← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

إخوتى الكرام: من تأمل خَلْق نبينا ﵊ بدنه وصورته الظاهرة لن يرتاب فى أنه رسول ربنا الرحمن ، أعطاه الله ملاحة وبهاء عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا بيان تلألىء وجهه ﵊ وبيان نور وجهه ﵊ وأنه أبهى من القمر واضوء من الشمس ووتقدم معنا أيضا طيب عرقه عليه صلوات الله وسلامه، وكيف كان يؤخذ ليوضع فى الطيب ليزداد الطيب طيبا، فطيب نبينا ﵊ عرق نبينا ﵊ أطيب أنواع الطيب على نبينا صلوات الله وسلامه، إذا هذا الخلق الذى ينفرد بهذه الأمور له اعتبارات ينبغى أن نستدل بها، فقد يقول قائل: قد يوجد هذا لصالح أن يكون له ريح طيبة وعرقه طيب؟، نقول: هل الصالح ادعى النبوة؟ وهل ما يحصل للصالح من كرامات يدل على أنه نبى، ما حصل له هذا إلا بركة اتباعه للنبى ﵊، لكن أرينى متنبئاً دجالا ادعى النبوة وهوكذاب يشم منه ريح الطيب وريح المسك من غير تطيب ومن غير تعطر ثم بعد ذلك إذا مج فى بئر يفو منها المسك أرنى هذا، نعم قد يأتى صالح ويكرمه الله بهذا لكن لا يوجد دعوى النبوة والرسالة، هذا ببركة اتباعه للنبى ﵊ فذاك كرامة، أما عندنا هذا صادق وقال: أنا رسول الله ﵊ إذاً بين أمرين إما أنه صادق فى دعوى الرسالة فهذا الكمال فى خَلْقه وخُلُقه فى محله، إما أنه كاذب فى دعوى الرسالة لابد من أن يهتك الله ستره وأن يشوه خَلْقه وأن يبين بعد ذلك إنحطاطه ووضاعته وشناعة خلقة فى الحياة قبل الممات لابد، وأما أن يؤيده الله وأن يزيده بعد ذلك تمكيناً ومددا، هذا لايمكن أن يحصل بحال، فانظر لهذه الأحاديث التى تبين لنا خَلْق نبينا ﵊ وملاحته وطيبه عليه صلوات الله وسلامه.

стр. 5987

ثبت فى مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة والحديث إسناده صحيح من رواية وائل بن حُجُر ﵁ وأرضاه قال: أوتنى النبى ﵊ بدلو من ماء فأخذه وشرب منه ثم مج فيه مجة ثم حمله وطرحه وصبه فى بئر ففاحت من البئر ريح المسك وفى رواية شرب من الدلو وأخذ مجة مجها فى البئر مباشرة دون أن يمجها فى الدلو ويصب ما فى الدلو فى البئر مرة ثانية، ففاحت منها ريح المسك. هذا الأمر الذى يحصل لهذا البدن الكريم الطاهر من حسن وبهاء وكمال ينبغى أن يكون له دلالة، هذا لو كان كذاباً لفاحت من تلك المجة رائحة النتن، كما سيأتينا فى علامات المتنبىء الكذاب عند خوارق العادات، وكيف يهتك الله ستره ويظهر أمره ويفضحه فى الدنيا مع ما له من الفضيحة على رؤوس الأشهاد، وتقدم معنا كيف كان يجمع عرق النبى ﵊ ويوضع فى الطيب ليطيب، وهنا بئر يصب فيه مجة النبى ﵊ فتفوح من هذا البئر رائحة المسك على نبينا صلوات الله وسلامه، وكنت ذكرت غالب ظنى فى الموعظة الماضية أن نبينا ﵊ قرأ فى فم أحد القرآء السبعة وهو نافع الذى توفى سنة ١٦٩ للهجرة فكان لا يقرأ فى مجلس من المجالس إلا عبقت فيه رائحة المسك، فقيل له هل تطيب فمك؟ قال: لا رأيت النبى ﵊ فى النوم فقرأ القرآن فى فىّ فما تشمون من الرائحة الشذية الطيبة هذا بسبب قرأة النبى ﵊ فى فىّ فى فمى، ولذلك يقول الإمام الشاطبى عليه رحمة الله فى حرز الأمان فى المنظومة التى عملها فى القراءات السبع، يقول: فأما الكريم السر فى الطيب نافع ... فذاك الذى اختار المدينة منزلا فأما الكريم السر فى الطيب نافع، كريم السر كريم الباطن أكرمه الله بهذا الأمر، فذاك الذى اختار المدينة منزلا.

стр. 5988

وهنا مجة يمجها فى بئر تفوح منها رائحة المسك على نبينا صلوات الله وسلامه وهذا الخَلْق الظاهرى من بهاء وملاحة، زانه حياء عظيم عظيم، حياء طبيعى غريزى وحياء مكتسب فى عِلِىّ حصله نبينا ﵊ بما أدبه به ربنا جل وعلا بتوجيهات القرآن وتعاليم القرآن ولذلك ورد فى وصف نبينا ﵊ أنه كان أشد حياء من العذراء فى خدرها والحديث فى المسند والصحيحين ورواه البخارى فى الأدب المفرد ورواه ابن ماجة فى سننه من رواية أبى سعيد الخدرى ورواه البزار فى مسنده بإسناد صحيح عن أنس من رواية أبى سعيد وأنس: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء فى خدرها، وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عرفنا ذلك فى وجهه دون أن يتلكم صلوات الله وسلامه، فكان إذا سر يستنير وجهه كأنه فلقة قمر، وكأن الشمس تجرى فى جبهته عليه صلوات الله وسلامه وكان إذا غضب كأنه يفقأ فى وجهه حب الرمان عليه صلوات الله وسلامه تظهر عليه هذه العلامات وهو كان أشد حياء من العذراء فى خدرها عليه صلوات الله وسلامه وإذا رأى شيئا يكرهه عرفنا ذلك فى وجهه عليه صلوات الله وسلامه، والعذراء هى البنت البكر والخدر هو المكان الذى تجلس فيه فلا يراها فيه أحد، فهذه المرأة كم تستحى؟ بكر مخدرة، فنبينا عليه صلوات الله وسلامه الذى هوسيد الرجال وإمام الأبطال وأفضل خلق الله أشد حياء من هذه البنت المخدرة على نبينا صلوات الله وسلامه، جمال وبهاء زانه هذا الحياء، ولذلك كما قلت: صار له فى قلوب الناس مهابة كما صار له محبة.

стр. 5989

انظر للمهابة التى كانت تقع فى قلوب الصحابة وفى قلوب من يراه ثبت فى سنن ابن ماجة والحديث رواه الحاكم وإسناده صحيح من رواية أبى مسعود البدرى الأنصارى ورواه الحاكم فى المستدرك أيضا والطبرانى فى الأوسط عن جرير بن عبد الله البجلى، فمن رواية أبى مسعود ومن رواية جرير ﵃ أجمعين، قال: أوتى برجل إلى ﷺ ، فلما وقف أمامه ورأه بدأت ترتعد فرائصه، يطرب من الخوف والفزع فقال النبى ﵊: هون عليك إنى لست بملك، إنى ابن امرأة كانت تأكل القديد على نبينا صلوات الله وسلامه لما هذا الفزع؟ لما هذا الرعب؟ هذا هو الوجل وهذه هى الرهبة لكن معها كما سيأتينا محبة لا نهاية لها فعندما يراه فى الأمر وليس حوله صلوات الله وسلامه لا خدم ولا حشم ولا حراس ولا جنود عليه صلوات الله وسلامه ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ، لكن من ينظر لطلعة وجهه وبهاءه ﵊ يعتريه هذا الوجل من النبى ﵊، هون عليك أنى لست بملك ليس حالى كحال الجبابرة أنا امرأة كانت تأكل القديد، والقديد: هو اللحم الذى يجفف ويملح، وهذا يفعله الإنسان فى الغالب إذا كان فقيراً، يملح اللحم عندما يذبح الذبيحة لا يريد أن يأكلها بكاملها ولا يوجد ثلاجات فى ذاك الوقت، فما بقى إلا أن يملح ويجفف ليؤكل عند الحاجة، فكأنه يقول أنا يعنى ابن امرأة تأكل كما يأكل الناس من أسرة يعنى عادية ليس من أسرة ملوك، فعلى ما هذا، يعنى الفزع والفرائص والأعضاء تتطرب، ولا يقولن قائل هذا حال إنسان لم يسبق له أن رأى النبى ﵊ هذا حال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ما استطاع صحابى أن يحد النظر فى وجه نبينا ﵊، واسمعوا لهذا الحديث الذى هو فى صحيح مسلم اتروا أن هذا ليست بحالة كما يقال فى أول لقاء لا، الذين عاشروه لا يستطيع واحد منهم أن يديم النظر إلى وجه نبينا ﵊ مما

стр. 5990

فيه من الهيبة والمهابة صلوات الله وسلامه والبهاء. ثبت فى صحيح مسلم من رواية عبد الرحمن بن شماسة ويقال بفتح الشين شماسة المهرى ﵀، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو فى سياق الموت وعمرو أسلم فى العام الثامن للهجرة هو وخالد قبل فتح مكة ﵃ أجمعين، ثم امتدت حياته إلى أن توفى سنة ٤٣ للهجرة وعاش تسعا وتسعين سنة ﵁ وأرضاه، عمرو بن العاص، لما مات كان عمره ٩٩ سنة، مات سنة٤٣ للهجرة وهو كما قال الذهبى داهية قريش ورجل العالم ومن يضرب به المثل فى الفطنة والدهاء والحزم، عمرو بن العاص، يقول عبد الرحمن بن شماسة حضرنا عمرو بن العاص وهو فى سياق الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه عبد الله يقول: ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا، قال له النبى ﵊ والحديث فى المسند وغيره وإسناده صحيح أسلم الناس وآمن عمرو، ولعل نبينا ﵊ يقصد بالناس الذين أسلموا بعد فتح مكة فهؤلاء أسلموا لأن الغلبة صارت للإسلام وأما عمرو فجاء قبل فتح مكة هو وخالد وآمنو رغبة لا رهبة، رغبة فى الإسلام لا رهبة مما حصل من قوة الإسلام، والحديث رواه الترمذى أسلم الناس وآمن عمرو، ورواه الإمام أحمد فى المسند وإسناده حسن، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا، فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نعد شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ﵊، إنى كنت على أطباق ثلاث، أى على ثلاث حالات، لقد رأيتنى، هذه الحالة الأولى وما أحد أشد بغضاً لرسول ﷺ منى ولا أحب إلىّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت، مت بكسر الميم وضمها على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام فى قلبى ﷺ هذا الحالة الثانية، فقلت: أبصت يمينك فل أبايعك فبسط يمينه فقبضت يدى فقال: مالك يا عمرو، قلت: أردت أن أشترط، قال:

стр. 5991

تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لى، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، ان الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله، وما كان أحد أحب إلىّ من رسول الله ﷺ ولا أحلى فى عينى منه، إنتبه لكلام عمرو وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له ولو قيل لى صفه لما استطعت أن أصفه، وكان بعض شيوخنا يقول: وما أعلم صحة هذا القول، يقول: ما استطاع أحد أن يصف النبى ﵊ إلا النساء، وأما الصحابة الكرام ما استطاعوا أن يصفوه وأن يحدوا النظر فيه عليه صلوات الله وسلامه، ولو قيل لى صفه لما استطعت أن أصفه لأنى لم أكن أملأ عينى منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، الحالة الثالثة: ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالى فيها فإذا أنا مت فلا تصحبنى نائحة ولا نار، فإذا دفنتمونى فسنوا فشنوا بالسين المهملة والشين المعجمة، فسنوا علىّ التراب سنا شنا، أى ضعوه برفق دون شدة وغلظة وعنف، ثم أقيموا حول قبرى قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربى، الحديث كما قلت فى صحيح مسلم وهذا لفظه، انظر لعمرو بن العاص وله هذه المكانة رجل العالم أقوى الناس فى الحزم والعزم والدهاء ما استطاع أن ينظر إلى خاتم الأنبيناء ﵊ وأن يملأ عينيه منه عليه صلوات الله وسلامه، لاإله إلا الله، وأما محبته فى القلوب وتعلق القلوب به أتلكم على هذا فيما يأتى مع بيان الأمر الثانى والشق الثانى من الأمر الأول، ألا وهو بيان خُلُق النبى ﵊ بعد الإنتهاء من الكلام على خَلْقِه.

стр. 5992

اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوما، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا ولا بيننا شقياً ولا محروما، اللهم اغفر لأباءنا وأمهاتنا وأرحمهم كما ربونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلأى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبيناء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 5993

علامات في نفس رسول الله (١) (لقاء ديني) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان علامات في نفس رسول الله (١) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعا وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. أما بعد إخوتى الكرام:

стр. 5994

كنا فى المبحث الثالث من مباحث النبوة على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهذا المبحث كما تقدم معنا مبحث جليل يدور حول بيان الأمور التى يعرف بها صدق النبى والرسول على نبينا وعلى أنبياء ورسله صلوات الله وسلامه، وقلت إخوتى الكرام: هناك تدل على صدق النبى وكذب المتنبىء، فلا بد من وجود علامات تدل على صدق المحق وكذب المبطل، لا بد من وجود علامات تدل على صدق الصادق وعلى كذب الكاذب، فنبينا ﵊ وأنبياء الله ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه لابد وأن يكون فيهم علامات تدل أنهم رسل رب الأرض والسماوات، وهذه العلامات كما تقدم معنا إخوتى الكرام كثيرةوفيرة، ويمكن أن يصل الإنسان إليها عن طريق النظر بعقله وتحكيم فطرته، إذا تأمل هذه العلامات فرق بين النبى والمتنبىء، وتقدم معنا بعض هذه العلامات عن طريق الإجمال، وذكرت ما استدل به هرقل على صدق نبينا ﵊ فى نبوته وأنه رسول الله ﷺ حقاً وصدقا، ودارت أسئلته كما تقدم معنا على عشرة أمور منها ما يتعلق بنسب النبى ﵊ وأسرته، ومنها ما يتعلق ببيان دعوته، ومنها ما يتعلق ببيان معاملته لغيره، ومنها ما يتعلق ببيان حال أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ثم خلص بعد ذلك من هذه الأسئلة والأجوبة التى أجاب عليها أبو سفيان، خلص من ذلك إلى أن نبينا ﵊ هو رسول الله حقا، فقال لأبى سفيان: إن كان ما تقول حقاً فهو نبى فسيملك موضع قدمى هاتين، وهذا الذى تحقق بعد ذلك على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهذه الأسئلة التى وجهها هرقل إلى أبى سفيان كنت سردتها وبينت جواب أبى سفيان وتعليقنا أيضاً عليها فى الموعظة الماضية، أبو سفيان بعد أن سئل تلك الأسئلة الحسان من قبل هرقل ملك الروم وعظيم الروم يقول أبى سفيان: ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف أى الذى لم

стр. 5995

يختتن، وتقدم معنا أن النصارى لا يختتنون، ويقول: هذه الأسئلة تدل على دهائه وذكائه وعظم عقله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف، إنتهينا إخوتى الكرام من بيان هذه العلامات عن طريق الإجمال، ووعدتكم أن أتكلم على نهاية هرقل فى أول هذه الموعظة، لنكمل إن شاء الله بعد ذلك تفصيل الكلام على الأمور التى يعلم بها صدق الرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

стр. 5996

هرقل إمتدت به الحياة وعاش بعد وفاة نبينا ﵊، فحياته امتدت لكن ما شرح الله صدره للإيمان وأمره عند ربنا الرحمن ، ففى غزوة مؤتة فى العام الثامن للهجرة، بعد الأسئلة التى سألها لأبى سفيان بسنتين، قاد جحافل الروم وكان مائةألف، وانضم إليه أيضا مائة ألف من قبائل لخم وجذمان، وحصلت بين هؤلاء الجموع من الروم ومن هذه القبائل وبين المسلمين الموقعة الشهيرة فى العام الثامن للهجرة وهى غزوة مؤتة، وفيها كان أمير الجيش حب رسول ﵊ زيد بن حارثة ثم بعد ذلك جعفر بن أبى طالب، ثم عبد بن رواحة ﵃ أجعين، ثم لما قتل هؤلاء الثلاثة بنأمير النبى ﵊ لهم على التوالى والتعاقب أخذ الراية خالد بن الوليد فاستطاع أن يعود بمن بقى من الجيش سالمين إلى المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، وهذا أقل ما قيل فى عدد الروم ومن معهم مئتا ألف، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، عددهم ثلاثة آلاف فى هذه الموقعة، فكل فرد يقابه سبعون فردا، فهذه الموقعة كان فيها هرقل، موقعة مؤتة، ثم فى العام التاسع فى غزوة تبوك عندما قاد النبى ﵊ الصحابة بنفسه فى هذه الغزوة الطويلة البعيدة، وكان هذا فى العام التاسع فلما وصل النبى ﵊ إلى تبوك كتب إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام مرة ثانية وكاد هرقل أن يسلم لكن حصل منه ما حصل فى المرة الأولى عندما عرض الأمر على بطارقته وعلى أهل ديانته نفروا فبقى على دينه وأرسل إلى النبى ﵊ شيئاً من الذهب كما ثبت هذا فى صحيح ابن حبان فقسمه النبى ﷺ بين أصحابه وفى رواية المسند كما ذكر هذا الحافظ فى الفتح وإسناد الأثر صحيح، أنه كتب إلى النبى ﵊ يعنى هرقل، يقول له: إنى مسلم، فقال النبى ﵊: كذب، وفى رواية كتاب أبى عبيد الأموال لأبى عبيد، لكن من

стр. 5997

رواية بكربن عبد الله المدنى، مرسلة، أن هرقل كتب إلى النبى ﵊ يقول له: إنى مسلم، فقال النبى ﵊: كذب عدو الله لا زال على نصرانيته. وهذا الذى حصل من هرقل وجواب النبى ﵊ يدل على أن هرقل مات على نصرانيته وأنه كذاب فى دعوى الإسلام كما أخبر عن ذلك نبينا ﵊. وهذا الحديث الطويل الذى أوره الإمام البخارى فى أخر كتاب الوحى، إفتتح الإمام البخارى كتاب الوحى بحديث عمر ﵁ وهو فى الكتب الستة [إنما الأعمال بالنيات] .، وختمه بهذا الحديث الطويل عن ابن عباس ﵄ كما تقدم معنا أن أبا سفيان بن حرب أخبره عن هذا الحديث الطويل، وختم الإمام البخارى كتاب الوحى بهذا الحديث الطويل كأن الإمام البخارى يشير بهذا إلى أن أمر هرقل أمر مستبهم لن يجرى منه إيمان ويثبت عليه، والله أعلم بحقيقة أمره، كأنه يشير بختم كتاب الوحى بهذا الحديث مع بدءه بحديث إنما الأعمال بالنيات، كأنه يشير إلى أن هرقل إذا كان فى قرارة نفسه وفى قلبه إذا كان موحدا مؤمنا بالله ورسوله النبي ﷺ لكن منعه من الإظهار خشية القتل، خشية القتل منعه من إظهار الإيمان، فبقى فى الظاهر على دين قومه لكنه أقر وأذعن لله جل وعلا ولرسوله ﵊ وشهد له بالرسالة، فإن كان كذلك فيبقى الحديث إنما الأعمال بالنيات، والله هو الذى سيحكم فى هذا يوم تبلى السرائر، كأن الإام البخارى كما قال الحافظ ابن حجر، يشير إلى هذه المسألة أمر هرقل يعنى غير واضح مغلق مستبهم غير ظاهر، فإذاً إذا كانت نيته صادقة فى قوله: إنى مسلم إذا كانت، لن يضيع ما صدر منه عند الله، لكن جواب النبى ﵊ الذى ذكرته فيما يظهر والعلم عند الله يزيل هذا الإشكال وأن أمره ليس يعنى بخفى إنما هو واضح مُصِرّ على نصرانيته، آثر الدنيا على الآخرة.

стр. 5998

والإمام الذهبى عليه رحمة الله فى كتاب سير أعلام النبلاء ذكر ما يؤيد ما أشاره الإمام البخارى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فكأنه يرى أنه إذا صدر ما صدر من هرقل من الإذعان والإقرار والإعتراف وأنه لو أمنه لتجشن الذهاب إلى نبينا ﵊ ولو كان عنده لغسل عن قدمه ولقبل رأسه عليه صلوات الله وسلامه كما قال هرقل، يقول: هذا إذا صدر منه على سبيل الإذعان والحقيقة ثم ما استطاع أن يظهر هذا وأن يثبت عليه من أجل الخوف الذى يحيط به من رعيته وأهل دينه لعله ينفعه فى يوم من الأيان عند الله، لعله.

стр. 5999

يقول الإمام الذهبى فى سير أعلام النبلاء فى الجزء الثانى صفحة١٥، فمن أسلم فى باطنه هكذا ويقول هذا بعد قصة أذكرها عند نهاية كلامه فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قد حصل فى باطنه إيماناً ما، وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام والرسول ﵊ وأعتقد أنهما حق مع كون أنه على دين صحيح، فتراهم يعظمو للدينين، يعنى الإسلام حق والنبى ﵊ صدق، لكن ما هو عليه من اتلنصرانية أيضاً دين صحيح فيعظم الدينين، يعظم الإسلام ونبى افسلام ويبقى على نصرانيته ويعظم ديانته، فإن كان كذلك هذا لا شك فى كفره، واعتقد أنه حق مع كون أنه يعنى هو هرقل وأمثاله على دين صحييح فترام يعظم للدينين كما فعله كثير من المسلمانية أى الذين يظهرون الإسلام وأن الإسلام أحق من النصارى وهم على نصرانيتهم، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك، هذه القصة هذا الكلام أوره الإمام الذهبى فى ترجمة عبد الله بن حذافة ﵁ وهو من الصحابة الأطهار الأبرار قيل أنه شهد بدراً ﵁ وقيل لم يشهدها، حول شهوده بدر خلاف، هو من الصحابة على كل حال، عبد الله بن حذافة، هذا أرسله عمر ﵁ أميراً على جيش ليقاتل بلاد الروم، والروم فى بلادهم، فأسر على حدود الشام عبد الله بن حذافة صاحب النبى ﵊، قيل لملك الروم أسر أمير الجيش وهو صاحب نبى الإسلام على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال: إتونى به ثم لما جاء عبد الله بن حذافة إلى ملك الروم، عرض عليه أن يتنصر وقال: أزوجك ابنتى وأعطيك نصف ملكى، أيطمع فى ذلك لأنه صحابى جليل وفى ردته فتنة للمسلمين الذين يعنى فى قلوبهم أحياناً ضعف إيمان لكن الإيمان كما قال هرقل: إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، فقال عبد الله بن حذافة لملك الروم: لو أعطيتنى جميع ما تملك وجميع ما تملك وجميع ملك العرب، يعنى ما تملك ومثله وما يملكه العرب ما رجعت عن دينى محمد عليه

стр. 6000

الصلاة والسلام طرفة عين، فاقطع أملك من ذلك، قال: أقتلك، قال: أنت وذاك، فقال: لأعوانه وحراسه وأفراد جيشه خذوه وضعوه على شجرة واضربوه بالسهام لكن لا تسددوا السهام عليه دعوها تسقط بجواره ليدخل فى قلبه الروع والفزع لعله يرتد إذا فاوضناه مرة ثانية، فأخذوه ووضعوه على شجرة وربطوه بها ثم سلطوا السهام عليه يضربونه سهاماً كالمطر لكن لا يقصدوه بالضرب بحيث تقع يميناً أو يساراً، ثم استدعاه هرقل، قال: هل تكفر وترجع عن دينك وتدخل فى النصرانية أزوجك ابنتى وأعطيك نصف ملكى، فردد عليه الكلام السابق، قال: أقتلك، قال: أنت وذاك، فقال هرقل: هاتوا قدراً كبيرأ ووضعوا فيه ماء ثم أوقد عليه النار، فأتى بأحد المسلمين فألقاه فى الماء أمامه، فظهر عظمه، أى انسلخ اللحم منه وظهر العظم، فقال: أترجع عن دينك وتدخل فى دينى وإلا أفعل فيك كما فعلت، فبكى عبد الله بن حذافة، فطمع ملك الروم قال: على ما تبكى، قال: أبكى لأننى لا أملك إلا نفساً واحدة، كنت أتمنى أن يكون لى أنفاساً أى أرواح بعدد شعر جسمى حتى يكون أعظمنى أجرى، نفس واحدة الآن تلقينى فى القدر وأموت فأنا أبكى لأن أجرى الآن سيقل، لو كان لى أرواح كثيرة واحدة بعد الواحدة تخرج لكان أحسن، أنا أغبط من مات لكن أريد أن تكون لى أرواح متعددة لأحصل أجراً كثيرا، فقال هرقل فقال ملك الروم: دعوه فى بيت وأغلقوا عليه وضعوا معه الخمر والخنزير، فإما أن يأكل وإما أن يموت، ففتحوا عنه بعد ثلاث فالتوى عنقه، فقال: ما منعك أن تأكل، قال: والله إن الله قد أحل لى ذلك عند الضرورة لكن لا أوريد أن أشمتكم بمسلم، تقولون: أكل خنزير شرب خمرا هذا لا يمكن، فقد الحياة أيسر، فقال له ملك الروم: هل لك أن تقبل رأسى وأطلق سراحك، قال: وتطلق سراح المسلمين، وكانوا ثلاث مائة، قال: نعم، قال: أقبل رأسك، فقام عبد الله بن حذافة وقبل رأس هذا الملك النصرانى النجس الكافر، فأطلق سراحه وسراح ثلاثمائة من المسلمين

стр. 6001

مأسورين وأعطاه ثلاثين ألف دينار وثلاثين وصيفة عبدة، فأخذ كل هذا وعاد معه أسرى المسلمين إلى المدينة فى عهد خلافة عمر ﵁ وعن الصحابة أجمعين، فقص عبد الله بن حذافة على عمر ما حصل له وأنه قبل رأس ملك الروم الكافر، فقال عمر: حق على كل سلم أن يقبل رأس عبد بن حذافة، وأنا أول من يبدأ فقام وقبل رأسه ﵁ وأرضاه، وحقيقة ما قبل رأس هذا الكافر لمصلحة لنفسه، إنما إذا توقف الأمر على إطلاق ثلاثمائة من المسلمين فحقيقة الأمر إن شاء الله يسهل بجانب إطلاق هذه النفوس العزيزة. الإمام الذهبى بعد أن أورد هذه القصة علق عليها، والقصة صحيحة ثابتة رواها البيهقى فى دلائل النبوة وابن عساكر فى تاريخ دمشق، يقول الإمام الذهبى: ولعل هذا الملك قد أسلم سراً ويدل على ذلك مبالغته فى إكرام عبد الله بن حذافة، ملك الروم بعد أن رأى من عبد بن حذافة ما رأى لعله أسلم، وقال لعبد بن حذافة: قبل رأسى وانا أعطيع ما أعطيع لألا ألام أمام رعيتى ولألا أيضاتً يبطشوا بى، يقول هذا يعنى حيلة عليهم وما أستطيع أنا أن أظهر الإسلام لعله يكون، يقول الذهبى: وكذا القول فى هرقل إذ عرض على قومه الدخول فى الدين فلما خافهم قال: إنما كنت أختبر شدتكم فى دينكم، فمن أسلم فى باطنه هكذا فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قدحصل فى باطنه إيماناً ما، وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام والرسول واعتقد أنهما حق مع كونه على دين صحيح، هذا لو صدر منه لا ينفعه ذلك الإعتقاد، فتراه يعظم للدينين كما فعله كثير من المسلمانية فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك والعلم عند الله جل وعلا، هذه القصة فى ترجمة عبد الله بن حذافة فى سير أعلام النبلاء يذكرها أيضاً الإمام ابن حجر فى الإصابة، يقول: ومن مناقب عبد الله بن حذافة ثم ذكر هذه القصة وأنه تسبب فى إطلاق ثلاثمائة من أسرى المسلمين من ملك الروم.

стр. 6002

وعبد الله بن حذافة: هو الصحابى الجليل ﵁ وأرضاه وكان فيه شىء من الدعابة والمزاح، وهو قائد الغزوة المشهورة التى طلب من المسلمين أن يقدوا ناراً وأن يضرموها وان يلقوا أنفسهم فيها، عبد الله بن حذافة، وهذا من باب كما قلت من باب المداعبة والمزاح ليختبر طاعتهم وليمزح معهم، وهل سيلقون أنفسهم فيها أم لا.

стр. 6003

والحديث رواه الإمام أحمد فى المسند وابن ماجة فى السنن ورواه ابن خزيمة فى صحيحه وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى مستدركه، وإسناده صحيح، فيه أن النبى ﵊ من رواية أبى سعيد الخدرى بعث رسول الله ﷺ علقمة بن مجزز أميراً على بعث، يقول أبو سعيد: أنا فيهم، فأذن عبد الله بن مجزز، علقمة بن المجزز أذن لطائفة من الجيش من هؤلاء البعث أن ينصرفوا وأن يذهبوا إلى مكان ما وأمر عليهم عبد الله بن حذافة، فلما تأمر عليهم هذا من قبل علقمة بن مجزز الذى أمره رسول الله ﵊، قال: أوليس لى عليكم حق السمع والطاعة، قالوا: بلا، قال: اجمعوا حطباً وأقدوا نارا ثم قال: أوقدوا أنفسكم فيها، فلما هم بعضهم أن يلقى نفسه فيها وبدأ يحتجز أى يربط صدره وثيابه من أجل أن يلقى نفسه فيها، قال: أردت أن أختبر حالكم وهل تطيعونى أم لا؟ وتكررت مثل هذه القصة كما فى الصحيحين عن على ﵁ مع بعض الأنصار عندما أمره النبى ﷺ على سرية، فذاك غضب منهم ويعنى كأنهم أزعجوه ويعنى خالفوه فى بعض الشىء فى الطريق فقال: اجمعوا حطباً إننى أميركم ثم أوقدوا نارا ألقوا أنفسكم فيها فاؤلئك جابلوه، وقالوا: أمنا برسول الله ﵊ فرراراً من النار وفريق هم أن يلقى نفسه فيها، فقال النبى ﵊: من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه إنما الطاعة فى المعروف، وقال كما فى الصحيحين فى حديث على ﵁ والذى نفسى بيده عليه صلوات الله وسلامه، لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة فى المعروف، وقوله: ما خرجوا منها أى إذا استحلوا الدخول من غير تأويل فهذا استحلال لمعصية فهو كفر، أو أنهم ما خرجوا منها أى سيموتون ويحترقون وواقع الأمر كذلك، أوما خرجوا منها أى أن دخولهم فيها سيوصلهم إلى نار جهنم بعد ذلك وأمرهم إلى الله جل وعلا، فإن شاء عفى عنهم وإن شاء عذبهم سبحانه وتعالى

стр. 6004

هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، عبد بن حذافة هذا شأنه، فلما فعل مع ملك الروم ما فعل، يقول الذهبى عليه رحمة الله لعل ملك الروم أسلم سرا، يقول: وهكذا هرقل فإذاكان فى قلبه إيمانا حقيقى وما استطاع أن يظهره من أجل خوف قومه لعله ينفعه ذلك عند ربه والعلم عند الله جل وعلا..... اقول هذا احتمال يقوله الذهبى، لكن ما ثبت عن نبينا ﵊ من أن هرقل كذب وأنه عدو الله ولا زال على نصرانيته، هذا يقطع كل احتمال والعلم عند الله جل وعلا. إخوتى الكرام: فى الحديث الذى ذكرته فى أخر فى الموعظة الماضية، حديث ابن عباس ﵁ حول أسئلة هرقل لأبى سفيان، تقدم معنا أن هرقل كان حزاء ينظر فى النجوم، وهذا قلنا فيه شىء من التكهن ودعوى وزعم علم الغيب، فكيف يرد الإمام البخارى هذا فى صحيحيه ويسكت عليه؟ والجواب أن البخرى عليه رحمة الله أراد أن يورد فى كتاب الوحى ما يدل على نبوة النبى ﵊ وأن الأدلة والإشارات تتابعت وتواترت على صدق نبينا ﵊ من كل طريق بكل لسان بلسان العربى ولسان الأعجمى بلسان الإنسى بلسان الجن من جميع الطرق ورد ما يدل على أن نبينا ﵊ رسول الله حقاً وصدقا، وهذا أبدع ما يشير إليه عالم وأقوى ما يحتج به محتج، ليس نحن نثبت الكِهانة والكَهانة لا لكن طريق الكهانة أشار غلى أن النبى ﵊ هذا حق وصدق وبعثته فى هذا الوقت هو الذى يدل عليه كهانتهم، والجن صرحت بذلك والإنس صرحت بذلك والعرب صرحت بذلك والعجم صرحت بذلك فهذه الطرق على اختلاف أساليبها واعتباراتها متفقة على صدق نبينا ﵊ فى أنه رسول الله حقا وصدقا، يقصد الإمام البخارى عليه رحمة الله من إراده هذه الجملة عن هرقل، يقصد هذه الدلالة وأن جميع الطرق والإشارات والدلالات دلت على أن نبينا رسول الله ﷺ حقاً وصدقاً.

стр. 6005

إخوتى الكرام: هذه الأمور كما قلت مجملة تدل على صدق النبى ﵊ فى نبوته ورسالته وأنه رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وكنت ذكرت فى الموعظة الماضية حديث الحارث بن مالك الأشعرى، وقلت: روى من طريقه ومن طريق أنس بن مالك فى معجم الطبرانى الكبير ومسند البزار والحديث رواه البيهقى فى شعب الإيمان كما تقدم معنا وعبد الرزاق فى مصنفه وفى التفسير، وفيه الإشارة إلى أن كل شىء له علامة ودلالة، عندما قال نبينا ﵊ لحارثة كيف أصبحت، قال: أصبحت مؤمناً حقا، إلى أخر الحديث الذى ذكرته، قال: انظر ما تقول إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك، قال: أصبحت وقد عزفت نفسى عن الدنيا فأظمئت نهارى وأسهرت ليلى، وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزاً كما ذكرت هذا فى الموعظة الماضية، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يعذبون، بعض الأخوة الكرام كأنه أشكل عليه الأمر، فيقول: قرأ فى كتاب الفتن والملاحم للإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل فكأنه يقول: أشار الإمام ابن كثير إلى أن الحديث فى صحيح البخارى، وقلت لكم الحديث فى تلك الكتب واسناده ضعيف لكن معناه يدل على أنه لا بد لكل شىء من علامة تدل تلك العلامة على صدق ذلك الشىء أو على بطلانه، وكأن الأخ اشتبه عليه الأمر، يقول الإمام ابن كثير فى كتابه الفتن والملاحم وهو النهاية الملحق بأخر البداية، يقول: ذكر تزاور أهل الجنة بعضهم بعضا، وتذاكرهم أمور كانت منهم فى دار الدنيا من طاعات وزلات، يقول بعد ذلك: ولهذا مزائر كثيرة قد ذكرنها فى التفسير، وذكرنا فى أول شرح البخارى فى كتاب الإيمان حديث حارثة حين قال له رسول الله ﷺ كيف أصبحت يا، قال: أصبحت مؤمنا حقا إلى أخر الحديث، يا إخوتى لا يدل هذا على أن الحديث فى صحيح البخارى، الإمام ابن كثير شرح قطعة من صحيح البخارى ولم يكمله، وهكذا الإمام

стр. 6006

النووى شرح قطعة من صحيح البخارى ولم يكمله، فعند باب حقيقة الإيمان فى صحيح البخارى عند هذا الباب أورد بعض شراح البخارى هذا الحديث، حقيقة الإيمان، قول حارثة أن الإيمان إذا وجد فى القلب ينبغى أن يكون لذلك علامات تدل عليه، يقول: ذكرنا فى أول شرح البخارى فى كتاب الإيمان حديث حارثة، من الذى ذكر؟ ابن كثير استشهد به فى الشرح على أن الإيمان إذا وجد فى قلب الإنسان ينبغى أن تكون عليه علامات فينبغى أن يصدقه العمل أن تعزف نفسه عن الدنيا أن يظمأ نهاره وأن يسهر ليله فيصوم ويقوم، ثم بعد ذلك كأنه يرى عرش الرب بارزا ويرى أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، هذه حقيقة الإيمان فى باب حقيقة الإيمان من كتاب الإيمان ذكر بعض شراح الحديث هذا الحديث لتقرير هذه القضية وهى أن الإيمان وقر فى القلب يظهر عليه أثراً على نفس الإنسان وسلوكه، ذكرنا فى أول شرح البخارى فى كتاب الإيمان حديث حارثة، فليس الحديث فى صحيح البخارى، لا رواه البخارى وليس هو فى الصحيح بل إن اسناده الحديث ليس بصحيح كما قلت: إسناده ضعيف كما ذكرت سابقا، نعم معناه صحيح صحيح ويدل على ما قررته وهو أن كل شىء لابد له من علامة تدل عليه إما أنه حق وإما أنه باطل.

стр. 6007

إخوتى الكرام: بعد بيان هذه الأمور المجملة فى بيان صدق أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه وأن العقل الصريح والفطرة السوية يمكن أن تتأمل العلامات التى فى الرسول وفى النبى وبعد ذلك تطلق الحكم وتصدر الحكم على هذا النبى أنه رسول الله حقاً وصدقاً، وهذا الذى فعله هرقل وفعله غيره وفعله النجاشى أيضاً عندما استدل بما بلغه عن النبى ﵊ على أنه رسول الله حقاً وصدقا وآمن بنبينا ﵊ ووحد الله ولما مات صلى عليه نبينا ﵊ والحديث ثابت فى الصحيحين...... إذاً هناك علامات تدل على صدق النبى ﵊ قلت: هذه العلامات إخوتى الكرام كثيرة يمكن أن نجملها فى أربعة علامات. أولها: علامات فى نفس النبى ﵊ فى خلقه وفى خُلُقه، علامات فى دعوته، علامات فى أصحابه، علامات تكون فى المعجزات والخوارق التى يؤيده الله بها بهاناً ودليلاً على صدقه وأنه رسول من عند ربه على نبينا صلوات الله وسلامه، هذه علامات تدل على صدق النبى ﵊،

стр. 6008

سنأخذ كما قلت أولا واحدة من هذه العلامات فى كل موعظة إن يسر الله وأعان لعلنا نتكلم على بعضها فى موعظة واحدة وعلى بعضها كما قلت فى أكثر من موعظة، نأخذ العلامة الأولى، علامات تكون فى نفس الرسول ﵊ فى خلقه وفى خُلُقِه، فى صورته الظاهرة وفى صورته الباطنة التى يدل عليها علامات فى ظاهره فالخلق هو الصورة الظاهرة، والخُلُق هيئة باطنة فى نفس الإنسان تصدر عنها الأفعال بسهولة وروية، فإن كانت تلك الأفعال حسنة فى الشرع ممدوحة فى العقل يقال لتلك الهيئة خُلُق حسن وإن كانت تلك الأفعال مذمومة فى الشرع قبيحة فى العقل يقال لتلك الهيئة التى تصدر عنها الأفعال إنها خُلُق سىء قبيح دنىء، إذاً من تأمل خَلْقَ النبى وخُلُقَه على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، لن يرتاب فى ان هذا النبى هو رسول الله حقاً وصدقا وفخَلْقه وخُلُقه، العلامة الأولى حاله فى نفسه يدل على أنه صادق أو كاذب نبى أو متنبىء، لابد من هذا، وهذا ما سأوضحه فى هذه الموعظة إن شاء الله.

стр. 6009

إخوتى الكرام: جعل الله نبينا ﵊ فى أكمل صورة فى خَلْقِه وفى خُلُقِه، فهو صاحب الكمال ﵊ فى الأمرين صورة كاملة فى الظاهر صورة نقية كاملة فى الباطن ﵊، فهو موهوب من قبل علام الغيوب وهب الكمالين فى خلقه وفى خُلُقِه وهو محبوب من قبل الله ومن قبل عباد الله على نبينا صلوات الله وسلامه، موهوب محبوب عليه صلوات الله وسلامه، جمع الله له كمال الخَلْقِ وتمام الخُلُق على نبينا صلوات الله وسلامه، هذان الأمران خَلْقه وخُلُقه من تأملهما يعلم أنه رسول الله ﵊ حقا وصدقا، كيف هذا؟ ما فى خَلْق نبينا ﵊ من كمال وجمال وبهاء وجلال وما فى خُلُقِه ﵊ من كمال وحسن وتمام يدلان على أنه رسول الله ﷺ حقا وصدقا، كيف هذا؟ من كان فيه تلك الصفات الكاملة بانواعها فى خَلْقه وخُلُقه يستحيل أن يكذب، وأى كذب؟ كذب على الله كما استدل بذلك هرقل، فقال: لم يكن ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله، ولو تنزلنا وقلنا صاحب هذا الخُلُق العالى والخَلْق الجميل الجليل يمكن أن يكذب لو تنزلنا لما أقره الله بالكذب عليه طرفة عين، فلو قدرنا أن النبى ﵊ فيه جميع الصفات الحسنة فى خَلْقه وخُلُقه لكنه فى هذه الصفة ليس بصادق، لو قدرنا، فادعى أنه رسول الله ﵊ وما أوحى الله إليه بالرسالة، لو قدرنا قلنا ما فيه من صفات حسنة يمنع هذا التقدير لكن لو تنزلنا وقدرنا، لو ادعى هذا الأمر وهو ليس بصادق فيه لما أمهله الله طرفة عين، ولذلك قال أئمتنا فى كتب التوحيد جحد النبوة والطعن فى نبوة نبينا ونبوة الأنبياء عليهم جميعا صلوات الله وسلامه طعن فى كمال الرب بل نفى لوجوده وربوبيته ، ووجه ذلك، أن الله جل وعلا حكيم عليم عظيم على كل شىء قدير، كيف يمكن دجالاً فى هذه الحياة يدعى أنه رسول رب

стр. 6010

الأرض والسماوات والله ينصره ويظهره ويمكن له ويجيب دعائه ويخلد ذكره، لو فعل الله هذا بكذاب لما كان حكيما، هذا لا يفعله الحكيم ، ففى هذا طعن فى ربوبية الرب بل جحد لربوبيته، فهذا الإله العظيم المهيمن على شئون خلقه كيف يمكن هذا الكذاب من الإفتراء عليه ثم لا يعاجله بالعقوبة؟

стр. 6011

نعم قد يقوم هناك ظالم فينصر فى هذه الحياة، لكن لا يكون هناك دعوى النبوة، هو معروف أمام الناس أنه ظالم ولو قدر أنه ادعى النبوة سيفضح عاجلاً غير آجل وسيخذله الله جل وعلا ويجعله عبرة للعالمين وهذا الذى حصل أما متنبىء يخلد الله ذكره ويرفع قدره وينصره ويجيب دعائه ويجعله فى أكمل خلق وأتم خُلُق هذا يستيحل أن يوجد فى حكمة ربنا الجليل ، ولذلك يقول الله جل وعلا ﴿فلا أقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين. ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين﴾ ، وهونياط القلب عرق يعلق به القلب إذا قطع هذا مات الإنسان ﴿ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين. وإنه لتذكرة للمتقين. وإنا لنعلم أن منكم مكذبين. وإنه لحسرة على الكافرين. وإنه لحق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم﴾ ، إذاً إذا تقول على الله بعض الأقاويل لعاجله الله بالعقوبة ولا ما أمهله طرفة عين، والله جل وعلا يقول فى سورة الطور ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون. قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾ ، لو كان هذا شاعرا مفترياً أفاكاً ينسب النبوة لنفسه وليس بصادق ما تفعلونه من الإنتظار به وقطع دابره واستئصاله سيحصل له، لكن إذا كان صادقا ستستئصلون أنتم ويرفع ذكره ويعلوا قدره، ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾ ، حوادث الدهر ليموت ونستريح منه، ﴿قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾ ، فالظالمون لن يفلحوا والمفترون لن يفوزوا، فإذا كنت ظالما حقيقة سيبتر ذكرى ويمح أثرى، إذا كنتُ صادقا سترون لمن يكون الظهور والعلو ورفعة القدر، ﴿قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾ ، ما النتيجة؟ ﴿ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك.

стр. 6012

ورفعنا لك ذكرك﴾ ، هل يرفع الله ذكر الدعى الكذاب المفترى؟ لو حصل هذا لكان طعناً فى حكمة الرب وجحداً لربوبيته قبل أن يكون طعناً فى رسالة نبينا ﵊، ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ ، لا يذكر الله إلا ويذكر معه رسول الله ﷺ . ثبت فى صحيح ابن حبان والحديث رواه أبو يعلى فى مسنده والبغوى فى معالم التنزيل ورواه ابن المنذر فى تفسيره وابن أبى حاتم وابن مردوية فى التفسير أيضا وأبو نعيم فى دلائل النبوة وإسناد الحديث حسن من رواية أبى سعيد الخدرى ﵁ أن النبى ﵊ قال لجبريل عندما نزلت عليه هذه الآية ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ ، قال: ما هذا يا جبريل، ما المراد برفع الذكر وعلو القدر، ما هو؟ فقال: يقول الله لاأذكر إلا ذكرت معى، لايدخل الإنسان فى الإسلام ولا يقبل منه إيمان إلا بركنين ينطق بهما لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊، دين الله من أوله وأخره يقوم على هاتين الدعامتين لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊، إياك أريد بما تريد حسبما شرعن على لسان نبيك ﵊ فلا نعبد غيرك ولا نتبع إلا نبيك ﵊ لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا أذكر إلا ذكرت معى، إذاًرفع الله ذكر النبى ﵊، فما يمكن إذاً أن يحصل من الله تأيد لكذاب دل هذا على صدق النبى ﵊ حقاً وصدقا، لا أذكر إلا ذكرت معى، وهذا التفسير الثابت عن ربنا جل وعلا فى بيان معنى الآية، أنه لا يذكر الله وهذا قول الله إلا يذكر معه رسول الله ﵊، لا منافسة بينه وبين ما ورد عن سلفنا الكرام فى معنى الآية فقيل ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ بالنبوة، فأنت نبى حتماً هو نبى فرفع ذكره ومن أجل ذلك قرن الله اسمه باسمه نبيه ﵊.

стр. 6013

﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ عند الملائكة مترتب على المعنى الأول، ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ فى الآخرة وفى الدنيا، ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ عندما أخذنا العهد والميثاق على الأنبياء قبلك أنهم يجب عليهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت وهم أحياء وإذا ماتوا قبل بعثتك ينبغى أن يأخذوا العهد على أممهم إذا بعثت وهم أحياء يؤمنوابك كما قال الله جل وعلا ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ ، وإن مات قبل بعثته فينبغى أن يأخذ العهد على أمته إذا بعث محمد ﵊ وهم أحياء أن يؤمنوا به. قال الإمام ابن كثير: وما ورد عن بعض السلف من أن معنى الآية ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.....﴾ إلى أخرها من أنه يجب عليهم أن يصدق بعضهم بعضا، قال: هذا لا ينفى القول الأول، والثابت عن على وابن عباس هذا لا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، أى إذا صدق كل نبى بمن كان قبله وبمن كان بعده يلزم أنه هذا النبى الذى سيأتى بعده لو بعث وهو حى أن يصدق به وأن يتبعه وأن يكون من أعوانه وأنصاره، إذاً

стр. 6014

ا لآفات الردية في الشهوة الحسية (٢) (لقاء ديني) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان الآفات الردية في الشهوة الحسية (٢) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد إخوتى الكرام.. لازلنا فى دراسة فصل مستطرد ضمن مباحث النبوة وقد دخلنا فيه وعلقناه كما فى دخلنا فى مباحث سنن الترمذى فى بحث أيضا مستطرد ضمن مباحث الترمذى فيما يتعلق بالجن عند قول النبى ﵊ لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم لفإنه زاد إخوانكم من الجن عند هذا الحديث كنت أظن أننا سننهى الكلام على الجن بموعظتين أو بثلاث مواعظ فلعل الأمر سيأخذ منا أكثر من عشر مواعظ وهكذا فى مبحث النبوة دخلنا فى هذا المبحث كما قلت المستطرد وشاء الله له أن يطول وعلى كل حال نحن إن شاء الله نتدارس أحكاما شرعية على أى نوع كانت المباحث. إخوتى الكرام: الذى جرنا إلى هذا المبحث خلق نبينا ﵊ وقد تقدم معنا أن الأمور التى يعرف بها صدق النبى والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله جميعا صلوات وسلامه أربعة أمور.

стр. 6015

أولها: النظر إلى النبى ﵊ فى نفسه وخلقه وثانيها النظر إلى دعوة النبى ﵊ ورسالته التى بعث بها وثالث الأمور النظر فى المعجزات التى أيد الله بها رسله خير البريات على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه ورابعها تأمل حال أصحابه فهم صورة لشيخهم لنبيهم الذى رباهم على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وقد شرعنا فى مدارسة الأمر الأول منها النظر إلى النبى ﵊ فى نفسه فى خلقه وخلقه وقد انتهينا من مدارسة الشق الأول المتعلق بخلق النبى ﵊ ودخلنا بعد ذلك فى الشق الثانى من الأمر الأول من التى يعرف بها صدق النبى والرسول على نبينا وأنبياء الله ورسله جميعا صلاته وسلامه.

стр. 6016

الأمر الثانى: كما قلت الشق الثانى خلق النبى ﵊ وقلت إن خلق النبى ﵊ ينقسم إلى قسمين إلى خلق مع الخلق وإلى خلق مع الحق أما خلقه مع الخلق فتقدم معنا له سبعة أنواع وأقسام خلقه ﵊ مع أهله الكرام خلقه ﵊ مع أصحابه والمؤمنين به من أمته خلقه ﵊ مع الملائكة الكرام على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه خلقه ﵊ مع أعدائه من شياطين الإنس خامسها خلقه ﵊ مع أعدائه من شياطين الجن سادسها خلقه ﵊ مع الحيوانات العجماوات سابعها خلقه ﵊ مع الجمادات الصامتات وأول هذه الأمور السبعة خلقه ﵊ مع أهله الكرام على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه على آل بيته صلوات الله وسلامه بعد أن انتهينا من مدارسة خلق نبينا ﵊ مع أهله الكرام قلت ينبغى أن نتعرف على أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه وقلت هذا يدعونا قبل أن نتعرف عليهن ونتدارس ترجمة موجزة لهن قبل هذا ينبغى أن نتكلم على حكمة التعدد التى خص الله بها نيبه ﵊ زيادة على ما أباح لهذه الأمة وينبغى أن نتكلم على حكمة التعدد فى الأمة وينبغى أن تكلم على مقاصد النكاح بوجه عام وقلت هذه الأمور الثلاثة يندرج تحتها خمس وعشرون حكمة خمس حكم لمقاصد النكاح العامة وعشر حكم للتعدد فى حق الأمة وعشر حكم للتعدد فى حق نبينا ﵊.

стр. 6017

أما مقاصد النكاح العامة وكنا نتدارسها ومن مشروعيته أولهاكما تقدم معنا تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية حسية أو معنوية وثانيها إنجاب الذرية التى تعبد وتوحد رب البرية ... الأمور المالية والحكمة الرابعة تذكر لذة الآخرة وكنا نتدارس ما يتعلق بالحكمة الخامسة كما تقدم معنا مرارا ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل صاحبه من أهله وعشيرته هذه الحكم الخمسة كنا فى الحكمة الرابعة وهى تذكر لذة الآخرة قلت هذه الحكمة لا بد لها من تمهيد لنتكلم عليها هذا التمهيد بدأته إخوتى الكرام فى الموعطة الماضية أعظم الشهوات الحسية عند المخلوقات شهوة النكاح وقضية الجنس فهى إذن أعظم الشهوات عند المخلوقات ومع عظمها وتعلق النفوس بها قلت فيها آفات وآفات فإذا كانت هذه الشهوة فى هذه الحياة فيها تلك الآفات وتتعلق بها نفوس المخلوقات فمن باب أولى ينبغى أن تتعلق أن تتعلق همتنا بهذه الشهوة التى تكون فى جنة ربنا وليس فيها آفة من الآفات التى سأذكرها فى هذه الشهوة الجنسية فى الحياة الدنيوية وبضدها تتميز الأشياء وكنا إخوتى الكرام نتدارس الآفات التى تكون فى شهوة النكاح فى هذه الحياة غالب ظنى أننى ذكرت خمس آفات أكملها بخمس آفات أخرى توجد فى شهوة النكاح فى هذه الحياة لا يوجد شىء منها فى شهوة النكاح التى سيحصلها المؤمنون فى نعيم الجنات الآفة الأولى تقدم معنا الكلام عليها وتقريرها قلت صورة النكاح فى هذه الحياة ممتهنة ثانيها قلت لا تحصل هذه الشهوة ولا يمكن أن يحصلها الإنسان إلا بتعب وجهد ونصب ثالثها يترتب تعب عليه وعلى زوجه كل منهما يتعب ولذلك يجهد الإنسان زوجه ويجتهد ويجهد نفسه عندما يقوم بقضاء تلك الشهوة رابعها كما تقدم معنا لا تطيب إلا عند الحاجة إليها فإذا فقد الإنسان الا حتياج إليها لا يفكر بها ولا تخطر على باله ولذلك الصغير لا يشعر بها وهكذا الهرم وهكذا وهكذا وقلت هذا من منغصات الشهوة ومن مكدراتها ومن وجود النقص

стр. 6018

والآفات فيها أنك لا تشتهيها إلا إذا احتجت إليها إذن هى شهوة ليست كاملة والآفة الخامسة وهى آخر ما ذكرت من الآفات وسأتبعها بالآفات التى بعدها إن شاء الله. قلت إن حقيقة شهوة الجنس فى هذه الحياة كما هو الحال فى سائر المشتهيات الحقيقة دفع ألم بألم والتخلص من تعب بتعب هذه هى شهوات الدنيا والأمر كما قال القائل: أصبحت فى دار البليات ... أدفع آفات لآفاتج ولذلك لا يوجد فى هذه الحياة شهوة خالصة من جميع الوجوه وبكل الاعتبارات إلا الإيمان بالله إلا ذكر الله إلا محبة الله جل وعلا أما الشهوات الأخرى ففيها نغص ونكد قبل تناولها وعند تناولها وبعد تناولها وكنت بينت ما فى شهوة الطعام من نقص وامتهان فى مباحث سنن الترمذى وهنا شهوة الجنس أيضا كما قلت إننا نتخلص من ألم بألم وندفع تعبا بتعب فليس إذن هى لذة خالصة ولذات الدنيا كما قال أئمتنا هى كلذة الأجرب عندما يحك جلده فإذا حك الجلد خدش الجلد وسال الدم يتلذذ لكن بما يؤذيه الأجرب لا يصبر عن الحك يحك وترى الدم يسيل من جلده يتلذذ بحكه لنفسه ويؤذى نفسه ويخدش جلده ويخمش وجهه ويسيل الدم من جسمه وهو يتلذذ وهكذا الشهوات الدنيوية بأسرها بلا استثناء هى كلذة الحك عند الأجرب يلتذ بالحك لكن هل هذا لذة حقيقية لا يتلذذ بما يتأذى به وهذه شهوات الدنيا كلها وهذه هى دار النقص ودار البلاء ودار الآفات ولا عيش إلا عيش الآخرة ولو كان هناك شهوة واحدة كاملة لربما ركن الناس إليها وقالوا يوجد شهوة كاملة نتمتع بها من جميع الوجوه لا لا يوجد فى هذه الحياة شهوة كاملة خالصة لا يوجد إنما الشهوات الكاملة التى فيها نقص بوجه من الوجوه فى الدار التى من دخلها لا يمسه فيها نصب ولا يخرج منها نسأل الله أن يمن علينا برضوانه وبدار كرامته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 6019

الآفة السادسة إخوتى الكرام: من آفات شهوة الجنس شهوة التمتع بما أحل الله من النساء من الآفات فى هذه الحياة أن النفس لا تشبع منها ولا تقنع بما عندها مع أنه ما عندها يكفيها ويزيد على حاجتها يعنى عنده زوجة يريد ثانية تزوج ثانية يريد ثالثة تزوج ثالثة يريد رابعة طيب بعد يقول أريد النفس البشرية طبيعتها لو كان فى حوزتها جميع نساء الدنيا إلا واحدة فقط لقال أريد تلك الواحدة جميع نساء الدنيا بلا استثناء هن فى حوزته وفى عصمته وتحت رغبته إلا واحدة يقول أريد تلك ماذا عندها ما أعلم لعل حاجتى عندها يا عبد الله ما عند تلك عند هذه ما عند هذه عند هذه لكن هذه النفس البشرية إذن النفس البشرية لا تشبع من هذا مع أنه تكفيها منها شىء قليل يكفيه منها لكن هكذا النفس البشرية تتطلع كما قلت ولا غرو فى ذلك ولا عجب هذه الدار هى دار النقص وهى دار الذل وهى دار الحاجة وهى دار الفقر وهى دار الجشع ولذلك النفس تصاب بهذه الآفات نحو هذه الشهوة ونحو غيرها كما لو أنه لو ملك واديا من ذهب لأحب ثانيا طيب يا عبد الله الوادى يكفيك ويكفى ذريتك إلى عشرة قرون وادى من ذهب يريد ثانيا ولو كان عنده واد ثان لابتغى ثالثا ولو أعطيته ثلاثين لطلب الزيادة ولا يملأ جوفه إلا التراب ويتوب الله على من تاب وهنا كذلك شهوة كما قلت مع ما فيها من الآفات فيها هذه الآفة أن الإنسان لا يقنع منها ويتطلع ونفسه تزهد فيما يملكه وتتطلع إلى ما لا تملكه ولا يقنع يعنى من هذه الشهوة بما يكفيه إلا الكيس الفطن العاقل اللبيب وهم قليل قليل الذين حالهم كما قال الله ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ وأما أكثر الناس فحاله أن يتمتع من هنا وهناك ولا يقنع بما يحصل من واحدة إلى أربع وهذا كما قلت حال هذه الحياة. وليس العجب ممن هلك كيف هلك ... إنما العجب ممن نجا كيف نجا

стр. 6020

ومن حماقة الإنسان أن يتعلق بغير ما عنده مع أن ما عنده يسد مسد ما يتعلق به بل ربما كان ما عنده أفضل بكثير مما ليس عنده لكن دار النقص وهذه النفس كما قلت فيها النقص وفيها الفقر لذلك تتطلع إلى غير ما تملك من المشتهيات مع أن ما تملكه كما قلت يكفى النفس ويزيد عليها والسبب فى هذا قصور عقل الإنسان ونظره إلى الظاهر وعدم وصوله إلى حقيقة الأمر إلى الأمر الباطل والإمام ابن الجوزى عليه رحمة الله له نحو هذا الأمر توجيهات ونصائح سديدة ذكرها فى كتابه صيد الخاطر فمنها ما ذكره فى صفحة واحدة وستين ومائتين يقرر فيه شأن العاقل وشأن الحمقى فيقول تحت عنوان من عرف النساء رضى بزوجته يقول أكثر شهوات الحس النساء وقد يرى الإنسان امرأة فى ثيابها فيتخايل له أنها أحسن من زوجته أو يتصور بفكره المستحسنات وفكره لا ينظر إلا إلى الحسن من المرأة فقط فيسعى فى التزوج والتسرى فإذا حصل له مراده لم يزل ينظر فى عيوب الحاصل التى ما كان يتفكر فيها فيمل ويطلب شيئا آخر ولا يدرى أن حصول أغراضه فى الظاهر ربما اشتمل على محن منها أن تكون الثانية لا دين لها أو لا عقل لها أو لا محبة لها أو لا تدبير لها فيفوت أكثر مما حصل وهذا المعنى هو الذى أوقع الزناة فى الفواحش لأنهم يجالسون المرأة حال استتار عيوبها عنهم وظهور محاسنها فتلذهم تلك الساعة هذه الساعة يعنى تدخل على نفسهم اللذة عندما جالسها من حيث الظاهر دون أن يسبر غورها وأن يعرف حقيقتها ثم ينتقلون إلى أخرى فليعلم العاقل ألا سبيل إلى حصول مراد تام كما يريد ما دام فى هذه الحياة لا يمكن أن يحصل ما يريد, ما يريد هذا لا يكون إلا فى دار كرامة الله لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد.

стр. 6021

يقول الإمام ابن الجوزى وما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله عز جل ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾ وذو الأنفة يأنف من الوسخ صورة وعيب الخلق معنى فليقنع لما باطنه الدين وظاهره الستر والقناعة فإنه يعيش مرفه السر طيب القلب ومتى استكثر فإنما يستكثر من شغل قلبه ورقة دينه إذن هذا حقيقة من آفة هذه الشهوة أنه عندك ما يكفيك ويسد حاجتك وأنت مع ذلك تتطلع إلى شىء آخر ربما كان أنزل مما عندك وذكر نحو هذا فى صفحة ثمانين ومائتين تحت عنوان لذات الدنيا مشوبة بنغص ثم قال عليه رحمة الله إن النفس لا تقف على حد بل تروم من اللذات ما لا منتهى له وكلما حصل له غرض برد عندها وطلبت سواها هذا الغرض الذى كان عنده حرارة فى طلبه وحصله إذا حصل عنده برد طلبه وفتر يريد شيئا آخر فيفضى العمر فيفنى العمر ويضعف البدن ويقع النقص ويرق الجاه ولا يحصل المراد وليس فى الدنيا أشد بلاهة ممن يطلب النهاية فى لذات الدنيا وليس فى الدنيا على الحقيقة لذة إنما هى راحة من مؤلم يدفع بلية ببلية يتخلص من ألم بألم فالسعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية فمال إليها ومالت إليه وعلم سترها ودينها أن يعقد الخنصر على صحبتها وأكثر أسباب دوام محبتها ألا يطلق بصره فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه فى غيرها فإن الطمع فى الجديد ينغص الخلق خلقه وينغص الخلق أى القديم الذى عنده من زوجة قديمة وينقص المخالطة ويستر عيوب الخارج فتميل النفس إلى المشاهد الغريب ويتكدر العيش مع الحاضر القريب كما قال الشاعر: والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... فى أعين الناس موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر فى أعين العلم موقوف على الخطر

стр. 6022

طيب حصل الثانية ما النتيجة ثم تصير الثانية كالأولى وتطلب النفس الثانية ثالثة وليس لهذا آخر بل الغض عن المشتهيات ويأس النفوس من طلب المستحسنات يطيب العيش مع المعاشر مع من يعاشره وتعاشره ومن لم يقبل هذا النصح تعسر فى طريق الهوى وهلك على البارد وربما سعى لنفسه فى الهلاك العاجل أو فى العار الحاضر فإن كثيرا من المستحسنات لسن بصينات ولا يفى التمتع بهن بالعار الحاصل ومنهن المبذرات فى المال ومنهن المبغضة للزوج وهو يحبها كعابد صنم إلى آخر كلامه فى هذا الأمر إذن هذا من آفة هذه الشهوة أن النفس لا تقنع بما يكفيها وهى فقيرة تريد المزيد وفى ذلك إضرار عليها فى هذه الحياة وإضرار أيضا لها بعد الممات والإمام ابن الجوزى يقرر هذا أيضا فى كتابه ذم الهوى فى صفحة اثنتين وخمسين وستمائة وهكذا الإمام ابن القيم الجوزية فى كتابه روضة المحبين وهو كذم الهوى لكن الهوى إذا صرف فى الحلال فحقيقة مباح وروضة وإذا صرفته فى غير ذلك فيذم وتمنع منه فذاك نظر إلى جانب وهذا إلى جانب فذاك سمى كتابه ذم الهوى وهنا هوى مباح فسماه روضة المحبين يذكر الإمام ابن الجوزى وبعده الإمام ابن القيم عليهم جميعا رحمة الله فى هذا الكتاب فى ترجمة الخليفة المتوكل حقيقة أمرا عجيبا والمتوكل هو جعفر ابن المعتصم توفى سنة سبع وأربعين ومائتين للهجرة ومن الغريب أنه مات مقتولا قتله أعوانه بتآمر مع ولده المستنصر ثم بعد أن تآمر مع أعوان أبيه على قتل أبيه دبر هؤلاء مكيدة فقتلوا الابن فكان يقول لأمه وقد قتل بعد أبيه بخمسة أشهر ونصف خسرت الدنيا والآخرة تعجلت قتل أبى فقتلت المستنصر يتآمر على قتل أبيه الخليفة المتوكل انظر فى حال المتوكل يقول الإمام ابن الجوزى خرج مرة وهو واجم أى ساكت كأنه مشدوه فقال له وزيره ما لك عليك علامة الحيرة والدهشة ووضعك ليس بطبيعى قال فى الدار عشرون ومائة جارية ما فيهن واحدة تطلبها نفسى عنده من الجوارى مائة وعشرون من الغيب

стр. 6023

الحسان يقول نفسى ملتهن ما تتطلع إلى واحدة من هؤلاء تريد شيئا آخر شيئا غريبا هذا حقيقة من علامة النقص فى هذه الشهوة وكما قلت لو كان النساء كلهن فى عصمتك إلا واحدة لقلت أريد تلك الواحدة ماذا عندها مائة وعشرون ثم بعد ذلك يفكر فى إرواء شهوته يقول نفسى لا تميل إلى واحدة من هؤلاء هذا حقيقة من الآفة التى فى هذه الشهوة فى هذه الحياة والسبب فى ذلك إخوتى الكرام أن عين الهوى عوراء ولو كان الذى يهوى يبصر لقنع بواحدة وإذا أراد أن يتوسع فأحل الله له ثانية وثالثة ورابع وقف عند الحد وانتهى لكن عين الهوى عوراء يرى المستحسنات ولا يعلم ما فيهن بعد ذلك من آفات وبليات فيريد أن يعدد وأن يجدد وفى ذلك حتفه وهلاكه فى العاجل والآجل وكما قلت هذا من النقص الذى فى هذه الشهوة وجميع الشهوات فى هذه الحياة لا يخرجن عن هذا الوصف ألا وهو النقص يقول الإمام ابن الجوزى عليه رحمة الله فى ذم الهوى صفحة ثلاث وخمسين وستمائة فى علاج هذا الأمر فى علاج الهوى الذى يدعو صاحبه إلى أن ينظر بعين واحدة ويغمض الأخرى يقول له يقول ومما يداوى به إذا أردت أن تداوى هواك ومما يداوى به الباطل أنت تفكر أن محبوبك ليس كما فى نفسك فأنت تنظر إلى شىء والواقع بخلافه فاعمل فكرك فى عيوبه تسلو عنه إذا تفكرت فيما عنده من عيوب زهدت فيه إن الآدمى محشو بالأنجاس والأقذار وإنما يرى العاشق معشوقه فى حال الكمال ولا يصور له الهوى عيبا لأن الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال وسلطان الهوى حاكم جائر يغطى المعايب فيرى العاشق القبيح من معشوقه حسنا وبهذا السبب يعرض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية وقد تكون الزوجة أحسن من الأجنبية والسبب أن عيوب الأجنبية لم تبن له قود تكشفها المخالطة ولذلك إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة وكشفت له المخالطة ما كان مستورا مل وطلب أخرى إلى ما لا نهاية ثم نقل عن سيدنا عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه وأرضاه أنه قال إذا أعجبت

стр. 6024

أحدكم المرأة فيذكر مناتنها ما فيها من نتن من بول وغائط وحيض ونفاس ومخاط وبصاق أذكر هذه المناتن نفسك تزهد فيها. ومرة اغتصب بعض الفجار امرأة وأرادوا الاعتداء عليها فمن خوفها تغوطت فى ثيابها فتركوها وهربوا عنها شاردين من النتن وكريه الرائحة التى فاحت منها إذا أعجبت أحدكم المرأة عجبته المرأة فليذكر مناتنها ثم نقل عن امرأة عفيفة صينة صالحة أن بعض الغواة تعرض لها وراودها فقلت ويحك تعلم ما هنالك هنالك بالوعة وأنت تريد أن تبول فيها هى أنتن من الكنيف تعلم ما هنالك يعنى أسرتك هذه الشهوة أنت ما تعلم ما يوجد فى ذلك المكان استحى يا عبد الله من نفسك هذا أمر عن طريق الحلال يطلب مع ما فيه من نقص لما ترتب عليه من خيرات وفضائل أما بعد ذلك تعلق همتك بهذا الأمر وتجعله غاية وإن كان من الحرام أما تعلم ما هنالك هذه بالوعة أنتن من الكنيف أما يردعك هذا عن همتك الدنيئة إذا أعجبت أحدكم المرأة فليذكر مناتنها.

стр. 6025

حقيقة إخوتى الكرام: هذا علاج لمن ينظر بعين واحدة وكما قلت نساء الدنيا فيهن ما فيهن وفينا كذلك ولذلك هذا الكلام موجه للنساء أيضا فإذا أعجبها الرجل فلتذكر مناتنه يعنى لا تظن أن المرأة فيها نتن والرجل ليس كذلك الآدمى محشو بالأقذار والأنجاس وأوله كما قال أئمتنا نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو بينهما يحمل فى جوفه العذرة ابن آدم تأمل حالك وحال غيرك تغسل الخراءة فى اليوم بيدك مرتين فقف عند حدك وعلق قلبك بربك جل وعلا وإياك وهذه الشهوات الحسيات الزائلات فإن تيسرت عن طريق الحلال لما يترتب عليها من خير تناولتها بالصفة الشرعية وإلا فعندك فيها ما يزهدك فيها هذا عدا عما بعد ذلك عند الله من الوعد والوعيد والترغيب والترهيب هذا هى الشهوة بنفسها لو تأملتها لزهدت فيها ووالله لولا ما يترتب عليها من طيب الخصال لأعرض عنها عقلاء الرجال لولا أن هذه الشهوة هى الطريق لإنجاب الذرية هى أيضا تذكر باللذة العظيمة التى سينالها الموحدون بجوار الحى القيوم فى دار كرامته لأعرض العاقل عنها يقول هذه فيها ما يدعو إلى الإعراض عنها إذن هذا من آفاتها النفس لا تشبع منها وعندها ما يكفيها يعنى هى الواحدة تكفى وتكفى أمثاله معه وتراه يتطلع يا عبد الله اتق ربك وعلق همتك بما عند الله جل وعلا.
следующие страницы →