Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
وقد ثبت نظير هذه الرواية أيضا عن أمنا حفصة ﵂ وأرضاها في الموطأ والتاريخ الكبير للبخاري وهو في مصنف عبد الرزاق ورواه عبد بن حميد في مسنده والطبري في تفسيره.
كما رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف والأنباري في المصاحف أيضا، وأبو عبيد في كتاب فضائل القرآن، ورواه أبو يعلى في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى عن أمنا حفصة ﵂ وأرضاها بنحو رواية أمنا عائشة وانظروا روايات متعددة عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين في تفسير الصلاة الوسطى بصلاة العصر في الدر المنثور في الجزء ١/٣٠٠ إلى ٣٠٥.
فالصلاة الوسطى هي العصر فهي ختام أعمال اليوم هي فرضت على الأمم قبلنا فما تحملوها وبها أقسم الله جل وعلا على أحد أقوال ثلاثة قيلت في تفسير سورة العصر خلاصتها أن الله أقسم بالعصر والمراد منه ثلاثة أقوال:
القول الأول: هو الدهر هو الزمن.
ويدخل في هذا ثلاثة أقوال تدخل في هذا القول:
العصر: هو العشي.
... وهو الوقت الذي يكون من زوال الشمس إلى غروبها العصر.
... هو عصر الإنسان وزمن كل إنسان فأقسم الله بعمر كل إنسان وبما يوقع في عمره من أعمال ينال بها الفوز أو الخسران.
والقول الثالث: العصر هو عصر النبي ﷺ ونقل هذا عن عدد من أئمتنا الكرام.
قال الإمام الرازي: وقد أقسم الله جل وعلا بعمر النبي ﵊ وأقسم ببلد النبي ﵊ وأقسم بزمن النبي ﵊ فقال جل وعلا: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ .
وقال: ﴿فلا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ .
وقال في سورة الحجر: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ .
стр. 5777
ثبت عن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ في كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم ودلائل النبوة للبيهقي والأثر رواه ابن مردويه في تفسيره قال: [ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﵊ وما سمعت الله أقسم بعمر إنسان إلا بنبينا ﵊] .
والثاني: أن الكلام من باب حذف والتقدير ورب العصر أقسم الله بذاته وبربوبيته لمخلوقاته.
والقول الثالث: وهو محل الشاهد أقسم الله بصلاة العصر لما لها من منزلة وشأن عند الله جل وعلا.
وهذه السورة مع وجازتها بليغة بليغة وكلام الله كله محكم بليغ يقول الإمام الشافعي لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم وقد بلغ من تذكير الصحابة بعضهم بعضا بها ما رواه الطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.
والحديث رجاله ثقات وإسناده صحيح ولفظ الحديث من رواية أبي مدينة ﵁ وأرضاه قال: [كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على صاحبه والعصر إن الإنسان لفي خسر ... ] وأبو مدينة صحابي وحكى الطبراني في معجمه الأوسط أن اسمه عبد الله بن حصن وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعجيل المنفعة إن كان الطبراني حفظ ذلك ففي التابعين من يسمى بعبد الله بن حصن السدوسي، أما هذا فعبد الله بن حصن الدارمي وعليه فقد اتفق الصحابي مع التابعي في الاسم واسم الأب والكنية واختلفا في النسبة قال: وإن لم يضبط الطبراني هذا في أبي مدينة فالذي يسمى بعبد الله بن حصن هو التابعي لهذه الأمور المتقدمة كان لصلاة العصر تلك المنزلة من ترك صلاة العصر حبط عمله.
والأمر الثاني:
الذي يحبط لعمل عند الله الوقوع في الزور والبهتان والآثام في شهر الصيام فمن صام كذب ووقع في الزور وعمل الآثام فقد بطل صيامه عند ذي الجلال والإكرام.
إخوتي الكرام:
стр. 5778
تقدم معنا ما للصيام من منزلة عند الله وأن من صام شهر رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لكن هذا يكون للصيام المقبول الذي لا تأتي فيه بعمل مرذول تنقض به صيامك وتحبط أجره عند ربك جل وعلا.
ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والسنن الأربعة، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه كما رواه البيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] .
والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط والصغير من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه بلفظ: [من لم يدع الكذب والخنا في صيامه فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه] .
وتقدم هذا معنا في مواعظ شهر الصيام وكنت ذكرت أن كثيرا من الصائمين لا يحصلون من صيامهم إلا الجوع والعطش كما أن كثيرا من القائمين لا يحصلون من قيامهم إلا السهر وهذا ثابت عن نبينا ﷺ .
ففي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه والنسائي ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى وشعب الإيمان للبيهقي من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش وربّ قائم حظه من قيامه السهر] فإذا وقعت في شيء من الآثام بطل الصيام عند ذي الجلال والإكرام.
أسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يحسن ختامنا أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض، اللهم عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوتي الكرام:
стр. 5779
لولا أنني أواصل سلسلة المواعظ المتصلة حول هذا الموضوع لكان في نيتي أن أتكلم على أمر يتدارسه الناس في هذه الأيام وتتحدث عنه وسائل الإعلام ألا وهو الجامعة الغوية التي يقال لها الجامعة العربية وعلى تعبيرهم قد مضى عليها خمسون عاما، وقد أسست في الثاني والعشرين من شهر آزار والحمد لله لا ينتسبون إلى الأشهر القمرية ولا إلى السنة الهجرية فبينهم وبين خير البرية ﵊ ما بين المشرقين الجامعة العربية التي أسست سنة ١٩٤٥م وقد مضى عليها كما يقولون خمسون عاما تشتتا وفرقة وتناحرا وخصومة وتلاعنا هذه الجامعة التي يطنطن لها ويجرى كلام حولها مما يفري الكبد والأمة للآن ما وعت أمرها ولا طريقها وحالها كما قال القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
... ...
إخوتي الكرام:
السبب في تأسيس هذه الجامعة دولتان ملعونتان الدولة الأولى بريطانيا وهم كما قال عنهم أئمتنا الكرام أخدع من الضب وأمكر من الثعلب وأعيث من الذئب وأخبث من الشيطان والدولة الثانية فرنسا وقد لعب مندوب الدولة الأولى دورته الفظيعة حول تأسيس الجامعة العربية وأسسها هؤلاء بإيحاء من هؤلاء لأمرين اثنين:
الأول: القضاء على الخلافة الإسلامية وتشتيت المسلمين فلا بد من إثارة النعرات الوطنية والقومية وما قضي على آخر خلافة إسلامية عثمانية إلا بسلاحين بسلاح الإلحاد ونشر الفساد وبإثارة النعرات بين العباد عربية وكردية تورانية وما شاكل هذا وهنا كذلك جامعة عربية لتتخلص على تعبيرهم من الاستعمار العثماني.
الثاني: المراد من إنشائها: أن لا يفكر مسلم ما دامت الروح تتحرك فيه بإعادة الخلافة اَلإسلامية ولا بإعادة الوحدة بين المسلمين بهذا التخدير الذي يجري بينهم فهم في اتحاد ولكن كما قال الله: ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ .
стр. 5780
.. ومن سمع المقابلات التي تجري بين المسؤولين في تلك المنظمة يتذكر حديث خير البريات ﵊ [سيأتي عليكم سنوات خداعات يؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين ويصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق وينطق فيها الرويبضة قالوا وما الرويبضة يا رسول الله قال الرجل التافه في أمر العامة] .
وفي بعض الروايات [وينطق فيها الفويسق] [وينطق فيها الفاسق] [وينطق فيها السفيه] [وينطق فيها من لا يؤبه له] .
... والحديث صحيح روي من رواية أبي هريرة ﵁ وأنس بن مالك وأمنا أم سلمة وعمرو بن عوف وعوف بن مالك الأشجعي وأبي موسى الأشعري ﵃ أجمعين أما رواية أبي هريرة ﵁ فقد رواها الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن ماجه في السنن والخرائطي في مكارم الأخلاق.
... وأما رواية أنس بن مالك ﵁ فقد رواها الإمام أحمد في المسند وأبو يعلى في مسنده أيضا والطبراني في معجمه الأوسط وانظروا هذه الرواية في مجمع الزوائد في الجزء ٧/٢٨٤ وأما رواية أمنا أم سلمة ﵂ فهي في معجم الطبراني الأوسط والكبير في المكان المشار إليه آنفا في مجمع الزوائد وأما رواية عمرو بن عوف فقد رواها البزار في مسنده وأما رواية عوف بن مالك فهي في معجم الطبراني الكبير انظروها في المجمع في الجزء ٧/٣٣٠.
... وأما رواية أبي موسى الأشعري ﵁ في معجم الطبراني الكبير كما في المجمع في الجزء ٦/٣٢٤ وألفاظ رواياتهم متقاربة إخوتي الكرام خمسون عاما نصف قرن مرت عليها والأمة لا تجد منها إلا الذل ومن كلامهم أن الميزانية التي تصرف عليها في كل عام سبعة وعشرون مليون دولارا ينبغي أن نعي أين نسير في هذه الأيام وقد اتفق أعضاء الجامعة العربية على أن لا يتفقوا إلا في أمر واحد ألا وهو عدم الرجوع إلى رب العالمين والأمة الإسلامية في هذه الأيام حالها يفطر الأكباد ونشكوا أمرنا رب العباد.
стр. 5781
.. اللهم صلي على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
... اللهم ألف بين قلوب أمة نبينا محمداً ﷺ .
... اللهم ارحم أمة نبينا ﷺ ، اللهم أصلح أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم انصر أمة نبينا محمد ﷺ .
... اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.
... اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف وهذا المكان المبارك.
... اللهم اغفر لمن عبد الله فيه اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريباً سميعاً مجيباً للدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر *﴾ .
стр. 5782
محبطات الأعمال (٣)
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
محبطات الأعمال (٣)
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ .
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
تدارسنا في ثلاث مواعظ سابقة مبطلات الأعمال وكان في نيتي أن ننتهي من مدارستها في موعظة واحدة وقدر الله وما شاء فعل وهذه هي الموعظة الرابعة في مبطلات الأعمال وسأنهي الكلام على مبطلات الأعمال فيها بإذن ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام:
стр. 5783
تقدم معنا أن مبطلات الأعمال تنقسم إلى قسمين اثنين:
منها ما يبطل العمل ويبطل عبودية الإنسان لله فهي تنقض فرضه الدائم وتخرجه عن رسم العبودية لرب البرية وقد ذكرت لذلك خمسة أنواع الكفر والشرك والردة والنفاق الأكبر والبدعة المكفرة نسأل الله أن يصوننا منها ومن جميع المخالفات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وأما المحبطات من النوع الثاني فهي تحبط الطاعات لكنها لا تبطل عبودية المخلوقات لرب الأرض والسموات وهذه كثيرة وفيرة كما قرر أئمتنا الكرام وأكثر الخلق ليس عندهم خبر عنها ولا اعتناء بها وقلت سأقتصر على عشرة منها مضى الكلام على ستة منها ألا وهي:
الشرك الأصغر: وهو الرياء عدم الإخلاص لرب الأرض والسماء.
والابتداع وعدم اتباع حبيبنا خاتم الأنبياء عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.
والمن على المخلوق باللسان وعلى الخالق بالجنان.
ورفع الصوت على نبينا ﵊ فكيف بتقديم الآراء على حديثه وهديه ﵊.
وترك صلاة العصر.
والوقوع في الزور والآثام في شهر رمضان ووقت الصيام.
وقد مر الكلام على هذه الأمور الستة مفصلا بأدلته وبراهينه وبقيت أربعة أمور ن الأمور المكملة للعشرة أذكرها في هذه الموعظة وأختم الكلام بها على مبطلات الأعمال بإذن ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام الأمور الأربعة المتبقية هي:
١- الاحتيال على الحرام:
٢- وأكل الحرام:
٣- وشرب الخمر:
٤- وإسبال الإزار:
هذه أمور أربعة إذا ضمت إلى الستة صارت عشرة أمور تبطل العمل ولا تنقض العبودية لله هذه كما قلت نماذج مما يبطل العمل لا من باب الحصر لجميع يبطل الأعمال عند ذي العزة والجلال.
الأمر الأول: من الأمور الأربعة وهو السابع من العشرة على الترتيب:
стр. 5784
الاحتيال على ما حرمه ذو العزة والجلال إخوتي الكرام إذا امرنا الله بأمر فالواجب علينا أن نقوم بذلك الأمر وبما يستلزمه ذلك الأمر وإذا حرم الله علينا أمرا فالواجب علينا أن نترك ذلك الأمر وأن نترك ما يؤدي إلى ذلك الأمر الذي حرمه الله علينا وعندما حرم الله علينا استعمال فروجنا في غير ما أحل الله لنا من أزواجنا وسرارينا إن هذا التحريم يستلزم تحريم النظر إلى ما حرم ربنا جل وعلا لأن النظر بريد الزنا: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾ .
وقد وجد في هذه الأمة كما وجد في الأمم السابقة أناس يخادعون الله وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون فيحتالون على إبطال ما شرعه الله وعلى إسقاط ما أوجبه الله وعلى تحليل ما حرمه الله بحيل ردية لا تقبل عند رب البرية.
وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا المسلك وحذرنا منه وأخبرنا أن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة استحلوا ما حرم الله بالحيل الباطلة عند الله روى شيخ الإسلام أبو عبد الله بن بطة في كتابه تحريم الحيل في صفحة٤٧.
وإسناد الحديث صحيح كما نص على ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء ١٩/٢٩ وقال رواه أبو عبد الله بن بطة بإسناد حسن وقد حكم على الإسناد شيخ الإسلام الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تفسيره في الجزء ٢/٢٥٧ عند تفسير آية الأعراف: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ... ﴾ .
стр. 5785
قال وقد روى أبو عبد الله بن بطة بإسناد جيد ثم قال ومثل هذا الإسناد يصحح به الإمام الترمذي كثيرا من الأحاديث وحكم عليه بالصحة الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه إغاثة اللهفان في ١/٣٤٨ وكتب حول الحيل المحرمة ما يقارب ١٧٠ صفحة، والحديث صحيح ورواه هذا العبد الصالح أبو عبد الله بن بطة وهو من أئمتنا الربانيين صاحب كتاب الإبانة الكبرى في عقائد أهل السنة المكرمين في ثلاث مجلدات وله جزء صغير في حدود المائة صفحة في تحريم الحيل وقد توفي سنة ٣٨٧هـ ومن مناقبه أن كان صالحا مجاب الدعوة ﵁ يقول أبو محمد الجوهري قال لي أخي الحسين الجوهري نمت ليلة وأنا مغموم لاختلاف المذاهب والطرق علي فرأيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله ﷺ قد اختلفت المذاهب والطرق علي وكثرت الأقوال فبأي شيء تشير علي قال عليك بطريقة أبي عبد الله بن بطة قال فشددت رحلي وذهبت إلى عكبرى فلما دخلت عليه المسجد تبسم وقال صدق رسول الله ﷺ يقول الإمام الذهبي في السير في الجزء ١٦/٥٣٦، ويذكر هذا الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء ١١/٣٢٢ أن أبا عبد الله بن بطة بعد أن انتهى من طلب العلم وأخذ الحديث وتلقيه بقي في بيته أربعين سنة لا يخرج من بيته إلا إلى المسجد وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويباشر ذلك بنفسه هذا العبد الصالح يروي في كتابه تحريم الحيل بسند حسن جيد والحديث صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل] .
اليهود عليهم لعائن ربنا المعبود ندما حرم الله عليهم الاصطياد يوم السبت احتالوا على ذلك المحرم بأمرين اثنين:
بالتأويل الخاطئ الجائر:
والاحتيال الخبيث الماكر:
стр. 5786
أما فريق منهم: وهم المؤولة تأويلا باطلا قال إن الله حرم علينا أكل الصيد يوم السبت ولم يحرم علينا الاصطياد وعليه نصطاد وندخر لنأكل يوم الأحد فما بعده.
والفريق الثاني: الذين سلكوا مسلك الاحتيال الماكر انقسموا إلى قسمين:
فريق منهم: فحفر أحواضا وبركا بجوار البحر وفتحوا لها طريقا ليدخل الماء مع السمك يوم السبت، فإذا امتلأت تلك الأحواض بالسمك وضعوا الحاجز لئلا تعود إلى البحر مرة ثانية.
والفريق الثاني: كان يمسك السمك من البحر بيديه ثم يربطها بحبل ويدق لها وتدا ويربط هذا الحبل بالوتد ثم يلقي السمك مرة أخرى في البحر فإذا صار يوم الأحد سحب هذا الحبل والسمك فيه فأكله يوم الأحد والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذا يعدون في السبت إذا تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون * وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربهم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين * وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم *﴾ .
لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ـ بتأويل خاطئ جائر باحتيال خبيث ماكر ـ.
стр. 5787
وقد تقدم معنا عن إمام أهل السنة أنه كان يقول: خطأ وضلال بني آدم منحصر في أمرين اثنين: في تأويل خاطئ وقياس فاسد والتأويل الخاطئ في الأدلة السمعية والقياس الفاسد في الأدلة العقلية فإذا جاء وأول النص تلاعب به وإذا جاء وأتى بحجج عقلية ففرق بين المتماثلين وسوى بين المختلفين فقاس قياسا فاسدا ولذلك قال أئمتنا إن أهل الضلال يسفسطون في العقليات ـ والسفسطة هي المكابرة وجحد حقائق الأشياء ـ ويقرمطون في السمعيات ـ والقرمطة هي التلاعب بالمعاني ـ فإذا جاؤوا إلى مسلك السمع سلكوا مسلك القرامطة الباطنية، واخترعوا للنصوص معاني ما أرادها رب البرية وهو التأويل الخاطئ، وإذا جاؤوا للحجج العقلية أتوا بالأقيسة الفاسدة، وقد جمع اليهود بين الأمرين، وقد حذرنا نبينا ﷺ من ذلك المسلك المشين فقال: [لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل] .
ولذلك قال الإمام ابن القيم: الحيل المحرمة في شريعة الله هي ما تضمنت إسقاط ما شرعه الله وإبطال ما أوجبه الله وتحليل ما حرمه الله.
إخوتي الكرام:
إن الحيل قد انتشرت في الأمة لاسيما في هذا الزمان وسلكوا مسلك اليهود اللئام إن الربا حرمه ربنا علينا فكل ما يؤدي إلى ذلك الأمر المحرم ينبغي أن نمتنع عنه وكثير من الناس يحتالون عليه بصور من صور المبايعات لكنها لا تخرج هذا الأمر عن كونه ربا محرما في شريعة رب الأرض والسماء.
فبيع العينة بيع؛ لكن الإنسان فيه أراد أن يحتال على الربا فباع سلعة بثمن مؤجل نسيئة بأقساط ثم اشتراها من المشتري منه بثمن معجل أقل مما باعها به.
هذه هي صورة العينة، وهي صورة من صور الربا؛ لكنها عن طريق الاحتيال، وقد بين لنا نبينا ﷺ أن الأمة إذا وقعت في الاحتيال فقد سقطت من عين ذي العزة والجلال.
стр. 5788
ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، والحديث رواه أبو يعلى في مسنده والبزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير ورواه البيهقي في السنن الكبرى وإسناد الحديث صحيح من رواية سيدنا عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتبعتم الزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم] .
تحتالون على ما حرم الله وتخلدون إلى الدنيا وتجرون وراءها ولا تجاهدون في سبيل الله إذا اتصفتم بهذه الأمور لا لله عظمتم ولا على الخلق أشفقتم فهمكم الاستغلال وتحصيل المال ولو كان عن طريق الاحتيال ثم بعد ذلك خلود إلى الدنيا وإعراض عن إعزاز دين الله عن طريق الجهاد إذا وقع فيكم ذلك سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم، وما أظن أنه يوجد أمة من الأمم تعاني من الذل والعناء والبلاء ما تعانيه الأمة الإسلامية في هذه الأيام ولا يظلم ربك أحدا ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ .
وهذه المبايعة المحرمة وقع بها بعض الصحابة الطيبين المهتدين عن طريق الخطأ وعدم تعمد لما حرم رب العالمين ولما نبه إلى ذلك تنبه ورجع إلى رشده وصوابه وكل بني آدم خطاء والذي وقع في هذه المبايعة بعد وفاة نبينا عليه صلوات الله وسلامه العبد الصالح زيد بن أرقم ﵁ وأرضاه فأصدرت في حقه أمنا الجليلة الفاضلة المفضلة أمنا عائشة ﵂ حكما يخلع القلوب ولا كفارة لذلك العيب من العيوب إلا أن يتوب زيد بن أرقم إلى علام الغيوب.
стр. 5789
والقصة رواها الإمام أحمد وعبد الرزاق في مصنفه والداراقطني في سننه والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناد القصة صحيح ثابت وقد نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن عبد الهادي كما في كتابه التنقيح في التعليق على كتاب التحقيق لابن الجوزي وانظروا الكلام على هذه الرواية في نصب الراية للإمام الزيلعي في الجزء ٤/١٥.
وقد اختصر الكتاب الإمام ابن حجر وزاد عليه فوائد في الدراية انظروا كلامه حول هذا الحديث في الجزء ٢/١٥٠ وقد ذكر ابن الأثير، هذا الحديث في جامع الأصول مع أنه ليس في الأصول الستة في الجزء الأول من جامع الأصول صفحة ٥٧٢، ولفظ الأثر عن أبي إسحاق السبيعي وهو عمرو بن عبد الله السبيعي وقد توفي سنة ١٢٩ هـ وهو ثقة فقيه مكثر حديثه في الكتب الستة روى هذا الحديث عن زوجه العالية وهي امرأة معروفة دخلت على أمنا عائشة ﵂ وروت عنها كما ذكر ذلك الحافظ ابن سعد في الطبقات وعليه من حكم على.
стр. 5790
الحديث بالضعف بجهالة العالية زوج أبي إسحاق السبيعي فهو واهم، أبو إسحاق يروي عن زوجه العالية أنها دخلت على أمنا عائشة ﵂ فسألتها أم محبة وهي امرأة من الكوفة فقالت يا أم المؤمنين بعت جارية إلى زيد بن أرقم بثمانية درهم إلى عطائه واشترط عليه أنه إذا أراد أن يبيع الجارية فينبغي أن يبيعني إياها فبعد فترة أراد أن يبيعها فباعني إياها فاشتريت الجارية منه بستمائة درهم نقدا فقالت أمنا عائشة ﵂ يا أم محبة بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أن جهاده قد بطل مع رسول الله إلا أن يتوب فقالت أم محبة فما كفارته يا أم المؤمنين؟ فقالت: التوبة لرب العالمين ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ ، فالتحايل على الحرام يحبط العمل عند ذي الجلال والإكرام.
نعم إن العبرة في العقود في المقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني فبيع العينة معاملة ربوية وهو في الظاهر مبايعة شرعية قال الإمام ابن الأثير ولذلك قالت أمنا عائشة ﵂ هذا الكلام وانتشر بين الصحابة الكرام فلم ينكر ذلك عليها أحد منهم ﵃ وانظروا كلام الإمام الشافعي حول هذا الحديث وقارنوه بما ذكرت في كتابه الجليل الأم في الجزء ٣/٧٨.
هذا الأمر الأول من الأمور الأربعة التي سنتدارسها في هذه الموعظة الاحتيال على أكل ما حرمه ذو العزة والجلال.
إخوتي الكرام:
لو قدر أن الإنسان وقع في معصية من معاصي الرحمن فليعترف بتقصيره وانكساره لربه وليستغفر الله جل وعلا أما أن يسلك مسلك التأويل الاحتيال والتبرير فليس هذا من صفة المؤمنين ولذلك قال بعض القائلين ونعم ما قال:
وأشربها وأعلمها حراما ... وأرجو عفو ربي ذي امتنان
стр. 5791
ويشربها ويزعمها حلالا ... وتلك على المسيء خطيئتان
... يقول إذا ابتليت بشرب الخمر فاشربها وقل أنا عاصي لله وأرجو مغفرة الله ورحمة الله وإياك ثم إياك أن تحلل الخمر وبالتالي لا ترى أنك مسيء وبذلك قد ارتكبت وزرين شرب الخمر وعدم الاعتراف بالذنب.
والأمر الثاني أكل الحرام:
وأريد من أكل الحرام تناول الحرام سواء كان عن طريق الأكل أو الشرب أو اللباس أو السكن أو الأساس المقصود أنك تستعمل شيئا لا يحل لك أن تستعمله وحرمه الله عليك شراب طعام لباس أساس مسكن كل هذا حصلته من غير طريق شرعي هذا يحبط عملك عند الله وإن لم ينقض عبوديتك لربك وإن لم يجعلك من الكافرين لكن العمل لا يقبل عند رب العالمين لا تقبل الصلاة ولا الصيام ولا يستجاب الدعاء إذا كان في تلك الأشياء التي تتعاطاها في هذه الحياة حرام، وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا فقال بعد آيات الصيام: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ .
منبها إلى أننا إذا خالفنا هدي الله جل وعلا في آيات الصيام فأكلنا وشربنا ما حرم الله علينا في نهار رمضان لا يقبل الله منا الصيام وهكذا لو أكلنا الحرام من باب أولى لايقبل الله منا الصيام لأن ترك الحرام آكد في شريعة ذي العزة والجلال من ترك الطعام والشراب في نهار رمضان استمع لهذه الدلالة التي استنبطها أئمتنا المفسرون عليهم رحمات الحي القيوم يقول: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ .
стр. 5792
كأن الله يقول يا عبادي يا من أطعتموني في ترك الشراب والطعام في نهار رمضان أطيعوني في ترك الحرام على الدوام فإذا تناولتم شرابا وطعاما في نهار الصيام لا يقبل الصيام وإذا دخل جوفكم أو استعمل بدنكم شيئا مما حرم الله في شراب أو طعام أو لباس أو سكن أو أساس لا تقبل العبادة عند الله جل وعلا كما لم أكلت في نهار رمضان ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون تعلمون أن هذا حرم عليكم لا يجوز أن تأكلوا الأموال بالباطل ولا يجوز أن تدفعوا الرشوة إلى الحكام ليحكموا لكم بالباطل الذي حرمه الرحمن إذا فعلتم شيئا من ذلك لن تقبل الصلاة والصيام ولا غير ذلك من عبادات الرحمن وهذه الآية جاءت بعد عبادة الصيام وفي أثناء عبادة الصيام ذكر الله عبادة الدعاء ثم عقبها بالامتناع عن الحرام في جميع الأوقات وأن من لم يمتنع لن يقبل الله دعاءه ولن يقبل صومه ولن يقبل سائر عباداته فأكل الحرام محبط للأعمال عند ذي العزة والجلال.
وقد وضح لنا هذا نبينا ﷺ :
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم، والحديث رواه الترمذي في سننه والدارمي في سننه والبيهقي في السنن الكبرى وهو صحيح صحيح من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال جل وعلا: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾ ، وقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ قال أبو هريرة ﵁: ثم ذكر رسول الله ﷺ : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك] .
стр. 5793
وقد ثبت في صحيح ابن حبان من رواية سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵃ أجمعين: [يا كعب بن عجرة كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به] والحديث رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه أيضا من رواية كعب بن عجرة ﵁ وأرضاه أنه قال: [قال لي النبي ﷺ يا كعب كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به] .
والحديث رواه أبو يعلى في مسنده والبزار في مسنده والطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده حسن كما نص على ذلك الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء ٢/٥٥٢ ولفظ الحديث عن سيدنا أبي بكر ﵁ وأرضاه أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: [كل جسد غذي بالحرام فالنار أولى به] .
وانظروا أيضا كلام الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء ١٠/٢٩٣ في كتاب الزهد باب في من نبت لحمه من الحرام، وفي ذلك الباب أحاديث أخرى فيها هذا المعنى عن سيدنا حذيفة بن اليمان وسيدنا عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين هذا الأمر الثاني الذي يحبط العمل عند الله أكل الحرام.
والأمر الثالث: شرب الخمر:
من شرب الخمر يحبط عمله أربعين يوما لا يقبل عند الله كما أشار إلى هذا نبينا ﷺ الخمر أم الخبائث الخمر مصدر الرذائل وهي المصائد والمثبطات التي يثبط بها الشيطان بني الإنسان الخمر مفتاح كل شر الخمر يحصل بها اغتيال العقل وقد ذم الله الخمر وعابها في العهد المكي في سورة النحل في قوله جل وعلا: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ .
ثم حرمها الله جل وعلا في العهد المدني في العام الثامن للهجرة فاستمرت إباحتها إحدى وعشرين سنة ثم بعد ذلك حرمت وأول ما نزل في ذمها آية النحل.
стр. 5794
ثبت ذلك في السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء ٨/٢٩٧ عن سيدنا عبد الله بن عباس وعن تلميذه مجاهد بن جبر ﵃ أجمعين قالا: السكر هو الخمر قبل تحريمها والرزق الحسن هو الطعام وقال سيدنا عبد الله بن عباس إن الله حرم بعد ذلك السكر مع تحريم الخمر لأنه منها ثم في العهد المدني أنزل الله فيها ثلاث آيات في الآية الأولى أخبر الله جل وعلا عن وجود الإثم فيها فقال: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ... ﴾ .
ثم أنزل الله جل وعلا آية أخرى في سورة النساء منع الله فيها عباده عن الخمر في أوقات الصلاة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا﴾ .
ثم أنزل الله في تحريمها الآية الثالثة في العهد المدني وهي في سورة المائدة وفيها يقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ... ﴾ .
فالخمر فيها اغتيال للعقل فإذا شربت قطرة منها تظل أربعون يوما أعمالك حابطة ما تفعله بعد شرب الخمر من صالحات لمدة أربعين يوما لايقبل عند رب الأرض والسموات.
стр. 5795
ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي وحسنه ومستدرك الحاكم وصححه وأقر التصحيح الإمام الذهبي والإمام المنذري ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد في الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب لم يتب الله عليه وغضب عليه وكان حقا عليه أن يسقيه من نهر الخبال قالوا وما نهر الخبال قال عصارة أهل النار] .
إخوتي الكرام:
وكون شارب الخمر لا تقبل له أعمال أربعين يوما هل لأن الخمر لها أثر حسي في النفس لا يزول إلا بعد أربعين يوما أو هل لها أثر معنوي لا يزول إلا بعد أربعين يوما أو لها أثر حسي ومعنوي لا يزول إلا بعد أربعين يوما مرد ذلك وعلمه إلى الله وجل وعلا، وإلى رسوله ﷺ آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله ﷺ ، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ وعليه ما قاله بعض أئمتنا إن أثر الخمر الحسي يبقى في البدن أربعين يوما ولا يمكن أن يستحيل الطعام والشرب على وجه التمام إلا بعد مضي هذه المدة هذا محتمل وما قاله بعض أئمتنا من أنه يبقى أثر معنوي لما تزرعه في النفس من خبث ردي مدة أربعين يوما وعليه مادام هذا الأثر المعنوي باق في النفس البشرية لا يقبل عمل لشارب الخمر بعد أن يشربها مدة أربعين يوما هذا محتمل والعلم عند الله جل وعلا.
стр. 5796
والحديث أقطع بصحته وأسأل أمام الله فقد روي عن عدة من الصحابة الكرام بروايات متعددة فيه هذا المعنى ومن تلك الروايات رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهي في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجه ورواها الحاكم في المستدرك وصحح الرواية وأقره الإمام الذهبي ورواها ابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده بنحو اللفظ المتقدم من رواية عبد الله بن عمر ﵄ دون الزيادة التي في آخر الحديث [فإن عاد الرابعة فتاب لم يتب الله عليه وغضب عليه ... ] ، وإنما [فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من نهر الخبال من طينة الخبال قالوا وما نهر الخبال وما طينة الخبال يا رسول الله قال صديد أهل النار] .
ورواية ثالثة عن سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ هي في سنن أبي داود وإسنادها حسن لغيره، ولفظ الحديث عن عبد الله بن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : [كل مسكرٍ خمر وكل مسكرٍ حرام ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباح فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من رضغة الخبال قالوا وما رضغة الخبال يا رسول الله قال عصارة أهل النار] بخست أي انتقصت صلاته وما قبلت عند الله .
وهناك روايات متعددة بهذا المعنى منها رواية أسماء بنت يزيد ﵂ وأرضاها في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير ومنها رواية أصدق هذه الأمة لهجة سيدنا أبي ذر ﵁ وأرضاه في المسند ومعجم الطبراني الكبير ومسند البزار وإسناد الروايتين حسن كما في الترغيب والترهيب للمنذري في الجزء ١٠/٣٦٧، ولفظ الروايتين أن النبي ﷺ قال: [من شرب الخمر غضب الله عليه أربعين ليلة فإن مات مات كافرا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من نهر الخبال قالوا وما نهر الخبال يا رسول الله قال عصارة أهل النار] .
стр. 5797
وإذا غضب الله عليه لن يقبل منه عملا وقول نبينا ﷺ فإن مات مات كافرا كما تقدم معنا في نظائر هذه الأحاديث التي فيها الوعيد الشديد وطلاق لفظ الكفر على العاصي إما أنه إذا استحل وإما أنه كفر دون كفر والعلم عند الله أو أنه شابه الكافرين في هذه الخصلة المذمومة تأويلات خمسة ذكرها أئمتنا في نظائر هذا الحديث هذه خصلة ثالثة من فعلها حبط عمله وإن لم يخرج عن العبودية لرب البرية.
والرابعة: في مبحثنا والعاشرة في مبحث محبطات الأعمال إسبال الإزارعن الكعبين في حق الرجال:
من أسبل إزاره لا يقبل الله صلاته وترد عليه صلاته إذا صلى وهو مسبل للإزار سواء كان بمفرده أو في الجماعة وقد رتب الشارع المطهر على جر الإزار عقوبتين:
الأولى: أن من نزل إزاره عن كعبيه فهو في النار قصد الخيلاء أو لم يقصد.
الثانية: أنه إذا نزل إزاره عن كعبيه خيلاء أو بطرا ورياءا فهو في النار ولا ينظر إليه الجبار ﷻ ، ثم لا تقبل الصلاة بعد ذلك، وهذا لا ينبغي لإنسان أن يقوله من رأيه؛ إنما ينبغي أن ينقله عن نبينا ﵊؛ وسأقتصر على حديثين اثنين أختم بهما هذه الموعظة إن شاء الله في تقرير هذا الأمر.
стр. 5798
الحديث الأول رواه أبو داود ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه ورواه الإمام أحمد في المسند عن بعض أصحاب النبي ﷺ ولم يسم الصحابي في روايته فليس هو من طريق أبي هريرة، وإسناد المسند كما قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء ٥/١٢٥ قال رجاله رجال الصحيح وأما رواية أبي داود والبيهقي فهي من طريق أبي جعفر المؤذن المدني عن أبي هريرة ﵁ وأبو جعفر المؤذن المدني روى له البخاري في الأدب المفرد وأهل السنن الأربعة وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب مقبول وقال أخطأ من ظن أبا جعفر المؤذن هو محمد بن علي بن الحسين بن علي ـ الإمام الباقرـ ﵁ وأرضاه وقد وهم شيخ الإسلام الإمام النووي عليه رحمة الله ورضوانه في رياض الصالحين فظنه أنه هو الإمام الباقر فقال رجال الإسناد على شرط مسلم وليس كذلك ولذلك قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء ٣/٩٢ إن كان المراد من أبي جعفر الإمام الباقر فالرواية مرسلة لأن الإمام الباقر لم يرو عن أبي هريرة ﵁ فأبو هريرة توفي سنة ٥٧هـ وقيل ٥٨هـ وقيل٥٩ هـ أما الإمام الباقر فقد ولد سنة ٥٦هـ قال المنذري وإن كان المراد منه غيره فلا أعرفه.
стр. 5799
وقال الإمام الخزرجي في الخلاصة حسن له الترمذي ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة ومن رواية بعض أصحاب النبي ﵊: [أن رجلا دخل إلى مسجد النبي ﷺ ، فصلى وهو مسبل إزاره فلما انتهى من صلاته جاء إلى النبي ﵊ وسلم عليه فقال له النبي ﵊: اذهب فتوضأ وصلي فذهب وتوضأ وصلى ثم سلم على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : اذهب فتوضأ وصلي فلما ذهب فكر في نفسه وأن الأمر ليس بسبب وضوئه فقصر ثيابه، ثم جاء إلى مسجد النبي ﵊ فصلى فسكت عنه النبي ﵊ فقال الصحابة لنبينا ﵊: يا رسول الله مالك أمرته بالوضوء ثم سكت عنه قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره ولا يقبل الله صلاة رجل مسبل] .
وتقدم معنا أن النبي ﷺ أمره بالوضوء من أجل أن يكسر نفسه لأن الشيطان خلق من النار والنار تطفأ بالماء فلما كان الإزار يزرع في النفس الكبر والخيلاء أمره خاتم الأنبياء بالوضوء ليظهر هذا المعنى الذي حصل في نفسه من جر إزاره ثم قال له لا يقبل الله صلاة رجل مسبل.
والحديث الثاني: رواه أبو داود في سننه وأبو داود الطيالسي في مسنده مرفوعا وموقوفا على عبد الله بن مسعود ﵁ ورواه البيهقي في السنن الكبرى والطبراني في معجمه الكبير موقوفا على عبد الله بن مسعود ﵁ وإسناد الأثر الموقوف حسن كما نص على ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء ١٠/٢٥٧ والهيثمي في المجمع في الجزء ٥/١٢٥ ولفظ الأثر أن عبد الله بن مسعود رأى رجلا يصلي وهو مسبل إزاره فقال: [من أسبل إزاره في صلاته فليس من الله في حل ولا حرام] ، وقد ذكر أئمتنا لأثر عبد الله بن مسعود ثلاث معاني:
стр. 5800
١- أن من جر إزاره في صلاته فحاله كحال من لا يعتقد بتحليل ولا تحريم وصار كأنه من عداد الكافرين الذين لا يعتقدون بتحليل ولا تحريم إنما يفعلون حسبما تهوى أهواؤهم فليس من الله في حل ولا حرم.
٢- أن من جر إزاره في صلاته ليس من الله في حل ولا حرام لا يحله الله ولا يدخله الجنة ولا يحرم عليه النار.
٣- أن من جر إزاره في صلاته ليس في حل ولا حرام؛ أي ليس له من الله في فعل حلال عندما جر إزاره إنما فعل معصية وإثما ولا حرام؛ أي ليس له احترام ومنزلة عند ذي الجلال والإكرام.
إخوتي الكرام:
هذه أمور أربعة تكمل الستة المتقدمة يصبح المجموع عشرة تحبط الأعمال عند ذي العزة والجلال وإن لم تنقض عبودية الإنسان لذي الجلال والإكرام وأكثر الخلق ليس عندهم خبر عنها ولا يهتمون بها ولا يبالون بشأنها كما هو الحال فينا معشر الحمقى المغرورين نحسب ما لنا ولا نحسب ما علينا وكما قلت في البداية إن حفظ العمل على العمال أشق عليهم من القيام بسائر الأعمال.
نسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لفعل الصالحات والمحافظة عليها من الحبوط عند رب الأرض والسماوات ونسأله أن يتقبلها منا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمَّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
خلاصة الكلام:
стр. 5801
لا يقبل الله العمل إلا إذا صدر من تقي قام بحق العبودية لربه على وجه التمام فإن نقض عبوديته لربه فهو من الكافرين، ولا يقبل عمله عند رب العالمين وإن خدش عبوديته لربه فعمله مردود عليه، وإن لم يخرج من دائرة العبودية لرب البرية فالله لا يتقبل إلا من المتقين كما قرر ذلك ربنا في كتابه الكريم، فقال في سورة المائدة عند حديثه عما جرى بين ولدي أبينا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
يقول سيدنا علي رابع الخلفاء الراشدين ﵁ وعن الصحابة الطيبين كما في كتاب التقوى لابن أبي الدنيا: لا يُقَلُّ ما تُقُبِل ثم تلى قول الله: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
إذا قبل الله عملك هذا له شأن كبير كبير عند الله الجليل.
وثبت عن ثلاثة من الصحابة أولهم فضالة بن عبيد كما في كتاب التقوى لابن أبي الدنيا وثانيهم أبو الدرداء كما في تفسير ابن أبي حاتم وثالثهم عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين كما في تاريخ ابن عساكر قال هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم يقول: لو أعلم أن الله تقبل مني ركعة أو سجدة أو صدقة كان أحب إلي من الدنيا وما عليها ثم تلى كل واحد منهم هذه الآية: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
وزاد عبد الله بن عمر ﵄ في الأثر المنقول عنه بعد أن تصدق بدرهم قال لو أعلم أن الله قبل مني صدقة أو سجدة لما كان غائب أحب إلي من الموت ثم تلى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
وتقدم معنا كلام بعض الصالحين أبي يزيد البسطامي أنه كان يقول والله لو صفت لي تهليلة لما باليت بعدها.
стр. 5802
لابد إذن من تحقيق العبودية على وجه التمام ليقبل العمل ولا يعني هذا أن يكون الإنسان من المعصومين إنما كما قلت لا ينقض عبوديته لربه وإذا وقع في شيء من المعصية عن طريق الغفلة والذهول والشهوة التي تحجب العقل أحيانا لا أنه يوطن نفسه على ذلك، لا ثم لا، والله يقول في كتابه: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجناتٌ تجري من تحتها خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ .
فإياك ثم إياك أن توطن نفسك على المعصية وإياك ثم إياك أن تستحل ما حرم الله عليك.
ثبت في سنن ابن ماجه بسند صحيح رجاله ثقات عن ثوبان مولى نبينا ﵊ والحديث رواه أبو نعيم في الحلية في الجزء ١/١٧٧ من رواية سالم مولى أبي حذيفة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال:
[لأعلمن أناسا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباءا منثورا قالوا يا رسول الله: صفهم لنا حلهم لنا جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم فقال ﵊: أما إنهم إخوانكم ويأخذون بحظهم من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها] .
وفي رواية الحلية: [ولكن كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه] قال مالك بن دينار هذا والله هو النفاق فقام المعلى بن زياد وقبض على لحية مالك بن دينار، وقال: صدقت أبا يحيى.
стр. 5803
روى البزار في مسنده كما في كشف الأستار في الجزء ١/١٧٦، والحديث بوب عليه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء ٢/١٤٧ في كتاب الصلاة باب علامة قبول الصلاة وانظروه في الترغيب والترهيب في الجزء ١/٣٥٠ وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات وما فيهم إلا عبد الله بن واقد الحراني أبو قتادة وكان قاضيا من الصالحين ضعفه البخاري وبعده النسائي ومعهما يحيى بن معين في رواية ووثقه في رواية أخرى، كما وثقه شيخ الإسلام الإمام أحمد بن حنبل واستنكر قول من ضعفه وقال البزار عقيب الرواية كما في كشف الأستار إنه رجل صالح فقيه عفيف لكنه كان يخطئ فيصر على الخطأ وتوفي سنة ٢١٠ هـ ومعنى الحديث ثابت ولفظ الحديث عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال قال الله تعالى: [إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل بها على خلقي ولم يبت مصرا على معصيتي وقطع نهاره في ذكري ورحم المسكين والأرملة وابن السبيل ورحم المصاب فذلك ضوؤه كضوء الشمس أكلؤه بعزتي واستحفظه ملائكتي أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة] .
والفردوس أعلى الجنة وأشرفها وأفضلها.
كما ثبت في المسند وصحيح البخاري وفي السنن الكبرى والأسماء والصفات وفي كتاب البعث للبيهقي، والحديث صحيح صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة] .
... اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى بفضلك ورحمتك فأنت الكريم وأنت الأعلى اللهم.
آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها يا أرحم الراحمين.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5804
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربوَّنا صغارا. اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا.
اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعاء والحمد لله رب العالمين.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم،
﴿والعصر* إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر*﴾ .
... ... ...
стр. 5805
محبطات الأعمال (١)
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
محبطات الأعمال (١)
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما ﴿من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
تدارسنا في الموعظة السابقة أن فرائض الله التي فرضها على عباده والواجبات التي أوجبها على خلقه تنقسم إلى قسمين اثنين فرض دائم على الدوام ينبغي أن يقوم به الإنسان في كل زمان ومكان وهو تحقيق العبودية لذي الجلال والإكرام.
стр. 5806
والثاني فروض مؤقتة بأمكنة وأزمنة وقد مر الكلام على هذين القسمين وبينت في الموعظة السابقة أن القسم الثاني من فرائض الله وواجباته أعني الفروض المؤقتة لا تقبل إلا إذا حقق الإنسان الفرض الدائم وقام به وبينت أن الناس ينقسمون نحو الفرض الدائم إلى ثلاثة أقسام تكلمت على قسمين اثنين ووعدت بأن أتكلم على القسم الثالث في هذه الموعظة وهم عباد الله طوعاً واختياراً ورضوا بدينه منهجاً لهم في هذه الحياة ورضوا به إلهاً لهم ورضوا بنبيه ﷺ رسولاً لهم ولا يوجد عندهم خلل من هذه الناحية: ناحية الاعتقاد إنما خلطوا وقصروا وفرطوا في جانب العمل ووقع منهم تقصير وزلل، هذا القسم الثالث الذي وقع منه الزلل الزلل الذي يقع منهم إما أن يكون من الزلل الذي لا ينفك عنه البشر بحكم بشريته وإنسانيته فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فإذا وقعوا في شيءٍ من القاذورات رجعوا إلى رب الأرض والسموات ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ ، ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾ وإذا وقعوا في شيءٍ من القاذورات الكبيرات رجعوا إلى رب الأرض والسموات ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ فهم في جانب الاعتقاد على سلامة ونقاء لكن في جانب العمل عندهم تفريط وزلل هذا التفريط الذي يصدر منهم أحياناً يؤدي إلى حبوط طاعاتهم وإن لم يكونوا من الكافرين وقد يمن الله عليهم بقبول أعمالهم فهو أرحم الراحمين.
إخوتي الكرام..
كما قلت: بعض المعاصي تحبط الطاعات والإنسان بطبيعته وبشريته لا ينفك من مخالفات لكن المؤمن إذا وقع في مخالفة العمل هو صحيح الاعتقاد بالله وبرسوله ﷺ وبدينه فلا يرضى بديلاً عن ذلك ومع أنه مخطئ مسرف مقصر إذا فعل المخالفات يستاء وإذا فعل الطاعات يفرح فهذا دليل على عبوديته لربه مع تقصيره ونقصان إيمانه.
стр. 5807
وقد ثبت عن نبينا ﵊ أنه قال: ﴿من سرته حسنته وساءته معصيته فهو مؤمن﴾ .
والحديث ثابت عن نبينا ﵊ من رواية عدد من الصحابة الكرام رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وعبد الرزاق في مصنفه والقُضاعي في مسند الشهاب.
والحديث صحيح صحيح من رواية أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من سرته حسنته وساءته معصيته فهو مؤمن] ، وروي من رواية أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه في مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومعجم الطبراني الكبير وروي أيضاً من رواية أبي أمامة الباهلي ﵁ وأرضاه في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الأوسط والكبير ومصنف عبد الرزاق وفي مسند الشهاب للقُضاعي.
كما أن الحديث روي أيضاً من رواية عمر بن ربيعة في مسند الإمام أحمد ومن رواية جابر بن عبد الله في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ومن رواية عبد الله بن عمر في مسند الشهاب للقُضاعي ومن رواية أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين سيدنا علي ﵁ وأرضاه في معجم الطبراني الأوسط هؤلاء سبعة من الصحابة يروون هذا الكلام عن نبينا ﷺ نعم المؤمن يسهو ويقع في زلل لكنه يرجع إلى الله ، لكنه يرى أن ما فعله سيئ لا يحسنه ولا يستحسنه وقد ثبت في مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى بسند رجاله ثقات كما في المجمع في ١٠/٢٠١.
стр. 5808
والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وأبو نعيم في الحلية من رواية أبي سعيد الخُدْريِّ ﵁ وأرضاه ورواه الإمام الرامهر مزي في الأمثال بسند صحيح كما قال الإمام السيوطي في الجامع الكبير من رواية عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته والمؤمن يسهو ثم يرجع فأطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين] والآخيةُ هي واحدة الأواخي وهي الخشبة الوتَِد بكسر التاء وفتحها الوتد الذي يدق بالأرض أو في الجدار ثم يربط به الفرس والإيمان في قلوب المؤمنين قد يبتعد عنه الإنسان في بعض الأحايين لكن الإيمان يشده فلا يحصل ابتعاد تام عن الإيمان بحيث ينسى إيمانه ويعرض عن ربه ويجحد رسوله ﷺ ويستحسن غير شريعة الإسلام لا يمكن أن يقع هذا من أحد من أهل الإيمان فإذا وقع في شيء من المعاصي هذا جولان في هذه الحياة وهذا عصيان وخروج عن طاعة رب الأرض والسموات، لكن ليس في ذلك ضياع لحقيقة العبودية نعم إن العبودية خدشت وما زالت ولذلك ما يأتي به الإنسان من مخالفات قد يزيل حقيقة العبودية وقد يكدرها وينقصها فالمعاصي تنقص والإنسان لا يكون من عداد أولياء الله الكاملين وأمره إلى رب لعالمين نعم إخوتي الكرام بعض المعاصي قد تبطل الطاعات وهي كثيرة وفيرة كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب في صفحة ١١ فما بعدها قال ومحبطات العمل ومفسداته أكثر من أن تحصى نعم فليس الشأن في أن يعمل الإنسان إنما الشأن في أن يحافظ على العمل الذي عمله ولذلك قال أئمتنا الأبرار حفظ العمل على العمال أشق عليهم من القيام بسائر الأعمال وكم من إنسان يبني قصراً لكنه يهدم مصراً كما هو حالنا معاشر الحمقى نعمل الأعمال الصالحات ثم نأتي بما ينقضها عند رب الأرض والسموات والطاعات فيها من التقصير ما لا يعلمه
стр. 5809
إلا الله ثم نأتي أيضاً بما يبطل ما في تلك الطاعات من سلامة ونحسب ما لنا ولا نحسب ما علينا وحالنا كما قال القائل:
قابلت بين حسانها وفعالها ... فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
وسأقتصر في هذه الموعظة على عشر معاصي إذا فعل الإنسان شيئاً منها تحبط طاعاته كما هو مبين بالصفات المذكورة في هذه المعاصي ثم أختم هذا الأمر والكلام على هذا الموضوع في الموعظة الثانية من هذه الخطبة بخاتمة حسنة نسأل الله أن يختم لنا بالحسنى إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
أما هذه الأمور التي تحبط العمال:
أولها: الرياء.
وثانيها: الابتداع وعدم الاتباع.
وثالثها: المن على المخلوقات وعلى رب الأرض والسموات.
ورابعها: الجهر بالقول على خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وتقديم الآراء بين يديه وبين شريعته الغراء.
والخامس: تفويت صلاة العصر.
والسادس: عدم حفظ الصيام من الهذيان والزور والآثام.
والسابع: الاحتيال على أكل الحرام.
والثامن: أكل الحرام فمن وقع فيه فالنيران أولى به عند ذي الجلال والإكرام.
والتاسع: شرب الخمر.
والعاشر: إسبال الثوب.
هذه الأمور العشرة من جملة ما يحبط الأعمال وكثير من الناس في غفلة عن ذلك.
أما أولها:
١- الرياء:
وهو أن لا يخلص الإنسان في عبادته لربه جل وعلا فالعمل مردود قال ربنا المعبود في سورة الكهف: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ .
وثبت في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه] .
وفي رواية ابن ماجه [فهو للذي أشرك وأنا منه بريء] الرياء يحبط الطاعات ويبدل الحسنات إلى سيئات هذا محبط أول فانتبه يا عبد الله والله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاًا ولوجهه خالصاً.
стр. 5810
٢- الابتداع وعدم اتباع نبينا خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه:
وهذا أشير إليه في الآية السابقة أيضاً العمل الصالح هو المشروع الذي تتبع فيه نبينا ﵊ فليس هو من قِبَل الأذهان والآراء والأوهام وكل عمل من غير اتباع فهو حظ النفس وكل اتباع من غير إخلاص فهو نحس ونقص فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً وقد ثبت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود وسنن ابن ماجه وغير ذلك من دواوين السنة من رواية أمنا عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ قال: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] ، وفي رواية لمسلم [من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد] .
٣- المن على المخلوقات باللسان وعلى رب الأرض والسموات بالجنان:
تمن على الله بقلبك وتعجب بفعلك وكأنك تمن عليه عندما عبدته وتمن بعد ذلك على المخلوقات عندما تقوم بالإحسان والخيرات ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ .
انظر لهذه الصورة التي صور الله بها عمل المان الذي يمن بقلبه على ربه ويمن بلسانه على خلق الله فمثله كمثل صفوان والصفوان هي الحجارة الصلدة الملساء الصلبة- كالبلاط والرخام - صار عليه شيء من التراب والغبار لكن هذا التراب لا يثبت ولا يستقر على هذا الصفوان ولا ينبت شيئاً فإذا نزل عليه من السماء وابل وهو الماء الغزير المنصب بقوة غسل هذا الصلد وزال عنه التراب وما يمكن أن ينتفع منه الإنسان بزراعة من هذا التراب.
﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير﴾ .
стр. 5811
بستان مرتفع أصابه مطر غزير فآتى أكله ضعفين فإن لم يصبه وابل فطل وهو المطر الخفيف والندى ولن تخرج عن هاتين الحالتين إما رطوبة من الجو وهو الندى والمطر الخفيف ينزل عليها فتؤتي خيراً وإما أن ينزل مطر كثير فتؤتي أكلها مضاعف.
إذن ـ إخوتي الكرام ـ المن يبطل العمل عند الله وبأي شيء تمن يا عبد الله أنت ملك لله وما تقوم بطاعته إلا بتوفيق الله ثم تلك الطاعات التي تقوم بها فهي من كرم الله فهو الذي من عليك بهذا المال حتى تصدقت فأنت منه وبه وإليه فبأي شيء تدل ولم تعجب وعلام تمن؟!
стр. 5812
والله جل وعلا يقول في الحديث القدسي، وهو حديث أبي ذر الطويل وهو ثابت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي وابن ماجه وهو حديث شامي رواه عن أبي ذر أبو إدريس الخولاني وكان إذا حدث بهذا الحديث كما في صحيح مسلم جثا على ركبتيه، وقال الإمام أحمد كما في جامع العلوم والحكم هذا أشرف حديث لأهل الشام ولفظ الحديث روى أبو ذر ﵁ وأرضاه عن نبينا ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاتغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] .
وفقت للعمل الصالح فهذا زيادة فضل من الله عليك وأما أن تمن على الله وعلى عباد الله فهذا حال المخذولين من يحبطون عملهم في هذه الحياة ويلقون الله مفلسين يوم الدين فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
٤- أن يرفع الإنسان صوته وأن يجهر بين يدي النبي ﵊:
стр. 5813
وأن يرفع صوته عند سرد حديث النبي ﵊ وأن يقدم رأيه واجتهاده وكلامه على كلام النبي ﵊ هذا محبط للعمل وإساءة أدب مع خير خلق الله ﵊ قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ .
لا رفع لصوت على صوته ولا في حضرته وإذا نودي ينادى بأشرف الألفاظ وأفخمها فهذا خير المخلوقات عند رب الأرض والسموات عليه صلوات الله وسلامه كما قال ربنا العزيز الغفور في آخر سورة النور: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ .
والآية تحتمل معنيين المعنى الثاني الذي يتعلق بغرضنا في هذه الموعظة وهو أن هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول لا تجعلوا دعاءكم للرسول ﷺ عندما تدعونه وتنادونه وتتكلمون في حضرته الشريفة المباركة كما يدعوا بعضكم بعضاً إياكم ثم إياكم فهذا يخاطب بألفاظ التوقير والتبجيل والتعظيم يا رسول الله يا نبي الله يا خاتم النبيين ﵊.
وأما أن يخبر الإنسان عن نبينا رسول الرب ﵊ بأنه محمد بن عبد الله فذلك من قلة الأدب والبذاءة والجفاء ألا قلت قال محمد خير خلق الله ألا قلت قال محمد رسول الله ألا قلت قال رسولنا حبيب الله ألا قلت قال سيدنا محمد خاتم النبيين، ولا يضاف نبينا ﵊ إلى والده إلا عند حكاية نسبه فقط محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عند بيان النسب الشريف المبارك وأما أن يقال في مجالس العلم قال محمد بن عبد الله فهذه بذاءة وجفاء وعدم احترام لخاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.
стр. 5814
وقد أفتى الحافظ ابن حجر الهيثمي بأن من قال ذلك فينبغي أن يعذر من قبل ولي الأمر لبذاءته وعدم تأدبه مع نبينا خير خلق الله ﷺ .
سبحان ربي العظيم! رفع الصوت على صوت النبي ﵊ وفي حضرته وفي مجلسه قد يترتب عليه حبوط العمل عند الله فكيف بمن قدم رأيه على حديث النبي عليه لصلاة والسلام؟! كيف من احتكم إلى ذوقه ورأيه واجتهاده ورد حديث النبي ﵊ من أجل هوسه؟!
إن البلية شنيعة شنيعة فظيعة فظيعة وقد ابتلينا في هذه الأيام بأناس ينسبون أنفسهم إلى السلف الكرام وما عندهم من هذه النسبة إلا الاسم اسم بلا جسم لفظ بلا معنىً٠ ثم بعد ذلك لا يتورع من رد حديث النبي ﵊ برأيه وهوسه وذوقه واجتهاده وترهاته وأوهامه واستمعوا إلى هذا لخبر الذي قابلني به بعض الإخوة الكرام بعد الموعظة الماضية أعطاني رسالة من خمس صفحات لشيخ من بلاد الشام يقيم في بلد الله الأمين وقد زاد عمره على الستين وكنت قلت له يا عبد الله رفقاً بنفسك واغتنم فضل ربك؛ أقامك الله في ذلك المكان فاغتنمه بالطاعات الحسان ولا داعي لإثارة الفتن بين أهل الإسلام فأعطاني هذا الأخ خمس ورقات له فيها على زعمه ردود على بعض طلبة العلم وفي الصفحة الأولى في مطلعها يقول إنني سمعتك في شريط تذكر حديثا عن النبي ﵊ والحديث أذكر لفظه ثم أبين من خرجه كما هي عادتي، وسمعتك تقول قال النبي ﵊: [لا تمس النار مسلماً رآني ولا رأى من رآني] ثم اعترض هذا المعترض برأيه الفاسد على هذا الحديث بأمرين قال: هذا الحديث ضعيف فهو من رواية موسى بن إبراهيم الأنصاري المدني ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال: إن معناه غير صحيح فلا يمكن أن يعلق هذا الأمر على مجرد رؤية النبي ﵊ ورؤية الصحابة الكرام، أي عدم دخول النار أو مسها فهو ضعيف.
стр. 5815
والقول بتضعيف هذا الحديث قول فاسد سخيف، والقول بعد ذلك إن معناه ليس بصحيح افتراء قبيح وأنا أعجب ممن ينسب نفسه إلى السلفية في هذه الأيام، ثم بعد ذلك يرد حديث نبينا خير الأنام ﵊ إن السلفية الصادقين الطيبين بريؤون من هذا المسلك الذميم.
نعم نحن نتبرك بذكر سلفنا ونتقرب بحبهم أيضاً إلى ربنا لكن لابد من أن نقف عند ما وقفوا عنده وأن لا نتقدم بين يديهم ولا بين يدي الله ورسوله ﵊ أيها المعترض على حديث خير الأنام نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام بالأوهام والهذيان.
следующие страницы →