← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الاعتبار الثاني: ليكون أبهى وأفخم لنبينا المكرم عليه صلوات الله وسلامه عندما يسري به إلى بيت المقدس في صورة راكب. والراكب أعز وأبهى وأعلى مما لو أخذ إلى بيت المقدس في غير هذه الصورة، فلو نقل دون ركوب دابة فيكون قد وصل إلى بيت المقدس في صورة نائم مغمىً عليه، ولو قيل له: ضع خطوك من مكة إلى جهة بيت المقدس ففي خطوتين تصل إلى هناك فهذا يكون قد وصل في صورة ماش ٍ. وأيها أعز الراكب أم النائم أو الماشي؟ بل الراكب، وانظر إلى ربنا ماذا يقول عن أهل الجنة (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) والذي سيق دوابهم لا هم، فيسق المتقون وهم يركبون الدواب، فإذن يدخلون الجنة وهم يركبون الدواب والنجائب – جمع نجيبة وهي السباقة من الخيل الكريمة العتاق – ليكون أعز لهم وأبهى، ولا يساقون لأن سوق الإنسان منقصة له. وهذا المعني أي معنى الآية (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى..) يكاد يكون المفسرين مجمعين عليه وما خالف فيه إلا قليل، ولا يوجد أثر مرفوع إلى نبينا ﵊ في هذه الدلالة، وهي أن المتقين تساق نجائبهم، لكن أخذ المفسرون هذا من قول الله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال ابن منظور في لسان العرب (٤/٤٨٠) الوفد هم الركبان المكرمون. وانظر إلى كلام الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره (١٥/٢٨٥) يقول في حق الفريقين " وسيق بلفظ واحدة فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان كما يفعل بالأسارى والخارجين إلى السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل. وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين" وهذا هو الذي ذكره الإمام ابن كثير في تفسيره (٤/٦٥) ، وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة.

стр. 877

وأما في حق الكفار فقال تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) ، فهنا هم سيقوا ودفعوا كما يدفع المسجون المجرم في هذه الحياة إذلالاً لهم، كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) ولذلك (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) فيدفع أولهم على آخرهم، وآخرهم على أولهم كما يفعل بالمجرمين في هذه الحياة. ولذلك انظر إلى ما قاله الله عن أبواب الجنة وما قاله عن أبواب النيران: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فهذا لأبواب جهنم، أي تفتح بغتة وفجأة، فيساق ولا يدري إلى أن يذهب فلما يقترب منها تصيح وتفتح أبوابها فجأة وتلتهمهم. وقال عن أبواب الجنة (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فتساق ركائبهم ونجائبهم التي يركبون عليها والجنة مفتحة أبوابها وهم ينظرون إليها فيطيرون شوقاً ويسرجون الدواب من أجل أن يصلوا إلى نعيم الكريم الوهاب، فإذن هنا الأبواب مفتوحة. ولذلك كان الجلوس عند الباب مذلة، والأمير عندنا في الدولة الإسلامية لا يغلق باباً ولا يتخذ حجاباً، لأنه لو فعل هذا لأذل الرعية، ولما وصل إليه وإلى مجلسه إلا أناس مخصصون. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ عن بصر نبينا ﵊ بحيث رأى بيت المقدس وهو في مكة، وأي غرابة في هذا؟ وهذا ما تفيده رواية الصحيحين [فجلى الله لي] أي أظهر وكشف وبين. والأمور الثلاثة محتملة والعلم عند الله، فأي ذلك حصل حقيقة؟ لا يعلم ذلك إلا الله، وحقيقة هذه الآية أكبر شاهد على صدق نبينا ﵊ في دعواه أنه أسري به، وأنه رسول الله حقاً وصدقاً. الآية الثالثة:

стр. 878

وحصلت له في داخل المسجد الأقصى، جمع الله له الأنبياء من سمي منهم في القرآن ومن لم يسم من عهد آدم إلى عهده عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا عدتهم (١٢٤.٠٠٠) جمعوا في تلك الليلة، ولما أقيمت الصلاة ليصلوا ركعتين تعظيماً لله تقدم جبريل بأخذ بيدي محمد ﵊ وقدمه إماماً بهم – وهو أفضلهم وأكرمهم كما تقدم معنا وهو أفضل الخلق على الإطلاق – فصلَّى بهم ركعتين ثم بعد الصلاة جلس الأنبياء يتحدثون بفضل الله عليهم فكل واحد ألقى خطبة – إذن (١٢٤.٠٠٠) خطبة ألقيت في تلك اللحظة – أثنى فيها على ربه وذكر ما مَنَّ الله به عليه ثم ختم الخطب نبينا ﵊ فقال في خطبته: إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأرسلني للناس كافة بشيراً ونذيراً وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شيء وجعل أمتي خير الأمم وجعل أمتي وسطاً وأمتي هم الأولون والآخرون يوم القيامة – أي آخرون في الزمن، والأولون أي يوم القيامة – وشرح الله صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً، ففتح الله به آذاناً عمياً وقلوباً غلفاً وآذاناً صماً وهو خاتم النبيين فقال خليل الرحمن إبراهيم بهذا فضلكم محمد، وإبراهيم هو الذي يليه في الفضل وهو صاحب المرتبة الثانية بعد نبينا ﵊ فاعترف أن هذا النبي هو أفضل أنبياء الله ورسله.

стр. 879

والحديث في ذلك وارد في المعجم الكبير للطبراني، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى بسند رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: [ثم دخلنا المسجد فنشر الله لي الأنبياء من سمي ومن لم يسم – أي في القرآن – فصليت بهم ... ] وانظروا الحديث إخوتي الكرام في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/٦٨) للإمام الحافظ ابن حجر الهيثمي، وهو غير ابن حجر الهيتمي، وغير ابن حجر العسقلاني العالم الحافظ المشهور فلا تخلطوا بين الثلاثة فالهيثمي توفي سنة ٨٠٧هـ، والهيتمي من علماء القرن العاشر الهجري، والعسقلاني توفي سنة ٨٥٢ هـ وهو تلميذ الهيثمي. إخوتي الكرام ... من هذا الكتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) لو وزن بالذهب وقيل لطالب العلم اختر الذهب أو هو، لقال الطالب الحقيقي لو أعطيتموني عشرة أمثاله من ذهب، لما أخذتها وأخذت الكتاب. وهذا الكتاب في زوائد ستة كتب على ستة كتب، فإذا جمعت الستة مع هذا تكاد أن تكون جمعت السنة بأسرها وقل أن يخرج حديث عن هذه الكتب التي هي ستة مع هذا الكتاب. فهذا زوائد ستة كتب وهي مسند الإمام أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني، والمعجم الأوسط له والمعجم الصغير له أيضاً. على ستة كتب وهي البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي، وابن ماجه (وفي الحقيقة قد جرى خلاف بين العلماء في عد الكتاب السادس من اصطلاح الكتب الستة) المشهور هل هو ابن ماجه وهو المشهور أو موطأ مالك كما هو في جامع الأصول لابن الأثير أو مسند الدارمي، والذي مشى عليه الهيثمي في مجمع الزوائد هو عد ابن ماجه) . الآية الرابعة من الآيات الأرضية: وحصلت له في بيت المقدس أيضاً، وتكررت في السماء فلن نعيد الكلام عليها عندما نصل إلى الآيات السماوية التي رآها خير البرية صلوات الله عليه وسلامه عندما عرج به. هذه الآية هي أنه قدم له أربعة أقداح:

стр. 880

وهذا خلاصة الروايات وبعد أن أذكرها لكم وحاصل ما فيها أرشدكم إلى مصادرها لترجعوا إليها لأن في بعض الروايات أنه قدم له قدحان، وبعضها ثلاثة أقداح وبعضها أنه حصل هذا في بيت المقدس وبعضها أنه حصل في السماء عند سدرة المنتهى. والمعتمد أنه تكرر عرض الآنية على نبينا ﵊ مرة في بيت المقدس ومرة في السماء وكل مرة لها حكمة كما تقدم معنا في شق صدر النبي ﷺ أربع مرات وكل مرة لها حكمة وهذا الأمر كذلك، ومجموع الآنية أربع لكن بعض الرواة قصر في الحفظ فذكر بعض هذه الآنية. الحاصل أن مجموع ما عرض على الرسول ﷺ أربع آنية في حادثة الإسراء بعد أن ألقى كل نبي خطبته في بيت المقدس: يقول النبي ﵊: [ثم جاءني جبريل بأربعة آنية، إناء فيه ماء، وإناء فيه عسل، وإناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، فقال: ألا تشرب يا محمد؟ عليه صلوات الله وسلامه] وكان سبب هذا الشرب وسبب عرض الآنية عليه هو لما حصل له من العطش في هذه الرحلة المباركة من مكة إلى بيت المقدس فإذن كان عرض الآنية عليه في الدنيا من أجل دفع الظمأ والعطش -[قال: فأخذت إناء الماء فشربت منه قليلا ً، فقال لي جبريل: لو ارتويت منه لغرقت وغرقت أمتك] والسبب في هذا أن الماء ليس كاللبن الذي هو شراب وغذاء، إذ أن اللبن غذاء الفطرة وأما الماء فهو دافع العطش والظمأ فقط فيأخذ الإنسان بمقدار دفع الحاجة فلو أخذ منه أكثر من المطلوب لآذى نفسه، ولو سلك الإمام طريق الأذى فالرعية سيسيرون وراءه، فأنت لو أخذت من الماء أكثر من حاجتك لنتج عن هذا أنك تغرق في شعب الدنيا وأوديتها وحطامها ولذائذها وتنهمك فيها وتعرض عن الآخرة وحاشاك من ذلك، إنما هذا على سبيل الافتراض البعيد ولغرقت أمتك أي لتبعت الدنيا وأعرضت عن الآخرة.

стр. 881

إذن الانهماك في الماء والأخذ منه فوق الحاجة يدل على ركون إلى الدنيا، وقد كان نبينا ﵊ أزهد خلق الله في حطام الدنيا وهو الذي يقول: [مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها] ، وقال في الحديث (قال) ولم يقل (نام) لأن القيلولة وقتها قصير من بعد الظهر إلى العصر بخلاف النوم، فإنه يكون طويلا ً لوقوعه في الليل، وهذا هو حال نبينا ﵊ كان قليل النوم وكان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فإذا فرغت فانصب أي إذا فرغت من طاعة فانصب إلى طاعة أخرى وعملك جد متواصل وليس عندك كسل ولا فتور كما هو الحال في جامعاتنا الهابطة (٤) شهور إجازة وعطلة، أي الطالب يصبح عاطلا ً، وطالب العلم الحقيقي لا يتوقف عن العلم إلا في مناسبات شرعها الإسلام كالعيدين، وما عداهما فلا ينبغي أن يتوقف عن العلم أو يعطى عطلة والله المستعان، فلا يوجد في قاموس المسلمين شيء اسمه عطلة لأن الله سبحانه يقول لنبيه ونحن له في هذا تبع (فإذا فرغت فانصب) ، فإذا فرغت من طاعة وعمل فانصب إلى عمل آخر ولا تظن أن العمل انتهى لأن الدنيا مزرعة الآخرة ولابد من غرس عمل متواصل، أما الحصاد ففي يوم الدين (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) والمزارع لا يعرف العطلة في موسم الزراعة، فذاك هو حال نبينا ﵊ مع الدنيا. [وأما إناء العسل فأخذه النبي ﷺ وشرب منه قليلا ً] وذلك لأن العسل شفاء كما قال تعالى: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فإذن هو بمثابة الدواء والإنسان يأخذ منه بمقدار الحاجة، فالنبي ﷺ أخذ منه غذاءً لشفاء البدن وصحته.

стр. 882

والعسل من آيات الله البارزة التي يخرج من هذا الحيوان وهي النحلة، قيل لبعض الصالحين: بأي شيء عرفت ربك؟ قال: بالنحلة قالوا: وكيف؟ قال: بأحد طرفيها تعسل وبالطرف الآخر تلسع، ومقلوب العسل لسع، أي عكس كلمة (عسل) خطاً (لسع) . وهذا من عظيم قدرة الله كيف يخلق المتضادات وليس المتناقضات في بدن واحد، ففيها سمية وفيها مادة حلوة عسلية، والعسل هذا من الأغذية المباركة وقد ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم (٤/٢٠٠، ٤٠٣) بسند صحيح كالشمس عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً، وروي موقوفاً عليه بإسنادين والموقوف له حكم الرفع وفيه [عليكم بالشفاءين العسل والقرآن] أما القرآن فقوله تعالى دال على ذلك (قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) وهو – أي القرآن – لعقولنا كالشمس لأعيننا، وعين بلا أنوار لا ترى وعقل بلا وحي لا يهتدي، وهو لأرواحنا كالماء للسمك، فسمك بلا ماء لا يعيش وأرواح بلا قرآن ميتة (أومن كان ميتاً فأحييناه) (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) .

стр. 883

وأما العسل فهو الشفاء الثاني، وقد توصل من نحاسة بعض الأطباء ونكدهم وغلظ قلوبهم وفساد عقولهم في هذه الأيام أنهم يصفون الخمر علاجاً لبعض الأمراض؟ فهل يعقل أن تصبح أم الخبائث شفاءً والشفاء صار داءً؟ لكننا في عصر اختلت فيه الموازين من جميع جهاتها فصار الباطل حقاً والحق باطلا ً، وصار الكذاب صادقاً والصادق كذاباً، ونطق الرويبضة في أمر العامة وهو الحقير ابن الحقير؟، فإذن صار الشفاء وهو العسل في عصرنا داءً، وهذا العسل مثل التمر الذي هو أطيب طعام وأنفعه للبدن، ويقول الأطباء – وسيأتينا الإشارة له عند اللبن – لا يوجد غذاء فيه جميع ما يحتاجه الجسم إذا أخذه الإنسان لا يحتاج غيره إلا اللبن والتمر فقط، ولو عشت طول حياتك لم تأكل إلا لبناً وتمراً لعشت في أتم صحة وعافية، وقد كانت أهلة تمرُّ على بيوت النبي ﷺ التسع ولا يوقد في بيته نار، فقال عروة: يا خالتي – عائشة – ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء. ولم تقل الأبيضان من باب التغليب وتعلق الصحة بالتمر، وجعلته أسود لأن غالب تمر المدينة أسود. [استطرد الشيخ في ذكر خبث الغرب في تحضيرهم للأغذية وأنهم لا يتورعون عن تنجيسها بغائطهم وبولهم ثم ذكر شيخ الإسلام مصطفى صبري آخر شيخ للإسلام لآخر دولة إسلامية وهو صاحب كتاب (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) في أربع مجلدات، وصاحب كتاب (قولي في المرأة) رد فيه على قاسم أمين، الشاهد يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري في كتابه (موقف العقل والعلم والعالم) لو أن الكفار صدروا إلينا عذرتهم رطبة لأكلناها، وهو كذلك، وما مرت فترة على الدولة الإسلامية ضربت فيها بالذل نحو أعداء الله إلا في هذا الأيام وهذا العصر) فالعسل هو الشفاء والخمر هو الداء، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لأن نشرب زجاجة العسل كلها بل نشرب بمقدار الحاجة. ولذلك فقد شرب النبي ﷺ ما يحتاجه فقط.

стр. 884

[وأما اللبن فشرب منه نبينا ﷺ وتضلع] أي حتى صار اللبن – والمقصود باللبن الحليب – في جميع ضلوعه وملأها بحيث ما بقي فيه مسلك، فتضلع كما يسن لنا أن نتضلع من ماء زمزم، أي لا يبقي في أضلاعك وبينها فجوة إلا ودخلها ماء زمزم، وآية ما بين المؤمنين والمنافقين التضلع من ماء زمزم وماء زمزم لما شرب له كما قال نبينا ﵊ والحديث بسند حسن وتقدم. فإذن كما تتضلع من ماء زمزم لأجل البركة، فاللبن تضلع منه نبينا ﵊ لأنه غذاء الفطرة، وهو شراب وطعام، وعليه يعيش المولود من بني الإِنسان في صغره فيبقى سنتين يرضع من ثدي أمه هذا ولا يأكل ولا يشرب غيره. إذن فإذا كنا على فطرتنا السوية فإننا نتزود من اللبن ولذلك أرشدنا نبينا ﷺ إلى أدب ينبغي أن نحافظ عليه إذا شربنا اللبن لنخبر عن استقامة فطرتنا، وإذا أكلنا أو شربنا غيره نقول دعاءً آخر ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: [من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه، ومن أسقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه] فلم يقل هنا وارزقنا خيراً منه بل قال وزدنا منه، بينما ذكر في الأول وارزقنا خيراً منه لأن كل طعام هناك ما هو خير منه وأنفع وأطيب ثم قال: [فإني لا أعلم ما يجزيء عن الطعام والشراب إلا اللبن] فلا تقل إذا شربت لبناً وارزقنا خيراً منه. ولأجل ذلك تضلع النبي ﷺ من اللبن، وما بقي بين ضلوعه مسلك لدخول قطرة من شراب، [فقال له جبريل: هديت الفطرة] . [وأما الخمر فما مد نبينا ﷺ يده إليه أبداً ولم يشرب منه] .

стр. 885

وقد يقول قائل: ولم لم يشرب منها وهذه من خمر الجنة التي لا تسكر وليست من خمر الدنيا المسكرة بل هي من نهر الخمر الذي يجري في الجنة مع الأنهار الأخرى التي تخرج من أصل سدرة المنتهى؟ نقول: حتى لا يقوم مقام تهمة، وحتى لا يقف موقف تهمة، لأن لفظها واسمها خمر والخمر محرمة في الدنيا على هذه الأمة وحتى لا يقال إن النبي ﷺ شرب الخمر رغم أنها طاهرة وتلك مسكرة إلا أن الناس والعامة لا تعرف هذا ولا تدركه ولو عرفته لبقي في نفسها شيء نحو رسولنا محمد ﷺ فلأجل أن يحصل التذرع بفعل النبي ﷺ – الذي هو حقيقة لا إشكال فيه لو فعله – إذا شرب الخمر، فما شربها ﷺ لأجل ذلك [فقال له جبريل: لو شربت الخمر لغويت وغَوِيَتْ أمتك] ، وفي رواية [قال له: لما اتبعك أحد] لأنهم سيتوسعون ويخرجون عن دين الحي القيوم فيقولون نبينا شرب الخمر فنحن أيضاً نشربها مع اختلاف الخمرين لكن العامة لا تدرك هذا ولا تعيه. إخوتي الكرام ... العلماء ينظر إليهم العامة دائماً ويقتدون بهم، فالعالم إذا توسع في المباح توسع العامة في المكروهات، وإذا توسع في المكروهات توسعوا في المحرمات فإذا وقع العالم في الحرام كفرت العامة فتنبهوا لهذا رحمكم الله. لذلك لا يجوز للمؤمن أن يقوم مقام تهمة أو أن يقف موقف ريبة، فمثلا ً إذا ذهب طالب العلم إلى مكان ريبة، ومكان فساد كشواطئ البحار ولكن ابتعد عن مكان الفساد وصد وجهه عن المفسدين فهذا في الحقيقة ليس عليه وزر أو إثم لكن لو رآه الناس موجوداً في هذا المكان لبدؤوا باتهامه، ولو كان يجلس بعيداً لأن الناس لا تعذر، فكان الواجب على هذا الطالب أن لا يذهب إلى هذا المكان المحدد أو في هذا الوقت بل يحاول أن يتجنب مثل هذه الأوقات والأماكن حتى لا يتكلم عليه الناس ولا يتذرع العامة بفعله.

стр. 886

فمن أقام نفسه مقام ريبة وتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقمن مقام تهمة وريبة – هذا ليس بحديث ولكن معناه صحيح – وقد وردت أحاديث بهذا المعنى منها في الصحيحين [فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه] ودلَّ عليه حديث في المستدرك وسنن الترمذي وغيره بسند صحيح عن عطية السعدي: [لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس] . فيحتاط نبينا ﵊ – وهو إمامنا في الاحتياط والورع – لم يمد يده إلى الخمر مع أنها طاهرة وحلال ومنعشة ونافعة سنشربها في الآخرة حتى لا يتذرع العامة بفعله إذا شربها. وهذه الآنية عرضت على نبينا ﵊ في بيت المقدس – كما ذكرنا – لدفع العطش وعرضت عليه فوق السموات العلا عند سدرة المنتهى من باب الضيافة والكرم، فلما رأى هذه الأنهار الأربعة تنبع من أصل سدرة المنتهى قدم له من كل نهر إناء فيه من ذلك النهر. وحاله في السموات كحاله في الأرض فشرب من الماء قليلا ً، والعسل قليلا ً، واللبن تضلع منه وأما الخمر فما مد نبينا ﵊ يده إليه أبداً. ومن رأى نفسه في المنام وهو يشرب لبناً فليحمد الله، لأن هذه الرؤيا تدل على أمرين: (١) أنه على الفطرة والدين المستقيم. (٢) أن الله سيمنحه العلم النافع العظيم. وفي صحيح البخاري في كتاب التعبير بوب البخاري باباً بهذا الخصوص، فقال: باب اللبن في النوم، ثم ساق الحديث إلى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [بينما أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من تحت أظافري، ثم أعطيت فضلي عمر، قال فما أولت ذلك يا رسول الله، وقال: العلم] وعمر هو سيد المُحَدَّثين والْمُلْهَمِيْنَ في هذه الأمة فلا غرابة.

стр. 887

وثبت في مسند البزار بسند فيه ضعف ويشهد له ما تقدم والحديث في مجمع الزوائد (٧/١٨٣) في كتاب تعبير الرؤى، باب اللبن في المنام من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [اللبن في المنام فطرة] . وفي حديث البخاري السابق منقبة لعمر وقد حصلت منقبة أخرى له في صحيح البخاري أيضاً في كتاب العلم يقول نبينا ﵊ [رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قُمُص – جمع قميص وهو ما يلبسه الإنسان – منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض عليَّ عمر بن الخطاب في ثوب يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين] . الآية الخامسة: وهي من الآيات الأرضية، وهي ما رآه ﷺ في طريقه من مكة إلى بيت المقدس. فقد رأى آيات عظيمة وهي كثيرة كثيرة كثيرة ولا أريد التوسع فيها، لكن ارجعوا إلى مجمع الزوائد (١/٦٥) فما بعدها وانقلوا هذه الآيات واكتبوها مع هذا المبحث وانظروا في فتح الباري (٧/١٩٩) فما بعدها وانظروا في جامع الأصول (١١/٣١٠) . وسأقتصر هنا في شرحي على آيتين والباقي تأخذونه من هذه الكتب فإنه كثير كثير: الآية الأولى: ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي عن أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : [مررت ليلة أسري بي على موسى في قبره عند الكثيب الأحمر- وهو التلة من الرمل – وهو قائم يصلي] . وقد كنت أشرت سابقاً إلى أن أجساد الأنبياء في قبورهم لا تتغير، وهم أحياء فيها حياة يعلمها الله، ولا نعلم كيفيتها، ويكرمهم الله بكرامات عظيمة كما كان يكرمهم في حياتهم، من هذه الكرامات أن نبي الله موسى كان يصلي في قبره، ورآه نبينا ﵊ يصلي في قبره، فإن قيل: كيف هذا؟ نقول: قلنا إن حادثة الإسراء والمعراج معجزة ونبي الله موسى في عالم البرزخ، فالاطلاع عليه هذا من باب خرق العادات والممكنات التي أكرم الله بها خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

стр. 888

وقال النبي صلى الله عليه وسلام لأصحابه لما ذكر لهم ذلك [لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره] ، أي لو كنت أنا وأنتم في ذلك المكان لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر عند البلاد المباركة. فهذه آية نؤمن بها وهي من الإيمان بالغيب الذي نؤمن به ونكل علم معرفته إلى خالقه. الآية الثانية: وإنما اخترتها وأردت ذكرها لما فيها من غبرة وعظة، وهي إذا كانت المرأة تصل عزيمتها إلى هذا الحد، فالرجل ينبغي أن يستحي من الله وأن تكون عزيمته – على الأقل كعزيمتها – لا أقل منها. فهذه الكرامة التي رآها نبينا ﵊ لامرأة صالحة ضعيفة مستضعفة وهذا كله من باب الاطلاع على ما في عالم البرزخ من عذاب أو نعيم، وعالم البرزخ لا يمكن أن نعلمه إلا عن طريق وحي صادق، فإذا نطق من لا ينطق عن الهوى آمنا به وصدقناه. ثبت في مسند الإمام أحمد والبزار والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الأوسط له أيضاً عن ابن عباس ﵄ عن نبينا ﵊ قال: [مررت ليلة أسري بي بوادٍ فإذا فيه ريح طيبة، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها] . س: ما السبب في حصول هذه الكرامة لها؟ جـ: [كانت تسرح شعر ابنة فرعون وتمشطه فسقط المشط من يدها، فقالت باسم الله، فقالت هذه العاتية ابنة فرعون: أبي] أي باسم أبي الذي هو إله فالله يعني أبي، لأنه قال: أنا ربكم الأعلى، وكان رباً – كما يدعي – لأن الأنهار تجري من تحته، فتقول له يا منحوس، من الذي أجرى الأنهار من تحتك؟ فإنك تفتخر بملك غيرك، وتفتخر بنهر أجراه غيرك هل أنت الذي أجريتها وهل أنت الذي شققتها؟ إن هذه الأنهار التي تجري من تحتك عما قريب ستجري من فوقك وكل من ادعى دعوى قتله الله بدعواه.

стр. 889

يقول أئمتنا احذروا الدعوى، هي بلوى وإن صحت، فلا تقل أنا أحفظ وأنا أعلم كذا، فإنك حتى ما قلت (أنا) استوجبت الخزي بل الواجب أن تقول هذا بفضل الله وبرحمته ولذلك قال الله في الحديث القدسي: [فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] ، (وما بكم من نعمة فمن الله) فهو الذي وفق. ولذلك العاتي النمروذ عندما تكبر وتجبر وقال أنا أحيي وأميت، أماته الله بأضعف جنده ببعوضة فقط، فدخلت إلى دماغه من أنفه، وبدأت تدور في رأسه فكان يجمع حاشيته وأصحابه ويعطيهم الأحذية الكبيرة الثقيلة ويقول لهم أخفقوني على رأسي لأجل أن تموت هذه البعوضة، فكان وزراؤه يضربونه – وقد كانت البعوضة تخمد عندما يأتيها الضرب فتقف ولا تتحرك، فإذا توقفوا عن الضرب بدأت بالحركة والطيران داخل دماغه حتى قتل ضرباً بالأحذية، فأنت يا من تقول بأنك تحيي وتميت لم تستطع أن تميت بعوضة، فإذن كل من ادعى بدعوى قتله الله بدعواه. قال هارون الرشيد لمحمد بن السماك – وكان من العلماء الواعظين الصالحين – إذا كان الله حكيماً وخلق كل شيء لحكمة فعلام خلق الذباب؟ فقال: ليذل به الملوك يا أمير المؤمنين، أي أنت يا أمير المؤمنين لا يدخل عليك أحد إلا باستئذان إلا الذباب فإنما يدخل من غير استئذان.

стр. 890

[فالماشطة سقط المدرا (المشط) من يدها فقالت باسم الله، قالت ابنة فرعون: أبي قالت: لا. ربي وربك ورب أبيك، فقالت: أأخبر أبي بذلك؟ قالت: أخبريه، فأخبرته، فدعاها فرعون فقال لها: ألك رب غيري؟، قالت: نعم، ربي وربك الله، فأمرها أن تحضر هي وأولادها وقال: إما أن ترجعي عن دينك وتدخلي في ديني وتؤمني بأنني أنا الله الرب وإما أن أقتلك، فقالت، اقتلني بما شئت ولكن لي طلب عندك، قال: لك ما تريدين، قالت: إذا قتلتني فاجمع بين عظامي وعظام أولادي وادفنا في قبر واحد، فقال: لك ذلك] فوافق على ذلك لما لها عندهم من المنزلة والمكانة إذ أنت من خدم البيت ومن الحاشية لكن لأنك خرجت عن الدين فلابد لك من القتل. [فأتي بنقرة من نحاس] وهي الحلة الكبيرة والقدر الواسع بحجم الغرفة بل البيت وهذه هي التي عذب بها النصارى في بلاد الأندلس المسلمين لما سقطت الأندلس، فقد كانوا يأتون بهذه القدور – النقرة – ويضعون تحتها ناراً حتى يحمى الماء فيها ويغلي غلياناً عظيماً، ثم يؤتى بالمؤمن، ويقال له إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك فيها وهم أفواج فلا يرجع عن دينه ثم يأتي بالثاني ويخير وهكذا وما يصدهم ذلك عن دين الله رغم ما يرونه من العذاب الشديد لدرجة أن هذا الماء من حرارته يذوب فيه اللحم والعظم فلا يبقي للمؤمن أثر فيه ولكنهم يثبتون على إيمانهم. (قصة أحد المشايخ الذين حاولوا دخول مسجد قرطبة الذي صار كنيسة وكيف منعهم القسيس من دخوله – إلخ القصة) ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ [فأحماها وبدأ يضع أولادها واحداً بعد واحد فيها وهي تصبر وتحتسب حتى ألقاهم جميعاً وبقي بين يديها ولد صغير لازال رضيعاً في المهد فأشفقت عليه وخافت، فلما أخذوه منها ليلقى في هذه النقرة ارتاعت وتغيرت، فظن فرعون أنها سترجع عن دينها شفقة على ابنها الصغير، فقال هذا الغلام الصغير: يا أماه إنك على الحق فاصبري وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة] .

стр. 891

قال نبينا ﵊: [لم يتكلم في المهد إلا أربعة ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وعيسى ﵇، وصاحب جُريج] . وصاحب جُريج هذا حديثه في الصحيحين وهو عابد وراهب [عندما كان يصلي دعته أمه فقال اللهم أمي وصلاتي] ولو كان فقيهاً لأجاب أمه لأنه إذا دعتك أمك وأنت في نافلة فاقطع النافلة وأجب أمك لأن إجابتها فريضة والنافلة سنة لك أن تقطعها. [ثم قالت: يا جُريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، ثم قالت: يا جُريج (للمرة الثالثة) فقال: اللهم أمي وصلاتي فقالت أمه: والحمد لله أنها لم تدع عليه بغير هذا – اللهم لا يموت جُريج حتى يرى وجوه المياميس – أي الزانيات – وكان هناك راعٍ يرعى الغنم وهناك امرأة بغي اتصل بها هذا الراعي عن طريق الحرام وأحبلها قيل لها من أين هذا؟ قالت: من جُريج العابد الذي يعبد ربه في هذه الصومعة، فغضب بنو إسرائيل وحملوا المعاول والعصي وجاءوا إلى صومعته فهدموها، فقال لهم ماذا تفعلون؟ قالوا: تدعي أنك عابد راهب معتدل ثم بعد ذلك تعتدي على هذه المرأة، فقال: أين الغلام؟ فقيل له هذا، فأتى إليه جُريج ونقر على بطنه وقال: من أبوك يا بابوس؟ قال: فلان الراعي، فأكب الناس على قدمي جُريج يقبلونها ويقولون له نبني لك صومعة لبنة من ذهب ولبنة من فضة فقال: بل أعيدوها كما كانت] . لكنه رأى وجوه المياميس رأى هذه المرأة التي وجهها منكر فيه هذا البلاء والغضب لأنه ما أجاب أمه، حذار حذار أن يدعو عليك أحد والديك إذن فهؤلاء تكلموا في المهد. [فلما قال لها الغلام هذا طرحت الولد في النقرة ثم أخذوها وألقوها مع أولادها فاحترقوا جميعاً فجمع فرعون – عليه لعنة الله – عظامهم (١)

стр. 892

ودفنهم في قبر واحد] ولذلك فهؤلاء لهم ذلك النعيم العظيم لهم في البرزخ فبمجرد أن دفنوا حصلت لهم تلك الرائحة الشذية العطرية الطيبة من قبرهم في ذلك. فإذن النبي ﷺ لما أسري به شم هذه الرائحة الطيبة من ماشطة ابنة فرعون ومن أولادها الذين قتلوا معها. إخوتي الكرام ... هذا حال الحق عندما يدخل القلوب سواء كانت عند ذكور أو عند إناث، فانظروا إلى ثبات هذه المرأة على الحق وعدم مبالاتها بأطغى أهل الأرض في ذلك الوقت هو فرعون وماذا يملك فرعون وغيره من الجبابرة؟ هل يملك أكثر من قطع الرقبة؟ لا، ولكن الحال كما قال السحرة لفرعون (فاقض ما أنت قاض ٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) . أما غير هذا فليس في وسع أحد أن يفعله. ثم إن الموت سيصير إليه القاتل والمقتول، فهل سلم فرعون من الموت، وهل الأنبياء سلموا من الموت؟ لا، فهل في موتي منقصة لي؟ وليس القوي الذي يخاف من موت بدنه، إنما القوي الذي يخاف من موت القلب، فالقلب إذا مات هنا الطامة، وهذا الذي يوجب غضب الله والخسران للأبد أما موت البدن فما الذي يُخوِّف منه؟ كما قال النبي ﷺ [تحفة المؤمن الموت] ، فالمسلم إذا مات انتقل من عناء إلى لقاء رب الأرض والسماء، انتقلت من شدة وبلاء إلى نعيم ورخاء. فإذا مت فماذا في هذا؟!! ووالله إن نعمة الله علينا بالموت أعظم من نعمته علينا بالحياة، فإذا مت انتقلت من دار إلى دار، ولذلك للإنسان ثلاث دور: الدار الأولى: الدنيا وفي الدنيا دور متعددة أولها بطن الأم فهذا وإن سكنته وخرجت منه، ثم هذه المساكن التي تسكنها الله أعلم بعددها تسكن في الشام في مصر في لبنان في مصر في استراليا العلم عند الله. الدار الثانية دار البرزخ، وهي أوسع من دار الدنيا وأحسن منها بكثير ثم أكمل الدور وأتمها وهي الدار الثالثة دار الآخرة.

стр. 893

فإذن الانتقال إلى البرزخ بالموت كالانتقال من رأس الخيمة إلى مصر ولا فرق هنا عباد وهناك عباد قال تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) فهل يشترط أن نقيم في رأس الخيمة؟ كلا، إذن فكذلك لا يشترط أن نقيم في الحياة فأنت في كنف الله ورعايته إن كان في الدنيا تقوم بالواجب عليك، وإن كان في البرزخ فلا واجب عليك بل يكرمك الله جل وعلا بكرامات لا تخطر على بال وإن كان في الآخرة فرحمتُهُ أوسع وأوسع. فالمؤمن إذن لا يخاف الموت بل إنه يفرح بالموت وكان عدد من الصالحين إذا جاءهم الموت يقولون: حبيب، جاء على فاقة، لأننا في الدنيا نتألم كما يتألم الكفار لكن في النتيجة نختلف، فنحن يأتينا الموت راحة وهم ينتقلون من عذاب إلى عذاب أشد (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون) وهذه الآية في المعارك فنحن نرجو الشهادة وهم يرجون عرضاً من الدنيا ولو لم يكن في الدنيا تعب إلا إدخال الطعام وإخراجه لكفى، فعندما يمضغ ويأكل في اليوم مرتين أو ثلاثاً، ثم يجلس في الخلاء في صورة يستحي منها أفليس في هذا تعب؟ وهذا غير ما يحصل لك من نكد أو تعب أو إيذاء في هذه الدنيا، وكذلك فأنت تملأ وتفرغ وتملأ وتفرغ وهكذا ولذلك كان بعض الصالحين يقول: أشتهي أن يجعل الله رزقي في حصاة أمصها والله استحيت من ربي من كثرة دخولي الخلاء. وهذا الطعام الذي يدخل إلى جوفك لو كشف للناس عنه لهربوا من نتن ريحه ولذلك أنت أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وفيما بينهما تحمل العذرة

стр. 894

فهذا تعب ما بعده تعب فإذا من الله عليك بدار البرزخ ثم بالجنة، ليس هناك عناء ولا بلاء ولا حدث ولا مخاط ولا بصاق، والطعام والشراب يخرج منك على هيئة رشح من جبينك أطيب من المسك ولذلك كل الطعام هناك ليس من باب حفظ البدن من تلف أو لحاجته لطعام، إنما من باب التلذذ والتفكه كما قال تعالى: (وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) وقال: (وأمددناهم بفاكهة) فسماها فاكهة. فإذن ماتت ماشطة ابنة فرعون وعذبت فماذا جرى لها؟ ثم انظر لهذه الكرامة بتعجب نبينا ﵊ لطيب رائحتها. لذلك هذا المسلك الذي سلكته هذه المرأة الصالحة يجب أن يسلكه الذكور والإناث بلا استثناء. ولله الحمد توجد من هذه النماذج في عصرنا (قصة الطالبة الصالحة في أبهى التي كانت تشترط على من يتقدم لخطبتها ألا يدخل تليفزيوناً أو منكراً للبيت: إلخ القصة) . وهذا ما رآه نبينا ﵊ في رحلته المباركة مما كشف الله له أطلعه عليه مما يكون في عالم البرزخ مما كان قد حصل – من الذنوب – والذنوب التي ستحصل وأطلعه عليها قبل وقوعها. وهذا كما أطلعه الله – عندما كان في المدينة والحديث في الصحيحين – مثل عذاب رجلين حيث قال ﷺ : [إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ (وفي رواية يتنزه) من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة] . هاتان آيتان شرحناهما مفصلتين والآن نذكر جملة من الآيات التي وقفنا عليها في الكتب التي ذكرت في أول هذا المبحث في أول الحديث عن الآية الخامسة، وسنذكر هذه الآيات على وجه الإيجاز والاختصار مع ذكر مرجعها: الآية الثالثة: مر ﷺ على قوم يزرعون في يوم ويحصدون ي يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٧) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) .

стр. 895

الآية الرابعة: ومر ﷺ على قوم ترضخ (تدق تكسر) رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٧) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) . الآية الخامسة: مر على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم (أي حجارتها المحماة) ، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم (أي لا يزكون) ، وما ظلمهم الله، وما الله بظلام للعبيد. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٧) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) . الآية السادسة: مر على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج، ولحم آخر نيئ خبيث فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب، قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الرجل من أمتك يقوم من عند امرأته حلالا ً، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا ً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت عنده حتى تصبح. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٧) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) . الآية السابعة: مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة من حطب لا يستطيع حملها ثم هو يريد أن يزيد عليها، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها ثم هو يزيد عليها ويطلب آخر. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٨) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) . الآية الثامنة: مر على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: يا جبريل، ما هؤلاء؟ قال: خطباء الفتنة. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٨) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) . الآية التاسعة: مر على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع. انظر: مجمع الزوائد (١/٦٨) ، فتح الباري (٧/٢٠٠) .

стр. 896

الآية العاشرة: أتى ﷺ على وادٍ فوجد ريحاً طيبة ووجد ريح مسك مع صوت، فقال: ما هذا؟ قال: صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقري ومرجاني وقضبي وذهبي وأكوابي ومما في وأباريقي وفواكهي وعسلي وثيابي ولبني وخمري، ائتني بما وعدتني، قال: لك كل مسلمة ومسلم ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً ولم يتخذ من دوني أنداداً فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي، قد افلح المؤمنون، تبارك الله أحسن الخالقين فقالت: قد رضيت. انظر (١/٦٨) . ١١- الآية الحادية عشرة: أتى ﷺ على وادٍ فسمع صوتاً منكراً، فقال: يا جبريل ما هذا الصوت؟، قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وبعد قعري واشتد حري، ائتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت. انظر المجمع (١/٦٨) . ١٢- الآية الثانية عشرة: انتهى النبي ﷺ – وهو راكب البراق – إلى أرض ذات نخل فقال جبريل: انزل، فنزل، ثم قال: صل، فصلى، ثم ركب فقال له: أتدري أين صليت؟، قال الله أعلم، قال: صليت بيثرب، صليت بطيبة، وإنها المهاجرة. انظر المجمع (١/٧٣) ، الفتح (٧/١٩٩) . ١٣- الآية الثالثة عشرة: ثم بلغ أرضاً بيضاء فقال له: انزل، فنزل، ثم قال له: صل فصلى ثم ركب، فقال له أتدري أين صليت؟ قال: الله أعلم، قال صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى، وفي رواية: صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ﵇. انظر المجمع (١/٧٣) ، الفتح (٧/١٩٩) .

стр. 897

١٤- الآية الرابعة عشرة: ثم قال له جبريل انزل، فنزل فقال صل، فصلى، ثم ركب فقال له: أتدري أين صليت؟، قال: الله أعلم، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم. انظر المجمع (١/٧٣) ، الفتح (٧/١٩٩) . ١٥- الآية الخامسة عشرة: مر النبي ﷺ في أرض غمة (ضيقة) منتنة، ثم أفضى به المسير إلى أرض فيحاء طيبة، فقال: يا جبريل كنا نسير في أرض غمة نتنة ثم إلى أرض فيحاء طيبة فقال تلك أرض النار وهذه أرض الجنة – وفي رواية: تلك أرض أهل النار وهذه أرض أهل الجنة. انظر المجمع (١/٧٤) . ١٦- الآية السادسة عشرة: أتى على رجل قائم فقال من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك عيسى بن مريم ﵊. انظر المجمع (١/٧٤) ، الفتح (٧/١٩٩، ٢٠٠) . ١٧- الآية السابعة عشرة: ثم سار فسمع صوتاً فأتى على رجل فقال: من هذا معك؟ قال هذا أخوك محمد صلي الله عليه وسلم فسلم ودعا لي بالبركة وقال سل لأمتك التيسير، فقال الرسول ﷺ : من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى ﷺ . انظر المجمع (١/٧٤) الفتح (٧/١٩٩، ٢٠٠) . ١٨- الآية الثامنة عشرة: ثم سار ﷺ ، فرأى شيئا، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال هذه شجرة أبيك إبراهيم، فقال: أدنو منها؟ قال: نعم، فدنا منها فرحب ودعا لي بالبركة. انظر المجمع (١/٧٤) ، الفتح (٧/١٩٩، ٢٠٠) . ١٩- الآية التاسعة عشرة: رأى الدجال فقال: وأراني – أي جبريل – الدجال ممسوخ العين اليمنى شبهته بِقَطَن بن عبد العزى. انظر المجمع (١/٧٥) . ٢٠- الآية العشرون: عرض له رجل عن يمين الطريق – في ذهابه إلى بيت المقدس – فجعل يناديه يا محمد إلى الطريق – مرتين – فقال له جبريل امض ولا تكلم أحداً، ثم أخبره أن الرجل الذي عرض له عن يمين الطريق هم اليهود دعته إلى دينهم. انظر المجمع (١/٧٧) .

стр. 898

٢١- الآية الحادية والعشرون: عرض له رجل عن يسار الطريق، فقال له: إلى الطريق يا محمد فقال له جبريل: امض ولا تكلم أحداً، ثم قال له جبريل: تدري من الرجل الذي دعاك عن يسار الطريق؟ قال: لا، قال: تلك النصارى دعتك إلى دينهم. انظر المجمع (١/٧٧) . ٢٢- الآية الثانية والعشرون: عرضت له امرأة حسناء جميلة، فقال له جبريل: هذه المرأة الحسناء هي الدنيا دعتك إلى نفسها. انظر المجمع (١/٧٧) ، ووقع في الفتح (٧/١٩٩) أنه مر بامرأة عجوز فقال له جبريل هذه الدنيا. ٢٣- الآية الثالثة والعشرون: مر بشيء يدعوه متنحياً عن الطريق، فقال له جبريل: سر، ثم قال له: الذي دعاك هو إبليس. انظر الفتح (٧/١٩٩) . ٢٤- الآية الرابعة والعشرون: مر بقوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقال هم هؤلاء يا جبريل، قال هؤلاء أكلة الربا. انظر الفتح (٧/٢٠٠) ، المجمع (١/٦٦) . ٢٥- الآية الخامسة والعشرون: مر بقوم مشافرهم (شفاههم) كالإبل يلتقمون حجراً فيخرج من أسافلهم، فقال له جبريل: هؤلاء آكلة أموال اليتامى. انظر الفتح (٧/٢٠٠) . ٢٦- الآية السادسة والعشرون: لما دخل المدينة التي فيها بيت المقدس من بابها الثامن أي قبلة المسجد فربط دابته ثم دخل المسجد من باب فيه مثل الشمس والقمر. انظر المجمع (١/٧٣) . ٢٧- الآية السابعة والعشرون: مر بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيراً لهم فسلم عليهم وقال بعضهم لبعض: هذا صوت محمد، وحاجه المشركون في مكة لما أخبرهم الخبر فقال لهم: مررت بعير لكم في مكان كذا قد أضلوا بعيراً لهم وأنا مسيرهم لكم ينزلون بكذا ثم يأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوتان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى كان قريباً من نصف النهار، أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصف رسول الله ﷺ . انظر المجمع (١/٧٣، ٧٤، ٧٥) الفتح (٧/٢٠٠) .

стр. 899

٢٨- الآية الثامنة والعشرون: لما أخبرهم بخبر الإبل السابقة، قالوا له: هل مررت بإبل لبني فلان؟، قال: نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا قد انكسرت لهم ناقة حمراء فوجدتهم وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها، فقالوا: أخبرنا ما عدتها وما فيها من الرماة، قال: قد كنت عن عدتها مشغولا ً فقام فأتي بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاة ثم أتى قريشاً فقال لهم: سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاء ابن أبي قحافة وفلان وهي مصبحتكم بالغداة عند الثنية، قال: فقعدوا إلى الثنية ينظرون أَصَدَقَهُمْ؟ فاستقبلوا الإبل فسألوا: هل انكسرت لكم ناقة حمراء؟ قالوا نعم، قالوا: فهل كان عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا والله وضعتها فما شربها أحد ولا أهراقوه في الأرض. انظر المجمع (١/٧٥) ، الفتح (٧/٢٠٠) . ٢٩- الآية التاسعة والعشرون: لما دخل النبي ﷺ المسجد الأقصى وصلى فيه وعرضت عليه الآنية انطلق به جبريل حتى أتى الوادي الذي في المدينة – أي المدينة التي فيها المسجد – فإذا جهنم تكشف عن مثل الزرابي، فقال الصحابة: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال مثل الحمة المسخنة. انظر المجمع (١/٧٣) . هذا ما تيسر لي جمعه من الآيات التي رآها نبينا ﵊ في طريقه من مكة إلى بيت المقدس أو العكس مما يدخل تحت الآيات الأرضية التي رآها النبي ﷺ . القسم الثالث: آيات سماوية رآها نبينا ﵊ عندما عرج به إلى السموات العلا: الآية الأولي: المِعْراج أو المُعْراج – بكسر الميم أو ضمها – وهذا أول الآيات كما أن البراق هو أول الآيات الأرضية، فالبراق من مكة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى السموات العلا كان الصعود عن طريق المعراج أو المعراج، وهو آلة يعرج عليها ويُصْعَدُ بها كالسلم أو الدرج أو المصعد عندنا في حياتنا.

стр. 900

قال نبينا ﵊ كما في مغازي ابن إسحاق – [فأتيت بالمعراج فلم أر شيئا أحسن منه] وهو الذي يشخص إليه الميت بعينيه إذا حضره أجله] فالميت عندما يموت ينظر إلى فوق، فينظر إلى هذا المعراج الذي ستعرج إليه روحه. [وكان مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة، وكان مكللا ً باللؤلؤ من جنة الفردوس] فهذا هو المعراج نؤمن به ونفوض العلم بكيفيته إلى ربنا جل وعلا، وعما قريب سيراه كل واحد وينظر إليه بعينه عندما يحضره أجله ويرى مقعده من الجنة أو النار عن طريق المعراج فإذا كان صالحاً فتحت له أبواب السماء وإلا أغلقت. الآية الثانية: آيات رآها عندما عرج به إلى السموات:

стр. 901

ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك بن صعصعة، عن نبينا ﵊ أنه قال: ".... فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا (السماء الأولى) فاستفتح (استأذن) فقيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد " [عليه صلوات الله وسلامه] وهذا أي قول الملائكة من معك يحتمل أن السماء شفافة فرأوا من هو خارجها أو أنهم سمعوا حساً للنبي ﵊ معه، أو رأوا زيادة أنوار عرجت عندما ارتقى جبريل فاستفتح من أجل أن يلج السماء فقيل من؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد [فقال (حراس السماء الدنيا) أَوَقَدْ بعث إليه؟] أي أذن له بأن يدخل وطلب لمناجاة الله، وسؤال الملائكة هذا يحتمل عدة أمور إما أنه من باب التعجب إذ كيف حصل للنبي ﷺ هذه المرتبة العظيمة الجليلة، فتعجب الملائكة من هذا، أو أن هذا للاستبشار، أي استبشاراً بلقائه وفرحاً بمجيئه، ويحتمل (قاله الحافظ) أنهم قالوا هذا إعلاماً للنبي ﷺ بأنهم يعلمون أنه سيأتي ويؤذن له في الدخول فكأنهم يقولون: نحن عندنا علم بمجيئه لكن هل حان الوقت وبُعث إليه وأرسلك الله يا جبريل إليه في هذا الوقت؟ أي نحن علمنا بأنه محمداً ﷺ سيأتي ويدخل لكن ما حُدَِِّدَ لنا الوقت، [فقال: نعم، فقيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتحت السماء، فلما خَلَصْتُ (أي دخلت إليها وسرت فيها) فإذا فيها آدم، فقال جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد علي السلام ثم قال لي مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح] . إخوتي الكرام.... ثم عرج به إلى السماء الثانية، ولكنا سنذكر على سبيل الاختصار الأنبياء الذين لقيهم في هذه السموات السبع، ولا أريد أن أستعرض ألفاظ الحديث لأنه في كل سماء لما يستأذن يُقال: أو قد بعث إليه؟ فيقال: نعم، فيفتح له فيقول فإذا فيها فلان من الأنبياء.... ومن أراد نص الحديث فليرجع إليه في صحيح البخاري أو مسلم.

стр. 902

ففي السماء الأولى (السماء الدنيا) نبي الله آدم ﵇. وفي السماء الثانية ... ... نبيا الله عيسى ويحيى ﵉. وفي السماء الثالثة ... ... نبي الله يوسف ﵇. وفي السماء الرابعة ... ... نبي الله إدريس ﵇. وفي السماء الخامسة ... ... نبي الله هارون ﵇. وفي السماء السادسة ... ... نبي الله موسى ﵇. وفي السماء السابعة ... ... نبي الله وخليله إبراهيم ﵇. الأنبياء كلهم جمعوا لنبينا ﵊ في بيت المقدس، أما في السموات السبع فما اجتمع إلا بثمانية من الأنبياء (١)

стр. 903

إن قيل: ما الحكمة في الاقتصار على هؤلاء الأنبياء فقط دون غيرهم، وكونهم بهذا الترتيب من السماء الأولى إلى السابعة؟ فنقول: أما آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فجعل في السماء الأولى ليحصل مباشرة أُنس النبوة بالأبوة، الابن محمد ﵊ والأب الأول للبشرية كلها آدم ﵊، ولم يجعل في السماء الأولى من باب دنو منزلته إنما من باب أن هذا أب أول لجميع البشر، ولذلك فينبغي للابن أن يلتقي بأبيه قبل غيره. ولذلك لو دخلت بيتك الذي فارقته سنوات ورأيت أخاك ولم تر أباك لن تفرح وتسعد حتى ترى أباك، وهذا مشاهد ومجرب. ليكون في ذلك إشارة أيضاً – كما قال الحافظ ابن حجر نقلا ً عن السهيلي وابن أبي جمرة – إلى أنك يا محمد بعد هذه الحادثة سيحصل لك ما حصل لأبيك فلا تحزن. وماذا حصل لآدم؟ خروج من الجنة وهي وطنه، وأنت سيحصل لك خروج من مكة، وبالفعل حصل هذا بعد سنة ونصف، ولذلك قلنا الإسراء وقع قبل الهجرة بسنة ونصف. وآدم بعد خروجه من الجنة ازداد رفعة، وكان آدم بعد خروجه خيراً منه قبل خروجه (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) ، فاجتباه ربه بعدما خرج، وأما ما حصل منه ف [كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون] وإذا أقلع الإنسان عن معصية وأناب يكون حاله بعد المعصية خيراً من حاله قبل التوبة. إذن فسيحصل لك ما حصل لآدم وليس في هذا مضرة عليك فكما أن آدم بعد خروجه ارتفع قدره وعلا ذكره ولو بقي في الجنة لما وجدت هذه البشرية التي توحد الله وتعبده فقدر الله له الخروج (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) ، وأنت بعد خروجك سيرتفع ذكرك ويعلو أمرك ويظهر دينك وهذا الذي حصل.

стр. 904

لاسيما وقد ذكرنا في الآيات التي رآها في رحلته من مكة إلى بين المقدس أنه أمره جبريل بالصلاة في مكان ثم أخبره أنه صلى بطيبة، ثم قال له وإليها المهاجرة بفتح الجيم، أي ستكون دار لهجرتك، فإذن أخبر في الأرض أنه سيهاجر، فحتى لا يصبح في قلبه شيء ويخاف – هذا من الطبائع البشرية – وحتى لا ينكسر قلبه ويغتم ارتفع به إلى الكمالات وقابل هناك الأب الصالح أول من قابل فكأنه قيل له: الهجرة فيها خير كما حصل في الانتقال لهذا الأب الذي تقابله خير عندما هاجر من الجنة إلى الدنيا. ولِمَ كان عيسى ويحيى ﵉ في السماء الثانية؟ هناك عدة أجوبة والجواب المعتمد وهو الحق إن شاء الله وهو من باب الحكم التي تُشم كشم الوردة: لأنه ليس بين نبينا ﵊ وبين نبي الله عيسى نبي آخر فهو أولى الناس به، وأما يحيى فهو ابن خالة عيسى فبما أنهما ابنا الخالة فقُرِنا في سماء واحدة، وقد ثبت في الصحيحين عن نبينا ﵊ أنه قال: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى دينهم واحد] وفي رواية أخرى مختصر البخاري (٧٣٤١) [أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبين نبي] . فإذن بعد أن حصل أُنس النبوة بالأبوة سيلتقي بعد ذلك بإخوانه الذين هم أقرب الناس إليه من غيرهم وأولهم عيسى ﵇. أما يوسف، فالحكمة من كونه في السماء الثالثة بعد الثانية بعد أن حصل أُنس النبوة بالأبوة وأنس الأخ بأخيه الأقرب، فإنه سيحصل لنبينا ﵊ أُنس خاص بنبي فيه شبه بنبينا ﵊ من وجهين:

стр. 905

حسن الصورة وبهاء المنظر وجمال الطلعة، فنبي الله يوسف أعطاه الله شطر الحسن، ونبينا ﵊ له الحسن بكامله. فأجمل الناس بعد نبينا ﵊ هو يوسف فعندما يرى هذا النور يتلألأ منه يحصل حينئذ شيء من الشبه الظاهري، يضاف إليه شبه آخر يتعلق بالدعوة وهو: أنه لاقى مكراً وكيداً من أخوته لأبيه، وقرابته حيث مكروا به وألقوه في الجب وبعد ذلك مكن الله له في الأرض وجاءه إخوته فقال لهم (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا إنك لأنت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) سورة يوسف ٨٩-٩٢، وما حصل ليوسف هو عين ما حصل لنبينا ﵊ فآذاه قرابته وعشيرته وطردوه من مكة وسيؤذونه وسيعيده الله بعد ذلك وسيقول لهم ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم فيقول، لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء الأحرار وقد وقع كل هذا، فهذا أيضاً شبه، فليحصل إذن استحضار لتلك المعاني، الصورة واحدة وما حصل لهذا النبي من المكر فسيحصل لك، وما حصل له من الظفر والنصر سيحصل لك. ٤- وأما السماء الرابعة ففيها إدريس ﵊، كما قال الله تعالى (ورفعناه مكاناً علياً) وإنما قال مكاناً علياً وهو في السماء الرابعة وليس في السابعة لأنه في الوسط، والوسط مكان مرتفع ومعتدل. وفي ذلك إشارة إلى أن هذا العلو الذي حصل لهذا النبي بعد الثالثة – وهي الرابعة – سيحصل لنبينا ﵊ في هذه الحياة الدنيا وقد حصل له، وأن رسالتك وديانتك وسط (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) خياراً عدولاً تعتدلون في أحكامكم التي أنزلها ربكم عليكم.

стр. 906

٥- وأما السماء الخامسة ففيها هارون ﵊، وفي ذلك إشارة إلى قربه من نبي الله موسى وهارون تابع لموسى عليهما الصلاة والسلام فليكون إذن بمثابة تمهيد للقاء موسى ﵇. وفي ذلك إشارة لنبينا ﵊ ليوطن نفسه على تحمل ما تحمله هارون من موسى ﵉. وفي ذلك أيضاً إشارة عظيمة أيضاً وهي أن هارون رجع قومه إلى محبته بعد أن نفرتهم منه وعداوتهم له، وهذا سيحصل لنبينا ﵊ فقومك سيحبونك بعد معاداتهم لك، فحالك كحال هارون فقد كان محبباً في قومه أكثر من نبي الله موسى ﵇ وكانوا ينفرون من موسى ويأنسون بهارون عليهما صلوات الله وسلامه للين عريكته وعدم شدته وله فيهم منزلة عظيمة، الحاصل أن في لقائه بهارون تذكير له بطبيعة موسى ولذلك كأنه يقال: إذا لقيت موسى فاصبر وتحمل فإن له مقامات عند ربه وهو مدلل عنده. ٦- وأما موسى ﵊، فاجتمع بهذا النبي في السماء السادسة ليعلم أنه رفيع القدر أعلى من هارون، فنبينا أعلى من هارون كما أن موسى أعلى من هارون إذن فأنت أعلى ممن تقدمك والحكمة الثانية: ليحصل لك ما حصل لهذا النبي من؟؟؟؟ فعاداه فرعون قومه فصبر فمكنه الله منه ونصره عليه، فأنت سيعاديك فرعون هذه الأمة – أبو جهل – فاصبر وستمكن منه وستقطع رقبته في يوم بدر وهذا الذي حصل، فيوم بدر بالنسبة للنبي ﷺ كغرق فرعون بالنسبة لموسى ﵊. ٧- أما السماء السابعة، فكأنه يقال له: بدأنا الأمر بالأب الأبعد فلنختمه بالأب الأدنى وهو خليل الرحمن إبراهيم، أبو العرب، ونبينا محمد ﷺ (ابن الذبيحين) فعبد الله ذبيح لأن عبد المطلب نذر أن يذبح أحد أولاده إذا عثر على زمزم فوقعت القرعة على عبد الله ثم فكه بعشر ديات، وإسماعيل ذبيح بنص القرآن، وقد نجى الله الذبيحين.

стр. 907

فكما أنك استأنست بأبيك الذي هو أبعد الآباء فلتستأنس بأبيك الذي هو أقرب الآباء إليك ممن هو نبي وهو خليل الرحمن، وليس في آبائه نبي آخر بعد ذلك ليستأنس به جاء من عبد المطلب أو غيره. وحكمة ثانية: فأنت خليل وهو خليل فلابد أن يجتمع الخليل مع الخليل ثم إن خلتك أعلى من خلته لأنك سترفع إلى مكان فوقه بعد ذلك فرغم أنه في أعلى الرتب وهي السماء السابعة لكن نبينا ﷺ سيرفع إلى مكان فوقه. وفي ذلك إشارة – أيضاً – كما قال علماؤنا: إلى ما سيحصل لنبينا ﵊ في المستقبل، فالسماء السابعة فيها خليل الرحمن إبراهيم، وأنت ستخرج من مكة وستدخلها في العام السابع في عمرة القضاء بعد صلح الحديبية لأن هذا كان في العام السادس وقد تم الاتفاق على أن يأتي النبي ﷺ في السنة التالية ورُدَّ هذا العام، فجاء في العام السابع ودخل مكة واعتمر، ثم في العام الثامن فتحت مكة إذن فهذه المناسك التي في مكة وأقام إبراهيم هذا البيت على الدعائم الأولى التي أسس عليها البيت فأنت ستعود لمكة في العام السابع وستفرض عليك مناسك الحج كما فرضت على خليل الله إبراهيم (وأذن في الناس بالحج) ، وأنت ستؤذن وتدعو الناس إلى لك. فهذا هو مجمل الحكم عن الالتقاء بهؤلاء الأنبياء الثمانية صلوات الله وسلامه عليهم. تعارض وجمع: ورد في بعض روايات البخاري أن نبي الله موسى ﵊ [لقيه نبينا ﵊ في السماء السابعة] ، قال الحافظ ابن حجر: ورد هذا في رواية أنس وشَرِيك ضبط هذا....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وشريك هذا هو الذي يروي حديث الإسراء والمعراج عن أنس ﵁، وله أوهام لكن هنا – كما يقول الحافظ- ضبطه وليس هذا من أوهامه. [وموسى في السماء السابعة بفضل كلام الله له] .

стр. 908

قال الحافظ ابن حجر: لا إشكال بين هذه الرواية والروايات المتقدمة ولا تعارض فنبي الله موسى مكانه الحقيقي في السادسة لكن بعد أن عرج بنبينا ﵊ السابعة صحبه موسى إلى غير داره الحقيقية كمرافق بفضل كلام الله له. أي بما أن الله كلم موسى تكليماً واتخذ إبراهيم خليلاً فجمع الله الخليلين مع الكليم في السماء السابعة، هذا هو الجمع المعتبر. وبقي موسى في السماء السابعة حتى عاد نبينا ﵊، وظهر أثر هذا: مَرَّ عليه وسأله ماذا فرض عليك؟ قال: خمسين صلاة، قال ارجع فسله التخفيف إلى أن خفضت إلى خمس، فنبينا ﵊ لم يكن ينزل إلى السادسة إلى موسى ويسأله عما فرض عليه، ويمر مروراً على إبراهيم الخليل ﵊. فإذن موسى ﵊ لازال منتظراً له في السماء السابعة ثم هو معه إلى السماء السادسة ثم بقي فيها وأعيد نبينا ﵊ إلى مكانه. ورد في رواية الإمام مسلم – وهذه الرواية ليست في البخاري عن أنس ﵁ – وحديثنا في الآية الثانية وعما فيها من عجائب – أن رسول الله ﷺ قال: [فإذا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه] والبيت المعمور الذي هو في السماء كالكعبة في الأرض. وهذه آية عظيمة رآها نبينا ﵊. قال الحافظ ابن حجر "وفي هذا دلالة على أن أكثر المخلوقات هم الملائكة فلابد لجنس من الأجناس تزايد وتكاثر بهذه النسبة، فمنذ أن أوجد الله الكون إلى هذه الساعة يدخل إلى البيت المعمور سبعون ألفاً لا يعودون إليه، فالملائكة هم أكثر خلق الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو) . والإنسان وكل الله به ١٦٠ ملكاً، وفي حديث عند الطبراني: [وكل الله بالمؤمن ١٦٠ ملكاً يحفظونه للبصر من ذلك سبعة أملاك] وهو في المعجم الكبير وسنده ضعيف.

стр. 909

والله يشير إلى هذا في كتابه (له معقباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) فهناك ملائكة تتعاقب على حراسته وحفظه ويعقب بعضها بعضاً في تقييد عمله وتسطير ما يحصل منه. وقد جرى في السماء السادسة عند رؤية نبينا ﵊ لنبي الله موسى كليم الله موقفٌ ينبغي أن نقف عنده. المحاضرة الثانية عشرة ٦/٤/١٤١٢هـ هذا الموقف لما تجاوز نبينا ﵊ موسى بكى – أي موسى- فقيل له ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي] هذه رواية وورد أيضاً في رواية ابن مسعود ﵁ [أن نبينا ﵊ لما مر بموسى هو يرفع صوته فيقول: أكرمْتَهُ، وفضلْتَهُ، فقال نبينا ﵊ من هذا؟ فقال جبريل: هذا موسى، قال: ومن يعاتب؟ فقال: يعاتب ربه فيك، قال: كيف يرفع صوته على ربه؟ فقال: إن الله قد عرف له حدته] أي انفعاله وغضبه. وفي رواية في مسند أبي يعلى والبزار بسند حسن [أن نبينا ﵊ قال: سمعت صوتا وتذمرا فسألت جبريل، فقال هذا موسى، قلت ـ على من تذمر؟ قال: على ربه، قلت: على ربه؟! قال: إنه قد عرف ذلك منه.] والتذمر شبه الاعتراض والتأثر. وهذا الموقف الذي جرى من نبي الله موسى ينبغي أن نقف عنده لنحلله وننظر إليه: ما جرى من نبي الله موسى ﵊ لا يعتبر حسداً، فالحسد من الكبائر والأنبياء معصومون عن ذلك، وحاشا لنبي أن يكون حسوداً وحاسداً لأحد على ما فضله الله وأنعم به عليه. فإن قيل: فما تعليل هذا الكلام إذن؟

стр. 910

نقول: إن موسى ﵊ قال ما قال من باب الحزن على ما فاته من؟؟؟؟ الذي سبقه به محمد ﵊، وكان ذلك الحزن منه بسبب أمته – نبي إسرائيل فعندما لم يتبعوه على الوجه الكامل المرضي لم يكن لهم من الحسنات كما لهذه الأمة ولو اتبعوه ابتاعاً كاملاً لحصل هم حسنات ثم كتبت حسناتهم في صحيفة نبي الله موسى من دل على خير فله أجر فاعله، ولذلك نبينا ﵊ له أجر هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة. ولعل الله أعلم موسى بذلك وأن هذه الأمة حالها ليس كحال أمتك ومن أجل هذا ارتفع هذا النبي عليك لزيادة قدره عندي لأن حسناته لم يأت بها أحد من خلقي، فعدا عن حسناته الخاصة وجهده الذاتي فإن له حسنات تأتي بسببه بعد ذلك فيكتب له أجره إلى يوم القيامة. فموسى ﵊ عندما جاوزه نبينا ﵊ بدأ يحصل منه هذا التذمر لا من باب حسد نبينا ﵊ إنما من باب الحزن على ما فرطت به بنو إسرائيل مما أدى به إلى أن تكون منزلته نازلة. وأضرب لكم مثلاً: لو أن عندك ولداً عنيداً بليداً وأنت تبذل ما في وسعك لتوجيهه فلا يتوجه. ثم مرَّ بك بعد ذلك بعض أولاد أصحابك وكان عليه ذكاء ونجابة وألمعية فأنت قد يحصل منك الآن تذمر وانفعال وغضب على ولدك وقد يسوء كلامك وخلقك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. وهذاهو الذي حصل من نبي الله موسى، فإنه ليس من باب الحسد إنما من باب الحزن والتأنيب لقومه وأمته على ما تسببوا به من إنزال مرتبته. ونسأل الله أن لا يجعلنا ممن يسودون وجه نبينا ﵊ وأن يجعل نبينا ﵊ يباهي بنا الأمم يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير. ٢- قوله عن نبينا ﵊ أنه غلام، وليس في هذا تحقير فانتبه لهذا فإن الإنسان يمر بأربعة مراحل رئيسة في عمره: أ- المرحلة الأولى: غلام، ما دون التكليف من ١٥ سنة فما دونها.

стр. 911

ب- المرحلة الثانية: شباب، وهي من ١٥ سنة إلى ٣٠سنة ومدها الإمام ابن القيم إلى ٤٠ سنة، وقال هذا حد الشباب وفيها – أي في الأربعين – تكتمل قوى الإنسان ويبلغ أشده (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) ، وما بعث الله نبياً إلا على أربعين هذا على الأعم الأغلب، انظروا روح البيان للألوسي (٢٦/١٨، ١٩) ، لأن قواه العقلية تكون قد اكتملت وتكون عنده التؤدة والتأني والثبات والرزانة ووضع الأمور في مواضعها. جـ- المرحلة الثالثة: كهولة، وهي من ٤٠ سنة – إلى ٦٠ سنة. د- المرحلة الرابعة: شيخوخة، وهي من ٦٠ سنة إلى الوفاة نسأل الله حسن الخاتمة قال رسول الله ﷺ : [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك] والحديث في المسند والسنن بسند صحيح. فإذن قوله غلام أي لازال صبياً ناهز الاحتلام، فلم يصفه بأنه شاب وكيف هذا؟ ذكر أئمتنا جوابين عن هذا: ١- الجواب الأول: ونقل عن المتقدمين كابن أبي جمرة وغيره، أن هذا من باب دالة موسى على نبينا ﵊. فموسى أكبر منه، ونبينا مع موسى كالغلام مع الشيخ من ناحية العمر، فهو وإن كان يزيد على الخمسين سنة (٥١ سنة ونصف) ودخل في الكهولة فعبر عنه بأنه غلام – في أول مراحل العمر بالنسبة إلى عمر نبي الله موسى، فالفارق بينهما يجعل هذا العمر الذي يزيد على خمسين سنة كأنه سنة مع عمر نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه، لاسيما وأن لموسى دالة عليه ومنزلة لكبر سنه ولسبقه له في النبوة والرسالة، ولأنه سيشير عليه – كما سيأتي – بأمر ينفعه وينفع أمته فجزاه الله عنا خيراً. ٢- الجواب الثاني: ذكره الحافظ ابن حجر – وهو في تقديري أقوى الجوابين – فقال إن هذا ليس من باب أن نبينا مع موسى كالغلام مع الشيخ، إنما عبر بغلام هنا ليخبره عن قوة نبينا ﵊ وعزمه ونشاطه.

стр. 912

فهو كبير في العمر لكن همته همة الشباب، وهمته همة من لم يعرف تعباً في الحياة بل لازال؟؟؟؟؟؟ له كل شيء وهو جاهل لذلك قوته مجتمعة لم تبذل هنا وهناك، ولم يتعب في حياته وهذا هو حال الناس. فإذن ليدلل على عزيمته وقوته رغم كونه في سن الكهولة، وهذا حاله ﷺ ، يقول على ﵁ [كنا إذا اشتد الوطيس وحمت المعركة أشجعنا يلوذ برسول الله ﷺ ] . وفي غزوة حنين عندما نصب المشركون كميناً للنبي ﷺ والصحابة؟؟؟؟؟؟ بنبال كالمطر فتفرق الصحابة، وثبت النبي ﷺ وكان يردد: أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب ثم قال يا عباس، نادِ في الصحابة، يا أهل بيعة العقبة، يا أهل بيعة الشجرة، يا أهل بدر أي نادهم يا عباس ليجتمعوا إليَّ وهو ينادي ويقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلبج فإذن ما فيه من عزم ونشاط هو عزم الشباب لا عزم الكهولة ولذلك سماه غلاماً؟؟؟؟ هو في آخر مراحل الغلام وأول مراحل الشباب. قال الحافظ ابن حجر: وقد تأيد هذا بالحديث الصحيح الثابت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ [أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه التسع في الساعة الواحدة من ليل أو نهار بغسل واحد فقيل لأنس: أو كان رسول الله ﵊ يطيق ذلك؟ فقال: كنا نتحدث أن الله أعطاه قوة ثلاثين] . وفي كتاب صفة الجنة لأبي نُعيم بسند صحيح – [أن الله أعطاه قوة أربعين رجلا ً من أهل الجنة] وقوة الرجل في أهل الجنة تعدل قوة مائة رجل من أهل الدنيا أكلا ً وشرباً ومباشرة.

стр. 913

فنضرب ٤٠×١٠٠ فيكون الناتج ٤٠٠٠، إذن قوة نبينا ﵊ إذا قورنت برجال أهل الأرض فإنها تعدل قوة (٤٠٠٠) رجلا ً، فهل يكون من هذا شأنه كهلا؟!! ولذا قيل له غلام؛ لأن مَنْ هذا حاله وشأنه لا يقال فيه [هذا الشيخ أو الكهل الذي بعث بعدي فقد يفهم منه أنه ضعيف ليس عنده قوة] ، فرسولنا ﷺ فيه نشاط الغلمان لا عمرهم، وعمره عمر الكهول. وهذا خير ما يكون في الإنسان رزانة ووقار أي كبير في السن، لكن عزمه قوي يغلب عزم الشباب. إخوتي الكرام ... يكرم الله جل وعلا عباده بما شاء ، وقد ذكر أئمتنا في ترجمة سُليم بن عِتْر قاضي مصر في عهد معاوية بن أبي سفيان ﵁، وسُليم هو من أئمة التابعين توفي سنة ٧٥هـ ذكر أئمتنا أنه كان يختم كل ليلة ثلاث مرات – وهو؟؟؟؟ ويتصل بأهله ثلاث مرات. وهذه قوة عجيبة يكرم الله بها عبده، فأولاً يختم القرآن في كل ليلة وهذا ورد ثلاث مرات وهو القاضي الذي فرغ نفسه لشؤون الناس في النهار فإذا جن الليل؟؟؟؟؟. وقد ذكر هذا في سير أعلام النبلاء للذهبي ٤/١٣٢،وفي غيره. يقول الإمام الذهبي في ترجمته: "سُليم بن عِتْر الإمام الفقيه قاضي مصر ووعظها وقاصُّها وعابدها – "ثم قال: "وروي عنه أنه كان يختم كل ليلة ثلاث ختمات ويأتي امرأته ويغتسل ثلاث مرات، وأنها قالت بعد موته: رحمك الله، لقد كنت ترضي ربك وترضي أهلك" إلخ ترجمته. ويقول الشيخ شعيب الأرناؤوط – وهو المعلق على سير أعلام النبلاء -: ولا يعقل ذلك، ربما لا يصح عنه" لماذا لا يعقل هذا؟ وقد قلنا إن خارق العادة ليس بمستحيل ولا بمخالف للعقل. فلو أن الله أكرم أحد عباده بأن يختم القرآن كل ليلة مائة مرة يعقل هذا أم لا يعقل؟ بل يعقل وأن يتصل بأهله مائة مرة، يعقل هذا أم لا يعقل؟ بل يعقل. فلماذا لا يعقل وليس هو بمستحيل، لذلك فانتبهوا إخوتي الكرام إذا أردتم أن تتكلموا وزنوا كلامكم بميزان الشرع.

стр. 914

ولو قال هذا المعلق: "هذا غريب والله على كل شيء قدير" فلا بأس، ولكن انظر كيف يقول لا يعقل وربما لا يصح، فما دام ليس معقولاً عندك قل لا يصح ولا تقل ربما، فإذن كيف صار كلا منا لا احتراز فيه ولا احتراس ثم قال:؟؟؟؟ لأنه مخالف لهدي رسول الله ﷺ حيث يقول: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ولكن نحن نقول هذه كرامة وليست من المستحيلات حتى نردها. والإمام النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن – وهذا الكتاب – لابد أن يكون عند كل طالب علم، وهكذا كتاب (الأذكار) وهكذا (رياض الصالحين) فهذه الكتب الثلاثة للإمام النووي لا يكون في البيت خير أو نور إذا لم تكن هذه الكتب فيه، وينبغي أن تجهز هذه الكتب في جهاز المرأة عندما تزف لزوجها. فالإمام النووي في هذا الكتاب – التبيان – في ص ٤٧ يقول: "كان السلف ﵃ لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف ﵃ أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل ثمان ليال، وعن الأكثر في كل سبع ليال وعن بعضهم في كل ست ليال وعن بعضهم في كل خمس ليال، وعن بعضهم في كل أربع ليال وعن كثيرين في كل ثلاث ليال، وعن بعضهم في كل ليلتين، وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في كل يوم ليلة ختمتين ومنهم من كان يزيد عن ثلاثة، وختم بعضهم ثماني ختمات أربعاً بالليل وأربعاً بالنهار". فمن الذين كانوا يختمون ختمة في اليوم والليلة عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وآخرون. ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سُليم بن عِتْر – وهذا هو الذي ذكرنا قصته – وكان؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 915

ثلاث ختمات، وروى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليل أربع ختمات، قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي؟ كان ابن الكاتب ﵀ يختم في النهار أربع ختمات وفي الليل أربع ختمات، وهذا ما بلغنا في اليوم والليلة. ثم يقول في آخر المبحث: "والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرأه، وكذا من كان مشغولا ً بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر يحصل بسببه إخلال بما هو مُرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرهة". هذا كله – كما قلت – يخرج منه ما ذكر – أن هذا من باب الكرامة فسعيد بن جبر ﵀ ثابت بالإسناد الصحيح إليه أنه كان يختم القرآن بين المغرب والعشاء. كيف هذا والوقت بين المغرب والعشاء قصير لا يزيد على ساعتين على أكبر تقدير، ولو أخر العشاء ساعة فهل يختم القرآن في ثلاث ساعات؟ على أقل تقدير الحافظ المجد الذي يقرأ القرآن عن ظهر قلب قراءة حدراً يحتاج إلى خمس ساعات، فكيف إذن قرأه سعيد ابن جبير بين المغرب والعشاء؟ نقول هذه كرامة، إذ كيف أسري بنبينا ﵊ وعرج به وحصل له ما حصل في هذه الرحلة المباركة في جزء من الليل. ولذلك يقول أئمتنا عن هذه الكرامة التي تقع في وقت قصير هي من باب (نشر الزمان: أي توسعته، فهذا الزمن يوسع في حقك لكنه يبقى بالنسبة لغيرك كما هو. إخوتي الكرام ... الذي ينظر في أحوال سلفنا فسيجد حقيقة أن الله كان يبارك لهم في كل شيء في طعامهم وشرابهم وأولادهم وأهليهم، وبيوتهم وعلمهم. بعض مؤلفات بعض العلماء لو أردنا أن نقرأها فستنتهي أعمارنا قبل أن؟؟؟؟ من قراءتها فقط فكيف بمن ألفها كيف ألفها في هذا الزمن؟
следующие страницы →