← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فما عاد هناك مجال أن يقال أنت تتصلين اتصالاً محرماً ببعض الناس، فإنه يأتيك شيء لا نظير له، فهذا مما يدهش العقول فمن أين جاءك؟ قالت (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ولو كان لما يأتيها نظير ومثيل لأمكن أن يقال هو إما مساعدة وإما وحاشاها – خيانة – ولكن لا هذا ولا هذا فهو شيء لا يمكن أن يحصل من قبل بشر. فإذا كانت كرامات الأولياء ثابتة فانظر ماذا يعلق الشيخ محمد حامد الفقي على هذه القصة: "عمر لا يعلم الغيب وهذه القصة وإن كانت ثابتة فمعناها وتأويلها أن عمر بن الخطاب ﵁ عندما كان يخطب على المنبر أخذته سنة فنام فكشف الله له في الرؤيا عن حال الموقعة ثم صاح بأعلى صوته" لكن نقول: لو سلمنا لك بهذا فكيف سمع سارية صوت عمر إن كان علمه عن طريق الرؤيا، ولكن لا نعلم بما ذكرت، فهل يعقل أن ينام عمر على المنبر؟ فلو حصل ونام عمر على المنبر فإذا أحدث الخطباء في هذه الأيام على المنبر لكان قليلاً! فيا إخوتي لا نشطت في التأويل بحيث نصل إلى درجة الإنكار فهو لا يريد أن يقول باطلة لأن هذا ثابت، فيقول هذا معنى هذا، فتنبهوا! إذن فهذا من خارق العادة في العلم.

стр. 842

الثاني خارق العادة في القدرة فيقدر على ما يعجز عنه غيره ومنه قصة عرش بلقيس قال الله تعالى عنه (ولها عرش عظيم) والعرش سرير الملك مرصع بالجواهر واليواقيت وحجمه كبير، قال نبي الله سليمان كما حكى الله عنه (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) ، وكان سليمان ﵊ من الصباح حتى الظهر يقضي بين رعيته ويعلمهم، فقبل انفضاض المجلس سيكون العرش عندك (قال الذي عنده علم الكتاب) هو رجل صالح اسمه آصَف، (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) أي إذا نظرت إلى شيء فقبل أن تغمض عينيك عنه يكون العرش عندك أي في ثوان ٍ ليظهر الله كرامة هذا العبد الصالح على قوة وجهد الجن مع ما معهم من قوة إمكانات، فهذا له مكانة عند الله أعلى وسيأتي بهذا العرش من اليمن إلى بيت المقدس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه (فلما رآه مستقراً قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) . إخوتي الكرام.... ما سبق هذا هو المعنى الحق أما من قال: (قال الذي عنده علم الكتاب) هو جبريل أو (قال الذي عنده علم الكتاب) هو نبي الله سليمان فهذا باطل. وهذه كما قال الإمام الذهبي في كتاب العلو للعلي الغفار ص ٥٧ "سبحان الله ما أعظم هذه الكرامة ولا ينكر كرامات الأولياء إلا جاهل" الثالث: خارق للعادة في مجال الغنى، فيستغني عما يحتاج إليه الناس ثبت في ترجمة العبد الصالح إبراهيم التيمي أنه كان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب، والإنسان إذا امتنع عن الشراب ثلاثة أيام يموت، إذا امتنع عن الطعام سبعة أيام – على أكبر تقدير – يموت. فهذا العبد الصالح عنده غنىً عن الطعام والشراب، والله على كل شيء قدير، فإذا جعل الملائكة لا يأكلون ولا يشربون فما الذي يمنعه من أن يجعل العبد بهذه الصفة ويكرمه بذلك؟

стр. 843

ومكث مرة أربعين يوماً، فأعطاه بعض أهله حبة عنب فأكلها، فمكث أربعين يوما ولما أكل لم يأكل إلا حبة العنب فقط فهذا غنىً عما يحتاج إليه الناس. ذكر الإمام بن كثير عند قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي) حكايته عن قارون يقول: قال بعض الناس: (على علم عندي) أي بصنعة الكيمياء؟ أي أنه يقلب الخشب والحجر والنحاس إلى ذهب، وقال هذا هوس فالمعادن وحقائق الأشياء لا يمكن أن تقلب، فالخشب خشب والحجر حجر والحديد حديد، ولا يمكن أن نقلبه ذهباً أو فضة، يقول وأما قلب حقائق الأشياء إلى ذهب وفضة عن طريق خرق العادة من باب الكرامة فهذا جائز لأنه ليس بمشيئة الناس بل بمشيئة الله، كما جرى لحَيْوَة بن شُرَيْح وكان قد جاءه سائل فسأله – والقصة ثابتة صحيحة ثابتة في تهذيب التهذيب وتذكرة الحفاظ في ترجمة حَيْوَة بن شُرَيْح من شيوخ ورجال الكتب الستة فعلم حيوة صدقه واحتياجه، فأخذ مَدَرَة من الأرض – قطعة طين متجمدة – فأجالها في يده فوضعها في يد السائل فقلبها الله ذهباً خالصاً والله على كل شيء قدير، فهذا ليس بمشيئة المخلوقات إنما هو بمشيئة رب الأرض والسموات. الشاهد: حادثة الإسراء والمعراج خارقة للعادة ترجع إلى العلم أو القدرة أو الغنى؟ ترجع إلى القدرة، أقدره الله على ما يعجز عنه البشر إلا من أكرمه الله بذلك، فيسري به إلى البيت المقدس ويعرج به إلى السموات السابعة فيعاد إلى بيت المقدس، ويعاد إلى مكة في جزء من الليل ولازال فراشه دافئاً. وهذه الأمور الستة قد جمعها بعض أئمتنا في ستة أبيات من الشعر لطيفة وهي: ١- إذا رأيْتَ الأمرَ يخْرِقُ عادةً ... فمعجزةٌ إنْ مْن نبيٍّ لنا ظَهَرْ ٢- وإن بان من قبل وصف نبوة ... فالإرهاصَ سِمْه ُ تتبع القومَ في الأثرْ ٣- وإن جاء يوماً من ولي فإنه ... الكرامة في التحقيق عند ذوي النظرْ ٤-وإن كان من بعض العوام صدوره ... فكنوه حقا بالمعونة واشتهرْ

стр. 844

٥- ومن فاسق إن كان وفق مراده ... يسمي بالاستدراج فيما قد استقرْ ٦- وإلا فالإهانة عندهم وقد ... تمت الأقسام عند من اختبرْ ومن شاء الرجوع إليه فلينظر في كتاب: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية في شرح الدرة المضيئة في العقيدة الأثرية للإمام السفاريني (٢/٣٩٢) ، والدرة المضيئة له وشرحها في مجلدين وهو من الكتب النافعة في علم التوحيد على هدي السلف، وقد تعرض فيه لمبحث خوارق العادات وذكر الستة. بعض علماء التوحيد أضاف أمراً سابعاً لكنه لا يعتبر من خوارق العادات وهو: السحر، وهذه إضافة باطلة، فإنه لا يعتبر من خوارق العادات لأنه يتوصل إليه بالأسباب العادية فهناك أنواع من أنواع الكفريات من سلكها وصل إلى السحر فهو علم وتعلم مثل الموسيقى هذا حرام وذاك حرام، ولذلك من السبع الموبقات كما قال النبي ﵊ السحر، وما شاع بين الناس من حديث مكذوب وهو: [تعلموا السحر ولا تعملوا به] فهذا لا يصح نسبته إلى النبي ﵊ وهو خرافة، لأن تعلم السحر لا يحصل إلا بالكفر واستعانة بالقوى الخبيثة الشريرة من الشياطين والعفاريت، لكن هو علم عن طريق أسباب من تعلمها وصل إليه مثل الغناء والرقص والموسيقى وقلة الحياء. لكنه لا يحصل إلا بمشيئة الله قال تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ، وهذا كما لو أطلقت رصاصة على إنسان فأنت الذي باشرت القتل لكنه لم يمت إلا بمشيئة الله وتقديره وإرادته ولكنك تعاقب على مباشرتك للقتل، ولو صبر القاتل على مقتوله لحظة لمات دون أن يقتله فالمقتول مات بأجله ولم يقدم القاتل أجله عن موعده بل ساعة قتله هي أجله، فلم يقدم أجله ولا طرفة عين لكن القاتل مسئول عن فعله.

стр. 845

وهناك عندما يمارس السحر ويفرق بين المرء وزوجه ويؤذي الإنسان ويكسب جسمه وهناً وضعفاً فهو بإذن الله، وقد سحر نبينا ﵊ لكن لم يؤثر على عقله غاية ما كان إنه يصاب في بدنه بوهن وضعف واستمر به السحر أشهر عليه صلوات الله عليه وسلامه وزاد مفعوله فيه مدة أربعين يوماً وكان يشعر بتعب ثم أنزل الله عليه المعوذتين فقرأهما فقام وكأنما نشط من المقال عليه صلوات الله وسلامه والحديث في الصحيحين. فالسحر إذن بواسطة تعلم أشياء معلومة، وهو كما لو تعلمت فن القتال فضربت إنساناً فآذيته لكن بشيء معلوم، والساحر يؤذي بشيء معلوم، لكن ذلك بشيء ظاهر وهذا بشيء معلوم خفي، فالإيذاء بالسحر لا يكون إلا عن طريق مدارسة ولا يوصل إليه إلا بأسباب معلومة يتلقاها الناس بخلاف خوارق العادات فهذه لا دخل فيها لكسب ظاهر، إنما هي محض تقدير الله جل وعلا ومشيئته وبالتالي ليس السحر من خوارق العادات. المبحث الثالث أكم مرة وقع فيها الإسراء والمعراج: الإسراء والمعراج لهما حالتان: الحالة الأولي: حالة وقوعهما في اليقظة، فلم يقعا إلا مرة واحدة قبل الهجرة، وسيأتي تحديد وقت حصولهما. وقد حكى الإمام ابن حجر في فتح الباري (٧/٢٠٣) في هذه المسألة عشرة أقوال في تكرر الإسراء والمعراج – والمعتمد فيها – أن إسراء ومعراج اليقظة بنبينا ﵊ كان مرة واحدة.

стр. 846

قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: "والعجب ممن يدعي ويزعم تعدد الإسراء والمعراج في اليقظة فكيف سيحمل التعدد على فرضية الصلاة " فقد فرضت الصلاة ليلة المعراج وكانت خمسين فخفضت إلى خمس عندما كان يتلقى هذا من الله وينزل على نبي الله موسى ﵇ – وسيأتينا هذا في الآيات التي رآها في السماء وما حصل له من عجائب – فإذا قلنا إن حادث الإسراء والمعراج قد تكرر إذن نعيد المسألة في كل حادث كانت خمسين وترجع إلى خمس وترجع إلى خمس فهذا لا يمكن أن يقع ويحصل، فإسراء ومعراج اليقظة هذا وقع مرة واحدة. الحالة الثانية: حالة وقوعهما في المنام بروح نبينا ﵊ فلا مانع من تكرارها، أي أن يسرى بروحه فتذهب روحه إلى بيت المقدس وهو نائم ويعرج بروحه إلى السماء وهو نائم، فلا مانع من تعدده ولو وقع ألف مرة. والإمام النووي في فتاويه المشهورة – وهو كتاب مطبوع في ٣٠٠ صفحة تقريباً – ذهب في هذه الفتاوى إلى أن الإسراء والمعراج وقعا مرتين لنبينا ﵊ مرة في المنام ومرة في اليقظة. وذهب بعض الأئمة كالمهلب – كما حكى هذا الحافظ في الفتح – وذهب إليه الإمام ابن العربي والإمام السهيلي وأبو نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم: إلى أن الإسراء والمعراج في المنام تكرر فوقع قبل الهجرة ووقع بعدها، فاختلفوا في عدد المرات في المنام، أما في اليقظة بروحه وجسده فلم تقع إلا مرة واحدة. نعم التبس الأمر على بعض رواة الحديث عندما أخبرهم نبينا ﵊ أنه عرج به وأسريَ به في غير اليقظة فظنوا أن ذلك الإسراء والمعراج حصل في اليقظة مع أنه حصل في المنام فلا مانع كما قلنا أن يعرج به وبغيره ﵊، أو يسرى به وبغيره ﵊ في المنام لا في اليقظة.

стр. 847

إذا فقد ذهب الإمام النووي إلى وقوعهما مرة في المنام وذهب غيره إلى أنها حصلت أكثر من مرة، فوقع قبل الهجرة وبعدها والذين قالوا أنه وقع قبل الهجرة قالوا وقع قبل أن يسرى به ويعرج به في اليقظة فأسري به وعرج بروحه ليكون توطئة لإسراء ومعراج الجسد بعد ذلك، ثم بعد أن هاجر فأسْرِيَ وعُرج بروحه وهو نائم ليكون بمثابة التشويق وتذكرة بالنعمة التي حصلت له قبل هجرته. أمتى حصلا ووقعا لنبينا ﵊؟ ذهب الإمام الزهري – من أئمة التابعين – ولكلامه هذا حكم الرفع المرسل إلى أن الإسراء والمعراج حصلا ووقعا قبل الهجرة بسنة. وذهب الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى إلى أنه وقع قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً قلت: ولا تعارض بين القولين فيما يظهر لي والعلم عند الله، فمن قال عرج به وأسرى قبل الهجرة بسنة ألغى الكسر وأخبر عن العدد الصحيح ومن قال عرج به وأسري قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً (سنة ونصف) أخبر عن حقيقة ما وقع وأثبت الكسر، فالإسراء والمعراج إذن وقعا قبل الهجرة بسنة ونصف. جـ- لم وقعا في ذلك الوقت؟ (الحكمة من وقوعها في ذلك الوقت) : في العام العاشر للبعثة لا للهجرة حدث أمران عظيمان في حياة نبينا ﵊ كان لهما أثر كبير وهما: أولهما: موت زوجه خديجة، وخديجة هي أفضل نساء هذه الأمة على المعتمد وقيل فاطمة ابنتها، وقيل أمنا عائشة، وذهب بعض العلماء إلى أن كل واحدة منهن فيها فضيلة ومزية لا توجد في الأخرى، لكن أمنا خديجة ﵂ لها منزلة عظيمة في قلب النبي ﵊، فهي أول من آمن به من النساء، نصرته وواسته وأعانته بمالها، رزقها الله منها الأولاد وكانت نعم الزوج ﵂، فمن كان يبث إليه سره ويأنس في خلوته ذهب ومات.

стр. 848

ثانيهما: موت عمه أبي طالب بعد شهر وخمسة أيام، وأبو طالب كان مشركاً وكافراً ولم يؤمن بالنبي ﵊ (١)

стр. 849

لكن له صلة عظيمة بنبينا عليه صلوات الله وسلامه من سائر أعمامه فعمه العباس لم يكن مؤمناً في ذلك الوقت ثم آمن فيما بعد، وعمه أبو لهب لم يكن مؤمناً وما آمن وكان يؤذي النبي ﵊ والعباس لم يكن له من المكانة في قومه كما لأبي طالب، فأبو طالب هو الذي ورث مكانة عبد المطلب وصار سيد قريش، فكانت له كلمة نافذة فما استطاع سفيه في مكة أن يمد يده أو يلوح بأصبعه إلى الرسول ﷺ مدة حياة أبي طالب وهو الذي كان يقول له: "والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً" وكانت قريش تهاب أبا طالب وتخاف سطوته ويخشون إذا آذوا النبي ﵊ أن يثأر أبو طالب لابن أخيه من باب الحمية، فكانوا ينكفون عن أذى النبي ﵊ ولذلك غاية ما وقع قبل العام العاشر للبعثة أذىً على أصحابه ولم يقع عليه أذىً عليه صلوات الله وسلامه، فلما مات عمه أبو طالب اشتد أذى المشركين على أصحابه بل وعلى النبي ﵊ ووصل الأمر إلى أنهم أخذوا الجزور وهي الكرشة التي فيها الفرث والزبل – وطرحوها على ظهر النبي ﷺ بجوار الكعبة فإذن اشتد عليه الأذى وكثر بعد موت عمه أبي طالب، وصار يلاقي أذىً شديداً خارج البيت وإذا عاد إلى البيت فليس هناك من يؤنسه ويزيل همومه، فاشتد به الأذى وضاقت عليه الأرض بما رحبت في ذلك الوقت، في العام العاشر للبعثة الذي سمي بعام الحزن، فخرج النبي ﵊ من شدة الكرب الذي لحقه من المشركين إلى الطائف يلتمس نصرة من ثقيف، فكانوا أخبث من عتاة قريش وأهل مكة. فردوا عليه أقبح رد أما بعضهم فيقول: أما وجد الله رسولا ً غيرك ليرسله؟ والآخر يقول: والله لو كُنْتَ رسولاً لأمزقن ثياب الكعبة!

стр. 850

ثم ما اقتصر الأمر على أذى اللسان، بل أغروا به السفهاء وبدأوا يقذفونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه عليه صلوات الله وسلامه ومعه مولاه زيد بن حارثة يقيه هذه الحجارة فتارة يكون أمامه وتارة وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله، والحجارة تأتيه من قبل السفهاء من كل جهة. إذن فكان الأمر في منتهى الكرب والشدة، فلجأ بعد خروجه من الطائف إلى بستان عنب ولجأ إلى الله جل وعلا بالدعاء وقال الدعاء الذي رواه الطبراني وذكره الإمام محمد بن إسحاق في المغازي والطبراني رواه عن محمد بن إسحاق أيضاً وهو مدلس وقد عنن الحديث فهو من ناحية الإسناد في الظاهر فيه ضعف لكن المعنى حق وثابت، وهو حقيقة مع ضعف الإسناد فيه إلا أن الناظر فيه يرى عليه نور النبوة، قال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلي بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (. فغار الله لنبينا ﵊ وأرسل له ملك الجبال وقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – الجبلين – وأريحك منهم حتى كأنه لا يوجد شيء اسمه قريش على وجه الأرض، فقال ﷺ : (لا، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله (فهذا هو الرؤوف الرحيم عليه صلوات الله وسلامه. إذن اشتد عليه الأذى في العام العاشر للبعثة، وأخذ فترة طويلة والنبي ﵊ يصبر والهجرة كانت في العام الثالث عشر للبعثة فهل يُترك رسولُ الله ﷺ بعدما لاقاه من إيذاء وشدة بلا حادث جليل يرضيه ويأنسه؟! هذا مستبعد!! لذلك فقد حصل له صلوات الله وسلامه عليه بعد عودته من الطائف أمران وحادثتان:

стр. 851

الحادث الأول: قبل أن يدخل إلى مكة عندما وصل إلى نخلة، وهي على الطريق القديم لمكة ويسمى طريق السيل حديث كان يسلكه المسلمون والعرب في الجاهلية لسهولته ويقع عليه ميقات أهل نجد قرن المنازل، ويقال له قرن المنازل على بعد ٧٠ كيلومتراً من مكة، وطريق السيل هذا طوله من الطائف إلى مكة ١٢٠ كيلومتراً، وهناك طريق آخر جديد يسمى طريق الهدا وهو طريق جبلي شق حديثا وطوله إلى مكة قرابة ٨٠ كيلومتراً، الشاهد أنه لما وصل إلى نخلة وهي تبعد قرابة ٤ كيلومترات عن مكة المكرمة – أكرمه الله بأمر عظيم وأكرم الجن برؤية نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه فصرف له نفراً من الجن يستمعون قراءته وآمنوا به في نخلة: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) ، وفي هذا تأنيس للنبي ﷺ وبشارة، فكأنما الله تعالى يقول له: اصبر إن جهل عليك البشر، فالجن – الذين لا تستبعد من طبيعتهم الجهالة والعشرة – انظر كيف عرفوا قدرك وآمنوا بك واستمعوا لقراءتك فعما قريب سأفتح قلوب البشر لدعوتك. فإذن هذه بشارة حصلت له بعد الأذى الذي حصل له من البشر جاء الجن واستمعوا لقراءته وآمنوا به (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً) والله تعالى أنزل سورة كاملة سماها باسم هذه الحادثة فسميت سورة (الجن) .

стр. 852

الحادث الثاني: بعد أن دخل مكة ﵊ واطمأن فيها بعض الوقت أكرمه الله بحادثة الإسراء والمعراج، وكأن الله تعالى يقول لنبيه ﵊: أعلم أنه لا يوجد من قبلنا غضب عليك، فإذا جهل عليك البشر فليس هذا لغضب منا عليك فمكانتك عندنا عظيمة جليلة، أعطيناك ما لم نعط أحداً من العالمين، فيسرى بك إلى بيت المقدس، ثم نقدمك على أفضل خلق الله وهم الأنبياء والمرسلون في بيت المقدس فيجمع لك الأنبياء وعددهم (١٢٤.٠٠٠) فجمعوا كلهم في بيت المقدس كما سيأتينا في الآيات التي رآها في بيت المقدس، الأنبياء كلهم من آدم إلى عيسى عليهم صلوات الله وسلامه كلهم يجتمعون ويتقدمهم نبينا ﵊ ويصلي بهم ركعتين ويلقي كل واحد خطبة – كما سيأتينا – ويتحدث بما من الله به عليه فيختم الخطب نبينا ﵊ ويتحدث بما من الله به عليه، فيقول خليل الرحمن إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، وعليه صلوات الله وسلامه. إذن أفضل خلق الله أنبياء الله ورسله أنت تتقدم عليهم ويتبركون برؤيتك وأنت إمامهم ويظهر فضلك عليهم، وفي هذا كله تأنيس لقلبه عليه صلوات الله وسلامه وتطمين وتثبيت عظيم ثم ما هو أعلي من هذا حيث رفعك في السماء، فكما قدمناك عليهم في الأرض نرفعك عليهم في السماء فإذا كان أرفع واحد فيهم وهو إبراهيم في السماء السابعة ودونه الكليم موسي في السماء السادسة فأنت ترفع إلى ما هو أعلي من ذلك، بل جبريل علي نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما يرتفع بعد السماء السابعة يقف ويقول لنبينا ﵊: تقدم، ولو تقدمت لحظة لاحترقت، وما منا إلا له مقام معلوم، ثم يعرج نبينا ﵊ – كما تقدم معنا – إلى مستوىً سمع فيه صريف الأقلام وماذا يسطر في لوح الرحمن، ثم ناجاه ربه وكلمه، وهل حصلت له الرؤية النظرية أم القلبية؟ سنتحدث في هذا عند مبحث الآيات التي رآها فوق السموات.

стр. 853

فهذه الآيات العظيمة التي رآها لتدل على عظيم رضوان الله عليه، فكأن الله تعالي يقول له: (لا تحزن إذا جهل عليك السفهاء، فهذا قدرك عند الأتقياء وعند الفضلاء وعند رب الأرض والسماء، فالملائكة تتبرك برؤيتك، وأنبياء الله ورسله يفرحون بلقائك، والله جل وعلا يدعوك لجنابه الأعلى، فمن هؤلاء البشر إذا جهلوا عليك؟) إذا أهل الكرام يكرموني ... فلا أرجو الهوان من اللئام والرجاء من الأضداد فيأتي بمعني الأمل ويأتي بمعني الخوف والوجل وهنا بمعني الخوف، أي فلا أخاف الهوان من اللئام. فاللئيم إذا أهانك والكريم إذا أكرمك فلا تبال بإهانة اللئيم، لكن لو أن الكريم أهانك وأبغضك وتغير قلبه عليك وعبس في وجهك فحقيقة لا يلذ لك طعم الحياة، وتقول: إذن أبغضني الله عندما أذاني الكرام، وعندما تغير قلبهم علي، لكن الواقع أن اللئام هم الذين آذوك وكذلك السفهاء، فهذا مما يدل على عظيم قدره عند الله جل وعلا وهنا لئام يؤذونك، وكرام يتبركون برؤيتك. ونشير هنا إلى أنه: بالإجماع يتبرك بنبينا ﵊ بجسده الشريف، وبفضلاته ببصاقه ومخاطه، وبشعره وبملابسه وبأثاثه، بلا خلاف بين أهل السنة وإذا حصل الإنسان شعره من شعر النبي ﵊ وقبلها ومرغ خده عليها فهنيئا له هنيئا، فالتبرك بآثاره جائز بالاتفاق، وقد كان النبي ﵊ هو الذي يوزع أحيانا شعره على الصحابة، كما حصل هذا في الحديبية، وأخذ أنس بعض الشعرات وأوصي أن توضع تحت لسانه بعد موته – ووضعت – من أجل أن يسدده الله عند سؤال الملكين.

стр. 854

وكأنه بعد حصول هذه المميزات لنبينا ﵊ يقول له برنا: ليس في إيذاء السفهاء لك منقصة، وليس في ذلك غضب منا عليك، فاعلم هذا وقم بالدعوة بجد ونشاط وحذار حذار أن تسير مع الميول البشرية والطبيعة الإنسانية فتقول ضاقت علي الأرض بما رحبت قومي آذوني وكثر صبري عليهم مع ما حصلت منهم من الإعراض، ذهبت إلى الطائف فقابلوني أشنع مقابلة، وطبيعة البشر قد تخور وتضعف، فلا بد من تثبيت فأكلمه الله بالإسراء والمعراج وهذا في غاية التثبيت له عليه صلوات الله وسلامه وفعلا بعد هذه الحادثة كان نشاطه للدعوة أكثر وقام يدعو بجد ونشاط ولذلك في صبيحة اليوم التالي لليلة الإسراء والمعراج لقيه أبو جهل فقال: يا محمد، هل من خبر جديد؟ قال نعم أسري بي هذه الليلة إلى بيت المقدس، قال أو تستطيع أن تخبر قومك إذا دعوتُهم؟ قال: نعم فبين ثباته ولم يبال بأحد عليه صلوات الله وسلامه، فدعاهم أبو جهل وقال: اسمعوا ما يقول محمد، فقالوا: انعت لما بيت الله المقدس يقول نبينا ﵊: فكربت كربا شديداً، لم أكرب مثله قط لأنني ما أثبته – أي ما علمت أحوال بيت المقدس وكم فيه من نافذة وكم له من باب فكيف سأنعته لهم، يقول: فأتي جبريل ببيت المقدس فوضعه عند دار عقيل بن أبي طالب، وأنا أنظر إليه فجعلت أنعته لهم باباً بابا وشباكاً شباكا. فهذا هو حال النبي صلي الله عليه وسلام بعد ذلك الحادث العظيم، فقد صار عنده عزم وحماس للدعوة أكثر من الأول. إخوتي الكرام ... حادثة الإسراء والمعراج وقعت بعد هذين الحادثين المريرين وفاة زوجه وعمه وكل منهما كان له مواقف خاصة مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وإذا كان الأمر كذلك فإذن هنا حزن على وفاتهم ثم هنا حزن لمزيد الأذى بعد موتهما فكان لابد من تسلية لنبينا صلي الله عليه وسلم.

стр. 855

ولذلك كان أئمتنا يقولون: من أقعدته نكاية اللئام، أقامته إعانة الكرام، لئام يؤذونك ويقعدونك عن دعوتك ويثبطونك، فلابد من معين ومساعد يشد أزرك ويقويك وهم الكرام، لكن البلية في عصرنا أن اللئام كثر، فهم يقعدونك ويؤذونك ولا تجد كريما تأوي إليه إلا من رحم الله. إخوتي الكرام ... الصحابة رضوان الله عليهم عندما اشتد عليهم أذى المشركين بمكة أشار عليهم النبي ﵊ أن يهاجروا إلى الحبشة وقال: هناك رجل عادل لا يظلم عنده أحد فاذهبوا إليه لعل الله أن يجعل عنده فرجاً ومخرجاً. وبالفعل حصل ما تمناه النبي صلي الله عليه وسلم حتى أنهم لم يعودوا إلى مكة بل ما عادوا إلا لما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة فلحقوه هناك. ولكن هل تركهم المشركون يهاجرون إلى الحبشة دون أن يلاحقوهم؟ لا بل أرسلوا عمر بن العاص وكان مشركا يومها – وعبد الله بن أبي ربيعة في طلبهم ومعهما الهدايا والقصة طويلة وردت في حديث طويل رواه الإمام أحمد في المسند وأخذ فيه ثلاث صفحات عن أمنا أم سلمة ﵂ لأنها كانت من جملة المهاجرات إلى الحبشة، والحديث إسناده صحيح. وهو في المسند: (١/٢٠١-٢٠٣) ، (٥/٢٩٠-٢٩٢)

стр. 856

قلنا أنه لما اشتد أذي المشركين علي الصحابة رضوان الله عليهم أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بأن يذهبوا ويهاجروا إلى الحبشة، فطالب المشركين بإعادتهم وقال البطارقة الذين كانوا في مجلس النجاشي صدقوا أيها الملك أرسلهم دون أن تسمع كلامهم فقومهم أعلم بهم وقد كانوا يعلمون أن أصعب شيء عليهم أن يسمع النجاشي (أصحمة) كلامهم لأنه عاقل، وإذا كان عاقلا وسمع كلامهم سيقضي بالحق وبالتالي لن يُسلَّم هؤلاء لعتاة قريش وسيحسن ضيافتهم ويكرمهم، فكان أقبح شيء على هذا الوفد بمشورة العتاة في مكة أقبح شيء أن يستدعي النجاشي (أصحمة) هؤلاء الثلة الذين كانوا بضعاً وسبعين ما بين رجل وامرأة ﵃ أجمعين فكان أشنع شيء عليهم أن يستدعيهم ويسمع كلامهم، فلما قال البطارقة: صدقوا أرسلهم، قال: لا، والله قوم لجأوا إلي واختاروني على من سواي كيف أطردهم قبل أن أسمع كلامهم، فإذا كان ما يقول هؤلاء حقاً من أنهم مفسدون وخائبون ومخربون سلمتهم إليهم، وإذا لم يكونوا كذلك فلا أطردهم ما رغبوا في جواري. فاستدعاهم وقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به دين قومكم ولم تدخلوا في ديني،- وكان هو على النصرانية – قالوا والذي تولي الإجابة هو جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم: أيها الملك كنا في جاهلية وشر، نعبد الأصنام ونأكل الميتة والجيف ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فبعث الله فينا رسولاً منا نعرف صدقه ونسبه، فدعانا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأمرنا أن ننبذ ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام، وأمرنا بالصلاة وصدق الحديث وصلة الأرحام فآمنا به وصدقناه، فعدا علينا قومنا وآذونا فلجأنا إليك واخترناك على من سواك. فقال لهم: إن كنتم كذلك فلكم الأمن في بلادي.

стр. 857

وفي اليوم الثاني قال عمر بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة، لأذهبن إلى الملك ولأوغرن صدره عليهم، ولأحرضنه عليهم ولأقولن له إنهم يقولون في عيسي قولاً عظيماً، وهو أنه عبد الله ورسوله، لأن النصارى يقولون هو ابن الله، ولأبيدن خضراءهم بهذا الكلام، وكان عبد الله بن أبي ربيعة وهو على شركه فيه رحمة فقال: رفق بهم فإنهم أبناء العم والعشيرة، فقال بل لابد. فذهب إلى الملك وقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فاستدعاهم فقالوا لجعفر ماذا نقول؟ قال ما نقول إلا ما علمنا نبينا ﵊ وليكن ما هو كائن. فقال لهم النجاشي: ماذا تقولون في عيسى؟ قالوا: ما نقول إلا ما علمنا نبينا ﵊ فتلا عليهم صدر سورة مريم فلما وصل إلى قول الله: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) . وانتبه لموقفهم هذا فلا يعني هروبنا وفرارنا من بلدة إلى بلدة فراراً بديننا أن نتنازل عن ديننا وقيمنا بل الواجب أن نثبت عليها كما خرجنا وفررنا بسببها إلى أن نلقى الله وهو راضٍ عنا إذ لا يعقل أن تهاجر وتقاتل من أجل مبدأ ثم لما تغير بلدك تتنازل عن هذا المبدأ الذي هاجرت بسببه.

стр. 858

إذن فتلا عليه هذه الآيات ولما قال: (ما كان لله أن يتخذ من ولد) نخر البطارقة، ولما قال عيسى في السورة (قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) فقال النجاشي: وإن نخرتم؟ وبكي حتى اخضلت لحيته من دموع عينيه ثم أخذ عودة صغيرة من أرض وقال والله ما زاد علي وصف عيسى بمقدار هذه، فهذا هو وصف عيسى هو عبد الله ورسوله وليس هو بثالث ثلاثة وليس هو ابن الله جل وعلا، ثم قال لجعفر ولمن معه: أنتم سيوم أنتم سيوم أنتم سيوم والسيوم في لغة الحبشة الأحرار أي مثل الغنم السائمة تمشي وترعي أينما تريد، ولذلك الغنم إذا كانت سائمة فيها زكاة وإذا كانت تعلف فليس فيها زكاة – من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، والله ما أحب أن لي دَبْراً من ذهب، والدبر هو الجبل العظيم الكبير بلغة الحبشة – وأن أحداً منكم يؤذى هذا العبد الصالح النجاشي (أصحمة) لما مات صلى عليه نبينا ﵊ صلاة الغائب كما في الصحيحين. وقد ثبت في سنن أبي داود في كتاب الجهاد، باب النور يري على قبر الشهيد (؟؟؟؟؟) ، قالت أمنا عائشة ﵂: [كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبر النجاشي نور بعد موته (وفي الحقيقة فإنه يستحق هذا الإكرام من ربنا الرحمن. فأولا: اعتقد اعتقاد الحق. وثانيا: بذل ما في إمكانه حسبما وسعه في ذلك الوقت فالرسول ﷺ في ذلك الوقت في مكة ولا يمكن الهجرة إليه. وثالثا: نصر هؤلاء المؤمنين، فقام بما في وسعه وهو إن شاء الله في عداد المؤمنين الموحدين، فهذا هو النجاشي العبد الصالح ولا مثيل له في عصرنا. فتن لكن لا يوجد نجاشي، لئام فاضت الأرض بهم فيضاً لكن لا يوجد ما يقابلهم من الكرام بحيث إذا ذهب الإنسان إليهم يجد النصر.

стр. 859

هذا فيقال رؤيته لهم في بيت المقدس لا يلزم أن تكون بنفس الصورة التي تكون في السماء يضاف إلى هذا أنه اجتمع بـ (١٢٤.٠٠٠) نبياً في لحظات من ليل، فكيف سيتمكن من أن يحفظ أشكالهم ويتثبت من صورهم، كما هو الحال في بيت المقدس عندما قال له المشركون انعته لنا، مع أنه رآه فالرؤية لا يلزم منها العلم بالمرئي على وجه التمام، والإحاطة به بحيث لو رآه مرة ثانية يقول هذا هو فلان لأنه جم غفير التقى بهم في لحظات، والعلم عن الله. الحكمة السادسة: لأن لبيت المقدس من تلك الجهة المصعد إلى السماء، أي باب السماء الذي يفتح يكون بحيال بيت المقدس. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر ضعف هذا لأن باب السموات الذي يفتح وينزل منه الملائكة يكون حيال الكعبة وفي وجهتها وسمتها لا على جهة بيت المقدس. الحكمة السابعة: وقلنا نقلها عن ابن أبي جمرة، قال: ليظهر الله الحق، عند من يريد إخماده ووجه هذا: لو أن النبي ﵊ أخبرهم أنه عرج به إلى السموات العلا، ورأي في السموات ما رأي لقالوا له كذاب، وما عنده قرينة تدل على صدقه ولا على كذبه فلا يستطيع أن يثبت لهم صدقه، لكن عندما قال لهم أسري بي إلى بيت المقدس قالوا: كذاب قال: يا جماعة أنا تحققت من هذا وتأكدت، قالوا: انعته لنا، فلما وصف لهم بيت المقدس الذي رأوه بأعينهم ظهر لهم الحق وقد حاولوا إخماده، أما السموات فلم يروها ولو قالوا له انعتها لنا، فسينعتها بشيء لا يعلموه، أما بيت المقدس فظهر الحق لهم عندما نعته لهم فظهر الحق عند من يريد أن يخمده ويبطله.

стр. 860

الحكمة الثامنة: تظهر لي وما ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ – والعلم عند الله – وهي أنه أسري بنبينا ﵊ إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات العلى ليرتقي من كمال إلى كمال. فنقله إلى الكمال الأرضي وهو الاجتماع بالأنبياء وإظهار تقديمه عليهم وفضله عليهم، ثم نقله إلى ما هو أعلى من ذلك وهو العروج به إلى السموات العلا والالتقاء برب العالمين، فنقل من كمال إلي كمال أسري به ثم عرج ولو حصل العكس لم يكن في رؤيته الأنبياء فائدة معتبرة لأن أعلي الكمال حصل له وهو الاجتماع برب العالمين ولقاؤه. المبحث الرابع الآيات التي رآها خير البريات عليه صلوات الله وسلامه في حادثة الإسراء والمعراج: وتنقسم هذه الآيات إلى أربعة أقسام (لنريه من آياتنا الكبرى) : القسم الأول: آيات عظيمة رآها وحصلت له قبل البدء برحلة الإسراء والمعراج. القسم الثاني: آيات أرضية رآها عندما أسري به إلى بيت المقدس. القسم الثالث: آيات سماوية رآها عندما عرج به إلى السموات العلا. القسم الرابع: آيات عظيمة حصلت له بعد رقي السموات. وسنفصل الكلام في هذه الآيات الأربع إن شاء الله تعالي. القسم الأول: الآيات التي حصلت له قبل البدء برحلة الإسراء والمعراج: حصلت له حادثة عظيمة وهي حادثة شق صدر نبينا ﵊.

стр. 861

ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن أبي ذر، ومن حديث أنس عن النبي ﵊ ومن حديث مالك بن صعصعة، وثبت في المسند من حديث أنس عن أبي بن كعب - فالحديث عن أربعة من الصحابة – وفيه يقول النبي صلي الله عليه وسلم: (فُرِجَ سقف بيتي فنزل ملكان فأخذاني وأضجعاني وشقا ما بين ثغرة نحري – هي المكان المنخفض الذي يكون بين الترقوتين في أصل الرقبة – إلى شعرتي – أي مكان منبت العانة – وأخرجا قلبي فغسلاه في طست – بكسر الطاء وفتحها وإثبات التاء وحذفها وهو الطشت المعروف الآن – من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم حشيا قلبي وصدري – وفي رواية (حشيا صدري ولغاديدي) أي عروق رقبتي – إيمانا وحكمة (. هذا حصل له قبل حادثة الإسراء والمعراج: شق صدره، استخرج قلبه، وضع في طست من ذهب، غسل بماء زمزم، ثم حشي قلبه وصدره، ولغاديده أي جميع عروقه ومنافذه حشي إيمانا وحكمة ثم التأم صدره عليه صلوات الله وسلامه. قال الحافظ ابن حجر: "شق سقف البيت من قبل الملكين فيه إشارة إلى أن صدر نبينا ﵊ سينشق ويلتئم دون حصول أثر فيه كما التأم هذا السقف بعد ذلك"، ونحن في عصورنا لو شق جزء من الإنسان وأعيدت خياطته لبقي أثر الشق، بل يقول الأطباء إنه إذا شق بطن الإنسان فإنه لا يعود إلى طبيعته الأولى مهما كتب له من شفاء وعافية، ويبقى معرضاً للفتق فتراه يمنع من حمل الشيء الثقيل حتى لا تتفتق خياطة هذا كله مع تقدم العلم، وهو في شأن نبينا ﵊ معجزة. قال الإمام ابن حجر في الفتح: واختير الطست من ذهب ليتناسب هذا الطست مع مكانة نبينا ﵊ والكرامات التي تحصل له، فهو من أواني الجنة، والنبي ﷺ صائر إليها بل محرمة على غيره ولا تفتح لأحد قبله.

стр. 862

الأمر الثاني: الذهب لا يأكله التراب ولا يظهر عليه صدىً ونبينا ﵊ كذلك بدنه لا تأكله التراب، ولا يعتريه تغير وهو يوم يبعث كحاله يوم دفن عليه صلوات الله وسلامه، والله حرم على الأرض أجساد الأنبياء كما ثبت في السنة بإسناد صحيح (إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء (. الأمر الثالث من الحكم في اختيار الطست من الذهب: أن الذهب هو أثقل المعادن في الوزن النوعي فلو وزنت قطعة (ذهب ٥سم × ٥سم) لقلت على قطعة (حديد ٥ سم × ٥سم) ، فإذن الذهب أثقل المعادن وزناً ونبينا ﵊ أثقل الخلق وزناً وقدرة، ووزن بالأمة كلها فرجح عليه صلوات الله وسلامه وهو أكرم الخلق على الله وأفضلهم عنده. الأمر الرابع: أن في لفظ الذهب تفاؤل بإذهاب الرجس عن نبينا ﵊ وتطهيره تطهيراً، وهذا ما حصل له عندما استخرج منه حظ الشيطان وغسل قلبه بماء زمزم. الأمر الخامس: أن في لون الذهب تفاؤل بحصول النظرة والبهجة لنبينا ﵊ ودعوته وإشراق نوره في العالمين، وهذا الذي حصل. الأمر السادس: أن الذهب أعز المعادن وأغلاها، وكذا نبينا ﵊ أعز المخلوقات وأنفسها. ولهذا كله غسل قلبه بطست من ذهب وإنما غسل بماء زمزم لأن ماء زمزم هو أشرف الحياة وأصله نزل من الجنة وهو هزمة جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه لأم إسماعيل عندما اشتد عليها العطش، والذي دلها على ذلك المكان وحفره جبريل بواسطة ضربة إسماعيل برجله، فإذن ماء مبارك من الجنة حفره جبريل للنبي المبارك إسماعيل الذي هو والد نبينا ﵊، وينتمي إليه، فهو ابن الذبيحين عليه صلوات الله وسلامه.

стр. 863

وماء زمزم هو أشرف مياه الأرض وقد ثبت بإسناد حسن عن نبينا ﵊ (ماء زمزم لما شرب له (وهو (طعام طعم وشفاء سقم (كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ في صحيح مسلم، وكان كثير من الصالحين يتقوتون بماء زمزم فهو ماء وغذاء، ويمكث أربعين يوماً - كما يقول الإمام ابن القيم – لا يدخل شيء جوفه إلا ماء زمزم، وانظروا فضل ماء زمزم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/٣٩٢) وما لزمزم من خواص وآثار وهو يخبر عن نفسه أنه كان يمكث الأيام المتوالية ما يتغذى إلا بماء زمزم. فهو إذن ماء مبارك ومن أجل هذا غسل قلب نبينا ﵊ به. قد يقول قائل: كيف غسل قلب النبي ﵊ بطست من ذهب، والذهب محرم استعماله على الذكور والإناث؟ ذكر أئمتنا جوابين: الأول: وهو ضعيف في نظري – وهو أنه كان قبل التحريم. الثاني: وهو المعتمد أن هذه الحادثة من خوارق العادات وهي متعلقة بأمور الغيب وهي بأمر الآخرة ألصق منها وأقرب من أمر الدنيا، ولذلك لها أحكام الآخرة، فكما أننا في الآخرة نحلّى بأساور من ذهب (وحلوا أساور من ذهب) فحادثة الإسراء والمعراج لها أحكام الآخرة لا أحكام الدنيا، وهذه من باب خوارق العادات ولذلك لها حكم خاص خص الله به نبينا ﵊. قال ابن حجر: قوله (حشياه إيماناً وحكمة) فيه إشارة إلى أن الحكمة هي أفضل شيء بعد الإيمان، ورأس الحكمة خشية الرحمن، والحكمة باختصار: وضع كل شيء في موضعه فالعبادة توضع للمعبود بحق وهو الله جل وعلا فلا نصرفها لغيره فهذه حكمة، ومن عبد غير الله فهو سفيه سفه نفسه: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) وهل هناك سفاهة أعظم من أن يصرف حق الخالق للمخلوق (إن الشرك لظلم عظيم) . فالحكمة هي أعلي الفضائل بعد الإيمان ولذلك حشي قلب نبينا ﵊ وصدره ولغاديده وحكمة.

стр. 864

قد يسأل سائل فيقول: كيف حشي إيماناً وحكمة، والإيمان والحكمة من الأشياء المعنوية؟ الجواب: يحتمل هذا أمرين: الأمر الأول: أن تجسيد تلك المعاني إلى أشياء حسية، فالإيمان الذي هو معنىً جُسِّد في شيء حسي يعلمه الله ولا نعلمه، وأدخل في قلب نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ومثله الحكمة ولهذا نظائر: فالموت أمر معنوي، وسيجسد يوم القيامة – كما ثبت في الصحيحين – في صورة كبش أملح ثم يوقف بين الجنة والنار ويذبح بينهما ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت. والأعمال التي نقوم بها من طاعات ومعاص ٍ هذه معان ٍ أيضاً، وستجسد يوم القيامة كما قال نبينا ﵊ (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم (متفق عليه، فإذن تجسد وتثقل الميزان فالطاعة تجسد وتوزن والمعصية تجسد وتوزن يوم القيامة، ولذلك قال أئمتنا: الذي يوزن يوم القيامة ثلاثة أشياء: الأعمال والعمال وصحف الأعمال. الأعمال وإن كانت معان ٍ وأعراضاً يجسدها الله بكيفية يعلمها ولا نعلمها، والعمال وهم المكلفون، قال الله عن الكافرين (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) ، ورِجْْلُ عبدِ الله بْن ِ مسعودٍ – كما ثبت في المسند – أثقل عند الله من جبل أحد، وصحف الأعمال كما هو في حديث البطاقة وغيره. وقد تقع هذه الثلاثة لكل واحد وقد يقع بعضها لبعض الناس والعلم عند الله، لكن دلت النصوص الشرعية على أن الذي يوزن يوم القيامة الأعمال والعمال وصحف الأعمال.

стр. 865

الشاهد الآن: أن الأعمال معان ٍ وأعراض يجسدها الله وتوزن، وكذلك هنا الإيمان معنىً لا يقوم بنفسه فجسد بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها وهذا من أمور الغيب التي نؤمن بها ولا نبحث في كيفيتها، وقد تقدم معنا في الدليل الثامن من أدلة الإسراء والمعراج أن كل ممكن ورد به السمع وجب الإيمان به، وتجسيد الأعمال والموت وغيرها من المعاني ممكن وليس بمستحيل وقد ورد به السمع فيجب الإيمان به. الأمر الثاني: أن يكون الإيمان والحكمة قد مثلا بشيء ثم أدخل مثالهما الذي يدل عليهما ويعبر عنهما في قلب نبينا ﵊ وصدره ولغاديده. ولهذا نظير: عندما (كان نبينا ﵊ يصلي صلاة الكسوف وتقدم ومد يده ثم تأخر وقال عرضت عليَّ الجنة والنار ومدت يدي لآخذ عنقوداً من عنب من عناقيد الجنة فلو أخذته لأكلتم منه إلى أن تقوم الساعة (والحديث في الصحيحين. فهذا عن طريق التمثيل أم عن طريق التجسيد؟ بل هو عن طريق التمثيل، فمثل له شكل الجنة والنار في جدار القبلة عندما كان يصلي عليه صلوات الله عليه وسلامه. فإما أنهما جسدا أو مثلا والعلم عند الله، أي ذلك وقع، فنؤمن بأنه قد حشي قلب نبينا ﵊ إيماناً وحكمة. قال أئمتنا: اشتملت هذه الحادثة على ما يدهش السامع فضلاً عن المشاهد فالسامع عندما يسمع هذه الأخبار يدهش، فكيف بنبينا ﵊ الذي رأى هذا، ليعلم عظيم قدرة الله في نفسه وليتحقق من ذلك وليثبت قلبه في تبليغ دعوة الله على أتم وجه وأكلمه، لاسيما وقد حصل هذا بعد حوادث أليمة ومريرة مرت عليه كما قلنا من موت زوجه وعمه، واشتداد أذى المشركين عليه بعد ذلك عليه صلوات الله وسلامه، فانظروا إلى هذه العجائب كيف نفعلها ونحن على كل شيء قادرون. إذن في بداية حادثة الإسراء والمعراج وقبل السير فيها شق صدر نبينا ﵊ وقد شق الصدر الشريف لنبينا ﵊ أربع مرات:

стр. 866

المرة الأولى: عندما كان عمره عليه صلوات الله وسلامه سنتان وثلاثة أشهر، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ومستدرك الحاكم عن أنس ﵁ عندما كان نبينا ﵊ مع الغلمان عند مرضعته حليمة جاءه ملكان وأضجعانه وشقا صدره وقالا: هذا حظُُّ الشيطان منك، فأخرجا علقة من قلبه فطرحاها ثم حشيا قلبه إيماناً وحكمة وانصرفوا، وقام النبي ﵊ يلعب مع الصبيان، وذهب الذين كانوا معه إلى مرضعته حليمة وأخبروها الخبر فخشيت أن يكون هذا من قبل الجن ولذلك أرادت أن تعيده إلى أمه وعمه بعد ذلك. المرة الثانية: عندما كان عمره عشر سنين، شق صدره عليه صلوات الله وسلامه، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد (٥/١٣٩) شق صدره ﵊ وغسل قلبه مرة ثانية ومليء إيماناً وحكمة، والحديث رواه أيضاً أبو نُعيم في دلائل النبوة عن أبي بن كعب عن أبي هريرة (أنه كان جريئاً على رسول الله ﷺ يسأله، فسأله عن حادثة شق الصدر، وكيف حصلت له؟ فأخبره أنه كان في عمره عشر سنين – وانظروا يخبر عن هذا وكان يعي ويدرك في هذه السن [فأتاه ملكان وأضجعانه وشقا صدره.... (إلخ الحديث. المرة الثالثة: عندما كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، والحديث في ذلك صحيح رواه أبو نُعيم في دلائل النبوة ص (٦٩) ، وذكره الحافظ في الفتح مقراً له، وهو في درجة الحسن على حسب اصطلاحه (١/٤٦٠) و (١٣/٤٨١) عن أمنا عائشة ﵂: تخبر عن النبي ﵊ (أنه عندما جاءه جبريل في غار حراء شق صدره وحشي قلبه إيماناً وحكمة (. والمرة الرابعة: وهي التي معنا وكان عمره إحدى وخمسين سنة ونصف السنة، وقد قلنا إنها في الصحيحين والمسند عن أربعة من الصحابة.

стр. 867

والمرة الأولى من هذه الحوادث لشق صدر نبينا ﵊ انتزع فيها حظ ُّ الشيطان وأما ما بعدها فكان تهييئاً لقلبه لأن يتلقى ما سيرد عليه من واجبات وتكاليف. فالأولى من باب التخلية وما تبعها من باب التقوية والتحلية. حادثة شق الصدر أشار إليها ربنا في كتابه في سورة (الانشراح) وتُسمى سورة (الشرح) (ألم نشرح لك صدرك) والسورة مكية باتفاق المفسرين، وفيها يشير ربنا إلى الأمر العظيم الذي وقع له في مكة. والاستفهام في الآية للتقرير، ومعناه: حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده وعلمه وثبت لديه – فكأن الله يقول لنبيه ﵊ أقد شرحنا لك صدرك أي شققناه شقاً حسياً، وأنت رأيت هذا بعينيك. وقد أرود الإمام الترمذي في كتاب التفسير عند سورة الانشراح حادثة شق صدر نبينا ﵊ في تفسير هذه السورة، ليشير إلى أن المراد بالشرح شق صدره حساً عليه صلوات الله وسلامه. وهكذا فعل الإمام الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير عند تفسير سورة الانشراح فأورد حديث شق صدر نبينا ﵊، وشرح صدر نبينا ﵊ شامل – في الحقيقة - لأمرين: أشامل للشرح حساً، وهو ما وقع في هذه المرات الأربع. ب وشامل للشرح معنىً، وهو تقوية قلبه لتحمل ما سينزل عليه ثم ليقوم بموجبه. فحصل إذن الشرح الحسي والشرح المعنوي. قال الإمام ابن كثير في تفسيره: شرح صدره حساًَ لا ينافي شرح صدره معنىً، فحصل له الأمران عليه صلوات الله وسلامه. وثبت في كتاب دلائل النبوة للبيهقي – لا لأبي نُعيم- (١/٣٥٢) عن قتادة قال (ألم نشرح لك صدرك) المراد من ذلك الشق الحسي الذي حصل لنبينا ﵊.

стр. 868

وقال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن عند تفسير سورة الانشراح (ألم نشرح لك صدرك) أي شرحاً حسياً وحقيقياً عندما كان عند ظئره – أي مرضعته – حليمة وعندما أسري به، فاقتصر على حادثتين من الحوادث الأربع التي وقعت لنبينا ﵊، ثم قال: وشرحنا لك صدرك معنىً عندما جمعنا لك التوحيد في صدرك وأنزلنا عليك القرآن، وعلمناك ما لم تكن تعلم وكان فضلنا عليك عظيماً، فحصل لك هذا وشرحنا لك صدرك عندما ألهمناك العمل بما أوحينا إليك وقويناك عليه. ثم قال الإمام ابن العربي: وبهذا يحصل كمال الشرح وزوال التَّرَح – وهو الغم. الحاصل أن سورة ألم نشرح لك تدل على حادثة شق الصدر التي حدثت لنبينا عليه صلوات الله وسلامه. القسم الثاني: الآيات الأرضية التي رآها عندما أسري به إلى بيت المقدس ماذا رأى من آيات؟ وقد رأى آيات كثيرة، سنتكلم على خمسة منها فقط، على طريق الإيجاز – وإن شاء الله تعالى، دون تفصيل في غيرها: الآية الأولي: ركوب البراق: ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أتيت بالبراق مسرجاً ملجماً – وهو دابة دون البغل وفوق الحمار وهو دابة أبيض، يضع خطوه عند منتهى طرفه] وتقدم معنا في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان – عندما قدم البراق لنبينا ﵊ (استصعب عليه (، وفي رواية ابن عباس في المغازي: (قدم البراق لنبينا ﵊ وعدم انقياد وعدم ذلة وفي خلقه صعوبة وشراسة – فقال له جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مالك فما ركبك أكرم على الله منه. ( وفي رواية ابن إسحاق قال له جبريل: (أما تستحي، فارْفَضَّ عرقاً (وتقدم معنا أي تصبب عرقاً، وتقدم معنا إخوتي الكرام أن سبب شراسته ونفوره أمران ذكرناهما هناك.

стр. 869

إذن هذا البراق وهو آية حصلت لنبينا ﵊ في إسرائه، أما عندما عرج به وهو في المعراج سنتكلم على هذا في الآيات التي رآها في السموات إن شاء الله تعالى. وهذه الآية العظيمة التي حصلت لنبينا ﵊ – من باب خرق العادات – وكما تقدم معنا أن كل ما ورد به السمع يجب الإيمان به، ووجود دابة اسمها البراق ممكن وليس مستحيلاً، والإسراء بنبينا ﵊ من مكة إلى بيت المقدس ممكن وليس مستحيلاً، وورد السمع بكليهما، بالبراق الحديث السابق و (سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) ، وبما أن الأمرين كليهما ممكن وورد السمع به فيجب الإيمان به، لأن القسمة العقلية في الأشياء الموجودة بأسرها تنحصر في ثلاثة لا رابع لها: ١- وجود واجب. ٢- وجود مستحيل ممتنع. ٣- وجود ممكن جائز. أما الواجب فلا يتصور في العقل هدمه، كوجود ربنا وحياته، وهذا ما يسمى بواجب الوجود فلا يتصور زوال الحياة أو الفناء على رب الأرض والسماء، فهذا واجب الوجود، وهو أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ( أما المستحيل الممتنع فهو – كما ذكرنا سابقاً – الجمع بين النقيضين أو نفي النقيضين. أما الجائز الممكن فهو يتصور وجوده ويتصور عدمه ليس وجوده في الحياة فقط بل في جميع الاعتبارات غنىً وفقر، ذكورته وأنوثته وجماله، ودمامته، وطوله وقصره، وكونه إنساناً أو جماداً فهذا كله ممكن يقدره الله أن يقلب الجماد إلى إنسان كقوله تعالى (إذ انبعث أشقاها) الآيات.

стр. 870

وذلك أن قوم ثمود قالوا لنبيهم صالح ﵊: لن نؤمن لك إلا أن تخرج لنا ناقة عشراء (أي حامل ملقحة) من صخرة؟ فقال لهم: إن أخرجتها تؤمنون؟ فقالوا نؤمن، فدعا ربه فأخرج لهم ناقة عشراء من صخرة صماء، ثم لما خرجت ولدت وليداً ورأوها ورأوا ودلها وسمعوا صوته ثم بعد ذلك قال لهم: إن كان الأمر كذلك فهذه الناقة لها حق عليكم فهذا الماء الذي تردونه يوم لكم ويوم لها، فأما اليوم الذي لكم فتزودوا ما شئتم، وأما اليوم الذي لها فاحلبوا منها ما شئتم، أي بدل الماء لكم لبن، لكن لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم. ثم بعد ذلك عقروها فعاقبهم الله ودمر عليكم، فهذا ممكن ورد السمع به فيجب الإيمان به. فلابد من أن يحترم الإنسان عقله ويقف عند حده ولا يهوس ولا يوسوس ولا يرتاب ولا يشك فهذه هي قدرة الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. والآن في عصرنا توجد مدرسة تسمى المدرسة العقلية، وهي حقيقة مدرسة رديَّة وليست بمدرسة للعقل بل مدرسة زوال العقل، ومدرسة خبل لا مدرسة عقل، ولا عقلاء تقول هذه المدرسة: (كل خارق للعادة ننفيه أو نؤوله بما يتمشي مع العقل) ، هكذا تقول مع أنه قد علمنا أن الخارق للعادة هو في الأصل ليس خارقاً للعقل وليس بمستحيل ولا يوجد بين خارق العادة والعقل معارضة ولا تضارب حتى نجمع بينهما بل نقول العقل يسلم والله على كل شيء قدير. وقالوا: لابد من جعل الإسلام بصورة تقبلها الأذهان في هذه الأيام. قلنا لهم: وماذا تفعلون بالخوارق الموجودة في القرآن أو السنة الصحيحة؟ قالوا: هذه سهلة مثلاً: ١- (اقتربت الساعة وانشق القمر) : يقول رشيد رضا ومحمد عبده: (وانشق القمر) أي ظهر الحق ووضح، وأما انشقاق القمر فهذه خرافة تتنافي مع العقل والإسلام لم يأت بهذه الأشياء لئلا يحرج الناس وهل النبوة لا تثبت إلا بخوارق العادة؟

стр. 871

٢- (واضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) يقولون: حصل في البحر انحسار ثم عاد إلى مكانه وغرق فرعون وقومه، لكن لم يحصل بخارق من خوارق العادة أي لم يحصل بسبب ضرب موسى البحر بعصاه، قلنا لهم إذن كيف يحصل؟ قالوا: البحر فيه مد وجزر فلما وصل موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ومن معه إلى شاطئه حصل فيه جزر أي انحسر ماؤه، فسار نبينا ﵊، وهذه سنة طبيعية دائمة الحصول في البحر، فإذن جف عندما وصل موسى لكن عندما تبعهم فرعون مد البحر نفسه فحصل فيه امتداد وغرق فرعون. ولكن هل يقبل هذا التأويل عقل؟! سبحان الله أنتم أردتم أن تمشوا هذه المعجزة مع العقل فأتيتم بما هو أغرب على العقل؟ فكيف سيحصل الانحسار والجزر ثم تمشي فيه المخلوقات ولا تغوص أرجلهم في المكان الذي كان فيه ماء، وانظر للسيل مثلا ً عندما يجف من وادٍ فيبقى الوادي أكثر من شهر ولا تستطيع أن تمشي فيه من أثر الطين والوحل، فكيف هذا الجيش بكامله سيمرون عليه؟! كما قال تعالى (طريقاً يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى) . ثم لو سلمنا لكم أنه جف بطريق الانحسار والجزر، فكيف الحال مع جيش فرعون الذي كان وراء جيش موسى وما بينهما مسافة؟! كما قال قوم موسى (إنا لمدركون) فإذا انحسر البحر وتقدم فيه موسى ١٠٠ متر فإن فرعون وراءه وإلى أين سيفر موسى ما دام البحر أمامه لم ينحسر إلا جزء منه؟! بل لابد من جفاف البحر كله وهذا لم يحصل، وهذا على التسليم بقولكم. ٣- (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد) : يقولون: الطير هو جيش والهدهد هو اسم أمير الجيش. ٤- (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة) : يقولون: وادي النمل هو اسم لوادٍ يسمى بهذا الاسم، قالت نملة: أي امرأة عرجاء واسمها نملة. وإنما قالوا كل هذا قالوا: لنخرج القرآن من هذه المعجزات التي لا تتمشى مع العقل فأتوا حقيقة بما لو ثبت لكان هو الذي لا يتمشى مع العقل.

стр. 872

إخوتي الكرام ... أول دعامة عندنا من دعامات الإيمان، الإيمان بالرحمن، فهل هذا غيب أم مشاهدة؟ بل هو غيب (الذين يؤمنون بالغيب) ، ولا يثبت للإنسان قدم في الإيمان إلا أن يؤمن بالغيب. فلم نأتي بعد بذلك ونشوش ونكثر اللغط حول هذه الأمور التي أخبرنا عنها العزيز الغفور الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون. وهذه المدرسة العقلية لها في عصرنا رواج وانتشار ويستقي من ضرعها المدعو محمد الغزالي جند جنوده وطياشته تحت ستار هذه المدرسة لمحاربة حديث الرسول ﷺ بحجة أنه لا يتمشى مع العقل فكم من حديث في الصحيحين رواه ويقول لا يتنافى مع العقل. فمثلاً: حديث مجيء ملك الموت إلى موسى – وهو في الصحيحين – أن رسول الله ﷺ قال: [جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه فضربه نبي الله موسى فقلع عينه فذهب إلى ربه وقال، رب أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت، قال: اذهب إليه فليضع يده على مسك ثور – أي جلد ثور- فإن له بل شعره تغطيها يده سنة] ومعلوم أن موسى كان مما آتاه الله بسطة في جسمه، ويقول عنه ﷺ في حديث الإسراء [كأنه من رجال أزد شنوءة] أي طويل جهيد ضخم، فالله أعلم كم سيكون حجم يده؟! وتتمة الحديث [قال ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال من الآن، قال من الآن] . ويقول هذا المدعو عن الحديث خرافة من الخرافات، أشبه بالخرافات المنقولة عن بني إسرائيل يقول هذا مع أن الحديث في أصح كتاب بعد كتاب الله، وهو البخاري ومن بعده مسلم. ثم يقول: فكيف يضرب موسى ملك الموت؟ وكيف يقلع عينه؟ وكيف لا يرغب موسى في لقاء الله؟

стр. 873

سبحان الله! كل هذا لا وجود له في الحديث فمن أين أتيت به؟ كما أن موسى أعلى منزلة من ملك الموت عند الله، يضاف إلى هذا أن الأنبياء لا تقبض أرواحهم إلا بعد تخييرهم فجاء ملك الموت ليخير موسى وهذه للأنبياء خاصة ولذلك قال نبينا ﵊ على المنبر: [إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين الآخرة فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر ﵁، قال الصحابة: علام يبكي هذا الرجل؟] وإنما بكى رضوان الله عليه لأنه علم أن هذا العبد المخير هو رسول الله ﷺ . فإذن الأنبياء لا يقبضون إلا بعد أن يخيروا، وإذا قبضوا يدفنوا في مكانهم، والأرض لا تأكل أجسادهم وأبدانهم إكراماً من الله لهم. فجاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أمرني الله بقبض روحك إذا شئت – وقد كان في طبع نبي الله موسى حدة كما ذكرت لكم وسأوضحه في الآيات السماوية التي حصلت لخير البرية عليه صلوات الله وسلامه في رحلة المعراج فضربه وهو كما قلنا أرفع منه منزلة وهل ضربه (١) في عالم الحقيقة أم في عالم المثال؟

стр. 874

بل كان هذا في عالم المثال، فملك الموت لم يأت لموسى بصورته الحقيقية، وكذلك كان جبريل يأتي النبي ﷺ في غير صورته، فكان يأتي بصورة دحية الكلبي أو في صورة أعرابي سائل وغيرها من الصور ولا يأتيه بصورته الحقيقية إذ أن صورته الحقيقية أن له ستمائة جناح، وملك الموت لو جاء بصورته الحقيقية لهدمت العمارات من رؤية صورته، فإذا جاء ملك الموت بصورة صديق لموسى وهذا من باب الغيب الذي نؤمن به ولا نبحث في كيفيته، فموسى له دالة ومنزلة ورتبه على ملك الموت فضربه فقلع عينه المثالية وليس في هذا إشكال. وهذا كما لو ضربْتَ شخصاً تحبه ويحبك، وقلعت عينه لكن في المنام ثم أخبرته في الصباح برؤياك فتراه، يقول لك لو قلعت عيني الأخرى، وهل ضربك عندي إلا أحلى من العسل وهذا مشاهد فإذا لوح موسى لملك الموت وضربه في عالم المثال فليس فيه منقصة، فهذا الضرب كان انفعال مؤقت وغضب ولا لأجل نفور منه. فذهب ملك الموت إلى الله جل وعلا فرد عينه المثالية التي قلت في عالم المثال دون تغير لحقيقة الأمر، ولا تسأل عن كيفية هذا. ثم جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: إني مرسل من قبل الله بخبر ٍ آخر، فالله يقول لك إن شئت أن نقبض روحك الآن فقد انتهى أجلك، وإن شئت أن نمد في حياتك فلك ذلك لكن على أن تضع يدك على مسك ثور، فكم سنة ستعيشه يبارك الله لك فيها، فقال موسى: فبعدها؟ فقال له ملك الموت: لابد من الموت، فقال: فمن الآن، فقبض روحه وقال: اللهم قربني وأدنني من الأرض المباركة رمية حجر فيستحب إذن الدفن في الأرض الصالحة المباركة بجوار بيت المقدس وسيأتينا في حديث الإسراء أن النبي ﷺ رآه عند الكثيب الأحمر قائماً يصلي في قبره، ثم قال: لو كُنْتُ ثَمَّ لأريتُكم قبره الذي يصلي فيه نبي الله موسى ﵊. فهل في فهم هذا الحديث على هذا المعنى إشكال؟ فإن قيل: كيف فعل نبي الله موسي هذا في عالم المثال؟

стр. 875

نقول: لأنه أعلى من الملك منزلة وله عليه دالة، فله أن يعزره، كما أن للأستاذ أن يعزر أحد طلابه إذا ألح عليه في الأسئلة، فله أن يعزره ولو كانت أسئلته كلها جيدة ولا منقصة في هذا للمُعزِّر ولا للمُعزَّر. وهذا قد كان في القديم، ولكن للأسف الآن ما عاد الطالب ليتحمل تعزيراً من أستاذه بل تراه يصول ويجول إذا قال له الأستاذ أو الشيخ اسكت أو ضغط على أذنيه، ونحو هذا من المتغيرات والله المستعان. (قصة أحد الطلاب الذين أرادوا تهذيب نفوسهم وطلبوا العلم عند أحد المشايخ وألح عليه في طلبه، وبعدما قال له الشيخ كذبت – اختباراً له – اغتاظ الطالب وسب الشيخ ومن علمه وسب أهل الأرض جميعاً..إلخ القصة) . (قصة شيخنا الطحان مع شيخه الشنقيطي في شأن القنوت لما قال له كذبت، فماذا كان موقف شيخنا الطحان؟) فهنا عندما يضرب موسى ملك الموت فهل في هذا محظور أو إشكال، وهل هذه منقصة، ووالله لو ضربه في عالم الحقيقة لما كان عليه منقصة لأنه أرفع من ملك الموت. أوليس قد ضرب أخاه هارون وأخذ بلحيته ورأسه يجره إليه فهذا انفعال في وقت محدد زال أثره بعد ذلك. فانظر إلى أفكار هذه المدرسة العقلية الرديَّة وانتبهوا منها. قد يقول قائل: لما جيء بالبراق – الذي ركبه نبينا ﵊ – مع أنه بإمكان ربنا أن يسري بنبينا ﵊ إلى بيت المقدس دون البراق؟ نقول: فعل هذا لاعتبارين: الاعتبار الأول: تأنيس بالعادة عند خرق العادة، فقد جرت العادة عندما يدعوك أمير أو صاحب منصب أن يقدم لك مركوباً ويحضر لك عطية ويرسل من يخدمك من أجل أن يصحبك إلى بيته، فهذا مما جرت به العادة. فآنس ربنا نبيه بالعادة عند خرق العادة لئلا يكون الخارق من جميع الجهات، بل من جهة يأنس فيقدم له مركوب يركبه، ومن جهة أخرى هذا المركوب خرق للعادة وهذا واضح.

стр. 876

الاعتبار الثاني: ليكون أبهى وأفخم لنبينا المكرم عليه صلوات الله وسلامه عندما يسري به إلى بيت المقدس في صورة راكب. والراكب أعز وأبهى وأعلى مما لو أخذ إلى بيت المقدس في غير هذه الصورة، فلو نقل دون ركوب دابة فيكون قد وصل إلى بيت المقدس في صورة نائم مغمىً عليه، ولو قيل له: ضع خطوك من مكة إلى جهة بيت المقدس ففي خطوتين تصل إلى هناك فهذا يكون قد وصل في صورة ماش ٍ. وأيها أعز الراكب أم النائم أو الماشي؟ بل الراكب، وانظر إلى ربنا ماذا يقول عن أهل الجنة (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) والذي سيق دوابهم لا هم، فيسق المتقون وهم يركبون الدواب، فإذن يدخلون الجنة وهم يركبون الدواب والنجائب – جمع نجيبة وهي السباقة من الخيل الكريمة العتاق – ليكون أعز لهم وأبهى، ولا يساقون لأن سوق الإنسان منقصة له. وهذا المعني أي معنى الآية (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى..) يكاد يكون المفسرين مجمعين عليه وما خالف فيه إلا قليل، ولا يوجد أثر مرفوع إلى نبينا ﵊ في هذه الدلالة، وهي أن المتقين تساق نجائبهم، لكن أخذ المفسرون هذا من قول الله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال ابن منظور في لسان العرب (٤/٤٨٠) الوفد هم الركبان المكرمون. وانظر إلى كلام الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره (١٥/٢٨٥) يقول في حق الفريقين " وسيق بلفظ واحدة فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان كما يفعل بالأسارى والخارجين إلى السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل. وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين" وهذا هو الذي ذكره الإمام ابن كثير في تفسيره (٤/٦٥) ، وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة.

стр. 877

وأما في حق الكفار فقال تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) ، فهنا هم سيقوا ودفعوا كما يدفع المسجون المجرم في هذه الحياة إذلالاً لهم، كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) ولذلك (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) فيدفع أولهم على آخرهم، وآخرهم على أولهم كما يفعل بالمجرمين في هذه الحياة. ولذلك انظر إلى ما قاله الله عن أبواب الجنة وما قاله عن أبواب النيران: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فهذا لأبواب جهنم، أي تفتح بغتة وفجأة، فيساق ولا يدري إلى أن يذهب فلما يقترب منها تصيح وتفتح أبوابها فجأة وتلتهمهم. وقال عن أبواب الجنة (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فتساق ركائبهم ونجائبهم التي يركبون عليها والجنة مفتحة أبوابها وهم ينظرون إليها فيطيرون شوقاً ويسرجون الدواب من أجل أن يصلوا إلى نعيم الكريم الوهاب، فإذن هنا الأبواب مفتوحة. ولذلك كان الجلوس عند الباب مذلة، والأمير عندنا في الدولة الإسلامية لا يغلق باباً ولا يتخذ حجاباً، لأنه لو فعل هذا لأذل الرعية، ولما وصل إليه وإلى مجلسه إلا أناس مخصصون. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ عن بصر نبينا ﵊ بحيث رأى بيت المقدس وهو في مكة، وأي غرابة في هذا؟ وهذا ما تفيده رواية الصحيحين [فجلى الله لي] أي أظهر وكشف وبين. والأمور الثلاثة محتملة والعلم عند الله، فأي ذلك حصل حقيقة؟ لا يعلم ذلك إلا الله، وحقيقة هذه الآية أكبر شاهد على صدق نبينا ﵊ في دعواه أنه أسري به، وأنه رسول الله حقاً وصدقاً. الآية الثالثة:

стр. 878

وحصلت له في داخل المسجد الأقصى، جمع الله له الأنبياء من سمي منهم في القرآن ومن لم يسم من عهد آدم إلى عهده عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا عدتهم (١٢٤.٠٠٠) جمعوا في تلك الليلة، ولما أقيمت الصلاة ليصلوا ركعتين تعظيماً لله تقدم جبريل بأخذ بيدي محمد ﵊ وقدمه إماماً بهم – وهو أفضلهم وأكرمهم كما تقدم معنا وهو أفضل الخلق على الإطلاق – فصلَّى بهم ركعتين ثم بعد الصلاة جلس الأنبياء يتحدثون بفضل الله عليهم فكل واحد ألقى خطبة – إذن (١٢٤.٠٠٠) خطبة ألقيت في تلك اللحظة – أثنى فيها على ربه وذكر ما مَنَّ الله به عليه ثم ختم الخطب نبينا ﵊ فقال في خطبته: إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأرسلني للناس كافة بشيراً ونذيراً وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شيء وجعل أمتي خير الأمم وجعل أمتي وسطاً وأمتي هم الأولون والآخرون يوم القيامة – أي آخرون في الزمن، والأولون أي يوم القيامة – وشرح الله صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً، ففتح الله به آذاناً عمياً وقلوباً غلفاً وآذاناً صماً وهو خاتم النبيين فقال خليل الرحمن إبراهيم بهذا فضلكم محمد، وإبراهيم هو الذي يليه في الفضل وهو صاحب المرتبة الثانية بعد نبينا ﵊ فاعترف أن هذا النبي هو أفضل أنبياء الله ورسله.

стр. 879

والحديث في ذلك وارد في المعجم الكبير للطبراني، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى بسند رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: [ثم دخلنا المسجد فنشر الله لي الأنبياء من سمي ومن لم يسم – أي في القرآن – فصليت بهم ... ] وانظروا الحديث إخوتي الكرام في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/٦٨) للإمام الحافظ ابن حجر الهيثمي، وهو غير ابن حجر الهيتمي، وغير ابن حجر العسقلاني العالم الحافظ المشهور فلا تخلطوا بين الثلاثة فالهيثمي توفي سنة ٨٠٧هـ، والهيتمي من علماء القرن العاشر الهجري، والعسقلاني توفي سنة ٨٥٢ هـ وهو تلميذ الهيثمي. إخوتي الكرام ... من هذا الكتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) لو وزن بالذهب وقيل لطالب العلم اختر الذهب أو هو، لقال الطالب الحقيقي لو أعطيتموني عشرة أمثاله من ذهب، لما أخذتها وأخذت الكتاب. وهذا الكتاب في زوائد ستة كتب على ستة كتب، فإذا جمعت الستة مع هذا تكاد أن تكون جمعت السنة بأسرها وقل أن يخرج حديث عن هذه الكتب التي هي ستة مع هذا الكتاب. فهذا زوائد ستة كتب وهي مسند الإمام أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني، والمعجم الأوسط له والمعجم الصغير له أيضاً. على ستة كتب وهي البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي، وابن ماجه (وفي الحقيقة قد جرى خلاف بين العلماء في عد الكتاب السادس من اصطلاح الكتب الستة) المشهور هل هو ابن ماجه وهو المشهور أو موطأ مالك كما هو في جامع الأصول لابن الأثير أو مسند الدارمي، والذي مشى عليه الهيثمي في مجمع الزوائد هو عد ابن ماجه) . الآية الرابعة من الآيات الأرضية: وحصلت له في بيت المقدس أيضاً، وتكررت في السماء فلن نعيد الكلام عليها عندما نصل إلى الآيات السماوية التي رآها خير البرية صلوات الله عليه وسلامه عندما عرج به. هذه الآية هي أنه قدم له أربعة أقداح:

стр. 880

وهذا خلاصة الروايات وبعد أن أذكرها لكم وحاصل ما فيها أرشدكم إلى مصادرها لترجعوا إليها لأن في بعض الروايات أنه قدم له قدحان، وبعضها ثلاثة أقداح وبعضها أنه حصل هذا في بيت المقدس وبعضها أنه حصل في السماء عند سدرة المنتهى. والمعتمد أنه تكرر عرض الآنية على نبينا ﵊ مرة في بيت المقدس ومرة في السماء وكل مرة لها حكمة كما تقدم معنا في شق صدر النبي ﷺ أربع مرات وكل مرة لها حكمة وهذا الأمر كذلك، ومجموع الآنية أربع لكن بعض الرواة قصر في الحفظ فذكر بعض هذه الآنية. الحاصل أن مجموع ما عرض على الرسول ﷺ أربع آنية في حادثة الإسراء بعد أن ألقى كل نبي خطبته في بيت المقدس: يقول النبي ﵊: [ثم جاءني جبريل بأربعة آنية، إناء فيه ماء، وإناء فيه عسل، وإناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، فقال: ألا تشرب يا محمد؟ عليه صلوات الله وسلامه] وكان سبب هذا الشرب وسبب عرض الآنية عليه هو لما حصل له من العطش في هذه الرحلة المباركة من مكة إلى بيت المقدس فإذن كان عرض الآنية عليه في الدنيا من أجل دفع الظمأ والعطش -[قال: فأخذت إناء الماء فشربت منه قليلا ً، فقال لي جبريل: لو ارتويت منه لغرقت وغرقت أمتك] والسبب في هذا أن الماء ليس كاللبن الذي هو شراب وغذاء، إذ أن اللبن غذاء الفطرة وأما الماء فهو دافع العطش والظمأ فقط فيأخذ الإنسان بمقدار دفع الحاجة فلو أخذ منه أكثر من المطلوب لآذى نفسه، ولو سلك الإمام طريق الأذى فالرعية سيسيرون وراءه، فأنت لو أخذت من الماء أكثر من حاجتك لنتج عن هذا أنك تغرق في شعب الدنيا وأوديتها وحطامها ولذائذها وتنهمك فيها وتعرض عن الآخرة وحاشاك من ذلك، إنما هذا على سبيل الافتراض البعيد ولغرقت أمتك أي لتبعت الدنيا وأعرضت عن الآخرة.
следующие страницы →