتحنّ إلى زيارة البيت. وقرأ مجاهد «تَهْوَى إِليهِم» أي تهواهم وتجلّهم. ﴿وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فاستجاب الله دعاءه، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب إليهم من الأمصار.
стр. 5763
وفي صحيح البخاريّ عن ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه: «فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع تَرِكَته فلم يجد إسمعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة؛ فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغيّر عَتَبة بابه، فلما جاء إسمعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد! قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاكِ بشيء: قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيّر عَتَبة بابك؛ قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الْحَقِي بأهلك؛ فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبيّ ﷺ : «ولم يكن لهم يومئذ حبّ ولو كان لهم دعا لهم فيه» . قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه؛ وذكر الحديث.
стр. 5764
وقال ابن عباس: قول إبراهيم: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ سأل أن يجعل الله الناس يهوون السُّكْنى بمكة، فيصير بيتاً محرّماً، وكل ذلك كان والحمد لله. وأول من سكنه جُرْهُم. ففي البخاريّ ـ بعد قوله: وإن الله لا يُضيِّع أهْلَه ـ وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السّيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، وكذلك حتى مرّت بهم رُفقة من جُرْهُم قافلين من طريق كُدَا، فنزلوا بأسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليَدُور على ماء! لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين فإذا هُم بالماء، فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأمّ إسمعيل عند الماء؛ فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس قال النبي ﷺ : « (فألفى) ذلك أمّ إسمعيل وهي تحب الأنس» فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، شَبَّ الغلامُ، وماتت أم إسمعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسمعيل يطالع تَرِكَته؛ الحديث.
القرطبي:
стр. 5765
ع. قال الزهريّ: حَمِيَّتُهم أنفتهم من الإقرار للنبيّ ﷺ بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من دخول مكة. وكان الذي امتنع من كتابة بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله: سهيل بن عمرو؛ على ما تقدّم. وقال ابن بحر: حمِيّتهم عصبيّتهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها. وقيل: «حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ» إنهم قالوا: قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا؛ واللات والعُزَّى لا يدخلها أبداً. ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي الطمأنينة والوقار ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقيل: ثبتهم على الرضا والتسليم، ولم يدخل قلوبهم ما أدخل قلوب أولئك من الحمية ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قيل: لا إله إلا الله. روي مرفوعاً من حديث أُبَيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ . وهو قول عليّ وابن عمر وابن عباس، وعمرو بن ميمون ومجاهد وقتادة وعكرمة والضحاك، وسلمة بن كُهيل وعبيد بن عمير وطلحة بن مُصَرِّف، والربيع والسّدي وابن زيد. وقاله عطاء الخراساني، وزاد «محمد رسول الله» . وعن عليّ وابن عمر أيضاً هي لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضاً: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال الزهريّ: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني أن المشركين لم يُقِرّوا بهذه الكلمة؛ فخص الله بها المؤمنين. و «كَلِمَةَ التَّقْوَى» هي التي يتَّقى بها من الشرك. وعن مجاهد أيضاً أن «كَلِمَةَ التَّقْوَى» الإخلاص. ﴿وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي أحق بها من كفار مكة؛ لأن الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ .
стр. 5766
محبطات الأعمال (٢)
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
محبطات الأعمال (٢)
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي صالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما ﴿من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ .
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
стр. 5767
تقدم معنا أن فرائض الله على كثرتها وتعددها وتنوعها تنقسم إلى قسمين اثنين فرض دائم على الدوام ينبغي أن يقوم به الإنسان في كل مكان وزمان وفرض مؤقت محدد بشروط في أمكنة وأزمنة وتقدم معنا أن الإنسان إذا ضيع الفرض الدائم فهو من الكافرين لرب العالمين ولا يقبل منه عمل عند الله والفرض الثاني لا يقبل إلا إذا قام الإنسان بالفرض الأول.
وأما الفروض المؤقتة فقد تقدم معنا حالها وكنا نتدارسها وقلت إذا حقق الإنسان الفرض الأول وقام بالعبودية لرب البرية ولم ينقض عبوديته وتوحيده وإيمانه بربه جل وعلا، ففرائضه بعد ذلك إذا وقعت مستوفية للشروط ولا يوجد ما يبطلها فهي مقبولة وقد يوجد ما يبطلها ويحبطها وينقضها وإن لم يكن فاعلها من الكافرين وقد يمن الله على الإنسان بالقبول، وإن أتى بما يحبط العمل إذا لم يكن من الكافرين والأمر إلى رب العالمين .
وتقدم معنا أن محبطات الأعمال ومبطلاتها كثيرة وفيرة سأقتصر على عشرة منها وكان في نيتي أن نتدارس هذه العشرة في الموعظة الأولى الماضية وقدر الله أن يطول الحديث فلعلني أكمل الكلام عليها في هذه الموعظة إن شاء الله.
إخوتي الكرام:
تدارسنا أربعة أمور من هذه الأمور العشرة التي تحبط العمل عند رب العالمين وإن لم يكن العامل من الكافرين برب العالمين.
أولها: الرياء عدم الإخلاص لرب الأرض والسماء.
ثانيها: الابتداع وعدم كون العمل على هدي نبينا ﵊.
ثالثها: المن باللسان على عباد الرحمن والمن بالجنان على ذي الجلال والإكرام.
ورابعها: رفع الصوت على نبينا ﵊ فكيف سيكون الحال إذا قدم الإنسان رأيه وهواه واجتهاده على شرع النبي ﵊.
تقدم معنا الكلام على هذه الأمور الأربعة وبقي معنا ستة أمور لعلني أتكلم عليها في هذه الموعظة.
أولها: ترك صلاة العصر.
стр. 5768
وثانيها: الوقوع في الزور والبهتان والآثام في شهر الصيام وعند الصيام.
وثالثها: الاحتيال على أكل الحرام.
ورابعها: أكل الحرام.
وخامسها: الوقوع في المسكرات.
وسادسها: إسبال الإزار وجر الثياب.
أمور عشرة تحبط الأعمال عند ذي العزة والجلال وإن لم يكن العامل من الكافرين عند رب العالمين.
أما الأمر الأول:
الذي سنتدارسه في هذه الموعظة وهو الأمر الخامس في ترتيب هذه الأمور العشرة فهو ترك صلاة العصر.
من ترك صلاة العصر متعمدا حبط عمله.
ثبت هذا عن نبينا ﵊ في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والحديث رواه الإمام ابن ماجه في سننه والنسائي في سننه أيضا ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والحديث في صحيح ابن حبان والسنن الكبرى للإمام البيهقي وهو صحيح صحيح ولفظ الحديث من رواية بريدة بن الحصين ﵁ وأرضاه أنه قال: [بكروا بصلاة العصر أيام الغيم فإني سمعت النبي ﷺ يقول: من ترك صلاة العصر حبط عمله] .
والحديث رواه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح كما نص على ذلك الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء ١/٣٠٨ من رواية سيدنا أبي الدرداء ﵁ وأرضاه بزيادة التعمد ولفظ حديث أبي الدرداء ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من ترك صلاة العصر متعمدا فقد حبط عمله] .
والإنسان إذا ترك صلاة العصر إما أن يتركها تعمدا والتعمد ليس من باب الجحود ولا الاستهزاء إنما التعمد تركها كسلا وأما إذا تركها بعد ذلك ذهولا عنها لاشتغاله بأمور الدنيا فله عقوبة أخرى مع شناعتها أخف من هذه العقوبة.
стр. 5769
كما ثبت في مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك وسنن الدارمي والحديث في الصحيحين والسنن الأربعة ورواه ابن خزيمة في صحيحه كما رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى وهو من أعلى الأحاديث درجة فهو في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله] .
والحديث رواه النسائي والطبراني في معجمه الكبير والإمام أحمد في المسند والبيهقي في السنن الكبرى من رواية نوفل بن معاوية والحديث رواه الإمام الطبري في تهذيب السنن والآثار من رواية سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين عن نبينا الأمين ﵊ [من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله] : أي سلب وفقد أهله وماله وأصل الموتور في لغة العرب يدل على دلالتين اثنتين الدلالة الأولى إذا أصيب الإنسان بأهله في أهله وفي ماله ووقعت الإصابة أمام عينيه ولا يستطيع أن يثأر ممن أوقع البأس بأهله يقال إنه موتور فقد اجتمع عليه غمان غم وقوع المصيبة على أهله وماله وغم عدم أخذ الثأر ممن أوقع بأهله البأس والضر وهنا اجتمع وعقوبتان على من فاتته صلاة العصر لاشتغاله بأمور الدنيا الغم الأول فاته الثواب والغم الثاني سيحصل العقاب ولله در الإمام البخاري حيث بوب على هذين الحديثين بابين في صحيحه في الجزء ٢/٣٠ من فتح الباري في كتاب الصلاة فبوب على حديث عبد الله بن عمر ﵄ بابا فقال باب إثم من فاتته صلاة العصر، ثم ذكر الحديث.
ولما جاء بعد ذلك لحديث بريدة ﵁ في الباب الذي بعده قال باب في ترك صلاة العصر، أي: هنا ترك تعمدا وهناك فاتته ذهولا لاشتغاله بما يضادها.
стр. 5770
هناك كأنما وتر أهله وماله، وأما هنا فقد حبط عمله كما حقق ذلك حذامي المحدثين وأمير المؤمنين شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فقال لفظ الترك مشعر بأنه تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فإذا فعل الإنسان هذا في صلاة العصر حبط عمله.
ومعنى الحديث يحتمل أن يحبط عمله في ذلك اليوم أو أن يحبط عمله كله وعلم ذلك عند ذي الجلال والإكرام وهذا الحبوط لا يعني أن الإنسان كافر لا ثم لا على أن أئمتنا تكلموا في ثلاثة ألفاظ من الحديث وما تحتمله من معاني:
أولها: الترك
والثاني: الحبوط
والثالث: العمل
قال الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا من ترك صلاة العصر قال بعض العلماء أي جحودا وعنادا أو استهزاءًا واستخفافًا فهو كافر بالله حبط عمله وهنا نقض عبوديته لربه، فهو أتى بما يسقط عمله ويبطل عمله عند ربه جل وعلا.
والفرض المؤقت لا يقبل إلا إذا قام الإنسان بالفرض الدائم على الدوام وهو العبودية لذي الجلال والإكرام.
وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أنه من ترك صلاة العصر متعمدا كسلا فقد حبط عمله قال هذا ورد مورد الزجر والتغليظ وأن العمل قد يحبط عند الله دون أن يكون العامل من الكافرين ومال إلى هذا الحافظ ابن حجر.
والذي يظهر أنه لا تعارض بين هذه التوجيهات فمن ترك صلاة العصر جاحدا لفرضيتها مستخفا مستهزئا بها فلا شك في كفره وردته وليس كلامنا فيه لأنه نقض الفرض الدائم إنما لو تركها عامدا كسلا دون جحود لفرضيتها ودون استهزاء بها فقد عرض عمله للحبوط عند الله .
وأما الحبوط: فقال الحافظ ابن حجر: قال: بعض العلماء هذا كالتشبيه والتمثيل أي حاله كحال من حبط عمله والله عليم هل يحبط العمل أم لا وأورد قولا ثانيا لبعض العلماء قال أي كاد أن يحبط عمله.
ولا داعي لهذه التكلفات والتوجيهات، ولذلك المعني الثالث والمعتمد وهو ما قاله شيخ الإسلام الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي.
стр. 5771
قال الحبوط قسمان: حبوط إسقاط بحيث يزول العمل الصالح عند الله ويكون فاعله من عداد الكافرين فهذا لا يكون إلا إذا كفر الإنسان بربه جل وعلا.
والثاني يقول حبوط موازنة وهي أن تجتمع الحسنات والسيئات فتغلب السيئات على الحسنات فهنا يحبط ثواب الحسنات بمعنى يضيع ويختفي حتى يعاقب الإنسان على تلك السيئات فإذا طهر عاد إليه ثواب الحسنات ودخل الجنة برحمة رب الأرض والسموات.
وهذا هو المعنى المراد من هذا الحديث وأما العمل فقد أورد الحافظ ابن حجر قولين في بيان المعنى الثاني منهما وهو متكلف بل باطل، والأول هو الحق المراد من العمل هنا العمل الصالح عند الله .
أي: بطل أجره وضاع الثواب عليه، وقال بعض العلماء فقد حبط عمله، أي: عمله الدنيوي في ذلك اليوم فلا ينتفع به ولا يمتع به فإذا شغلته الدنيا عن أداء هذا الفرض يحرمه الله بركة ذلك العمل الذي قام به وشغله عن فرض ربه قول كما قلت متكلف.
إخوتي الكرام:
والسبب الذي من أجله خصت صلاة العصر من بين الصلوات الخمس بهذه الميزة العظيمة أمور كثيرة يمكن أن نجملها في أربعة أمور:
أولها:
صلاة العصر هي مظنة انشغال الناس عنها وقتها يقع بعد تعب في النهار وقيلولة ينام الإنسان فيها بعد الظهر فقد يشغل عن هذا الفرض العظيم الذي له أجر كريم عظيم عند ربنا الكريم من أجل هذا وقع هذا التغليظ والتشديد في ترك صلاة العصر.
والثاني:
صلاة العصر هي خاتمة الطاعات التي يتقرب بها الإنسان إلى رب الأرض والسموات في ذلك اليوم فهي آخر صلاة وجبت عليك في ذلك اليوم فإذا أذَّن المغرب دخلت في اليوم الثاني، واليوم يخرج يقينا بغروب الشمس.
وقد ورد ما يرشح هذا المعنى في نظائر هذا المعنى أيضا في أحاديث أخرى عن نبينا ﷺ تبين أن شناعة المعصية بعد العصر أكثر من شناعتها قبل العصر ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين والسنن الأربعة والحديث رواه شيخ الإسلام عبد الرزاق في مصنفه.
стр. 5772
كما رواه الإمام الطبري والبيهقي في السنن الكبرى والحديث صحيح صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل ورجل بايع بسلعة بعد العصر فحلف بالله أنه أعطي بها كذا وكذا فصدقه ولم يعط بها ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه وفى وإن لم يعطه لم يف] .
وفي بعض الروايات [فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط] .
فالأول: على ماء زائد في الصحراء فمر به ابن السبيل وطلب ماءا يشربه فمنعه لا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.
والثاني: يا عبد الله وقت صلاة العصر مؤذن بزوال النهار وزوال النهار مؤذن بانقضاء هذه الدار أما وعظك زوال النهار عن الكذب والافتراء والغش والتزوير، ففي آخر اليوم عصيت الله وكذبت وحلفت اليمين الغموس حالك كحال من يكذب ويعصي عند احتضاره فلك هذه العقوبة من الله وهذا هو الشاهد وهنا كذلك صلاة العصر ختام عمل اليوم فمن تركها حبط عمله.
المعنى الثالث:
الذي من أجله صار لصلاة العصر تلك المنزلة ما قاله شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا قال إن صلاة العصر عرضها الله على الأمم السابقة وكلفهم بها فأبوا أن يتحملوها وما قاموا بها فكلفت بها هذه الأمة المباركة فلها شأن عظيم فمن قام بها أعطاه الله أجرين، وهذا الذي أشار إليه الإمام ابن تيمية ثبت ما يقرره في صحيح السنة في صحيح مسلم وسنن النسائي ومعجم الطبراني الكبير.
стр. 5773
والحديث رواه الإمام أبو يعلى في مسنده أيضا والبيهقي في السنن الكبرى وابن قانع في معجم الصحابة كما رواه الإمام البارودي وهو حديث صحيح من رواية أبي بصرة الغفاري واختلف في اسمه فقيل حميد وقيل جميل الغفاري وهو من الصحابة الكرام قال: [صلى بنا رسول الله ﷺ في الطريق ثم قال إن هذه الصلاة قد فرضها الله على الأمم قبلكم فأبوا أن يحملوها فمن قام بها منكم أعطاه الله أجره مرتين] .
إذن لهذا الاعتبار لها منزلة عظيمة وهذا الحديث روي أيضا من رواية أبي أمامة الباهلي في معجم الطبراني الكبير والأحاديث الجياد المختارة للضياء المقدسي عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه.
والمعنى الرابع:
الذي من أجله صار لصلاة العصر تلك المنزلة أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ .
وقد أكثر أئمتنا المفسرون رضوان الله عليهم أجمعين في بيان المراد من الصلاة الوسطى وخلاصة كلامهم يدور على ثلاثة أمور إما أن يكون المراد من الوسطى الوسطى في العدد وهذا لا يراد عند جماهير المفسرين.
وإذا كان المراد الوسطى في العدد فهي صلاة المغرب لأن الصلوات أربع ركعات أو ثلاث ركعات أو ركعتان والمغرب هي الوسطى في الأعداد وخصت بالذكر على هذا القول لضيق وقتها ولمنزلتها أيضا عند ربنا جل وعلا.
وإما أن يكون المراد من الوسطى هنا أي الصلاة الخيرة العظيمة الشأن الفاضلة التي لها منزلة قال الإمام ابن الجوزي وغيره من أئمة التفسير وهذا يصلح على كل صلاة فكأن المعنى حافظوا على الصلوات وحافظوا عليها واعتنوا بها وإياكم إياكم أن تفرطوا في شيء منها.
وإما أن يكون المراد من الوسطى هنا الوسطى في المحل وعلى هذا جمهور المفسرين واختلفوا في تعيين المحل الذي يراد منه الصلاة الوسطى على سبعة أقوال:
أولها:
стр. 5774
المراد من الصلاة الوسطى الصلوات الخمس وعليه أعيدت بلفظ ثاني لبيان منزلة الصلاة ورفعة قدرها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أي الصلاة الفاضلة التي هي في المحل وسط من بين الصلوات كيف تكون الصلوات الخمس وسطا بين الصلوات وكل واحدة وسط اسمعوا إلى توجيه أئمتنا في ذلك كل صلاة وسط من حيث المحل الفجر وسط بين الصلوات.
قال أئمتنا الكرام إن الليل يخرج يقينا بطلوع الشمس وإن النهار يدخل يقينا بطلوع الشمس وما بين الفجر وطلوع الشمس متردد هل هو من الليل أم من النهار وعليه هذا الوقت وسط بين الليل وبين النهار فيه شيء من ظلمة الليل وهو غلس الفجر وفيه شيء من ضوء النهار وهو الاصفرار الذي يكون في الفجر.
والظهر صلاة وسطى لأنها تكون وسط النهار.
والعصر تكون صلاة وسطى لأنه تقدمها فرضان في النهار الفجر والظهر ويأتي بعدها فرضان في الليل المغرب والعشاء.
والمغرب تكون وسطى لأن أول صلاة فرضت هي الظهر وتليها العصر فالمغرب هي وسطى من حيث المحل بين ترتيب الصلوات المفروضة أول ما فرضت ثم العشاء ثم الفجر.
والعشاء تكون وسطى بين الصلوات ووجه ذلك أنها بين فريضتين لا تقصران فصلاة المغرب لاتقصر أبدا وصلاة الفجر لا تقصر أبدا وعليه حافظوا على الصلوات وحافظوا عليها أيضا فكل واحدة منها صلاة وسطى.
والقول الثاني:
من الأقوال السبعة قالوا إن الله أبهمها ولم يعينها ليكون العباد على محافظة تامة على جميع الصلوات كما أبهم الله تعيين ليلة القدر في أي ليلة تكون في شهر رمضان وفي العشر الأخير منه.
ثم بعد ذلك هناك خمسة أقوال كل قول حدد صلاة من الصلوات الخمس كما تقدم معنا وأرجحها كما قال شيخ المسلمين الحافظ ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الجليل قال: وقد ثبت عن نبينا ﵊ تفسير الصلاة الوسطى بصلاة العصر فتعين القول إلى هذا والمصير إليه.
إخوتي الكرام:
стр. 5775
وما أشار إليه شيخ الإسلام الإمام ابن كثير ثابت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة والحديث رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة في مصنفه ورواه عبد بن حميد في مسنده والإمام الطبري في تفسيره وابن المنذر في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره والإمام البيهقي في السنن الكبرى عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه.
والحديث صحيح صحيح فهو في الصحيحين من رواية سيدنا علي عليه وعلى جميع الصحابة رضوان رب العالمين قال إن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب في موقعة الخندق: [ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس] .
وفي رواية أخرى [شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ... ] .
وثبت الحديث بذلك من رواية عبد بن مسعود ﵁ وأرضاه في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ورواه الإمام الترمذي وابن ماجه في السنن ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه والطبري في تفسيره وابن المنذر في تفسيره والإمام البيهقي في السنن الكبرى والحديث صحيح صحيح أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه قال حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله ﷺ : [شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارا] .
والأحاديث في ذلك كثير وفيرة منها رواية أمنا عائشة ﵂ وأرضاها وهي ثابتة في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه والحديث رواه عبد بن حميد في مسنده والطبري في تفسيره كما رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، وهكذا ابن الأنباري في كتاب المصاحف أيضا وفي السنن الكبرى للبيهقي عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ الصلاة الوسطى صلاة العصر سمعتها من رسول الله ﷺ .
стр. 5776
وقد ثبت نظير هذه الرواية أيضا عن أمنا حفصة ﵂ وأرضاها في الموطأ والتاريخ الكبير للبخاري وهو في مصنف عبد الرزاق ورواه عبد بن حميد في مسنده والطبري في تفسيره.
كما رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف والأنباري في المصاحف أيضا، وأبو عبيد في كتاب فضائل القرآن، ورواه أبو يعلى في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى عن أمنا حفصة ﵂ وأرضاها بنحو رواية أمنا عائشة وانظروا روايات متعددة عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين في تفسير الصلاة الوسطى بصلاة العصر في الدر المنثور في الجزء ١/٣٠٠ إلى ٣٠٥.
فالصلاة الوسطى هي العصر فهي ختام أعمال اليوم هي فرضت على الأمم قبلنا فما تحملوها وبها أقسم الله جل وعلا على أحد أقوال ثلاثة قيلت في تفسير سورة العصر خلاصتها أن الله أقسم بالعصر والمراد منه ثلاثة أقوال:
القول الأول: هو الدهر هو الزمن.
ويدخل في هذا ثلاثة أقوال تدخل في هذا القول:
العصر: هو العشي.
... وهو الوقت الذي يكون من زوال الشمس إلى غروبها العصر.
... هو عصر الإنسان وزمن كل إنسان فأقسم الله بعمر كل إنسان وبما يوقع في عمره من أعمال ينال بها الفوز أو الخسران.
والقول الثالث: العصر هو عصر النبي ﷺ ونقل هذا عن عدد من أئمتنا الكرام.
قال الإمام الرازي: وقد أقسم الله جل وعلا بعمر النبي ﵊ وأقسم ببلد النبي ﵊ وأقسم بزمن النبي ﵊ فقال جل وعلا: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ .
وقال: ﴿فلا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ .
وقال في سورة الحجر: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ .
стр. 5777
ثبت عن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ في كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم ودلائل النبوة للبيهقي والأثر رواه ابن مردويه في تفسيره قال: [ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﵊ وما سمعت الله أقسم بعمر إنسان إلا بنبينا ﵊] .
والثاني: أن الكلام من باب حذف والتقدير ورب العصر أقسم الله بذاته وبربوبيته لمخلوقاته.
والقول الثالث: وهو محل الشاهد أقسم الله بصلاة العصر لما لها من منزلة وشأن عند الله جل وعلا.
وهذه السورة مع وجازتها بليغة بليغة وكلام الله كله محكم بليغ يقول الإمام الشافعي لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم وقد بلغ من تذكير الصحابة بعضهم بعضا بها ما رواه الطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.
والحديث رجاله ثقات وإسناده صحيح ولفظ الحديث من رواية أبي مدينة ﵁ وأرضاه قال: [كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على صاحبه والعصر إن الإنسان لفي خسر ... ] وأبو مدينة صحابي وحكى الطبراني في معجمه الأوسط أن اسمه عبد الله بن حصن وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعجيل المنفعة إن كان الطبراني حفظ ذلك ففي التابعين من يسمى بعبد الله بن حصن السدوسي، أما هذا فعبد الله بن حصن الدارمي وعليه فقد اتفق الصحابي مع التابعي في الاسم واسم الأب والكنية واختلفا في النسبة قال: وإن لم يضبط الطبراني هذا في أبي مدينة فالذي يسمى بعبد الله بن حصن هو التابعي لهذه الأمور المتقدمة كان لصلاة العصر تلك المنزلة من ترك صلاة العصر حبط عمله.
والأمر الثاني:
الذي يحبط لعمل عند الله الوقوع في الزور والبهتان والآثام في شهر الصيام فمن صام كذب ووقع في الزور وعمل الآثام فقد بطل صيامه عند ذي الجلال والإكرام.
إخوتي الكرام:
стр. 5778
تقدم معنا ما للصيام من منزلة عند الله وأن من صام شهر رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لكن هذا يكون للصيام المقبول الذي لا تأتي فيه بعمل مرذول تنقض به صيامك وتحبط أجره عند ربك جل وعلا.
ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والسنن الأربعة، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه كما رواه البيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] .
والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط والصغير من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه بلفظ: [من لم يدع الكذب والخنا في صيامه فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه] .
وتقدم هذا معنا في مواعظ شهر الصيام وكنت ذكرت أن كثيرا من الصائمين لا يحصلون من صيامهم إلا الجوع والعطش كما أن كثيرا من القائمين لا يحصلون من قيامهم إلا السهر وهذا ثابت عن نبينا ﷺ .
ففي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه والنسائي ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى وشعب الإيمان للبيهقي من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش وربّ قائم حظه من قيامه السهر] فإذا وقعت في شيء من الآثام بطل الصيام عند ذي الجلال والإكرام.
أسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يحسن ختامنا أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض، اللهم عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوتي الكرام:
стр. 5779
لولا أنني أواصل سلسلة المواعظ المتصلة حول هذا الموضوع لكان في نيتي أن أتكلم على أمر يتدارسه الناس في هذه الأيام وتتحدث عنه وسائل الإعلام ألا وهو الجامعة الغوية التي يقال لها الجامعة العربية وعلى تعبيرهم قد مضى عليها خمسون عاما، وقد أسست في الثاني والعشرين من شهر آزار والحمد لله لا ينتسبون إلى الأشهر القمرية ولا إلى السنة الهجرية فبينهم وبين خير البرية ﵊ ما بين المشرقين الجامعة العربية التي أسست سنة ١٩٤٥م وقد مضى عليها كما يقولون خمسون عاما تشتتا وفرقة وتناحرا وخصومة وتلاعنا هذه الجامعة التي يطنطن لها ويجرى كلام حولها مما يفري الكبد والأمة للآن ما وعت أمرها ولا طريقها وحالها كما قال القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
... ...
إخوتي الكرام:
السبب في تأسيس هذه الجامعة دولتان ملعونتان الدولة الأولى بريطانيا وهم كما قال عنهم أئمتنا الكرام أخدع من الضب وأمكر من الثعلب وأعيث من الذئب وأخبث من الشيطان والدولة الثانية فرنسا وقد لعب مندوب الدولة الأولى دورته الفظيعة حول تأسيس الجامعة العربية وأسسها هؤلاء بإيحاء من هؤلاء لأمرين اثنين:
الأول: القضاء على الخلافة الإسلامية وتشتيت المسلمين فلا بد من إثارة النعرات الوطنية والقومية وما قضي على آخر خلافة إسلامية عثمانية إلا بسلاحين بسلاح الإلحاد ونشر الفساد وبإثارة النعرات بين العباد عربية وكردية تورانية وما شاكل هذا وهنا كذلك جامعة عربية لتتخلص على تعبيرهم من الاستعمار العثماني.
الثاني: المراد من إنشائها: أن لا يفكر مسلم ما دامت الروح تتحرك فيه بإعادة الخلافة اَلإسلامية ولا بإعادة الوحدة بين المسلمين بهذا التخدير الذي يجري بينهم فهم في اتحاد ولكن كما قال الله: ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ .
стр. 5780
.. ومن سمع المقابلات التي تجري بين المسؤولين في تلك المنظمة يتذكر حديث خير البريات ﵊ [سيأتي عليكم سنوات خداعات يؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين ويصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق وينطق فيها الرويبضة قالوا وما الرويبضة يا رسول الله قال الرجل التافه في أمر العامة] .
وفي بعض الروايات [وينطق فيها الفويسق] [وينطق فيها الفاسق] [وينطق فيها السفيه] [وينطق فيها من لا يؤبه له] .
... والحديث صحيح روي من رواية أبي هريرة ﵁ وأنس بن مالك وأمنا أم سلمة وعمرو بن عوف وعوف بن مالك الأشجعي وأبي موسى الأشعري ﵃ أجمعين أما رواية أبي هريرة ﵁ فقد رواها الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن ماجه في السنن والخرائطي في مكارم الأخلاق.
... وأما رواية أنس بن مالك ﵁ فقد رواها الإمام أحمد في المسند وأبو يعلى في مسنده أيضا والطبراني في معجمه الأوسط وانظروا هذه الرواية في مجمع الزوائد في الجزء ٧/٢٨٤ وأما رواية أمنا أم سلمة ﵂ فهي في معجم الطبراني الأوسط والكبير في المكان المشار إليه آنفا في مجمع الزوائد وأما رواية عمرو بن عوف فقد رواها البزار في مسنده وأما رواية عوف بن مالك فهي في معجم الطبراني الكبير انظروها في المجمع في الجزء ٧/٣٣٠.
... وأما رواية أبي موسى الأشعري ﵁ في معجم الطبراني الكبير كما في المجمع في الجزء ٦/٣٢٤ وألفاظ رواياتهم متقاربة إخوتي الكرام خمسون عاما نصف قرن مرت عليها والأمة لا تجد منها إلا الذل ومن كلامهم أن الميزانية التي تصرف عليها في كل عام سبعة وعشرون مليون دولارا ينبغي أن نعي أين نسير في هذه الأيام وقد اتفق أعضاء الجامعة العربية على أن لا يتفقوا إلا في أمر واحد ألا وهو عدم الرجوع إلى رب العالمين والأمة الإسلامية في هذه الأيام حالها يفطر الأكباد ونشكوا أمرنا رب العباد.
следующие страницы →