تأمل ذلك يا عبد الله حق التأمل، واعلم أن جميع الخلائق لو اجتمعوا على إعادة المولود إلى المكان الذي خرج منه لعجزوا، كما أنهم لو اجتمعوا على تكوينك ورعايتك في بطن أمك وقد أحاطت بك الظلمات لعجزوا وفشلوا وخسروا، فلا متصرف في ذلك، ولا متعهد لما هنالك إلا الرب المالك، قال الله – جل شأنه –: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ النجم٣٢، قال – ﷻ –: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (١) .
وفي تلك الظلمات ركب رب الأرض والسموات العظام ببعضها، وكساها لحماً، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان، وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظافر إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات.
لا إله إلا الله، وسبحان الله كيف كانت تلك النطفة وإلام صارت، يقول ربي – جل ثناؤه –: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون ١٢-١٤.
стр. 37
إن تلك الصورة المهينة التي كانت في غاية الحقارة بُدِلت إلى صورة فخيمة كريمة في منتهى الجلالة، كما قال الله – ﵎ –: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١) .
حقاً إن صورة الإنسان أجمل صور المخلوقات وأبهاها، وأظرفها وأحلاها، وفي تلك الصور من الآيات العظام ما يسوق المؤمن لعبادة الله ذي الجلال والإكرام، كما أشار إلى ذلك الكلام الرحمن: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات٢١.
стр. 38
ثم تَفَّكرْ – يا عبد الله – في رعاية الله لك، وعنايته بك بعد خروجك من الدنيا، حيث والى ربنا عليك إنعامه وبره، وواصل إحسانه ولطفه، فساق لك غذاءً خالصاً سائغاً، موافقاً لتغذيتك وصحتك، وفي تكوين تلك الغذاء من الأعاجيب العجيبة، والأسرار البديعة، والحكم العالية الجليلة، التي تضطر صرائح العقول وتلجئها إلى الإقرار بأن فاعل ذلك هو الله الحكيم الرحيم الغفور، وبيان ذلك كما قرر الإمام الرازي – عليه رحمة الله – في تفسيره، وإليك كلامه مع طوله، ففيه ما يقوي الإيمان، ويربط القلوب بالرحيم الرحمن.
الأول: خلق الله – – في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثُفْلُ الغذاء فإذا تناول الإنسان غذاءً، أو شَرْبة ً رقيقة ً انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة، وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هنالك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ، وينزل منه ذلك الثُّفْل.
... وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى بحسب الحاجة وتقدير المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم.
الثانية: أود الله – ﷻ – في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول، أو المشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثُّفْل، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة، ولو كان بالعكس لاختلفت مصلحة البدن، ولفسد نظام هذا التركيب.
стр. 39
الثالث: أودع الله – – في الكبد قوة ً هاضمة ً طابخة ً، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دماً، ثم إنه – تعالى – أودع المرارة قوة ً جاذبةً للصفراء وفي الطِّحال قوة ً جاذبة ً للسوداء، وفي الكِلْية قوة ً جاذبة ً لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم.
الرابع: وفي الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم يَنْصَبُّ من ذلك الدم نَصِيبٌ وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد، وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي، ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاءً له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك لا إلى الرحم، ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصباباً موافقاً للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير العزيز الحكيم.
الخامس: عند تولد اللبن في الضِّرْع يحدث الله ﷻ – في حُلْمة الثدي ثقوباً صغيرة ومساماً ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص، أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، ولما كانت المسام ضيقة جداً فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، والمنافذ الضيقة في رأس حُلْمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل، ولم يخرج، فبهذا الطريق يصير اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين.
стр. 40
السادس: ألهم الله الكريم ذلك الصبيّ إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حُلْمة الثدي في فم الصبيّ فذلك الصبيّ في الحال يأخذ في المص، فولا أن الإله الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي.
السابع: اللبن مخلوقٌ من فضلة الدم، والدم خلق من الغذاء الذي تم تناوله، وقد حصل في اللبن أجزاء ثلاثة في طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً، وما فيه من الجُبْنِيَّة يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في الغذاء الذي تم تناوله، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة، ومن حالةٍ إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً، ولا يشاكل بعضها بعضاً، وذلك دليلٌ على حدوث تلك الأحوال بتدبير حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته، ونهاية حكمته ورحمته، وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (١) .
стр. 41
والمتبصر في حال المولود حين ولادته يرى أن النفوس الإنسانية في أول خلقتها أقل فهماً وذكاءً من فطنة سائر الحيوانات، ألا ترى ولد الدجاجة لما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدوِّ والصديق، فيهرب من الهرة، ويلتجئ إلى الأم، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه، والغذاء الذي لا يوافقه، وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم لا يميز ألبتة بين العدوَّ والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالاً، وأقل فطنة من سائر الحيوانات، ثم إنه بعد يقوى عقله، ويعظم فهمه، ولا يدانيه في ذلك حيوان ما، فانتقال الإنسان من تلك البلادة المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لابد وأن يكون بتدبير إلهٍ مختار حكيم ينقل الأنفس الإنسانية من نقصانها إلى كمالاتها، ومن جهالاتها إلا معارفها بحسن الحكمة والاختيار، كما قال العزيز الغفار: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ وقال – جل وعلا –: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) .
стр. 42
ومما ينبغي التنبه له غاية الانتباه، ومراعاته أتم المراعاة، أن الله الكريم الذي تعهد الإنسان بالتربية الرفيقة عند ما كان في ظلمات ثلاث، ثم والى عليه إحسانه وبره بعد خروجه من بطن أمه أتم عليه نعمه، وأسبغ عليه حاجته في جميع مراحل حياته، ليربط قلبه به، ويخلصه من العبودية لغيره، فجعل ربنا – ﷻ – اليسر والسهولة في تحصيل الحاجات بمقدار الاحتياج إليها، فكلما كانت الحاجة إلى الشيء أشد كان وجدانه أسهل وأيسر، ولذلك لما كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتى لو انقطع عنه لحظة لمات كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء، وبعد الهواء الماء، فإن الحاجة إلى الماء – أيضاً – شديدة لكن دون الحاجة إلى الهواء، ولذلك سهل وجدان الماء لكن دون سهولة وجدان الهواء –، فوجدان الهواء أسهل وأيسر، لأن الماء لابد فيه من تكلف الاغتراف، بخلاف الهواء، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبداً، ثم يلي الحاجة إلى الماء الحاجة إلى الطعام، وهي مع شدتها وضرورتها دون الحاجة إلى الماء فلذلك كان تحصيل الطعام، أصعب من تحصيل الماء.
ويلي الحاجة إلى الطعام الحاجة إلى الملابس، وهي مع عدم الاستغناء عنها فإن الاحتياج إليها دون الاحتياج إلى الطعام، لذلك كان تحصيلها أصعب من تحصيل الطعام.
وهكذا فكلما خفت الحاجة إلى الشيء، كلما صعب الحصول عليه، ففي تحصيل الكماليات من أنواع الزينة والجواهر ما فيه من الصعوبة، والأمر كما قال الشاعر:
سبحانَ مَنْ خَصَّ القليلَ بِعِزَّهِ ... والناسُ مُسْتَغْنُونَ عن أجْنَاسِهْ
وأذلَّ أنْفاسَ الهواء ِ وكُلُّ ذِي ... نَفَس ٍ لمُحْتاج ٌ إلى أنْفَاسِهْ (١)
стр. 43
.. وبالختام فما في الإنسان من آيات عظام، تدل على أن خالقه العزيز الحكيم الرحمن، يستحيل حصرها، والوقوف على عشر معشارها ن وما ظهر لنا من تلك الآيات، يحتاج شرحه إلى مجلدات ويكفيك في ذلك قول رب البريات، وخالق الأرض والسموات: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات٢١، قال الإمام القرطبي – عليه رحمة الله تعالى –: أولم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلا ً للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيمٌ عالمٌ مدبرٌ سميعٌ بصيرٌ متكلمٌ، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه، وذلك محال، فالإنسان إذا تفكر بهذا التنبيه بما جعل له من العقل في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً وعظماً، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله، وبلوغ أشده عضواً من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه، وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز، وقد يرى نفسه شاباً ثم كهلا ً وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب، ويراجع قوة الشباب.
... فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه، وأن له صانعاًٌ صنعه، وناقلا ً نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر.
وقال بعض الحكماء:
стр. 44
.. إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير الذي هو بدن الإنسان، فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة، والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها، وأعضاؤه تصير عند البلى تراباً من جنس الأرض وفيه من جنس الماء العروق وسائر رطوبات البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنَّفس، ومن جنس النار فيه المِرَّة والصفراء، وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض، وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار لأن العروق تستمد من الكبد، ومثانته بمنزلة البحر لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر، وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض، وأعضاؤه كالأشجار، فكما أن لكل شجر ورقاً أو ثمراً فكذلك لكل عضو فعل، أو أثر، والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض، ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان، فهو العالم الصغير مع العالم الكبير، مخلوقٌ محدث لصانع واحد لا إله إلا هو، ولا رب سواه (١) .
ب- الطريق الثاني للاستدلال على توحيد الربوبية:
... الاستدلال به – جل وعلا – عليه، وعلى أفعاله، وصنعه، وهذه الطريقة أعظم من الأولى ولها شأنٌ خطيرٌ، وقدرٌ جليلٌ، وهي طريقة أرباب البصائر، الذين وقفوا على حقائق الأمور وأعطوا كل ذي حق ٍ حقه.
стр. 45
.. والفرق بين هذه الطريقة والتي قبلها كالفرق بين من يستدل بنفس وجود النهار على وجوده، وبين من يستدل على النهار بآثاره وعلاماته ولوازمه، وشتان شتان ما بين الاستدلالين، قال الإمام ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية – قدس الله روحهما – ورفع درجتهما – يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
وليسَ يَصِحُّ في الأذهَان ِ شيءٌ ... إذا احتاج النَّهارُ إلى دَلِيل
... قال العلامة ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: ومعلوم أن وجود الرب – ﵎ – أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما (١) .
وقد قرر الإمام ابن تيمية – روح الله روحه – الاستدلال بهذه الطريقة، وأشاد بها، وهاك خلاصة ما ذكره في ذلك: إذا كان ما سوى الله – جل وعلا – من الموجودات: الأعيان، والصفات يستدل بها سواء كانت حية أو لم تكن، بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى.
قالوا ائتِنَا بِبَرَاهِينَ، فَقُلتُ لَهُمْ ... أنّى يقومُ على البُرْهَان ِ بُرْهَانُ
ومن أسمائه – جل وعلا – الهادي، ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال: عرفت الأشياء بربي ولم أعرف ربي بالأشياء، وقال بعضهم: هو الدليل لي على كل شيء، وإن كان كل شيء عليه دليلا ً، وقيل لابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، خارجاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، عرفته بما عرَّف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه. فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله – جل وعلا – وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام الله، وهو نور القرآن، وهذا كما قال القائل:
стр. 46
ولذلك قال المشايخ: اليقين واردات ضرورية ترد على النفوس وتعجز عن ردها، قال الشيخ إسماعيل الكوراني (١) لمتكلم أنتم تقولون: إن الله يعرف بالدليل، ونحن نقول: إنه تعرف إلينا فعرفناه يعني: أنه تعرف بنفسه، وبفضله.
والحق، الحي، القيوم – ﷻ – هو رب كل شيء ومليكه، ومؤصل كل أصل ومسبب كل سبب وعلة، فهو الدليل والبرهان، والأول والأصل الذي يستدل به العبد ويفزع إليه ويرد جميع الأواخر إليه في العلم، وذلك هو سبيل الهدى وطريقه.
والاستدلال بهذه الطريقة أكمل من الاستدلال بالطريقة الأولى وأظهر، قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – وأما الاستدلال بالصانع فله شأنٌ، وهو الذي أشارت إليه الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – بقولهم لأممهم: "أَفِي اللهِ شَكٌّ" من سورة إبراهيم: (١٠) أي أيُشَكُ في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ وأي دليل أوضح وأظهر من هذا المدلول؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم: "فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " (٢) .
قال مقيد هذه الصفحات – غفر الله له جميع السيئات –: الذي يدل على مكانة هذا الدليل ومتانته أمران:
стр. 47
أولهما: أن من أسماء الله الجليل "الهادي" وهذا الاسم المبارك شامل لجميع أنواع الهدايات، وأعلا تلك الهدايات وأكملها، وأعظمها وأكرمها هدايته من اصطفاه وشرح صدره لمعرفته حتى استدل بتلك المعرفة عليه، وعلى صفاته، وأفعاله – ﷻ – ولا إله غيره.
... فهو الذي هدى قلوب الصادقين إلى معرفته به، وشرح نفوسهم إلى طاعته، وجعل قرة أعينهم بحلاوة مناجاته.
... قال الإمام الغزالي – عليه رحمة الرب الباري – الهادي، هو: الذي هدى خواص عباده أولا ً إلى معرفة ذاته، حتى استشهدوا بها على معرفة ذاته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله، والفرخ إلى التقاط الحب وقت خروجه، والنحل إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال لبدنه وأحوالها , أبعدها عن أن يتخللها فُرج ضائعة، وشرح ذلك مما يطول، وعنه عبر قول الله – ﵎ –: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ طه٥٠، وقوله – ﷻ –: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (١) .
стр. 48
الأمر الثاني: غنى الرب – ﷻ – الذاتي، يدل على كماله وجلاله، وعلى كون المخلوقات بأسرها في قبضته، وتحت تصرفه، فالفقر ذاتي لها، لا ينفك عنها، قال الله – ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر١٥ قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – بين في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنياً حميداً ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب – – لذاته، لا لأمر أوجبه غناه، فالفقير بذاته محتاج إلى الغنيّ بذاته، فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسباب له، ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب – – غير القولين اللذين تذكرهما الفلاسفة والمتكلمون، فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة: الإمكان، والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث، والصواب أن الإمكان، والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل الحاجة والافتقار، وفقر العالم إلى الله – جل وعلا – أمر ذاتي لا يعلل، فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته (١) .
стр. 49
فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، وقد حكى الإمام ابن القيم عن شيخه الإمام ابن تيمية – عليهما رحمة الله تعالى – مما يدل على رسوخه في هذا المقام، وإليك عبارته: ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية – قدر الله روحه – من ذلك أمراً لم أشاهده من أحدٍ غيره، وكان يقول كثيراً: مالي شيءٌ ولا مني شيء ولا في شيء، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المُكَدّى وابنُ المُكَدّى ... وهكذا كانَ أبي وجَدّي
... وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً، وبعث إليّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقيرُ إلى ربّ البَريّات ِ ... أنا المسكينُ في مجموع حَالاتي
أنا الظلومُ لنفسي، وهي ظالمتي ... والخيرُ إنْ يأتِنا مِنْ عِنْدِهِ ياتي
لا أستطيعُ لنفسي جَلْبَ مَنْفَعَةٍ ... ولا عَنِ النفس ِ لي دفعُ المَضَرّاتِ
وليسَ لي دونَهُ مَوْلىً يُدَبِرُنِي ... ولا شَفيعٌ إذا حَاطَتْ خَطِيئاتي
إلا بإذن ٍ من الرحمن ِ خالقِنا ... إلى الشَّفِيع ِ كما قَدْ جا في الاياتِ
وَلسْتُ أمْلِكُ شيئاً دونَه أبَدَاً ... ولا شَريكٌ أنا في بَعْض ِ ذرَّاتِ
ولا ظَهيرٌ له كيْ يَسْتَعينَ بهِ ... كما يكونُ لأرْبَابِ الوِلايَاتِ
والفَقْرُ لي وَصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَداً ... كما الغِنى أبَداً وَصْفٌ له ذاتِي
وهذه الحالُ حالُ الخَلق ِ أجْمَعِهِمْ ... وَكُلُّهُمْ عِنْْدهُ عَبْدٌ لََهُ آتي
فَمَنْ بَغَى مَطْلباً مِنْ غَيْر خَالِقِهِ ... فهْو الجَهُولُ الظلومُ المُشْرِكُ العَاتي
والحمدُ للهِ ملءَ الكَوْن ِ أجْمَعِهِ ... ما كانَ مِنْهُ مِنْ بعدُ قَدْ ياتي (١)
стр. 50
.. وبالختام، فالطريقان سديدان، للاستدلال على الكريم المنان، والطريق الثاني منهج أهل العرفان، أما الطريق الأول فهو أظهر عند العوام، ولذلك عرجوا عليه في البيان، ونبههم عليه آيات القرآن، كما لفت أنظارهم إليه أئمة الإسلام، وقد مر تقرير هذا الدليل ببيان أحوال خلق الإنسان، وإليك ثلاثة أدلة أخرى حسان:
١- قيل لأعرابي: ما الدليل على وجود الرب – ﷻ –؟ فقال: يا سبحان الله إن البَعْرَ ليدل على البَعير، وإن آثار الأقدام لتدل على المسير، فسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
٢- سئل الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى – عن الدليل على وجود الخالق، فقال: هذا ورق التوت، طعمه ولونه، وريحه، وطبعه واحد، تأكله دودة القز فيخرج منها الأبْرَيْسم، وتأكله النحل فيخرج منها العسل، وتأكله الأنعام فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحدة.
٣- قيل لأحد الصالحين: بم عرفت ربك؟ فقال: بنحلة، بأحد طرفيها تعسل، وبالآخر تلسع والعسل مقلوب اللسع (١) .
... وإذا كان هذا الدليل مقبولاً، والمشاركة فيه محمودة، فأقول لو سئلت عن دليل معرفتي بربي: عرفته – جل وعلا – بنقض العزائم، وفتور الهمم، قال الله – ﵎ –: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ الأنفال٢٤
*موقف المكلف نحو هذا النوع من التوحيد:
... تقدم أن موقف المكلف نحو توحيد العبادة "توحيد الألوهية" ينحصر في أمرين: الالتزام العملي بمضمون ذلك التوحيد مع المحبة، أو الإعراض الفعلي عنه مع الكراهة، فتعلقه بأعمال المكلفين وعزماتهم.
стр. 51
.. أما هذا النوع من التوحيد "توحيد الربوبية" فموقف المكلف نحوه منحصر – أيضاً – في أمرين، لكنه يختلف عن ذينك الأمرين، وذلك لأن المكلف نحو هذا النوع من التوحيد:
? إما أن يقر به بلسانه، ويعتقده بجنانه.
? وإما أن ينكره باللسان، ويجحده بالجنان
وباختصار يمكن أن يقال: إن هذا النوع من التوحيد: توحيد علمي قولي نظري، فلا تعلق لفعل المكلف به.
وإذا اختلف موقف المكلف نحو هذا النوع من التوحيد عن موقفه نحو توحيد "العبادة" و"الألوهية"، فإن موقف الرسل الكرام – عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام – نحو هذا النوع من التوحيد يختلف عن موقفهم نحو توحيد القصد والطلب، حيث لم يجعلوا توحيد الربوبية محور دعوتهم، وليس ذلك النوع من التوحيد غاية بعثتهم وإرسالهم – عليهم صلوات الله وسلامه –.
وسبب ذلك:
... أن توحيد الربوبية أقر بمضمونه الخلق أجمعين، مع أنهم غير الله يعبدون ويطيعون، وإلى الطاغوت يتحاكمون، فعنها يصدرون، وإليها يَرِدُون، فتوحيد الربوبية لا يكفي لخروج الإنسان من الشرك إلى التوحيد الخالص، وإفراد الله بالعبادة، كما بين لنا ربنا – جل وعلا – هذا في آيات كثيرة منها: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لقمان٢٥ وقوله – جل وعلا –: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ الزخرف٩.
... فإن قيل: إن الله – جل وعلا – حكى عن بعض العتاة المفسدين إنكارهم لهذا النوع من التوحيد، فكيف التوفيق بين هذا وبين ما أخبر به ربنا – تعالى شأنه – من تسليم الكافة بهذا النوع من التوحيد؟
стр. 52
.. والجواب – أيدك الله – أن إنكار من أنكر هذا النوع من التوحيد فمن باب الجحود والعناد، وطلب العلو في الأرض بالفساد، مع يقين المنكر في قلبه بحقيقة الأمر قال الله – ﵎ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً﴾ الإسراء ١٠١-١٠٢.
... والآية الكريمة – كما ترى – تدل بوضوح على أن فرعون الطاغية يعلم في قرارة نفسه ويوقن بقلبه صدق نبي الله موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بما وقف عليه من المعجزات العظام ولذلك لم يرد دعواه إلا بالقيلات الفارغة، والمدافعة الباطلة، فقال له كليم الله موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام –: " لَقَدْ عَلِمْتَ " وهذه الآية المباركة التي تقرر علم فرعون بالحقيقة مع إنكاره لها، ومجادلته بالباطل ليدحضها، نظير الآية التي في سورة النمل: (١٣-١٤) والتي فيها الإخبار بجحود فرعون العاتي للآيات الكبار، مع استيقانه بأنها من العزيز الجبار، قال الله – جل وعلا –: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
стр. 53
.. ولفظ الجحود معناه كما في المفردات: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، أ. هـ ولذلك قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى – " وَجَحَدُوا بِهَا " أي في ظاهر أمرهم " وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ " أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله – ﵎ – ولكن جحدوها، وعاندوها وكابروها – " ظُلْماً وَعُلُوّاً ": أي ظلماً من أنفسهم سجية ملعونة " وَعُلُوّاً " أي استكباراً عن اتباع الحق أ. هـ وقال الإمام القرطبي – عليه رحمة الله تعالى –: وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين أ. هـ وفي تفسير الرازي – عليه رحمة الله تعالى –: فائدة ذكر "الأنفس" أنهم جحدوها بألسنتهم، واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان أ. هـ ونحوه في روح المعاني (١) .
стр. 54
وهذا الحال الذي حكاه ربنا – ﷻ – عن فرعون المارد هو حال أمثاله من العتاة المنكرين لهذا النوع من التوحيد، إنكارهم قاصر على اللسان مع استيقان الحق بالجنان: "ولا يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن للعالم صانعان، وهما في الصفات والأفعال متماثلان، فالنصارى – عليهم لعنة الله – القائلون بالتثليث لا يثبتون للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ولذلك يقولون: باسم الأب، والابن، والروح القدس، إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد أحد منهم يعبر عنه بمعنىً معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنىً واحد فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم، والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص وتارة بالصفات وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله الجليل العباد على فساد هذه الأقوال بعد التصور التام" (١) .
... وإذا كان هذا النوع من التوحيد سلم به عامة الناس، واستيقنه كافتهم، ولم يجعله الرسل الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – محور دعوتهم، وليس هو الغاية من رسالتهم وبعثتهم، فلِمَ تكرر ذكره في آي القرآن، وعرض بمختلف الأشكال والألوان؟
... وإليك الجواب يا طالب العرفان – شرح الله الكريم صدري وصدرك بنور الإيمان، وطاعة الرحمن –: إن توحيد الربوبية سلمت به البرية، وذلك يستلزم (٢)
стр. 55
توحيد الألوهية، فكما أنه لا خالق ولا مدبر إلا الله – جل وعلا –، فلا ينبغي أن يعبد إلا هو، وإذا كان من سواه لا يملك لنفسه – فضلا ً عن غيره – نفعاً ولا ضراً، وليس له من الأمر شيءٌ، فكيف يسوى مع رب العالمين، أو يعبد من دون الله العظيم؟
... والمتأمل آيات القرآن الكريم، يرى أن الله يدعو إلى توحيد الألوهية، والالتزام به، عقب سرد الأدلة الدالة على ربوبيته، قال الله – ﵎ –: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) .
стр. 56
.. وقد قرر الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – العلاقة بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية وبين السبب في الإكثار من ذكر الأول فقال: الباب الذي يدخل منه إلى توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية، أي: باب توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية، فإن أول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية، كما يدعو الله – – في كتابه بهذا النوع من التوحيد على النوع الآخر، ويحتج عليهم به، ويقررهم به، ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الألوهية، قال الله – جل وعلا –: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ الزخرف٨٧، أي: فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله، وعن عبادته وحده، وهم يشهدون: أنه لا رب غيره، ولا خالق سواه وكذلك قوله – ﵎ –: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ المؤمنون ٨٤-٨٥، فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها، وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ومعبودهم، فكما لا رب لهم غيره، فهكذا لا إله لهم سواه، ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ المؤمنون: ٨٦-٨٩، وهكذا قوله – جل وعلا – في سورة النمل: ٥٩-٦٥: ﴿ُقلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ
стр. 57
قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ .
... ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية: أإلهٌ مع الله فعل هذا؟ حتى يتم الدليل فلابد من الجواب بلا، فإذا لم يكن معه إله فعل كفعله، فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه؟ فعُلِمَ أن إلهية ما سواه باطلة، كما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتهم.
... ومن قال: المعنى: هل مع الله إله آخر؟ من غير أن يكون المعنى: فعل هذا، فقوله ضعيف لوجهين:
أحداهما: أنهم كانوا يقولون: مع الله آلهة أخرى، ولا ينكرون ذلك.
стр. 58
الثاني: أنه لا يتم الدليل ولا يحصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا التقدير، أي فإذا كنتم تقولون: إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله، فكيف تجعلون معه إلهاً آخر لا يخلق شيئاً، وهو عاجز؟ وهذا كقوله – ﷻ –: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ الرعد١٦، وقوله – جل وعلا –: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ لقمان١١، وقوله – ﵎ –: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ النحل١٧، وقوله – –: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١)
стр. 59
النحل٢٠ وقوله – ﵎ –: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الفرقان٣، وهو كثير في القرآن، وبه تتم الحجة (١) .
стр. 60
.. وقد استعمل النبي – ﷺ – هذا الأسلوب في دعوة الناس إلى إفراد ربهم بالعبادة، واحتج عليهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ففي سنن الترمذي وغيره عن عمران بن حصين – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال النبي – ﷺ – لأبي: "يا حصين كم تعد اليوم إلهاً؟ قال أبي: سبعة، ستة في الأرض، وواحداً في السماء، قال: فأيهم تعبد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: يا حصين أما لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك، قال: فلما أسلم حصين، قال: يا رسول الله – ﷺ –: علمني الكلمتين اللتين وعدتني، فقال: قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي" وفي رواية ابن خزيمة: "يا حصين كم إلهاً تعبد اليوم؟ قال سبعة في الأرض، وإله في السماء، قال: فإذا أصابك الضر من تدعو؟، قال: الذي في السماء، قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه" وفي الاستيعاب لابن عبد البر: وروينا عن الحسن البصري – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – أنه قال: بلغنا أن رسول الله – ﷺ – قال لحصين: يا حصين ما تعبد؟ قال: أعبد عشرة آلهة، قال: وما هم، وأيهم؟ قال: تسعة في الأرض، وواحد في السماء، قال: فمن لحاجتك؟ قال: الذي في السماء، قال: فمن لطلبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: فمن لكذا؟ كل ذلك يقول: الذي في السماء، فقال رسول الله – ﷺ –: فالغ ِ التسعة (١) .
стр. 61
فتوحيد الربوبية باب توحيد الألوهية، وقد ولج من ذلك الباب إلى عبادة الملك الوهاب، عدد من الأكياس أولي الألباب، بعد أن كانوا من العتاة الأرجاس في تباب، روى الإمام الحاكم في مستدركه وغيره عن عروة – ﵏ جميعاً – قال: فر عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح عامداً إلى اليمن فركب في سفينة، فلما جلس فيها نادى باللات والعزى، فقال أصحاب السفينة: لا يجوز ههنا أحد يدعو شيئاً إلا الله وحده مخلصاً، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر وحده، إنه في البر وحده أقسم بالله لأرجعن إلى محمد – ﷺ – فرجع إلى رسول الله – ﷺ – فبايعه فقبل منه، وفي رواية أبي يعلى والبزار بسند رجاله ثقات أن عكرمة لما فر يوم الفتح ركب البحر، فأصابتهم عاصفٌ، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ههنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عليّ عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً، فأضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً، فجاء فأسلم (١) .
стр. 62
النوع الثاني من توحيد الإثبات والمعرفة: "توحيد الأسماء والصفات":
... ويقوم هذا النوع من التوحيد على الإيمان – عن طريق اللسان، والجنان – بما وصف الله الكريم نفسه، وبما وصفته به رسله الصادقون – عليهم صلوات الله وسلامه – إثباتاً ونفياً وسيأتي تفصيل ما يتعلق بهذا النوع من أنواع التوحيد، مع التحذير من الفرق الزائغة التي ضلت في هذا النوع من التوحيد، وانحرفت عن المسلك السديد، وزاغت عن المنهج الرشيد فذلك من الموضوعات المقررة في منهج مادة التوحيد.
صفوة البحث المتقدم وخلاصته:
ينقسم توحيد ذي الجلال والإكرام، إلى ثلاثة أقسام:
أولا ً: توحيد الألوهية:
ويقال له: "توحيد العبادة" والكلام فيه من باب الإنشاء، إي هو توحيد في القصد والطلب، ولذلك ينحصر موقف المكلف نحوه في: امتثاله مع حبه، أو الإعراض عنه مع بغضه، وهذا النوع من التوحيد، هو الغاية من إيجاد المخلوقات، ولأجله بعث الرسل الكرام بالرسالات – عليهم صلوات الله وسلامه – ويقوم هذا النوع من التوحيد على دعامتين، تتلخصان فيما قاله الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – إياك أريد، بما تريد (١) .
стр. 63
وقد أعرض أكثر الناس عن هذا النوع من التوحيد، وعكفوا على عبادة الطواغيت.
ثانياً: توحيد الربوبية:
والكلام فيه من باب الخبر، إذ هو توحيد في الإثبات والمعرفة، وينحصر موقف المكلف نحوه في التصديق، أو التكذيب، ويقوم هذا النوع من التوحيد على الإقرار بأن الله موجود ورب كل شيء ومليكه، وليس في العالم من ينازع في أصل هذا المبدأ، خلا ما وجد من بعضهم من جحود ونكران باللسان، مع كون قلوبهم موقنة به غاية الإيقان.
ثالثاً توحيد الأسماء والصفات:
والكلام فيه كسابقه، فهو من باب الخبر، وموقف المكلف نحوه منحصر في التصديق، أو التكذيب، وقد نازع في هذا النوع من التوحيد أهل الزيغ والضلالات، معولين في تلك المنازعات والمشاقات، على ما ورثوه عن الروم، واليونان، والفرس من فلسفات، تاركين وراءهم ظهرياً كلام فاطر الأرض والسموات، وهدي خير البريات – ﷺ – ومسلك المؤمنين والمؤمنات في القرون المفضلات.
... حفظنا الله الكريم من سائر الرديات والبليات، ومَنّ علينا بفضله وكرمه، وواسع جوده ورحمته بأطيب الصفات الزاكيات، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
تنبيهات
... تقدم أن توحيد الربوبية مركوز في فطر الناس، كما أقر به الكافة، لكن تنوعت طرق استدلالهم عليه إلى طريقتين: الاستدلال بالصنعة على صانعها، وبالمخلوقات على خالقها، أو الاستدلال بالله – جل وعلا – على الله – ﵎ – وعلى صفاته وأفعاله، وكل من الطريقتين سديد رشيد وإن كان الثاني أجل وأحكم، وأقوى وأقوم.
... ومع وضوح الأمر في توحيد الربوبية وظهوره فقد أثار عتاة الشياطين من عفاريت الجن ومردة الإنس حوله شبهتين، تكدرت بهما قلوب بعض المؤمنين، وما أسرع زوالهما عندما يعتصم الإنسان بالرحمن، ويعي حقيقة الكلام، ويستعيذ بالله من شياطين الإنس والجان، وإليك تفصيل ذلك يا طالب الهدى والعرفان.
الشبهة الأولى:
стр. 64
إذا كان الله – جل وعلا – خالق كل شيءٍ، فمن خلق الله؟ - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً – وإليك الجواب – ألهمنا الله الرشد والصواب –: إن السنة المطهرة أشارت إلى تلك الشبهة الفظيعة المنكرة، وأرشدت إلى دفعها بطرق مقررة ثابتة معتبرة، ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لن يبرح الناس يتساءلون، حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ (١) ".
... وقد أرشدنا نبينا – ﷺ – إلى ما يلزمنا نحو تلك الشبهة التي يحبك أطرافها شياطين الإنس والجن جهارة وخفية، وتدور تلك الإشارات على واحد من أمرين، وفي الجمع بينهما فوز بالحسنيين:
стр. 65
الأول: الاستعاذة بالرحمن من وساوس الشيطان، وذلك لأن تلك الشبهة ليس لها ظل من الحقيقة إنما هي هذيان، زخرفة الشيطان، وأوحى به إلى من هو على شاكلته من بني الإنسان، فتولى الإرجاف بها الفريقان، من شياطين الإنس والجان، كما قال ربنا الرحمن: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ الأنعام١١٢،وإذا استعاذ بالله العظيم من الشيطان، صرف عنه ما يزينه له من البهتان، كما دل على ذلك ثلاث آيات من القرآن (١)
стр. 66
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته (١) ".
стр. 67
الثاني: استحضار صفات الله – جل وعلا – التي دل العقل على وجوب اتصاف الخالق بها، ولزومها له فبالوقف على ذلك واستحضاره تتلاشى تلك الشبهة الفاسدة، ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا، خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله" زاد الإمام مسلم وغيره في وراية أخرى: "ورسله"، وروه الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار من حديث عائشة – ﵃ أجمعين – بسند رجاله ثقات بزيادة أخرى، ولفظ الحديث: "إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه (١) ".
стр. 68
.. وإنما كان ذلك القول مُذهِباً لتلك الشبهة، وداحضاً لها، لأن من استحضر صفات الله اللازمة له اندفع عنه ذلك الوهم، بأسرع من اندفاع السهم، فالله الجليل خالق كل شيءٍ، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء وقد بلَّغ الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – ذلك لأقوامهم ودلت عليه عقول الناس، وهو مركوز في فطرهم، ولذلك ينبغي من اعترته تلك الشبهة أن يقول: آمنت بالله وبالرسول – ﷺ – زيادة في التسليم، والإيقان، والقبول.
... وقد أمرنا نبينا – ﷺ – باستحضار صفات الله اللازمة، عند حدوث تلك الشبهة الغاشمة – روى الإمام أحمد في المسند، وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ليَسْألنكم الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟ قال يزيد بن الأصم (الراوي عن أبي هريرة) فحدثني نَجْمة بن صبيغ السلمي أنه رأى ركباً أتوا أبا هريرة – رضي الله تعالى عنه – فسألوه عن ذلك، فقال: الله أكبر، ما حدثني خليلي – ﷺ – بشيء إلا وقد رأيته، وأنا أنتظره، قال جعفر (الراوي عن يزيد) بلغني أن النبي – ﷺ – قال: "إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله كان قبل كل شيء، والله خلق كل شيء والله كائن بعد كل شيء (١) ".
стр. 69
.. وورد عن نبينا – ﷺ – الأمر بقراءة سورة الإخلاص عند وسوسة الشيطان بتلك الشبهة المنكرة، روى ذلك أبو داود وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول فذكر نحو الحديث المتقدم: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فمن خلق اللهَ؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: "اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ" ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ من الشيطان (١) .
... فإذا وقف المكلف على صفات الله المذكورة في سورة الإخلاص زال عنه سريعاً ذلك الوسواس لأن كل لفظة في تلك السورة تدحض تلك الشبهة المبتورة.
... فلفظ "الأحد" وإن كان هو والواحد يرجعان إلى أصل واحد إذ أصل "أحد" "وحد" قلبت الواو همزة للتخفيف، فإنهما يفترقان استعمالاً وعرفاً من ثلاث جهات:
١- الواحد يدخل في الأحد، دون العكس.
٢- الواحد أصل العدد، والأحد راجع إلى نفي التعدد والكثرة.
стр. 70
٣- الواحد يثبت مدلوله ولا يتعرض لنفي ما سواه، ولذلك يستعمل في الإثبات، تقول: رأيت رجلا ً واحداً، أما الأحد فيثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما سواه، ولذلك يستعمل في النفي، تقول: ما رأيت أحداً، ولذلك لما قال ربنا – جل وعلا –: "وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أتبعه بقوله: "لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ" (١)
وعلى هذا، فلفظ "الأحد" في أسماء الله – جل وعلا – مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، فهو واحد في ربوبيته وألوهيته.
... ولفظ "الصمد" يدل على بطلان تلك الوسوسة وفسادها، لأم هذا الاسم الكريم، يدور على معنيين، إليهما ترجع جميع أقوال المفسرين:
المعنى الأول: السيد الكامل سُؤدُدِهِ، المصمود إليه في الحوائج، المقصود في الرغائب، المستغاث به عند الكروب والمصائب.
стр. 71
المعنى الثاني: الذي لا جَوْفَ له ولا عَيْبَ فيه، فهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ويَغلب ولا يُغلب، وهو الغنيّ عن العالمين (١) .
... والمعنيان – كما ترى – يستأصلان تلك الوسوسة، ويذهبانها، لأن فرض كونه مخلوقاً لغيره يتنافى مع السيادة الكاملة، والغنى التام.
... ولفظ "لم يلد" ينفي تلك الشبهة الشنيعة أيضاً، لأنه إذا كانت ولادته لغيره مستحيلة في حقه – جل وعلا – لاستلزام ذلك ثلاثة محاذير لا يمكن أن يتصف بواحد منها ربنا العليّ الكبير، وهي:
١- استدعاء الولادة انفصال مادة منه، وذلك يتنافى مع ما تقدم من كونه "أحداً"، "صمداً".
٢- اقتضاء كون المولود من جنس والده، والله – جل وعلا – ليس كمثله شيء، فهو "أحد" ليس يجانسه أحد.
٣- الغرض من الولد: الإعانة، وامتداد الأثر، عن طريق مساعدة الولد، وقيامه بعد والده، وهذا يتنافى مع كونه "صمداً فهو الغني عن العالمين، حي، دائم، باق ٍ، لا يشوب ذلك نقص في حين من الأحايين، وهو ملجأ الخلائق أجمعين (٢) . فاستحالة ولادته من غيره أعظم، وأظهر. وقوله: "ولم يولد": صريح في بطلان كونه حادثاً لمحدث، ومفعولاً لفاعل، فالمولودية تقتضي ثلاثة أشياء يستحيل قيام واحد منها برب الأرض والسماء وهي:
أ) سبق العدم، وذلك يتنافى مع أحدية الله وصمديته.
ب) الانفصال من الغير، ولا يمكن اجتماع هذا مع الموصوف بالأحدية والصمدية.
стр. 72
جـ) مجانسته لمن ولد منه، ويستحيل اتصاف الأحد الصمد بذلك. (١)
стр. 73
.. وقوله "ولم يكن له كفواً أحد": تحقيق لمعنى "الأحد"، "الصمد" فخُتمت السورة الكريمة بما بُدئت به، وقرر في ختامها النفي الوارد في وسطها، لأن نفي الكفء يستلزم نفي الوالدية، والمولودية، كما يستلزم ذلك اللفظ نفي المصاهرة عن الله – ﷻ – وكل ذلك تأكيد وتقرير وإثبات لمعنى الأحدية، والصمدية، فالله هو الغني المقصود، وهو الإله المعبود، لا مثيل له، ولا عديل، ولا شبيه، ولا نظير في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١) .
стр. 74
.. فهذه السورة صفة الرحمن، ونسب الكريم المنان، كما ثبت ذلك عن خير الأنام، نبينا محمد – ﵊ – ومن قرأها عند نزعات الشيطان، ذهب عنه الوساوس والأوهام.
... وقد ورد في الصحيحين وغيرهما التصريح بكونها صفة الرحمن فعن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: بعث رسول الله – ﷺ – رجلا ً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ "قل هو الله أحد" فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله – ﷺ – فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن – – فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله – ﷺ –: أخبروه أن الله يحبه" (١)
стр. 75
.. وورد في المسند، وسنن الترمذي، وغيرهما التصريح بكون سورة الإخلاص نسب الرحمن، وبَوّبَ الإمام ابن أبي عاصم على ذلك كتاباً بهذا الخصوص في كتاب السنة، فقال: باب نسبة الرب – ﵎ – ورووا بأسانيدهم عن أبي بن كعب – ﵁ – أن المشركين قالوا لرسول الله – ﷺ –: انْسُبْ لنا ربك، فأنزل الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ"، و"الصمد": الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت، ولا يورث، "ولم يكن له كفواً أحد"، قال: لم يكن له شبيه، ولا عِدْلٌ، وليس كمثله شيء (١)