Полный текст (6 674 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
وقد ثبت فى المسند والصحيحين وسنن الترمذى والنسائى وابن ماجة والحديث فى أعلى مراتب الصحة من حديث أبى موسى الأشعرى ﵁، أن النبى ﷺ قال: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل كتاب آمن بنبيه ثم آمن بى على نبينا صلوات الله وسلامه، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها وأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران أجر التربية والتعليم والعتق ثم الزواج بها عندما جعلها حرة وسترها عن طريق النكاح الذى أحله الله، هؤلاء يؤتون أجرهم مرتين،) يؤتك الله أجرك مرتين، والأمر الثانى إذا أسلمت الرعية ستتبعك فلك أجرك وأجورهم، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ (بفتح الهمزة ويقال: الإرسيين، ويقال: اليراسين، ومعناه الأكار وهو الفلاح المزارع، اسمه الأرسيين واليراسين الإرّسيين الفلاح المزارع، بمعنى العامى، يعنى عليك إثم رعيتك الذين يتبعونك وغالب الرعية أهل فلاحة وزراعة وعامة هذا غالب الرعية، وخواصك وبطارقتك هؤلاء يشاركون فى الوزر تحمل أنت يعنى ومن معك إثمكم وإثم هؤلاء الأرسيين، الإرسيين واليراسين.
стр. 6162
﴿قل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، (يعنى من قرأة الكتاب الذى بعث به دحية إلى هرقل عظيم الروم) وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، (يعنى الضجيج والكلام والمجادلة من هؤلاء البطارقة والقسس وخواص أصحابه) وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، (قيل أخرجوا يا معشر العرب عندنا ما يشغلنا عنكم الآن أخرجوا) ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ (أمِر أى بلغ وعظم) أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، (يعنى نبينا ﵊، وكانوا يعيرونه بهذا الوصف، وهذه كنية قيل لبعض أجداده من أمه وقيل من أبيه وقيل من مرضعته حليمة السعدية، إذاَ يكنى بأبى كبشة، فإذاً كانوا ينسبونه إليه قيل للإحتقار والتصغير، يعنى إنُّ هذا الذى جده البعيد يكنى أبى كبشة صار له شأن وملك الروم هرقل يخافه، قيل أبو كبشة رجل كان من قبيلة خزاعة لا يعبد صنماً معينا وهى الشعرى التى كانوا يعبدونها فكان كل من لا يعبد هذا الصنم أو ينحرف عن عادة من عادات الجاهلية يقولون هذا حاله كحال أبى كبشة، وهذا كأنه على طريقته وإبن له، والعلم عند الله) .
стр. 6163
لقد أمِرَ (يعنى بلغ وعظم وصار أمر (يعنى شأن) ابن أبى كبشة (يعنى بينا ﵊ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ (ملك الروم هرقل يخاف هذا اليتيم الذى طردناه من مكة وهو فى المدينة على نبينا صلوات الله وسلامه) . فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَىَّ الإِسْلاَمَ (يعنى زال اليقين، فى العبارة إشكال، مَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَىَّ الإِسْلاَمَ، ما هو التقدير؟ فأظهرت يقينى وجهرت به ما زلت موقناً حتى أظهر علىّ الإسلام، ليس يعنى بطل اليقين، إنما أظهرته، هذا اليقين الذى كان فى قلبى وانا موقن أن الله سيظهر النبى ﵊، كان مكتوما فلما أسلمت أظهرت هذا اليقين. قال: وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ (لأن هرقل كانت مركز ملكه ومملكته فى حمص من بلاد الشام، ووكان على إيلياء ابن الناطور، وهنا عظيم بصرى أمير أخر، وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفًّا (سُقِفا أُسقُفّا أُسْقٌفَا، وهى معناها العالم الذى له شأن فى النصرانية، كما يقال: شيخ إمام، سُقُفاً عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، (يعنى هرقل وابن الناطور أمرآء وعلماء فى النصرانية) يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ (على ابن الناطور فى بيت المقدس) أَصْبَحَ يَوْمًا (يعنى هرقل) خَبِيثَ النَّفْسِ، (يعنى استيقظ ونفسه يعنى كئيبة حزينة) فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ.
стр. 6164
قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً (بالزاى ليس بالذال، والحزّاء هو الذى ينظر فى النجوم ويزعم أنه يستدل بها على المغيبات، وقيل الحزاء هو صاحب الفراسة،) وكان هرقا حزاء يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، (وضبط مُلْكُ الخِتان قد ظهر، ملكهم يعنى حكمهم، ملك الختان من سيملكهم قد ظهر وسينتشر سلطانه فى هذه الحياة، سيملك الناس فى هذه الحياة من يأمر أتباعه بالختان، والنصارى لا يختتنون عليهم لعنات الحى القيوم، بل ولا يستنجون.
اختصم مرة نصرانيان وهذه النكت اللطيفة التى تذكر فى أحوال النصارى، إختصم نصرانيان، فمد يده إلى مؤخرته أحدهما وهو من القسس وأخذ قطعة من القلق التى يكون يعنى من الغائط اليابس فى مؤخرته كما يكون فى الغنم وضرب بها خصمه، فقال له: آه، يعنى كدت أن تشق رأسى، قال: ضربتك بالرطبة، لو ضربتك باليابسة لقلعت رأسك، هذا حالهم لا يختتنون ولا يستنجون، لا إله إلا الله.
стр. 6165
هذا يقول: إنى رأيت الليلة حين نظرت فى النجوم ملك الختان، ليس مَلَكَ، مَلِك، يعنى الذى سيملكهم، يملك أمة تختتن، مَلِكَ الختان قد ظهر، مُلْكَ الختان قد ظهر، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلاَّ الْيَهُودُ فَلاَ يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ (من أهم يعنى لا تغتم ولا تنزعج) وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ (لألا يكون لهم الملك) . فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (إذا وصل متعددون، بصرى وهنا ابن الناطور، ملك غسان يرسشلون الخبر إلى هرقل وأنه أتتنا كتب من رسول ﷺ ، وقد انتشر أمره وأنت الملك الأعظم فى المملكة النصرانية فماذا عندك؟) أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﵊، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ (أرسل برجل هذا الرجل جاء من عند رسول الله ﵊، بخبر إلى ملك غسان، فأرسله إلى هرقل ليستفسر منه ويسأله عن أحوال النبى ﵊، فلما استخبره هرقل، قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لاَ (هذا الذى من هذا النبى ﵊ هذا الرسول الذى جاء لملك غسان وأرسله إلى هرقل يختتن؟ إكشفوا عن مئزره وانظروا إلى سوءته. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ.
стр. 6166
ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، (وذاك أيضاً عظيم من عظماء الروم، وهو أيضاً أسقف على النصارى كهرقل، مع أنه أيضاً حاكم) وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، (يعنى يسأله هل عندك خبر عن هذا النبى ﵊، وهل هذا وقت ظهوره؟) وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، (إلى مكان مملكته) فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ (يصل إليها، يستقر فيها) حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ (صاحب رومية) يُوَافِقُ رَأْىَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ (أذِن من الإذن بمعنى الترخيص، أو آذن هرقل، أعلم ودعى) لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ (والدسكرة هى القصر الذى حوله يعنى سور واسع، يقال له دسكرة، قصر وحوله سور واسع عالى مشرف، وهذه الدسكرة قصر حصين لا يمكن أن يدخل إليه من فى السور إذا كانت الأبواب مغلقة) فأذن هرقل لعظمار الروم فى دسكرة لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلاَحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا.
стр. 6167
(وفى رواية فتتابعوا) هَذَا النَّبِيَّ ﵊، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ (هو أدخلهم فى السور وأغلق باب الدسكرة) ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَىَّ. وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ، (أى فيما يتعلق بهذه القصة، لكن حياته إمتدت وقاتل المسلمين فى العام الثامن للهجرة فى موقعة مؤتة بألفى مقاتل، وقاتل بعد ذلك وجهز جيشاً كبيراً ليقتل النبى ﵊ فى غزوة تبوك فى العام العاشر، وكتب له النبى ﵊ كتاباً يدعوه إلى الإيمان وكاد أن يؤمن ثم لم يؤمن، وكتب للنبى ﷺ كتاباً فقال: أسلمت، فقال النبى: كذب عدو الله على نبينا صلوات الله وسلامه، إنه على نصرانيته، ثم قيل: امتدت حياته لعهد أبى بكر وعمر، ثم زال ملكه فى عهد عمر عندما فتحت بلاد الشام فى العام السادس للهجرة بعد هذا الكتاب بعشر سنين بقيادة أبى عبيدة عامر بن الجراح ﵃ أجمعين، وكان ذلك فى خلافة عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين.
стр. 6168
ما يتعلق بهرقل بعد ذلك وحال إيمانه، أترك الكلام عليه لأول الأتية إن أحيانا الله وأكمل بعد ذلك العلامات والكلام عليها وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم اغفر لأباءنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6169
علامات صدق النبي (١)
(لقاء ديني)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
علامات صدق النبي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعا وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد إخوتى الكرام..
تدارسنا المبحث الثانى من مباحث النبوة على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقد دار المبحث الثانى حول تعريف النبى والرسول والصفات التى ينبغى أن توجد فى كل منهما ليكون كل منهما نبياً ورسولا لله جل وعلا على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقبل أن ننتقل إلى المبحث الثالث فى بيان الأمور التى يعرف بها صدق النبى والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، بقى معنا كما ذكرت فى الموعظة الماضية فى أخرها أمر يسير قصير يرتبط بموضوع تعريف النبى والرسول والصفات التى ينبغى أن توجدفى كل من النبى والرسول، وهذا اتلأمر الذى بقى هو بيان عدة أنبياء الله ورسله على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، كم عدد الأنبياء؟ وكم عدد الرسل؟ عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، هذا يرتبط بالمبحث الثانى فى بيان تعريف النبى والرسول وصفات كل منهما ثم بعد ذلك كما قلت عدد الأنبياء والرسل لعلمائنا الكرام أهل الهدى أهل السنة قولان فى بيان عدد الأنبياء والرسل.
стр. 6170
القول الأول: ونسب إلى الجمهور كما فى شرح الطحاوية للإمام ابن أبى العز فى صفحة ٢٦٢، فقال: نعلم ونوقن ونجزم أن أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عددهم كثير، وهم جمٌ غفير، لكن ليس عندنا علم بعدد معين لهم، إنما نعلم أنهم عدد كثير جم غفير، فما من أمة إلا وقد بعث الله فيها نذير وما من أمة إلا وقد جاءها نذير، وهذا القول كما قلت نسب إلى الجمهور وقرروه بدليلين معتبرين محكمين من حيث الظاهر.
الدليل الأول: قالوا لم يرد خبر صحيح عن نبينا ﵊ فى بيان عدد انبياء الله ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، وطريق الكلام فى هذه المسألة هو النقل لا العقل، فلا يجوز للعقل أن يحدد عدداً معيناً لأنبياء الله ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، وعلى هذا القول يقولون لم يرد خبر صريح صحيح عن النبى ﵊ فى بيان عدد أنبياء الله ورسله فنمسك عن بيان العدد ونوقن بأن جميع الأمم السابقة جاءها أنبياء وبعث إليها رسل وقد بلغوا دعوة الله جل وعلا على أتم وجه وأكمله، هذا الدليل الأول.، وهو كماترون يعتمد على النفى أنه ما ورد نص صحيح عن نينا ﵊ فىى بيان عدد أنبياء ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.
стр. 6171
والدليل الثانى: قالوا نص الله جل وعلا فى القرآن أن كثيراً من أنبياء الله ورسله الكرام على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، أن كثيراً من أنبياء الله ورسله ما ذكر شأنهم وخبرهم وأمرهم إلى النبى ﵊ مما يدل على أن عددهم مثبوت عنه، قال الله جل وعلا فى سورة النساء ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا. ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل (إنتبه لموطن الدلالة) ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾ ، ورسلا لم نقصصهم عليك.
إذاً هناك عدد من أنبياء الله ورسله ما قص خبرهم ولا ذكر شأنهم ولا أعلم نبينا ﵊ بحالهم وأمرهم على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، فلهذين الدليلين يقول جم غفير من أهل السنة الكرام لا يعلم عدد أنبياء الله ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.، الأمر الأول: لم يرد فى بيان عددهم والإخبار بعدتهم خبر صحيح.، الثانى: قول الله ﴿ ... ورسلا لم نقصصهم عليك..﴾ ، فلهذين الدليلين نمسك عن بيان عددهم والإخبار بعدتهم، ونقول إنه جم غفير وعدد كثير ﴿فما من أمة إلا قد خلا فيها نذير﴾ .
القول الثانى: وهو فيما يظهر لى والعلم عند ربى أقوى القولين، وإن نسب القول الأول إلى جمهور أهل السنة من باب التجوز، والحقيقة يعنى، هل القول الأول قال به الجمهور أم لا؟ يعنى فيما وقفت عليه أن كثيراً من العلماء نصوا على القول الثانى وأخذوا به واعتمدوه ووجد ما يقرره ويدل عليه، والقول الأول حكى فقط، يقال: هو قول الجمهور، والذى يبدوا لى والعلم عند ربى أن النسبة فيها شىء من التجوز والتساهل وأن هذا ليس بقول الجمهور ولعل القول الثانى هو قول الجمهور والعلم عند العزيز الغفور.
стр. 6172
القول الثانى: خلاصته نعلم عدد أنبياء الله ورسله، أما الرسل فهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا، وأما الأنبياء فهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وتقدم معنا الفارق بين النبى والرسول فى المبحث الماضى على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقد ثبت الحديث بذلك فقولهم فى الدليل الأول لم يرد خبر صحيح هذا على حسب علم القائل وإلا فقد ورد خبر صحيح أما الرسل على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه فقد ثبت فى بيان عددهم خبر صحيح إسناده كالشمس ذكره الحاكم فى المستدرك وصححه، وهكذا وافقه عليه الإمام الذهبى فى تلخيص المستدرك، وقد نصا الحاكم والذهبى بعده على أن إسناد الحديث على شرط الإمام مسلم، والحديث فى الجزء الثانى صفحة ٢٦٢ ولفظ الحديث عن أبى أمامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ﷺ كم كانت عدة الرسل؟ فقال: ثلاثمائة وخمسة عشر] .
إذاً الحديث الصحيح فى بيان عدد الرسل وأما الأنبياء مع بيان عدد الرسل معهم فقد ورد ذلك فى حديثٍ ضعيف لكن من عدة طرق وقد صحح الحديث بعض أئمتنا كما سأذكر فتتقوى هذه الطرق ببعضها ويصبح إذا عندنا حديث ثابت فى بيان عدد الرسل، وحديث ثابت بطرقه فى بيان عدد الرسل والأنبياء على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.
стр. 6173
أما الحديث الذى فيه التصريح ببيان عدد أنبياء الله ورسله وأن عدة الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وأن عدة الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر، ورد ذلك فى مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان وأورده فى صحيحه وصححه، ورواه الحاكم فى المستدرك وصححه لكن تعقبه الذهبى بأن فى الإسناد ضعفا والحديث مروى من رواية أبى أمامة وهو راوى الحديث الأول ومن رواية أبى ذر ﵃ أجمعين، وفيه أن كل واحد من هذين الصحابيين المباركين عليهما وعلى الصحابة الكرام رضوان الله جل وعلا، سألا النبى ﵊ عن عدة الأنبياء وعن عدة الرسل، فأجيب كل واحد منهما بأن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وأن عدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً، والحديث كما قلت صححه ابن حبان وأورده الحافظ فى الفتح فى الجزء السادس صفحة ٢٦١ فى أول كتاب أحاديث الأنبياء فى شرح صحيح البخارى ونسب الإمام الحافظ ابن حجر تصحيح الحديث إلى ابن حبان ولم يعقب عليه بشىء وعلى حسب شرط الحافظ الذى ذكره فى مقدمة شرحه لصحيح البخارى فى هدى السارى فى صفحة ٤، يقول: كل حديث أذكره إذا لم أضعفه فلا ينزل عن درجة الصحة أو الحسن وعلى هذا فقد حكى تصحيح الحديث عن ابن حبان ولم يعترض عليه مما يدل والعلم عند الله أن الحافظ ابن حجر يميل إلى تصحيح الحديث وقبوله، وقد ذهب إلى هذا القول الإمام ابن القيم عليه ﵀ فى زاد المعاد فى الجزء الأول صفحة ٤٣ فى الطبعة الحديثة التى هى فى خمس مجلدات، ففى بداية الكتاب عند قول الله جل وعلا ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ ، تكلم على اختيار الله فقال: واختار الله جل وعلا من العالم الأنبياء وعدتهم مائةألف وأربعمائة وعشرون ألفا، وأختار من الأنبياءالرسل وعدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهذا ورد فى رواية لكن الرواية التى رويت من عدة طرق ثلاثمائة وخمسة عشر وهى رواية المستدرك، الأولى بإسناد صحيح على شرط مسلم كما تقدم معنا، لا
стр. 6174
منافاة بين ذكر القليل والكثير، فإذا أقررت لك بمائة لا يعنى أننى أنكر أن يكون لك على ألف، فمائة أقر بها ثم أقر بألف لا منافاة بين القليل والكثير كما يقول أئمتنا، فالرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم أيضاً يزيدون على ذلك رسولين بحيث يصلون إلى ثلاثمائة وخمسة عشر، جمعاً بين الرويات، يقول: واختار من الأنبياء الرسل على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، واختار الله من الرسل أولى العزم الخمسة، ﴿وإذ أخذنا من النبين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ ﷺ ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى....﴾ واختار من ارسل أولى العزم، واختار من أولى العزم الخليلين، ووقف عند هذا، أنا أقول واختار من الخليلن أحب خلقه وأفضلهم عنده ألا وهو نبينا ﵊ فهو خير خلق الرحمن فما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أطهر من نبيناعليه الصلاة والسلام، ولا أكرم عليه من نبينا ﵊، وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا فمل عن الشقاق، ويفهم من تفسير ابن كثير فى الجزء الأول صفحة ٥٨٦ عند آية النساء المتقدمة ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك..﴾ ، أنه يميل إلى هذا القول فبعد أن ذكر الحديث وأنه ضعف من قبل إسناده ذكر له روايات متعددة كأنه يشير إلى أن تلك الروايات تشد بعضها بعضا والعلم عند الله جل وعلا.
وخلاصة القول: ورد بذلك حديث صحيح كما تقدم معنا بالنسة للرسل بالإتفاق الحديث صحيح، بالنسبة لعدة الأنبياء مع الرسل فى الحديث الذى جمع بين عدد الأنبياء والرسل حول إسناده ضعف وصح من قبل أئمتنا لكن طرقه يعضد بعضها بعضا قيتقوى ويصل إلى درجة القبول والعلم عند العزيز الغفور.
стр. 6175
إذاً هذا القول الأول والدليل الأول وهو يرد دليل أصحاب القول الأول بأنه لم يرد خبر صحيح فى بيان عدد أنبياء الله ورسله عن نبينا ﵊.،
الدليل الثانى: الذى استدلوا به وهو قول الله جل وعلا.. ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك..﴾ ، إذاً هناك أنبياء ما ذكر أمرهم ولا شأنهم لنبينا ﵊ وهذا يقررالقول الأول لأنه لا تعلم عدة الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، والجواب لا إشكال قد أزال أئمتنا الإشكال الذى قد يرد فى ذهن بعض الناس من بيان عدد الأنبياء والرسل مع هذه الآية فهناك بين لنا عدة الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وخمسة عشر، وهنا ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك..﴾ ، فكيف هنا بين لنا عددهم وهنا رسل ما قص علينا خبرهم، قال أئمتنا من الإمام الألوسى وغيره لا منافاة بين الآية وبين المقرر عند أهل السنة لا منافاة، لأن الآية غاية ما نفت أنها ما بين الله لنبيه ﵊ خبر جميع الأنبياء مفصلا كما هو الحال فى بعض الأنبياء فكثير من أنبياء الله ورسله طوى الحديث عنهم، وهل عندنا فى القرآن مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألف نبى ذكر أخبارهم؟ لا، فصل إذاً خبر عدد منهم فإذا أعلم بعدتهم إجمالا ثم أخبر ببعضهم تفصيلا ولم يخبر بتفصيل بعض أحوال بعضهم الأخر، فإذاً لا تعارض بين الأمرين ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك..﴾ ،
стр. 6176
أى لم نفصل لك أخبارهم كما فصلنا أخبار من ذكرنا لك شأنهم وأحوالهم، وأما عددهم هذا عدد إجمالى، فذكر العدد المجمل لا يتنافى مع عدم تفصيل أحوالهم ذكر عددهم مجملاً لكن لم يفصل شأن كثير منهم وعليه لا تدل اآية على أنه لا تعلم عدة الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم جميعا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهذا القول كما قلت فيما يظهر لى ويبدو والعلم عند ربى أنه أقوى القولين وخلاصة الكلام على هذه الجزئية اليسيرة والنقطة الأخيرة أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة عشرون ألفا، وأن عدد الرسل من الأنبياء وتقدم معنا كل رسول فيه وصف النبوة، أن عدد الرسل من هذا العدد الجم الغفير الكثير ثلاثمائة وخمسة عشر والعلم عند الله جل وعلا.
والذى يتأمل هذا المبحث ويسرح النظر فيه يعلم رفق الله بعباده وإحسان الله إلى عباده ورحمة الله بعباده كيف أرسل لهم هذا العدد الكثير لهدايتهم فى كل وقت مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا يبلغون دعوة الله، والمؤمن عندما يعلم هذا العدد يشد أزره ويقوى نفسه ويعلم أن نسبه عريق عريق قديم قديم، ثابت ثابت، هذا أقوى نسب أنك تنتسب إلى دين بعث الله به مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، فهذا هو صراط الله المستقيم وهذا هو الطريق السليم وما عداه بنيات متعرجة توصلك إلى مَهلكة مُهلكة ولذلك أعرق نسب على وجه الأرض هو نسب الإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ ، به بعث الله أدم وبه ختم الله به بعثة الرسل بنبينا محمد ﵊، فكل رسول كان يقرر هذا الأمر كما سيأتينا ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ ، ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ ، هذا فيما يتعلق إخوتى الكرام فى المبحث الثانى جزئية يسيرة أكملنا بها المبحث، ننتقل إلى المبحث الثالث إلى العلامات التى يعرف بها صدق الأنبياء والرسل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.
إخوتى الكرام..
стр. 6177
عندما يأمرالله باتباع الحق والإقتداء بالمحقيقن وينهانا عن اتباع الباطل ويحذرنا من السعى ورآء المبطلين يلزم من أمره لنا باتباع الحق ونهيه لنا عن اتباع الباطل أن ينصب للحق علامات ودلالات هى أوضح وأظهر من الشمس إذا كانت فى الظهيرة ليس دونها سحاب ولا غمام وهى أظهر من المنارات الطويلة العالية الشامخة التى تدل على بيوت الله فى الأرض، وإلا نؤمر بحق ولا يوجد علامة تدل على ان هذا حق، وننهى عن اتباع الباطل ولا يوجد علامة تدل على أن هذا باطل، هذا لا يمكن ولذلك إخوتى الكرام: من ضل فى هذه الحياة ما ضل لجهله إنما ضل لسوء قصده وسبب الضلال أحد أمرين: إما جهل وإما سوء قصد، أما الجهل فقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وقطع الأعزار وأقام الحجة كالشمس فى رابعة النهار ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة، بقى بعد ذلك أمر أخر وهو خبث فى النفس لا تريد اتباع الحق، وقد قرر الله هذا فى كتابه فقال ﴿الذين الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ ، هذا دافعه ومبناه الجهل أو سوء القصد، سوء القصد،.
стр. 6178
ولكن إذا كان الضلال متسبباً عن سوء القصد فلا علاج له، إذا كان الضلال متسببا عن الضياع وعن عدم البصيرة ومعرفة الحق سرعان ما يهتدى الضآل فما أوضح الحق وما أظهره، فالله عندما أمرنا باتباع رسله عليهم صلوات الله وسلامه سيقيم لنا أدلة على ذلك الله أقام ادلة تدل عليه على أنه الخالق الموجد المعبود بحق ، عندما يقول جل وعلا فى كتابه فى أول سورة من كتابه فى سورة الفاتحة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، الحمد لله، هذه قضية، الله يحمد لما يحمد؟ ويستحق الحمد ماالسبب لذلك؟ وما الدافع له؟ وما المبرر له؟ أتاك بالدليل والبينة قال هو الرب، رب من؟ رب العالمين وكل من عدا الله من العالمين، مفرد عالم جمع عالم، والعالم سمى عالما لأنه علامة على موجده وخالقه وهو الله جل وعلا فلله الحمد، ما الدليل على أنك إلاه تحمد وينبغى أن نشكرك وأن نعبدك وأن نوحدك؟ قال: أنا سيدكم أنا مالككم كيف، كيف هذا؟ قال: أنتم خلقى وتدلون على وكل واحد من مخلوقات الله من حجر وبشر وبقر وشجر وغير ذلك يدل على الله، وفى كل شىء له آية تدل على أنه واحد .
﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، من العالم كما قلنا وهو جمع عالم من العلامة فالعالم سمى عالماً لنه علامة على وجود خالقه وعلى عظمة خالقه وعلى أن هذا الخالق ينبغى أن يعبد وحده لا شريك له، وهكذا الأنبياء والرسل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه ينبغى أن يكون هناك علامات تدل على صدقهم وأنهم رسل الله لنفرق بين النبى والمتنبىء، وبين الصادق والكذاب، وبين المحق وبين المبطل.
стр. 6179
يروى الإمام الخرائطى فى كتابه مساوىء الأخلاق، كما نسب الإمام ابن كثير الأثر إلى هذا الكتاب فى تفسير سورة العصر، أن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه جاء إلى المتنبىء الكذاب مسيلمة الكذاب، فقال مسيلمة لعمرو ماذا أنزل على صاحبكم، يعنى محمد ﵊، وكان عمرو لا يزال على شركه فى ذلك الوقت هو مشرك، ماذا أنزل على صاحبكم؟ الذى هو من قومكم وقبيلتكم، ماذا أنزل عليه؟ قال أنزل الله عليه سورة وجيزة بليغة، قال: وما هى؟ قالك سورة العصر، ﴿والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ، فقال هذا المتنبىء الكذاب الدعى الخبيث أنزل على أنفاً مثلها، إذا كان ينزل على صاحبكم قرآن وتقول سورة وجيزة بليغة عندى ما نزل على مثلها بحجمها ببلاغتها وفصاحتها، قال: أسمعنى ماذا أنزل عليك، فقال له وقرأ عليه ما أنزل عليه من شيطانه وهوسه ووهمه وضلاله، فقال: يا وبر ياوبر إنما أنت أذنان وصدر وسائرك حفر نقر، والوبر كما قال علماء اللغة يقولون حشرة حيوان كالقطة كالهرة كالسنور، أعظم ما فيه أذناه وصدره وبقية أعضاءه صغيرة لا يعنى أثر لها فى الرؤية ولا فى الحجم، يا وبر ياوبر إنما أنت أذنان وصدر أعظم ما فيك أذناك طويلة وصدرك بارز وسائرك حفر نقر، يعنى لا قيمة له ولا أثر له فى حجمك وشكلك، فقال: ماذا ترى يا عمر؟، ألا تعدل هذه السورة تلك السورة، قال: والله إنك لتعلم أننى أقول إنك كذاب، أنت تعلم لما تسألنى؟ هذه كهذه، لأين تذهب عقولكم، هذه كهذه؟ والله الذى لا إله إلا هو لو نظر الإنسان إلى نبينا ﵊ وإلى مسيلمة لا يرتاب فى أن هذا رسول الله وهذا عدوا الله لا يرتاب، هنا كل حركة تدل على طهارة وفضيلة، وهناك كل حركة تدل على قبح ورذيلة.
النبية الثانية سجاح عندما جاءت إلى مسيلمة كانت النتيجة أن زنا بها وقال بعد ذلك قومها:
стр. 6180
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها ... وغدت أنبياء الناس ذكرانا
فلعنة الله رب الناس كلهم ... على سجاح ومن بالإفك أغوانا
نبية جاءت إلى نبى زنا بها، طيب هذه نبية؟ وهذا نبى؟ كل حركة من هذه النبية سجاح ومن هذا النبى الدعى مسيلمة كل حركة تدل على كذبهما كما سيأتينا تفصيل ذلك، وهناك إذا نظرت فقط غلى وجه النبى ﵊ تقول ليس هذا بإنسان عادى، ﴿ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم﴾ ، كما قال النسوة فى حق نبى الله يوسف على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.
ولذلك قال عبد الله ابن رواحة وهو أحسن ما قيل فى بيان حقيقة نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه، قال: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر كانت بديهته تأتيك بالخبر، لو لم يكن فى رسول الله ﵊ من الآيات التى يعلم بها صدقه فى جميع الأوقات لو لم يكن هذا، أنت فقط إذا نظرت إلى وجهه تقول وجهه ليس بوجه كذاب كما كان يقول هذا الأعراب يأتون فيقولون أيكم محمد ﵊،؟ فيقال: هذا فينظرون إلى وجهه يقول: وجهه ليس بوجه كذاب، وجهه ليس بوجه كذاب، لو لم تكن فيه آيات بينة كانت بديهته تنبيك بالخبر تأتيك بالخبر، أى تخبرك عن طهارة قلبه وسره وأنه رسول الله ﷺ حقاً وصدقاً.
إذاً لابد من علامات، يا وبر ياوبر، هذه علامة تدل على كذبه، وعلى افتضاحه وعلى نجاسته وحقارته، يستوى هذا مع هذا كلام الله مع هذا الهذيان وهذه الثرثرة وهذا الكلام الباطل الفارغ؟ ماذا ترى يا عمرو؟ قال: والله إنك لتعلم أننى أقول إنك كذاب، أنت تعلم هى علامة فضحتك لو سكت لكان خيراً لك، لا بد إ×وتى الكرام من علامة على حال الإنسان، فالعلامة هى التى تبين صدق النبى وكذب المنتبىء.
ولذلك كل من ادعى شيئا فإذا لم يظهر علامات على دعواه هذه الدعوة لا قيمة لها ولا وزن ولا اعتبار.
стр. 6181
ورد فى معجم الطبرانى الكبير والأثر رواه البزار فى مسنده ورواه عبد الرزاق فى مصنفه وفى تفسيره ورواه البيهقى فى شعب الإيمان عن أنس بن ماك وعن الحارث بن مالك الأشعرى ﵃ أجمعين، وإسناد الحديث ضعيف كما قال الحافظ فى المجمع فى مجمع الزوائد فى الجزء الأول صفحة ٥٧ لكن معناه حق صحيح، الغرض منه أن نستدل على أنه لابد للشىء من علامة يستدل بها عليه وإلا كان هذا الشىء بلا دليل وبالتالى لايصح كلامه، فى الحديث الذى من رواية أنس والحارث بن مالك الأشعرى أن النبى ﵊ لقى الحارث ويقال له حارثة، فقال له النبى ﵊: كيف أصبحت يا حارثة، قال: أصبحت مؤمناً حقا، قال: انظر ما تقول فإن لكل قول علامة، فما علامة إيمانك، أنت مؤمن ثم مؤمن حقا، فما العلامة؟ عندك علامة تدل على ذلك أو مجرد كلام حقيقة العلامة تبين صدق الإنسان، قال: يارسول الله ﵊ عزفت نفسى عن الدنيا وأقبلت على الأخرة، فأظمئت نهارى وأسهرت ليلى، وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزا وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يعذبون، هذا أصبح مؤمنا حقا أم لا؟، قال: عرفت فالزم، عبد نور الله قلبه.
الأثر من حيث الإسناد كما قلت ضعيف لكن المعنى، لابد لكل قول من علامة، لابد من كل شىء من براهان يدل عليه، فما هى البراهين التى تدل على صدق النبيين والمرسلين عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، لابد من وجود براهين كما سيأتينا.
إخوتى الكرام..
стр. 6182
ما فى قلب الإنسان سيظهر على جوارحه مهما تكتم وكتم، وإذا أسر الإنسان سريرة أظهرها الله على جوارحه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وورد الحديث بذلك فى معجم الطبرانى الكبير والأوسط من رواية جندب بن سفيان والأثر إسناده ضعيف، ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله راءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فى قلبك شىء لابد من أن يظهر، وهكذا نبى لابد من ان صدقه، متنبىء لابد من أن يظهر كذبه، ولذلك سيشيع حال الإنسان على ألسن الناس سوآء علم أم لم يعلم، ما فى قلبك وما أنت عليه سيتناقله الناس بألسنتهم ويذكرونك بما فيك.
وقد ثبت فى مستدرك الحاكم والحديث رواه البيهقى فى شعب الإيمان وإسناد صحيح، عنم أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت النبى ﷺ يقول: إن لله ملائكة فى الأرض تنطق على ألسنة بنى أدم بما فى المرء من خير وشر،، ولذلك المؤمنون فى هذه الحياة هم شهداء الله فى الأرض،
إذاً لابد من علامات، العلامات التى نعرف بها صدق النبى وكذب المتنبىء كثيرة يمكن أن نجملها فى أربعة أمور، وكل واحد من هذه الأمور سيأخذ معنا موعظة أو أكثر، موعظة على أقل تقدير، وإذا زاد الوقت فنسأل الله أن يبارك لنا فى علمنا وديننا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، هذه العلامات الأربعة، أذكرها على سبيل الأجمال، ثم أذكر أمراً عاما يدل على هذه العلامات، وأما تفاصيل هذه الأربعة كل واحد منها على حدة، هذا يكون فى المواعظ الأتية إن أحيانا الله.
الأمر الأول: النظر إلى النبى فى نفسه، أن تتأمل حاله فى معيشته فى معاملاته بين أسرته كما سيأتينا برهان هذا وتقريره والتدليل عليه.
الأمر الثانى: النظر إلى الشريعة التى أتى بها النبى والديانة التى بلغها، والهدى الذى جاء به.
الأمر الثالث: النظر إلى معجزات النبى وخوارق العادات التى أتى بها.
الأمر الرابع: النظر إلى أصحابه.
стр. 6183
من تأمل هذه الأمور الأربعة فى نبيناعليه الصلاة والسلام لن يرتاب ولا واحد من مليارات بأنه رسول رب الأرض والسموات لم يرتاب، ومن أراد أن يأخذ واحدة منهاليتأملها فى متنبىء دعى كذاب لن يرتاب فى أنه غشاش كذاب ليس بنبى ولا رسول، إنما هو يجدل ويكذب ويقترى.
أربعة أمور لا بد من علامات العلامات يمكن أن تجمل فى أربعة أمور، قبل أن أفصل الكلام كما قلت على كل واحد منها، أحب أن أذكر أمراً عاما يدل على هذه الأمور، وهذا الأمر منقول، ثم أتحدث بعد ذلك عن ألأمور الأخرى.
ثبت فى مسند الإمام أحمد والصحيحين وهو فى أعلى مراتب الصحة والحديث رواه الإمام الترمذى أيضا من رواية عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين، قال: أخبرنى أبو سفيان بن حرب فى بعض الرويات فى صحيح البخارى كما فى كتاب التفسير فى تفسير سورة المائدة يقول، من فيه إلى فىّ من فمه إلى فمى، والأصل أن يقول من فيه إلى أذنى، وإنما قال بن عباس هذا عمدا، كأنه يقول: أخبرنى من فيه إلى فىّ، من فمه إلى فمى، أى أخبرنى وأنا أسمع وإذا السماع يحتاج إلى إستفسار واستظهار تكلمت بفمى وضبط الأمر يعنى ليس هو سماع مجرد وليس لى فم ينطق ويستفسر، فمه إلى فمى منفيه إلى فىّ، أى فمه إلى أذناى، لكن الفم إذا لزم أن يتكلم تكلم من أجل أن يسأل عن الحقيقة وأن يستوضح عن المراد.
стр. 6184
وخلاصة حديثه أقرأه بعد ذلك بلفظه الطويل من صحيح البخارى إن شاء، خلاصة الحديث أن أبا سفيان عندما كان فى تجارة مع بعض أصحابه من قريش إلى بلاد الشام، وقيل كانوا ثلاثين شخصاً راكبا وقيل عشرين رضي الله على من اهتدى منهم بعد حينه، يعنى من اهتدى ومن بقى على كفره أو مات على الكفر العلم عند الله إنما أبو سفيان من جملة من اهتدى وآمن بالنبى ﵊، يقول: فلما وصلوا إلى بلاد الشام ورد فى بعض الرويات أنهم كانوا فى غزة من بلاد الشام طلبهم هرقل عظيم الروم الذى يلقب بقيصر وهذا لقب لكل من ملك الروم، فسألهم عشرة أسئلة تتعلق بالنبى ﵊ عندما علم خروج النبى ﵊ وبعثته وكان هذا فى العام السادس للهجرة بعد صلح الحديبية لأنه لما وضعت الهدنة بين النبى ﵊ وبين مشركى قريش تفرغ المشركون واستطاعوا أن يسافروا إلى بلاد الشام وأن المسلمين فى المدينة المنورة وفيما حولها لم يعترضوهم من أجل الهدنة التى بينهم كما سيأتينا هذا إن شاء الله، فسألهم هرقل عشرة أسئلة، عشرة أسئلة كما سيأتينا، هذه الأسئلة هى علامات تدل على صدق خير البريات ﵊ فى دعواه النبوة والرسالة وهذه العشرة أسئلة تقدمها سؤال ويتعلق هذا بمن هو أقرب نسباً بنينا ﵊، فقال هرقل لما جاء أبو سفيان وأصحابه: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال أبو سفيان: أنا وهو أقرب الموجدين نسباً وأبو سفيان يلتقى مع نبينا ﵊ فى الجد الرابع فى عبد مناف فهو الجد الرابع لأبى سفيان ولنبينا ﵊، فقال: أنا،.
стр. 6185
فقال هرقل لترجمانه: قربوه واجعلوا أصحابه ورآء ظهره ورآء أبى سفيان، ثم قال لأصحابه الذين معه وكما قلت كانوا ثلاثين أوعشرين: إنى سائل هذا، أى عن هذا النبى الذى بعث سأسئله فإن كذبنى فكذبوه، قال علماء اللغة: هذا من غرائب الألفاظ، كذب بالتخفيف تتعدى إلى مفعولين، كذّبوه تتعدى إلى مفعول واحد، والأصل أن الفعل إذا شدد وثقل إذا كان لازماً يتعدى إلى مفعول إذا كان متعدى إلى مفعول يتعدى إلى مفعولين، هذا إذا ثقل يتعدى إلى مفعول واحد وإذا خفف يتعدى إلى مفعولين، هذا من غرائب الأفعال كما قال علماء اللغة، إن كذبنى الحديث والخبر والقول، فالمفعول الأول الياء الضمير والثانى إن كذبنى القول الخبر الكلام فكذبوه، هذا لا يتعدى إلى مفعول واحد، كذبوا أبا سفيان، يقول أبو سفيان: والله لولا أن يأثرونى بكسر الثاء وضمها يأثُر أى يروا ويتناقلوا عنى كذباً لكذبت عنه، انتبه قال: يأثروا وما قال يكذبونى، هو واثق من عدم تكذيبهم له واثق لآنهم على نحلته وعلى ضلالته، فإذا غمط النبى ﵊ وحقره وأنقص من شأنه لن يقولوا لهرقل إنه يكذب، كلهم يتآمرون على الباطل لكن سيسقط من أعينهم بعد ذلك، يقولون: هذا كذاب والكذب منقصة، عند الموحدين وعند المشركين الذى يكذب هذا ناقص يقول: لولا أن يأثروا أى يروا ويتناقلوا فيما بعد خبر كذبى وأنه لاقيمة لى إلا كذبت لأننى واثق من عدم تكذيبهم لى، لكن بعد ذلك سأفتضح لذلك سأتكلم بالحق، إلى هنا كله سؤال عمن يقرب من النبى ﵊ وله به صلة من أجل أن يستوثق هرقل من أحواله وأخباره، فاسمعوا إلى الأسئلة العشرة.
стр. 6186
قال هرقل لأبى سفيان: كيف نسبه فيكم، هذا محمد ﵊ خير عباد الله الذى بعث فيكم فى مكة وهاجر إلى المدينة وأنتم من قومه وأنت تزعم أنك من رهطه وأقرب الحاضرين به، كيف نسبه فيكم: قلت هو فينا ذو نسب، والتنكير فى نسب للتعظيم، أى نسب عظيم جليل رفيع كريم من خير بيوتات قريش، وهذا كقول الله ﴿ولكم فى القصاص حياة..﴾ أى حياة كريمة سعيدة هنيئة، فالتنكير للتعظيم والتفخيم، هو فينا ذو نسب، هذا السؤال الأول عدوا الأسئلة عشرة.
ووجه إليه السؤال الثانى وهذا سؤال نصرانى سؤال كافر وبقى على كفره، لكن اسمعوا لشهادة الحق نعلم أن الحق أبلج من النهار وأوضح وأظهر، فقال هرقل السؤال الثانى: هل قال هذا القول أحد قط قبله؟، أحد فى قريش كان يدعى أنه نبى ورسول قبل محمد ﵊، عندكم من ادعى النبوة يا معشر العرب؟، قلت: لا ما سمعنا بهذه الدعوة على الإطلاق، ونحن نعبد الأصنام وما جاءنا أحد قال: أنا نبى أتركوا عبادة الأصنام.
السؤال الثالث: فقال: هل كان من أباءه من ملك؟، قوله من ملك بزيادة من وحذفه، هل كان من آباءه ملك، من ملك؟ وعلى الزيادة تضبط بوجهين كما قال علماء الحديث وكل من هذه الوجوه منقول، هل كلن من آباءه مَن مَلَكَ، مِن مَلِكٍ، هل كان من آباءه مَلِكٌ؟، وقال الحافظ ابن حجر فى الفتح، والوجوه الثلاثة متقاربة، والمعنى هل أحد من آباءه كان ملكاً عليكم رئيسا، مسئول، قلت: لا ما كان من أحد من آباءه ملك، مَلَكَنا أحد من أسرته.
стр. 6187
السؤال الرابع: قال أشراف الناس يتبعونه أم ضعفائهم، قلت: بل ضعفاءوهم، وإنما يريد بالشرف هنا أهل النخوة والكبر والعزة والأنفة الذين يتغطرسون ولا ينقاضون للحق، ليخرج بذلك أبو بكر وعمر فهم من سادات قريش، ويمكن أن نقول: يقصد بذلك التغليب يعنى غالب من يتبعه الضعفاء لا أهل الشرف فما تبعه إلا قلة من أهل الشرف، وإذا قلنا على المعنى الأول وهو أوجه والعلم عند الله، أشراف الناس أم ضعفاءهم؟ يقصد بالأشراف أهل العتو والكبر والعظمة، فأبو بكر شريف فى النسب لكنه طاهر القلب لا كبر عنده ولا تعالى ولا تعاظم، وهكذا عمر، أشراف الناس يتبعونه أو ضعفاءهم، قلت: بل ضعفاءهم،
السؤال الخامس أوليس كذلك: قال: يزيدون أم ينقصون، قلت: بل يزيدون.
السؤال السادس: قال فهل يرتد أحد منهم سَخطةً سُخطة بفتح السين وضمها، سخطة، أى كراهية لدينه، هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه سخطاً لدينه؟ كراهية له وعدم محبة فيه بعد أن يدخل فيه، أحد ارتد من الصحابة، قلت: لا، وإنما قال سخطا.
стр. 6188
نماذج من بيت النبي (١)
(لقاء ديني)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
نماذج من بيت النبي (٢)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.
اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.
سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد إخوتى الكرام..
لا زلنا نتدارس خلق نبينا ﵊ ﷺ مع أهله الكرام وتقدم معنا أن خير الناس خيرهم لأهله ونبينا عليه صلوات الله وسلامه هو خير المخلوقات فهو خير المخلوقات إذن لأهله عليه صلوات الله وسلامه فى جميع الأحوال والأوقات وقد تقدم معنا شىء من معاملة نبينا عليه صلوات الله وسلامه وخلقه مع أهله فبينت أنه كان فى كل يوم يمر نبينا عليه صلوات الله وسلامه على نسائه أمهاتنا الطيبات الطاهرات ويتفقد أحوالهن ويؤانسهن كما كان عليه صلوات الله وسلامه يخلص فى حبهن ويحفظهن فى حياتهن وبعد موتهن على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه.
كما تقدم معنا الأمر الثالث ألا وهو حسن عشرته وكريم معاشرته لهن على نبينا عليهن صلوات الله وسلامه.
стр. 6189
والأمر الرابع: قلت وبه يتجلى به حسن الخلق على وجه التمام والكمال كان يتحمل تقصيرهن ويصبر على قصورهن على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه وقلت إخوتى الكرام ما جرى من تقصير وقصور من أمهاتنا نحو نبينا على نبينا وآل بيته وصحبه صلوات الله وسلامه فقلت إن هذا يسير وعدده محصور وقلنا إذا أردنا أن نستقصى ما جرى فى بيت نبينا عليه صلوات الله وسلامه من نسائه مما يمكن أن يعتبر قصورا وتقصيرا فتقدم معنا أنه لا تصل الحوادث فى ذلك إلى عدد أصابع اليدين فهى دون العشر حوادث كما تقدم معنا ذلك وذكرت غالب ظنى خمس حوادث مما جرى من أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فيما بينهن وفيما بينهن وبين نبينا عليه صلوات الله وسلامه وبينت أن ذلك القصور والتقصير لا تنفك عنه طبيعة البشر وإذا جرى على حسب ما ركز فى الإنسان من غفلة وغضب وقصور وتقصير فلا يدل إلا على أن الإنسان فيه هذه الصفات فينبغى أن يجاهد نفسه ويدل أيضا على أن هذه الحياة لا تخلو من المعكرات والمكدرات فالقصور إذا لم يكن متعمدا ولم يكن دافعه خبثا فى القلب وفسادا فى النفس فلا يدل كما تقدم معنا إلا على قصور هذا البشر وأنه ما دام فى هذه الحياة ما يمكن أن يكون كاملا مكملا إنما دار الآخرة هى دار الكمال وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون هى الحياة الكاملة لا تنغيص فيها بوجه من الوجوه.
كما تقدمت معنا الإشارة إلى ذلك فنبينا عليه صلوات الله وسلامه خير خلق الله أدبه ربنا فأحسن تأديبه وأثنى عليه بقوله إنك لعلى خلق عظيم فهى الذى لا يصدر منه القصور والتقصير عليه صلوات الله وسلامه وأما من عداه فالأمر كما قال أئمتنا:
من الذى ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
محمد الهادى الذى ... عليه جبريل هبط
стр. 6190
هذا الذى ما ساء قط وهذا الذى يتصف بالحسنى فقط عليه صلوات الله وسلامه ولا يجرى منه القصور ولا التقصير عليه صلوات الله وسلامه وأما من عداه فكما قلت إذا جرى منه القصور والتقصير دون أن يكون ذلك متعمدا ودون أن يكون الدافع لذلك خبثا فى القلب وفسادا ونجاسة فى النفس فلا يضر الإنسان إنما يدل فقط على أن الإنسان فى هذه الحياة مجبول على القصور والتقصير وما عليه إلا أن يلجأ إلى الله الجليل فى جميع أحواله وأن يقلع عن قصوره وأنت يندم على ما جرى من تقصيره هذا الذى ينبغى أن يتصف به الإنسان.
ولذلك إخوتى الكرام ما جرى من شوائب من أمهاتنا أزواج نبينا الطيبات الطاهرات المطهرات على نبينا وعلى آل بيته وصحبه صلوات الله وسلامه فقلت ما نذكره من باب تعييرهن فحاشاهن من أن يعيرن إنما نذكر ذلك كما قلت لبيان ما حصل فى بيت النبوة وكيف عولج من قبل نبينا الحليم الرحيم عليه صلوات الله وسلامه لنتقدى به فى معالجة هذه الأحوال التى تطرأ فى بيوتنا بعد نبينا عليه صلوات الله وسلامه فهو أسوتنا وقدوتنا كما تقدم معنا فيما نحب وفيما نكره فينبغى أن نقتدى به فى الشدة كما نقتدى به أيضا فى الرخاء ونقتدى به فيما نحبه عندما نعاشر الزوجة وتطيعنا ونقتدى به فيما نكرهه أيضا عندما نعاشر الزوجة وأحيانا تقصر فى حقنا وهكذا إذا نحن قصرنا فهى تتحمل ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من ذوى الأخلاق الحسنة الطيبة الهينين اللينين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 6191
سأذكر إخوتى الكرام فى هذه الموعظة ثلاث حوادث أيضا مع الخمسة يصبح المجموع ثمانية ولا يمكن أن يزاد على ذلك شائبة من الشوائب وما قلت جمعتها وحقيقة جمعها غير محمود أن يجمع الإنسان يعنى هذه السلبيات فى مكان واحد لكن كما قلت لنقطع ألسنة الذين يتكلمون بالباطل ويقولون كان يجرى فى بيت النبى ﵊ ويجرى وهذا يدل على أنه إذا حصل تعدد سيترتب عليه مشاكل قلت لا ثم لا هن تسع نسوة فى تسع سنوات ما جرى فى هذه السنوات التسع تسع حوادث إنما على سبيل الاستقصاء خمس وهذه ثلاثة ثمانى حوادث وقعت فى بيت نبينا عليه صلوات الله وسلامه عولجت بعد ذلك بهذه المعالجة الحكيمة الحليمة الرحيمة فاستمعوا إخوتى الكرام للحادثة السادسة التى جرت فى بيت نبينا ﵊ أوردها مختصرة ثم أذكر الروايات والدلالات عليها تقدم معنا أنه ركز فى طبيعة النساء الغيرة فنبينا عليه صلوات الله وسلامه كما تقدم معنا كان يعدل فى القسم ولم يوجب الله عليه ذلك وكان يقوم به على وجه التمام فهو فى بيت عائشة رضى الله عنها وأرضاها تكررت ثلاث حوادث.
الحادثة الأولى: أرسلت أمنا حفصة رضى الله عنها وأرضاها إلى النبى ﵊ طعاما وهو مع أصحابه فى بيت أمنا عائشة.
حادثة ثانية: أرسلت أمنا أم سلمة طعاما إلى النبى ﵊ وهو مع أصحابه وأمنا عائشة تصنع طعاما على عجلة.
حادثة ثالثة: أرسلت أمنا صفية على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه طعاما إلى نبينا ﵊ وهو مع أصحابه أيضا فى بيت أمنا عائشة.
стр. 6192
الحوادث الثلاث فى بيت أمنا عائشة وفى قسمها ونصيبها فما تحملت أمنا الطيبة الطاهرة المباركة فأخذتها الغيرة وضربت القصعة فكسرتها وتناثر الطعام فجمعه نبينا ﵊ ولا أظهر تأففا ولا غضبا ولا انفعالا والصحابة حضور فماذا قال يلتمس عذرا لأمنا عائشة قال غرت أمكم يعنى التمسوا لها عذر ما أحد يتكلم الذى يتكلم نقطع لسانه الآن هذه جاءتها غيرة وطياشة فى البشر ولذلك ليس هذا من باب خبث فى القلب ولا فساد فى النفس غارت أمكم ثم جمع ﵊ هذا الطعام وحبس الرسول الذى جاء من قبل حفصة وأم سلمة كما قلت وصفية فى الحوادث المتعددة حتى جاءت قصعة أمنا عائشة فأرسلها إلى التى كسرت قصعتها وقال إناء كإنائها وطعام كطعامها وانتهت المشكلة يعنى هذه حقيقة جرت فى بيت النبى ﵊ ولا أريد أن يقول يا ليتها لم تجرِ لا إنما جرت ولله الحكمة فيما شاء وقدر لنقتدى بهذا الفعل وأن هذا لا يعتبر تعييرا فى الرجل ولا منقصة فيه إذا جرى هذا بين أزواجه حتى أمام ضيوفه لا حرج ونلتمس العذر غارت أمكم أى لا أحد يتكلم لا فى وقت انفعال والإنسان دعوه ليهدأ هو يندم لذلك تقول أمنا عائشة كما سيأتينا فى الرواية التى سأذكرها قالت فنظرت إلى النبى ﵊ فقلت أعوذ برسول الله أن يلعننى هذا اليوم يعنى أنا أغضبتك الآن وكسرت القصعة وتناثر الطعام كما سيأتينا والرواية صحيحة قال أو لا لا ألعنك ولا ألعن أحدا وما لعن ﵊ أحدا من خلق الله حتى يلعن زوجه أم المؤمنين أو لا إناء كإنائها وطعام كطعامها انتهى مشكلة تزول ولا داعى للعن وللانفعال ولا للغضب يعنى إذا أنت غضبت لا بد من معالجة هذه القضية فنلتمس لك عذرا ولئلا يتكلم أحد غارت أمكم فاستمع لهذه الحوادث كما قلت الثلاثة التى جرت فى بيت نبينا ﵊.
стр. 6193
أما الحادثة الأولى قلت حفصة أوليس كذلك بدل حفصة زينب رضى الله عنها وأرضاها زينب وأم سلمة وصفية الحادثة الأولى رواها الإمام البخارى فى صحيحه وأبو داود والترمذى والنسائى فى سننه فهى فى صحيح البخارى والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجة عن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ عند بعض نسائه أبهمها أنس تفخيما لشأنها فكأنه يقول هى أفضل نساء النبى ﵊ وهى معلومة قال فأرسلت إليه إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام والصحفة كالقصعة والقصعة كما قال علماء اللغة إنا من خشب وأما الصحفة فهى قصعة مبسوطة قد تكون من خشب وقد تكون من غيره إذن أرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام هذه المرسلة هى زينب بنت جحش كما ثبت ذلك فى المحلى لابن حزم بإسناده أن زينب رضى الله عنها أهدت إلى النبى ﵊ وهو فى بيت عائشة رضى الله عنهم أجمعين جفنة من حَيث والحيث طعام متخذا من تمر وأقط وسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق يعنى تمر وسمن لا بد منه وقد يكون معه أقط وقد يكون دقيق تمر وسمن ودقيق تمر وسمن وأقط يعجن مع بعضه والأقط هو لبن مجفف هذا يقال له حيث أرسلت أمنا زينب على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه جفنة من حيث وكما قلت هو فى بيت أمنا عائشة رضى الله عنهم أجمعين قال فأرسلت إليه إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التى هو فى بيتها يد الخادم عندما يحمل القصعة ضربت هذه القصعة لتسقط من يده فسقطت الصحفة فانفلقت فجمع رسول الله ﷺ فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة ويقول غارت أمكم غارت أمكم ثم حبس الخادم قال لا تذهب انتظر حتى أوتى بصحفة من عند التى هو فى بيتها يعنى من عند أمنا عائشة فدفعها إلى التى كسرت صحفتها وأمسك المكسورة فى بيت التى كسرتها وزالت المشكلة خلص المشكلة زالت من أولها لآخرها فانظر لهذا النبى الحليم الكريم عليه
стр. 6194
صلوات الله وسلامه كيف عالج هذا دون أن يتكلم كلمة عتاب لا لمن كسرت ولا لغيرها ولا لتلك لمَ أرسلت وتلك فى الحقيقة أيضا على حسب موازين يعنى الغيرة أيضا تعتبر تجاوزت حدها ينبغى أن تستأذن من صاحبة القسم هل ترسل يعنى أم لا فكأن أمنا عائشة رضى الله عنها ترى أن تلك تجاوزت الحد وأنها هى ما تقوم نحو النبى ﵊ بما يجب حتى أرسلت تلك طعاما وطعام أمنا عائشة قد تأخر فإذن كأنها مقصرة فهذا الذى دعاها للانفعال ضربت القصعة والنبى ﵊ لا عاتب هذه ولا عاتب تلك قال المسألة سهلة ولا داعى للتعليق عليها ولا ببنت شفة اجلس أيها الخادم فعندما يأتى طعام أمنا عائشة نرسله بصحفته إلى أمنا زينب وانتهت المشكلة حقيقة حادثة كما جرت ليس فيها لغط ولا سباب ما تقدم معنا ولا مهاترات كما يجرى من البشر فى هذه الأوقات.
نعم كما قلت شائبة لكن لا بد من معالجتها بالحكمة هذه القصة الأولى كما قلت وهى فى بيت أمنا عائشة رضى الله عنها والمرسلة هنا زينب.
وفى رواية الترمذى قال أهدت بعض أزواج النبى ﷺ إلى النبى طعاما فى قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال النبى ﷺ طعام بطعام وإناء بإناء.
стр. 6195
نماذج من بيت النبي (١)
(لقاء ديني)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
نماذج من بيت النبي (١)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.
اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.
سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد إخوتى الكرام..
стр. 6196
كنا نتدارس معاملة نبينا ﵊ مع زوجاته أمهاتنا الطاهرات المباركات على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه وقد تقدم معنا إخوتى الكرام أن خير الناس خيرهم لأهله وبما أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه هو خير المخلوقات قطعا وجزما فهو خيرهم للزوجات ﵊ وقد تقدم معنا أن نبينا ﵊ كان يطوف على نسائه أمهاتنا الطاهرات فى جميع الأوقات فيتفقدهن فى كل لك يوم كما مر معنا هذا وتقدم معنا أيضا أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه كان يحنو عليهن ويحفظ ودهن فى حياتهن وبعد مماتهن كما تقدم معنا على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه وتقدم معنا أيضا أنه كان يحسن عشرتهن ومعاشرتهن وقررت هذا بالأحاديث الصحيحة الصريحة فى الدلالة على هذا الأمر ووصلنا عند الأمر الرابع ألا وهو أن نبينا ﵊ كان يصبر عليهن ويتحمل منهن قصورهن وتقصيرهن على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه وقلت هذا الأمر الرابع به يتجلى حسن الخلق على وجه التمام والكمال فحسن الخلق أن تبذل الندى وهو الخير والمعروف والبر والإحسان وأن تتحمل الأذى أحسنت إلى عباد الله ثم بعد ذلك تتحمل الأذى منهم وتصبر عليهم وهنا أحسنت إلى زوجتك وزوجاتك فلو قدر أنه جرى منهن قصور نحو فينبغى أن تصبر وأن تحتسب وأن تحلم وأن ترفق وهذا هو خلق الكرام الذين يتصفون بالأخلاق الحسنة ولنبينا ﵊ من ذلك النصيب الأوفى الذى لا يمكن لبشر أن يصل إلى درجته فى ذلك كيف لا والله يقول فى حقه وإنك لعلى خلق عظيم اللهم صل على نبينا وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المباركين.
стр. 6197
إخوتى الكرام: حسن الخلق يتجلى كما قلت عند هذا الأمر الرابع فلا بد من الرفق وتحمل الأذى من الزوجات عندما يصدر منهن نحو أزواجهن وقد ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية أمنا عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه ولا ينزع من شىء إلا شانه فعليك بالرفق فى جميع حياتك لا سيما مع أهلك وزوجاتك واضبط أعصابك فإذا أحسنت ما أحسنت وجرى منها ما جرى من النساء حذارى أن تقابل هذه الإساءة بغضب وانفعال لئلا تحبط عملك الذى عملته ولئلا يضيع إحسانك الذى بذلته ولذلك كان نبينا ﵊ يوصينا بأن نضبط أنفسنا فى جميع أحوالنا.
стр. 6198
ففى مسند الإما أحمد وموطأ الإمام مالك والحديث رواه الإمام البخارى فى صحيحه والإمام الترمذى فى سننه عن أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه أن رجلا جاء إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه فقال أوصنى قال لا تغضب فردد مرارا أوصنى أوصنى يقول لا تغضب لا تغضب كلما يكرر طلب الوصية يجيبه نبينا ﵊ بهذه القضية لا تغضب فإن الغضب يجمع شر الدنيا والآخرة وسوء الدارين العاجلة والآجلة لا تغضب وهنا جرى من أهلك نحوك ما جرى لا تغضب وأنت حقيقة إذا ضبطت نفسك ولم تضيع إحسانك فأنت الرجل الشهم وأنت الكريم وأنت صاحب الخلق الحسن وقد ثبت فى المسند وموطأ الإمام مالك والصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ليس الشديد بمن يصرع الرجال فهو مصارع قوى ماهر يضجعهم على الأرض ويلقيهم على التراب ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب فأنت قيم وأنت سيد بكتاب الله وألفيا سيدها لدى الباب وأنت ترعى البيت ومن فيه لكن ليس معنى هذا ينبغى أن تتصف بالجبروت والغلظة والفظاظة والغضب والحماقة لا ثم لا فإذا جرى من هذه المسكينة ما جرى نحو إحسانك ومعروفك وفضلك قابله بصدر رحب وصرف الأمور على حسب شرع العزيز الغفور.
نعم أمران لا ينبغى أن تتهاون فيهما إذا صدرا من الأهل والزوجات.
الأول: معصية فى حق الله جل وعلا فلا بد من أن تثأر لله كما يثأر الليث الحرب وأن توقف الأمور عند حدها وألا تتساهل فى حقوق الله جل وعلا أما فى حقوقك كلما صفحت فهذا خير لك والناس عكسوا القضية يغضبون لحقوق أنفسهم ويحلمون عند ضياع حقوق ربهم وهذا هو الضلال المبين.
стр. 6199
الأمر الثانى: إذا جرى من زوجة اعتداء على زوجة أخرى حقيقة لا يصلح الحلم أيضا والصفح فى هذا الأمر فهذا ليس حقك ينبغى أن تعطى كل زوجة حقها وألا تميل مع واحدة على حساب الأخرى هذا ليس الآن حق لك تتنازل عنه ما عدا هذين الحقين كلما عفوت وصفحت فأنت أحسن فإذا أطالت لسانها بل مدت يدها ودفعت يعنى بك فى صدرك وأحيانا جرى منها ما جرى من هجران ونفور فكل هذا تحمله وطيب خاطرها بكلام طيب لعل الله جل وعلا يعفو عنك ويستر الزلات التى تصدر منى ومنك يوم القيامة فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتى الكرام: هذا الأمر الرابع قلت سأستعرض نماذج منه مما جرى من بيت نبينا ﵊ من أمهاتنا نحو نبينا عليه صلوات الله وسلامه وهو بلا شك كما تقدم معنا قصور منهن وتقصير نحو نبينا ﵊ ولا نقصد بذلك أن نعيرهن كما تقدم معنا فهن أكمل النساء وأطهر النساء بلا شك لكن هذه هى الحياة الدنيا كما سيأتينا وقلت هذه السلبيات التى جرت فى بيوت خير البريات ﵊ إن أحصيت واستوعبت لقلت سأحصيها لا تصل إلى عدد أصابع اليدين ثم هى كما سيأتينا سلبيات ظاهرة ما دخلت إلى القلب ولا عشعشت فيه ونحن عندما ندرس هذا نستفيد فوائد عظيمة أبرزها فائدتان.
الفائدة الأولى: لنعلم أن الدنيا دار كدر مهما صفت فلا تخلو من عكر وكدر.
والأمر الثانى: لنستفيد معالجة هذا الكدر من بيوت نبينا خير البشر عليه صلوات الله وسلامه فقد جرى هذا فى بيته وهو عليه صلوات الله وسلامه أسوتنا وقدوتنا وأمامنا فى جميع شؤوننا فيما نحب وفيما نكره فإذا طرأ فى بيوتنا شىء مما نكرهه نعالجه كما كان نبينا ﵊ يعالجه حقيقة هذا يدل على حال الدنيا ثم ما سلم من هذا بيت النبى ﵊ وإن كانت الحوادث كما قلت بمقدار وعولجت معالجة حسنة فلنقتدى بنبينا ﵊ فى هذا الأمر.
стр. 6200
إخوتى الكرام: الناس فى هذه الحياة لا ينفك عنهم وصف البشرية لا يخرجون عن وصف الإنسانية وفيهم الخطأ والنسيان والذهول والتقصير هذا لا يمكن أن ينفك عنه بشر ما دام فى هذه الحياة وهذه الحياة لا يمكن أن تكون دار صفاء ووفاء إنما الصفاء والوفاء على وجه التمام هذا فى غرف الجنان هناك ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ هناك ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ هناك ﴿لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد﴾ .
أما هنا ما يحصل لك مما تشاؤه أقل بأضعاف مضاعفة مما لا يحصل لك فأنت تريد أشياء كثيرة ولا يحصل لك منها إلا القليل فانتبه لهذا الأمر هذا حال الدنيا والأمر كما قال بعض الأكياس:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب فى الماء جذوة نار
следующие страницы →