← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

* خوف الصحابة الأبرار من العزيز الغفار: من تأول حال الصحابة الكرام تحقق عنده بالبرهان، شدة خوفهم من ربنا الرحمن، فكانوا – رضي الله تعالى عنهم – يقلون الكلام، ويبتعدون عن الحرام، ويصلون بالليل والناس نيام، وأعينهم تفيض بالدمع لرب الأنام، ثم هم في النهار فرسان في نشر دين الإسلام، وباختصار يقول الواقف على أحوالهم الحسان: إنهم كانوا في حياتهم كأنهم ينظرون إلى ما في الآخرة رؤيا عيان، روى أبو نعيم في حلية الأولياء، وابن الجوزي في صفة الصفوة أن علياً – رضي الله تعالى عنه – صلى صلاة الفجر، فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح، قال وقلب يده: لقد رأيت أصحاب رسول الله – ﷺ – فما أرى اليوم أحدا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله – جل وعلا – يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله – – مادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح ن وخملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين (١) . ... ولقد أخبر ابن عباس عن حال الصحابة الطيبين – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقال: قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله – – موقفنا (٢) .

стр. 667

.. وثبت في السنن بسند صحيح حسن عن العرباض بن سارية – رضي الله تعالى عنه – قال: صلى بنا رسول الله – ﷺ – ذات يوم – صلاة الغداة – ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله – ﷺ – كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" الحديث (١) . * خوف التابعين من رب العالمين:

стр. 668

سار المهتدون من التابعين، على هدي الصحابة الطاهرين، في الخوف من رب العالمين، وسيبقى ذلك ديدن الصالحين، إلى يوم الدين، جعلنا الله الكريم منهم بمنه ورحمته آمين آمين وإليك بعض نماذج من أحوالهم النفيسة، لتكون زاداً لك في هذه الدنيا الخسيسة، روى أبو نعيم في الحلية عن إمام التابعين الحسن البصري – عليه رحمة رب العالمين – أنه قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله – ﵎ – مشهده، أن يطول حزنه في الدنيا، وكان يقول: إن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً وإن كان محسناً لا يصلحه إلا ذلك، ولا يمسي إلا خائفاً، وإن كان محسناً، لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ماذا يصنع الله – ﵎ – فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك، وقال أيضاً: إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله – جل وعلا –، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء بعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من وصلة إليك، هيهات قد حل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، مالي ولهذا والله مالي عذر بها، ووالله لهذا أبداً إن شاء الله تعالى، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، ولا يأمن شيئاً حتى يلقى الله – – يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله، وقال أيضاً: المؤمن من يعلم أن ما قال الله – – كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين – أي: الجنة، ويدخلها – لا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً يقول: لا أنجو وكان يقول: والله لا يؤمن عبد بهذا القرآن، إلا حزن، وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب وتعب، والله يا بن

стр. 669

آدم لئن قرأت القرآن، ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك وليكثرن في الدنيا بكاؤك (١) . وقد كان رحمه الله تعالى – يلتزم بما يقول، وينتصح بما ينصح به غيره، ففي الحلية وصفة الصفوة عن إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، وما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وفي صفة الصفوة عن حكيم بن جعفر قال: قال لي مسمع: لو رأيت الحسن لقلت قد بث عليه حزن الخلائق من طول تلك الدمعة، وكثرة ذلك النشيج، وفيه عن محمد بن سعد قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز – ﵏ جميعاً – كأن النار لم تخلق إلا لهما، وعن خفص بن عمر قال: بكى الحسن، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا أبالي (٢) .

стр. 670

وفي إحياء علوم الدين: مر الحسن – عليه رحمة الله تعالى – بشاب وهو مستغرق في ضحكه، وهو جالس مع قوم في مجلس فقال له الحسن: يا فتى هل مررت بالصراط؟ قال: لا، قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك؟ فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكاً، وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد كيف أصبحت؟ قال: بخير: كيف حالك؟ فقال الحسن: تسألني عن حالي، ما ظنك بناس ركبوا سفينة، حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم فتعلق كل إنسان منهم بخشبة، على أي حال يكونون؟ قال الرجل: على حال شديدة، قال الحسن: حالي أشد من حالهم، قال الغزالي: وروي أنه ما ضحك الحسن أربعين سنة، وكنت إذا رأيته قاعداً كأنه أسير قدم لتضرب عنقه، وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها فإن سكت كأن النار تسعر بين عينيه، وعوتب في شدة خوفه وحزنه، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله – – قد اطلع علي في بعض ما يكره، فمقتني فقال: اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معتمل (١) .

стр. 671

وإذا كان يزيد بن حوشب يقول: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز وكأن النار لم تخلق إلا لهما، وقد علمت مما تقدم من النقول حال الحسن، فاسمع إلى حال عمر بن عبد العزيز كما تخبر من تخالطه في سره وتطلع على حقيقة أمره، ألا وهي زوجه فاطمة – رحمهم الله تعالى جميعاً – روى الأئمة الكرام ابن المبارك، وأحمد، وأبو نعيم عن المغيرة بن حكيم، قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: يا مغيرة قد يكون في الرجال من هو أكثر صلاة وصوماً من عمر بن عبد العزيز، ولكن لم أر رجلاً من الناس قط كان أشد فرقاً من ربه – – من عمر بن عبد العزيز، كان إذا دخل بيته ألقى بنفسه في مسجده، فلا يزال يبكي ويدعو، حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع (١) . وروى أبي نعيم في الحلية عن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك أن عمر بن عبد العزيز بكى فبكت زوجته فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: يا أبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ فقال: ذكرت – يا فاطمة – منصرف القوم من بين يدي الله – – فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، وبكى حتى تجري دموعه على لحيته (٢) .

стр. 672

وكان يوصي الناس بإصلاح السرائر والاستعداد لليوم الآخر فيقول: يا أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، واعلموا أن رجلاً ليس بينه وبين آدم – علي نبينا وعليه الصلاة والسلام – أب حي لمغرق حتى الموت (١) . واعلم أخي الكريم أن غالبية سلفنا الطيبين كانوا على ذلك الخلق العظيم فالإمام عبد الأعلى التيمي – عليه رحمة الله تعالى – يقول: شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله – – (٢) . وقد بلغ بهم الخوف من الرحمن – جل وعلا – مبلغاً عظيماً قال الجنيد سمعت السري السقطي – عليهما رحمة الله تعالى – يقول: إني لأنظر إلى أنفي كل يوم مراراً مخافة أن يكون وجهي قد اسود، وقال إبراهيم بن أدهم كان عطاء السلمي – عليهما رحمة الله تعالى – يمس جلده بالليل خوفاً من ذنوبه، مخافة أن يكون قد مسخ (٣) .

стр. 673

قال العبد الخطاء مقيد هذه الأخبار عن أئمتنا الأتقياء: كيف لا يعظم خلف سلفنا النجباء من مالك جميع الأشياء، وقد دلت آيات القرآن الكريم، أنه لا تحصل النجاة من دار الجحيم، والفوز بدار النعيم، إلا بالخوف من رب العالمين، فاستمع للدلالة على ذلك من آي الذكر الحكيم حسبما نقل عن سلفنا الصالحين، روى أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم التيمي – عليهما رحمة الله تعالى – أنه قال: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ فاطر٣٤، وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ الطور٢٦ (١) اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلانية، واجعل سرنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانيتنا صالحة، واختم لنا بما يرضيك عنا، واجعل خير أيامنا يوم لقاك، بفضلك ورحمتك يا من لا يخيب من رجاك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين. ثانيا: رجال المؤمنين، رحمة أرحم الراحمين: ... تقدم البرهان على أن الخوف والرجاء متلازمان، وتقدم أيضاً البيان على أن ما يقع في قلب الإنسان من الأمور المستقبلة في الأزمان، إن كانت من الخيرات الحسان، حصل للقلب تعلق بها، وطمع في وجودها، ورغبة في حصلوها، وارتياح بسبب حلولها، وذلك هو الرجاء. ... وبناء على ما تقدم يقال في تعريف الرجاء: إنه ارتياح القلب لانتظار محمود تمهدت أسبابه الدخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس في اختياره، وهو فضل الرب – جل وعز –. وفي تعريف الرجاء أمران مهمان، ينبغي أن يعرفهما بنو الإسلام وهما:

стр. 674

الأمر الأول: لا يطلق اسم الرجاء إلا على ما يقع التردد في حصوله، فلا يقال ذلك اللفظ فيما هو مقطوع في حصوله، كما هو الحال في الخوف تماماً، يقال: أرجو نزول المطر، وأخاف انقطاعه، وأرجو مغفرة ذنوبي يوم الحساب، وأخاف من المؤاخذة والعقاب، ولا يقال: أرجو نزول المطر وقت نزوله، وأخاف انقطاعه وقت انقطاعه، وأرجو قيام القيامة، وأخاف عدم قيامها. الأمر الثاني: إذا لم يبذل المكلف ما في وسعه من الأسباب، فهو في دعوى الرجاء كذاب، وذلك حماقة وغرور، وعجز وتمن من قبل أهل الشطط والثبور، وإليك تقرير هذا بالأمثلة الحسيات، ثم إقامة البرهان عليه بالأدلة البينات (١) . المثال الأول: ... من رجا حصول الولد بذل ما في وسعه من الأسباب الممكنة للحصول عليه بطريقة محكمة، فيسعى في تحصيل منكح له قابل للولادة، ولا يكفي حصوله عنده لوجود الولد، حتى يلقي البذر فيه عند أهل الرشد، وهذا ما في وسه كل أحد، ثم يرجو فضل ربه الصمد، في خلق الولد، ودفع الآفات عنه وعن أمه إلى أن يكتمل حمله، ويتسهل خروجه، فمن قام بذينك الأمرين: بذل ما في الوسع، وانتظار فضل الرب – جل وعلا – فهو كيس عاقل. ... ومن رجا الولد ولم ينكح ما هو قابل للولادة، أو نكح ولم يلق في منكوحه البذر فهو أحمق مغرور باتفاق أهل العقول، ولا يعتبر ذلك من الرجاء عند الأذكياء الأزكياء، بل هو عته وسفاهة باتفاق العقلاء. وهكذا الحال في رجاء رحمة رب الأرض والسماء، سواء بسواء، فمن رجاها، ولم يعمل بمقتضاها، فهيهات هيهات أن يلقاها. المثال الثاني:

стр. 675

.. إذا رجا المزارع محصولاً طيباً، طلب أرضاً طيبة، وألقى فيها بذراً جيداً غير عفن ولا مسوس، ثم أمده بما يحتاج إليه، وهو: سوق الماء إليه في أوقاته، ثم نقى الأرض من الشوك والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده، وهذا الأمر في وسعه، فإذا انتظر بعد ذلك فضل ربه – جل وعز – في دفع الصواعق، والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبغ غايته فهو راج حقيقة، وانتظاره رجاء حقاً. وأما إذا بث المزارع في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها الماء، ولم يشتغل بتعهد البذر أصلاً، أو كان البذر عفناً مسوساً، ثم انتظر محصولاً جيداً فهو مغرور بلا ارتياب، فكيف يكون حكمه إذا لم يلق في الأرض بذراً أصلاً عند أولي الألباب، لا شك أنه في رجاءه أحمق كذاب، وذلك الرجاء سفاهة وتباب.

стр. 676

فاعتبروا بذلك يا أهل العقول، وقيسوا رجاء العبد رحمة العزيز الغفور، برجاء المزارع بلوغ المأمول، وجودة المحصول، فالدنيا مزرعة الآخرة عند الأكياس العدول (١)

стр. 677

فالقلب كالأرض، والإيمان كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها، والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان، وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه، كما لا ينمو بذر في أرض سبخة. والعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه بماء الطاعات، وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله – – تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقياً في نفسه، باعثاً له على المواظبة، والقيام بمقتضى أسباب الإيمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت. وإن قطع العبد عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات، أو ترك القلب مشحوناً برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب اللذات، ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور، وهو من أهل الزيغ والثبور. المثال الثالث: لو استأجر كريم أجيراً، ليقوم بإصلاح بيته وتحسينه، وشرط له أجره معلومة وكان الشارط المستأجر يفي بوعده، بل يزيد عليه بمقتضى كرمه وفضله، فالأجير يتوقع الأجرة على التمام، بل والزيادة عليها بمقتضى الفضل والإحسان، إن قام بالعمل خير قيام وتوقعه رجاء حقاً عند الأنام. أما إذا هدم الأجير البيت ونقضه، وأتلفه وأفسده، ثم جلس ينتظر الأجرة، ويتوقع عليها الزيادة، اعتماداً على كرم المستأجر وإحسانه فانتظاره غرور، وتوقعه دجل وزور عند جميع أهل العقول. والله رب العالمين، خلق المكلفين، للقيام بشرعه المبين، ووعدهم على ذلك جنات النعيم، فمن قام بما خلق من أجله، ثم رجا الله الكريم من فضله، فهو راج عند الفضلاء، وحاشا أن يخيب رجاؤه عند رب الأرض والسماء.

стр. 678

ومن عطل جوارحه عن الطاعات، وشغلها بالمخالفات، ثم رجا دخول الجنات، فهو من أهل السفاهات والحماقات عند أهل النهى الزاكيات، وهيهات أن يحصل ما رجاه عند رب الأرض والسموات. ما بالُ دينك ترضى أن تُدنسَهُ ... وثوبك الدهرَ مغسولٌ من الدّنس ِ ترجو النجاة ولم تسْلكْ مسَالِكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليَبَس ِ والله – جل وعلا – قرر هذا في كتابه فقال في سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ آل عمران١٨٥، فماذا سيوفى من لم يقم بالعمل، ولم يقع منه إلا الفساد والزلل؟ إنه سيعاقب لما جرى منه من الخلل، فإذا طمع صاحب هذه الحالة في المثوبة عند الله – – فهو بلا شك من أهل الزيغ والخطل، قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: الفرق بين الرجاء والتمني: أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل (١) . وإليك بعد تلك الأمثلة الواضحات، الأدلة البينات، من كلام رب الأرض والسموات، وحديث خير البريات – عليه أزكى السلام وأفضل الصلوات –، وأقاويل سلفنا أهل العقول الزاكيات. آيات القرآن الكريم:

стр. 679

دل كلام ربنا الرحمن، على أن رجاء نيل الرضوان ودخول الجنات الحسان منوط بعمل الإحسان، والالتزام بشرع الإسلام، قال ذو الجلال والإكرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ البقرة٢١٨، قال الغزالي – عليه رحمة الملك الباري –: معناه: أولئك الذين يستحقون أن يرجوا رحمة الله – ﵎ – وما أراد به تخصيص وجود الرجاء، لأن غيرهم أيضاً قد يرجو، ولكن خصص بهم استحقاق الرجاء (١) . وقال – جل وعز –: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ طه٨٢، فعلق ذو الجلال والإكرام، المغفرة على أربعة شروط حسان: التوبة من جميع الذنوب والآثام، ورسوخ الإيمان في الجنان، وقيام الجوارح بشعائر الإسلام، والاستمرار على ذلك حتى لقاء الرحمن، قال الغزالي – عليه رحمة الله –: وعد المغفرة في جميع كتاب الله – – منوط بالإيمان والعمل الصالح جميعاً، لا بالإيمان وحده (٢) .

стр. 680

وقال – جل وعلا –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فاطر٢٩-٣٠، قال أبو السعود – عليه رحمة الرب المعبود –: والإخبار برجائهم من أكرم الأكرمين عدة قطعية بحصول مرجوهم ١٠هـ، وقال الإمام ابن كثير – عليه رحمة ربنا الكبير – يخبر – ﵎ – عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه، ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله – ﵎ – في الأوقات المشروعة ليلاً ونهاراً، " سِرّاً وَعَلَانِيَةً "، " يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ " أي: يرجون ثواباً عند الله – – لابد من حصوله (١) .

стр. 681

وقال – جل ثناؤه –: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف٥٥-٥٦، وتقدم في هذا الكتاب المبارك ما دار بين الإمام أبي حازم وخليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – وفيه قول سليمان: ليت شعري ما لنا عند الله؟ – جل وعلا – فقال له أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله – – قال: وأي مكان أجده؟ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ الانفطار١٣-١٤، قال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ فقال أبو حازم: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف٥٦ (١) . وقد أخبر ربنا الكبير أن من رجا ثوابه الجزيل، فعليه العمل بما في التنزيل، مريداً بذلك وجهه الجليل، فقال – ﷻ – في آخر سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ الكهف١١٠، قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الله تعالى –: " فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ " أي: ثوابه، وجزاء عمله الصالح، " فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً " أي: ما كان موافقاً لشرع الله – –، " وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً " وهو الذي يراد به وجه الله وحده، لا شريك له: وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصاً لله – جل وعلا – صواباً على شريعة رسول الله – ﷺ – (٢) .

стр. 682

وقد استنكر ربنا الوهاب، على من رجا حصول الثواب، دون القيام بالأسباب، والالتزام بما شرعه الله من الهدى والصواب، فقال – جل وعز –: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ الأعراف١٦٨-١٧٠، وخلاصة معنى الآيات الكريمات كما ورد في تفاسير أئمتنا الثقات: أن رب الأرض والسموات فرق بني إسرائيل في الأرض طوائف متعددة، مختلفات، فيهم الصالح والطالح، واختبرهم – جل وعلا – بالرجاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، لعلهم يستقيمون على شريعة رب الأرض والسماء، ويقلعون عن الزيغ والالتواء، فخلف بعد ذلك الجيل ما هو شر من الحمير ليس فيهم من الخير قليل ولا كثير، ورثوا دراسة التوراة، واستعاضوا عنها بزينة الحياة، ويقولون كذاباً وغروراً: سيغفر لنا وننال أجراً كبيراً، وذلك الفعل ديدنهم، فكلما لاح لهم شيء من الدنيا استخلفهم وجذبهم، وقد أخذ عليهم ربنا الميثاق، بأن لا يقولوا إلا الحق، ولا يكونوا من أهل الشقاق، وفي ذلك إشارة إلى فساد مسلكهم في أخذهم الحطام، وكذبهم فيما صدر عنهم من الكلام، بأنه سيغفر لهم عند ربنا الرحمن، ثم ختم ربنا الكريم الكلام على مسلكهم الأثير، بما يفيد كونهم من المجانين، حيث آثروا الدنيا على ما عند الله العظيم من

стр. 683

النعيم المقيم، ثم بعد وصف أولئك الملاعين، بين الله وصف عباده الصالحين، فأخبر عن تمسكهم بشرعه القويم، وقيامهم بشرائع الدين، فلهم الأجر الوافر عند رب العالمين. وقد أخبر معاذ بن جبل – رضي الله تعالى عنه – عن صدور ما يقارب وصف الحمقى المغرورين من بني إسرائيل في هذه الأمة ففي سنن الدارمي عنه – رضي الله تعالى عنه – قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع، لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئاً (١) .

стр. 684

وشبيه بتلك الآيات في الدلالة قول الله – جل وعلا –: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ مريم٧٧-٨٠، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن خباب بن الأرت – رضي الله تعالى عنه – قال: كنت قيناً – أي: حداداً – في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل سيفاً، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد – ﷺ – قلت: لا أكفر بمحمد – ﷺ – حتى يميتك الله ثم يحييك، قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت: بلى، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث، فسوف أوتي مالاً وولداً فأقضيك، فأنزل الله – –: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ مريم٧٧-٨٠ (١) .

стр. 685

ومثل آية سورة مريم تماماً قول الله – ﷻ –: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ فصلت٤٩-٥٠، وذلك التمني تخرص وغرور، وهو من وساوس اللعين الغرور، وهو قياس فاسد خسيس، ومن جنس إمامهم إبليس، وما ضل من ضل إلا بذلك المسلك التعيس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (١) .

стр. 686

تلك دلالات القرآن، وفيها الحجة والبرهان، على أن رجاء رحمة الرحيم الرحمن، منوط بالعمل بشرائع الإسلام، والثبات على هدي خير الأنام، نبينا محمد – ﵊ – ومن فرط في ذلك من إنس وجان، ورجا من ربه الإحسان، والتنعم بدخول الجنان، فهو من ذوي السفاهة والخسران، ومن أهل الحماقة والخذلان، ورجاؤه أضغاث أحلام، بل هو من تسويلات الشيطان، بلا خوف عند أهل الإيمان، رزقنا الله الأدب معه في جميع الأحيان، ومن علينا بحسن الختام، والتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم في غرف الجنان. دلالات الحديث النبوي على ذلك التقرير السوي: ... سأقتصر على حديث واحد فقط في بيان ذلك الإيضاح القوي الصحيح، وهو في بابه نص صريح لما فيه من قوة البيان ووضوح التصريح، ورد في المسند والمستدرك، وسنن الترمذي، وابن ماجه وغيرهم من كتب الحديث الشريفة عن شداد بن أوس – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله – – (١) .

стр. 687

.. والحديث الشريف – كما ترى – كلمة الفصل في هذا المقام، حيث وقع التصريح فيه بأن الناس صنفان، عاقل يقوم على حساب نفسه، ويبذل جهده فيما ينفعه بعد موته، فهو حقيق برجاء رحمة ربه، والصنف الثاني أحمق أخرق يرخي لنفسه العنان، لتتخبط في وساوس الشيطان، ثم يتمنى على الملك الرحمن، ما يزينه له الشيطان – نعوذ بالله من الخذلان –. بعض الآثار عن سلفنا الأبرار في بيان حقيقة رجاء الأخيار، وحماقة الأشرار: ... الآثار عنهم في ذلك كثيرة، إليك ثلاثة منها شهيرة، فيها دلالة لتلك المسألة الجليلة الكبيرة، قال الإمام معروف الكرخي – رضي الله تعالى عنه –: طلب الجنة بل عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق، وقال: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق (١) .

стр. 688

.. وقال العابد الجأر يحيى بن معاذ – عليه رحمة العزيز الغفار –: من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله – بغير طاعة، وانتظار الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله – – مع الإفراط في الأمل، وقال أيضاً: الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل وعلامة التائب، إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس، عند كل همة، وكان يقول – عليه رحمة الله تعالى –: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم طمع في الكواعب الأتراب؟ هيهات، هيهات، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك لو بادرت أجلك، ما أقوالك لو خالفت هواك، وقال أيضاً: الكيس من فيه ثلاث خصال: من بادر بعمله، وتسوف بأمله، واستعد لأجله، والمغبون يوم القيامة من فيه ثلاث خصال: من قرض أيامه بالباطلات، وبسط جوارحه على الحسرات، ومات قبل إفاقته من السكرات، ومن أقواله لا يزال العبد مقروناً بالتواني ما دام على الأماني (١) .

стр. 689

وفي حلية الأولياء: عن معاوية بن قرة قال: دخلت على مسلم بن يسار – ﵏ جميعاً – فقلت: ما عندي كبير عمل إلا أني أرجو الله – – وأخاف منه – فقال مسلم بن يسار: ما شاء الله، من خاف من شيء حذر منه، ومن رجا شيئاً طلبه، وكان مسلم بن يسار يقول: من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، وما أدري ما حسب رجاء امرئ عرض له بلاء لم يصير عليه لما يرجو وما أدري ما حسب خوف امرئ عرض له شهوة لم يدعها لما يخشى، وفي الحلية والإحياء: كان مسلم بن يسار يطيل السجود لله الواحد القهار، فوقع الدم في ثنيتيه فسقطتا فدفنهما، فقال له رجل: إنا لنرجو الله – – فقال مسلم: هيهات، هيهات من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه (١) .

стр. 690

فتأمل أخي المسلم تلك النقول عن سلفنا الأتقياء لتقف على حقيقة الرجاء، فقد بدل معنى ذلك اللفظ عند السفهاء، ولم يفهموا منه إلا الجراء والجسارة على رب الأرض والسماء، قال الإمام الغزالي في الإحياء: ما لا يبعث على العمل فهو تمن وغرور، ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدنيا، وسبب إعراضهم عن الله – ﵎ – وإهمالهم السعي للآخرة، فذلك غرور، وقد أخبر النبي – ﷺ – أن الغرور سيغلب على قلوب آخر هذه الأمة وقد كان ما وعد به – ﷺ – فلقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، يخافون على أنفسهم وهم طول الليل والنهار في طاعة ربهم، يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات، والشهوات ويبكون على أنفسهم في الخلوات، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين مع إكبابهم على المعاصي، وانهماكهم في الدنيا، وإعراضهم عن الله – – زاعمين أنهم واثقون بكرم الله – ﵎ – وفضله راجون لعفوه ومغفرته، كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – والصحابة والسلف الصالحون – رضي الله تعالى عنهم – فإن كان هذا الأمر يدرك بالتمني، وينال بالهوينى فعلام إذن بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم؟ (١) .

стр. 691

والحديث الذي أشار إليه الغزالي من غلبة الغرور على آخر هذه الأمة رواه أهل السنن والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ المائدة١٠٥، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراُ، سألت عنها رسول الله – ﷺ – فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من روائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم" قيل: يا رسول الله – أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: "لا، بل أجر خمسين رجلاً منكم (١)

стр. 692

". أسأل الله العظيم أن يجعلنا من الخائفين الراجين، كما يريد رب العالمين، إنه كريم رحيم. تم بحمد الله..

стр. 693

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الملل والنحل: ... الملل جمع ملة، ومعناها في اللغة: الطريقة والسنة، أي: سنة الناس وطريقهم، ومنه الملة: أي الموضع الذي يختبر فيه، لأنه يؤثر في مكانها كما يؤثر في الطريق، وأصل ذلك اللفظ في اللغة من أمللت الكتاب إذا أمليته على غيرك، ولملاحظة ذينك الاعتبارين في الملة - المعنى وأصله - أطلق لفظ الملة في اللغة على الدين والشريعة، لأنهما طريقان متبعان يسير عليهما من ينتمي إليهما، وهما مشروعان من رب العالمين ﵎ وفي حديث نزول نبي الله عيسى في آخر الزمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - يقول رسولنا ﷺ : "ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام" (١) . ... وأما عند علماء الشرع المطهر، فالدين والملة مختلفان في الاعتبار، وإن كانا متحدين بالذات ويتحدد ذلك الاختلاف في ثلاث جهات: ١. الشريعة من حيث وجوب طاعتها تسمى ديناً، ومن حيث جمعها لمن ينتمي إليها تسمى ملة.

стр. 694

٢. ينسب الدين إلى الله – جل وعلا – فهو وضع إلهيٌ يدعو أصحاب العقول، إلى قبول ما هو عند الرسول – ﷺ –، أما الملة فلا تضاف إلا إلى النبي – ﷺ – ولا تكاد تنسب إلى غيره، فلا يقال: ملة الله – جل وعلا –، ولا يقال: ملتي، وملة زيد كما يقال: دين الله – –، وديني، ودين زيد، قال الله – جل وعلا –: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ النساء١٢٥. ٣. الدين يستعمل في جملة الشرائع وآحادها، أما الملة فلا تستعمل إلا في آحاد الشرائع. النحل: ... جمع نحلة، وهي في اللغة ما ينتحله الإنسان، أي: يلتزمه، ويجعله كالملك له، كما يتملك الهدية، ويحوزها، ولهذا الاعتبار أطلق في اللغة لفظ النحلة على الدين، لأن المرء يلتزمه ويأخذ به نفسه، يقال: ما نحلتك؟ أي: ما دينك؟ وعليه فيصح إطلاق لفظ الملة على النحلة أيضاً ومنه ما ورد في بعض روايات الحديث الصحيح الثابت عن نبينا – ﷺ – أنه قال: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار، إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ ﷺ – قال: ما أنا عليه وأصحابي (١) " فالمراد من الملل في هذا الحديث الشريف: النحل، وفرق الأهواء والزيغ والضلال.

стр. 695

.. وأما علماء الشرع فيخصون لفظ النحل بأصحاب الأهواء والآراءالذين يدَّعون الالتزام بشريعة واحدة غراء، نزل بها وحي رب الأرض والسماء، أو لا يدعون الالتزام بشريعة سمحاء، بل يعولون على الأوهام والآراء، كحال الفلاسفة والزنادقة السفهاء، فالصنفان يشملهما القول بأنهم أصحاب نحل من ادعى منهم الالتزام بشريعة أو لم يدع ذلك (١) . وسنتدارس في هذه السنة أصحاب الأهواء، وأهل النحل الخبيثة الشنعاء، الذين يدعون الانتساب لرسالة خاتم الأنبياء – عليه صلوات الله وسلامه – وتتحدد دراستنا لتلك الفرق على النحو التالي: ١. تعداد أمهات الفرق الخبيثة، مع بيان أبرز آرائها الخسيسة. ٢. تفصيل القول في فرقة الشيعة الردية، وبيان أقسامها الغوية. ٣. دراسة موسعة للتصوف والصوفية، وتقييمها حسب الأدلة الشرعية. ... وأبدأ الدراسة بتمهيد للبحث يتضمن الإشارة إلى بيان حالة الناس قبل مبعث خاتم الأنبياء والمرسلين محمد – ﷺ – وإليك تفصيل ذلك – حفظنا الله بمنه وكرمه من الآفات والمهالك. حالة الناس قبل الإسلام:

стр. 696

.. كان الناس قبل الإسلام يعيشون في بيداوات من الجهل والظلم، والتقليد الأعمى، وفوضى الأخلاق يعيثون في الأرض فساداً، وسأقتصر على وصف حالهم، بكلام بعضهم، ثبت في مسند الإمام أحمد – عليه رحمة الله تعالى – بإسناد صحيح في حديث جعفر الطويل، وهجرته مع المؤمنين إلى الحبشة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وفيه أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله – – لنوحده، ونعبده، ونخلع ما نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، وعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا إلى جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك (١) .

стр. 697

.. وذلك الضلال الذي كان يسري في العباد، ويخيم على البلاد، كان عاماً شاملا ً لم ينج منه إلا بقايا من أهل الكتاب، الذين ثبتوا على شرع ربهم، ولم يتلاعبوا فيه، ومن أجل ذلك عم مقت رب العالمين للناس أجمعين، إلا تلك الثلة من المتمسكين بالهدي القويم من أهل الكتاب السابقين، كما ثبت هذا في المسند وصحيح مسلم عن عياض بن حمار المُجاشِعِي – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان" الحديث (١) . ... وقد قام نبينا – ﷺ – بمهمة البلاغ والبيان أحسن قيام، ونشر بين الناس النور والهدى والعرفان، ولم يقبضه ربه العظيم إلى جواره الكريم حتى أقام به الملة العوجاء، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك (٢) .

стр. 698

وبعد ذلك الاكتمال، على أحسن حال، قام شياطين الإنس بتحريش من شياطين الجن عدة محاولات للقضاء على الإسلام، بمختلف الأساليب والألوان، لكن أنى يستطيعون ذلك وقد تكفل ربنا المنان بحفظ الإسلام والقرآن، لذلك ارتدوا على أدبارهم خاسئين فانصرفوا لتشكيك المسلمين بعد أن أعياهم تغيير شرع رب العالمين، فظفروا بعد غير قليل من الدهماء المفتونين، ولن يزال ذلك البلاء في ازدياد، كلما امتدت بهذه الأمة الآماد، وهذا كما ثبت عن رسولنا خير العباد – ﷺ – أنه قال: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم (١) ".

стр. 699

وقد أخبرنا نبينا – ﷺ – أن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً ففي مستدرك الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: تلا رسول الله – ﷺ –: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ النصر٢، فقال رسول الله – ﷺ –: "ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً" وفي المسند وغيره عن جار لجابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: قدمت من سفر، فجاءني جابر يسلم علي فجعلت أحدثه عن افتراق الناس، ومما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً (١) ".

стр. 700

قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: من عجيب أمر هذه الأمة أنها جمعت ما تفرق في غيرها من الفضائل والبلايا، بل زادت عليها في المزايا والرزايا، فتقيها خير الأتقياء، وشقيها شر الأشقياء، وقد أشار إلى ذلك رسولنا إمام الأنبياء – ﷺ تسليماً كثيراً – بقوله الثابت عنه في دواوين السنة الغراء: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد – ﷺ – بيده لتفرقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة، وفي رواية: "ما أنا عليه وأصحابي" (١) .

стр. 701

والحديث ثابت ثبوت، صحة، ولتعدد طرقه حكم عليه العلماء الكرام بتواتره، كما هو مبين في التخريج، فاغتنم ما فيه وسل الله المزيد. وإذا كان حال الأمة سيصير إلى ما ذكرت فعليك أيها المسترشد، يا من تريد نصح نفسك، بالتمسك بصراط ربك، حسبما كان عليه الخيرة من سلفك، فلو رجعت إلى رشدك، وتأملت الأمور من حولك لعلمت أنك في زمان لو جد فيه الصديقون لاستغاثوا بالله مما يجري فيه من الزيغ والمجون، فحذار حذار من التفريط والإهمال، والاسترسال فيما يشقيك في الحال، والمآل، فكم وكم انسلخ من دين الله بسبب ذلك نساء ورجال، روى الإمام أحمد في المسند والطبراني في المعجم الأوسط عن النعمان بن بشير – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: صحبنا رسول الله – ﷺ – وسمعناه يقول: "إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ثم يمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ثم يصبح كافراً، يبيع أقوام خلاقهم بعرض من الدنيا يسير" قال الحسن البصري – رحمه الله تعالى -: "والله لقد رأيناهم صوراً ولاعقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار، وذُبَّان طمع، يغدو أحدهم بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز (١)

стр. 702

" نسأل الله العظيم بوجهه الكريم أن لا يُزِيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه سميع مجيب. أمهات الفرق الزائغة الفرقة الأولى القدرية: ... تنسب هذه الفرقة الضالة إلى مقالتها التي ضلت بها، وخالفت فيها الحق الثابت، وتلك المقالة النكراء تتعلق بسبق علم الله الجليل للأشياء قبل حدوثها، وتقديره لها خيرها وشرها وينقسم أصحاب هذه البدعة الخبيثة إلى قسمين: أ) قدرية غلاة: وهم الذين نفوا تقدير الله للأشياء في القدم، ونفوا تقدم علمه بها، وزعموا أنها مستأنفة العلم، أي: إنما يعلمها الله – ﷻ – بعد وقوعها، وكذبوا على الله – وجل عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً – (١) .

стр. 703

.. وقد نبتت تلك الفرقة الضالة في أواخر أيام الصحابة الكرام (١)

стр. 704

– رضوان الله تعالى عليهم أجمعين – وأول حديث في صحيح مسلم فيه التصريح بذلك، كما في بيان حكم أولئك فعن يحيى بن يعمر قال: كان أولمن قال في القدر بالبصرة مَعْبَد الجُهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله – ﷺ – فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فَوُفِّقَ لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – داخلا ً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم – وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه (أي: في سبيل الله) ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله – ﷺ – ذات يوم إ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي – ﷺ – فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله – ﷺ –: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: أخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد

стр. 705

الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق، فلبثتُ ملياً، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم (١) ".
следующие страницы →