والحديث ثابت ثبوت، صحة، ولتعدد طرقه حكم عليه العلماء الكرام بتواتره، كما هو مبين في التخريج، فاغتنم ما فيه وسل الله المزيد.
وإذا كان حال الأمة سيصير إلى ما ذكرت فعليك أيها المسترشد، يا من تريد نصح نفسك، بالتمسك بصراط ربك، حسبما كان عليه الخيرة من سلفك، فلو رجعت إلى رشدك، وتأملت الأمور من حولك لعلمت أنك في زمان لو جد فيه الصديقون لاستغاثوا بالله مما يجري فيه من الزيغ والمجون، فحذار حذار من التفريط والإهمال، والاسترسال فيما يشقيك في الحال، والمآل، فكم وكم انسلخ من دين الله بسبب ذلك نساء ورجال، روى الإمام أحمد في المسند والطبراني في المعجم الأوسط عن النعمان بن بشير – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: صحبنا رسول الله – ﷺ – وسمعناه يقول: "إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ثم يمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ثم يصبح كافراً، يبيع أقوام خلاقهم بعرض من الدنيا يسير" قال الحسن البصري – رحمه الله تعالى -: "والله لقد رأيناهم صوراً ولاعقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار، وذُبَّان طمع، يغدو أحدهم بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز (١)
стр. 702
" نسأل الله العظيم بوجهه الكريم أن لا يُزِيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه سميع مجيب.
أمهات الفرق الزائغة
الفرقة الأولى القدرية:
... تنسب هذه الفرقة الضالة إلى مقالتها التي ضلت بها، وخالفت فيها الحق الثابت، وتلك المقالة النكراء تتعلق بسبق علم الله الجليل للأشياء قبل حدوثها، وتقديره لها خيرها وشرها وينقسم أصحاب هذه البدعة الخبيثة إلى قسمين:
أ) قدرية غلاة: وهم الذين نفوا تقدير الله للأشياء في القدم، ونفوا تقدم علمه بها، وزعموا أنها مستأنفة العلم، أي: إنما يعلمها الله – ﷻ – بعد وقوعها، وكذبوا على الله – وجل عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً – (١) .
стр. 703
.. وقد نبتت تلك الفرقة الضالة في أواخر أيام الصحابة الكرام (١)
стр. 704
– رضوان الله تعالى عليهم أجمعين – وأول حديث في صحيح مسلم فيه التصريح بذلك، كما في بيان حكم أولئك فعن يحيى بن يعمر قال: كان أولمن قال في القدر بالبصرة مَعْبَد الجُهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله – ﷺ – فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فَوُفِّقَ لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – داخلا ً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم – وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه (أي: في سبيل الله) ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله – ﷺ – ذات يوم إ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي – ﷺ – فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله – ﷺ –: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: أخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد
стр. 705
الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق، فلبثتُ ملياً، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم (١) ".
стр. 706
.. وقد تكرر ذلك السؤال عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما – ففي معجم الطبراني الكبير أن رجلا ً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نسافر فنلقى أقواماً يقولون: لا قدر، قال: فإذا لقيتم أولئك فأخبروهم أن ابن عمر برئ منهم، كنا عند رسول الله – ﷺ – إذ أتاه رجل حسن الوجه طيب الريح، نقي الثوب، فقال: السلام عليك يا رسول الله، أأدنو منك؟ قال: "ادنه، فدنا دنوة قالوا ذلك مراراً، حتى اصطكت ركبتاه ركبتي النبي – ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصيام رمضان، والغسل من الجنابة، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت، فما الإيمان؟، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار، والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله، قال: إذا فعلت فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، فما الإحسان: قال: تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن، قال: نعم، قال: صدقت، قلنا ما رأينا رجلاً أطيب ريحاً، ولا أشد توقيراً للنبي – ﷺ – وقوله للنبي – ﷺ – صدقت، فقال النبي – ﷺ – عليّ بالرجل، فقمنا وقمتُ أنا إلى طريق من طرق المدينة، فلم نر شيئاً، فقال رسول الله – ﷺ – هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل يعلمكم مناسك دينكم، ما جاءني في صورة قط إلا عرفته إلا في هذه الصورة (١)
стр. 707
".
... وتكررت مرة أخرى معه أيضاً، وأعلن براءته ممن أظهر القول بالقدر، عندما بلغه ذلك عن بعض أصحابه، ففي المسند وسنن الترمذي بسند صحيح عن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قعوداً إذ جاء رجل، فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام، لرجل من أهل الشام، فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثاً، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه مني السلام، سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الذندقية والقدرية".
стр. 708
وفي رواية المستدرك وسنن أبي داود بسند صحيح: عن نافع قال: كان لابن عمر –رضي الله تعالى عنهم أجمعين – صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليّ، فإني سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر (١)
стр. 709
".
حكم القدرية الغلاة:
... قال الإمام النووي – رحمه اله تعالى – هذا الذي قاله ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض – رحمه الله تعالى – هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله – ﵎ – بالكائنات والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة، قال غيره: ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة، فيكون من قبيل كفران النعم، إلا أن قوله: "ما قبله الله منه" ظاهر في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم: لا يقبل عمله لمعصيته، وإن كان صحيحاً (١) .
... قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: ما استظهره الإمام النووي أولا ً من دلالة فتوى ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – على كفر القدرية الغلاة، وأيده بما نقله عن القاضي عياض هو الحق في هذا الباب، وبه قال السلف أولو الألباب، فقد نقل الإمام ابن تيمية عن الأئمة المرضية مالك، والشافعي، وأحمد ذوي المراتب العلية – عليهم جميعاً رحمة رب البرية – أن من جحد علم الله السابق، وقال إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى يعملوها، فقد كفر وحكى الإمام ابن القيم في شفاء العليل اتفاق السلف على تكفير غلاة القدرية ومتقدميهم (٢) .
стр. 710
.. وقد ذكر الإمام السخاوي – عليه رحمة الملك الباري – أن من البدع التي لا شك في تكفير قائلها: إنكار علم الله بالمعدوم، والقول بأن الله – جل وعلا – لا يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو إنكار علمه – ﷻ – بالجزئيات (١) .
أصل مقالة تلك الفرقة الزائغة، وأبرز مجرميها:
... لم تحدث تلك المقالة النكراء في شريعة الله الغراء، بسبب اجتهاد خاطئ من قبل أصحابها إنماتم ذلك من عدو ماكر حاقد على الإسلام والمسلمين، قصداً للتلاعب بهذا الدين القويم – ضل سعيهم اللعين –.
... فأول من افترى ذلك الإثم المبين رجل خبيث من النصارى المجرمين وهو سوسن اللعين، ثم تبناه زائغان من المسلمين روى الآجري عن الأوزاعي – عليهما رحمة الله تعالى – أنه قال: أول من نطق في القدر: رجل من أهل العراق، يقال له: سَوْسَن، وكان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه مَعْبَد الجُهني، وأخذ غَيْلان عن مَعْبَد (٢) .
... أما "سَوْسَن" الخبيث فلم أقف على نهاية أمره فيما وقفت عليه من كتب أئمتنا الكرام، ولعله لحق بديار قومه المشركين، كما رجع إلى دينهم المعوج السقيم، وهذا ديدن أكثر رؤوس الضلالات يشيعونها ويحملون غيرهم تبعتها، ليبوء بإثمها وعقوبتها.
стр. 711
.. وأما "معبد الجهني" الذي تلقى تلك الضلالة عن "سوسن النصراني" فقد حذر منه السلف الكرام، وضللوه وحكموا عليه بالإجرام، ثم حل به بأس ذي العزة والانتقام، فشيخ الإِسلام في زمن التابعين الحسن البصري – عليه رحمة رب العالمين – كان ينهي عم مجالسة معبد، ويقول: لا تجالسوه، فإنه ضال مضل (١) ، وقال طاوس – عليه رحمة الله تعالى –: أخروا معبداً الجهني، فإنه كان قدرياً يتكلم في القدر، ورآه مرة في الطواف فقال له: أنت المفتري على الله، القائل ما لا تعلم؟ فقال معبد: إنه يكذب عليّ، ودخل طاوس على ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم – وسأله عن الذين يقولون في القدر، فقال ابن عباس: رضي الله تعالى عنهما –: أروني بعضهم، فقال الحاضرون: صانع ماذا؟ قال: إذاً أضع يدي في رأسه فأدق عنقه (٢) ، وقد قال عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنه – لمعبد الجهني لما اجتمع به: يا تيس جهينة ما أنت من أهل السر ولا العلانية، وإنه لا ينفعك الحق، ولا يضرك الباطل، وعقب الإمام ابن كثير ﵀ الجليل – على ذلك بقوله: ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر، ويقال: إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له سوسن ١٠هـ ونقل ابن حجر عن مسلم بن يسار- ﵏ جميعاً – أنه كان يقول: إن معبداً يقول بقول النصارى (٣) .
стр. 712
وقد روى ابن منده عن يحيى بن يعمر – رحمهم الله تعالى جميعاً – ما يدل على أن بداية معبد الجهني كانت منحرفة حيث ذكر عنه أنه كان فيه زهو، وكان يتوثب على جيرانه، ثم قرأ القرآن، وفرض الفرائض وقص على الناس، ثم إنه صار من أمره أن العمل أنف، من شاء عمل خيراً، ومن شاء عمل شراً (١) .
... وكانت عاقبة أمره خسراً، إذ ذاق وبال أمره فقتل سنة ثمانين على الراجح في عهد خلافة عبد الملك بن مروان، والذي تولى قتله الحجاج بن يوسف الثقفي – فعاقبه عقوبة عظيمة ثم قتله لخروجه على الخلافة وقيل: إن عبد الملك بن مروان هو الذي صلبه ثم قتله لتكلمه في القدر، قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الرب القدير – وقيل: إن الأقرب قتل عبد الملك له ١هـ والذي يظهر للعبد الضعيف: أن الحجاج هو الذي تولى قتله بطلب من عبد الملك بن مروان لإفساده أذهان الناس بما استحدثه من القول في القدر، ووافق ذلك خروج معبد على الخلافة، فقتله الحجاج بعد أن نكل به (٢) .
... وبعد مقتل معبد الجهني آل ذلك المذهب الردي إلى غَيْلان الدمشقي الذي كان تلميذاً لمعبد الغوي، وقد حذر السلف الصالح من غَيْلان، وكانت عاقبة أمره إلى الخسران، قال مكحول: حسب غيلان الله، لقد ترك هذه الأمة في مثل لجج البحار، وقال له: ويحك يا غيلان، لا تموت إلا مفتوناً (٣) .
стр. 713
.. وقد أظهر غيلان مذهبه في زمن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – ورضي عنه (١) – فاستدعاه عمر فأظهر غَيْلان الرجوع، وقال لعمر: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالاً فهديتني، أشهدك يا أمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول، فقال عمر: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً فثبته، وإن كان كاذباً فاجعله آية للمؤمنين.
стр. 714
.. لكن غيلان كان كاذباً فما أقر به على نفسه من الرجوع عن ذلك المذهب الردي والتوبة إلى ربه القاهر القوي – "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (١) " فأظهر في زمن الخليفة هشام بن عبد الملك (٢) الكلام في القدر، فناظره شيخ المسلمين الأوزاعي – عليه رحمة الملك الباقي – وأفتى بقتله إن لم يرجع عن زيغه، فأصر على سوء اعتقاده، فأخذه هشام بن عبد الملك فقطع لسانه ثم قتله وصلبه، وبذلك تحققت دعوة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز – رضي الله تعالى عنه – قال الساجي: كان غيلان قدرياً، دعا عليه عمر بن عبد العزيز فقتل وصلب، وكان غير ثقة ولا مأمون، وكان مالك ينهى عن مجالسته، وقال الآجري: كان غيلان مصراً على الكفر بقوله في القدر، فإذا حضر عند عمر بن عبد العزيز نافق، وأنكر أن يقول بالقدر، فدعا عليه عمر بأن يجعله الله – – آية للمؤمنين إن كان كذاباً، فأجاب الله – – فيه دعوة عمر، فتكلم غيلان في وقت هشام، فقتله وصلبه، وقبل ذلك قطع يده ولسانه.
стр. 715
.. وقد حسَّن أئمة الإسلام ما فعله الخليفة هشام، بالضال غيلان، فكتب رجاء بن حَيْوَة (١) إلى هشان يقول له: بلغني – يا أمير المؤمنين – أنه وقع في نفسك شيء من قتل غيلان، فوالله لقتله أفضل من قتل ألفين من الروم، وقال عبادة بن نُسَيّ (٢) لما بلغه قتل غيلان: أصاب أمير المؤمنين السنة والقضية، ولأكتبن إلى أمير المؤمنين، فلأحسنن له ما صنع، وقد قرر الإمام ابن تيمية أن قتل غيلان موافق للأدلة الشرعية، فقال – عليه رحمة رب البرية –: والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان وناظروه، وبينوا له الحق، كما فعل عمر بن عبد العزيز – رضي الله تعالى عنه – واستتابه، ثم نكث بعد التوبة فقتلوه (٣) .
وبمقتل غيلان انتهى مذهب القدرية الغلاة (٤) ، وآل ذلك المذهب إلى المعتزلة الغواة، فنحتوا المذهب بعض النحت، وهذبوه نوعاً ما، وهم القدرية المعتزلة، وإليك تفصيل أمرهم.
ب- القسم الثاني قدرية معتزلة:
стр. 716
يتلخص قول هذه الفرقة الضالة في القدر: أن الله – جل وعلا – عالم بأفعال العباد قبل وقوعها – وهذا خلاف قول القدرية الغلاة –، وهو قول أهل الحق الهداة، لكن القدرية المعتزلة أُركسوا في الضلال المبين، ومخالفة السلف الصالحين، فقالوا: إن أفعال المكلفين، مقدورة لهم وواقعة على جهة الاستقلال، والله قدر الخير وأراده، ولم يقدر الشر ولم يرده، وهذا المذهب مع كونه مذهباً باطلاً في الدين أخف من مذهب الغلاة المتقدمين، ويرد على هذا المذهب باختصار بما قاله الإمام الشافعي شيخ الأخيار – عليهم جميعاً رحمة العزيز الغفار – ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وأن أنكروه كفروا، يعني يقال للقدري: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل إلى الله وهو كفر – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – (١) .
وقد ناظر أئمة السنة الكرام، أكابر المعتزلة اللئام، وفندوا ما تعلقوا به من أوهام، وإليك بعض تلك المناظرات المحكمة الحسان:
стр. 717
.. اجتمع الإمام أبو إسحاق الإسفراييني (١) من أئمة أهل السنة – عليه رحمة الله تعالى – مع القاضي عبد الجبار المعتزلي (٢) .
стр. 718
فقال المعتزلي: سبحان من تنزه عن الفحشاء، ومراده بذلك أن المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد، دون مشيئة الرب – جل وعلا – لأن الله أعلا وأجل من أن يشاء القبائح في زعم المعتزلة، فقال الإمام أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال عبد الجبار: أفيريد ربنا أن يعصى؟ فقال أبو إسحاق: أفيعصى ربنا مكرهاً، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه فيّ، ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟ فقال عبد الجبار، أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليّ بالردى، أتراه أحسن إليّ أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكاً لك فقد أساء، وإن كان له فأعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، وهو الذي يفعل ما يشاء، فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: ما لهذا جواب (١) .
стр. 719
وقد وقعت قصة لأعرابي مع إمام المعتزلة الغوي، خصمه بها الأعرابي، ودحض مذهبه الردي وحاصل تلك الحادثة: أنه جاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال له: ادع الله لي أن يرد عليَّ حمارتي فقد سرقت مني، فقال عمرو بن عبيد، اللهم إن حمارته قد سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه، فقال الأعرابي: يا شيخ السوء كف عن دعائك الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها، فقد يريد ردها ولا ترد، وفي كتاب الشريعة للآجري، قال أبو الفضل العباس بن يوسف الشِّكْلِي، قال بعض العلماء مسألة يقطع بها القدري، يقال له: أخبرنا أراد الله – – من العباد أن يؤمنوا فلم يقدر أو قدر ولم يرده؟ فإن قال: قدر فلم يرد، قيل له: فمن يهدي من لم يرد الله هدايته؟ فإن قال: أراد فلم يقدر، قيل له: لا يشك جميع الخلق أنك كفرت يا عدو الله (١) .
أشنع ضلالات القدرية المعتزلة، وأركان نحلتهم الباطلة:
ضم المعتزلة إلى ضلالهم في قدر الله ومشيئته ضلالات أخرى، قام على مجموعها مذهب الاعتزال عرفت بأصول المعتزلة، وها هي مفصلة:
стр. 720
١- العدل: وإليه ينسبون أنفسهم فيقولون: الطائفة العدلية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية – ومضمون عدلهم: أن الله – جل وعلا – لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أكمر به شرعاً، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئة ١٠هـ وفي شرح الطحاوية: أما العدل فستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه ثم يعذبهم يكون ذلك جوراً، والله عادل لا يجور، ويلزم على هذا الأصل الفاسد أن الله – ﵎ – يكون في ملكه ما لا يريده، فيريد الشيء ولا يكون ولازمه وصفه بالعجز – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (١) – ولله در قاضي القضاء عبد الرحمن العلامي – عليه رحمة الله تعالى – إذ أنشد:
قالوا يريدُ ولا يكون مراده ... عَدَلوا ولكن عن طريق المعرفة (٢) .
стр. 721
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: سبب ضلال القدرية المعتزلة في إرادة الله ومشيئته: هو التسوية بين إرادة الله الشرعية، وإرادته الكونية القدرية، وذلك السبب هو سبب ضلال مقابلهم أيضاً وهم القدرية الجبرية، لكن اختلفت كيفية ضلال الفرقتين، في إرادة رب الكونين، فالقدرية المعتزلة ألغت إرادة الله الكونية، والقدرية الجبرية نفت إرادة الله الشرعية، وسوى كل من الفرقتين بين الإرادتين، فالجبرية ألغت اختيار العبد، ونفت عن المكلف الاختيار، وقالوا: هو كالريشة في مهاب الهواء، وهو مجبور على أفعاله، والقدرية أثبتت للعبد الاختيار والإرادة استقلالاً، وقالوا: لا دخل لمشيئة الله وإرادته في فعله، وليس لله – – إلا الأمر والنهي، أما اختيار أحد الأمرين فواقع من قبل العبد واختياره، دون تعلق ذلك بإرادة الله ومشيئته، فالعبد هو الذي يخلق أفعال نفسه ويقدرها: وما يفعله من الكفر والفسوق والعصيان واقع بمشيئته لا بمشيئة الرحمن، وقد وصل الشطط بثمامة بن الأشرس المعتزلي، أنه امتنع عن إطلاق القول بأن الله خلق الكافر، لأن الكافر: كفر، وإنسان، والله لا يخلق الكفر (١) .
стр. 722
وقد هدى الله أهل السنة الكرام، للحق الذي دلت عليه آيات القرآن، وأحاديث النبي – ﷺ – فقالوا: إن الله – جل وعلا – قدر الأشياء في الأزل، وشاءها، وأرادها خيرها وشرها، فلا يقع شيء إلا وفق إرادته ومشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإرادة الله – جل وعلا – تنقسم إلى قسمين:
١- إرادة شرعية: ولا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه، وهي مرادفة للأمر، ومستلزمة للرضا، وقد يوجد مقتضاها، وقد يتخلف، قال الله – –: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات٥٦، وقال – جل وعلا –: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ النساء٦٤، وتخلف المراد لا ينتج عنه أي إشكال، لأن مرد ذلك إلى الإرادة الشرعية.
... وقد يوجد مقتضاها، وقد يتخلف، والواقع أنه قد تخلف في الأكثرية الغالبية، فالله – جل وعلا – أخبرنا في الآيتين الكريمتين أنه فعل كذا لنفعل نحن كذا، يوضح هذا ما ثبت في المسند والصحيحين عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "يقول الله ﵎ – لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي (أحسبه قال) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك (١) ".
стр. 723
٢- إرادة كونية: وتكون فيما يحبه الله – جل وعلا – وفيما لا يحبه، وهي مرادفة للمشيئة العامة وتستلزم المحبة أو السخط، ولا يتخلف مقتضاها بحال، قال الله – –: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ البقرة٢٥٣.
... وقال – ﵎ –: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأنعام١٢٥.
... والعلاقة بين الإرادة الشرعية، والإرادة الكونية القدرية، منحصرة في أربع صور، هاك بيانها:
١. وجود الإرادتين واجتماعهما: كما هو الحال في إيمان المؤمنين، فالله – جل وعلا – قد أمرهم بالإيمان، وشاءه لهم.
٢. انتفاء الإرادتين وعدم حصولهما، وذلك في كفر المؤمنين، فالله – ﵎ – لم يأمرهم به، بل نهاهم عنه، وما شاءه لهم.
٣. ثبوت الإرادة الكونية، وانتفاء الإرادة الشرعية، مثل كفر الكافر، فالله – – لم يأمره به، وهو واقع بمشيئته.
стр. 724
٤. وجود الإرادة الشرعية، وانتفاء الإرادة الكونية، عكس الصورة الثالثة، كحال إيمان الكافر فالله – جل وعلا – أراد منه الإيمان حيث أمره به لكنه لم يشأه له (١) .
стр. 725
٢- التوحيد: وتوحيدهم تلحيد، فهو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات عن رب البريات – جل وعلا – والقول بخلق القرآن، وعدم رؤية المؤمنين للرحمن في دار السلام (١) .
قال عبد الرحيم: ومن عجيب أمر الزائغين أنهم يسترون مذاهبهم المرذولة بألفاظ معسولة فهذا محمد بن تُوْمَرْت البربري نفى صفات رب العالمين، كحال إخوانه من المعتزلة الضالين، وخلع على أصحابه لقب "الموحدين (٢) ".
٣- المنزلة بين المنزلتين:
стр. 726
.. وبسبب قولهم بهذه الضلالة المخزية، سموا معتزلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: اختلف الناس في قديم الزمان في الفاسق الملي، وهو أول اختلاف حدث في الملة، هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنه كافر وقالت الجماعة – أهل السنة الكرام –: إنه مؤمن، وقالت طائفة: نقول هو فاسق، لا مؤمن ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه – عليهم رحمة الله تعالى – فسموا معتزلة ١٠هـ فالفاسق لا يسمى مؤمناً بوجه من الوجوه، كما لا يسمى كافراً، فنزلوه في منزلة بين منزلتين فمرتكب الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، هذا في أحكام الدنيا، أما في الآخرة فحكموا عليه بالخلود في النار، وقالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق (١) .
... قال عبد الرحيم: ما ابتدعه المعتزلة من القول بالمنزلة بين المنزلتين، لم يوافقهم عليه أحد من سائر طوائف المسلمين، وذلك القول منكر في الدين، وترده من جهات كثيرة أدلة الشرع الحكيم، وأبرز تلك الأدلة ثلاثة:
стр. 727
أ- المكلفون في شرع الرحمن صنفان: كافر من أهل النيران، ومسلم من أهل الجنان، ولا واسطة بينهما في المكلفين من إنس وجان، فحكم المعتزلة على فاعل الكبيرة بعدم الكفر والإيمان قول مخترع من وساس الشيطان، والقول الحق في ذلك ما قرره أهل السنة الكرام، من أن فاعل الكبيرة لم يخرج عن الإسلام، وهو مؤمن بإيمانه، فاسق بعصيانه، ويصح نفي الإيمان عنه نظراً لانتفاء كماله الواجب، ويصح إطلاق الإيمان عليه نظراً إلى إقراره، كما يصح نفي الكفر عنه لانتفاء حقيقته، ويصح إطلاقه عليه نظراً لفعله فعل الكافرين، وبهذا القول تجتمع أدلة الشرع المبين، ويزول ما بينها من تعارض متوهم في أذهان الزائغين (١) .
стр. 728
ب- حكم المعتزلة على فاعل الكبيرة بالخلود في النار، مناقض للأدلة القطعية في شرع الله الواحد القهار، وأصرحها ما ثبت عن نبينا – ﷺ –: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قال أبو ذر – رضي الله تعالى عنه – قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال "وإن زنى وإن سرق "ثلاثاً"، ثم قال في الرابعة: "رغم أنف أبي ذر" فخرج أبو ذر وهو يقول: وأن رغم أنف أبي ذر (١) .
стр. 729
قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: اعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف: أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصي كالصغير، والمجنون، والذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلاً، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلاً، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أولاً وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدر الذي يريده – – ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل، هذا مختصر لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأئمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي، ثم قال عقب الحديث المتقدم: وأما قوله – ﷺ –: "وإن زنى وإن سرق" فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها، وختم لهم بالخلود في الجنة ١٠هـ.
ونحوه في فتح الباري، وعبارة الحافظ: وفي الحديث: أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان (١) .
стр. 730
ج- لا يستقيم في كرم الرحيم الرحمن ضياع أجر أصل الإيمان، وجميع طاعات الرحمن، بمعصية يقع فيها الإنسان، قال شيخ الإسلام – عليه رحمة ذي الجلال والإكرام –: إن الله – جل وعلا –لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان (ويرد هذا القول صريح القرآن) قال الله – ﵎ –: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة٢١٧، فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا – فاعل الكبيرة – ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه (١) .
٤- إنفاذ الوعيد: ويقصد المعتزلة بذلك وجوب عقاب الله للعاصين، وتخليدهم في نار الجحيم، فلا تقبل فيهم شفاعة الشافعين، ولا يصح لله أن يغفر لهم في حين من الأحايين (٢) .
стр. 731
.. قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – يدور هذا الأصل من أصول المعتزلة السفهاء على أمرين دل على بطلانهما شريعة رب الأرض والسماء، وهما:
أ) تخليد عصاة المؤمنين في نار الجحيم، وقد تقدم بطلان هذا بآي الذكر الحكيم، وأحاديث سيد ولد آدم أجمعين – عليه صلوات الله وسلامه –.
ب) وجوب عقوبة العصاة، وعدم جواز المغفرة لأصحاب السيئات، من المؤمنين والمؤمنات، ولو شفع لهم خير البريات – عليه أزكى السلام وأفضل الصلوات – أو أراد رحمتهم رب الأرض والسموات، وزعموا أنه لو لم تقع عقوبة المجرمين لحصل الخلف في وعيد رب العالمين، والله لا يخلف الميعاد، كما أخبر بذلك رب العباد: آل عمران: (٩) .
... قال مقيد هذه الأسطر – ستره الله تعالى –: وهذا الأمر الثاني باطل أيضاً، لدلالة الأدلة الشرعية القطعية على أن جميع الوعيدات مشروطة بشرطين، وإذا انحزم أحدهما فلا تحصل تلك الوعيدات، وذانك الشرطان هما:
стр. 732
١- عدم توبة المذنب وإنابته إلى ربه، فلو تاب لن يلتحق به العقاب كما قال الرحيم التواب: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ النساء١٧، وروى ابن جرير وغيره عن قتادة – ﵏ جميعاً – قال: اجتمع أصحاب رسول الله – ﷺ – فرأوا أن كل شيء عصى به فهو جهالة عمداً كان أو غيره وروى هو وغيره أيضاً عن الضحاك – ﵏ جميعاً قال: كل شيء قبل الموت فهو قريب (١) .
وقد دلت الأحاديث الصحيحة الثابتة عن نبينا – ﷺ – أن توبة العبد صحيحة مقبولة ما لم يعاين أحوال الآخرة، وذلك في حالتين:
стр. 733
أ) بلوغ الروح الحلقوم، ومكابدة غم الغرغرة، كما قال رسول الله – ﷺ –: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وفي لفظ اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله – ﷺ – يقول: "إن الله – ﵎ – يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم" فقال الثاني: آنت سمعت هذا من رسول الله – ﷺ –؟ قال: نعم، قال: وأنا سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن الله – ﵎ – يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم" فقال ثالث: آنت سمعت هذا من رسول الله – ﷺ –؟ قال: نعم، قال: وأنا سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن الله – ﵎ – يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة" فقال الرابع: آنت سمعت هذا من رسول الله – ﷺ – قال: نعم، قال: وأنا سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه (١)
стр. 734
".
ب- طلوع الشمس من مغربها، وذلك من أشرطة الساعة الكبرى، ودليل هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من معربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً".
... وثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال رسول الله – ﷺ –: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه"، وفي صحيح مسلم وغيره أيضاً عن أبي موسى – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "إن الله – – يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها".
стр. 735
.. وثبت في سنن أبي داود وغيره عن معاوية – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"، وفي لفظ للإمام أحمد: "فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل (١)
стр. 736
".
... والحكمة في عدم قبول التوبة في ذلك الوقت أن طلوع الشمس من مغربها أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله، والآثار المتقدمة متفقة ودلالتها صريحة في إغلاق باب التوبة عند طلوع الشمس من المغرب، وعدم انفتاحه بعد ذلك؛لأن طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام الساعة (١) .
стр. 737
٢- عدم مغفرة الله الجليل لعبده المخطيء الذليل: كما دلت على ذلك آي التنزيل، وقررته أحاديث البشير النذير – ﷺ – قال الله – جل وعلا –: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ النساء١١٦ (١) ،
стр. 738
وثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبادة بن الصامت – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله ﷺ – قال – وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" فبايعناه على ذلك (١) .
стр. 739
قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: هذا الحديث عام مخصوص، موضع التخصص منه قوله – ﷺ –: "ومن أصاب من ذلك شيئاً" إلى آخره، والمراد به ما سوى به الشرك، وإلا فالشرك لا يغفر به، ولا تكون عقوبته كفارة له، وفي هذا الحديث فوائد، منها: الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع صاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، وبل هو بمشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، خلافاً للخوارج والمعتزلة (١) .
стр. 740
.. وقال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: من أعظم رحمات رب العالمين، على عباده الموحدين حصول الشفاعة لهم من نبينا الهادي الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم –، وإن كانوا للعظائم مرتكبين، وللموبقات فاعلين، وتلك الشفاعة لا تحصل إلا بعد إذن للشافع من رب العالمين، ورضاء من المشفوع له من المكلفين، فعاد الأمر إلى مشيئة رب العالمين، ورحمة أرحم الراحمين، فالفضل منه وإليه – – ثبت في المسند والسنن عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (١)