← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

اسمه: هو العلامة الحافظ أبي حمزة عبد الرحيم بن أحمد بن محمود طحان النعيمي ، وقيل يرجع نسبه إلى آل البيت الطيبين من نسب علي ابن الحسين ابن علي ابن أبي طالب ﵄، كما أخذت هذا النقل من أكثر من شخص منهم من هو من أهل حلب الشام، صفاته الخلقية والخلقية: ليس بالطويل ولا بالقصير أبيض اللون مشرب بالحمرة عريض المنكبين وكثيف اللحية مفتول الساعدين والكتفين، ترى في عينيه الإخبات والخشية نحسبه والله حسيبه ويشهد على ذلك من رأه، يلبس العمامة ذات الذوابة ومن صفاته الخلقية: أنه هين لين نحسبه والله حسيبه، شديد التواضع مع طلبة العلم حتى يشهد على هذا القول أحد من قابلة عندما قال كأني أنا الشيخ وهو التلميذ لشدة إنصاته واحترامه لطلبة العلم، وكذلك مما أعرفه عنه أنه كثير ما يلهج بذكر الله جل وعلا والصلاة على النبي ﵊ ، حتى أنك تظن أنه نحسبه والله حسيبه أنه قوي الصلة بالذكر، ومن صفاته أنه يشتد غضبه عندما يطعن أو يحرف في الدين أو يبهت أو ينقص عن قدر إمام من أئمة الدين لذلك تسمعه في أشرطة الردود يتوسع في بسط أدلة التي تثبت خطأ المخالف، رحلة تلقيه للعلم: فقد درس العلامة عبد الرحيم الطحان مرحلة الإبتدائي في المملكة العربية السعودية ومرحلة المتوسط في حلب الشام والجامعة في المدينة المنورة تحديداً في الجامعة الإسلامية وقد أخذ الأول على طلاب الجامعة وقد أكمل دراسات العليا الدكتوراه في الجامع الأزهر وأخذ فيها رسالة الدكتوراه وأظنه في تفسير القرآن وعلومه المرتبة الأول مع الشرف على الجامعة (أي الجامع الأزهر) في السبعينات، شيوخه: وقد تلقى العلم من علماء كثر نذكر منهم مما أعرفهم وأعتذر أنني لا أعرف أسماء كل من تلقى العلم عنهم: ١- العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (صاحب أضواء البيان) . ٢- العلامة محمد أبو الخير زين العابدين ﵀. ٣- العلامة عبد الرحمن زين العابدين ﵀. ٤- العلامة المختار الشنقيطي ﵀ والد العلامة محمد المختار الشنقيطي المدرس في الحرم المدني. ٥- عبد الله سراج الدين ﵀. ممن درس عليه في جامعة الإمام محمد ابن سعود: ١- الشيخ عوض القرني. ٢- الشيخ د. عائض بن عبد الله القرني. ٣- الشيخ د. سعيد بن مسفر القحطاني. وكذلك يقال ممن درس عليه الشيخ علي بن عبد الخالق القرني. مما لبس على الناس حول العلامة الطحان: ولا يخفى على طالب العلم الذي يسعى جاهدا إلى البحث عن الحقيقة أن العلامة الطحان حفظه الله ربي الرحمن قد ظلم وافتري عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، نذكر منها ما أشيع عنه أنه طرد من السعودية!!!! وهذا غير صحيح فمن يعلم عن العلامة الطحان أنه كان يدرس في منطقة أبها ثم نقل إلى فرع جامعة الإمام محمد ابن سعود بالدولة الإمارات ثم بعدها نقل إلى فرع الجامعة بإندونسيا ثم بعدها قدم العلامة الطحان استقالته واستقر بعدها في قطر، فأين قول من يجعجع بهذه التلفيقات!!!! وغيره الكثير مما كذب عليه وما نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل. الشيخ والسلفيّة الشيخ سنّي سلفي أثريّ، سليم العقيدة والمنهج. كيف لا وهو يرى الخروج عن الأئمة الأربعة حرام، وقد بسط في ذلك كلا مقنعا، مستشهدا بكلام من سبقه من أئمة الإسلام ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وما أثير حول عقيدته من اتّهامه بالصوفية كذب صراح، وتهمة باطلة، وليتّق الله من يقول هذا. لقد حذّر الشيخ في غير مرّة من الصوفية وأئمتها وبيّن عوارها وكشف منهجها. وهذه الحقيقة واضحة كوضوح الشمس، ولا يقول خلاف ذلك إلّا جاهل مقلّد، أو حاقد مفتري. الشيخ والوهابية نعم، ترد كلمة الوهابية على لسان الشيخ مرارا -ولا أتّفق معه في ذلك- ولكن يكذب من يقول بأنّ الشيخ لديه موقف معادي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهّاب، ولا أدلّ على ذلك من استشهاده بكلام الشيخ محمد في مواعظه، وعقيدة الشيخ ودعوته مطابقة لما عند شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب. الشيخ والشيخ الألباني ما أستطيع قوله هنا، أنّه قد ظلم وأجحف ولم ينصف من رمى باللوم والخطأ والذنب كلّه على الشيخ الطحّان وحده، ولست أريد اللمز أو التعريض بالشيخ الألباني، فالشيخان عيناي في رأسي، وما وقع بينهما قد وقع بين الصحابة قبلهما، وطبيعة البشر الاختلاف، وموقفي وموقفك أن نستزيد من علمهما ونغضّ الطرف عمّا جرى بينهما. بقي أن أقول: قد سمعت الشيخ مرّة يشكر جهد الشيخ الألباني تلميحا لا تصريحا. والله أعلم. الشيخ والشيخ ابن باز لم أسمعه مرة واحدة يذكره بذم، ومن خلال ما عرفته عنه، يستحيل لديّ أن يكون قد ذمّه بشيء. والله أعلم. نقطة مهمّة الشيخ لديه شدّة وقوّة وغلظة ليس مردّها إلى خلل في العقيدة، أو تطرّف في المنهج. كلّا والله، بل مردّها إلى طبعه وسجيّته، وهذا حال البشر، فعمر بن الخطّاب معروف بالقوة، وأبو بكر موصوف باللين. وكذلك الشيخ الطحّان، يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم. وهذا الموضع مزلّة اقدام حيث رمي الشيخ بما ليس فيه بلا تثبّت. وهذا الأمر -والله أعلم- هو سبب ما حصل له من التضييق والفصل والترحيل. أسأل الله أن يوفّقه للصواب، وأن يفرّج كربته. وقد سمعته مرّة يتكلّم عن تناقض استخرجه من فتاوى ابن تيمية، وكان في حديثه فظّ العبارة. ومن سمعه لأوّل مرّة ظنّ أنّه من أعداء شيخ الإسلام، ولو تروّى قليلا لوجد أنّه دائما يردد "الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البريّة" ودائما ما يستشهد بكلامه، وقد وصفه مرّة بأنّه صاحب العدل والإنصاف، وكذلك يستشهد الشيخ بكلام ابن القيم ويقول فيه القول الحسن. ومرّة سمعته يروي حديثا في سنده معاوية. فوقف عند معاوية قليلا، وقال كلاما ربما يظنّ الجاهل منه أنّه شيعيّ، ولو تحرّى لبان أنّ الشيخ يترضّى عنه ويقول فيه خيرا، وهو على منهج السلف في عدالة الصحابة أجمعين، وقد قرّر ذك وكرّره في غير موضع. الشيخ والحكّام الشيخ موافق لمنهج السلف في التعامل مع السلاطين، فحضور مجالسهم، وأخذ عطيّاتهم، والتردد على أبوابهم ليست من شيم العلماء عنده، وهو يربّي طلابه على هذا ونعم ما فعل. ومع ذلك فلم أسمعه يدعوا إلى الخروج أو التكفير، بل هو يندّد بأهل التكفير والتفجير ويبيّن عظيم مصاب الأمّة منهم. علم الشيخ ودينه لقد ملئ الشيخ علما من رأسه إلى أخمص قدميه، ولا أبالغ أنّه يقف في مصاف كبار علماء هذا العصر. فإن أردت الفقه فلا تسل، وإن أردت التفسير فهو بحره، وإن أردت الحديث فهو طبيبه. وسبحان الذي وهبه الحفظ! وسبحان الذي وهبه الفصاحة في المنطق! وقلّما تجده يلحن أو يتردّد بل هو بليغ اللسان طليقه. وقد أوتي لطافة وظرافة وحسن اختيار للكلام. والشيخ من أهل الدين والورع والزهد حسب ما ظهر لي ولا أزّكي على الله أحدا. فهو بكّاء ذو قلب خاشع، تلمس من حديثه الصدق والإيمان. ويعلم الله أنّه مدرسة في التقوى والتوكّل على الله، أسأل الله أن يزيده من فضله، وأن يلحقنا به.

стр. 2

محاضرات في التوحيد للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ آل عمران١٠٢، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ النساء١، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ الأحزاب ٧٠-٧١. أما بعد: فمن رحمة الله الكريم بعباده أن أرسل إليهم الرسل الكرام - عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام -، وأنزل عليهم الكتب ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وليجنبهم الزيغ والفجور. وقد ختم ربنا الرسل الكرام بخير خلقه نبينا محمد - عليهم جميعاً أتم صلاة وأكمل سلام - وأنزل عليه خاتمة الكتب وأحكمها، وأجمعها، وأبلغها ألا وهو القرآن العظيم المحفوظ في الصدور والسطور، وهو منبع الهدى والنور، لا يتطرق إليه زيادة ولا نقصان، فقد تكفل بحفظه الرحيم الرحمن.

стр. 3

وقد قام رسولنا ﷺ بمهمة البيان والبلاغ أحسن قيام، فدعا إلى الله على بصيرة، وبيّن للناس ما نزل إليهم من ربهم، ففتح الله القدير بنبينا البشير النذير ﷺ أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وهدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، وشرح به الصدور، وأنار به العقول، ولم يقبضه إلى جواره الكريم حتى أعز به الدين، وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك (١) .

стр. 4

ومن رحمة الرب الكريم، أن هيأ رجالاً صالحين، في كل زمانٍ وحين، وبثهم في جميع أقطار الأرضين، ليخلفوا النبي الأمين ﷺ في الدعوة إلى رب العالمين، فهم الذين يصعدون بكلمة الحق ويعلونها، ويتصدون للمحدثات فينكرونها وللشبهات فيزيلونها، ويستأصلونها، وهم الأكياس العُدُول، وليس للمهتدي (للمهتدي) المسترشد عن قولهم عدول، وفي الأثر: "يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين (١)

стр. 5

". نسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، ومن محبيهم، إنه كريم رحيم. هذا، وقد أسندت إليّ محاضرات التوحيد في قسم الدراسات الإسلامية في كلية البنات في أبها لطالبات السنتين الثانية والثالثة، وليس لموضوعات المنهجين كتب مصنفة في ذلك حسب تلك الموضوعات، فاستخرت الله الكريم في كتابة صفحات تشتمل على تلك الموضوعات، فشرح الجليل صدري لذلك، فاستعنت به -، وهو الذي لا يخيب من رجاه واستعان به -، وشرعت في تنفيذ ما استخرت، وفي نيتي طباعة ما يتيسر جمعه من تلك الموضوعات، كلما بلغ عشر صفحات لتكون بين أيدي الطالبات، قبل إلقاء المحاضرات. والله الكريم أسألُ تحقيق ذلك فهو على كل شيءٍ قدير. وهذا المسلك الذي سأقول به - إن شاء الله تعالى - أراني مضطراً إليه، رجاء النفع المترتب عليه ومن الطبيعي أن يحصل بسبب ذلك بعثرة في العبارات، وعدم صَقَل للكلمات. ولولا ما ذكرت من عذر الاضطرار، لما أقدمت على ذلك الفعل في ليلٍ أو نهار، وقد أسندت إليّ تلك المحاضرات بعد مضي أسبوعين من الدراسات: فلو كان عندي متسع من وقتي، لترويت في أمري، وعرضت ما أكتبه على غيري، طلباً للوصول إلى الكمال المستطاع، فقد حذر سلفنا الصالح من إخراج المصنفات قبل تحريرها وتهذيبها، وتكرار النظر في ترتيبها وتبويبها، فالمُصَنِف ينشر عقله وفكره بين الناس، ويستدل بتصنيفه على مقدار عقله، وشأن ذهنه، ودرجة ذوقه، ومن صنف فقد اسْتُهدِف، وهو في سلامةٍ من أفواه الناس ما لم يصنف.

стр. 6

وقد أولى سلفنا الأبرار تهذيب الكتب، وتحرير المصنفات عناية عظيمة، فالإمام الشافعي - عليه رحمة الله تعالى - يقول: إذا رأيتم الكتاب فيه إلحاقٌ وإصلاحٌ فاشهدوا له بالصحة (١) . وعقد الإمام ابن عبد البر - عليه رحمة الله تعالى - في كتابه جامع بيان العلم وفضله، باباً بهذا الخصوص فقال - باب معارضة الكتاب - ونقل فيه بسنده عن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: يا بني أكتبت؟ قلت: نعم، قال: عارضت؟ قلت: لا، قال: لم تكتب، ثم ساق ابن عبد البر بسنده إلى الأوزاعيّ ويحيى بن أبي كثير - عليهم جميعاً رحمة الله تعالى - أنهما قالا: مثل الذي يكتب ولا يعارض مثل الذي يدخل الخلاء ولا يستنجي (٢) . والذي دفع السلف الكرام إلى تلك العناية العظيمة بمعارضة المصنفات وتحريرها، هو تلافي القدر الأكبر من الأخطاء بحيث يعز بعد ذلك وجود مالا يحمد في الكتاب وتصل درجته إلى الندرة، إذ قلما يسلم كتاب من خطأٍ، والكريم من عدت سقطاته كما قال الأحنف بن قيس (٣) - عليه رحمة الله تعالى - وقال الإمامان المزني، ومَعْمَر - عليهما رحمة الله تعالى - لو عورض كتاب سبعين مرة - وقال معمر: مائة مرة لوجد فيه خطأ (٤) .

стр. 7

وإذا كان لابد من وجود قصور وتقصير في جهد البشر مع المعارضة، والتحرير، والتنقيح، والتهذيب، إذ كيف يعصم من الخطأ من كان وصفه "ظَلُوماً جَهُولاً". فكيف سيكون جهد العبد الضعيف كاتب هذه الصفحات، مع ضيق الأوقات، أسألُ الله العظيم رب الأرض والسموات، أن تكون تلك الأخطاء في الشكليات والترتيبات لا في المقاصد والغايات، ولا في تقرير الحقائق البينات. كما أسأله - جل وعلا - أن يجعل أعمالنا من الصالحات، خالصة لوجهه الكريم، وأستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمدٍ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم أجمعين. والحمد لله رب العالمين وكتب الفقير إلى رحمة الرحمن عبد الرحيم بن أحمد الطحان ٣/١/١٤٠٤هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ علم التوحيد: علم التوحيد مركب إضافي، جعل علماً على العلم المعهود، فينبغي تعريفه باعتبار كونه مركباً إضافياً، وباعتبار كونه علماً، للإحاطة بالمعنى من جميع الوجوه، وبجميع الاعتبارات. معنى التوحيد: التوحيد لغة: مصدر وَّحَدَ يُوَحِّدُ، وهو العلم بأن الشيء واحد، وفي الاصطلاح: إفراد الله - جل وعلا - بالعبادة، مع الجزم بانفراده في ذاته، وصفاته، وأفعاله، فلا نظير له ولا شبيه (١) . معنى العلم:

стр. 8

يطلق العلم في اللغة بإزاء معنيين: أ- الاعتقاد الجازم، قال الله ﷻ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ من سورة محمد ﷺ ١٩، ومما ينبغي التنبيه له أن الاعتقاد الجازم تارة يكون حقاً، وذلك بمطابقته للواقع عن دليل، كاعتقاد المسلمين بأن الله - جل وعلا - واحدٌ لا شريك له. وقد يكون الاعتقاد الجازم باطلا ً، وينحصر ذلك في عدم مطابقة الاعتقاد للواقع، كاعتقاد النصارى بأن الله ثالثُ ثلاثةٍ - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - (١) .

стр. 9

ب- ويأتي العلم بمعنى غلبة الظن، ومنه قول الله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الممتحنة الآية ١٠. فالمراد من قوله - جل وعلا -: "فإن علمتموهن" أي: غلب على ظنكم إيمانهن عن طريق الأمارات، وذلك بأن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا عشقها لرجل في غير بلدها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماساً لدنيا بل هاجرت حباً لله ﷻ ، ولرسوله ﷺ . وإنما كان العلم هنا بمعنى غلبة الظن؛ لأن الركن الأعظم لقبول الإيمان محله الجنان، وذلك مما لا يطلع عليه إنس ولا جان، إنما استأثر بعلمه الرحيم الرحمن، فلا يطلع على ما في القلوب إلا علام الغيوب (١) . معنى "العلم" في الاصطلاح: تنوعت عبارات العلماء في تحديد معنى العلم في الاصطلاح إلى أقوال كثيرة وأولاها عندي بالقبول أن يقال في تحديده: هو صفة ينكشف بها المطلوب (٢) . معنى "علم التوحيد" باعتباره علماً مركباً على العلم المعهود:

стр. 10

علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية ـ من أدلتها الثابتة اليقينية (١) . موضوع علم التوحيد: يبحث علم التوحيد في ثلاثة أشياء، عليها مداره، وهي: ١- ذات الله ﷻ من حيث ما يتصف به، وما يتنزه عنه، وما يجب له على عباده. ٢- ذوات الرسل الكرام - عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام - من حيث ما يلزمهم، وما يجوز في حقهم، وما يستحيل عليهم، وبيان حقوقهم على أممهم. ٣- السمعيات من حيث وجوب اعتقادها، والمراد بالسمعيات: الأخبار المتعلقة بيوم القيامة وما يكون فيه من إهانةٍ أو إكرامٍ، وما يسبقه من حوادث جسام، وما يرتبط بذلك من تفصيلات وأحكام (٢) . ثمرة علم التوحيد، وفائدته: أعظم ثمرات "علم التوحيد" وأبرز فوائده ثلاث، وهي: ١- معرفة الله ﵎ معرفة حقيقية. ٢- انشراح الصدر، وطمأنينة القلب عن طريق الوقوف على الأدلة القطعية. ٣- الفوز بالسعادة الأبدية (٣) . فضل "علم التوحيد" ومنزلته: علم التوحيد أشرف العلوم رتبة، وأرفعها منزلة، وأعلاها درجة. وبيان هذا: أن منزلة كل علم تتبين بالنظر في خمسة أمور، فإن تمت فيه، فمقام ذلك العلم ليس شيء يضاهيه، وتلك الجوانب هي: ١- موضوعه: وعلم التوحيد أشرف العلوم موضوعاً، لتعلقه برب العالمين، وبصفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين - عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - وبما يتعلق بيوم الدين، ومن المعلوم أن المتعلِق - بكسر اللام - يشرف بشرف المتعلَق - بفتحها. ٢- معلومه: وعلم التوحيد أشرف العلوم معلوماً، كيف لا، وهو مراد الله الشرعي الدال عليه وحيه، الجامع للعقائد الحقة.

стр. 11

٣- وثاقة (١) دليله: وعلم التوحيد أقوى العلوم دليلاً، حيث يدل عليه صرائح العقول والنقل الصحيح المتلقى بالقبول. ٤- غايته وفائدته: وعلم التوحيد أعلا العلوم غاية، وأعظمها فائدة، وهي باختصار حصول السعادة في جميع الأحوال والأطوار. ٥- شدة الاحتياج إليه: ولعلم التوحيد في ذلك نصيب لا يدانيه فيه علم من العلوم حيث طولب به جميع المكلفين، فحاجتهم إليه ضرورية ماسة، ولا يسقط عنهم في حين من الأحايين (٢) . وإنما اشتدت الحاجة إلى علم التوحيد، لعظم غايته، وعدم الاستغناء عن فائدته، فسعادة المرء في الدارين متوقفة عليه، فالجنة لا يدخلها إلا الموحدون الأبرار، ولن ينال المشرك رحمة العزيز الغفار، قال الله – ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ غافر١٠ وقال – جل وعلا - إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ المائدة٧٢. وفي الدنيا لن يستريح فكر الإنسان، ولن يهدأ باله إلا إذا أزيلت عنه العقدة الكبرى عن طريق تبصيره بمن أوجده، ولم أوجده، وإلى أي شيء سيصير وما صلته بهذا الكون الفسيح، وما الذي كان قبل هذا الكون، وماذا سيكون بعده؟. فإذا بصر بذلك عن طريق الأدلة اليقينية المقنعة انشرح صدره واستنار فكره، واطمأن قلبه، فيحيى حياة طيبة.

стр. 12

وإذا لم يهتد لإزالة العقدة الكبرى عن طريق الأدلة المقنعة إما لعدم بلوغه ذلك ووقوفه عليه، أو لعناده وجحوده، فالعجماوات خير منه قال الله – ﵎: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ الأنعام١٢٢، وقال – جل وعلا - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الأعراف١٧٩. ولقد بين لنا نبينا – ﷺ – حال المؤمن الموحد، وحال المشرك الجاحد في هذه الحياة الدنيا فقال: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خيرٌ وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (١) . وهذه الخيرية، وتلك السعادة هما جنة الله العاجلة قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه – يقول: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.

стр. 13

وهذه الجنة هي محبة الله تعالى، ومعرفته ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه وإفراده بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإراداته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرة عين المحبين، وحياة العارفين. ولو لم يكن للموحد جزاء إلا ما يحصله في عاجلة من اللذة والانشراح والراحة والطمأنينة والأنس والبهجة، لكفى به جزاءً، وكفى بفوته حسرة وعقوبة، فوالله، ثم والله ما طابت الدنيا إلا بمعرفته ومحبته وطاعته، وما طابت الجنة إلا برؤيته ومشاهدته، وأهل الدنيا هم المساكين خرجوا منها وماذا ذاقوا أطيب فيها (١) وهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، إن أثر ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه (٢) .

стр. 14

ولتلك الاعتبارات كان علم التوحيد أصل العلوم الدينية، وما سواه من علوم الشرع فرع ولله در الإمام أبي حنيفة – عليه رحمة الله تعالى – ما أفقهه، وأبعد نظره عند ما سمي ما جمعه في أصول الدين بـ "الفقه الأكبر" (١) وللإمام ابن القيم – نور الله مرقده – كلام محكم متين، في بيان منزلة علم التوحيد بين سائر علوم الدين، فقال ما نصه: إن كل آية في القرآن متضمنة للتوحيد شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن: ١- إما خبر عن الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري. ٢- وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي. ٣- وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته. ٤- وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. ٥- وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم (٢) . أقسام التوحيد

стр. 15

ينقسم التوحيد الذي نزلت به كتب الله – جل وعلا – ودعا إليه رسله الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – إلى قسمين: الأول: توحيد في القصد والطلب، والإرادة والعمل، وهو المعروف بـ "توحيد الألوهية"، "توحيد العبادة" ويقوم هذا القسم من التوحيد على ركنين، وأساسين متينين: أ) أن لا يعبد إلا الله – ﵎ –. ب) أن تكون عبادته بما شرع، لا بالأهواء والبدع. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله – ﷺ ، وبهما يحصل ترجمانها، فالشق الأول من الشهادة يدل على إفراد الله بالعبادة، فالإله معناه: المعبود، ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحقٍ سواه (١) . والشطر الثاني من الشهادة يدل على وجوب متابعة النبي – ﷺ – والالتزام بشرعه. وقد جمع الله العظيم هذين الأصلين في كثير من آي القرآن الحكيم، فقال – جل وعلا ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ الكهف ١١٠، وقال – جل وعلا – رداً على اليهود والنصارى حين زعم كل منهم أن الجنة خاصة بهم، ولن يدخلها غيرهم: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة١١٢وقال – ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ النساء١٢٥.

стр. 16

فالعمل الصالح هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات هي: ما أحبه الله – ﷻ ، ورسوله – ﷺ ، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ويدخل في هذا المباح إذا قصد به الطاعة، وخرج بذلك أمران: أالبدع المحدثة في دين الله – جل وعلا – فليست من المحسنات، ولا من العمل الصالح ولا يحبها الله، ولا رسوله – ﷺ – وهي مردودة على صاحبها، ووبال عليه كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله – ﷺ – أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ" وفي رواية لمسلم – ﵀ – "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"ٌ (١) . ب وخرج ما نهي الله عنه مما لا يجوز فعله، كالفواحش والظلم، فليس ذلك من الحسنات، ولا من الأعمال الصالحات.

стр. 17

وقد بين لنا النبي – ﷺ – الحلال من الحرام، وتركنا على المحجة الواضحة البيضاء، ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها إلا هالك (١)

стр. 18

ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير – رضي الله تعالى عنهما – قال سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما متشبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١) . هذا ما يتعلق بالركن الثاني: وهو: أن تكون – عبادة الله جل وعلا – بما شرع، لا بالأهواء والبدع، فالاعتصام بالسنة نجاة، قال الإمام مالك – رحمه الله تعالى -: السنة مثل سفينة نوح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك (٢) .

стр. 19

وأما الركن الأول فيدل عليه قوله – ﵎ ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ الكهف ١١٠، وقوله ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ والمراد: إفراد الله - جل وعلا – بالعبادة، وإخلاص الدين لله وحده، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسم – يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١) .

стр. 20

وهذه الأحاديث الثلاثة عليها تدور جميع الأحاديث، وهي أصول الإسلام كما روى ذلك الإمام أحمد – نضر الله وجهه ونور مرقده – (١) . ووجه ذلك أن حديث النعمان بن بشير – ﵄ – يدل أن النبي – ﷺ بين لنا جميع ما يتعلق بحياتنا فعلاً وتركاً، فيجب علينا الأخذ بالحلال، والبعد عن الحرام، وما اشتبه علينا أمره، نتوقف فيه حتى يتبين لنا حكمه (٢) . وذلك المسلك منا ينبغي أن يكون على الكيفية الواردة عن نبينا – ﷺ – دون زيادة أو نقصان، أو تغيير، وهذا هو مدلول حديث أمنا عائشة – ﵂ –. أما حديث عمر – ﵁ – فيدل على أنه لا بد من حسن الباطن كما حسن العمل في الظاهر، فذلك مسلك عباد الله المخلصين، أما الاختلاف بينهما، ومغايرتهما لبعضهما فشأن المنافقين – نسأل الله الكريم طهارة القلوب من جميع الآفات والعيوب.

стр. 21

هذا وقد أولى السلف الصالح ركني توحيد العبادة عناية عظيمة، فجعلوهما نُصْبَ أعينهم وسألوهما من ربهم فعمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – كان يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. والفضل بن عياض – عليه رحمة الله تعالى – يقول في تفسير قول الله تعالى شأنه -: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ الملك٢: أخلصه، وأصوبه، قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً، والخالص أن يكون لله – جل وعلا -، والصواب أن يكون على السنة (١) .

стр. 22

فلابد من هذين الركنين في العبادة ليكون المكلف على الصراط المستقيم، ومن عباد الله الصادقين الفائزين، فعلى هذا المنهج سار جميع الأنبياء والمرسلين – عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم – قال الله ﷻ : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ الأنعام ١٦١-١٦٣، وقال – : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء٢٥ وقد أخبرنا – ﷺ – عن هذه الحقيقة بقوله: "الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" (١) .

стр. 23

وهذا القسم من التوحيد – توحيد العبادة – هو الذي جرى بسببه النزاع والقتال بين الرسل الكرام – عليهم أفضل الصلاة، وأتم التسليم – وبين أقوامهم، ولن يزال ذلك مستمراً بين المؤمنين والكافرين إلى يوم الدين. كما قال الله – جل وعلا -: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الأنفال ٣٩-٣٩، والفتنة هي: الشرك كما ورد في تفسير الطبري عن ابن عباس وغيره – ﵃ أجمعين - (١)

стр. 24

وقال – جل وعلاج مخبراً عن عداوة المجرمين من كافرين ومنافقين للمؤمنين: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ البقرة٢١٧، وهذا في الكافرين وقال في بيان عداوة المنافقين للمؤمنين: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ النساء٨٩ (١) . وهذا لقسم من التوحيد – توحيد العبادة – يتضمن القسم الثاني، وهو: توحيد الإثبات والمعرفة بنوعيه: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، لأن من أفرد الله بالعبادة حسبما شرع فقد أقر بأن الله خالق كل شيء ومدبره، وله الأسماء الحسنى، والصفات العلى فما أفرد ربه بالعبادة إلا لاتصافه بذلك، فتوحيد الإثبات والمعرفة بنوعيه " توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات " داخل في توحيد العبادة فاعلم (٢) . ? موقف المكلف نحو هذا القسم من توحيد "توحيد الألوهية": ينحصر موقف المكلف نحو هذا القسم من التوحيد في أحد أمرين:

стр. 25

أ) إما أن يريده، ويعمل به، ويحبه، فيحصل له بذلك الاهتداء ويرضى عنه رب الأرض والسماء قال الله – : ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ والظلم هو الشرك بذلك فسره رسولنا – ﷺ – ففي الصحيحين عن ابن مسعود – ﵁ – قال: لما نزلت:" الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ " شق ذلك على أصحاب رسول الله – ﷺ – وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله – ﷺ : "ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم" (١) .

стр. 26

وفي الصحيحين أيضاً وغيرهما عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه – قال: بينما أنا رديف النبي – ﷺ – ليس بيني وبينه إلا آخر الرحل فقال: "يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله – ﷺ – وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله – ﷺ – وسعديك ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم " (١) .

стр. 27

وهذا الحق الذي أوجبه رب العالمين، على المكلفين، نفعه عائد إليهم في الدنيا ويوم الدين القلوب لا تسكن إلا لباريها، ولا تطمئن إلا بهاديها، كما قرر ربنا هذا في كتابه – وهو أعلم بمن خلق: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد٢٨، فالإيمان بالرحمن، محبته وعبادته وإجلاله وذكره والتوكل عليه، والإنابة إليه هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ودلت السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجَنَان لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان، وبخس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره تكليف ومشقة: أ) لمجرد الابتلاء والامتحان. ب) أو لمجرد التعويض بالثواب المنفصل، كالمعاوضة بالأثمان. جـ) أو لمجرد رباضة النفس وتهذيبها ليرتفع بذلك عن درجة البهيم من الحيوان. كما هي مقالات من بخس حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان، وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزُبالة الأذهان. إنما عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان، وأفضل لذة للروح والجنان، وأطيب نعيم ناله من كان أهلا ً لهذا الشأن، فما طابت الدنيا إلا بمعرفته ومحبته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته. وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمناً وتبعاً في بعضها، ولأسباب اقتضته لابد منها، بل هي من لوازم هذه النشأة (١) .

стр. 28

وأما الحق الذي أوجبه ربنا – جل ثناؤه – للعباد على نفسه فهو ثابت بحكم وعده الصدق، وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد محض تفضل منه وكرم وليس للمخلوق حق على خالقه. ما لِلعِبَادِ عليهِ حَقٌ واجِبُ ... كَلا ولا سعىٌ لديْه ضَائعُ إنْ عُذِبُوا فبعدْ لِه أوْ نُعمِوا ... فبفضله وهو الكريمُ الواسعُ (١) وقد ثبت عن نبينا – ﷺ – أنه قال: "لو عذب الله أهل سمواته، وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم" (٢) . ب) وإما أن يرد ذلك المكلفُ، ولا يمتثله، ويكرهه ويبغضه، فيكون بذلك من أهل الشقاء ويلازمه العذاب والبلاء، قال الله – ﷻ –: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ النحل٣٦.

стр. 29

.. والطاغوت: فعلوت من الطغيان، وهو: تجاوز الحد في العصيان، وقد حده الإمام بن القيم – نور الله مرقده – حداً جامعاً فقال: الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده: من معبودٍ، أو متبوع ٍ أو مطاع، فطاغوت كل قوم: ١- من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله – ﷺ –. ٢- أو يعبدونه من دون الله – جل وعلا –. ٣- أو يتبعونه على غير بصيرة من الله – ﵎ –. ٤- أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله – ﷻ –. فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها، وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله – ﷻ – إلى عبادة الطواغيت، وعن طاعة رسول الله – ﷺ – إلى طاعة الطاغوت ومتابعته (١) . ... روى ابن جرير في تفسيره، والترمذي في سننه وغيرهما عن عدي بن حاتم – ﵁ – قال: أتيت رسول الله – ﷺ – وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي! اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ﴾ لتوبة٣١ قال: قلت يا رسول الله! إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت بلى، قال: فتلك عبادتهم".

стр. 30

ولفظ الترمذي: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه" (١) .

стр. 31

القسم الثاني من أقسام التوحيد: توحيد في الإثبات والمعرفة – ويشتمل على نوعين: ? توحيد الربوبية، ومبناه على الإقرار بأن الله – جل وعلا – موجود، وخالف كل شيء، موجده ومدبره، وهذا النوع من التوحيد مما فطر الله الجليل قلوب العباد على معرفته، والإقرار به، وللاستدلال عليه طريقان، دل على كل منهما كلام الرحيم الرحمن، وهما: أ) الاستدلال بصنعة الله وأفعاله عليه، فالمخلوقات تدل على خالقها، والعوالم علامة على موجدها، وقد لفت ربنا الكريم أنظار العالمين إلى هذه الحقيقة في كثير من آي الذكر الحكيم، وإليك بعض حديثه عن خلق الإنسان، فذلك من أشد الأشياء لصوقاً بنا؛ لأنه قد مر علينا، ومن المعلوم: أن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره. قال ربنا – ﷻ : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الطور٣٥ ثبت في صحيح البخاري وغيره عن جبير بن مطعم – ﵁ – قال: سمعت النبي – ﷺ – يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الطور ٣٥، ٣٦ كاد قلبي يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي، وفي رواية المسند: فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن (١) .

стр. 32

.. والسبب الذي من أجله جرى لجبير ما جرى، أن وجود المخلوقات من غير خالق مستحيل، فإذا أنكروه وجحدوه، فهل خلقوا أنفسهم؟ إن ذلك أشد استحالة وأعظم بطلاناً، إذ كيف يتصور أن يخلق من لا وجود له؟ وكيف يتأتى من المعدوم التكوين والإيجاد؟ وإذا بطل الأمران، قامت عليهم الحجة بأن خالقهم الملك الرحمن، رب ما سيكون وما قد كان، لا إله إلا هو، ذو الجلال والإكرام. ... وحاصل معنى الآية الكريمة، أوجدوا من غير مبدع خلقهم؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ والجواب الذي لا جواب غيره: لا هذا ولا ذاك، فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكون كونهم ويعلمون – أيضاً – أنهم لم يكونوا أنفسهم، وعلمهم بذلك فطري لا يختلف فيه اثنان، وإذا انتفى الأمران تعين أن خالقهم هو الرحيم الرحمن، كما قال ربنا ﷻ –: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ الواقعة ٥٨-٥٩ وقال – جل شأنه –: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١) . ... فآية الطور أشارت إلى دليل عظيم، تكرر ورده في كلام رب العالمين، وهو دليل السبر والتقسيم حسب المقرر عند الأصوليين، والمعروف بالتقسيم والترديد عند الجدليين. وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين: أحصر أوصاف المحل، ويعبر عنه "بالتقسيم" عند الجدليين والأصوليين.

стр. 33

ب اختبار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها، وإبقاء ما هو صحيح، ويعبر عن هذا "بالسَّبْر"عند الأصوليين، "وبالترديد" عند الجدليين. قال شيخنا الكريم محمد الأمين الشنقيطي – نور الله مرقده وفي غرف الجنان أرقده –: ومن أمثلة السَّبْر والتقسيم، في القرآن العظيم، قول رب العالمين: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فكأنه – تعالى – يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح: الأول: أن يكونوا خلقوا من غير شيء: أي بدون خالق أصلاً. الثانية: أن يكونوا خلقوا أنفسهم. الثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأوليين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه (١) . والثالث الحق الذي لا شك فيه، وهو – جل وعلا – خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه جل وعلا – (٢) .

стр. 34

وقد أمرنا ربنا – تعالى شأنه – بالنظر إلى بداية الإنسان والتأمل في أصل تكوينه، فقال – ﷻ –: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (١) . إنها آية عظيمة، جليلة فخيمة، حيث أن تلك النطفة المختلطة من ماء الرجل والمرأة (٢) عندما تستقر في رحم الأنثى، ويأذن ربنا اللطيف الخبير بتكوينها، وخلق بشر منها، تتعلق بالرحم، وتكون لاصقة به، وكلما مضى عليها زمن ازداد لصوقها، وقوي تماسكها، فتحول بعد أربعين إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام تكسى بلحم، ولا يزال الجنين في ازدياد في الحجم، وشدة تعلق بالرحم، حتى يصل إلى غاية يمكنه الاستغناء فيها عن رحم أمه لو خرج منه فيقل تماسكه بالرحم، ويصاحب ذلك كبر حجمه، وثقل وزنه، ونشاط جسمه، ليسهل عليه الخروج، عندما يأذن له بذلك الملك المعبود.

стр. 35

فحال الأجنة في بطون أمهاتها، كحال الثمار على أشجارها، عندما تبلغ غايتها، ويتم نضجها، لا يبقى إلا انفصالها، لثقلها، وكمالها، وضعف العروق الممسكة بها، وهكذا الجنين تنتهك عنه تلك الأغشية وتنفصل العروق التي تمسكه بين المشيمة والرحم، وتنصب تلك الرطوبات المزلقة، فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العروق على الخروج، فينفتح الرحم انفتاحاً عظيماً جداً، ولابد مع ذلك من انفصال بعض المفاصل العظيمة، ثم تلتئم في أسرع زمان وقد اعترف بذلك حذاق الأطباء والمشرحين، فقالوا: لا يتم ذلك إلا بعناية إلهية، وتدبير تعجز عقول الناس عن إدراك كيفيته، فسبحان الله رب العالمين، وتبارك الله أحسن الخالقين (١) . إي وربي لا يتم خروج المولود إلا بعناية إلهية، ورعاية ربانية، وأكثر الخلق في غفلة عن هذه القضية، كما قال رب البرية – جل وعلا –: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ عبس ١٧-٢٠.

стр. 36

تأمل ذلك يا عبد الله حق التأمل، واعلم أن جميع الخلائق لو اجتمعوا على إعادة المولود إلى المكان الذي خرج منه لعجزوا، كما أنهم لو اجتمعوا على تكوينك ورعايتك في بطن أمك وقد أحاطت بك الظلمات لعجزوا وفشلوا وخسروا، فلا متصرف في ذلك، ولا متعهد لما هنالك إلا الرب المالك، قال الله – جل شأنه –: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ النجم٣٢، قال – ﷻ –: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (١) . وفي تلك الظلمات ركب رب الأرض والسموات العظام ببعضها، وكساها لحماً، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان، وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظافر إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات. لا إله إلا الله، وسبحان الله كيف كانت تلك النطفة وإلام صارت، يقول ربي – جل ثناؤه –: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون ١٢-١٤.

стр. 37

إن تلك الصورة المهينة التي كانت في غاية الحقارة بُدِلت إلى صورة فخيمة كريمة في منتهى الجلالة، كما قال الله – ﵎ –: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١) . حقاً إن صورة الإنسان أجمل صور المخلوقات وأبهاها، وأظرفها وأحلاها، وفي تلك الصور من الآيات العظام ما يسوق المؤمن لعبادة الله ذي الجلال والإكرام، كما أشار إلى ذلك الكلام الرحمن: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات٢١.

стр. 38

ثم تَفَّكرْ – يا عبد الله – في رعاية الله لك، وعنايته بك بعد خروجك من الدنيا، حيث والى ربنا عليك إنعامه وبره، وواصل إحسانه ولطفه، فساق لك غذاءً خالصاً سائغاً، موافقاً لتغذيتك وصحتك، وفي تكوين تلك الغذاء من الأعاجيب العجيبة، والأسرار البديعة، والحكم العالية الجليلة، التي تضطر صرائح العقول وتلجئها إلى الإقرار بأن فاعل ذلك هو الله الحكيم الرحيم الغفور، وبيان ذلك كما قرر الإمام الرازي – عليه رحمة الله – في تفسيره، وإليك كلامه مع طوله، ففيه ما يقوي الإيمان، ويربط القلوب بالرحيم الرحمن. الأول: خلق الله – – في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثُفْلُ الغذاء فإذا تناول الإنسان غذاءً، أو شَرْبة ً رقيقة ً انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة، وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هنالك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ، وينزل منه ذلك الثُّفْل. ... وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى بحسب الحاجة وتقدير المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. الثانية: أود الله – ﷻ – في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول، أو المشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثُّفْل، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة، ولو كان بالعكس لاختلفت مصلحة البدن، ولفسد نظام هذا التركيب.

стр. 39

الثالث: أودع الله – – في الكبد قوة ً هاضمة ً طابخة ً، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دماً، ثم إنه – تعالى – أودع المرارة قوة ً جاذبةً للصفراء وفي الطِّحال قوة ً جاذبة ً للسوداء، وفي الكِلْية قوة ً جاذبة ً لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم. الرابع: وفي الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم يَنْصَبُّ من ذلك الدم نَصِيبٌ وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد، وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي، ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاءً له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك لا إلى الرحم، ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصباباً موافقاً للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير العزيز الحكيم. الخامس: عند تولد اللبن في الضِّرْع يحدث الله ﷻ – في حُلْمة الثدي ثقوباً صغيرة ومساماً ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص، أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، ولما كانت المسام ضيقة جداً فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، والمنافذ الضيقة في رأس حُلْمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل، ولم يخرج، فبهذا الطريق يصير اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين.

стр. 40

السادس: ألهم الله الكريم ذلك الصبيّ إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حُلْمة الثدي في فم الصبيّ فذلك الصبيّ في الحال يأخذ في المص، فولا أن الإله الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي. السابع: اللبن مخلوقٌ من فضلة الدم، والدم خلق من الغذاء الذي تم تناوله، وقد حصل في اللبن أجزاء ثلاثة في طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً، وما فيه من الجُبْنِيَّة يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في الغذاء الذي تم تناوله، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة، ومن حالةٍ إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً، ولا يشاكل بعضها بعضاً، وذلك دليلٌ على حدوث تلك الأحوال بتدبير حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته، ونهاية حكمته ورحمته، وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (١) .
следующие страницы →